يظن بعضنا، إذ فرق بين كونه غير واجب وبين القول بحرمته، وإنما نقول: إنَّ التمذهب للناشئ في الطلب أمر جيد يضبط له العلم، ثمَّ عندما ترسخ قدمه، ويعرف الحق بأدلته، فإنما يلزمه الدليل، لاسيما والأمر قد يشتبه على الكثيرين، مع الاختلاف الأصولي حول بعض الأدلة، ناهيك عن الاختلاف في الدلالات وتعيين بعضها دون الآخر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي: " ولا يجب التزام مذهب معين إلا قول رسول الله ﷺ ، ومن التزام مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله،. فإنما يكون متبعاً لهواه، فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو محرماً، ثم يعتقد الواجب حراماً والمحرم واجباً بمجرد هواه، كمسألة الجد، وشرب النبيذ، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب."
إخوتاه ..
لقد كان من الإيجابيات التي تذكر للعمل الإسلامي المعاصر أنه كسر حاجز التقليد، وحمل على عاتقه تجديد العمل بالأدلة الشرعية، وأزال الغبار عن كتب السنة بعد أن أوشكت أن
стр. 177
تكون نسياً منسياً، وقد يكون من بين الآثار الجانبية لهذا العمل بعض الغلو الذي تتسم به غالباً ردود الأفعال، فإذا كان بعض الناس يوجبون التقليد، حتى على المتخصصين من أهل العلم، جاء من أبناء العمل الإسلامي من يحرمه حتى على العامة.
وإذا كان الناس لا يعرفون أدلة على الفقه إلا مقالات الأئمة، فقد جاء من أهل العمل الإسلامي من يرد مقالات الأئمة كافة ويقول: " هم رجال ونحن رجال ".، ويشترط لصحة الفتوى أن تكون مصحوبة بالدليل، وإلا فهي رد، مهما كانت مرتبة السائل ومرتبة المسئول.
والذي عليه سلف الأمة ـ وهو قول الجمهور ـ أنَّ التقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر " [النحل /٤٣ - ٤٤] فهذه الآية نص وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الذكر، وسؤالهم عما لا يعلمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والذي عليه جماهير الأمة أنَّ الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد ". (١)
قال ابن قدامة: " وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا، فكانت الحجة فيه الإجماع؛ ولأن المجتهد في الفروع إما مصيب وإما مخطئ
стр. 178
مثاب غير مأثوم، .. فلهذا جاز التقليد فيها بل وجب على العامي ذلك " (١)
وقال أيضًا: " وذهب بعض القدرية إلى أنَّ العامة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا، وهو باطل بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العامة ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم بالضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم.
ولأن الإجماع منعقد على تكليف العامي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.
ثم ماذا يصنع العامي إذا نزلت به حادثة، إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد فإلى متى يصير مجتهدًا، ولعله لا يبلغ ذلك أبدا، فتضيع الأحكام، فلم يبق إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] (٢)
ويقول الرازي في المحصول: " يجوز للعامي أن يقلد المجتهد في فروع الشرع خلافًا لمعتزلة بغداد " ثم استدل على ذلك بقوله: " لنا وجهان: الأول: إجماع الأمة قبل حدوث المخالف؛ لأن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العامة الاقتصار على مجرد أقاويلهم، ولا يلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم " (٣)
стр. 179
يقول محمد الأمين الشنقيطي: " ولم يخالف في جواز التقليد للعامي إلا بعض القدرية، والأصل في التقليد قوله تعالى: " ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " ... [التوبة/١٢٢]، وقوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] وإجماع الصحابة عليه " (١)
فلابد للعامي الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يتبع قول إمام من الأئمة حتى لا يتفرد بفهم ليس له سلف في مسألة من المسائل، وإلا كان مبتدعاً في الدين، ومتبعاً لغير سبيل المؤمنين في هذه المسألة، قال تعالى: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً " [النساء/١١٥]
حكم التقليد
إن التقليد منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع.
فالتقليد المشروع: هو عمل العامي بمذهب المجتهد دون معرفة دليله معرفة تامة.، وقد قال بمشروعية هذا النوع من التقليد جمهور العلماء ..
أما التقليد الممنوع: فهو التقليد فيما قامت عليه الأدلة على خلافه، أو تقليد إمام بعينه دون سواه، بحيث تقبل جميع أقواله، وإن خالف بعضها الحق، وترد جميع أقوال غيره، وإن شهدت لها النصوص، وقامت على صوابها البينة، أو تقليد القادر على الاستنباط والنظر.، وإلى هذه
стр. 180
الأنواع تنصرف جميع الأدلة التي استشهد بها جمهور العلماء على بطلان التقليد.
ويقول الشيخ الدهلوي ﵀: إنَّ المذاهب الأربعة المحررة قد اجتمعت الأمة، أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفي، لا سيما هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأى برأيه.
ويقول الشيخ حسن البنا ﵀: ولكل مسلم ما لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفروعية، أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف ... أدلته، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل، متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي ـ وإن كان من أهل العلم ـ حتى يبلغ درجة النظر"
هل يستحسن ذكر الدليل للمستفتي ؟
نعم يستحسن ذكر الأدلة للمستفتى إذا كان أهلاً لفهمها، وإن كان ذلك ليس بشرط:
يقول ابن القيم ﵀: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتى ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم " (١)
стр. 181
وقال في موضع آخر: " ينبغي للمفتي أن يفتى بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري ". (١)
وأما أن ذلك ليس بشرط فمن أدلته ما يلي:
١) الإجماع الذي نقله غير واحد من الأصوليين: على أنَّه لم يزل أهل العلم يستفتون فيفتون ويُتَّبَعُون من غير إبداء المستند، وأن ذلك قد شاع وذاع، ولم ينكر، فكان إجماعاً.
قال الآمدي في الإحكام: " وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا " (٢)
وفي المعتمد لأبى الحسين البصري: " والدليل على ذلك إجماع الأمة قبل حدوث المخالف فان الصحابة ومن بعدهم كانوا يفتون العامة في غامض الفقه، ولا يعرفونهم أدلتهم، ولا ينبهونهم على ذلك،
стр. 182
ويلزمونهم سؤالهم إياهم، ولا ينكرون عليهم اقتصارهم على مجرد أقاويلهم " (١)
بل يذهب الإمام الشاطبي في الموافقات إلى أبعد من هذا فيقول: " فتاوي المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئاً، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتة، وقد قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]، والمقلد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام الشارع " (٢)
أيها الأحبة في الله ..
