← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98127

الأخوة أيها الإخوة

محمد حسين يعقوب

Полный текст (255 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إخوتاه لا تكونوا منفرين، لما قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، قال لهم رسول الله ﷺ : " دعوه واهرقوا على بوله سجلا من ماء ـ أو ذنوبا من ماء ـ فإنَّما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " (١) إخوتاه ينبغي أن ننتبه لاستخدام الرفق والرحمة، فما يضع الله رحمته إلا على رحيم، فاللهم اجعلنا من الرحماء. قال ﷺ " والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه يرحم الناس كافة " (٢) وفي تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكرـ ﵀ أنَّ معاوية بن الحارث كان عاملا لعمر بن عبد العزيز على غزاة، فلما انتهت الغزوة أرسل إلى عمر يبلغه النصر. فقال عمر بن عبد العزيز: هل سلم المسلمون في الغزوة؟ قال: نعم، قال: كلهم؟ قال: نعم كلهم إلا رجلا واحدا عدلت به دابته فساح في الثلج. قال عمر: فصنع ماذا؟ قال الرجل: فهلك.

стр. 142

فغضب عمر ﵁ غضبا شديدا، وقام من مجلسه، وقال: لقد أطلقتها غير مكترث علي بفلان. فكتب إلى معاوية بن الحارث " إياك وغارات الشتاء، فوالله لرجل من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت ". إخوتاه هكذا الأخوة والحب في الله، فوالله الذي لا إله إلا هو ما أحب إنسان في الله ولله إلا وجد ما وجد عمر بن عبد العزيز أنَّ رجلا من المسلمين بالدنيا وما فيها. إنَّه الحب في الله ولله، ينشئ هذه الصور الجميلة، هذا الإحساس الطيب اللطيف نحو المسلمين، إنَّه شعور الرحمة والشفقة والرفق. أحد الدعاة دخلت عليه أمه وهو يبكي ففزعت وقالت: أمسلم في الهند مات؟ أه ... نعم ينبغي أن تهتم بحال الناس جميعا، لابد أن تحزن لموت أي مسلم، كيف لا وهو أخوك. إخوتاه تأملوا هذه القصة العجيبة، يقول هارون بن عبد الله الحمال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أحمد بن حنبل، فبادرت إليه وخرجت. قلت: مرحبا يا أبا عبد الله، لو دعوتني لجئتك، ما حاجتك؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: مررت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس، أنت في الظل والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فأقعد الناس. فانظر إلى هذه الرحمة البالغة، والحرص على المسلمين، فأي قلوب هذه؟! وأي

стр. 143

رقة كانوا يتحلون بها؟! كان " أبو حندول الطيب " أحد القراء المشهورين، وكانت له صحيفة بها ثلاثمائة من أصدقائه يدعو لهم كل ليلة، ففي ليلة من الليالي تركهم ونام، فأتاه في المنام من يقول: يا أبا حندول لِمَ لَمْ تسرج مصابيحك الليلة؟ فقام وأخذ الصحيفة ودعا لواحد واحد حتى فرغ. المؤمن للمؤمن كالبنيان، المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إخوتاه إنَّ الرفق أول طريق النجاح، وبداية للأخوة الإيمانية الحقيقية، فأحسن إلى أخيك وارحمه وارفق به ـ والله الموفق ـ

стр. 144

دوام الصلة والتزاور في الله لو كان للفراق صورة لارتاعت لها القلوب ولهدت الجبال

стр. 145

السبب الثامن ثامنا: دوام الصلة والتزاور في الله إخوتاه إن كان الله وعد الرحم أنَّ من وصلها وصله، ومن قطعها قطعه فإنَّ رحم الإسلام موصولة دائمًا. رحم الإسلام هي الأخوة في الله، هذه الوشيجة التي لا تنقطع ولا تنفصل، هذه الرابطة التي لا تزول أبدا حتى بعد الممات؛ فإنكما يوم القيامة تتلاقيان فتتعارفان، قال تعالى " الْأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " [الزخرف/٦٧] إخوتاه لابد للأخوة من صلة، وعلينا أن نلفت النظر هنا لضياع صلة الأرحام في زماننا، وهذه المسألة لا نفتأ نذكرها ونلح عليها؛ لأن الأخوة فرطوا كثيرا في هذا الشأن، صلوا أرحامكم، فإنَّ الرحم متعلقة على الصراط يوم القيامة ومعها الأمانة، فمن أدى الأمانة ووصل الرحم نجا وإلا هويا به في النار وطلب أن يأتي بهما من قعر النار؛ لذلك آمركم وأشدد عليكم بصلة الأرحام. قد يتعلل بعض الأخوة بأنَّ بعض أرحامه من العصاة فنقول: إنَّ رسول الله ﷺ قال: " ألا إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنَّما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها " (١)

стр. 146

" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ " [المائدة/٥٥]، هؤلاء أولياؤك حزب الله المفلحون، وقد يكون هؤلاء الذين تبرأ منهم رسول الله ﷺ فيهم بعض معصية لكن فرق بين الولاية وصلة الرحم " لهم رحم أبلها ببلالها ". قال العلماء: أي أصلها بقدرها، فإن كان والدك أو أخوك أو عمك مثلاً على معصية ما كالتدخين أو شرب الخمور أو إدمان التلفاز أو أنَّه يسخر ـ دائماً ـ من الملتزمين فهذا لا يمنع من أن تصله، تذهب إليه وتلقي السلام وتبش في وجهه، ثم تقول: تأمرني بشيء، وإن وجدت سبيلا للدعوة فبها ونعمت، وإلا فانطلق راشداً، وقد أديت ما عليك. واحذروا ـ إخوتاه ـ من عقوق الوالدين فإنَّه كبيرة عظيمة من الكبائر، وقد أمرك الله بخفض الجناح لهما، ودوام الدعاء لهما بالرحمة، وأنْ تظل عارفاً لجميلهما حتى وإن كانا على الكفرـ والعياذ بالله ـ " وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " [لقمان/١٥] هذه هي الحالة الوحيدة التي تفارقهما فيها، إذا أمراك بمعصية، فإنَّما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقال تعالى: " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " [الإسراء/٢٤] إخوتاه .. ومن مسيس الحاجة أن أنبه هنا إلى ضرورة اتخاذ المواقف الحاسمة في مثل هذه الأحوال، ينبغي أن تكون لك قضايا لا تقبل المناقشة تمثل قاعدة الارتكاز والأصول الأصيلة في حياتك، فأن تعين أحدا ـ كائنا من كان ـ على معصية الله فلا وألف لا، أن

