← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98137

منطلقات طالب العلم

محمد حسين يعقوب

Полный текст (335 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذكر الإمامُ الذهبي ﵀ أنَّ أبا كاملٍ البصريَّ قال: سمعتُ بعضَ مشايخي يقولُ: كنَّا في مجلسِ ابنِ خَنْب فأملى في فضائل عليٍّ ﵁ بعدَ أنْ كانَ أمْلىَ فَضَائلَ الثَّلاثةِ، إذْ قالَ أبو الفَضْلِ السُّلَيمانيُّ وصاح، أيها النَّاسُ، هذا دَجَّالٌ فلا تكتبوا، وخرج من المجلسِ؛ لأنه ما سَمِع بفضائلِ الثلاثةِ. قال الذهبي ﵀: وهذا يدلُّ على زَعَارَّةِ السُّليمانيِّ وغلظتِه، اللهُ يسامحُه (١). ومن البلايا الشائعةِ رَمْيُ أهلِ العلمِ بالابتداعِ بدونِ علمٍ، وعادةً لا يكونُ للقائلِ بهذا مِن دليلٍ أو بُرهانٍ، والعِبرةُ في ذلك لقولِ الأئمةِ لا إلى رأي آحادِ النَّاسِ. وقد رُمِي الإمامُ الشافعيُّ والإمامُ أحمدُ ببدعةِ التَّشَيُّعِ، وحاشاهما، وإنَّما يُشاعُ حَسَدًا أو جَهْلًا أو افتراءً للوقيعةِ، ولم يَخْلُ للأسفِ من هؤلاءِ زمانٌ. أو يُرمى العالمُ بعدمِ المعرفةِ بالواقعِ، كما يدندنُ بذلك العلمانيون الخبثاءُ للنيلِ من أهلِ الدينِ. يقول شيخنا الكريم سماحةُ الشيخِ -عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ ﵀: الواجبُ على المسلمِ أن يحفط لسانَه عمَّا لا ينبغي، وألا يتكلمَ إلا عن بصيرةٍ، فالقولُ أن فلانًا لم يَفْقَه الواقعَ، هذا يحتاجُ إلى علمٍ، ولا يقولُه إلا مَنْ عندَه علم حتى يستطيعَ الحكمَ بأنَّ فلانًا يَفْقَه الواقعَ، أمَّا أَنْ يقولَ هذا جُزافًا، ويحكمَ برأيِه على غيرِ دليلٍ، فهذا منكرٌ عظيم لا يجوزُ (٢).

стр. 247

فإياك وهذا السبيلَ -أيها المتفقه- لا تجمعُ الزَّلاتِ، ولا تقلُ إلا خيرًا، وإلا فاصمتْ فإنها الوصيةُ النبويةُ الذَّهبيةُ. القاعدةُ الثامنةُ: التمس للعالمِ العُذْرَ: الأصل في تعاملِ المسلمين بعضِهم البعض يقومُ على أساسِ حسنِ الظنِّ المتبادلِ، قال تعالى في حادثةِ الإفكِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فالواجب على أهلِ الإيمانِ أن يظنوا الخيرَ في إخوانِهم، فإنْ بَلَغَك عن أخيك خلافُ ذلك فالتمسْ له عذرًا، فإنْ لم تَجِدْ فَقُلْ: لَعَلَّ له عذرًا. قال عُمر ﵁: لا تظن بكلمةٍ خرجتْ من أخيك المسلمِ سوءًا وأنت تَجِدُ لها في الخيرِ مَحْمَلًا (١). فإذا كان هذا شأنَ الإخوةِ بعضِهم مع بعضٍ، فما بالُك بحالِ التلميذِ مع شيخِه. لذلك يقول الإمامُ السُّبكيُّ: فإذا كان الرجلُ ثقةً مشهودًا له بالإيمانِ والاستقامةِ، فلا ينبغي أن يُحملَ كلامُه وألفاظُ كتاباتِه على غيرِ ما تُعُوِّد منه ومِن أمثالِه، بل ينبغي التأويلُ الصالحُ، وحسنُ الظنِّ الواجبُ به وبأمثالِه (٢). وهذا -للأسفِ- قَلَّ وجودُه في زمانِنا، إذِ النَّفْسُ الطيبةُ لا تقعُ إلا على الطيبِ، والنَّفْسُ الخبيثةُ لا تقعُ إلا على الخبيثِ، فما إن يَزِل العالمُ،

стр. 248

أو يُشاع عنه أمرُ سوءٍ، حتى ترى كُلًّا يطعنُ فيه، ويرميه بما ليس فيه، ولو بحث له عن عُذْر لوجد وايم الله، ولكنَّ النوايا ساءتْ، والطوايا خَبُثَتْ، فلم تَجِدْ إلا ما تَرَى وما تسمعُ. ١ - ومِن أكثرِ ما يهمزُ به العلماءُ السُّكوتُ في وقتِ المِحَنِ خوفًا، والأخذُ بالرُّخصةِ في ذلك، فيُلامُ على تركِ العزيمةِ بإشهارِ كلمةِ الحقِّ، وهذا -ولا شك- أولى في حقِّ العلماءِ الذين يُقتدى بهم، ولكنَّ العالمَ بَشَرٌ يَخافُ ويَخْشَى، لا سيمَّا مع كبرِ السِّنِّ وضعفِ البدنِ. فهذا عليُّ بنُ المدينيِّ ﵀ يُجاري القومَ أثناءَ محنةِ خلقِ القرآنِ، فيُسألُ عن ذلك فيقولُ: قَوِيَ أحمدُ على السَّوطِ وأنا لا أَقْوَى. ويلومُه بعضُهم فيقولُ: ما في قلبي مما قلتُ وأجبت إلى شيءٍ، ولكنِّي خِفْتُ أنْ أقتلَ، وتعلم ضعفي أني لو ضربتُ سوطًا واحدًا لمتُ، أو نحو ذلك. ٢ - ومن ذلك أيضًا شَغَبُ بعضِهم على العلماءِ في شأنِ أخذِ الأجرةِ على التعليمِ، أو الأخذِ من بيتِ المالِ. ومَن يتأمل حالَ الدعاةِ والعلماءِ في عصرِنا، العصر الذي لم يَعُدْ فيه بيتُ مالٍ ينفقُ على طلبةِ العلمِ والعلماءِ، فيضطرُ العالمُ أنْ ينفقَ وقتًا طويلًا من عُمره لكسبِ ما يَتَقَوَّتُ به وعياله، ناهيك عن كثرةِ المتطلباتِ من الكتب والرحلةِ في الدعوةِ أو الطلبِ، فمن أين لطالبِ علمٍ أو عالمٍ فقيرٍ بكلِّ هذا؟!!.

стр. 249

نَعَمْ، الورعُ يقتضى ألا يمدَّ العالمُ يدَه فيأخذ أجرةً على التَعليمِ أو التصنيفِ ونحو ذلك، ولكنْ ما البديلُ يا عبادَ اللهِ؟ هل البديلُ أن نتركَ العلماءَ وطلبةَ العلمِ للتكسبِ في زمنِ الغلاءِ فتنهشهم الدُّنيا؟! هل البديلُ أن يعيشَ هؤلاءِ على صدقاتِ أهلِ الإحسانِ، والنَّاسُ اليومَ لا يعرفون أنَّ مِن أوجبِ الصدقاتِ النفقةَ على طلبةِ العلمِ الذين عليهم حراسةُ الدينِ؟! إنني أعرفُ طلبةَ علمٍ نابغين، كان يُظَنُّ أنهم حملةُ الرايةِ عن قريبٍ، تخطفتهم الدُّنيا لضيقِ ذاتِ اليدِ، فإنَّ طالبَ العلمِ اليومَ يجدُ نفسَه محتاجًا لمالٍ كثيرٍ، ليرحلَ أو ليشتريَ كتبًا أو أشرطةً، وهو شابٌّ يحتاجُ للزواجِ في زمانِ الفتنِ هذا، فيحتاجُ لمالٍ آخرَ ليجدَ بيتًا وأثاثًا، وقد لا يجدُ من يُعينه على كلِّ ذلك، فلا يجدُ فرصةً سوى العملِ الدؤوبِ، فتقلُّ ساعاتُ المذاكرةِ حتى تراه بعدَ فترةٍ هجَر دروسَ العِلْمِ، ثمَ انكَبَّ على الدنيا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. وكلنا يعرفُ ذلك الأمرَ، ثمَّ تجدُ مَن يلومُ هذا العالمَ أو ذاك الداعيةَ أَنْ أَخَذ مالًا على جُهدٍ بَذَلَه في تصنيفٍ أو تعليمٍ. قال بشرُ بنُ عبدِ الواحدِ: رأيتُ أبا نُعَيْمٍ في المنامِ، فقلتُ: ما فَعَل اللهُ بك؟ -يعني فيما كان يأخذُ على الحديثِ- فقال: نَظَر القاضي في أمري فوجدني ذا عِيَالٍ فَعَفَا عَنِّي.

