← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98137

منطلقات طالب العلم

محمد حسين يعقوب

Полный текст (335 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

آخر، ويتقن تلاوته، فيلم بعلم التجويد، ولا يتعجل ويرمي إلى دراسة الفقه وعلومه قبل أن يكون أتم حفظ القرآن الكريم. ثمَّ ينهل من معين علومه قسطًا فيعرف الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والقراءات القرآنية. ٢) معرفة السنة وعلومها. فيبدأ بحفظ بعض المتون المختصرة كالأربعين النووية ونحوها ليتسع محصوله من السنة شيئًا فشيئًا بعد ذلك. ويلم بعلوم الحديث، فيعرف " أسباب ورود الحديث " و" الناسخ ... والمنسوخ " و" الجرح والتعديل " يلم من ذلك بطرف. وثمَّ مسالة مهمة في هذا وجب التنبيه عليها، وهي أنَّ الصحوة لما قامت وبينت أهدافها في لزوم رجوع الأمة إلى المعين الصافي من الكتاب والسنة، واكب ذلك اهتمام عظيم بعلوم السنة بفضل مجدد العصر عليه رحمات الله ... الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني، وكثر الباحثون في هذا المجال بفضل الله تعالى، ولكن مع ظهور الفهارس العلمية ناهيك عن التقنيات الحديثة الآن دخل في هذا المضمار من ليس أهلاً له، والشيخ ﵀ شنَّ عليهم حملات متتابعة تشهد بذلك مقدمات مصنفاته الأخيرة، ولكن اختلط الحابل بالنابل، وصار ديدن

стр. 282

البعض لا يخرج عن فلك " مصطلح الحديث " و " تحقيق وتخريج الأحاديث " تحت الزعم بأنَّه نشر للسنة، والواقع يكذب ذلك، ومن ثمَّ لابد من ترشيد طلاب العلم في هذا الجانب، فلا يكون جل اهتمامه في علم واحد، ويترك حفظ القرآن وتعلم أبواب الفقه والإلمام بالأصول وإتقان اللغة، ولعل هذا من واجبات " الجيل الثاني " الذي لم تبدُ بعدُ معالمه منذ رحل العلامة الشيخ الألباني ﵀ وعلى طالب العلم أنْ يبدأ في التعرف على كتب السنة وطرق مصنفيها، ليعرف كيفية استخراج الحديث من هذه الكتب، وفي ظل وجود الحاسب الآلي وغيره من التقنيات الحديثة فإني لا أنصح بالتعامل مع هذه الوسائل إلا بعد أن يكتسب طالب العلم مهارة التخريج من الكتب، وهذا ليس من قبيل التعسير، بل هذا من محض التجربة، نعم نحن لا نقلل من هذه التقنيات وأنها وسيلة بحثية جيدة، لكن لا يبدأ بها طالب العلم، وإلا فإنها ستهدم ملكة البحث والتنقيب عنده، والتي لها من المزايا ما لا يدركه إلا من جرب ذلك. فاجمع بين الأمرين، تدرب جيدًا مع الكتب، ثمَّ استخدم هذه التقنيات بعد أن يرسخ قدمك، فسوف تجد من المنفعة ما لا يعرفه إلا خبير بهذا الشان. وينبغي أن تمتد صلتك بالمتون إلى الشروح، والانتفاع بما فيها من علم غزير، وعادةً سوف تكون هذه المراجع بغيتك في فترة لاحقة، ولكن في البداية استأنس بها، ثمَّ عندما تستكمل أدواتك فسوف يعظم قدر هذه الكتب عندك بعد ذلك.

стр. 283

٣) معرفة علوم اللغة. ينبغي للمتفقه أن يلم بعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وأدب؛ ليتمكن من فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حق الفهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنَّ تعلم اللغة العربية من الدين، وإنَّه فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان غلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " (١) أما الشاطبي ﵀ فيقول: " الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولا، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم " (٢)

стр. 284

فالشاطبي ﵀ جعل مدار علوم الاجتهاد على أمرين: ١) الإلمام بعلوم اللغة ... ٢) البصر بمقاصد الشريعة. ولكنه يرى أنَّه ينبغي أن يستفرغ المتفقه الوسع في تحصيلهما حتى يصل في اللغة ـ مثلاً ـ كما يقول هو: إلى درجة الخليل وسيبويه والاخفش ونحو من فحول علماء اللغة. وإن كان في هذا نوع تجوز إلا أنه يفيدنا هنا خطورة دور اللغة وصلتها الوثيقة بالعلوم الشرعية. وعلى كل حال ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بدراسة متن من متون النحو كالأجرومية ثمَّ يثني بكتاب كـ " قطر الندى " أو " شذور الذهب " لابن هشام، ثمَّ يترقى إلى شروح ألفية ابن مالك كشرح ابن عقيل أو الأشموني وحاشية الصبان عليها، إلى أن يصل لدراسة " مغني اللبيب " لابن هشام أيضًا. وفي الصرف يحفظ الشافية، ويلم بشروحها. وفي البيان يبدأ بالكتب اليسيرة كالبلاغة الواضحة، وينتقل للمتون كتلخيص المفتاح للخطيب القزويني، ومن اخطر ما كتب في هذا الفن كتب عبد القاهر الجرجاني لا سيما " دلائل الإعجاز " و" أسرار البلاغة "