стр. 147

تفاوض على حلق اللحية أو تفاوضين في خلع النقاب فلا، لكن هذا برفق ولين ـ كما تقدم معناه ـ فاحذروا التلون والتردد والتخبط والتخوف؛ فإنَّها دركات حتى تزل قدمك بعد ثبوتها وتذوق السوء بما صددت عن سبيل الله. إخوتاه .. إذا وصلنا أرحامنا فلنزر إخواننا أولياءنا أحبتنا في الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتباذلين فيَّ، والمتزاورين في" (١) هذا وعد الله، ولا يخلف الله وعده، أن يمن عليك بمحبته إذا زرت أخاك في الله. والحديث مشهور أن رجلاً زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها، قال: لا غير أني أحببته في الله . قال: فإنِّي رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبك كما أحببته فيه ". (٢) إخوتاه .. لا تنشغلوا عن إخوانكم، لماذا صارت البيوت مهجورة؟ لماذا هذا الانهماك والانكباب والتشاغل بالدنيا؟ أسأل الله لنا ولكم العافية.

стр. 148

علينا أن نضع في برنامجنا الأسبوعي يوما لصلة الرحم، ويوما لزيارة الإخوة، يوما لزيارة الدعاة، يوما لزيارة المستشفيات، يوما لزيارة القبور فإنْ كان ذلك لا يصلح في أسبوع ففي كل شهر، هذه هي التربية التي تثمر زيادة الإيمان. إخوتاه .. فضل الزيارة في الله عظيم، فكما أنَّ الله يحب العبد بها، فإنَّه يرضى عنه ويدخله الجنة بسببها. قال ﷺ " ألا أخبركم برجالكم في الجنة، النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والصِّدِّيق في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر في الله في الجنة " (١) فالزيارة داعية لتقارب المؤمنين وتجانسهم وتعارفهم، فإنَّها تزيد المحبة والمودة في القلوب فيكونون إخوانا حقاً كما أمرهم الله جل وعلا. إخوتاه إياكم والقطيعة والخصومة والتنافر فإنَّها تميت قلوبكم. قال ﷺ : "لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله " (٢) " لا تقاطعوا " أي لا يقطع بعضكم بعضاً بل تواصلوا. " لا تدابروا " أي لا يعطي أحدكم ظهره لأخيه، بل كونوا إخوانا متقابلين، فلا بد

стр. 149

من تواصل وتلاقٍ وتزاور. كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاحاً أو زهداً أو قياماً بالحق أو اتباعاً للأمر سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وينطلق ليزوره، ولو بينهما مسافات شاسعة ثم يديم السؤال عليه. وهكذا ـ أخي ـ كن على تعارف بالصالحين، وتلاق بأهل الإيمان، أدم السؤال على أهل الصلاح، فهؤلاء قد يشفعون لك. أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة المؤمن يشفع في أخيه، وهذه من أعظم ثمرات الأخوة، ومعرفة الصالحين المتقين ترقق القلوب. إخوتاه .. آداب الزيارة: وللزيارة في الله آداب، منها: (١) رفع الكلفة بين الأخوين، فليس يلزم أن تذهب بهدية، وأن يعد لك صاحب البيت طعاما في المقابل، ليس هذا بشرط ولا ينبغي أن يكون. من المواقف الطريفة التي تذكر في هذا الصدد، أنَّ رجلين ذهبا ليزورا سلمان الفارسي فقدم لهما خبزاً وملحاً، فلما أرادا أن يأكلا قالا: لو كان مع الخبز شيء من الزعتر. فأخرج سلمان إناءً كان عنده يتوضأ فيه (مطهرته) فرهنها عند البقال، وأتى لهما بشيء من الزعتر فبعد أن أكلا قالا: الحمد لله رضينا بما رزقنا. قال سلمان: لو رضيتم ما كانت مطهرتي مرهونة عند البقال. إخوتاه .. ومن الأدب أيضا أن (٢) تحسن الضيافة لأخيك، فليس معنى أن تكون غير متكلف، أن تصطنع خلاف الحقيقة، فتكون في سعة وتظهر الضيق، هذا ليس من الجود

стр. 150

ولا الكرم، بل هي صفات البخلاء الأشحاء، بعض الإخوة سمع أنني دعوت إخوة لي وقدمت لهم خبزا وملحا، فقال: لأصنعن صنيعه، قلت: لا، أصنعها تربية أما أنت فلماذا تصنع ذلك؟!! الشاهد أنَّك ينبغي أن تطعمه مما تطعم، جُدْ بما جاد الله به عليك. وينبغي أن تتبادلا أطراف الحديث فيما يرضي الله تعالى، تذكره ويذكرك، تقابله بابتسامة جميلة، وكلمات عذبة، وتجلسه في أفضل مكان في بيتك، ولا يمل منه فإنَّه في عبادة إذا أصلح نيته. أما الزائر فعليه بداية أن يصدق الله ويخلص النية في الزيارة، وعليه أن يراعي حرمات الدار فيغض الطرف والسمع، ولا بأس أن يصطحب هدية لمن يزوره إن استطاع، ويبش في وجهه، ويظهر اهتمامه به، ولا يطيل المكث بحيث يذهب الوقت سدى .. إلى غير ذلك من الآداب الحسنة. إخوتاه .. الزيارة في الله تدخل البهجة في القلوب، فتزاوروا ولا يستعظمن أحدكم أن يزور أخاه صغيرا كان أم كبيرا. لما خرج الإمام أحمد من السجن، وأطلق سراحه بعد المحنة خشي أن يأتيه إسحاق بن راهويه فرحل إليه هو. إنه يعرف قدر الزيارة في الله، وينزل الناس منازلهم، ويرى أن لقاءه به يبعث على السرور والبهجة، وأنَّ الشوق بلغ كل مبلغ فلتقطع الفيافي والفلوات، ولتجتاز الدروب الوعرة من أجل حبيبي في الله. إخوتاه .. على هذا الأمر اثبتوا، فإن دوام الوصال يداوي المرض العضال، وإنَّ الزيارة لحقٌ

