يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وسعَها، لكن أن يكونَ في وسعِك ثُمَّ لا تعملُ فهذا من تلبيسِ وتثبيطِ الشيطانِ.
ثالثًا: علينا أن نضعَ ثقتَنا في النابغين من طلبةِ العلمِ، لا أن نجعلَهم بمنزلةِ العلماءِ، فقد حذرناك من ذلك آنفًا، لكن على سبيلِ التبليغِ ومذاكرةِ العلمِ فكلُّ مَنْ له فضلُ علمٍ في شيءٍ أَخَذ بيدِ مَن دونَه شيئًا فشيئًا، حتى تجدَ العالمَ فتتشبث به.
فابدأ مع من تقدم عنك ولو بخطوةٍ، خُذْ عنه، نافسه، ولكن حذارِ من أن تقرأَ وحدَك دونَ أخذِ الوسائلِ.
إذًا: ما هي طرق التعلم ؟!!
طرق التعلم
قال الإمام الشاطبي: " وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة. وهى أنفع الطريقين وأسلمهما؛ لوجهين:
الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال، لم يخطر للمتعلم ببال، وقد
стр. 212
يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر، بادي الحاجة، إلى ما يلقى إليه.
وهذا ليس ينكر، فقد نبه عليه الحديث الذي جاء " أن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله ﷺ " (١) وحديث حنظلة الأسيدى: حين شكا إلى رسول الله ﷺ أنهم إذا كانوا عنده وفى مجلسه كانوا على حالة يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم.
فقال رسول الله ﷺ : " لو أنكم تكونون كما تكونون عندى لأظلتكم الملائكة بأجنحتها " (٢)
وقد قال عمر بن الخطاب: " وافقت ربى في ثلاث " (٣) وهى من فوائد مجالسة العلماء، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم مالا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه، وإقتدائهم به.
فهذا الطريق نافع على كل تقدير، وقد كان المتقدمون لا يكتب منهم إلا القليل، وكانوا يكرهون ذلك؛ وقد كرهه مالك فقيل له فما نصنع؟
قال: تحفظون وتفهمون، حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتابة.
стр. 213
وحكى عن عمر بن الخطاب كراهية الكتابة، وإنما ترخص الناس في ذلك عندما حدث النسيان، وخيف على الشريعة الاندراس " (١).
قلت: أما الوجه الثاني فلعله: أنَّ المشافهة تفيد التلاقي بين طالب العلم والعالم، وفيها استفادة المتعلم من سمت المعلم، وهديه ودله وحاله، وهذا أهم ما في قضية التعلم، وذلك كما قيل: ينفعك لحظه قبل لفظه.
الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين، ومدوني الدواوين، وهو ـ أيضًا ـ نافع في بابه بشرطين:
الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب؛ وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال: " كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال ".
والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد. ... والشرط الثاني: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين.
وأصل ذلك التجربة والخبر: أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان؛ فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي
стр. 214
أو نظري، فأعمال المتقدمين ـ في إصلاح دنياهم ودينهم ـ على خلاف أعمال المتأخرين؛ وعلومهم في التحقيق أقعد.
فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى.
وأما الخبر ففي الحديث: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (١).
وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك.
وروى عن النبي ﷺ : " أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض " (٢) ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئًا بعد شيء.
أخي الحبيب ..
هكذا فاطلب العلم من أهله المتحققين به، واصبر على ذلك، ولا تتعجل، ابحث عن العلماء، واجلس بين أيديهم، وخذ من هديهم وسمتهم وأدبهم، والزمهم السنين الطوال، فطول الملازمة مهم ونافع،
стр. 215
وارحل إلى العلماء، ولا تقنع بسماع شريط، أو قراءة كتاب، وخذ هذه الآثار تستثيرك إن كنت من الرجال.
أولئك الناس إنْ عُدّوا وإنْ ذُكِروا ... ومن سواهم فلغو غير معدود
أيها المتفقه:
الطريق وعرة، والمسافة طويلة، والوحدة موحشة، وقطاع الطريق كثير، فلابد لك في طريقك إلى الله من دليل وصاحب، فإنَّ " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب " (١).
ولكن ـ إياك أن تصحب في طريقك الجهال، فتضيع أو الذئاب فتأكلك.
قال بعض السلف: لا تأمنن فاسقًا، فإنَّه خان أول منعم عليه.
قال الإمام الشاطبي: " من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام ... ... "
стр. 216
ذكر طائفة من سلفنا ممَّن كثرت شيوخه
قال الحافظ العراقي في شرح الألفية: وقد وصف بالإكثار من الشيوخ: سفيان الثوري، وأبو داود الطيالسي، ويونس بن محمد المؤدِّب، ومحمد بن يونس الكُديمي، وأبو عبد الله بن منده، والقاسم بن داود البغدادي روينا عنه قال: كتبتُ عن ستة آلاف شيخ (١).
قال الحافظ الذهبي في ترجمة الحافظ الجوال صاحب التصانيف أبي عبد الله بن منده: وعدَّة شيوخه الذين سمع منهم وأخذ عنهم: ألفٌ وسبعُ مئة شيخ (٢).
وقال أيضًا: "ولم أعلم أحدًا أوسع رحلة من ابن منده، ولا أكثر حديثًا منه مع الحفظ والثقة، فبلغنا أن عدد شيوخه " ألف وسبعمائة شيخ ".
يقول ابن حبان: لعلنا كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ.
قال الذهبي: هكذا فلتكن الهمم.
وقال في الحاكم النيسابوري: " سمع من أكثر من ألفي شيخ فإنه سمع بنيسابور وحدها من ألف نفس.
قال ابن النجار عن الإمام السمعاني: سمعتُ من يذكر أنَّ عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد.
стр. 217
وكثيرًا ما تجد هذه العبارة في تراجم سلفنا العظام، فيقال: " وسمع ما لا يوصف كثرة ". (١)
أمّا الإمام ابن النجار (ت ٦٤٣ هـ) نفسه، فكانت رحلته سبعًا وعشرين سنة، واشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ. (٢)
وهذا الإمام الحافظ الكبير فخر الأئمة ابن عساكر بلغ عدد شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ. (٣)
стр. 218
المنطلق الثامن: الأدب
قال عمر: تأدبوا ثمَّ تعلموا
стр. 219
المنطلق الثامن
الأدب
أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ:
اعلم ـ أعزك الله ـ أنَّ تعلم الآداب وحسن السمت مطلب شرعي قلَّ في الناس الآن من يلتفت إليه، بل البلايا العظام لم تتوالَ علينا إلا يوم هجر الناس السمت الحسن، وأقبلوا على العلم ولم يزينوه بحليته الواجبة، فظهرت الأقوال الشاذة، وكثرت الصراعات والخلافات، فلم نجنِ للعلم ثمرة، وندر في الناس أهل العلم والفضل.
وقال ابن المبارك ﵀: طلبت العلم فأصبت منه شيئًا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد بادوا.