стр. 285

٤) دراسة الفروع الفقهية. وهي دراسة الفقه بمعناه "التشريعي " بمعرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية في كتاب الله أو سنة رسول الله أو الإجماع أو بالقياس وغيرها من الأدلة الشرعية. والمتفقه ينبغي أن يحفظ مختصرًا في الفقه على مذهب من المذاهب، يتلقاه على شيخ حاذق، ثمَّ بعد ذلك يبدأ في التوسع مرحليًا، وقد رتب أهل العلم الكتب التي يبدأ بها طالب العلم ثم بماذا يثني في مرحلة التوسط ثمَّ ماذا يقرأ في مرحلة الاستقصاء والانتهاء وهكذا فمثلاً: في الفقه الحنبلي ألف ابن قدامة ﵀ " عمدة الأحكام " للمبتدئ ثمَّ " المقنع " لمن هو أعلى منه ثمَّ " الكافي " ثم في النهاية " المغني " وهكذا. وينبغي على طالب العلم ألا يتعدى مرحلة دون أن يصل إلى رسوخ القدم فيها، ولا عليه أن يتعرض للفقه المقارن في البداية فإنَّه مدعاة لتشويش ذهنه بالخلافيات فتدبر ذلك فكم زلت أقدام بسبب عدم سماع النصيحة في ذلك فإلى الله المشتكى. ٥) الإلمام بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية وهذا أهم العلوم للفقيه، وهو الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد، وهذه الدراسة تكون بعد أن يلم طالب العلم

стр. 286

بمختصر من المختصرات الفقهية، وبعد أن يلم بطرف من العلوم اللغوية إذ منهما يستمد. " واعلم أنَّ هذا الفن طويل عميق، لا تحصل البضاعة منه إلا في مدة متطاولة " (١) وقد أدخل المتأخرون فيه من الكلاميات والجدليات ما جعله يعسر على كثير من شداة هذا الفن، ولكن ثمة جهود تبذل الآن لتنحية مثل هذه الكلاميات عن صلب العلم، وهناك بعض الكتب الجيدة في هذا الباب. والفائدة التي تعود على المتفقه من تعلمه الأصول أنَّه ينمي ملكته فتبدأ في حصر المتفرقات وضبطها، وتربي عنده ملكة الاستنباط، وتبصره بطريقة التعامل مع النصوص لاستخراج الحكم الفقهي. ٦) معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية. ونعني بها المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، ومن المعلوم أن المتفقه لا يدرك ذلك إلا بعد أن يغوص في العلوم الشرعية حتى يبدأ في فهم سنن الله الكونية والدينية ويستصحب ذلك

стр. 287

فتعينه على الترجيح بين الأدلة المتعارضة والجمع بينهما، ورد المتشابه إلى المحكم، وقراءة الواقع وتدبره وفق أصول صحيحة، وكم من مسائل فقهية لا يمكنك أن تنتهي فيها إلى رأي جازم دونما استصحاب هذه المقاصد الشرعية. ومن البدهي أن نقول: إنَّ الإمام الشاطبي هو فارس هذا الميدان، وقد سطر من بعده الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي بعد الدراسات القيمة أيضًا، لكن ما ينبغي التنبيه إليه أنْ إحاطة المتفقه بهذه المقاصد على الوجه المرجو لا تكون إلى بعد رسوخ قدمه في العلوم الشرعية ـ كما تقدم بيانه ـ فانتبه. ٧) فهم الواقع المعاصر. لابد للمتفقه أن يكون ملمًا بواقعه المعاصر، مدركًا للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحدث في زمانه، ولا يجوز له بحال من الأحوال تجاهلها، لأنَّه حينئذٍ لن يكون محيطًا بفقه الواقعة فيصعب أن ينزل النص لهذا الواقع الذي يجهله، وهنا تتخبط أقدام، والله المستعان أن يظهر في الأمة من يعوضنا من ذهب من علمائنا الأفذاذ، والذين استقامت عندهم الرؤيتان، وأن ينبت من جيل " الصحوة " علماء في شتى المجالات، حتى تتبين الأمور في ظل هذه