стр. 151

للرجل المفضال، ولا تقعدن عن وصل أخيك وإن عانيت حر الفلاة وبرد الظلال، فإن لقاءه أحلى من السلسال وأعذب من الماء الزلال. إخوتاه .. ينبغي أن نتجاوز سفاسف الأمور، علينا أن نعلو بهممنا، وأن ندرأ بالحسنة السيئة. تجد بعض الإخوة يقاطع أخاه لأنَّه لما مرض لم يزره، أو لما سافر لم يأت لتوديعه، ولم يكن في استقباله عندما عاد، أو أنَّه لم يجده بجانبه في محنة ألمت به، أو .. أو .. الخ. هذا كله لا يهتم به إلا أصحاب الهمم السفلية، بل عليك أن تلتمس العذر لأخيك وتذكر مواطن إحسانه. إخوتاه .. سبيلك لصلات قوية يتلخص في كلمتين " كف الأذى وبذل الندى " (١) فعليك أن تكون كريما في صفاتك وأخلاقك ومعاملاتك، وأفضل ما تقوم به تجاه الناس أن تتقي الوقوع فيما يضرك، وأن تقابل أذاهم لك بالإحسان إليهم " فَإِذَاْ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌ حَمِيمٌ " [فصلت/٣٤] إخوتاه لابد من نية صادقة، لابد من ابتغاء وجه الله في كل تحركاتك، فإذا خرجت لزيارة أخيك في الله، وكان ذلك هو كل ما يدور بذهنك فاعلم أنَّ الله لن يضيعك.

стр. 152

خرج الإمام أحمد لزيارة إسحاق بن راهويه فلما بلغ الري دخل إلى المسجد فجاء مطر كأفواه القرب، فلما كان بعد العشاء، قالوا: "اخرج من المسجد إننا نريد أن نغلقه، فقال لهم: هذا بيت الله، وأنا عبد الله، فقيل: أيهما أحب إليك أن تخرج أو تجر رجلك ". فقال الإمام أحمد: سلام. يقول: فخرجت من المسجد والمطر والرعد والبرق فلا أدري أين أضع رجلي، ولا أين أتوجه، فإذا برجل قد خرج من داره، فقال: يا هذا أين تمر في هذا الوقت؟ قلت: والله لا أدري أين أمر. فقال لي: أدخل، فدخلت، فأدخلني دارا، ونزع ثيابي، وأعطاني ثيابا جافة، فتطهرت للصلاة، وأدخلوني إلى بيت فيه كانون ولبود ومائدة منصوبة. قالوا: كل، فأكلت معهم، فلما أكلنا ورفع الطعام قال لي الرجل: من أين أتيت؟ قلت: أنا من بغداد. قال: تعرف رجلا يقال له أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل. قال: وأنا إسحاق بن راهويه. إخوتاه .. إنها قصة عجيبة، انظر لما صدق الله في نيته، وأخلص لله طويته، يسر الله أمره، ورزقه من حيث لم يحتسب، وجمع بينه وبين مطلوبه بلا كلفة ولا مشقة، فاللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله. حين تخرج لأخيك فانوِ أن تدخل السعادة عليه؛ فيسعد الله بذلك قلبك، نسأل الله أن يسعد قلوبنا. وقد يتردد السؤال ولا بد أن يدور في ذهنك (لماذا .. ؟) ويأتيك الجواب من ابن القيم ﵀ في " الفوائد ":

стр. 153

يقول: " اجتماع الإخوان قسمان: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنَّه يفسد القلب ويضيع الوقت. والقسم الثاني: اجتماع على التعاون على أسباب النجاة والتواصي على الحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها " ولذلك كانت مجالس السلف مجالس ذكر وموعظة، مجالس يزداد فيها الإيمان، وتتصل القلوب بالرحمن، انظر كيف كان السلف يلتقون لنحاكيهم: " جاء سفيان الثوري إلى الفضيل بن عياض فتذاكرا وبكيا، وهذا هو الشاهد، جلس كل واحد يذكر الآخر حتى فاضت عيناهما. فقال سفيان للفضيل: إنِّي لأرجو ألاَّ نكون جلسنا مجلسا أعظم بركة من هذا المجلس. فقال الفضيل: ولكني أخاف أن لا نكون جلسنا مجلسا أضر علينا منه. فقال سفيان: ولِمَ يا أبا علي؟ قال: ألست قصدت إلى أحسن حديث فحدثتني به، وقصدت أنا إلى أحسن حديث فحدثتك به، فتزينت لي وتزينت لك. فبكى سفيان أشد من بكائه الأول، وقال: أحييتني أحياك الله ". أسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا. إخوتاه .. كن على فطرتك وسليقتك وأنت تلاقي أخاك. قال بعض السلف: خير أصحابي من لا يتكلف لي، ولا أتحشم معه فأكون معه كما أكون وحدي. فلا شك أنَّ التكلف سيورث نوعا من الرياء والتصنع، بل كن على سجيتك،

стр. 154

تذاكرا شيئا في الله، واغتنما الأوقات. الزيارة تحفة النفس للنفس فلا تجعلها تافهة، لا تجعل بيتك مناخاً للبطالين الفارغين، لا تجعل لقاءك ملجأ المتعطلين، بل هي مجالس الفائدة والعلم وزيادة الإيمان والعمل الصالح، بل هي مجالس قدسية لا يعرفها القوم المسرفون. قال ﷺ : " لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي " (١) ومما جاء في حفظ الصالحين لمجالسهم في الله ما روي عن عطاء السلمي أنَّه قال: كنت مع سفيان الثوري بمكة في المسجد الحرام، ونحن نتحدث، إذ قال لي سفيان: يا عطاء نحن جلوس والنَّهار يعمل عمله، قلت: إنَّا لفي خير إن شاء الله. قال: أجل ولكننا نتلذذ به. إخوتاه .. أفضل الإخوان الذي ينبغي أن تحرص على مجالستهم، رجل مكَّنَك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا، أو تصنع إليه معروفا، أو علمك حرفا، أو ساق إليك ما ينفعك في آخرتك. فمثل هؤلاء هم خير عون لك على منفعتك وكمالك، فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك وربما أكثر. فإن نعم الهدية ونعم العطية، الكلمة من الخير يسمعها الرجل المؤمن فيهديها لأخيه المؤمن.