وهذا في زمانه ﵀ زمان " خير القرون "، فكيف به إذا رأى زماننا هذا؟
ولما تغافل الناس عن الاهتمام بالآداب الشرعية ظهر الالتزام الهش، وصار الإقبال على المفضول، وتُرك الفاضل، وظهرت الانحرافات الفكرية والسلوكية والأخلاقية؛ لأنَّ تلك الآداب ـ في حقيقة الأمر ـ حصن الالتزام والإيمان الأول فإذا تركت ترك السنن والفرائض ونقضت عرى الإيمان الواحدة تلو الأخرى.
стр. 220
قال الحجاوي: مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمس حصون: الأول من ذهب، والثاني من فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر، والخامس من لبن.
فما زال أهل الحصن متعاهدين حصن اللبن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني ثم الثالث حتى تخرب الحصون كلها.
فكذلك الإيمان في خمس حصون: اليقين، ثمَّ الإخلاص، ثمَّ أداء الفرائض، ثمَّ السنن، ثمَّ حفظ الآداب، فما دام يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع ... فيه، وإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن، ثمَّ في الفرائض، ثمَّ في الإخلاص، ثمَّ في اليقين. (١)
فالأدب دليل على الالتزام الحقيقي، ولذا جُعل جزءًا من أجزاء النبوة.
عن ابن عباس ﵁: أنَّ النبي ﷺ : " إنَّ الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة. (٢)
وكان الأدب هو المقياس الذي يقاس به الناس عند سلفنا الصالح، فإذا لم يوافق هدي الرجل علمه تركوه ونبذوه، فليس العلم عن كثرة المعارف وشحن الذهن بالفنون واللطائف، وإنما العلم ما توصل به لخشية الله تعالى.
стр. 221
قال إبراهيم النخعي ﵀: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وصلاته وإلى حاله، ثمَّ يأخذون عنه.
قال الإمام النووي: قالوا: ولا يأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته واشتهرت صيانته وسيادته. (١)
قال عبد الله بن المبارك: لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه ... بالأدب. (٢)
ولذلك كانت وصية سلفنا الصالح بتعاهد الأدب أكثر مما يتعاهد به العلم.
قال أبو عبد الله البلخي: أدب العلم أكثر من العلم.
والأدب شرط لحصول العلم، يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم، فلا علم لمن لا أدب له.
قيل: العون لمن لا عون له الأدب.
وقال الأحنف بن قيس: الأدب نور العقل كما أنَّ النار نور البصر.
ومن ثمَّ فإنك لا تتعجب أن يفرد أهل العلم مصنفات مستقلة في بيان الآداب الشرعية، " مثل: الآداب الحميدة والأخلاق النفيسة لابن جرير الطبري ... (ت ٣١١هـ)، " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ)، ... و" الآداب الشرعية والمصالح المرعية " لابن مفلح الحنبلي (ت ٧٦٣هـ) وغيرها من الكتب النافعة الماتعة.
стр. 222
آداب طالب العلم
فيا أيها المتفقه:
تأدب قبل أن تتعلم، فإنك لن تنال من العلم طرفًا إذا لم تنل من الأدب أطرافه.
واعلم ـ أعزك الله ـ أنَّ تهذيب النفس، وإصلاح خللها ليس بالأمر اليسير إلا من وفقه الله تعالى، فاصلح ما بينك وبين الله يستقم حالك، وهذه بعض الآداب عليك أن تسعى لتتحلى بها فهي زادك الحقيقي في طريق الطلب.
أولا: طهارة القلب من الأدناس؛ ليصلح لقبول العلم واستثماره
ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " (١)
قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة.
وعن ابن عمر ﵁ قال: وعد رسولَ الله ﷺ جبريلُ أن يأتيه، فراث عليه حتى اشتد على رسول الله صلى اله عليه وسلم فخرج فلقيه جبريل،
стр. 223
فشكا إليه فقال: " إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة " (١)
فإذا كانت الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه كلب فكيف ينزلون قلبًا مليئًا بالأنجاس والخبائث ومذموم الصفات مثل: الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب ونحوها، وهذه الصفات كالكلاب النابحات في الباطن فكيف يمكن أن تتفق هذه مع ملائكة الرحمة؟ (٢)
قال ابن جماعة: " القلب المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبال الملائكة، ولا يبقى فيه مكان للعلم الذي هو نور يقذفه الله في قلوب من أراد.
قال الإمام الشافعي ﵀:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصٍ
فعلى طالب العلم أن يطهر ظاهره بمجانبة البدعة والتحلي بسنن رسول الله ﷺ في أحواله كلها، والمحافظة على الوضوء ونظافة الجسم من غير تكلف وعلى قدر المستطاع.
стр. 224
وعليه أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإنه العلم.
كما قال بعضهم: صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة غلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب غلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساويء الأخلاق ورديئها " (١)
قال سهل: حرام على قلب ان يدخله النور زفيه شيء مما يكره الله .
ثانيُا: الرضا باليسير من القوت، والصبر على ضيق العيش.
قال الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ: يستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد.
قال الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر، ويؤثره على كل شيء.
قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح.
стр. 225
وقال أيضًا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل.
وقال ﵀: لا يصلح طلب العلم لمفلس.
فقيل: ولا الغني المكفي!! فقال: ولا الغني المكفي.
قال إبراهيم الآجري: من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم.
قال ابن جماعة: من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل اليسير من الحلال ن ذلك أنَّ كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية "
ثم قال: " ومن رام الفلاح في العلم وتحصيل البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلاً في العادة " (١)
ثالثًا: التواضع للعلم والعلماء .
قالوا: العلم حرب للمتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي.
فينبغي لطالب العلم أن ينقاد لمعلمه، ويشاوره في أموره، كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح.
стр. 226
قال الشافعي ﵀:
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على أكثر طبقته، فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما سمعه منه في ذهنه.
وقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك ﵀ صفحًا رفيقًا هيبة له لئلا يسمع وقعها.
وقال أحمد بن حنبل لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.
وفي وصية جامعة للإمام علي ﵁ قال: من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تعمدنَّ بعينك غيره، ولا تقولن: قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليها منها شيء.
стр. 227
رابعًا: أداء حقوق معلمك عليك .
على طالب العلم أن يتحرى رضا المعلم وإن خالف رأي نفسه، فإنما هو يرضي ربه برضا معلمه.
وعليه ألا يفشي سر معلمه، وألا يغتاب عنده أحدًا، وأن يرد غيبته إذا سمعها، فإن عجز فارق ذلك المجلس.
وآهٍ ممن ينقل السوء ويسعى بالنميمة بين أهل العلم، فيقطع رحمهم الموصولة، وقد ابتلينا في هذا الزمان بأمثال هؤلاء، فكم من خلافات شبت بسبب هؤلاء النمامين، وليته صمت فنجا، وليته أمسك لسانه، ولكن ذهب الأدب.
ومن الأدب كذلك ألا يدخل عليه بغير إذن، وإذا دخلوا عليه جماعة قدموا أفضلهم وأسنهم.
وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه ن ولا يناديه من بعد، ولا يسميه في غيبة باسمه إلا مقرونًا بما يشعر بتعظيمه كأن يقول: قال الشيخ أو الأستاذ.
وعليه أن يصبر، فلن ينال العلم إلا بذل النفس، فيصبر على شدة شيخه به، فإنما يريد به الخير من حيث لا يدري.
قال ابن جريج ﵀: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء ﵀ إلا برفقي به.
стр. 228
خامسًا: التحلي بآداب مجلس العلم .
ينبغي لطالب العلم أن يدخل على معلمه وهو كامل الهيئة، فارغ القلب من الشواغل، متطهرًا متنظفًا بسواك وقص شارب وظفر، وإزالة كريه رائحة.
ولا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث انتهى به المجلس، إلا أن يصرح له الشيخ بالتقدم والتخطي، أو يعلم من حالهم إيثار ذلك.
ويسلم على الحاضرين كلهم بصوت يسمعهم إسماعًا محققًا، ويخص الشيخ بزيادة إكرام، وكذلك يسلم إذا انصرف.
ولا يقيم أحدًا من مجلسه، فإن آثره غيره بمجلسه لم يأخذه إلا أن يكون في ذلك مصلحة للحاضرين، بأن يقرب من الشيخ، ويذاكره مذاكرة ينتفع بها الحاضرون بها.
ولا يجلس وسط الحلقة إلا لضرورة، ولا بين صاحبين إلا برضاهما، وإذا فسح له قعد وضم نفسه.
وينبغي أن يبكر للمجلس، ويحرص على القرب من الشيخ ليفهم كلامه فهمًا كاملاً بلا مشقة، وهذا بشرط أن لا يرتفع في المجلس على أفضل منه.
ويتأدب مع رفقته وحاضري المجلس فإنَّ تأدبه معهم تأدب مع الشيخ واحترام لمجلسه.
стр. 229
وإذا قعد قعد قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين.
ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام بلا حاجة ن ولا يعبث بيده ولا غيرها، ولا يلتفت بلا حاجة، بل يقبل على الشيخ مصغيًا إليه.
وإذا سمع الشيخ يقول مسألة أو يحكي حكاية وهو يحفظها فعليه أن يصغي لها إصغاء من لم يحفظها.
وإذا جاء مجلس الشيخ فلم يجده انتظره، ولا يفوت درسه إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه فلا يشق عليه بطلب الإقراء في غيره.
سادسًا: أدب سؤال العالم .
ينبغي لطالب العلم أن يغتنم سؤال معلمه عند طيب نفسه وفراغه.
وعليه أن يتلطف في سؤاله، ويحسن خطابه.
ولا يستحي من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رقَّ وجهه رق علمه، ومن رقَّ وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال.
وإذا قال له الشيخ: أفهمت؟! فلا يقل: نعم حتى يتضح له المقصود إيضاحًا جليًا لئلا يكذب ويفوته الفهم.
стр. 230
وعليه ألا يستحي من قول: لم أفهم؛ لأن استثباته واستيثاقه يحصل له مصالح عاجلة وآجلة، فمن العاجلة حفظه المسألة وسلامته من كذب ونفاق بإظهاره فهم ما لم يكن فهمه.
ومنها اعتقاد الشيخ اعتناءه ورغبته وكمال عقله وورعه وملكه لنفسه وعدم نفاقه.
ومن الآجلة: ثبوت الصواب في قلبه دائمًا واعتياده هذه الطريقة المرضية والأخلاق الرضية.
قال الخليل بن أحمد ﵀: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة.
سابعًا: عدم التسويف واغتنام الأوقات .
فلا يسوف في اشتغاله ولا يؤخر تحصيل فائدة، فللتأخير آفات، وكفى أنه يضيع عليه من الفوائد ما كان يمكنه الإلمام بها لولا تقصيره وكسله.
стр. 231
قال الربيع: لم أرَ الشافعي آكلاً بنهار ولا نائمًا بليل لاهتمامه بالتصنيف.
فينبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة.
قال عمر ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا.
قال الشافعي: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه.
ولعلَّ الباعثَ على توقيرِ مُعَلِّمِك واحترامِه وأداءِ حَقِّه ينبعُ من معرفةِ شأنِ العلماءِ ومنزلتِهم في شريعةِ الإسلامِ، وكثيرٌ يخلطُ بينَ التوقيرِ والتعصبِ، وهذه آفةُ الجهلِ وسوءِ النيةِ، فأنت حين توقرُ مُعَلِّمَك فإنَّما تطيعُ اللهَ ورسولَه، وتلتزمُ بشريعةِ الإسلامِ التي أوجبتْ عليك ذلك، فطاعتُهم ليستْ مقصودةً لذاتِها، بل هي تبَعٌ لطاعةِ اللهِ ورسولهِ ﷺ .
قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
قال ابنُ عباسٍ ﵄: يعني أهلَ الفقهِ والدينِ، وأهلَ طاعةِ اللهِ الذين يُعَلِّمَون الناسَ معاني دينِهم، ويأمرونهم بالمعروفِ، وينهونهم عن المنكرِ، فأوجب اللهُ سبحانَه طاعتَهم على عبادِه" (١).
стр. 232
ورجَّح شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ أنَ "أولي الأمرِ" هم العلماءُ والأمراءُ جميعًا، وكذا الحافظُ ابنُ كثيرٍ، وابنُ القيمِ -رحمهما الله- وغيرُهما.
فطاعةُ العلماء تبَعٌ لطاعةِ اللهِ تعالى، فالعلماءُ بمثابةِ الأَدِلَّاءِ، بهم يُعْرَفُ حكمُ اللهِ، ويستعانُ بفهمِهم لفهم مرادِ اللهِ تعالى ومرادِ رسولهِ ﷺ ، لا أنَّ طاعتَهم مقصودةٌ لذاتِها.
ومن هنا يتبينُ الفرقُ بينَ التَعصُّبِ للآراءِ والأشخاصِ وبينَ الاستعانةِ بفهمِ هؤلاءِ العلماءِ للدلالةِ على الطريقِ، لأنهم الثقاتُ، ورثةُ الأنبياءِ، المشهودُ لهم بالعدالةِ، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
قال ابنُ القيمِ ﵀: وفي ضمنِ هذه الشهادةِ الإلهيةِ الثناءُ على أهلِ العلمِ الشاهدين بها وتعديلُهم (١).
ثمَ إنَّ الله اخْتَصَّهم دونَ سواهم بفهمِ آياتهِ، فخَوَاصُّ الأدلةِ -وهي الأمثالُ- تُضربُ للناسِ كلِّهم، ولكنَّ تعقلَها وفهمَها خاصٌّ بأهلِ العلمِ، قال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
стр. 233
فإذا تقرر هذا الأمرُ، فينبغي أن نعلمَ:
أولًا: أنَّ النَّاس في شأنِ توقيرِ العلمِ والعلماءِ بينَ طَرَفينِ وَوَسطٍ: فقومٌ غُلاةٌ قد جَعَلوا للعلماءِ قَدَاسةً بحيث لا يُسألون عمَّا يفعلون، فمثلُ هؤلاءِ كاليهودِ الذين اتخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا مِن دونِ اللهِ، أو كالرافضة الذين جعلوا لأئمتِهم منزلةً لا يَصِلُها مَلَكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ.