إنَّ المتتبع لكتب الحديث يرى استدلال التابعين بأقوال من قبلهم من التابعين، واستدلال هؤلاء بأقوال وأعمال من قبلهم من الصحابة، وهو استدلال بأقوال وأعمال لم تذكر مع أدلتها، فدل ذلك على عدم اشتراط ذكر الأدلة لصحة الفتوى، أو جواز العمل بها، بل إننا لو تتبعنا آثار أئمة السلف، وأشد الناس إنكاراً على التقليد، لوقفنا على ما لا يحصى من الفتاوى العارية عن الأدلة.
стр. 183
إن إيراد الأدلة للعامي لا يخرجه عن دائرة التقليد من الناحية الفقهية البحتة.؛ لأن المفتى يورد الدليل مورداً يجعله منتجاً للحكم الذي قال به، وذهب إليه، ولا يملك المستفتى إلا تقليده في هذا الفهم، فالتقليد كما يكون في الحكم يكون في فهم دليل الحكم، ومجرد المعرفة بالدليل لا تخرج عن ربقة ... التقليد، ذلك أن المعرفة المعتبرة بالدليل، والتي تخرج عن نطاق التقليد، هي التي يغلب معها الظن بحصول المقتضي وعدم المانع ..
أما ما ورد من عبارات الأئمة في النهي عن تقليدهم ـ حتى يحتاط المرء لدينه ـ فهي حق، ويجب أن تنزل على منازلها الصحيحة.، فهي تنهى الناس عن اتباعهم فيما قامت الأدلة على خلافه، وهي تنهى أمثالهم من المجتهدين عن تقليدهم، لأن عليهم أن يأخذوا من حيث أخذوا، وتنهي أكابر أصحابهم وتلاميذهم من العلماء عن تقليدهم كذلك، حثاً لهم على دوام النظر في مدارك أقوالهم، ليعلموا ـ بما تبين لهم ـ أنه حق، حسبما يقتضيه اجتهادهم، وضماناً لحيوية الفقه الإسلامي، وعدم إصابته بالجمود، أو تخلفه عن الوفاء بالمصالح المتجددة.
ومما يدل على هذا التخصيص، وعلى أن العامة غير مخاطبين بهذه المقالات، ما نقل عن هؤلاء الأئمة أنفسهم، وغيرهم من أهل العلم، من ذلك:
ما قاله الإمام مالك ﵀: " يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام، كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة "
стр. 184
وما قاله ابن عبد البر ـ بعد ذكره لبطلان التقليد ـ: " وهذا كله في غير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة بها، لأنها تبين موقع الحجة، ولا تصل كذلك بعدم الفهم إلى علم ... "
ثم قال: " ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]، وأجمعوا على أنَّ الأعمى لا بد له من تقليد قائده، وكذلك لم يختلف العلماء في أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك ـ والله أعلم ـ لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم، والقول في العلم ".
وما قاله العز بن عبد السلام ـ بعد إنكاره التقليد وبيان بطلانه ـ: " ويستثنى من ذلك العامة، فإنَّ وظيفتهم التقليد؛ لعجزهم عن التوصل إلى معرفة الأحكام بالاجتهاد، بخلاف المجتهد فإنه قادر على النظر المؤدى إلى الحكم" (١).
وما قاله ابن القيم بعد أن ساق في إبطال التقليد نحواً من ثمانين دليلاً: " أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع
стр. 185
المسلمين أنَّ المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك " (١)
وقال في موضع آخر: " ولا ندعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين، دقه وجليه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ من نصب رجل واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها عليه، وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله " (٢). ...
دعوة سلفية محضة
وهذا الرأي الذي ذهبنا إليه ـ من دراسة الفقه على أحد المذاهب ـ ليس بدعاً من القول، ولا محدثاً من الرأي، وشاذاً بين الاجتهادات، فمعظم العلماء على الساحة اليوم فضلاً عما ذي قبل ينصحون بهذا، إن لم أقل كلهم، فهذه الطريقة كما ذكرت أسلم وأعلم وأحكم. .
стр. 186
فهذا الشيخ الألبانى شيخ الصحوة ﵀ يذهب هذا المذهب، ويتبنى هذا الرأي، فيقول ﵀ فيما نقله عنه محمد عيد عباسي، في كتاب " بدعة التعصب المذهبي ": " ومن الجدير بالذكر أن هذا هو رأى أستاذنا حفظه الله نفسه، فقد ذكر أكثر من مرة، أن الواجب على الناس في زماننا هذه، أن يبدءوا بتعلم الفقه عن طريق أحد المذاهب الأربعة، ويدرسوا الدين من كتبها، ثم يتدرجوا في طريق العلم الصحيح، بأن يختاروا كتاباً من كتب مذهبهم، ككتاب المجموع للنووي عند الشافعية، وكتاب فتح القدير لابن الهمام عند الحنفية، وغيرها من الكتب التي تبين الأدلة، وتشرح طريق الاستنباط، ثم يتركوا كل قول ظهر لهم ضعف دليله وخطأ استنباطه، ثم يتدرجوا خطوة ثالثة بأن ينظروا في كتب المذاهب الأخرى، التي تناقش الأدلة أيضاً، وتبين طريق الاحتجاج بها، ويأخذوا من هذه الكتب ما ظهر لهم صحته وصوابه، وهكذا. فيرى شيخنا أنَّ هذا هو السبيل الصحيح الممكن سلوكه في هذا الزمان، لأن سلوك السبيل الواجبة التي كان عليها السلف الصالح طفرة، غير ممكن اليوم، لأنه لا يوجد في الناس علماء مجتهدون، يعلمونهم فقه الكتاب والسنة، ولذلك فليس أمام الناس إلا أحد سبيلين: فإما أن يتركوا دون تعليم ولا تفقيه ويخبطوا في دينهم خبط عشواء، وإما أن يتعلموا دينهم ويتفقهوا في أحكامه عن طريق أحد المذاهب الأربعة، ولا شك أن هذا الطريق هو أخف ضرراً، وأقل شراً من الطريق الأول، ولذلك ننصح به ونؤيده "
стр. 187
يقول الشيخ العباسي في موضع آخر: " والخلاصة أننا لا نمانع في الوقت الحاضر من دراسة الفقه على الطريقة المذهبية، ولكن بشرط واحد وهو عدم التعصب، فالتعصب المذهبي هو الذي نحاربه ونكرهه "
خلاصة الكلام
بمنتهى الوضوح ولا يلتبس الكلام على أحد من الناس نقول بعون الله وتوفيقه: التمذهب للتعلم أمر ضروري في بداية الطريق، مع الأخذ بأنّه لا يُقدَّم على النص الجلي شيء، فطلب العلم بالتدرج للوصول إلى فقيه مجتهد ينفع الله به الأمة لا سبيل إليه إلا بطريقة تلقي العلم عند علماء السلف، وهي على مذهب من المذاهب الأربعة.