стр. 288

الغيوم التي يفرزها " الغزو الثقافي " و" الحملات العلمانية " الداعية إلى فصل الدين عن الحياة، وتقديم العقل على النقل، ومواجهة أهل الدين بالتقدم التقني الغربي وأنَّه كان من نتاج العلمانية في أوروبا يوم فصلوا الدين عن الدولة، إلى غير ذلك من هذه المهاترات التي تحتاج إلى فرسان في كل ميدان، يذبون عن دين الله، ويقيمون الحجة على الناس، فانتبه أيها المتفقه فلست بمعزل عن عصرك وإقليمك. كيف يمكن تنمية هذه الملكة ؟ إذا كان تكوين الملكة الفقهية يحتاج إلى أركان ثلاثة: المتفقه والمعلم والمنهج، فإنَّ تنمية هذه الملكة لتحصل على أتم وجه يحتاج إلى الممارسة العملية، ووضع المتفقه أمام مشكلات عصره، ومحاولة تقويم طريقته في علاج تلك المشكلات. فبعد أن مرَّ بفترة من التأهيل النظري نحتاج إلى وضعه في مواجهة ... الواقع، كأن تربى عنده ملكة الاجتهاد الجزئي بتكليفه ببحث مسألة من المسائل، ودراستها دراسة متأنية، وهنا نقف على مدى إمكانياته، ولا يتم ذلك قبل ... التأهيل، أعيد ذلك وأكرر؛ لأننا نعاني في هذا الزمان من قلة الصبر، واستعجال قطف الثمار قبل نضوجها. من الأمور التي تنمي الملكة عنده أيضًا، تعويده الموازنة بين المصالح والمفاسد.

стр. 289

فيعرف المصلحة الشرعية المعتبرة ومتى يقدمها، ومتى يدرأ المفسدة قبل جلب المصلحة، هذه تطبيقات فقهية لازمة، وله أن يستأنس بكتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " للعز بن عبد السلام، و" ضوابط المصلحة " للبوطي كذلك تعويده طرق الجمع بين الأدلة التي تبدو مختلفة عند الوهلة الأولى ومن أفضل ما يستعين به في ذلك كتاب " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة. كذلك تعويده الحوار الفقهي وقراءة المناظرات الفقهية التي تقوي الملكة عنده، ولكن يُحَذَّر هنا من التعصب أو الجدل البيزنطي الممقوت، بل يناقش بدليل، لا ينتصر لمذهب إلا سنة المصطفى ﷺ ، ولا ينتقص من مخالف بل يقول دائمًا: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطا يحتمل الصواب. ومما يقوي الملكة عنده الرحلة إلى العلماء، والاستكثار منهم، فكلما زاد شيوخه اتسع علمه. آفات الملكة الفقهية وحذار ثمَّ حذار من معوقات تشل هذه الملكة، فتنقض غزلك من بعد قوم أنكاثًا، وهي تنقسم إلى: - آفات خلقية ونفسية. - وآفات منهجية.

стр. 290

فأما الآفاتُ الخلقيةُ والنفسيةُ، فمن ذلك: أولاً: الكبرُ والعجبُ: فإنه داءٌ يصيبُ كلَّ متعلمٍ لم يخلصْ وجهَه للهِ من باديءِ أمرِه، وقد قال ﷺ : "الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ" (١)، ولا يزول ذلك إلا إذا عَرَف المرءُ حقارةَ نفسهِ، ولعله يحتاجُ هنا إلى المربي ليقوِّمَ اعوجاجَه، ومن ثمَّ قلنا بالصبرِ على ذُلِّ التعلمِ لأنه أكثرُ شيءٍ فائدة للمتعلمِ لو كان يدري. فلتحذرْ من رؤيةِ النفسِ، كأنْ تناظرَ للغلبةِ لا لمعرفةِ الحقِّ، وكتحصيلِ علومٍ تتجملُ بها في المحافلِ والتعالي على الأقرانِ، ونحوه مِمَّا يضيعُ العلمَ ويثيرُ الأحقادَ. ثانيًا: الغرورُ: وهو أنْ تَسْكُنَ النفسُ إلى ما يوافقُ هواها وتميلُ إليه بطبعِها. والمغرورُ يتحدثُ عن نفسِه دائمًا، بل ربما يُظْهِرُ نفسَه بإلحاقِ التهم بأقرانِه، والغرورُ يحجبُ طالبَ العلمِ عن الزيادةِ في الطلبِ، فيظنُّ أنه قد انتهى إلى ما لنْ يَصِلَ إليه غيرُه، ويمنعُه من سماعِ النصيحةِ. والمغرورُ يثيرُ حولَه من العداواتِ ما يُتْلِفُ قلبَه، فاللَّهم إنا نعوذُ بك من الغرورِ وأهلِه.