وقومٌ أَهْدَروا مكانة العلماءِ، فاسْتَخَفُّوا بأقدارِهم، وسَمَّموا العقولَ تحتَ شعاراتٍ بَرَّاقَةٍ مثل (لا كهنوتَ في الإسلامِ)، (لا قداسةَ لأحدٍ في الإسلامِ)، ومثلُ هؤلاءِ كالخوارجِ الذين لم يرفعوا بساداتِ علماءِ الصحابةِ رأسًا.
وأهلُ الحقِّ بينَ هذينِ الطرفينِ، فحفظوا لأهلِ العلمِ أقدارَهم، وعَرَفوا أنهم أَدِلَّاءُ على حكمِ اللهِ، فلا قداسةَ لهم في ذواتِهم، ولا عصمةَ لأحدٍ سوى لرسولِ اللهِ ﷺ ، فعرفوا الرجالَ بالحقِّ، لا الحقَّ بالرجالِ.
قال الإمامُ أحمدُ: رأيُ الأوزاعيِّ، ورأيُ مالكٍ، ورأيُ أبي حنيفةَ، كُلُّه رأيٌ، وهو عندي سواءٌ، وإنَّما الحجةُ في الآثارِ (١).
стр. 234
قال الإمامُ الشاطبيُّ:- وهذا لسانُ حالِ الجميعِ، ومعناه أنَّ كل ما يتكلمون به على تحري أنه طَابَقَ الشَّريعةَ الحاكِمةَ، فإنْ كان كذلك فبها ونعمت، وما لا فليس بمنسوبٍ إلى الشريعةِ، ولا هُمْ أيضًا مِمَّن يَرْضَى أن تُنسبَ إليهم مخالفتُها.
ثانيًا: أنَّ الأخذَ عن العلماءِ لا يقتصرُ على مجردِ العلمِ ومسائلهِ، بل يُؤخذُ عنهم الهديُ الظاهرُ والسَّمْتُ، وهذا لا يتأتى دونَ ملازمتِهم والجلوسِ إليهم.
قال ابنُ سيرين: كانوا يتعلمون الهديَ كما يتعلمون العلمَ (١).
ثالثًا: أنَّ هذا القدرَ الواجبَ من التوقيرِ والتقديرِ والاحترامِ والطاعةِ للعالمِ لا يكونُ إلا بالشرعِ، فمتى ما خالف العالمُ الشريعةَ، أو قام بخارمٍ لدينهِ، فإنه لا طاعةَ له، وحَذَارِ هنا مِن أقوالِ الأقرانِ مِن أهلِ العلمِ؛ فإنها تُطْوَى ولا تُرْوَى، بل على طالبِ العلمِ توقيرُ الجميعِ دونَ حطِّ من قدرِ أحدِهم بسببِ خصوماتٍ تحدث بينَ الأقرانِ في كل زمانٍ، أو تحدثُ بسببِ التَّحاسدِ أو الضغائنِ، فإياك وهذه؛ فإنها حالقةُ الدِّينِ.
стр. 235
قواعد في التعامل مع العلماء
وإنِّي مُتْحِفُك بخَمْسَ عشرةَ قاعدةً تضبطُ من خلالِها تعاملَك مع العلماءِ، قد اختصرتُها لك من كتابِ "قواعد في التعامل مع العلماء" (١)، نسألُ اللهَ تعالى أنْ يُعَلِّمَنا ما ينفعُنا، وأنْ ينفعَنا بما يعلُمنا، وأنْ يُزَيِّنَّا بالأدبِ، وأن يَزِيدنا علمًا، وقد وَفَّقَنا اللهُ تعالى لزيادةِ بعضِ القواعدِ والحواشي فللَّه الحمدُ والمنَّةُ.
القاعدةُ الأولى: موالاةُ العلماءِ ومحبتُهم:
فإن أولى الناس بالموالاةِ، وأحقهُم بالمحبةِ في اللهِ بعدَ الأنبياءِ هم العلماءُ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: فيجبُ على المسلمين بعدَ موالاةِ اللهِ تعالى ورسولِه ﷺ موالاةُ المؤمنين كما نَطَق به القرآنُ، خصوصًا العلماءَ الذين هم ورثةُ الأنبياءِ، الذين جَعَلَهم اللهُ بمنزلةِ النجومِ يُهتدى بهم في ظلماتِ البرِّ والبحرِ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهِم ودرايتِهم (٢).
فيلزمُك -أيها المتفقه- أن تُحِبَّ شيخَك، فهذا كان معيارَ الخيرِ الذي يقاس به النَّاسُ عند السَّلَف - رضوان الله عليهم.
стр. 236
قال الإمامُ الطحاويُّ ﵀: وعلماءُ السلفِ من السابقين ومَنْ بعدَهم من التابعين أهلُ الخبرِ والأثرِ، وأهلُ الفقهِ والنظرِ، لا يُذكرون إلا بالجميلِ، ومَن ذكَرهم بسوءٍ فهو على غيرِ السبيلِ (١).
وموالاةُ العلماءِ لا تعني التعصبَ لذواتِهم أو آرائِهم -كما تقدم بيانه- فالمسلمُ الحق مَنْ لا يجعلُ الموالاةَ والمعاداةَ على أساسٍ غيرِ الكتابِ والسُّنةِ، أمَّا الغلو فإنه شِيمَةُ أهلِ الأهواءِ والجُهَّالِ.
حَجَّ بشرٌ المريسيُّ المبتدعُ، فلما قَدِم قال: رأيتُ بالحجازِ رجلًا ما رأيتُ مثلَه سائلًا ولا مجيبًا -يعني الشافعي- قال: فقدم علينا، فاجتمع إليه النَّاسُ وخَفُّوا عن بشرٍ، فلمَّا قدم النَّاسُ لبشرٍ يخبرونه بشأنِ الشافعيِّ وشدتِه عليه قال: قد تغير عمَّا كان عليه. فهكذا أحبَّ لهواه وأَبْغَضَ لهواه (٢).
القاعدةُ الثانيةُ: احترامُ العلماءِ وتقديرُهم:
قال ﷺ : "ليسَ مِنْ أمَّتي من لمْ يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغَيرنَا، ويعرفْ لعالمنِا حَقَّه" (٣).
وقال ﷺ : "إنَّ من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ، وحاملِ القرآنِ غير الغَالي فيه والجافي عَنْه، وإكرامَ ذي السُّلطانِ المُقْسِطِ" (٤)
стр. 237
قال طاووسٌ: من السُّنةِ أن يُوَقَّرَ أربعةٌ: العالمُ، وذو الشيبةِ، والسلطانُ، والوالدُ.
أما ترى ابنَ عباسٍ ﵄ يأخذُ بركابِ زيدِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ ﵁ ويقولُ: هكذا أُمِرْنا أنْ نفعلَ بعلمائِنا وكبرائِنا.