في المرحلة الأولى: يبدأ بحفظ متن مجرد عن الدليل.
وفي المرحلة الثانية: ينتقل إلى كتاب أكبر يذكر أكثر من رأي في المذهب، والترجيح بينها.
ثمَّ المرحلة الثالثة: اقتران الأقوال بالأدلة، ومعرفة طريقة الاستنباط ومناقشة الأدلة.
ثمَّ المرحلة الرابعة ـ وهي الأخيرة ـ: ذكر أقوال أهل العلم في المسألة والترجيح بينها، هذه هي طريقة السلف في التَّعلم. والله أعلم.
ولسنا نرى غير هذا في طريقة تعلم الفقه لإخراج جيل من المجتهدين؛ فهذا ما ندين الله به، والله المستعان.
стр. 188
المنطلق السابع
مِمَّن نطلبُ العلم ؟
стр. 189
المنطلق السابع:
ممَّن نطلب العلم؟
- قال اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
فأرشدنا -جَلَّ وعلا- إلى سؤالِ العلماءِ عندَ الجهلِ، وسمَّاهم أهلَ الذكرِ، فشأنُ هؤلاءِ العلماءِ أن يكونوا أعلمَ النَّاسِ بنصوصِ الكتابِ والسُّنةِ.
فالعلماءُ هم العارفون بشرعِ اللهِ، المتفقهون في دينِه، العاملون بعلمِهم على هدًى وبصيرةٍ، أولو الحكمةِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فهؤلاء هم أئمةُ الدينِ، ورثةُ النبوةِ الذين وَرِثوا العلمَ عن الأنبياءِ، فحملوه في صدورِهم، وانطبعت أعمالُهم بما قَرَّ في جَنانِهم.
وهم الفرقةُ التي نفرتْ لبيانِ دينِ اللهِ للناسِ، وقاموا بواجبِ الدعوةِ ومهمةِ الإنذارِ. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
стр. 190
وهؤلاءِ لا يخلو منهم زمان، فإنَّهم رأسُ الطائفةِ المنصورةِ القائمةِ بأمرِ اللهِ، قال ﷺ : "ولن تزال طائفةٌ من هَذه الأمةِ قائمةً على أمرِ الله، لا يضرُّهُمْ مَنْ خالفهُمْ حَتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ" (١).
قال الإمامُ البخاريُّ: هم أهلُ العلمِ.
ونحن -وإن كُنَّا في زمانٍ قلَّ علماؤُه- نُذَكِّرُ بهذا قطعًا لريبةِ مرتابٍ، وأملًا نَبُثُّه في قلبِ يؤوسٍ قانطٍ، قد ذَهَب مع كلِّ ناعقٍ يقول: لم يَعُدْ عالمٌ، وما أَمامنا إلا هذه الرؤوسُ الجُهَّالُ. فإنَّا نَدْحَضُ شبهتَه بهذا الحديثِ الأَغَرَّ، فإذا هو زاهقٌ، واللهُ المستعانُ.
فالعلماءُ هم رأسُ الجماعةِ التي أُمِرْنا بلزومِها وحُذِّرْنا من مفارقتِها، قال ﷺ : "مَنْ فارق الجماعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فقد خَلَع ربقةَ الإسلامِ من عنقِه" (٢).
والمحصلُ من أقوالِ أهلِ العلمِ في معنى الجماعةِ قولانِ:
الأولُ: هم جماعةُ المسلمين إذا اجتمعوا على الإمامِ الشرعيِّ.
الثاني: الجماعةُ هي المنهجُ والطريقةُ، فمن كان على هدي النبيِّ ﷺ وصحبِه والسلفِ الصالحِ فهو مع الجماعةِ.
وعلى القولين، فإنَّ رأسَ كيانِ هذه الجماعةِ هم العلماءُ، فهم أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، وهم الأَدِلَّاءُ على المنهجِ الصحيحِ.
стр. 191
لكنَّ السؤالَ الذي يترددُ كثيرًا ويُساءُ فَهْمُ جوابِه في واقعِ الناسِ هو: ما هي علامةُ أولي العلمِ ممن يَشْتَبِه بهم ؟ فكيف لطالبِ العلمِ أنْ يعرفَ أنَّ شيخَه هذا من هذه الطائفةِ المباركةِ أو هو دونهم؟
والجوابُ عن ذلك يحتاج إلى وقفةِ تدبرٍ مهمةٍ في الشقِّ العِلْميِّ النظريِّ وتطبيقِ ذلك في الشِقِّ العمليِّ، فإنَّ من أكبرِ آفاتِ طلبةِ العلمِ في وقتِنا الحالي بليةَ التصنيفِ، لا عن هُدًى ورشدٍ، بل وَفْقَ هوًى وتراشقٍ لأسهمِ المتنازعين، فتعالَ -أيها المتفقه- نقلبُ صفحاتِ علمائِنا من السلفِ الصالحِ ليرشدونا لحقيقةِ هذه المسألةِ.
قالوا: علامةُ العالمِ:
١ - رسوخُ القَلَمِ فى مواطنِ الشُّبَهِ .
قال ابنُ القيمِ: إنَ الراسخَ في العلمِ لو وَرَدَتْ عليه مِن الشُّبهِ بعددِ أمواجِ البحرِ ما أزالت يقينَه، ولا قَدَحَتْ فيه شَكًّا؛ لأنه قد رَسَخ في العلمِ فلا تستفزه الشبهاتُ، بل إذا وَرَدَتْ عليه رَدَّها حرسُ العلمِ وجيشُه مغلولة مغلوبةً. (١)
ولذلك ترى صورَ العلماءِ مشرقةً عبر التاريخِ إبان نشوبِ الفتن، أما ترى إمامَ أهلِ السنةِ الإمامَ أحمدَ وكيف تصدى لبدعةِ خلقِ القرآنِ مع شدةِ الضغوطِ التي قام بها المعتزلةُ وقتَها مؤيدين بسيفِ الخلافةِ العباسيةِ.