стр. 291

ثالثًا: الحسدُ: الذي هو تمني زوالِ النعمةِ عن الغيرِ، وهو خلقٌ ذميمٌ، يُفْسِدُ الجَنَانَ ويردي الإيمانَ. والحسدُ يَدِبُّ بين خِلَّانِ الدنيا الذين يطمعون في حطامِها الزائلِ، أما أهلُ الآخرةِ فبمعزلٍ عن ذلك. والحسودُ -عادةً- لا يسودُ، وينشغلُ بحاسدِه عن العلمِ فتضعفُ ملكتُه، وتَسَخُّطُه يزيلُ عنه العلمَ، وينفرُ الناسَ منه. فإياك والحسَد فإنه يحلقُ الدينَ كما يحلقُ الموسى الشعرَ. أما المعوقاتُ المنهجيةُ، فمنها: أولًا: الغفلةُ عن النصوصِ الشرعيةِ الثابتةِ، والتفسيرُ الخاطىءُ للنصِّ الشرعيِّ: وعادةً ما يكونُ ذلك بسببِ ما حذرتُك منه من التصدرِ قبلَ التأهلِ، والتزببِ قبلَ التحصرمِ. ثانيًا: التقليدُ والتعصبُ والجمودُ: وكلٌّ منها يؤدي إلى الآخَرِ، والتقليدُ هو اتباعُ الإنسانِ غيرَه فيما يقولُ أو يفعلُ، معتقدًا الحقيقةَ فيه من غيرِ نظرٍ وتأملٍ في الدليلِ، أي أنه يتبعُ قولَ غيرِه بدونِ حجةٍ أو دليلٍ. والتعصبُ مذمومٌ، والجمودُ يُشِلُّ ملكاتِ الإنسانِ، ويجعلُه في بوتقةٍ لا يتجاوزُها فتضعفُ قدراتُه.

стр. 292

ثالثًا: الالتزامُ بحرفيةِ النصوصِ، وعدمُ النظرِ إلى مقاصدِ الشريعةِ: ولذلك فإنَّ الفقه الظاهريَّ عاداه أهلُ العلمِ ورأوا فيه انحرافًا عن الجادةِ، رغم أنَ الناظرَ في كتابٍ كـ "المحلى" لابنِ حزمٍ لا يَرَى سوى نصوصٍ من كتابِ رَبِّنا وسنةِ نبيِّنا ﷺ وقولِ صحابيٍّ أو تابعيٍّ، وهذا كلُّه جيدٌ، لكن للأسفِ عدمُ الأخذِ بأصولِ منهجِ السلفِ في الاستدلالِ جعلتْه يخرجُ علينا بأقوالٍ شاذةٍ معروفةٍ. رابعًا: الغُلُوُّ: والغلوُّ يعني؛ الانحرافَ عن الجادةِ، فالدينُ دينٌ سَمْحٌ لا إفراطَ فيه ولا تفريطَ، وكم من آراءٍ شَذَّتْ بسببِ موقفٍ متشددٍ وَقَفَه أحدُ أهلِ العلمِ فَهَجَره العلماءُ، كما فَعَل نجمُ الدينِ الطوفي الذي قَدَّم المصلحةَ المرسلةَ على النصِّ الشرعيِّ، وشهر بذلك بعضُ الرويبضةِ في هذا العصرِ حتى يتسنى لهم تبريرُ الواقعِ ومداهنةُ مَن يريدون. فيا أيها المتفقه ... هل لنا أنْ ننشدُ فيك بغيَتنا غدًا؟ لعلي أحتاجُ في نهايةِ المطافِ أنْ أذكِّرَك بأمرٍ يَعزُّ بين طلابِ العلمِ الجمعُ بينَه وبينَ العلمِ، مع أنه الثمرةُ المرجوةُ، وباعثُ الفتوةِ، والأصلُ الأصيلُ في رحلتِك إلى اللهِ، أعني "المنهجَ"، وتلك قاعدةُ انطلاقِك الأخيرةُ معي، أسأل اللهَ أن يختمَ لنا بخاتمةِ السعادةِ أجمعين.

стр. 293

المنطلق العاشر (من أين نبدأ ؟)

стр. 294

المنطلق العاشر (من أين نبدأ؟) قد آذن الركب بالرحيل ومازلت أراك حائرًا، تتعثر خطاك، تقول: كيف السبيل؟ كيف أطلب العلم؟ من أين أبدأ؟ وإنْ كان مضى طرفٌ من ذلك عارضًا فيما مرَّ فذا أوان بيانه، فامضِ بإذن الله موفقًا، والله أسأل أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، وأنْ يكتب لنا الصواب، ويجنبنا الزلل إنَّه ولي ذلك والقادر عليه. أيها المتفقه .. لابد لك من منهجين يمضيان معًا، لا ينفك أحدهما عن الآخر، منهج في تلقي العلوم الشرعية، ومنهج في التربية، فأنت تعلم أنَّ أصول المنهج ثلاثة: التوحيد والاتباع والتزكية. قال الله تعالى: " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " [البقرة/١٢٩] وقوله تعالى: " لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين " [آل عمران/١٦٤]

стр. 295

وقال جل وعلا: " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ " [الجمعة/٢] فرسالة الأنبياء وورثتهم من بعدهم تتناول تلك الجوانب الثلاثة، فلابد من علم وعمل ودعوة، لابد من تزكية للنفوس وشحذ للعقول، والمنهج الذي لا يراعي هذه الجوانب الثلاثة منهج يجانب الصواب.