بل كان ﵁ يأتي الصحابيَّ يخبره بحديثٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ فينتظرُه حتى يخرجَ من بيتهِ حتى تُسفي الريحُ على وجهِه طلبًا للعلم (١).
وهذا الإمامُ مسلمٌ يَهُمُّ بتقبيلِ رِجْلِ البخاريِّ ويقولُ: دَعْنِي حتى أقبلَ رجليك يا أستاذَ الأستاذينَ، وسيدَ المحدثينَ، وطبيبَ الحديثِ في عللِه (٢) ..
القاعدةُ الثالثةُ: السَّعيُ إلى العلماءِ والرحلةُ إليهم طلبًا لعلمِهم:
فلا يفوتنَّك لقاءُ العالمِ، وكيف بطالبِ العلمِ أن يسمعَ بعالمٍ على الأرضِ ولا تتوقَ نفسُه إلى لُقْياه، بل إنَّه ليتحسَّرُ ويَشْتدُّ أسفُه إذا سَمِع بعالمٍ معاصرٍ له ولم يَرَه، فأين نحن من السَّلفِ الذين جعلوا المعاصرةَ كحكم اللُّقيا، إذ كان من المتعذرِ عندَهم أن يعاصرَ طالبُ العلمِ عالمًا -لا سيما في بلدتِه- ولا يأخذ عنه.
стр. 238
قال ابنُ مهديٍّ ﵀: كان الرجلُ من أهلِ العلمِ إذا لَقِي مَن هو فوقَه في العلمِ فهو يومُ غنيمتِه؛ سأله وتَعَلَّم منه، وإذا لَقِي مَن هو دونَه في العلمِ عَلَّمه وتواضع له، وإذا لَقِي مَن هو مثلُه في العلمِ ذاكره ودارسه (١).
قال ميمونُ بنُ مهران ﵀: العلماءُ هم ضالتي في كل بلدٍ، وهم بغيتي إذا لم أجدْهم، وجدتُ صلاحَ قلبي في مجالسةِ العلماءِ.
وقال أبو الدرداءِ: مِن فِقْهِ الرجلِ ممشاه ومدخلُه ومخرجُه مع أهلِ العلمِ (٢).
القاعدةُ الرابعةُ: الصبرُ على العلماءِ وشدتِهم أحيانًا:
قال لقمانُ لابنهِ: اصبرْ نفسك لمن هو فوقَك في العلمِ ولمن هو دونَك، فإنَّما يَلْحَقُ بالعلماءِ مَن صَبَر لهم ولازمهم واقتبس مِن علمِهم في رفقٍ (٣).
قال ابنُ ماجه ﵀: جاء يحيى بنُ معينٍ إلى أحمدَ بنِ حنبلٍ، فبَيْنَا هو عندَه إذ مَرَّ الشافعيُّ على بغلتِه، فوثَب أحمدُ يُسَلِّمُ عليه وتَبِعَه فأبطأ، ويحيى جالسٌ، فلمَّا جاء قال يحيى: يا أبا عبدِ اللهِ، لِمَ هذا؟ فقال: دَعْ عنك هذا، إنْ أردتَ الفقهَ فالزمْ ذَنَبَ البغلةِ (٤).
стр. 239
وهذا يحيى بن معين ﵀ يَرْفِسُه أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دكينٍ ﵀ ويرمي به؛ لأنه أراد أن يختبرَه، فيقول يحيى ﵀: واللهِ لرفستُه لي أحبُّ إليَّ مِن سَفْرتي (١).
وقال الشافعيُّ ﵀: قيل لسفيانَ بنِ عيينةَ: إنَّ قومًا يأتونك من أقطارِ الأرضِ تغضبُ عليهم، يوشكُ أن يذهبوا أو يتركوك. فقال للقائل: هم إذًا حمقى مثلُك، إن تركوا ما ينفعُهم لسوءِ خُلُقي.
-أيها المتفقه-، قد علمتَ أنَّ العلمَ لا يُنالُ إلا بذلِّ النَّفْسِ، فلابُدَّ لك من صبرٍ، فبدونه لن تنالَ غايتَك، ومن ذلك أن تصبرَ على شدةِ العلماءِ، فإنَّ من النَّاسِ مَن لا يحسنُ تزكيتُه إلا بالشديدِ من الأقوالِ والأفعالِ، وقد يَرَى شيخُك فيك ما لا تراه من نفسِك من الآفاتِ المهلكاتِ، فيشتدُّ عليك رأفةً بك وحرصًا عليك، فَتَدَبَّرْ!
القاعدةُ الخامسةُ: رعايةُ مراتبِ العلماءِ:
فالعلمُ مراتبُ، ولكلِّ عالمٍ منزلةٌ، وقد أُمِرنَا بأن نُنْزِلَ النَّاسَ منازلَهم، وتقديرُ هذه المنازلِ ينبغي أن يكونَ لمن أُوتي قدرًا من العلمِ، لا إلى الجُهَّالِ.
قال الإمام الذهبي: الجاهلُ لا يعلمُ رُتبةَ نفسِه، فكيف يعرفُ رتبةَ غيرِه (٢).
стр. 240
ومن مراعاةِ مراتبِ العلماءِ:
١ - أن تراعيَ تخصصَه: حيث يغلبُ على العالم فن من فنونِ العلمِ، فيكونُ لقولِه في هذا الفن من الاعتبارِ ما ليس لقولِ غيرِه.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: خَطَب عُمر بنُ الخطابِ ﵁ النَّاسَ بالجابيةِ، وقال: يا أيها الناسُ، مَن أراد أن يَسألَ عن القرآنِ فليأت أُبيَّ بنَ كعبٍ ﵁ ومَن أراد أن يَسألَ عن الفرائضِ فليأت زيدَ بنَ ثابتٍ ﵁ ومَن أراد أن يَسألَ عن الفقهِ فليأت معاذَ بنَ جبل ﵁.
٢ - أن تراعيَ عُمُرَهُ وسِنَّه.
فكلما كان العالم أقدمَ كان في العادةِ أكثرَ رسوخًا، إذ العلمُ تراكميٌّ، فيزدادُ بمرورِ الوقتِ، ويصيرُ للعالم الأَسَنِّ من التجاربِ والمعرفةِ ما ليس لغيرِه. لذلك ذَمَّ السَّلفُ الأخذَ عن الصغارِ، إذ ذلك من أشراطِ الساعةِ.
قال عُمر ﵁: فسادُ الدينِ إذا جاء العلمُ من قِبَلِ الصغيرِ استعصى عليه الكبيرُ، وصلاحُ الناسِ إذا جاء العلمُ من قِبَلِ الكبيرِ تابعه عليه الصغيرُ (١).
стр. 241
وقال ﵁: ألا وإنَّ الناس بخيرٍ ما أخذوا العلمَ عن أكابرِهم، ولم يَقُم الصغيرُ على الكبيرِ، فإذا قام الصغيرُ على الكبيرِ فقد (١) - أي هلكوا.