стр. 250

قال الإمامُ الذهبيُّ ﵀ معقبًا: ثَبَت أنه كان يأخذُ على الحديثِ شيئًا قليلا لفقرِه. قال ابنُ خشرم: سمعتُ أبا نُعَيْمٍ يقول: يلومونني على الأخذِ، وفي بيتي ثلاثةَ عَشَرَ نفسًا، وما في بيتي رغيفٌ (١). ٣ - ومما يُعتذرُ للعالمِ أيضًا ما يَصدرُ عنه مِن أفعالٍ وأقوالٍ تتماشى مع طبيعتِه الذاتية. فمثلًا: قد يكون العالمُ ذا طبيعةٍ متسامحةٍ، فيجالسُ أهلَ البدعِ -وحقُّه أن يَكْفَهِرَّ في وجوهِهم- ولكنْ يخالطُهم لما فيه من التسامحِ الزائدِ، فيظن الجاهلُ بحالِه أنَّ هذا العالمَ بخلطتِه أهلَ البدعِ صار منهم، ويقولُ لك: اعْرف الرجلَ بمن يَصْحَبُ. وتتقاذفُ التُّهمُ، وكم مَرَّ العلماءُ والدعاةُ إلى اللهِ بمثلِ ذلك، حتى يُرمى في عقيدتِه ودينهِ، وكلامُ الرَّجُلِ يشهدُ ببراءتِه، ولكن ما الصنيعُ فيمن لا يراعون اللهَ في علمائِهم ودعاتِهم. قال الواقديُّ -في الكلامِ على ابنِ أبي ذئبٍ-: "ورُمي بالقَدَرِ، وما كان قَدَرِيًّا، لقد كان يتقي قولَهم ويَعيبُه، ولكنَّه كان رجلًا كريمًا، يجلسُ إليه كلُّ أحدٍ، ويغشاه فلا يطردُه، ولا يقولُ له شيئًا، وإن مَرِض عاده، فكانوا يتهمونه بالقدرِ لهذا وشِبْهِه". قال الإمامُ الذهبيُّ -معقبًا-: كان حَقَّه أنْ يَكْفَهِرَّ في وجوهِهم، ولعله كان حَسَنَ الظنِّ بالنَّاسِ (٢).

стр. 251

أليس هذا حاصلًا يا عبادَ اللهِ، ويمكنُ قبولُ العُذْرِ به، فلماذا لا تُتَلَمَّسُ الأعذارُ، ويكونُ حُسْنُ الظنِّ متوافرًا بين الخَلْقِ، اللَّهم إليك المشتكى. القاعدةُ التَّاسعةُ: الرجوعُ إلى العلماءِ والصُّدورُ عن رأيهم خصوصًا في الفتنِ: فشأنُ الفتن أن تشتبه الأمورُ فيها، ويكثرَ الخلطُ والزيغُ، والعصمةُ للجماعةِ التي يمثلُ العلماءُ رأسَها، فالواجبُ على النَّاسِ -حاكمًا ومحكومًا- الأخذُ برأي العلماءِ والصدورُ عن قولِهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. ففي الرخاءِ والشدةِ جَعَل اللهُ الهدايةَ في الرجوعِ إلى أهلِ العلمِ الثقاتِ. يقولُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ ناصرٍ السَّعْدِيُّ ﵀: "وفي هذا دليلٌ لقاعدةٍ مهمةٍ، وهي أنه إذا حَصَل بحثٌ في أمرٍ من الأمورِ ينبغي أنْ يوكلَ إلى مَن هو أهلٌ لذلك، ويُجعلَ إلى أهلِه، ولا يُتقدمَ بين أيديهم، فإنه أقربُ إلى الصوابِ، وأحرى للسلامةِ من الخطإِ" (١).

стр. 252

فعادةً لا يفقه النَّاسُ من الدقائقِ ما يوقعهُم في الخطإِ، كفقهِ المصالحِ والمفاسدِ مثلًا، وغالبًا ما تكونُ الفتن متعلقةً بالسياسةِ الشرعيةِ التي ليست كغيرِها من القضايا، بل تقومُ على الأخذِ بالمقاصدِ الشرعيةِ، والموازنةِ بين المفسدةِ والمصلحةِ وإقامةِ الدليلِ، وهذا متعذرٌ لطلبةِ العلمِ الصغارِ؛ إذْ هذا النوعُ من الفقهِ عزيزٌ، لاحتياجه لسعةِ علمٍ وخبرةٍ في دراسةِ الواقعِ وتطبيقِ النُّصوصِ الجزئيةِ. وقصةُ نبيِّ الله موسى مع الخضرِ دليلٌ على هذه القاعدةِ المعتبرةِ، فقد كان يدفعُ الشَّر الكبير بارتكابِ الشر الصغيرِ، ويراعي أَخَفَّ الضررينِ وأكبرَ المصلحتينِ، وهذا من الفقهِ العزيزِ. ولذلك يكثرُ الخطأُ في بابِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاعدتُه مَبْنِيَّةٌ على أُسُسٍ، منها ألا يكونَ النهيُ عن منكرٍ مفضيًا لمنكرٍ أشدَّ منه، وعَزَّ في النَّاسِ مَن يراعي ذلك، ولذلك كان المردُّ الشرعيُّ في الفتنِ لأهلِ العلمِ خاصةً، بل إنَ الإنكارَ باللِّسانِ يكونُ لأهلِ العلمِ دونَ مَن سواهم مِمَّن لا يدري، فيلزمُ ردُّ هذه القضايا المُفضِيَةِ لإحداثِ فتنٍ في النَّاسِ لأهلِ الحَلِّ والعَقْدِ وهم العُلماءُ، فالزمْ هذا السَّبيلَ، فدونَه فتنٌ وبلايًا ومِحَنٌ، وكم مَرَّ المسلمون ببلاياتٍ لو صَدَروا عن قولِ أهلِ العلمِ لأَمِنوا تلك الغوائلَ. القاعدةُ العاشرةُ: ليس أحدٌ إلا وتُكُلِّم فيه؛ فتثبَّتْ: إنَّ رضا النَّاسِ غايةٌ لا تُدركُ، وليس إلى السلامةِ منهم سبيلٌ.

стр. 253

يقولُ الإمامُ الشافعيُّ: ليس إلى السلامةِ من النَّاسِ سبيل، فانظرِ الذي فيه صلاحُك فالزمْه (١). قال الإمامُ الذَّهبيُّ: وقَلَّ مَن برز في الإمامةِ ورَدَّ على مَن خالفه إلا عُودِي، نعوذُ باللهِ من الهوى (٢). وقال أيضًا: فَمَنِ الذي يسلمُ من ألسنةِ النَّاسِ؟!! لكنْ إذا ثَبَت إمامةُ الرجلِ وفضلُه، لم يَضُرَّه ما قيل فيه، وإنَّما الكلامُ في العلماءِ يفتقرُ إلى وزنٍ بالعدلِ والورعِ (٣). وإذا قلبتَ تراجمَ العُلماءِ -سلفِهم وخلفِهم- ثَبَت لك بيقينٍ صدقُ هذه القاعدةِ، فما مِن أحدٍ إلا وتُكلم فيه، وامْتُحن: هذا الإمامُ البخاريُّ يُرمى في مسألةِ "اللفظ والصوت"، وهذا الإمام أبو حنيفة يُرمى بالإرجاء (٤)، ناهيك عمَّن رُمي بالقَدَرِ أو التشيع. قال الإمامُ البخاريُّ: ولم يَنْجُ كثيرٌ من النَّاسِ من كلامِ بعضِ النَّاسِ فيهم، وذلك نحوُ ما يُذكرُ عن إبراهيمَ من كلامِه في الشَّعبيِّ، وكلامِ الشعبيِّ في عكرمةَ، وكذلك مَن كان قبلَهم، وتناول بعضهم في العرضِ والنَّفْسِ، ولم يلتفت أهلُ العلمِ إلى ذلك، ولا سقطت عدالةُ أحدٍ إلا ببرهانٍ ثابتٍ وحُجَّةٍ. أهـ. والكلامُ في هذا كثيرٌ (٥).