стр. 155

فحين تسمع كلمة من الخير فلا تحتفظ بها لنفسك، انفع غيرك بها، بلغها له، إنَّك أن تذكر أخاك بآية أو بكلمة صالحة أو بحديث أو بمقولة طيبة خير له من أن تعطيه من مالك الشيء الكثير، فهذا لا يقدر بمال. إخوتاه .. أضر الناس عليك من مكنك نفسه حتى تعصي الله فيه، فهذا يفتح باب الغيبة والنميمة، وهذا يدور بالأكاذيب والأباطيل، وهذا يعلمك الرياء والنفاق، وهذا يفتعل الكلام .. وهذا .. وذاك هؤلاء هم الثقلاء، ومثل هؤلاء ينبغي أن تقطع صلتك به، إذا رأيته رده فإنَّهم أذى لك ولدينك. يقول ابن القيم: ويمر الرجل بمجلس قوم على خير فيسوؤه ما هم فيه من خير فيدخل بينهم، وحالهم يقول: " أميطوا أذى الطريق ". هؤلاء عون للشيطان عليك، هؤلاء يساعدونك على العصيان، هؤلاء سيجرونك إلى وادي الخذلان، فعياذا بالله من هؤلاء الخلان. إخوتاه .. لا تضع وقتك مع أهل البطالة والفراغ، فإنَّهم لا يدركون أنَّ الوقت رأس مال السائرين إلى الله. كان ابن الجوزي يستعد لأهل الفراغ المتلذذين بالزيارة، فيقول: أرصد لهم عند زيارتهم أعمالاً. يقول في صيد الخاطر: إنَّ ناساً يحضرون لزيارتي وهم فارغون وبطالون، فإذا رددتهم أوغرت صدورهم، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد (من الأوراق)

стр. 156

وبري الأقلام، وحزم الدفاتر. فهذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فيرصد مثل هذه الأعمال لأوقات زيارتهم حتى لا يضيع شيء من الوقت. إخوتاه ...... أريدك إذا جاءك أخوك الذي تحبه في الله أن تصحبه إلى عالم تذكرون الله فيه، تقول له: اسمع هذه الآية، استمع لهذا الحديث، تعال بنا نتصفح سوياً هذا الكتاب .. الخ. نسأل الله تعال أن يعلمنا ويرزقنا اغتنام أوقاتنا في مرضاته؛ فإنَّه لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم. إخوتاه .. عودوا أنفسكم أن تنووا خيرا ولا ترددوا في عمله مهما كانت الصعوبات. فهذا صاحب لأبي جعفر المقرئ أتاه في يوم وحل وطين، ولم يمنعه ذلك من إتمام الزيارة، فقام الإمام وغسل عن رجليه الوحل والطين إكراماً. وهذا آخر ذهب إلى الإمام أحمد فجلسا إلى ما شاء الله ثم انصرف، فما إنْ بلغ داره حتى وجد الإمام أحمد يدق عليه الباب. فقال الرجل: خيرا يا أبا عبد الله، أليس كنت معك الساعة؟ قال: نعم ولكن قبل أن تأتيني كنت نويت أن آتيك، وإنِّي لا أحب أن أعود نفسي أن تنوي شيئا ثم لا تفي به.

стр. 157

إخوتاه .. زوروا إخوانكم، واغتنموا هدي السلف، فلا تخرجوا من عند إخوانكم إلا وقد ازددتم علما أو خلقا أو إيمانا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام زرت أحمد بن حنبل في بيته فأجلسني في صدر بيته وجلس دوني. فقلت: يا أبا عبد الله، أليس يقال: صاحب البيت أحق بصدر بيته؟ فقال الإمام أحمد: نعم يقعد ويقعد من يريد. قال: فقلت في نفسي خذ إليك يا أبا عبيدة فائدة. قال: ثم قلت له: يا أبا عبد الله لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم. فقال الإمام أحمد: لا تقل هكذا، إنَّ لي إخواناً لا ألقاهم إلا في كل سنة مرة، أنا أوثق بمودتهم ممن يلقاني كل يوم. فقلت: هذه أخرى يا أبا عبيد. إخوتاه .. تعلموا هذه الفائدة جيدا، ليس من شرط الزيارة أن أزورك كل يوم، فربما تكون أنت أحب إلي ممن أراه كل يوم، ومع ذلك أراك من السنة إلى السنة ..... نعم إن دوام الوصال مطلوب، لكن إن تقطعت السبل وناءت الديار واستحكمت الظروف وشغل كل واحد بأمور آخرته على وجه ما، فإن عدم التلاقي لا ينبغي أن يفهم على أنه دليل عدم المحبة والمودة.

стр. 158

إخوتاه .. تعلموا هذه الفائدة أيضا وهذا الأدب من زيارة القاسم بن سلام للإمام أحمد ـ رحمهما الله ـ يقول القاسم: فلما أردت القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله. فقال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه. قال أبو عبيد: فقلت وهذه ثالثة. أهـ نعم ينبغي أنْ يكون هذا الأدب عند التزاور، فكل ذلك يشرح الصدر، ويسعد القلب، ويلقي بذور المحبة والوئام. إخوتاه .. أريد أن أوصيكم ونفسي بشأن نوع خاص من الزيارة، ألا وهو زيارة المريض، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين. إنَّ أخوف ما يخيفني ـ والله ـ هذا الحديث الذي يقشعر له جسدي، وهو قول الله تعالى في الحديث القدسي: " يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: يا رب! كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ ". (١) كيف يكون الوجه أمام هذا العتاب؟ كيف يكون الجواب عند هذا اللوم؟

стр. 159

أخي الحبيب .. انتبه فإنَّ التكاسل عن زيارة المريض تفريط في حق من حقوق الله، قال ﷺ "ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحاً أتاه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة " (١) فهل بعد ذلك تستغني عن أن تخوض في رحمة الله بعيادة المريض، ليكون ذلك سببا لغفران ذنوبك. وعن علي بن أبي طالب موقوفا عليه قال: " إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة " (٢) إخوتاه .. احرصوا على عيادة المرضى ولا تتكلفوا في ذلك. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني ليس براكب بغل ولا برذون. (٣) أي ذهب إليه ﷺ ماشيا، والزيارة حق المسلم على أخيه المسلم، تكون كيفما

стр. 160

اتفق لكل مريض فقيرا كان أو غنيا. ذهب الخليل بن أحمد لتلميذ له مرض، فسر التلميذ بزيارة شيخه واستقبله قائلا: " إنْ زرناك فلفضلك، وإن زرتنا فلك الفضل زائرًا ومزورًا ". في مناقب الإمام أحمد أنَّ الإمام قال مرة لأبي بكر المروزي عن رجل فقير مريض: اذهب إليه وقل له: أي شيء تشتهي حتى نعمل لك، ودفع إليه طيبا وقال لي: طيبه. نسأل الله تعالى أن يطيب قلوبنا بالخير.