стр. 296

منهج للمبتدئين في التربية أولاً: قواعد هامة عامة في أصول المنهج: ١) لقبول العبادة شرطان: الإخلاص ومتابعة الرسول ﷺ قيل: (قولوا لمن لم يك مخلصاً: " لا تتعنّ "). فلذلك حرر الإخلاص واجتهد في ذلك واحرص على أن يكون عملك لله وحده لا رياء الناس، ولا شهوة، ولا هوى وحظ نفس، ولا لطلب الدنيا والعلو فيها، والأمر يحتاج إلى جهاد وصبر ومثابرة. ٢) قال رسول الله ﷺ " من عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) فلا تتعبد إلا بالوارد عن رسول الله ﷺ وبفهم السلف لأصول العبادات، ولا تبتدع في دينك، فالبدعة شر من المعصية. ٣) التدرج أصل في هذا المنهج فأوغل في الدين برفق، وراع فقه النفس، ولا تحملها فوق طاقتها فتستحسر وتترك، ولكن لا يكون التدرج تكأة للتفريط، ولا مدعاة للكسل، ولا سبيلاً لسقوط الهمة وعدم طلب الأعلى والأكمل والأفضل، قال ابن الجوزي: (للنفس حظ وعليها حق، فلا تميلوا كل الميل، وزنوا بالقسطاس المستقيم).

стр. 297

٤) والصبر أصل آخر فلا تظن أنك ستجد قرة العين في الصلاة من أول مرة أو تستشعر حلاوة ولذة القيام في البداية أو تجد الخشوع والدموع عند تلاوة القرآن منذ الآية الأولى، كلا ولا، فالأمر يحتاج إلى صبر وصدق ومعاناة. قال بعض السلف: (عالجت قيام الليل سنة ثم تمتعت به عشرين سنة) فاصبر سنة وسنوات لتنال الرتب العالية. ٥ - المجاهدة والمعاناة أصل مع الصبر والاصطبار. قال بعض العلماء: (من أراد أن تواتيه نفسه على الخير عفواً فسينتظر طويلاً بل لابد من حمل النفس على الخير قهراً) وهذا هو الحق المطلوب أن يحمل الإنسان نفسه على الخير حملاً. قال بعض السلف: (عودوا أنفسكم على الخير فإن النفوس إذا اعتادت الخير ألفته) جاهد نفسك لعمل الخير، جاهد نفسك لتحقيق الإخلاص، جاهد نفسك لتحسين العمل، جاهد نفسك للارتفاع بمستوى إيمانك، جاهد نفسك لتكون من المتقين. ٦ - تدرب ذهنياً على العبادات قبل أدائها بمعنى أنك ينبغي أن تقرأ عن الصلاة، وفضل قيام الليل، وجزاء الصائمين القائمين، وعاقبة المتصدقين قبل أداء هذه العبادات، وكذلك قراءة أحوال النبي ﷺ والصحابة والصالحين لتكوين صورة لهذه

стр. 298

العبادات ذهنياً، واستشعارها قلبياً، ثمَّ الدخول في هذه العبادات بهذا التصور، فيكون الأمر أسلم وأدعى لتحصيلها على أحسن صورها وأكمل أحوالها. ٧ - لا تستخف بقدراتك وكن مستعداً للمجازفة. إنَّ عدم المجازفة نتيجة الخوف من الفشل عائق للنجاح، إنَّ العبد الرباني الذي يعتمد على الله ويتوكل عليه ثم يحزم أمره وينطلق في عمله. قال الله تعالى: "وإذا عزمت فتوكل على الله " [آل عمران/١٥٩] وقال جل وعلا: " فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم " [محمد/٢١] أنت قوي فتوكل على الله، وأنت تستطيع الكثير، ولست أقل ممَّن وصلوا إلى المراتب العليا في العلم والعمل، بقي لك الصدق والتوكل، ثمَّ إذا أخفقت أو فشلت فأعمل فكرك كيف تجنب نفسك الإخفاق مرة أخرى. ٨ - اطلب النتيجة لا الكمال. إنَّ المسلم الحكيم هو الذي يطلب النتيجة الصحيحة عبر مقدماتها الصحيحة دون أن يبالغ في مطلبه، فينزع إلى اشتراط الكمال في مواهبه، فإذا وجد قصوراً في نفسه ـ وهو لا شك واجد ـ سارع إلى إصلاحه، واجتهد في تصحيحه، وليس شرطاً أن يصير صحيحاً مائة في المائة،