стр. 254

فالموقفُ الرشيدُ حينئذٍ التثبتُ، وذلك بتمحيصِ الخبرِ والتحققِ من صدقِه قبلَ إفشائِه وإذاعتِه. قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فعلى العاقلِ ألا يغترَّ بكلامٍ يتناقلُه جماهيرُ النَّاسِ دونَ تثبتٍ أو تمحيصٍ، إذ عادةُ هؤلاءِ السُّرعةُ في إساءةِ الظنِّ قبلَ إحسانهِ، وقد نُهينا عن الظنِّ الذي لا يُغني من الحقِّ شيئًا. فعليك -أيها المتفقه- أن تتثبتَ سندًا ومتنًا، فتنظر فيمن ينقلُ، وهل هو من الثقاتِ العدولِ المشهودِ لهم بالديانةِ واستقامةِ الحالِ، ثمَّ فيما يُنقَلُ هل يحتمل وجوهًا فتردُّها إليها، فتسلمُ ويَسْلَمُ قلبُك. وخُذْها عن أهلِ الجرح والتعديل: كل رجلٍ ثبتت عدالتُه لم يُقبلْ فيه تجريحُ أحدٍ إلا بأمرٍ بَيَنٍ (١). القاعدةُ الحاديةَ عشر: الاعتبارُ في الحكمِ بكثرةِ الفضائلِ: فالعلماءُ على الجملةِ عُدولٌ ثقات، وهم خيرُ البريةِ، وصفوةُ الأمَّةِ، وإذا كان الأمرُ كذلك فينبغي أن يُغتفَر قليلُ خطأِ العالمِ بالنسبةِ لكثيرِ صوابِه، والنَّادرُ لا حُكمَ له، والعبرةُ على الغلبةِ لا على النُّدرةِ.

стр. 255

قال سعيدُ بنُ المسيبِ: ليس مِن عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عَيْبٌ، ولكنْ مَن كان فضلُه أكثرَ من نقصِه وَهِبَ نقصُه لفضلِه، كما أن مَن غَلَب عليه نقصانُه ذَهبَ فضلُه (١). قال ابنُ القيمِ ﵀: ومَن له علمٌ بالشرع والواقعِ يعلمُ قطعًا أنَ الرجلَ الجليلَ الذي له في الإسلامِ قدمٌ صالح وآثارٌ حسنةٌ، وهو من الإسلامِ وأهلِه بمكانٍ، قد تكونُ منه الهفوةُ والزلةُ هو فيها معذورٌ بل مأجورٌ لاجتهادِه، فلا يجوزُ أن يُتبعَ فيها، ولا يجوزُ أن تهدرَ مكانتُه وإمامتُه في قلوبِ المسلمين (٢). وقال أيضًا: فلو كان كلُّ مَن أخطأ أو غَلِط تُرِك جملةً وأُهْدِرَتْ محاسنُه لفسدتِ العلومُ والصناعاتُ والحكم وتعطلتْ معالمها (٣). ويقول ابنُ رجبٍ ﵀: والمُنصفُ مَن اغتفر قليلَ خطأِ المرءِ في كثيرِ صوابِه (٤). ويقولُ الإمامُ الذهبي: "نحبُّ السُّنةَ وأهلَها، ونحبُّ العالمَ على ما فيه من الاتباعِ والصفاتِ الحميدةِ، ولا نحبُّ ما ابتدع فيه بتأويلٍ سائغٍ، وإنما العبرةُ بكثرةِ المحاسنِ" (٥).

стр. 256

ولو أنَّ كل مَن أخطأ في اجتهاده مع صحةِ إيمانِه، وتَوَخِّيه لاتباعِ الحق أهدرناه وبَدَّعناه، لَقَل مَن يسلمُ من الأئمةِ من ذلك. يقول الإمامُ الذهبي ﵀: " ثم إن الكبير من أئمةِ العلمِ إذا كَثُر صوابُه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمُه، وظَهَر ذكاؤُه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفرُ له زللُه، ولا نضللُه ونطرحُه وننسى محاسنَه، نعم ولا نقتدي به في بدعتِه وخطئِه، ونرجو له التوبةَ من ذلك" (١). وقال ﵀: وإنما يُمدحُ العالمُ بكثرةِ ما لَه مِن الفضائلِ، فلا تُدفنُ المحاسنُ لورطةٍ، ولعله رَجَع عنها، وقد يغفرُ له باستفراغِه الوسعَ في طلبِ الحق، ولا قوةَ إلا باللهِ (٢). فهذه القاعدةُ الذهبيةُ سلفيةُ المشربِ في وزنِ الرجالِ من حيثُ كثرةُ الفضائلِ أو المساوئِ، أما تَرَى الرسولَ ﷺ يعفو عن حاطبِ بنِ أبي بلتعة في شأنِ مراسلتِه للكفارِ لأنه شَهِد بدرًا (٣)، ويقولُ في شأنِ عثمانَ لما جَهَّز جيشَ العُسْرَةِ: ما ضَر ابنَ عفانَ ما عَمِل بعدَ اليومِ (٤).

стр. 257

ويؤصِّلُ ابنُ القيمِ ﵀ هذه القاعدةَ الذهبيةَ بكلام نفيسٍ فخذْه هنيئًا مريئًا، يقول -رحمه الله تعالى-: من قواعدِ الشرعِ والحكمةِ أيضًا أنَّ مَن كثُرَتْ حسناتُه وعَظُمَت، وكان له في الإسلامِ تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يُحتملُ له ما لا يُحتملُ لغيرِه، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيرِه، فإنَّ المعصيةَ خَبَثٌ، والماءُ إذا بَلَغ قلتينِ لم يحمل الخَبَثَ، بخلافِ الماءِ القليلِ فإنه يحملُ أدنى خَبَثٍ، ... ثم يقولُ: وهذا موسى كليمُ الرحمنِ ألقى الألواحَ التي فيها كلامُ اللهِ الذي كتبه له، ألقاها على الأرضِ حتى تكسرتْ، ولَطَم عينَ مَلَكِ الموتِ ففقأها، وعاتب ربَّه ليلةَ الإسراءِ في النبيِّ ﷺ ... وأَخَذ بلحيةِ هارونَ وجَرَّه إليه، وهو نبيُّ اللهِ، وكل هذا لم ينقصْ من قَدْرِه شيئًا عند ربِّه، وربُّه يكرمُه ويُحبُّه، فإنَّ الأمرَ الذي قام به موسى، والعدوَ الذي بَرَز له، والصبرَ الذي صبره، والأذى الذي أوذيه في اللهِ أمرٌ لا تؤثرُ فيه أمثالُ هذه الأمورِ، ولا تغيرُ في وجهِه، ولا تخفضُ منزلتَه، وهذا أمرٌ معلومٌ عندَ النَّاسِ مستقرٌّ في فطرِهم، أنَّ مَنْ له ألوفٌ من الحسناتِ فإنَّه يُسامح بالسيئةِ والسيئتينِ ونحوِها، حتى إنه ليختلجُ داعي عقوبتِه على إساءتِه، وداعي شكرِه على إحسانِه، فيغلبُ داعي الشكرِ لداعي العقوبةِ. كما قيل: وإذا الحَبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءتْ محاسنُه بألفِ شفيعِ

стр. 258

وقال آخرُ: فإن يكن الفعلُ الذي ساءَ واحدًا ... فأفعالُه اللاتي سَرَرْن كثيرُ واللهُ سبحانَه يوازي يومَ القيامةِ بين حسناتِ العبدِ وسيئاتِه، فأيهما غَلَب كان التأثيرُ له، فيفعلُ بأهلِ الحسناتِ الكثيرةِ الذين آثروا محابَّه ومراضيه وغلبتْهم دواعي طبعِهم أحيانًا من العفوِ والمسامحةِ ما لا يفعلُه مع غيرِهم. (١) القاعدةُ الثانيةَ عشر: احذرْ من زلاتِ العلماءِ: فالعالمُ بَشَر غيرُ معصومٍ، والزللُ أمرٌ واردٌ وحاصلٌ -لا محالةَ- لكلِّ أحدٍ، وهذه الزلةُ لا تنقص من قدرِه، بل توهبُ سيئاته لحسناتِه -كما تقدم- ولكن هذا لا يعني الإقرارَ بالخطأِ أو اعتمادَه، بل يُبَيَّنُ حكمُ الشرعِ في هذه المسألةِ، ويُعتزرُ لمن أخطأ في اجتهادِه فهو مأجور على كلِّ حالٍ. قال الحكماءُ: الفاضلُ مَنْ عُدَّتْ سقطاتُه. وينبغي لطلبةِ العلمِ أن يُقيلوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم، فالواجبُ سترُ هذه الزلةِ وعدمُ إشاعتِها بينَ النَّاسِ. - قال ﷺ : "أَقِيلوا ذَوِي الهيئاتِ عثراتِهم، إلا الحدود" (٢).