стр. 161

قضاء الحوائج وتفقد الإخوان ولم أر كالمعروف قط: أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل

стр. 162

السبب التاسع تاسعا: قضاء الحوائج وتفقد الإخوان قال تعالى: " لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " [النساء/١١٤] ويقول بعض السلف ـ كما في الآداب الشرعية لابن مفلح ـ " لم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو، وأما وجهه فجميل ". والمعروف هو الإحسان إلى الناس، وهو باب واسع يشمل كل الأمور المعنوية والحسية التي ندب إليها الإسلام لتقوية الروابط الأخوية، وتنمية العلاقات البشرية بين الناس. وكل ما من شأنه تحقيق أوامر الإسلام والبعد عن نواهيه فهو من المعروف، ولذلك جاءت الأحاديث تترى للحث والترغيب على فعله وإيجاده ..... يقول ﷺ : " أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ يدخله على المسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضى عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (مسجد المدينة) شهراً، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، [وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل] " (١)

стр. 163

إخوتاه .. لنقف هنا وقفات طويلة، فإنَّ هذا الحديث الجامع الجميل يبلور لنا فضل ما نحن بصدده حتى تروا الله من أنفسكم نيات مخلصة وأعمالاً صالحة. أولاً: يوصيك النَّبي ﷺ بأنْ تكون حريصا على منفعة الناس كل الناس؛ فإن ذلك يستوجب محبة الله لك. ثانياً: عليك أن تسعى في إدخال الفرح والبهجة والسرور في قلوب المسلمين، فلا بأس من الزيارة أو الهدية أو إكرام أولاده أو ترسل زوجتك لمساعدة زوجته المريضة، ترسل إليه من خير طعامك، وهكذا ولن تعدم الوسيلة. ثالثا: كشف كرب المسلمين، فمن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل، فاللهم اكشف كربات المسلمين يا رب. رابعاً: قضاء دينه، ترى أخاك مهموما حزينا مالك؟ ماذا في الأمر؟ فتره اهتم لتراكم الديون عليه فتذهب وتسدد عنه وتقضى دينه وقل له: تهون أموال الدنيا ولا أراك هكذا، هكذا كان يصنع السلف فمن منا يصنع هذا؟ صار الناس عبيداً للمال. لا يترددون في إنفاقه في الملذات والشهوات أما فعل الخير فهيهات. خامسًا: تطرد جوعه. عار على المسلمين أن يبيت واحد فيهم جائعا، ونحن صرنا لا نعدم فقيرا فلماذا البخل والشح؟ اكسر له كسرة خبز لتطعمه، اذهب به إلى مطعم من المطاعم ليأكل، وادفع عنه الجوع، فلماذا لا تصنعون؟ فليس ههنا مظنة للتسول.

стр. 164

سادسًا: السعي في قضاء حوائج المسلمين وانظر كيف جعله النبي ﷺ أفضل من اعتكاف شهر بالمسجد النبوي الشريف. آه .. لماذا لا تساعد أخاك؟!! تأخذ بيده وتعينه على قضاء حاجته، وما زال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ولكن ترى في عصرنا هذا نوعا من الشحناء والبغضاء والغل، فهذا يعرض عن أخيه، وذاك لا يبالي، وهذا يعتبر أن سعيه لقضاء حاجة أخيه مضيعة للوقت، أو يقول لك: إنَّه لا يستحق، وهذا من الجفاء وفساد ذات البين، وقد مر بك أنَّها الحالقة، فصارت ظاهرة عامة أن يسعى لمصلحته فقط، " أنا ومن بعدى الطوفان "، إنها نزعة أنانية، اللهم طهر قلوبنا منها يا رب. سابعًا: كفُّ الغضب فيستر الله عورته، لأنَّ الغضب يكشف العورات، فإذا كففت غضبك جزاك الله من جنس عملك فيسترك. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وبلغنا مما يرضيك آمالنا ثامنا: كظم الغيظ، فإن الله عفو يحب العفو، فلا يخيب الله رجاءه يوم القيامة ..... عن أبى مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شئ إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه. (١) وفي الحديث أيضا: " منْ أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله " (٢) تاسعًا: السعي في حاجة إخوانك، للمرة الثانية يؤكد عليها رسول الله ﷺ . وكان صاحب الحاجة يكون متزعزعا لا تثبت له قدم فمن هيأ له الثبات كأن يسعى في أن يعمل في عمل جيد، أو يعينه على التزوج، أو نحو ذلك فهذا يثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام.

стр. 165

عاشرًا: حسن الخلق، الذي هو أعظم البر، والذي هو قوام كل ذلك، إذ فساد الأخلاق يفسد الأعمال الصالحة. إخوتاه .. هذا هو المجتمع المسلم، هذه هي البيئة المسلمة، فلا للتقاطع والتنافر والتشاحن والتباغض والتحاسد الذي يفسد على الناس ـ الآن ـ أمر دينهم ودنيهم. فالمعروف شيمة المجتمع المسلم، والبيئة الإيمانية لا تعرف سوى البر والتقوى، سوى العفو والرحمة، سوى التآلف والتعاون فلا طريق لرذائل الأخلاق، ولا حياة للسفهاء والفساق بيننا. إخوتاه .. الأمة يد واحدة، جسد واحد، شعب واحد، ولذلك فهم يتعاونون ويتشاركون ويتكافلون. يقول ﷺ : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. قال أبو سعيد الخدري (راوي الحديث) ﵁ -فذكر رسول الله ﷺ من أصناف من المال حتى رأين أنه لا حق لأحد منا في فضل" (١) آه .... لو طبقنا هذا الحديث بيننا، والله ما صارت عند المسلمين أي مشكلة اقتصادية، ولكن تقول هذا لمن؟!! لقوم عبدوا المال فلا يرون لأحد فيه حقا سوى أنفسهم اللهم إليك المشتكى.