стр. 299

لابد من قصور (فاستمتع بها على عوج). إنَّ الانشغال بتحسين نتائج العمل خير ألف مرة من اشتراط الكمال في الأعمال لأن ذلك مثبط عن الأعمال ودافع إلى الانقطاع والاستحسار. ٨) تكامل الشخصية الإيمانية بتكامل أعمال الإيمان. قالوا: (لو أنَّ للنفوس بصمات لكانت أشد اختلافاً من بصمات الأصابع) ومن ثمَّ فليس كل علاج موصوفاً يناسب جميع النفوس؛ وقد علم فاطر النفوس سبحانه أنَّ خلقه هكذا، فجعل مراضيه سبحانه متعددة، تناسب إمكانات النفوس وطاقاتها وقدراتها، فشرع سبحانه الصيام والصلاة، والذكر والصدقة، والقرآن وخدمة المسلمين، وطلب العلم وتعليم الناس، والحج والعمرة، كل من هذه العبادات وعشرات غيرها منها فرائض، ومنها نوافل، وجعل سبحانه الفرائض بقدر ما لا يشق على النفوس، ثمَّ فتح الباب في النوافل يستزيد منها من يشاء، ولا حرج على فضل الله، فقم بالفرائض فأدِّها كما ينبغي، ثمَّ اعمد إلى النَّوافل فاستزد ممَّا تجد في نفسك رغبة وهمة إليه. قال الله في الحديث القدسي: " وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه " (١)، فزد في النوافل قدر ما تستطيع، ولكن لكل نفس باباً يفتح لها من الخير، تلج فيه إلى منتهاه.

стр. 300

قال ابن مسعود ﵁: أنا لا أصوم ـ يعني النوافل ـ لأن الصوم يضعفني عن الصلاة، وأنا أفضِّل الصلاة على الصيام. هذا المنهج يناسب ـ إن شاء الله تعالى ـ جميع النفوس، حاولت أن أستوعب فيه جميع جوانب العبادة، ولكن إذا وجدت من نفسك همة ونشاطاً في جوانب العبادة فاسلكه، ولا تتوان وزد فيه، ولا تتأخر لعل الله يجعل فيه زكاة نفسك، والتزم جميع الجوانب بقدر الإمكان، فإنها مكملات لشخصيتك الإيمانية. ١٠ - المتابعة أم المداومة والاستمرار أبو الاستقرار. لابد لشيخ متابع، أو أخ كبير معاون، أو على الأقل زميل مشارك، لا تكن وحدك (فإنَّما يأكل الذئب القاصية) (١) فليكن لك شيخ يتابعك إيمانياً كان رسول الله ﷺ يتابع أصحابه يومياً فيقول: (من أصبح منكم اليوم صائماً، من أطعم اليوم مسكيناً، من عاد اليوم مريضاً) (٢) وقد أمره ربه بذلك في أصل أصول التربية فقال: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم " [الكهف/٢٨] فابحث لك عن شيخ وبالإخلاص

стр. 301

ترزق، وابحث عن أخ كبير تستشيره، فهو ذو خبرة سابقة تنفعك، وائتلف مجموعة من الإخوة الأقران يكونون عوناً لك على طاعة الله ورسوله، فتكونون " كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " [الفتح/٢٩] ١١ - لا تمنن تستكثر اعلم ـ أخي ـ رزقني الله وإياك الإخلاص في القول والعمل، والسر والجهر، أنَّ التحدث بالعمل لا تخلو من آفات، فإمَّا أن يكون إظهار العمل للرياء والفخر والسمعة فيحبط عملك أو تحسد. فالإيمان يتعرض للحسد فتحصل الانتكاسة، فاكتم عملك، وأسرَّ بقرباتك، ولا تحدث بطاعاتك تسلم. ونصيحة أخرى: أنَّك لا تدري أي أعمالك حاز القبول، ونلت به الرضا، فمهما كثر عملك فلتكن على وجل خوفَ الرد وعدم القبول، أو حَذر الحسد، وإفساد الأحوال، ولا تفتر فتهلك، نعوذ بالله من تكدير الصافي، ونسأل الله السلامة والمسامحة.

стр. 302

المنهج أولاً: القرآن الكريم قال بعض السلف: كل ما شغلك عن القرآن فهو شؤم عليك. اعلم أنَّ القرآن العظيم كلام الله تعالى من أكبر عوامل التثبيت على الإيمان. قال رسول الله ﷺ : " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة " (١). وتلاوة القرآن من أفضل القربات قال رسول الله ﷺ : " اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه " (٢). وقال ابن مسعود ﵁ (إن الله أنزل هذا القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً) ولذلك اجتهد في تلاوة القرآن ليلك ونهارك.

стр. 303

وهاك منهجك في تلاوته: ١ - التلاوة أهم من الحفظ، والجمع بينهما هو المتحتم لمن يريد التربية. ٢ - ختم المصحف كل جمعة هو هدي السلف رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك بأن تتعود أن تقرأ جزءًا من القرآن كل صلاة فريضة، إما قبلها، وإما بعدها، أو يتم قسمته ما بين الصلاتين، تبدأ من عصر الجمعة، وتنتهي عصر الخميس من كل أسبوع، ولليلة الجمعة وظائفها. إن لم تستطع فعلى الأقل جزأين كل يوم في الصباح جزء وفي المساء مثله، أدنى الأحوال أن تقرأ جزءاً كل يوم فلك كل شهر ختمة وهذا فعل ضعيف الهمة فلا تدم عليه وإنما زد وردك بالتدرج لتختم كل أسبوع. ٣ - عند التلاوة اجتهد في التدبر وذلك يحصل بالآتي:- أ- حضور القلب عند التلاوة وتفريغه من الشواغل بقدر الإمكان. ب- استشعار أن القرآن كلام الله العظيم فاخشع. ج- اجمع أهلك على التلاوة معك حتى ولو في بعض ما تتلو وتدارس معهم القرآن. د - الأمر يحتاج إلى صبر فليس من أول مرة يحصل لك الخشوع فلا تعجل واصبر ولا تجزع