стр. 259

- وقال ﵊: "من أقال مسلمًا أقاله اللهُ عَثْرَتَه" (١). ومِن حقِّ العالمِ أن يُنصحَ إذا زَلَّ؛ فقد قال ﷺ : "الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحة" قالها ثلاثًا. قلنا: لمن يا رسولَ اللهِ؟ قال: "للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلميَن وعامتِهم" (٢). ومن أئمةِ المسلمينَ العلماءُ، ولهذه المناصحةِ ضوابطُ شرعيةٌ ينبغي أن تُراعَى، ويتأدبَ الناصحُ بها. أولًا: أن يكونَ هدفُ النَّاصحِ الإصلاحَ، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. فيُحسنُ القصدَ ويحررُ نيتَه ويستعينُ باللهِ في إيصالِ هذا النُّصحِ لمُبَلَّغه. ثانيًا: أن تبدوَ أماراتُ حُسنِ قصدِه في تصرفاتِه، فلا يجرحُ الذواتِ ولا يفتري عليهم. ثالثًا: أن يتجنبَ ما يثيرُ عنادَ المنصوحِ ويجعلُه يتمادى على الباطلِ. رابعًا: أن يكون لطيفًا في نصحِه، ولو نَصَح بالإشارةِ قُدِّمت على العبارةِ، ولو كانت الكنايةُ تَفِي بالغرضِ قدمت على الصريحِ

стр. 260

من الأقوالِ، لقد كان النبي ينصحُ فيقول: "ما بالُ أقوام ... " (١). خامسًا: أن يبتعد عن الألفاظِ المحتملةِ، ولا يتصيدَ الأخطاءَ بلوازمِ الأقوالِ، ولا يتعجلَ الحُكمَ، ويتقي اللهَ في أعراض المسلمين، فلا يُلقي بالتُّهمِ دونَ مبررٍ أو دليلٍ قاطع، بل إذا تعذر له كلُّ ذلك ولم يَجِدْ بُدًّا مِن حملِ هذه الزلةِ على أيِّ محملٍ كانت النصيحةُ حينئذٍ لا الفضيحةُ. سادسًا: أن يبتعدَ عن التشهيرِ أو رمي التُّهمِ على ذاتِ الشخصِ، بل يكونُ قصارى جهدِه إبطال الرأي الفاسدِ بالأدلةِ الشرعيةِ. سابعًا: أنْ يتحرى التَّخفي عن أعينِ النَّاسِ حين تجبُ المواجهةُ مع صاحبِ الزَّلةِ، ولو نفعت الرسائلُ كانت أوجهَ، ولو ذَهَب إليه حتى لا يراهما أحدٌ كان أفضلَ، ولا يُحدث بذلك إلا إذا وَجَب بيانُ الخطأَ، وشاع ضررُه بينَ النَّاسِ، واستفرغ الوسعَ في النَّصْحِ، فحينئذٍ يُبَيَّن الحقُ دونَ تعرضٍ للرجالِ ولا التشهيرِ بهم. القاعدةُ الثالثةَ عشرَ: كلامُ الأقرانِ يُطْوَى ولا يُرْوَى: قال ابنُ عباسٍ ﵄ في تقرير هذه القاعدة: استمعوا علمَ العلماءِ، ولا تصدقوا بعضَهم على بعضٍ (٢).

стр. 261

وقال مالكُ بن دينارٍ: يؤخذُ بقولِ العلماءِ والقراءِ في كلِّ شيءٍ إلا قول بعضِهم في بعضٍ (١). يقول الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ: السَّلَفُ -رضوانُ اللهِ عليهم- قد سَبَق من بعضِهم في بعضٍ كلامٌ كثيرٌ في حالِ الغضبِ، ومنه ما حَمَل عليه الحسدُ كما قال ابنُ عباسٍ ومالكُ بنُ دينارٍ وأبو حازمٍ، ومنه على جهةِ التأويلِ مِما لا يلزمُ القول فيه ما قاله القائلُ فيه، وقد حَمَل بعضُهم على بعضٍ السيفَ تأويلًا واجتهادًا، لا يلزمُ تقليدُهم في شيءٍ منه دونَ برهانٍ ولا حجةٍ توجبُه (٢). يقول الإمامُ الذهبي -عليه رحمة الله-: كلامُ الأقرانِ إذا تبرهن أنه بهوى وعصبيةٍ لا يلتفتُ إليه، بل يُطوى ولا يُروى (٣). وقال ﵀: وكلامُ الإقرانِ بعضِهم في بعضٍ لا يُعبأُ به، لا سيَّما إذا لاح لك أنه لعداوةٍ أو لمذهب أو لحسدٍ، وما ينجو منه إلا مَن عَصَمَه اللهُ، وما علمتُ أنَّ عصرًا من الأعصارِ سَلِم أهلُه من ذلك سوى الأنبياءِ والصدِّيقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ (٤). وقد وَضَعَ أئمةُ الجرحِ والتعديلِ أماراتٍ يُستشعرُ منها رَدُّ خبرِ المتكلِّمِ في قرينهِ؛ فمن ذلك: ١ - المنافسةُ في البلدِ أو التخصص العلميِّ:

стр. 262

فقد تكلم ابنُ أبي ذئب في مالكٍ لأنه بلغه أنَّ مالكًا ﵀ لا يأخذُ بحديثِ "البيعانِ بالخيارِ ... " (١) فاشتدتْ مقالةُ ابنِ أبي ذئبٍ ﵀ في الإمامِ مالكٍ، ولم يعوِّلْ العلماءُ على ذلك، فبقيتْ إمامتهُما معتبرةً، ولكنهما كانا عالمي المدينةِ، فحدث بينهما ما يكونُ بين الأقرانِ في البلدِ الواحدِ (٢). وتكلم سعيدُ بنُ المسيبِ ﵀ في عكرمةَ، وتكلم الثوريُّ ﵀ في الإمامِ أبي حنيفةَ، وطوى العلماءُ هذه المقالاتِ، وطَعَنوا أحيانًا في صحتِها، ووجَّهُوا بعضَها بأنَّ هذا شأنُ المعاصرةِ والمنافرةِ ونحوِهما. فلم يقبلوا قولَ الإمامِ مالكٍ في محمدِ بن إِسحقَ صاحبِ المغازي؛ لما عَرَض لهما من المخالفةِ. قال علماءُ الجرحِ والتعديلِ: لا يُقبلُ جَرحُ المعاصرِ على المعاصرِ، أي إذا كان بلا حجةٍ، لأنَّ المعاصرةَ تفضي غالبًا إلى المنافرةِ. قال التاجُ السُّبكيُّ في طبقات الشافعيةِ: ينبغي لك -أيها المسترشدُ- أن تسلكَ سبيلَ الأدبِ مع الأئمةِ الماضين، وأن لا تنظرَ إلى كلامِ بعضِهم في بعضٍ، إلا إذا أتى ببرهانٍ واضحٍ، ثم إن قدرت على التأويلِ وتحسينِ الظنِّ فدونَك، وإلا فاضربْ صفحًا عمَّا جَرَى بينهم، فإنك لم