стр. 192
وانظرْ لصورةٍ مضيئةٍ أخرى ممثلةٍ في شيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ، وتأملْ مناظراتِه مع أهلِ الفرقِ المبتدعةِ.
وعلى سبيلِ المثالِ انظرْ لموقفِه من الطريقةِ الرفاعيةِ الصوفيةِ التي زعمتْ أنَّ اللهَ أَلَانَ لأصحابِها الحديدَ، وأزال لهم فاعليةَ السمومِ والنيرانِ، وأخضع لهم طغاةَ الجانِّ، فطلب منهم شيخُ الإسلامِ أن يُلْقوا بأنفسِهم في النارِ شريطةَ أن يغتسلوا بالخلِّ والماءِ الحارِّ -فإنهم كانوا يدهنون بموادٍ تَقِيهم من الحرقِ بالنارِ- فأبوا وكانت قاصمةَ ظهرٍ لهم (١).
وفي العصرِ الحديثِ يذكرُ شيخُنا المفضالُ/ محمدُ بنُ إسماعيلَ المقدَّمُ أنَّه كان في الحجِّ عندما ظهرتْ حركةُ المهدي القحطاني، يقول وكان الذُّعْرُ قد تسلل إلى نفوسِ الناسِ، وكنتُ أترددُ إلى الخيمةِ التي كان بها فضيلة الشيخ محدث العصر ناصر الدين الألباني، وإذا بالشيخِ كالطَّوْدِ ثبوتًا، وكان يَرُدُّ على شبهاتِ ذلك المتمهدي وهو قريرُ العين ثابتُ الجَنَانِ. (٢)
وهكذا يُعرفُ العلماءُ ممن دونَهم ممن ينتحلون العلمَ ولا بضاعةَ لهم فيه.
стр. 193
من علاماتهم كذلك:
٢ - أنَّهم يُعرفون بنُسُكهم وخشيتهم لله تعالى .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال الإمامُ ابنُ رجبٍ -رحمه الله تعالى- في بيانِ أن العلمَ النافعَ طريقُ خشيةِ اللهِ تعالى:
"وسببُ ذلك أنَّ هذا العلمَ النافعَ يَدُلُّ على أمرين:
أَحدِهما: على معرفة اللهِ وما يستحقه من الأسماءِ الحسنى والصفاتِ العُلّى، والأفعالِ الباهرةِ، وذلك يستلزمُ إجلاله، وإعظامَه، وخشيتَه، ومهابتَه، ومحبته، ورجاءه والتوكلَ عليه، والرضا بقضائِه، والصبرَ على بلائِه.
والأمر الثاني: المعرفةِ بما يحبُّه ويرضاه، وما يكرهُه وَيسْخَطُه من الاعتقاداتِ والأعمال الظاهرةِ والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن عَلِمَه المسارعةَ إلى ما فيه محبةُ اللهِ ورضاه، والتباعدَ عمْا يكرهُه وَيسْخَطُه، فإذا أثمر العلمُ لصاحبِ هذا فهو علمٌ نافعٌ" (١).
فهم أكثرُ النَّاسِ خوفًا من اللهِ، ولذلك تراهم لا يتجرؤون على الفتوى دونَ عِلمٍ، إذ هم الموقِّعون عن اللهِ تعالى، قد عَلِموا عن اللهِ ما زادهم وَجَلًا وخشيةً، فلا يشترون بعلمِهم ثمنًا قليلًا من حُطَامِ الدنيا الفاني.
стр. 194
والخشية أخصُّ من الخوف، فهي خوفٌ مقرونٌ بمعرفةٍ، ولذلك تواترت أخبارُ علماءِ سلف هذه الأمه في شدةِ خشيتهم لله ورقة قلوبِهم.
قال سويد بن سعيد: كنتُ عندَ سفيانَ، فجاء الشافعيُّ فسَلَّم وجَلَس، فروى ابن عيينةَ حديثًا رقيقًا، فغُشيَ على الشافعيِّ، فقيل: يا أبا محمد، مات محمدُ بن إدريس. فقال ابن عيينةَ: إن كان مات فقد مات أفضلُ أهلِ زمانِه.
وهذا الأوزاعيُّ كانت أمُّه تتفقدُ موضع مصلاه فتجدُه رطبًا من دموعِه طوالَ الليلِ.
وهذا إمامُ أهلِ السنة الإمامُ أحمدُ كان إذا ذكر الموت خنقته العَبْرَةُ، وكان يقول: الخوفُ يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموتَ هان عَلَيَّ كلُّ أمرِ الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وإنها أيامٌ قلائلُ ..
فانظرْ لحالِ هؤلاءِ الأكابرِ، وقارنه بحالِ المتعالمين من عصرنا، ممَّن جَعَلوا العلمَ هو شحن الذهنِ بكمٍّ من المعارفِ والمعلوماتِ، لا أثرَ لها في القلب، وإنما يُعرفُ العلمُ بثمرته، لذا قال السَّلَف: إنَّما العلم الخشية، أمَّا نحن فصار الألحن بالقولِ المجادلُ بالكلامياتِ هو مَن يُشارُ إليه بالبنان، وصار هذا هو العالم فينا، والعلم إن لم يَظهرُ أثره على عَمل المرءِ فليس بذاك الذي تأمل، فتدبر هذه المسألةَ ملِيًّا، فقد تعثرت أقدامُ كثيرٍ من الإخوةِ في هذا الزمانِ بسبب ذلك.
стр. 195
من علاماتهم أيضًا:
٣ - أنهم أكثرُ النَّاس استعلاءً على الدنيا وحظوظِها .
وسِير علماءِ السلف مليئةٌ بالأخبارِ عن رَدِّهم عطايا الملوك والأمراءِ، وحفظِهم لجنابِ العلمِ، الدنيا تحتَ أقدامِهم لا يَسْعَوْن إليها، قد أَضَرَّ ببعضِهم الفقرُ فلم يَمُدَّ يدَه، ولا ابتاع بعلمِه شيئًا.