стр. 304

هـ - مصحف يشتمل على معاني الكلمات على الأقل فتنظر فيما تريد فهمه. و- لابد من حفظ القرآن فهو من فروض الكفايات ولذلك طرق منها: * تعلم القرآن على يد شيخ متقن ولو بالأجر فالقرآن أغلى. * استشر أهل الخبرة في كيفية حفظ القرآن وطالع بعض الكتب المهمة في ... ذلك. * لابد من التسميع اليومي لزوجتك أو أحد أولادك ولا تتكبر عن ذلك ومن التسميع الأسبوعي أو نصف أسبوعي للشيخ. ثانياً: الصلاة ١ - الفرائض: أأصلح صلاة الفريضة أولاً بالحرص على صلاة الجماعة في المسجد. قال رسول الله ﷺ : " من صلى لله أربعين يوماً في جماعة لا تفوته تكبيرة الإحرام كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق " (١). حاول تحقيق هذا الحديث وكلما فاتتك تكبيرة الإحرام فابدأ الأربعين مرة أخرى من الأول.

стр. 305

ب- احرص على الوضوء والوصول إلى المسجد مبكراً فإنه مهم لصلاح القلب. ج- احرص على الصف الأول خلف الإمام فإنه أدعى للخشوع وحضور القلب. د- اطرد الشواغل وفرغ قلبك واستشعر حلاوة الإيمان واجعل الصلاة قرة عين لك. هـ- أذكار الصلاة مهمة تدبرها وابحث عن معانيها وافهم ما تقول واستحضر معنى ما تدعو به و- تدبر ما تتلو من القرآن في الصلاة فإنه أدعى لحضور القلب واجعل قراءتك من المحفوظ الجديد ولا تصل بالعادة بسور محددة تكررها في كل صلاة. ٢ - النوافل: - قال الله في الحديث القدسي " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " (١) ١ - استحضر هذا الحديث عن صلاة النوافل لتطلب بها حب الله حتى يعطيك ما تسأل ويعيذك مما تكره.

стр. 306

٢ - النوافل حريم الفرض فمن فرط في السنن أوشك أن يفرط في الفريضة ومن حافظ على السنن كانت الفرائض في حماية فأحط فريضتك بسنن تحميها. ٣ - النوافل تتمم الفرائض الناقصة قال رسول الله ﷺ : " من صلى عليَّ صلاة لم يتمها زيد عليها من سبحاته حتى تتم " (١) فأتمم النواقص بنوافل كثيرة يتم الله لك. ٤ - السنن الراتبة لا تفرط في شيء منها أبداً قال رسول الله ﷺ : " من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُني له بيت في الجنة، أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر " (٢) ٥ - صلاة التطوع كثيرة فأكثر ما استطعت فقد قال الله تعالى " واسجد واقترب " (العلق ١٩) فكلما سجدت أكثر كان قربك من الله أكثر وصرت عن الدنايا أعلى

стр. 307

قال رسول الله ﷺ : " عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة " (١) وهاك بعض المستحبات: ثمان ركعات ضحى: قال رسول الله ﷺ : " من صلَّى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعاً كتب من العابدين، ومن صلى ستاً كفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانياً كتبه الله من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة " (٢) أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها: قال رسول الله ﷺ : " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار " (٣) أربع ركعات قبل العصر: قال رسول الله ﷺ : " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " (٤).

стр. 308

ركعتين قبل المغرب وركعتين قبل العشاء: قال رسول الله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة قالها ثلاثا قال في الثالثة: لمن شاء " (١) ٣ - القيام: وما أدراك ما القيام، إن لقيام الليل أسرار. إنه إعداد للرجال .. إنه يثبت القلوب على الحق ويزيدها قوة إلى قوتها، إنه سر فلاح العبد، يبعد عن الخطايا والذنوب ويزيد الإيمان، يلحق العبد بالصالحين، ويبلغه مرتبة القانتين المحسنين يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة لغرفا، يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها. فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل ... والنَّاس نيام " (٢) وقال ﷺ : " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم " (٣)