стр. 263

تُخلقْ لهذا، فاشتغلْ بما يَعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك، ولا يزالُ طالبُ العلمِ نبيلًا حتى يخوضَ فيما جَرَى بين الماضينَ. وبعدَ أن ذَكَر بعضَ كلامِ الأئمةِ في بعضٍ. قال ﵀: فإنك إذا اشتغلت بذلك خِفْتُ عليك الهلاكَ، فالقومُ أئمةٌ أعلامٌ، ولأقوالهِم محاملُ، وربَّما لم نَفهمْ بعضَها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوتُ عمَّا جَرَى بينهم، كما يُفعلُ فيما جرى بين الصحابةِ ﵃ (١). ومن العلاماتِ أيضًا: ٢ - الاختلافُ المذهبيُّ: فإن اختلافَ الآراءِ نظرًا لاختلافِ الأصولِ والمنابعِ مُفْضٍ للخصوماتِ والعداواتِ، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك، ومَن لا يدري ما صَنَعه "التعصبُ المذهبي" في الأمةِ من بلياتٍ، فَطَعَن هؤلاءِ في أولئك، وقَبِلوا كلَّ ضعيفٍ أو موضوعٍ لوجود الدَّافعِ ولقلةِ العلمِ، فأَرحْ نفسَك، وأنزلْ الأئمةَ منازلَهم. ومنها أيضًا: ٣ - الغضبُ الشديدُ: فإنَّ الغضبَ ملاكُ كلِّ شَرٍّ، والعلماءُ بَشَرٌ يغضبون ويرضُون: وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المساويا

стр. 264

ومنها: ٤ - وجودُ المخاصماتِ والإحَنِ: وقد تفعلُ قالةُ السوءِ وحملةُ النميمةِ بأهلِ العلمِ ما قد تَرَى وتَدْرِي، فنسألُ اللهَ العافيةَ من الغِيبةِ والنميمةِ والسعايةِ بالسوءِ بينَ المسلمين، واللهُ المستعانُ. أيها المتفقه: وما تَقَدَّم لك مِن خصوماتِ العلماءِ لا ينبغي أنْ يطمسَ عنك صورًا مشرقةً لأهلِ العلمِ الأجلاءِ، الذين كانوا يُثنون بعضُهم على بعضٍ، مع ما قد يكونُ عَرَض لهم من خصوماتٍ واختلافاتٍ، وانظرْ لثناءِ الأئمةِ الأربعةِ بعضِهم في بعضٍ، فهذا الشافعيُّ يَرى كلَّ الفقهاءِ عيالًا على فقهِ أبي حنيفةَ، ويستمدُ الحديثَ من الإمامِ أحمدَ، وهذا أحمدُ ﵀ لا يَرَى مثلَ الشافعيِّ في درايةِ الحديثِ وفقهِه، ويَرَى أنَّ مَن فاته علمُ هذا الرجلِ لَحِقَه خسرانٌ شديدٌ، وهَلُمَّ جَرًّا، فضعْ قاعدتَنا السابقةَ في موضعِها إن عَرضتْ. القاعدةُ الرابعةَ عشرَ: العَدْلُ والإنصافُ شرطٌ لازمٌ للحُكمِ على أهلِ العلمِ والاجتهادِ: فالأصلُ أنَّ كلَّ مجتهدٍ مأجورٌ غيرُ مأزورٍ، مع أنَّ الحق واحدٌ، فمن أصابه فله أجرانِ، ومن خَفي عليه فله أجر.

стр. 265

قال ﷺ : "إذا حَكَم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ" (١). والاختلافُ أمرٌ مقدورٌ لا يمكنُ تجاوزُه، وغالبُ الفروعِ يخضعُ للظنونِ، وهذا مِمَّا ساغ الاختلافُ فيه، ويسعُنا فيه ما وَسِع مَن قبلَنا، دونَ تبديعٍ أو تفسيقٍ أو تكفيرٍ، إذْ جمعُ الأمةِ على قولٍ واحدٍ متعذرٌ حدوثُه، ولذلك أَبَى الإمامُ مالكٌ أن يؤخذَ النَّاس بما في الموطأ، وقال للخليفةِ المنصور: "لا تفعلْ هذا؛ فإنَّ النَّاسَ قد سبقتْ إليهم أقاويلُ، وسَمِعوا أحاديثَ ورواياتٍ، وأَخَذ كلُّ قومٍ منهم بما سَبَق إليهم، وعَمِلوا به ودانوا به من اختلاف النَّاس وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عما اعتقدوه شديدٌ، فَدَعِ الناسَ وما هم عليه ... " (٢). فإذا كان الاجتهادُ سائغًا لاختلافِ الأفهامِ، فلا يجوزُ التشنيعُ على المجتهدِ بما آلَ إليه اجتهادُه وإن خالف جمهورَ العلماءِ، أو ما استقرَّ عليه الرأيُ في بلدٍ ما، ولو استحلَّ ما ثَبَت حُرمتُه بجهلِ دليلِ الحُرمةِ لم يَقْدَحْ ذلك في علمِه ولا تُرَدُّ به شهادتُه، ولا يلحقه الوعيدُ الذي تنصُّ عليه النصوصُ، بل يقال: متأولٌ معذورٌ. وقد عَقَد شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رسالةً عظيمةَ القدرِ سمَّاها "رفع الملامِ عن الأئمةِ الأعلام" لبيانِ أعذارِ العُلماءِ وأسبابِ اختلافِهم.

стр. 266

فمن ذلك: ١ - عدمُ ثبوتِ النَّصِّ عندَ الإمامِ، إمَّا بأنه لم يصلْه، أو وَصَلَه من طريقٍ ضعيفٍ فردَّه، أو كان عندَه ما هو أوثقُ منه فتركه للأوثق. ٢ - أن يكونَ قد فَهِم منها خلافَ الراجحِ، فلم يعتقدْ إرادةَ تلك المسألةِ بذلك النصِّ لاحتمالِه. ٣ - أن يعتقدَ أن النَّصَّ منسوخٌ. وعلى الجملةِ فكلُّ أهلِ العلمِ متفقون على وجوبِ الأخذِ عن الكتابِ والسنةِ الصحيحةِ، ولكنْ تختلفُ الآراءُ لاختلافِ الاعتباراتِ. ثمَّ إنَّ الاختلافَ بعضه لفظيٌّ مَحضٌ، مِن بابِ اختلافِ التنوعِ، لكنْ قَصُر فهمُ طالبِ العلمِ عن ذلك، وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ. فيا أيها المتفقه: اعْرِفْ حقَّ العالمِ، فلا تشغبْ عليه إذا اجتهد بما لم يستقرَّ كلامُ أهلِ العلمِ عليه، بل عليك بالإنصافِ والعدلِ في الحكمِ على أهلِ الاجتهادِ والعلمِ، معتذرًا له إن أخطأ، ملتمسًا للاحتمالات التي أفضت به لهذا الرأي، وإن تبين لك خلافُه فدعْ عنك رأيَه، ووَقِّره وعَذِّره وأنزله منزلتَه. ودعْ عنك اعتراضَ الجُهَّالِ، فقد علمتَ شأنَ الاختلافِ، بل قُلْ خيرًا أو اصمتْ، وقبل أن تتهمَ العالمَ اتهم رأيَك، وانظرْ إلى حقيقةِ

стр. 267

أمرِك، فبنفسِك انشغلْ، دونَ التطاولِ على العلماءِ، فإنهم أعلمُ بمآلاتِ الأمورِ ومقاصدِ الشريعةِ، وقد يعرضُ لهم من النظرِ ما لا تبلغُه، فتدبرْ قصةَ نبيِّ اللهِ موسى والخضرِ لتعلمَ أنَّ الصبرَ وعدمَ المبادرةِ إلى الإنكارِ أولى بالمرءِ، واعْرِفْ من قصةِ صلحِ الحديبيةِ كيف كانت سببَ الفتحِ وإن بَدَا في الظاهرِ أنَّها في غيرِ صالحِ المؤمنين. فطالبُ العلمِ عليه أن يحرصَ على أن يستمعَ أكثر من أن يقولَ. قال الحسنُ ﵁ لابنهِ: يا بُنيَّ إذا جالستَ العلماءَ فكنْ على أن تسمعَ أحرصَ منك على أن تقولَ، وتعلَّمْ حُسْنَ الاستماعِ كما تتعلمُ حُسْنَ الصمتِ (١). القاعدةُ الخامسةَ عشرَ: ثِقْ في أهلِ العِلْمِ، فإنهم أئمةُ الهُدى ومصابيحُ الدُّجَى: فعلى مدارِ هذه القاعدةِ تأدب -أيها المتفقه- فإنك إن تَثِقْ بالعالمِ تُحسنْ معاملتَه، وتعرفْ قدرَه، وتستنرْ بعلمِه في ظلماتِ الليلِ الدامسةِ. وفي زمانٍ يخلو عن قدواتٍ، مَنْ -يا تُرى- ترغبُ في التأسى بهم دونَ أهلِ العلمِ؟!!