فهذا سَيِّدُ التابعين سعيدُ بن المسيب ﵀ كان له في بيتِ المالِ بضعة وثلاثون ألفًا عطاءً، فكان يُدعى إليها فيأبى، وكان يتَّجرُ في الزيت، ويحمل إهابَ الشاةِ على ظهرِه، ويقول: لا خيرَ فيمن لا يريدُ جمعَ المالِ من حِلِّه، يُعطي منه حقَّه، ويكُفُّ به وجههُ عن النَّاس (١).
وهذا الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ إمامُ العَربيةِ ومبتكرُ عِلمِ العروضِ، كان وَرِعًا متقشفًا متعبدًا، أقام في خُصٍّ له بالبصرةِ لا يقدرُ على فلسينِ، وتلامذته يكسبون بعلمِه الأموالَ، وكان كثيرًا ما يُنشد:
وإذا افتقَرتَ إَلى الذَّخَائر لَمْ تَجدْ ... ذُخرًا يكونُ كَصَالحِ الأعمالِ (٢)
وهذا الإمام أحمد الحبيبُ إلى قلوب المؤمنين، ربَّما يحتاجُ، ولو أشار ببنانِه لأتته العَطَايا من كُلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ، ولكنَّه كان يقول: عزيزٌ عليَّ أن تُذيبَ الدنيا أَكبَادَ رجالٍ وَعَت صدورُهم القرآنَ ..
стр. 196
وكان ينسخُ بأُجرةٍ، ويلتقط السنبلَ الذي تُخطِئُه المناجل، ويرهن نعلَه عند الخباز على طعام أخذه منه، ويبيع غزلًا تغزله له زوجه، ولربما أراد أن يرقع ثوبَه فلا يجد رقعةً، وربما يأخذ الكِسَرَ، ينفضُ الغبارَ عنها ويصيرها في قصعةٍ ويصبُّ عليها الماءَ، ثم يأكلها بالملحِ، فهذا طعامُه.
وأرك -أيها المتفقه- ربَّما تهمسُ أو تحدثك نفسُك تقولُ: هؤلاء سَلفُ الأمةِ، وقد تبدَّلَ الزمانُ، فإني آتيك بشهداء من عَصْرك يقيمون عليَّ وعليك الحُجة.
فقد رأيتُ بعيني رأسي شيخَنا العلامةَ ابنَ عثيمين وهو يمشي حافيًا، وهو من هو، وفي أي بلدة كان، وكان يأكل الخبزَ الجافَّ بالماءِ، ويُطعمُ إخوانه اللحمَ.
ومن علاماتهم أيضًا:
٤ - ثناء جماهير النَّاسِ عليهم، وشهرتُهم في الآفاقِ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيميةّ ﵀: "ومن له في الأمةِ لسانُ صدقٍ بحيث يُثنى عليه ويحمد في جماهير أجناسِ الأمة، فهؤلاء أئمةَ الهدى ومصابيحُ الدُّجى" (١).
فالمسلمون هم شهداءُ اللهِ في أرضه، وفي الحديث أنَّ صحابةَ رسولِ اللهِ ﷺ مَروا بجنازةٍ فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ". ثمَّ مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: "وَجَبَتْ".
стр. 197
فقال عُمر ﵁: ما وَجَبَتْ؟!!
قال: "هذا أَثنيتُم عليهِ خيرًا فَوَجبَتْ له الجنةُ، وهذا أَثنْيتُم علية شرًّا فوجبتْ له النارُ، أنتم شهداء الله في الأرض".
وفي رواية: "المؤمنون شهداءُ اللهِ في الأرضِ" (١).
ولا شك أنَ المرادَ هنا من ثناءِ النَّاسِ الإشارةُ إلى أهلِ الفضلِ والثقاتِ منهم، إذ قد يُشْكِل على بعضِ القومِ شهرةُ مَن ليس من أهلِ هذا الشأنِ، فالشُّهرةُ مسألةٌ نسبيةٌ، وكم من العلماءِ مَن آثر الخمولَ فلم يَشْتَهِرْ أمرُه، ولكن يأبى اللهُ إلا أن يقيمَ الحجةَ على خلقِه بإظهارِ أولي العلمِ بينهم.
وقد دَأَب علماءُ المسلمين من سَلَفِ هذه الأمةِ ومن تبعهم بإحسانٍ
على عدمِ السماحِ بتصدرِ التلاميذِ حتى يَرَوْا أنَّهم جديرون بذلك، ولذلك ما اشتهر بينهم إلا من يستحقُّ!!
قال الإمامُ مالكٌ: لا ينبغي لرجل يَرَى نفسَه أهلًا لشيءٍ حتى يسألَ مَنْ كان أعلمَ منه، وما أفتيتُ حتى سألتُ ربيعةَ ويحيى بنَ سعيدٍ فأمراني بذلك، ولو نَهَيَاني لانتهيتُ.
стр. 198
ومن علاماتهم أيضًا:
٥ - أن يكون ممن تربى على أيدي الشيوخِ .
فقد نَصُّوا على ضرورةِ الأخذِ عَمَّن تربى في كَنَفِ العلماءِ، وأمَّا من تَشَيَّخ عن الصُّحفِ فلم يأمنوا زَلَلَ قدمِه.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ .. " (١)
وفي هذا دليل على أنَّ العلماء هم مفاتح العلم بلا ريب. (٢)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " وفي حديث أبي أمامة من الفائدة الزائدة " أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء لا يغني من ليس بعالم شيئا " فإنَّ في بقيته ... " فسأله أعرابي فقال: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها أبناءنا ونساءنا وخدمنا، فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم " ولهذه الزيادة شواهد " (٣)
стр. 199
قال الإمام الشاطبي: " وإنْ كان النَّاس قد اختلفوا هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا؟
فالإمكان ُمَسلَّم، ولكن الواقع في مجارى العادات أن لابد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة .. " ثم قال: " وقد قالوا إنَّ العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال، وهذا الكلام يقضى بأن لا بد في تحصيله من الرجال " (١)
أيها المتفقه:
لابد من معلم، قال الإمام الشافعي: شر البلية تشيخ الصحيفة " يعني الذين تلقوا علمهم من الصحف ـ أي الكتب ـ.
وقال بعض السلف: من كان الشيخ كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه.