стр. 166

إخوتاه .. إنَّ أويساً القرني كان إذا بات في ليلته يقول: " اللهم إني أعتذر إليك عن كل كبد جائعة، فإنَّك تعلم أنِّى لا أملك إلا ما في بطني ...اللهم إنِّي أعتذر إليك من كل ظهر عارية، فإنَّك تعلم أنِّي لا أملك إلا ما يستر عورتي. قال ﷺ : " ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به " (١) إخوتاه .. لابد من تفقد أحوال الفقراء، لا يكن همُّك نفسَك فحسب، فإنَّك غدا ستسأل عن هؤلاء فأعد لذلك جواباً من الأعمال لا من الأقوال، واعلم أنَّ هذا من الطاعات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وكل ما يستعان به على الطاعة فهو الطاعة، وإن كان من جنس المباح " فمن أنفق من وقته الساعات ليتفقد حال فقير حتى يعينه؛ فإنَّه في طاعة بلا شك لكن لابد له من نية صالحة. إخوتاه .. يقول ﷺ : " من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا نفَّس الله عن كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعْسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،

стр. 167

ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب اله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه " (١) آهٍ .. هذا حديث عظيم القدر ـ والله ـ وهذا هو المعروف الذي يترتب عليه ذلك الفضل العظيم. بداية من تيسير الأمر على المعسرين فذلك جزاؤه من جنس عمله فييسر الله عليك في الآخرة وأنت في أشد الحاجة. أيضا الستر لعورات المسلمين. فيا من تفضح الناس وتتبع زلاتهم أما تخشى أن تعاقب بمثل صنيعك فتفضح غداً على رؤوس الأشهاد. وكلنا له ما يحب أن يستره الله، فاستر الناس حتى تُستر غدا. إخوتاه .. صناعة المعروف تقلب موازين الأمور رأساً على عقب، وتبدل الحال إلى غير الحال، تجد إنسانا مكروها يريد شفاعة يسألك مصلحة فإذا أحسنت إليه ستجد الخير كله بإذن الله. يقول ابن عباس: ما رأيت رجلاً أوليته معروف إلا أضاء ما بينه وبيني، ولا رأيت رجلاً فرط لي منه شئ إلا أظلم ما بيني وبينه. إخوتاه .. هذا الكلام عام يشمل جميع الناس، فنحن لا نخاطب أفرادا بخصوصهم،

стр. 168

فالحليق ليس بكافر بل هو مسلم قطعا؛ لأنَّ حلق اللحية معصية وليس بكفر، والمدخن كذلك والذي يدمن التلفاز كذلك، والذي يذهب لدور السينما والمسارح، والذي يسبل إزاره، والتي لا ترتدى الحجاب الذي شرعه الله على المسلمات، كل هؤلاء وكل من يقع في معصيته ليس بكافر بل هو مسلم ولكنَّه يعصي الله. فهؤلاء جميعا مطالبون بأن يطيعوا الله، فلابد أن تحسن إليهم فذلك مما يشجعهم على أن يحذوا حذو الملتزمين، ويبدأوا خطوات السير إلى الله. فصنائع المعروف إذا جاءت في الوقت المناسب مع شخص محتاج إليها فذلك مما يرفع الإيمان في السماء، ويزيد المرء قوة في دين الله. انظر إلى رسول الله ﷺ وقد جاء من وقع على امرأته في نهار رمضان فماذا صنع معه؟ عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله ﷺ : هلكت قال: ما لك. قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم؟ فقال رسول الله ﷺ . هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك أُتى النبي ﷺ بعرق فيها تمر ـ والعرق: المكتل ـ.

стр. 169

قال: ـ أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدق بها ..... فقال الرجل: على أفقر منى يا رسول الله ـ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرمين أهل بيت أفقر من أهل بيتي ـ فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابُه ثم قال: أطعمه أهلك (١) إخوتاه .. انظروا كيف وقف رسول الله ﷺ مع الرجل، وكيف تعاون المسلمون لرفع البلاء عن أخيهم، ولم يقل واحد منهم: أنت تستحق هذا، ما الذي أوداك إلى مثل هذا غير معصيتك. لا ... لا. ينبغي أن نتعلم من هدى رسول الله ﷺ ما نصحح به كثيرا من أخلاقياتنا. إخوتاه .. بشرى عظيمة أقدمها لكل صاحب معروف منكم، ولكل من يخشى على نفسه الفتنة في عالم أشرب حتى النخاع بالفتن والمنكرات. قالوا: صاحب المعروف لا يقع وإذا وقع وجد متكأ. لقد كانت امرأة مسكينة تطعم ولدها فقسمت رغيفا نصفين، نصف لها ونصف لولدها فمر بها سائل فقال: أطعميني لله فأعطته نصيبها، فلما أكل غلامها قام يلعب فالتقمه الذئب.

стр. 170

فقالت المرأة: يا رب .. اللقمة. فألقاه الذئب فقالت: لقمةً بلقمةٍ. فثق أنَّ معروفك ستجزاه إنْ آجلا أو عاجلاً، والأيام دول فما يدريك فقد تبتلى بمثل بلاء أخيك، فقدِّم اليوم لغدك. إخوتاه .. كان سلفنا يتفانون في قضاء حاجات المسلمين. يقول عبد الله بن عثمان (شيخ البخاري): "ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمَّ وإلا قمت له بمالي، فإن تمَّ وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تمَّ وإلا استعنت له بالسلطان ". وهذا على بن الحسين (زين العابدين) يدخل على محمد بن أسامة بن زيد فيجده يبكى لأنَّ عليه ديناً يقدر بخمسة عشر ألف دينار وقيل: سبعة عشر ألفاً. فقال: هي علىَّ ولا دمعة من عينيك فهي أغلى من الدنيا وما فيها. إخوتاه .. هذا هو الحب في الله عند السلف الصالح، تجد الرجل منهم لا يلقى أخاه ربما شهرا أو شهرين. فإذا سأله شطر ماله أعطاه وواساه، وبذل له، وهو يشعر بأنَّ الذي أُخذ منه أحب إليه مما بقى، أما اليوم فالمفهوم مختلف تماما، والواقع المرير خير شاهد فالله المستعان. إخوتاه .. إنَّ روابط الأخوة تقرب البعيد وتدني القاصي، فما دامت النية الصالحة قائمة والإيمان يشمل الجميع فثمَّ وجه الله.