ويَصْدُقُ في ذلك قولُ القائلِ:
متى يصلُ العطاشُ إلى ارتواءٍ ... إذا اسْتَقَت البحارُ مِن الرَّكايا (٢)
والشريعةُ جاءت بالمحافظةِ على قدرِ الكبيرِ، فهو المُقدَّمُ للإمامةِ في الصلاةِ عند التَّساوي في القراءةِ والعلمِ، فواجبُ الأحداثِ أن يتفرغوا للطلبِ والتَّلقي، فهذا زمانُ الأخذِ فانْهَلْ، أمَّا الكبيرُ فزمانُه زمانُ الإنفاقِ، فَلْيَجُد ولا يَبْخَلْ.
ومِن أَسَفٍ أنْ تَرَى بعضَ الناسِ يأخذُ عن بعضِ طلبةِ العلمِ الصغارِ ما يتعارضُ مع ما يَرَاه الأَجِلَّةُ من العلماءِ، وأن يحفظَ لطالبِ العلمِ من الحقوقِ ما لا يحفظُ لغيرِه من أكابرِ العلماءِ، فاحفظْ -أيها المتفقه- للعلماءِ مراتبَهم.
القاعدةُ السَّادسةُ: حَذَارِ من القدحِ في العلماءِ:
فطالبُ العلم عفيفُ اللسانِ، ذليلُ النفْسِ، بغيتُه رضا رَبِّه، ووسيلتُه إلى ذلك الأخذُ عن أهلِ العلمِ والفضلِ، فكلُّهم ذوو شأنٍ عندَه ومكانةٍ، لا يَحُطُّ من قَدْرِ أحدِهم، لا يُنْصِتُ لفاحشِ القولِ فيهم، بل
стр. 242
يَرُدُّ غيبتَهم، وإن لم يستطعْ فارق تلك المجالسَ التي تعقدُ في "تصنيفِ العلماءِ" و "النيلِ منهم" و "القدحِ في ذواتِهم أو آرائِهم"، وهي مجالسُ لا تبوءُ بصاحبِها إلى خيرٍ البتةَ.
فالقدحُ في العلماءِ مُحَرَّمٌ؛ لأنهم من المسلمين، والنبيُّ ﷺ قال: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا" (١).
ولمَّا كان القدحُ في العلماءِ مَطِيَّةً للقدحِ في الدينِ ازدادتْ حُرمةُ ذلك الصنيعِ شرعًا، إذ قاعدةُ الشريعةِ الأصيلةُ أنَّ للوسائلِ حكمَ المقاصدِ، فمتى ما أَفْضَتِ الوسيلةُ لمحرمٍ فإنها تُحَرَّمُ تبَعًا لأثرِها وما ينتجُ عنها.
لذلك كان سَابُّ الصحابةِ زنديقًا؛ لأنَّ انتقاصَ الصحابةِ انتقاصٌ للرسولِ ﷺ ، إذ ما أقبحَ بالرجلِ أن يصحبَه صحابةُ السُّوءِ (٢).
وتواترت الآثارُ عن السَّلفِ في رميهم القادحَ في أهلِ العلمِ من التابعين فمن بعدَهم بالزندقةِ، وهذا محمولٌ على الكلامِ في العالمِ بظلمٍ وهوى.
وكان السَّلفُ يعظمون قدرَ العلماءِ، وَيرَوْن مَن اسْتَخَفَّ بهم على سبيلِ الهَلَكَةِ.
стр. 243
قال ابنُ المباركِ ﵀: فإنَّه من اسْتَخَفَّ بالعلماءِ ذَهَبَت آخرتُه. (١)
فالاستخفافُ بالعلماءِ إيذاءٌ لهم، وهم أولياءُ اللهِ تعالى، ومَن آذى أولياءَ اللهِ تعالى أَوْشَكَ أن تتنزلَ عليه لعناتُ اللهِ تعالى ومقتُه.
- وفي الحديث القدسي: "مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ" (٢).
- ولقد قال رجل من المنافقين: ما رأيتُ مثلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ لسانًا، ولا أجبنَ عندَ اللقاءِ. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
فرَدَّ اللهُ على اعتذارِهم غيرِ المقبولِ، وجَعَل استهزاءَهم بالرسولِ ﷺ
وصحبِه استهزاءً به سبحانَه، وهذا يدلُّ على خطورةِ الأمرِ.
ثمَّ إنَّ القدحَ في العلماءِ والاستخفافَ بهم من جملةِ الغِيبةِ المنهيِّ عنها، وغِيبةُ العالمِ أعظمُ من غِيبةِ غيرِه لِعِظَمِ قدرِه، ولعلَّ من أفضلِ ما قيل في هذا الأمرِ كلمةَ الإمامِ الحافظِ ابنِ عساكرَ الدمشقيِّ ﵀.
قال: اعلم يا أخي -وفقني اللهُ وإياك لمرضاتِه، وجَعَلَنا ممن يخشاه ويتقيه حَقَّ تقاتِه- أنَّ لحومَ العلماءِ مسمومةٌ، وعادةُ اللهِ في هَتْكِ أستارِ
стр. 244
منتقصيهم معلومة، لأنَّ الوقيعةَ فيهم بما هم منه بَراءٌ أمرُه عظيمٌ، والتناولُ لأعراضِهم بالزورِ والافتراءِ مَرْتَعٌ وخيمٌ، والاختلافُ على ما اختاره اللهُ منهم لنشرِ العلمِ خلق ذميم، وما وقع فيهم أحد بالثَّلْبِ إلا ابتلاه الله قبل موته بموت القلبِ (١).
وكم أورث القدحُ في العلماء من بلايا!! ألم تَرَ إلى تسلطِ الأصاغرِ وإعجابِهم بآرائِهم دونَ مَن سواهم؟! ألم تَرَ الجرأةَ على التَّعدي على أهلِ العلمِ سلفًا وخلفًا؟ ألم تَرَ آفاتٍ كالعُجبِ والكِبرِ والخيلاءِ تَسْرِي كسريانِ الدمِ في العروقِ بين طلبةِ علمٍ في بدايةِ الأمرِ، ألم تَرَ مَن يقولُ: فلانٌ لا يُعتدُّ بتصحيحِه وتضعيفِه، وفلان لا يؤبه بقولِه، والحافظُ فلان كان على بدعةِ ضلالةٍ، والإمامُ فلان أخطأ في كيت وكيت، يا هذا مَالَك أنت بمثلِ ذلك؟ إنما شأنُك أن تتلقى وتتعلمَ، واتركْ شأنَ الأكابرِ لمن يماثلونهم، أمَّا أنت فعليك بخاصَّةِ نفسِك، فإنَّك مشمولٌ بسترِ اللهِ، ولو هَتَك السترَ لَبَانَ عَوَارُك، فلا تأمَن عاقبة مكرِ اللهِ تعالى.