وقال أبو زرعة ﵀: لا يفتي الناس صحفي، ولا يقرئهم مصحفي. وكان ثور بن يزيد يقول: لا يفتي الناس الصحفيون. (٢)
فلابد لك من شيخ متقن، ومرب حاذق، وصاحب ناصح، فهذه ثلاثة لو اجتمعت في واحد لكان خيرًا لك، وإن كانا اثنين، وإلا فلزوم الثلاثة هو المحتم.
стр. 200
وذهبوا إلى شرط العالم أن يكون ممن لازم أهل العلم، وتربى على أيديهم، وعُرف باقتدائِه بهم، وتأدبِه بأدبِهم.
قال الإمام الشاطبي في صفة العالمِ المتحققِ بالعلمِ: أن يكون ممَّن رباه الشيوخ في ذلك العلم (١)؛ لأخذه عنهم، وملازمته ... لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح، فأول ذلك ملازمة الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ لرسول الله ﷺ وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائنا ما كان، وعلى أي وجه صدر.
فهم فهموا مغزى ما أراد به أولاً، حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يُعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها، وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المثابرة.
وتأمل قصة عمر بن الخطاب في صلح الحديبية حيث قال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟
قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار.
قال: بلى. قال: ففيم نعطى الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
قال: يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولم يضيعني الله أبدا.
فانطلق عمر، ولم يصبر متغيظا، فأتى أبا بكر فقال له مثل ذلك.
стр. 201
فقال أبو بكر: إنه رسول الله، لم يضيعه الله أبدا.
قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه.
فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟!
قال: نعم فطابت نفسه ورجع. (١)
فهذا من فوائد الملازمة، والانقياد للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال، حتى لاح البرهان للعيان.
وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين: " أيها الناس!! اتهموا رأيكم؛ والله لقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أنِّي أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته " (٢)
وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن، فزال الإشكال والالتباس.
وصار مثل ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي ﷺ حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم
стр. 202
الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك.
وقلما وجدت فرقًة زائغًة، ولا أحدًا مخالفًا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف. ... وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم " أهـ
والثالثة: الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بأدبه
كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ ، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن، وبهذا الوصف امتاز مالك عن إضرابه، أعنى بشدة الاتصاف به، وإلا فالجميع ممن يهتدي به في الدين، كذلك كانوا، ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى ".
فلما تُرك هذا الوصف (أي اقتداء كل تلميذ بشيخه تمامًا في نعته ووصفه وطريقته وسمته) رفعت البدع رؤوسها؛ لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك أصله اتباع الهوى ... "
وتأمل معي ـ أخي في الله ـ هذه الفقرة للإمام مالك ﵁ في الاتباع فإنَّها نافعة:
" كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه فقيل له يومًا في ذلك: فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم
стр. 203
علَّي ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفر وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله ، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبًة منه لرسول الله ﷺ
ولقد كنت آتي عمر بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع؛ ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته؛ ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه " (١). اهـ
هذا تأسيهم بمن قبلهم وإنما استفادوا ذلك من طول الملازمة وحسن التأسي.
стр. 204
وبطبيعة الحال لا يشترط السلامة من الخطأ البتة؛ لأنَّ فروع كل علم إذا انتشرت، وانبنى بعضها على بعض اشتبهت، فلا يقدح في كونه عالمًا، ولا يضر في كونه إمامًا مقتدى به أن يخطئ، أو أن تذهب عنه بعض المسائل، ولكن كلما قصر عن استيفاء الشروط نقص عن رتبة الكمال بمقدار ذلك ... النقصان، فلا يستحق الرتبة الكمالية ما لم يكمل النقص.
قال الإمام الذهبي: " ثمَّ إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له الله ولا نضلله ولا نطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك " (١).
ومن علاماتهم أيضا:
٦ - يقول الإمام الشاطبي: " وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات ..
إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقا لفعله، فإنْ كان مخالفا له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم " أهـ
وهذا مما يثير الحزن والأسف، فقد صار هؤلاء من الندرة بمكان، نعوذ بالله أنْ نذكِّر به وننساه، ونعوذ به من النفاق وأهله، ونعوذ به من فتنة علماء السوء.
стр. 205
قال علي ﵁: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنَّه سيأتي بعد هذا زمان لا يعرف فيه تسعة عشرائهم المعروف، ولا ينجو منه إلا كل نُوَّمة، فأولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم، ليسوا بالمساييح، ولا المذاييع البذر. (١).
ومن علاماتهم أيضًا:
٧ - ظهورُ أثرِ علمِهم من خلالِ دروسِهم وفتاويهم ومؤلفاتِهم:
قال الإمامُ أبو طاهرٍ السِّلفي عن الإمامِ الخطابيِّ: وأمَّا أبو سليمانَ الشَّارحُ لكتابِ أبي داودَ، فإذا وَقَف منصفٌ على مصنفاتِه، واطَّلَع على بديعِ تصرفاتِه في مؤلفاتِه، تَحقَّقَ إمامتَه وديانتَه فيما يورده وأمانتَه، وكان قد رَحَل في الحديثِ وقراءةِ العلومِ، وطَوَّف، ثمَ أَلَف في فنونٍ من العلمِ وصَنَّف.
стр. 206
فصل
في التفريقِ بين العلماءِ ومَنْ دونَهم
يشتبه على طلبةِ العلمِ في هذا الزمانِ نماذجُ من "المثقفين" أو "المفكرين" أو "الخطباء" أو "الوعاظ" ويحسبون أنَّهم من العلماءِ، وعادة ما يكونُ الأمر خلافَ ظنِّهم، وقد تقدم الحديثُ عن علاماتِ "العالمِ" التي قَلَّ في زمانِنا هذا وجودُها، لذا لَزِم بيانُ شأنِ مَن اشتبه بأهلِ العلمِ ليكونَ طالبُ العلمِ على درايةٍ، فينزل النَّاسَ منازلَهم.
ففرقٌ بين عالمٍ وقارئٍ، فليس كلُّ من قرأ نُتَفًا من العلومِ، وأمعن في تشقيقِ المسائلِ، وجارى وناظر في المسألةِ والمسألتينِ صار بذلك عالمًا.
فأين هذا مِمَّن تقدم لك نعتُهم، وعرفتَ سِماتِهم وعلاماتِهم؟!!
وللأسف الأدعياء الآن أكثرُ من أن تحصيَهم.