стр. 171

قال محمد بن خالد قلت لأبى سليمان الداراني: يكون الرجل بإفريقية والآخر بسمرقند وهما أخون: قال: نعم. قلت: وكيف ذلك؟ قال: تكون نيته متى لقيه واساه، فإذا كنت نيته كذلك فهو أخوه. إخوتاه .. أين الإيثار؟!! أصار نادرا حتى لا وجود له، لماذا ضاعت منا تلك الأخلاقيات السامية؟ كان الإمام أحمد يقول: إنِّي لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي. وكان أبو بكر الصديق ﵁ قد قالها قبل حين نزل مع رسول الله ﷺ خيمة أم معبد فحلبت لرسول الله ﷺ فشرب. يقول أبو بكر: فشرب رسول الله ﷺ حتى ارتويتُ. قال تعالى " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ " [البقرة / ٢٠٧] وما أجمل هذا التعبير " يشرى نفسه " فمن ذا يبيعها الآن؟ كان ﷺ يبيت طاويا ثلاثة أيام متتالية، ولو أراد شبعاً لوجد، لكنه كان يؤثر الناس على نفسه، كيف لا وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكان يسد خلتهم، ويقضى حاجتهم، يسأل عن كبيرهم، ويعطف على صغيرهم ﷺ . إخوتاه .. كان الإيثار في سلفنا سجية، ونحن ـ الآن ـ نعدم وجوده ولو في الصورة.

стр. 172

قال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق ـ وكان من أئمة الهدى زهدا وفضلا ـ إلى الحسن بن حيى فأخبره أن ليس عنده شئ ..... فقام الحسن فأخرج ستة دراهم، وأخبره أنَّه ليس عنده غيرها فقال: سبحان الله أليس عندك غيرها وأنا آخذها، فأخذ ثلاثة وترك ثلاثة ". إنها صورة متكررة في حياتهم، لأنَّهم ألفوا التجرد لله، واستقر الإيمان في القلب فبدت معالم ذلك في أخلاقهم وسلوكياتهم. كان الإمام أحمد يقول: " لو أنَّ الدنيا جمعت حتى تكون في مقدار لقمة ثمَّ أخذها امرؤ مسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفا ". هذا هو الكرم الحقيقي، كرم الأخلاق، كرم المعاملة، فإذا جاءك ضيف فقدم له ما وسعت فليس ذلك بإسراف " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " (١) فأنت مأمور بذلك. إخوتاه .. إن السبب الرئيسي لما نحن فيه هو الاشتغال بالدنيا عن الآخرة، فهذا الشح والبخل الذي يقع في قلوبنا سببه المغريات الدنيوية التي وقعنا فريسة لها، فلابد من الانخلاع والانفلات من عبودية المادة، والتنصل من متطلبات الحياة، وأن يسعك ما وسع من قبلك، لابد أن تخرج الدنيا من قلبك إلى يدك سهلة المنال، فتعتاد البذل لكل أحد، فهذا حقيقة التجرد بدون تعقيد أو تقعر في العلم.

стр. 173

إخوتاه .. إنني أسوق إليكم الأمثلة والشواهد، وأطيل في ذلك لعل باعث الشوق يتردد في نفوسكم. يحكى القاضي عياض في تاريخه عن الإمام سحنون المالكي قال: قال أبو العرب أن سحنون خلا يوما بتلميذه سعيد بن عباد فقال له: ألست بإمامك؟ قال: بلى. قال: وتقبل قولي. فقال: نعم لو لم أقبله لما اختلفت إليك. فقال له: هذا قولي ويميني فحلف بالله، وأراه صرة في يده ذكر أن فيها ثلاثين ديناراً. وقال له: ما هي من سلطان، ولا من تجارة، ولا وصية، وما هي إلا من ثمرة شجر غرستها بيدي، فخذها تتقوى بها على أمر دينك ودنياك. فقال سعيد: أنا غنى عنها (مع كونه مفرط الحاجة إلى ما دونها). فقال سحنون: خذه سلفا، فتزوج منها، وتنفق منها، فإن رزقك الله ردها فأقبلها منك، فإن تعذر فأنت منها في حل. فقال سعيد: ما كنت بالذي آخذ ديناً في ذمتي من غير حاجة. أهـ إخوتاه .. هكذا كانوا، فقراؤهم يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وأغنياؤهم لا يرون لأنفسهم في أموالهم حقا. وهذا سعيد بن المسيب في خبر تزويجه ابنته لتلميذه عبد الله بن وداعه على ثلاثة دراهم، والقصة مشهورة لكن انظر فيها لتفقد سعيد ﵁ لتلميذه، لأنَّه لم يحضر الدرس فذهب إليه فأخبره أنَّ زوجته ماتت فانشغل بتجهيزها.

стр. 174

فقال له: استخلفت غيرها. قال: من أين يا شيخ، ومن يزوج مثلى!! وأنا لا أملك إلا ثلاثة دراهم. قال: أنا أزوجك ابنتي ثم عقد له ومضى إلى بيته. يقول عبد الله: فما بلغت البيت حتى دقَّ الباب. قلت: من؟ قال: سعيد، فخطر ببالي كل سعيد إلا ابن المسيب ففتحت الباب فإذا هو سعيد بن المسيب ثم تنحى فإذا خلفه ظلام. قال: هذه زوجتك أحببت ألا تبيت عزباً، ودفعها وأغلق الباب ". آه .. أين من هو مثلك يا ابن المسيب، هل هذا في عرفنا زواج؟ أين العرف؟ أين الشقة؟ أين المهر؟ أين القائمة؟ أين المؤخر؟ ... الخ. إذا ذكر السلف بيننا افتضحنا كلنا، فاللهم رحماك بضعفنا. إخوتاه .. لقد كان أحب إلى أحدهم أن يمد أخوه يده في جيبه، ويأخذ ما يشاء من ماله وما يملك. ففي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: أنَّ فتحاً الموصلي جاء إلى منزل صديق له يقال له: " عيسى التمار "، فلم يجده في المنزل ..... فقال للخادمة: أخرجي إليَّ كيس أخي، فأخرجته ففتحه، وأخذ منه درهمين، فجاء عيسى فأخبرته الخادمة بمجيء فتح وأخذه الدرهمين. فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله فنظر فإذا هي صادقة فأعتقها فرحًا بصنيع أخيه. ما رأيك لو حدث ذلك معك؟ أكانت فرحتك مثل فرحته؟ وهل يكون فعلك مثل فعله؟ أجب ولماذا؟ الل يعلم السر وأخفى.