стр. 268

فيا أيها المتفقه .. ضَعْ ثقتَك في أهلِ العلمِ الأمناءِ على شرعِ اللهِ، واعْرِفْ أنهم لن يمتنعوا عن فعلِ خيرٍ إلا رجاءَ خيرٍ أعظمَ أو خشيةً من وقوعِ شرٍّ أعظمَ. وكثيرٌ من الأمورِ قد يكتمُها العلماءُ، وتصدرُ فتواهم دونَ حيثياتٍ، لا سيما إذا كان في التحديثِ حصولُ مفسدةٍ أعظمَ، وليس هذا من كتمانِ العلمِ المنهيِّ عنه، بل لاعتبارات شرعيةٍ. فاعلمْ؛ أن امتناعَ أهلِ العلمِ عن الإخبارِ لا يحصلُ إلا من بابِ دَرْءِ المفسدةِ وتحقيقِ المصلحةِ. ومن ثقتِك بهم أن تعرفَ أنهم أدرى بمصلحتكِ من نفسِك، فلربَّما يشيرُ عليك شيخُك بكتابٍ، أو بعلمٍ، أو يبدأُ معك بصغارِ المسائلِ فتستخفُّ بها، والعلمُ لابد له من المرحليةِ، فخذ عنهم، فلن تَعْدَمَ نفعًا. قال الإمام البخاريُّ: الربانيُّ الذي يُرَبِّي النَاسَ بصغارِ العلمِ قبلَ كبارِه. قال الحافظُ معلقًا: "والمرادُ بصغارِ العلمِ ما وَضحَ من مسائلِه، وبكبارِه ما دَق منها. وقيل: يعلمُهم جزئياتِه قبلَ كلياتِه، أو فروعَه قبلَ أصولِه، أو مقدماتِه قبلَ مقاصدِه" (١).

стр. 269

المنطلق التاسع تكوين الملكة الفقهية

стр. 270

المنطلق التاسع تكوين الملكة الفقهية أيها المتفقه: ـ حبيبي في الله ـ دائمًا ما أردد أنَّ جهودنا الدعوية التي بذل فيها الغالي والنفيس للأسف الشديد لم تنتج لنا ما كنا نحلم به في جيل الصحوة، فلم نرَ فقيهًا بمعنى الكلمة، ولم نجد المجتهد الذي يتعامل مع الواقع المتغير بمنهجية سلفية محضة، وليس هذا على سبيل التجوز أو الادعاء، وإلا فقد صدق من قال: عالمنا طالب علم عند السلف، وطالب العلم عندنا عامي عندهم. إننا بحاجة ماسة لوجود هذا الفقيه المنشود، الذي تربى على الأخذ بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، الذي يستطيع التعامل مع واقعنا المعاصر، وأنت تدري حجم الأزمات الفقهية الطاحنة التي يمر بها المسلمون في هذا الزمان، فكلما خرج علينا أهل العلوم التجريبية بنظرية أو اكتشاف ما، وبدا أنه يتعارض مع نصوص الوحي الرباني من جانب تجد صراعًا مريرًا بين الطائفتين، ولك أن تتذكر مثلاً المشكلات الطبية التي ما زالت تحظى بجدل فقهي كبير في هذا العصر

стр. 271

كقضية ... " نقل الأعضاء "، وقضية " الختان للإناث "، وقضية " الاستنساخ "، ولك أن تنظر إلى الصراع الذي يدور كل عام بين الفلكيين وعلماء الدين حول رؤية هلال رمضان، أضف إلى هذا القضايا الاقتصادية كالتعامل مع البنوك، وشركات التأمين بكل صوره، والتعامل مع بورصة الأوراق النقدية، وغير هذا من القضايا التي تلحظ دائمًا فيها افتقاد الأمة للفقيه الذي يجمع بين الحسنيين، أعني قراءة النص، وقراءة الواقع بفهم سلفي صحيح. وقد حثنا الله ﵎ للتفقه في دينه، وجعله من فروض الكفايات، فالأمة كلها تأثم إذا لم يوجد فيها هذا النمط المنشود من الفقهاء. قال تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " [التوبة /١٢٢] وقال ﷺ : " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (١) فمحض منة من الله ﵎ أن يرزق العبد تلك الملكة الفقهية، ولكن تعالوا لنتساءل: ما السبيل إذاً؟ وما هو المطلوب من هذا الفقيه المنشود وسط هذه التحديات؟ فبادئ ذي بدء،

стр. 272

ما هي حقيقة الفقه؟ أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ: الفقه الحقيقي هو: امتلاك القدرة على ما يسمى في المصطلح الفقهي بـ " تحقيق المناط "، أو القدرة على تجريد النص من قيد الزمان والمكان، والاجتهاد في تنزيله على واقع الناس، ومعالجته لمشكلاتهم. فليس الفقه في حفظ كتاب أو سرعة استذكار مسألة مع العجز ـ مثلاً ـ عن إيجاد وتوليد مثال غير مثال الأقدمين، والذي ما زلت تراه في كل كتاب تقرأه، وكأنَّ الفقه صار محصورًا في بعض المسائل القديمة. وإنما نعني بالفقه الإدراك العميق لمقصود الشرع، والإلمام بالواقع عن طريق معرفة الأسباب، ومعرفة السنن الربانية والكونية، واستيعاب حقائق الماضي، في ظل مواجهة واقعية، فليس بفقيه من عاش بمعزل عن الناس، ولم يبصر ما يعانونه، ولم يدرك الملابسات والتفاصيل التي تحيط بكل منهم. وقد قال الله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شيء " [الأنعام /٣٨] ... فالدين يشمل كل جوانب الحياة، ولعل هذا من أخطر ما يعاني منه المسلمون الآن، أعني إدراك هذه الحقيقة والتعامل من منطلقها في دراسة كل مشكلاتهم، لأنَّه بسبب تيارات " الغزو الفكري " تعرضت لزعزعة هذا الأصل الأصيل في تعاملها مع الواقع، فلم يعد الدين هو صاحب الكلمة الأولى، ولم يعد له الفصل في جميع المسائل،

стр. 273

ومع تقاعس الفقهاء عن اللحاق بمستجدات عصرهم، ظهرت هذه الإشكالية، وصار في الناس من يقسِّم الدين إلى قشور ولباب، فافتقدنا أول الأصول وقاعدة الارتكاز أعني " شمولية الدين ". إنَّ غياب الرؤية الإسلامية أو الفقه الشامل عن أي موقع وعدم امتداده له يعني وجود الفراغ الذي يسمح بوجود " الآخر " ليصنع للناس رؤيتهم، ومن هنا ينبغي أن نعود لتوسيع معنى الفقه، فلا يقف عند حدود " التشريعات " بل نحن في أمس الحاجة الآن إلى علم أصول فقه: " تربوي " و" اجتماعي " و" سياسي " ... و" اقتصادي " و" معرفي " بشكل عام؛ ليغطي جميع شعب المعرفة وجوانب الحياة، ولا يقتصر على الجانب التشريعي فقط. ولعل من قبيل نفس الملاحظة أنَّ الأصوليين عندما تكلموا في شروط المجتهد، ومنها إلمامه بكتاب الله ، تباينت وجهات نظرهم في هذا الجانب فحصر بعضهم هذا الإدراك في نطاق آيات الأحكام، وهذا ما يمثل ... " الوقوف عند الجانب التشريعي فحسب " بينما كانت النظرة الأوفق للصواب تدعو لضرورة إلمامه التام بجميع آيات الذكر الحكيم لماذا؟ لأنَّ آيات القرآن كلها آيات أحكام فمنها: أحكام تربوية وأخلاقية، ومنها أحكام اجتماعية، ومنها أحكام سياسية، وهكذا فحصر الفقه في جانب دون آخر يبعدنا عما ننشده في فقيهنا المعاصر، فإنَّ هذا كان موجود في سلفنا، وآراؤهم تشهد بهذا، لكن يوم غاب عنَّا هذا الفهم