اغترَّ قومٌ بسهولةِ تخريجِ الأحاديثِ في عصرِنا، مع وجودِ الفهارسِ العلميةِ بدايةً وظهورِ الحاسوبِ في نهايةِ الأمرِ، وصار كلٌّ يَدَّعى وصلًا بليلى، ولكنْ ليلى لا تُقِرُّ لهم بذاك، ولذلك كانت حِدَّةُ الشيخِ الألبانيِّ على هؤلاءِ في أُخرياتِ عُمُرِه، ولك أن تطالع مقدماتِ كتبِه الأخيرةِ، لترى شدةَ تعنيفِه لكلِّ من صار يتحلَّى ويزينُ اسمه بـ "الأثري".
واغترَّ آخرون بأهلِ الكلامِ من عصرِنا، مِمَّن احترفوا صناعةَ الجدلِ والمناظرةِ، وضلعوا في "المنطق" و "الكلام"، وافتتن بمعسولِ قولِهم
стр. 207
وحدةِ ذكاءِ بعضِهم: كثيرٌ من الإخوةِ مِمّن آلم القلبَ أن تزلَّ أقدامُهم، وكانوا من كانوا.
ناهيك عن أصحابِ الألقابِ العلميةِ المرموقةِ الذين ما إن تَحلَّوا بها ظَنُّوا أنَّهم في رِكابِ العلماءِ، ولا يُعرف العلماءُ بالمناصبِ ولا الدرجاتِ العلميةِ، وكلٌّ يعرفُ ماذا يحدثُ في التعليمِ الجامعيِّ، وكيف تُسَطَّرُ الأبحاثُ العلميةُ في كثيرٍ من الجامعاتِ، وإنها لثالثةُ الأَثَافي.
وقومٌ افتتنوا بكُتَّابٍ مهرةٍ، فعَدُّوهم من أهل العِلْمِ، وآخرون تمَلَّكَهم داءُ "الغلو في الأفاضل" فنعتوا "الداعيةَ الربانيَّ" أو "العابدَ الناسِكَ"
بأنَّه من "العلماءِ الأكابرِ"، والأمرُ يقتضي الإنصافَ لا الإجحافَ، وإن كُنَّا في زمانٍ قلَّ فيه من يَعْرِفُ ولم يَعُدْ فيه مَنْ يُنصِفُ.
وقد قال ﷺ : "سيأتي على النَّاس زمانٌ يكثرُ فيه القراءُ، ويَقِلُّ فيه الفقهاءُ، ويُقبضُ العلمُ، ويكثرُ الهرجُ" (١).
يقول الشيخ حمود التويجري ﵀: "وقد ظهر مصداقُ هذا الحديثِ في زمانِنا، فقلَّ الفقهاءُ العارفون بما جاء عن اللهِ ورسولِه ﷺ وكَثُرَ القراءُ في الكبارِ والصغارِ والرجالِ والنساءِ، بسببِ كثرةِ المدارسِ وانتشارِها".
стр. 208
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: قدم على عُمَر رجلٌ فجعل عمرُ يسألُه عن الناسِ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد قَرَأ القرآنَ منهم كذا وكذا، فقلتُ: واللهِ ما أحبُّ أن يسارعوا يومَهم هذا في القرآنِ هذه المسارعةَ.
قال: فزبرني عُمر، ثم قال: مه!
فانطلقتُ إلى منزلي مكتئبًا حزينًا، فقلتُ: قد كنتُ نزلتُ من هذا بمنزلةٍ، ولا أراني إلا قد سقطتُ من نفسِه، فاضطجعتُ على فراشي حتى عادني نسوةُ أهلي وما بي وَجَع، فبينا أنا على ذلك قيل لي: أَجِبْ أميرَ المؤمنين. فخرجتُ، فإذا هو قائم على البابِ ينتظرُني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهتَ مما قال الرجلُ آنفًا؟!
قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، إن كنتُ أسأتُ فإني أستغفرُ اللهَ، وأتوبُ إليه، وأنزلُ حيثُ أحببت.
قال: لتخبرنِّي. قلت: متى ما يُسارعوا هذه المسارعةَ يَحْتَقَّوا (١)، ومتى ما يَحْتَقُّوا يَخْتَصِموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا.
قال: للهِ أبوك، لقد كنتُ أكتمُها النَاسَ حتى جئتَ بها" (٢).
стр. 209
فابنُ عباسٍ خاف على الناسِ المسارعةَ في القراءةِ دونَ فقهٍ وفهمٍ، وهذا قد يؤدي إلى انحرافٍ عن الجادةِ، أما ترى الخوارجَ كانوا من قُرَّاءِ القرآنِ، لكنْ لم يجاوزْ حناجرَهم، فلم يَصِلْ إلى قلوبِهم، والمَعْنيُّ هو التدبرُ.
أيها المتفقه،
الأمرُ ليس بمدارسةِ جزئياتٍ وتركِ أمورٍ أخرى قد تكونُ أولى، ولا تبلغُ منازلَ أهلِ العلمِ بقراءةِ نتفٍ من العلومِ، إنَّ طلبَ العلمِ جهاد في سبيلِ اللهِ؛ لذلك وصفه اللهُ جَلَّ وَعَلَا بالنُّفْرةِ، شأنُه شأنُ الجهادِ، فحذارِ من أن تُخدعَ، بل أنزل النَّاسَ منازلَهم، ولكلٍّ حقه من التوقيرِ والتعظيمِ، كلٌّ بحسبِ قدرِه ورتبتِه.
يقول الخطيبُ البغداديُّ: "وقد رأيتُ خلقًا من أهلِ هذا الزمانِ ينتسبون إلى الحديثِ، ويَعُدُّون أنفسَهم من أهلِه المتخصصين بسماعِه ونقلِه، وهم أبعدُ الناسِ مما يدَّعون، وأقلُّهم معرفةً بما إليه ينتسبون، يرى الواحدُ منهم إذا كتب عددًا قليلًا من الأجزاءِ واشتغل بالسماعِ بُرهةً يسيرةً من الدَّهرِ أنه صاحبُ حديثٍ على الإطلاقِ، ولمَّا يُجْهِدْ نفسَه ويُتْعِبْها في طِلَابِه، ولا لحقتُه مشقةُ الحفظِ لصنوفِه وأبوابِه، ... وهم مع قلةِ كَتْبِهم له وعدمِ معرفتِهم به أعظمُ النَاسِ كِبْرًا، وأشدُّ الخَلْقِ تيهًا وعُجبًا، لا يراعون لشيخٍ حُرمةً، ولا يوجبون لطالبٍ ذِمَّةً، يَخْرِقون بالراوين، ويُعَنِّفون على المتعلمين، خِلافَ ما يقتضيه العلمُ الذي سَمِعوه، وضدَّ الواجبِ مما يلزمُهم أن يفعلوه" (١).