القاعدةُ السابعة: احذرْ من تخطئةِ العلماء بدونِ علمٍ:
نَعَمْ؛ العلماءُ بَشرٌ يُخطئون وُيصيبون، وأَبَى اللهُ تعالى أن تكونَ العصمةُ إلا لرسولِه ﷺ . وقد يُبْصِرُ طالبُ العلمِ خطأَ شيخِه، وقد تخرجُ فتوى لأحدِ العلماءِ فيعارضُها جماهيرُ العلماء فيتبينُ لطالبِ العلمِ عن طريقِ نَصْبِ الأدلةِ أنَّ هذا العالمَ أخطأ في هذا الأمرِ، فَتُرى كيف يتعاملُ مع هذا الواقعِ حينئذٍ.
стр. 245
أكبرُ المزالقِ التي تَزِل فيها أقدامُ بعضِ طلبةِ العلمِ أنه إذا تبين له خطأ شيخِه انحطَّ قدرُه في قلبِه، ويبدأ في الجرأةِ عليه، ولربَّما نال منه في غيبتِه، لا سيمَّا في المسائلِ التي تُسَمَّى بالطبوليات، لأن زلةَ العالمِ مضروبٌ لها الطَّبلُ.
وهدي السَّلفِ على خلافِ ذلك، فالشأنُ حينئذٍ أن تلتمسَ للعالمِ العُذْرَ، واضربْ لخطئه ألفَ "لَعَلَّ"، فإنها المأمنُ من الوقيعةِ في أهلِ العلمِ.
ولله دَرُّ الإمامِ الذهبي عليه رحَمات اللهِ وبركاته؛ فقد ضربَ لنا مئاتِ الأمثلةِ على حسنِ الخلق وكيفية التعاملِ مع أخطاءِ العلماءِ والردِّ عليها في كتابهِ القيم "سيرُ أعلام النبلاءِ" ومن ذلك هذا الموقفُ الطيبُ حين ساقَ خبرًا: أَنَّ وكيعًا ﵀ كان يصومُ في الحضرِ والسفرِ ويختمُ القرآنَ كلَّ ليلةٍ فقال معلقًا:
"قلتُ: هذه عبادة يخضعُ لها، ولكنها من مثلِ إمامٍ من الأئمةِ الأثَرية مفضولَة، فقد صحَّ نهيُه ﵇ عن صومِ الدَّهر، وصحَّ أنه نهى أن يُقرأَ القرآنُ في أقلَّ من ثلاث، والدِّين يُسْرٌ، ومتابعةُ السُّنَّةِ أولى، فرضيَ الله عن وكيع، وأينَ مثلُ وكيع؟ ومعَ هذا فكان مُلازِمًا لشُربِ نبيذِ الكوفة الذي يُسْكِرُ الإكثارُ منه فكان مُتأَوِّلًا في شُربه، ولو تركه تورُّعًا، لكان أولى به، فإنَّ مَنْ تَوَقَى الشُبهات، فقد استبرأَ لدِينِهِ وعِرْضِه".
أمَّا إذا كان الخطأ لم يحدثْ، وتناقل الأحداثُ مثلَ هذه الأباطيلِ، فهذا يدلُّ على سوءِ الطَّوِيَّةِ، وجَهْلٍ بقدرِ العلماءِ، إذ التثبتُ أولُ خصالِ أولي العلمِ.
стр. 246
ذكر الإمامُ الذهبي ﵀ أنَّ أبا كاملٍ البصريَّ قال: سمعتُ بعضَ مشايخي يقولُ: كنَّا في مجلسِ ابنِ خَنْب فأملى في فضائل عليٍّ ﵁ بعدَ أنْ كانَ أمْلىَ فَضَائلَ الثَّلاثةِ، إذْ قالَ أبو الفَضْلِ السُّلَيمانيُّ وصاح، أيها النَّاسُ، هذا دَجَّالٌ فلا تكتبوا، وخرج من المجلسِ؛ لأنه ما سَمِع بفضائلِ الثلاثةِ.
قال الذهبي ﵀: وهذا يدلُّ على زَعَارَّةِ السُّليمانيِّ وغلظتِه، اللهُ يسامحُه (١).
ومن البلايا الشائعةِ رَمْيُ أهلِ العلمِ بالابتداعِ بدونِ علمٍ، وعادةً لا يكونُ للقائلِ بهذا مِن دليلٍ أو بُرهانٍ، والعِبرةُ في ذلك لقولِ الأئمةِ لا إلى رأي آحادِ النَّاسِ.
وقد رُمِي الإمامُ الشافعيُّ والإمامُ أحمدُ ببدعةِ التَّشَيُّعِ، وحاشاهما، وإنَّما يُشاعُ حَسَدًا أو جَهْلًا أو افتراءً للوقيعةِ، ولم يَخْلُ للأسفِ من هؤلاءِ زمانٌ.
أو يُرمى العالمُ بعدمِ المعرفةِ بالواقعِ، كما يدندنُ بذلك العلمانيون الخبثاءُ للنيلِ من أهلِ الدينِ.
يقول شيخنا الكريم سماحةُ الشيخِ -عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ ﵀: الواجبُ على المسلمِ أن يحفط لسانَه عمَّا لا ينبغي، وألا يتكلمَ إلا عن بصيرةٍ، فالقولُ أن فلانًا لم يَفْقَه الواقعَ، هذا يحتاجُ إلى علمٍ، ولا يقولُه إلا مَنْ عندَه علم حتى يستطيعَ الحكمَ بأنَّ فلانًا يَفْقَه الواقعَ، أمَّا أَنْ يقولَ هذا جُزافًا، ويحكمَ برأيِه على غيرِ دليلٍ، فهذا منكرٌ عظيم لا يجوزُ (٢).
стр. 247
فإياك وهذا السبيلَ -أيها المتفقه- لا تجمعُ الزَّلاتِ، ولا تقلُ إلا خيرًا، وإلا فاصمتْ فإنها الوصيةُ النبويةُ الذَّهبيةُ.
القاعدةُ الثامنةُ: التمس للعالمِ العُذْرَ:
الأصل في تعاملِ المسلمين بعضِهم البعض يقومُ على أساسِ حسنِ الظنِّ المتبادلِ، قال تعالى في حادثةِ الإفكِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فالواجب على أهلِ الإيمانِ أن يظنوا الخيرَ في إخوانِهم، فإنْ بَلَغَك عن أخيك خلافُ ذلك فالتمسْ له عذرًا، فإنْ لم تَجِدْ فَقُلْ: لَعَلَّ له عذرًا.
قال عُمر ﵁: لا تظن بكلمةٍ خرجتْ من أخيك المسلمِ سوءًا وأنت تَجِدُ لها في الخيرِ مَحْمَلًا (١).
فإذا كان هذا شأنَ الإخوةِ بعضِهم مع بعضٍ، فما بالُك بحالِ التلميذِ مع شيخِه.
لذلك يقول الإمامُ السُّبكيُّ:
فإذا كان الرجلُ ثقةً مشهودًا له بالإيمانِ والاستقامةِ، فلا ينبغي أن يُحملَ كلامُه وألفاظُ كتاباتِه على غيرِ ما تُعُوِّد منه ومِن أمثالِه، بل ينبغي التأويلُ الصالحُ، وحسنُ الظنِّ الواجبُ به وبأمثالِه (٢).