стр. 274

الشمولي اختزلت نصوص الشرع لتنأى عن الواقع، وهذا لم ليحدث في أمة شهدت حضارة ضخمة امتدت عبر مئات السنين واتسعت لبيئات مختلفة وأجناس متباينة. انظر مثلا: لقوله تعالى: " فاعتبروا يا أولي الأبصار " [الحشر/٢] بين الفهم التشريعي والفهم الشمولي، فإنَّ الأصوليين استدلوا بهذه الآية على ... " القياس " باعتباره أحد أدله الفقه، والآية واضحة في مخاطبة أهل الإيمان بالاسترشاد بسنن الله في الكون، وأخذ العبرة والعظة من حال الأمم السابقة، إنها أصل فيما يمكن تسميته بالفقه السياسي أو الاجتماعي. كذا قوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " [التوبة /١٢٢] فالفقه هنا لا يقتصر على ... " الفقه التشريعي " وإنما أعم من ذلك، ولعل من أدلة ذلك التعبير بـ " النفرة " التي تتناسب مع دخول الميدان ودراسة الواقع. وقد كان من دعائه ﷺ المأثور لعبد الله بن عباس ﵄ " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " وأنت تلحظ أنَّ المقصود ليس هو الفقه التشريعي الذي يشمل أبواب العبادات والمعاملات والجنايات ونحوها، وإنما الفقه الذي يشمل فقه

стр. 275

السنن الربانية والفهم عن الله ﵎، فقه الحياة بشتى صورها، وليس المقصود بـ " التأويل " التفسير والبيان كما اعتدنا فهمه، بل التأويل يعني البصر بالعواقب والنتائج والمآلات، إنه إدراك للسنن الفاعلة في الحياة وتحولاتها الاجتماعية وقانونها الرباني. فهذا ما نعنيه بالفقه أعني " الفقه الحضاري "، الفقه الذي يغطي جوانب الحياة، الفقه الذي يتماشى مع شمولية الدين، وصلاحيته لكل زمان ومكان، ... " فقه السنة " بمعناها العام الذي يعني الطريقة المطردة والقانون الناظم، أي فقه تقويم الحاضر بقيم الدين في ضوء كل الظروف المحيطة. وفي ضوء هذا المعنى نحتاج إلى بيان المقصود بـ " الملكة الفقهية " كمقدمة لمعرفة طرق تكوينها واكتسابها. ... الملكة الفقهية الملكة في معناها اللغوي تدور حول الدلالة على القوة والرسوخ، ومعناها في اصطلاح أهل العلم ليس بمنأى عن ذلك فقالوا: هي " صفة راسخة في النفس "، هذه الصفة تعين الإنسان على سرعة البديهة في فهم الموضوع. وهذه الصفة هبة من عند الله ومن هذا قول الإمام مالك: ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه نور يؤتيه الله من يشاء من خلقه.

стр. 276

وهذه الصفة تنمو بالاكتساب عن طريق الإحاطة بمبادئ العلوم والإلمام بقواعده، وهي تبدأ ضعيفة ثمَّ تقوى بالرعاية والتدرج، ولذلك فإنَّ حصول هذه الملكة يحتاج إلى نوع من الدربة والتدرج في التلقين والتعلم. وعلى هذا فإنَّ صاحب الملكة الفقهية من يكون الفقه له سجية، وعنده قوة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها. وهذه الملكة لها أنواع: فمنها: فقه النفس وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب، وتورث صاحبها شدة الفهم لمقاصد الكلام. ومنها: القدرة على استحضار الحكم الشرعي العملي في مظنته الفقهية. ومنها: القدرة على استنباط هذا الحكم الشرعي، عن طريق التضلع بالعلوم الشرعية وعلوم اللغة مما هو ضروري للاجتهاد. ومنها: القدرة على تخريج الفروع على الأصول والترجيح بين الآراء،. وقد يعبر عن هذه الملكة بـ " البصيرة " أو " الحكمة " أو " الاجتهاد " وبينهم من التداخل والتباين ما بينهم، والفقيه المطلوب ـ والذي نرجوه ـ هو الذي تجتمع له كل هذه الأنواع من الملكات؛ لأنَّه بحاجة إلى مجموعها،

стр. 277

ففقه النفس يعينه على القيام بأمر الله تعالى في نفسه وأهله، ومن حولهم، وفي فتاويه للنَّاس، فإنَّه يعلم بحاله حالهم، فتكون فتاويه ونصائحه موفقة لا ملفقة. وملكة القدرة على الاستنباط لأنَّ نصوص الشرع تنحصر والنوازل لا تنحصر، فأحكام الدين تؤخذ بالاستنباط من الأدلة، وهذا هو الفقه الحقيقي، فليست القضية في حفظ النصوص واستحضارها، ولكن في تنزيل هذه الأحكام بفقه النفس وملكة الاستنباط في استخراج الحكم الذي يرضي الله ورسوله، فقد قالوا: أنَّ الفقيه هو الذي أحاط علمًا بالشريعة، فيستخرج الحكم من مجموعها. وأيضًا ملكة الترجيح بين الآراء ملكة خطيرة، فهو لا يتعصب لمذهب ولا لشخص ولا يحكمه الهوى، فلا يتابع أحدًا في كل أقواله إلا رسول الله ﷺ ، فلذلك هو مجتهد حقيقة، وهذا المجتهد له ملكة حقيقية، تبين له الصحيح من المزيف من الأقوال كالصيرفي الماهر، فهو حين ينظر في أقوال الناس يعرف مآخذ العلماء ويتبين له مشاربهم، فيتوجه الأمر لديه بالترجيح الصحيح بينهم، وقد مر بنا مرارًا قول رسول ﷺ " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين " (١)

стр. 278

كيف تتكون هذه الملكة؟ لتكوين الملكة الفقهية شروط هي: أولاً: الاستعداد العقلي والقلبي والشخصي للمتفقه. فأما استعداده العقلي فينبغي أن يكون المتفقه ذكيًا، قوي المدارك، يعرف مقتضى الكلام ومعناه، عنده ملكة جيدة في الحفظ والاستذكار، ولذلك كانوا يبدأون بحفظ القرآن لصقل هذه الملكة عند طالب العلم، وليعتاد ذلك منذ الصغر وتقدير مقوماته الإدراكية، فضلاً عن النور الذي يبعثه القرآن في صدره. وأما استعداده القلبي والخلقي فأعني أن يكون المتفقه صافي النفس من أدران الدنيا وشوائبها، مخلصًا في طلب الحق والمعرفة، عدلا يجتنب المعاصي ويلتزم بالطاعات، متحليًا بصفات المروءة وقد كان سلفنا الصالح يختبرون المتعلم أولاً، فإن وجدوا فيه خلقًا رديئًا منعوه؛ لئلا يكون آلة فساد، وإن وجدوه مهذبًا علموه، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خوفًا على فساد دينه ودين غيره. أما استعداده الشخصي فإن تكوين الملكة الفقهية يحتاج إلى كبير همة وجد ومثابرة وصبر على ذل التعلم، فالمتفقه لا يترك لحظة دون تعلم واستكثار من ميراث النبوة، وتعاهده بالحفظ، والمذاكرة المستمرة قالوا: العلم ما ثبت في الخواطر لا ما حوته الدفاتر.