стр. 210
فيا أيها المتفقه ..
قد علمتَ طريقَك ومَنْ تقصدُ، فلا تجنحْ لمن هو أدنى، وإياك أن تُعجبَ بنفسِك ولمَّا تبلغْ بعدُ، فحذارِ من أن تتشبعَ بما لا تعلمُ.
قال ﷺ : "المتشبعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَي زورٍ" (١).
وقد تسألُ: فإنْ لم أجدْ ذلك العالمَ الذي تقدم سَمْتُه ووصفُه فماذا أفعلُ؟! لا سيما في هذه الآونةِ التي قلَّما تجدُ فيها العالمَ الربانيَّ، الذي يوافقُ علمَه عملُه.
والجوابُ من وجوهٍ:
أولًا: مع الاعترافِ المسبقِ -والذي تكرر ذكره- بندرةِ العلماءِ في هذا العصرِ، فلا نريدُ أن يكونَ ذلك مَطِيَّةً للانصرافِ عن طلبِ العلمِ أو أخذِ العلمِ من غيرِ وجهِه.
ثانيًا: قد أبدلنا اللهُ في هذا العصرِ بدائلَ قد تفي ببعضِ الغرضِ، مثل الأشرطةِ والأسطواناتِ وما شابهها من ناقلاتٍ للصوتِ، وأشرطةُ العلماءِ بدأتْ تتوافرُ بصفةٍ كبيرةٍ لا سيما على أسطواناتِ الليزر التي تسع أعدادًا كبيرةً من الساعاتِ الصوتيةِ، ونحن دائمًا ما نرددُ: اعملْ في المتاحِ، فلا
стр. 211
يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وسعَها، لكن أن يكونَ في وسعِك ثُمَّ لا تعملُ فهذا من تلبيسِ وتثبيطِ الشيطانِ.
ثالثًا: علينا أن نضعَ ثقتَنا في النابغين من طلبةِ العلمِ، لا أن نجعلَهم بمنزلةِ العلماءِ، فقد حذرناك من ذلك آنفًا، لكن على سبيلِ التبليغِ ومذاكرةِ العلمِ فكلُّ مَنْ له فضلُ علمٍ في شيءٍ أَخَذ بيدِ مَن دونَه شيئًا فشيئًا، حتى تجدَ العالمَ فتتشبث به.
فابدأ مع من تقدم عنك ولو بخطوةٍ، خُذْ عنه، نافسه، ولكن حذارِ من أن تقرأَ وحدَك دونَ أخذِ الوسائلِ.
إذًا: ما هي طرق التعلم ؟!!
طرق التعلم
قال الإمام الشاطبي: " وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة. وهى أنفع الطريقين وأسلمهما؛ لوجهين:
الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال، لم يخطر للمتعلم ببال، وقد
стр. 212
يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر، بادي الحاجة، إلى ما يلقى إليه.
وهذا ليس ينكر، فقد نبه عليه الحديث الذي جاء " أن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله ﷺ " (١) وحديث حنظلة الأسيدى: حين شكا إلى رسول الله ﷺ أنهم إذا كانوا عنده وفى مجلسه كانوا على حالة يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم.
فقال رسول الله ﷺ : " لو أنكم تكونون كما تكونون عندى لأظلتكم الملائكة بأجنحتها " (٢)
وقد قال عمر بن الخطاب: " وافقت ربى في ثلاث " (٣) وهى من فوائد مجالسة العلماء، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم مالا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه، وإقتدائهم به.
فهذا الطريق نافع على كل تقدير، وقد كان المتقدمون لا يكتب منهم إلا القليل، وكانوا يكرهون ذلك؛ وقد كرهه مالك فقيل له فما نصنع؟
قال: تحفظون وتفهمون، حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتابة.
стр. 213
وحكى عن عمر بن الخطاب كراهية الكتابة، وإنما ترخص الناس في ذلك عندما حدث النسيان، وخيف على الشريعة الاندراس " (١).
قلت: أما الوجه الثاني فلعله: أنَّ المشافهة تفيد التلاقي بين طالب العلم والعالم، وفيها استفادة المتعلم من سمت المعلم، وهديه ودله وحاله، وهذا أهم ما في قضية التعلم، وذلك كما قيل: ينفعك لحظه قبل لفظه.
الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين، ومدوني الدواوين، وهو ـ أيضًا ـ نافع في بابه بشرطين:
الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب؛ وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال: " كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال ".
والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد. ... والشرط الثاني: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين.
وأصل ذلك التجربة والخبر: أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان؛ فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي
стр. 214
أو نظري، فأعمال المتقدمين ـ في إصلاح دنياهم ودينهم ـ على خلاف أعمال المتأخرين؛ وعلومهم في التحقيق أقعد.
فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى.
وأما الخبر ففي الحديث: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (١).
وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك.
وروى عن النبي ﷺ : " أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض " (٢) ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئًا بعد شيء.
أخي الحبيب ..
هكذا فاطلب العلم من أهله المتحققين به، واصبر على ذلك، ولا تتعجل، ابحث عن العلماء، واجلس بين أيديهم، وخذ من هديهم وسمتهم وأدبهم، والزمهم السنين الطوال، فطول الملازمة مهم ونافع،
стр. 215
وارحل إلى العلماء، ولا تقنع بسماع شريط، أو قراءة كتاب، وخذ هذه الآثار تستثيرك إن كنت من الرجال.
أولئك الناس إنْ عُدّوا وإنْ ذُكِروا ... ومن سواهم فلغو غير معدود
أيها المتفقه:
الطريق وعرة، والمسافة طويلة، والوحدة موحشة، وقطاع الطريق كثير، فلابد لك في طريقك إلى الله من دليل وصاحب، فإنَّ " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب " (١).
ولكن ـ إياك أن تصحب في طريقك الجهال، فتضيع أو الذئاب فتأكلك.
قال بعض السلف: لا تأمنن فاسقًا، فإنَّه خان أول منعم عليه.
قال الإمام الشاطبي: " من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام ... ... "