وهذا -للأسفِ- قَلَّ وجودُه في زمانِنا، إذِ النَّفْسُ الطيبةُ لا تقعُ إلا على الطيبِ، والنَّفْسُ الخبيثةُ لا تقعُ إلا على الخبيثِ، فما إن يَزِل العالمُ،
стр. 248
أو يُشاع عنه أمرُ سوءٍ، حتى ترى كُلًّا يطعنُ فيه، ويرميه بما ليس فيه، ولو بحث له عن عُذْر لوجد وايم الله، ولكنَّ النوايا ساءتْ، والطوايا خَبُثَتْ، فلم تَجِدْ إلا ما تَرَى وما تسمعُ.
١ - ومِن أكثرِ ما يهمزُ به العلماءُ السُّكوتُ في وقتِ المِحَنِ خوفًا، والأخذُ بالرُّخصةِ في ذلك، فيُلامُ على تركِ العزيمةِ بإشهارِ كلمةِ الحقِّ، وهذا -ولا شك- أولى في حقِّ العلماءِ الذين يُقتدى بهم، ولكنَّ العالمَ بَشَرٌ يَخافُ ويَخْشَى، لا سيمَّا مع كبرِ السِّنِّ وضعفِ البدنِ.
فهذا عليُّ بنُ المدينيِّ ﵀ يُجاري القومَ أثناءَ محنةِ خلقِ القرآنِ، فيُسألُ عن ذلك فيقولُ: قَوِيَ أحمدُ على السَّوطِ وأنا لا أَقْوَى.
ويلومُه بعضُهم فيقولُ: ما في قلبي مما قلتُ وأجبت إلى شيءٍ، ولكنِّي خِفْتُ أنْ أقتلَ، وتعلم ضعفي أني لو ضربتُ سوطًا واحدًا لمتُ، أو نحو ذلك.
٢ - ومن ذلك أيضًا شَغَبُ بعضِهم على العلماءِ في شأنِ أخذِ الأجرةِ على التعليمِ، أو الأخذِ من بيتِ المالِ.
ومَن يتأمل حالَ الدعاةِ والعلماءِ في عصرِنا، العصر الذي لم يَعُدْ فيه بيتُ مالٍ ينفقُ على طلبةِ العلمِ والعلماءِ، فيضطرُ العالمُ أنْ ينفقَ وقتًا طويلًا من عُمره لكسبِ ما يَتَقَوَّتُ به وعياله، ناهيك عن كثرةِ المتطلباتِ من الكتب والرحلةِ في الدعوةِ أو الطلبِ، فمن أين لطالبِ علمٍ أو عالمٍ فقيرٍ بكلِّ هذا؟!!.
стр. 249
نَعَمْ، الورعُ يقتضى ألا يمدَّ العالمُ يدَه فيأخذ أجرةً على التَعليمِ أو التصنيفِ ونحو ذلك، ولكنْ ما البديلُ يا عبادَ اللهِ؟
هل البديلُ أن نتركَ العلماءَ وطلبةَ العلمِ للتكسبِ في زمنِ الغلاءِ فتنهشهم الدُّنيا؟!
هل البديلُ أن يعيشَ هؤلاءِ على صدقاتِ أهلِ الإحسانِ، والنَّاسُ اليومَ لا يعرفون أنَّ مِن أوجبِ الصدقاتِ النفقةَ على طلبةِ العلمِ الذين عليهم حراسةُ الدينِ؟!
إنني أعرفُ طلبةَ علمٍ نابغين، كان يُظَنُّ أنهم حملةُ الرايةِ عن قريبٍ، تخطفتهم الدُّنيا لضيقِ ذاتِ اليدِ، فإنَّ طالبَ العلمِ اليومَ يجدُ نفسَه محتاجًا لمالٍ كثيرٍ، ليرحلَ أو ليشتريَ كتبًا أو أشرطةً، وهو شابٌّ يحتاجُ للزواجِ في زمانِ الفتنِ هذا، فيحتاجُ لمالٍ آخرَ ليجدَ بيتًا وأثاثًا، وقد لا يجدُ من يُعينه على كلِّ ذلك، فلا يجدُ فرصةً سوى العملِ الدؤوبِ، فتقلُّ ساعاتُ المذاكرةِ حتى تراه بعدَ فترةٍ هجَر دروسَ العِلْمِ، ثمَ انكَبَّ على الدنيا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
وكلنا يعرفُ ذلك الأمرَ، ثمَّ تجدُ مَن يلومُ هذا العالمَ أو ذاك الداعيةَ أَنْ أَخَذ مالًا على جُهدٍ بَذَلَه في تصنيفٍ أو تعليمٍ.
قال بشرُ بنُ عبدِ الواحدِ: رأيتُ أبا نُعَيْمٍ في المنامِ، فقلتُ: ما فَعَل اللهُ بك؟ -يعني فيما كان يأخذُ على الحديثِ- فقال: نَظَر القاضي في أمري فوجدني ذا عِيَالٍ فَعَفَا عَنِّي.
стр. 250
قال الإمامُ الذهبيُّ ﵀ معقبًا: ثَبَت أنه كان يأخذُ على الحديثِ شيئًا قليلا لفقرِه.
قال ابنُ خشرم: سمعتُ أبا نُعَيْمٍ يقول: يلومونني على الأخذِ، وفي بيتي ثلاثةَ عَشَرَ نفسًا، وما في بيتي رغيفٌ (١).
٣ - ومما يُعتذرُ للعالمِ أيضًا ما يَصدرُ عنه مِن أفعالٍ وأقوالٍ تتماشى مع طبيعتِه الذاتية.
فمثلًا: قد يكون العالمُ ذا طبيعةٍ متسامحةٍ، فيجالسُ أهلَ البدعِ -وحقُّه أن يَكْفَهِرَّ في وجوهِهم- ولكنْ يخالطُهم لما فيه من التسامحِ الزائدِ، فيظن الجاهلُ بحالِه أنَّ هذا العالمَ بخلطتِه أهلَ البدعِ صار منهم، ويقولُ لك: اعْرف الرجلَ بمن يَصْحَبُ. وتتقاذفُ التُّهمُ، وكم مَرَّ العلماءُ والدعاةُ إلى اللهِ بمثلِ ذلك، حتى يُرمى في عقيدتِه ودينهِ، وكلامُ الرَّجُلِ يشهدُ ببراءتِه، ولكن ما الصنيعُ فيمن لا يراعون اللهَ في علمائِهم ودعاتِهم.
قال الواقديُّ -في الكلامِ على ابنِ أبي ذئبٍ-: "ورُمي بالقَدَرِ، وما كان قَدَرِيًّا، لقد كان يتقي قولَهم ويَعيبُه، ولكنَّه كان رجلًا كريمًا، يجلسُ إليه كلُّ أحدٍ، ويغشاه فلا يطردُه، ولا يقولُ له شيئًا، وإن مَرِض عاده، فكانوا يتهمونه بالقدرِ لهذا وشِبْهِه".
قال الإمامُ الذهبيُّ -معقبًا-: كان حَقَّه أنْ يَكْفَهِرَّ في وجوهِهم، ولعله كان حَسَنَ الظنِّ بالنَّاسِ (٢).