стр. 279

ثانيًا: المعلم الحاذق القدوة لا شك أنَّ وجود المعلم المربي من أركان هذا البناء، فنحن في حاجة إلى شيخ متقن لعلمه متمكن فيه ملم بآفات النفوس ويحسن تهذيبها، وفي ظل افتقاد الأمة لهذا الرجل القدوة تظل الإشكالية مطروحة، ومن هنا علينا إيجاد هذه النماذج في الأمة، والبحث عنها، والاستكثار منها، وتأهيل القائمين على العملية التعليمية وفق منهج علمي صحيح ليكثر سواد هؤلاء المعلمين. فمن شرطه: ١) أن يكون معروفًا بالديانة والستر والصيانة، وإلا فإنَّ أخطر وبال على طالب العلم أن يتلقى تعليمه من أهل المعاصي والفسوق، فيشب الفتى متلطخًا بما رباه عليه أستاذه بحاله قبل مقاله. قال محمد بن سيرين: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. ٢) أن يكون بصيرًا بطريقة التلقين والتعليم بحسب مرحلة الطالب وقدرته، ماهرًا في عرض المادة العلمية، لديه القدرة على الإيضاح بوسائل شتى، عاملاً على صقل مواهب تلاميذه.

стр. 280

ثالثًا: اتباع منهج علمي أصيل من المقومات الأساسية للملكة الفقهية وجود منهج دراسي أصيل يتلقاه المتفقه في مراحل دراسته، ويتمثل في العلوم الأساسية التي ينبغي له أن يدرسها وهي: ١) معرفة القرآن وعلومه. فالقرآن أقوى شيء في تكوين الملكة الفقهية، وبناء الأخلاق والنفوس، قال الشاطبي ﵀: " إن الكتاب قد تقرر أنَّه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها: أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرًا وعملاً، لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول " (١) فالقرآن الكريم لا يخلق بكثرة النظر، وكلما نظر الإنسان فيه ازداد علمًا وفقهًا، فعلى المتفقه أن يحفظ القرآن الكريم أولاً وقبل أي شيء

стр. 281

آخر، ويتقن تلاوته، فيلم بعلم التجويد، ولا يتعجل ويرمي إلى دراسة الفقه وعلومه قبل أن يكون أتم حفظ القرآن الكريم. ثمَّ ينهل من معين علومه قسطًا فيعرف الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والقراءات القرآنية. ٢) معرفة السنة وعلومها. فيبدأ بحفظ بعض المتون المختصرة كالأربعين النووية ونحوها ليتسع محصوله من السنة شيئًا فشيئًا بعد ذلك. ويلم بعلوم الحديث، فيعرف " أسباب ورود الحديث " و" الناسخ ... والمنسوخ " و" الجرح والتعديل " يلم من ذلك بطرف. وثمَّ مسالة مهمة في هذا وجب التنبيه عليها، وهي أنَّ الصحوة لما قامت وبينت أهدافها في لزوم رجوع الأمة إلى المعين الصافي من الكتاب والسنة، واكب ذلك اهتمام عظيم بعلوم السنة بفضل مجدد العصر عليه رحمات الله ... الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني، وكثر الباحثون في هذا المجال بفضل الله تعالى، ولكن مع ظهور الفهارس العلمية ناهيك عن التقنيات الحديثة الآن دخل في هذا المضمار من ليس أهلاً له، والشيخ ﵀ شنَّ عليهم حملات متتابعة تشهد بذلك مقدمات مصنفاته الأخيرة، ولكن اختلط الحابل بالنابل، وصار ديدن

стр. 282

البعض لا يخرج عن فلك " مصطلح الحديث " و " تحقيق وتخريج الأحاديث " تحت الزعم بأنَّه نشر للسنة، والواقع يكذب ذلك، ومن ثمَّ لابد من ترشيد طلاب العلم في هذا الجانب، فلا يكون جل اهتمامه في علم واحد، ويترك حفظ القرآن وتعلم أبواب الفقه والإلمام بالأصول وإتقان اللغة، ولعل هذا من واجبات " الجيل الثاني " الذي لم تبدُ بعدُ معالمه منذ رحل العلامة الشيخ الألباني ﵀ وعلى طالب العلم أنْ يبدأ في التعرف على كتب السنة وطرق مصنفيها، ليعرف كيفية استخراج الحديث من هذه الكتب، وفي ظل وجود الحاسب الآلي وغيره من التقنيات الحديثة فإني لا أنصح بالتعامل مع هذه الوسائل إلا بعد أن يكتسب طالب العلم مهارة التخريج من الكتب، وهذا ليس من قبيل التعسير، بل هذا من محض التجربة، نعم نحن لا نقلل من هذه التقنيات وأنها وسيلة بحثية جيدة، لكن لا يبدأ بها طالب العلم، وإلا فإنها ستهدم ملكة البحث والتنقيب عنده، والتي لها من المزايا ما لا يدركه إلا من جرب ذلك. فاجمع بين الأمرين، تدرب جيدًا مع الكتب، ثمَّ استخدم هذه التقنيات بعد أن يرسخ قدمك، فسوف تجد من المنفعة ما لا يعرفه إلا خبير بهذا الشان. وينبغي أن تمتد صلتك بالمتون إلى الشروح، والانتفاع بما فيها من علم غزير، وعادةً سوف تكون هذه المراجع بغيتك في فترة لاحقة، ولكن في البداية استأنس بها، ثمَّ عندما تستكمل أدواتك فسوف يعظم قدر هذه الكتب عندك بعد ذلك.

стр. 283

٣) معرفة علوم اللغة. ينبغي للمتفقه أن يلم بعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وأدب؛ ليتمكن من فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حق الفهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنَّ تعلم اللغة العربية من الدين، وإنَّه فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان غلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " (١) أما الشاطبي ﵀ فيقول: " الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولا، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم " (٢)

стр. 284

فالشاطبي ﵀ جعل مدار علوم الاجتهاد على أمرين: ١) الإلمام بعلوم اللغة ... ٢) البصر بمقاصد الشريعة. ولكنه يرى أنَّه ينبغي أن يستفرغ المتفقه الوسع في تحصيلهما حتى يصل في اللغة ـ مثلاً ـ كما يقول هو: إلى درجة الخليل وسيبويه والاخفش ونحو من فحول علماء اللغة. وإن كان في هذا نوع تجوز إلا أنه يفيدنا هنا خطورة دور اللغة وصلتها الوثيقة بالعلوم الشرعية. وعلى كل حال ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بدراسة متن من متون النحو كالأجرومية ثمَّ يثني بكتاب كـ " قطر الندى " أو " شذور الذهب " لابن هشام، ثمَّ يترقى إلى شروح ألفية ابن مالك كشرح ابن عقيل أو الأشموني وحاشية الصبان عليها، إلى أن يصل لدراسة " مغني اللبيب " لابن هشام أيضًا. وفي الصرف يحفظ الشافية، ويلم بشروحها. وفي البيان يبدأ بالكتب اليسيرة كالبلاغة الواضحة، وينتقل للمتون كتلخيص المفتاح للخطيب القزويني، ومن اخطر ما كتب في هذا الفن كتب عبد القاهر الجرجاني لا سيما " دلائل الإعجاز " و" أسرار البلاغة "

стр. 285

٤) دراسة الفروع الفقهية. وهي دراسة الفقه بمعناه "التشريعي " بمعرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية في كتاب الله أو سنة رسول الله أو الإجماع أو بالقياس وغيرها من الأدلة الشرعية. والمتفقه ينبغي أن يحفظ مختصرًا في الفقه على مذهب من المذاهب، يتلقاه على شيخ حاذق، ثمَّ بعد ذلك يبدأ في التوسع مرحليًا، وقد رتب أهل العلم الكتب التي يبدأ بها طالب العلم ثم بماذا يثني في مرحلة التوسط ثمَّ ماذا يقرأ في مرحلة الاستقصاء والانتهاء وهكذا فمثلاً: في الفقه الحنبلي ألف ابن قدامة ﵀ " عمدة الأحكام " للمبتدئ ثمَّ " المقنع " لمن هو أعلى منه ثمَّ " الكافي " ثم في النهاية " المغني " وهكذا. وينبغي على طالب العلم ألا يتعدى مرحلة دون أن يصل إلى رسوخ القدم فيها، ولا عليه أن يتعرض للفقه المقارن في البداية فإنَّه مدعاة لتشويش ذهنه بالخلافيات فتدبر ذلك فكم زلت أقدام بسبب عدم سماع النصيحة في ذلك فإلى الله المشتكى. ٥) الإلمام بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية وهذا أهم العلوم للفقيه، وهو الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد، وهذه الدراسة تكون بعد أن يلم طالب العلم
следующие страницы →