стр. 175

إخوتاه .. إنَّ السر وراء ذلك اعتناق المنهج الرباني الذي لا ينضب معينه ولا ينتهي عطاؤه، فالسر ليس في توافق الأحوال، ولا في المشاكلة في السلوك، إنَّ الذي يريد أن يسابقهم فعليه أن يسير أولا في نفس سبيلهم، ويحذو حذوهم، وذلك لا يحجبه اختلاف الأزمان ولا اختلاف البيئات، فما لمثل هذا أن يؤثر في مشكاة المواقف فهل من مشمر؟!!

стр. 176

بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها وتبدو عليهم وإن ستروها

стр. 177

السبب العاشر عاشرا: بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى إخوتاه .. هذا من أكبر الأسباب لتعميق أواصر الأخوة، وهذا هو تعريف أهل العلم لحسن الخلق. قالوا: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين. فديننا دين الأخلاق، قال ﷺ : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " (١) فعلم رسول الله ﷺ الناس الأخلاق، رغم أنَّ أصول الأخلاق كانت موجودة في العرب، ولكنه جاء ليتممها ويكملها ويجملها، ويضعها في إطارها الحقيقي، حين تستعمل هذه الأخلاق لوجه الله تعالى، فقد كانوا كرماء لكن هذا الكرم ليقال، لا لرضا ذي الجلال، فتعلموا الإخلاص والصدق في القول والعمل، فالذي يتخلق بالأخلاق الحميدة يبتغي وجه الناس إن لم يجد ثمرة ذلك ربما غير وجهه وانقلب على عقبيه، أمَّا الذي يبتغي وجه الله فيقول: " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا " [الإنسان /٩ـ١٠] فكان جزاؤهم من جنس

стр. 178

عملهم " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا " [الإنسان/١١ - ١٢] عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ -إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ. فقال ﷺ :لئن كنت كما قلت فكأنَّما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. (١) فلا بد من الصبر، لابد من احتمال الأذى، وتذكر أنك لا تعامل بشراً، بل تعامل رب كل شيء، تعامل الله ﷻ . إخوتاه .. إنَّ أعالي الجنان يسكنها أصحاب الأخلاق العالية جزاءًا وفاقًا، قال ﷺ " أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" (٢) وقال ﷺ : " إن من أحبكم إلي وأقربكم منِّي مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ". (٣) وقال ﷺ : " إنَّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار" (٤)

стр. 179

إخوتاه .. إننا نعاني اليوم في هذا العصر المادي الملوث من سوء الأخلاق، فأنت تلمح في واقع هذه الأمة من الصور السيئة ما يندى له جبين المرء خجلا، انظر إلى قاموس الألفاظ السيئة والبذيئة الذي شاع بين الناس الآن بسبب الإعلام والأغاني التافهة والانصياع وراء التدمير الأخلاقي الذي يشنه أعداء هذه الأمة على أفرادها من واقع الغزو الثقافي والفكري. انظر إلى المرأة الحيية الرقيقة العفيفة وقد علا صوتهاـ اليوم ـ وتلفظت بما يخدش الحياء، وسارت كاسية عارية، وشابهت الرجال في كل شيء كما خدعوها، سوء أخلاق وإهمال في التربية تولد عنه ما نحن فيه من البلاء المستطير. انظر لفضائل الأخلاق وقد هُجِرت، وألقيت في واد سحيق، فأين الجود والعلم والحلم والوفاء والمروءة والشهامة والشجاعة والبذل والصبر؟!! أين الألفاظ الكريمة؟!! أين التواصل والتحابب والمواساة؟!! كلمات لا يعرف لها الوجود إلا اسمها. وإنَّما الأمم الأخلاق ما بقيت ....... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا أرأيت لماذا هذه الانتكاسة الخطيرة لأمتنا؟ لأن هذه الأخلاق الحميدة افتقدها واقع المسلمين وحل محلها من سوء الخلق ما تقشعر له الأجساد من فرطه، شماتة وأذى وتحامل وحسد وغيبة ونميمة وبغض وتشاحن وتقاطع وحب النفس وعبودية الذات وأنانية مفرطة وعجب، فاللهم الطف بنا، ولا تعجل بهلاكنا. إخوتاه .. " بذل الندى " أين الكرم والإيثار في واقع حياتكم؟!! في وصف الأنصار قال تعالى: " وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ

стр. 180

مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر/٩] نعم هذه هي القضية، إمَّا بذل وإيثار، وإمَّا شح النفس التي لا ترضى أبدا. قال ﷺ : " لو أنَّ لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" (١) أريدك أن تعطي أخاك من جهدك، تؤثر أخاك على نفسك، فيورث ذلك في القلوب محبة لا تنقضي، فكيف يُتصور أن يبيعك هذا الأخ يوماً من الأيام؟ بل ستجد قلوبا صافية وودًا غامرًا، وانظر إلى إيثار السلف والتمس مسلكا على نهجهم. جاء العيد فبعث رجل من السلف جارية إلى صديق له لتخبره أنه ليس عنده ما يكسو به عياله، فبعث الصديق إليه بصرةٍ فيها ستون دينارا لم يكن عنده غيرها، فجاء رجل للأول يخبره بأنَّه ليس عنده شيء فأعطاه الصرة التي أخذها، ثم بعث الصديق الثاني للرجل الثالث يخبره بأنه ليس عنده شيء فأعطاه الصرة فوجدها صرته بخاتمها هي هي، فمضى إلى صاحبه يستفسر فعلم بالأمر، فاجتمعوا وتقاسموها كل أخذ عشرين دينارا. إخوتاه .. أسألكم بالله ألم يكن هؤلاء بشراً مثلنا، فبماذا فضلوا علينا؟ نعم إنَّه الإيمان ومعرفة الله ورسوله والامتثال للأمر واجتناب النهي، فهؤلاء هم الذين تمثلوا الإسلام واقعاً حياً لا مجرد كلام. إخوتاه .. " كف الأذى " بمعنى ألا يتعرض أخوك لما يضره بسببك، فتحفظ جوارحك عنه
следующие страницы →