стр. 309

وهاك طريقة التدرج في القيام: *- ركعتين على الأقل في جوف الليل وليس الطول شرطاً لهما ولابد من القراءة من المحفوظ من القرآن. *- في اليوم الثاني مباشرة لا تتكاسل ولا تفرط اجعلها أربعاً واجتهد في التدبر لتشعر بحلاوة الإيمان. *- وبعد أسبوع اجعلها ستاً ثم ثمانية غير الوتر. *- ابدأ بعد ذلك بتطويل الركعات حتى ولو بالقراءة من المصحف. *- استشعر حال قيام الليل الأنس بالله والخلوة معه سبحانه. *- لعدم الملال المسبب للترك لا تجعل صلاتك على وتيرة واحدة كل ليلة: فليلة أوتر بخمس، وليلة أخرى أوتر بثلاث، وليلة أوتر بسبع، وليلة طول القيام مع عدد ركعات أقل، وليلة لطول السجود، وليلة لتكثير الركعات وتخفيف الصلاة ... .وهكذا *- إذا فاتك القيام بالليل اقضه بالنهار. ٤ - الصيام: أصيام الاثنين والخميس والثلاثة أيام البيض من كل شهر مدرجة لخير الصيام.

стр. 310

ب- إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك ففي الصيام احفظ لسانك وليكثر ذكرك لله وليظهر على سمتك الخشوع والوقار والإخبات وإياك والمعاصي فيفسد الصيام. ج احرص على السحور متأخراً وعجل الإفطار. د- احرص على أن يصوم معك أهل البيت وشجعهم على ذلك واجتمعوا على الإفطار والسحور. هـ- احرص على إفطار الصائم: ادع غيرك إلى الصيام وفطر الصائمين. و- استشعر المعاني الإيمانية أثناء الصيام من إقامة حاكمية الله على النفس الأمارة بالسوء فتعود أمة مأمورة غير آمرة ومطيعة غير مطاعة، وأيضا استشعار ذل الفقر والحاجة والضعف والفاقة، وأيضاً استشعار نعمة الله في المطعم والمشرب. ٥ - الاعتكاف: مع ضجيج الحياة وكثرة صخبها مع المادية القاتلة التي تطحن الناس بين رحاتها مع ضرورة الاختلاط بالناس يتكدر القلب ويتعكر صفو النفس فنحتاج إلى هدوء وراحة فلابد لها من عزلة وخلوة ولذلك يلزمك أخي طالب التربية إلى اعتكاف يومي فأخذ لنفسك الأنسب لحالك ولا تفرط: إما بين المغرب والعشاء يومياً وإما بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس كل يوم

стр. 311

وفي هذا الاعتكاف اليومي لابد لك من أمور: ١ - استصحب النية أولاً وارج ثواب الله. ٢ - ذكر الله هو الأصل في هذه الجلسة واستشعر أن جليسك الله، قال تعالى في الحديث القدسي: " أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه " (١) فاجلس بالرغبة والرهبة. ٣ - من آداب هذه الجلسة: ألا تلتفت، ولا تنشغل بغير ذكر الله، وليتعود النَّاس منك ذلك، ألا تكلم أحداً، ولا تسلم على أحدٍ، ولا تشارك في شيء، بل هذه خلوتك. وقد يكون هذا الاعتكاف في مسجد لا يعرفك فيه أحد، أو إذا تعذر الأمر فاجعل لك خلوة في بيتك ساعات كل يوم، حيث لا يراك أحد، ولا يشغلك شيء. ٤ - المحاسبة اليومية من أهم أعمال هذه الخلوة، فالزم نفسك المحاسبة، والتزم بالكلمات الخمس: *- المشارطة: أن تشترط على نفسك صبيحة كل يوم أن تسلمها رأس المال وهو العمر (٢٤ ساعة)، والأدوات: وهي القلب والجوارح، وتشترط عليها أن تضمن لك بذلك الجنة بالأعمال الصالحة آخر النهار.

стр. 312

*- المراقبة: أن تراقب نفسك طيلة اليوم، فإنَّ همَّت بمعصية ذكَّرْتَها بالمشارطة، وإن توانت عن طاعة زجرتها بالمشارطة. *- المحاسبة: أن تستعرض شريط يومك نهاية كل يوم، وبالورقة والقلم يتم حساب الخسائر والأرباح، ومعرفة مصير المشاركة مع النفس. *- المعاتبة: أن يحصل عتاب على التقصير. *- المعاقبة: أن يتم العقاب على الذنوب والغفلة، فتعاقب نفسك بحرمانها من بعض شهواتها، وإلزامها بزيادة قرباتها، بذلك تنجو من شرها، وتقودها سالمة إلى ربها، والله المستعان. اعتياد هذا الاعتكاف بهذا البرنامج يومياً يؤدي إلى تلافي الأخطاء، وإصلاح الأحوال فاصبر، والزم تلتزم. ٦ - الذكر. قال الله تعالى: " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم " [آل عمران/١٩١] وقال جل وعلا: " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب " [الرعد/٢٨]

стр. 313

وقال رجل لرسول الله ﷺ : " دلني على عمل أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله " (١). وفي الكلمات الخمس التي أمر الله بها يحيى بن زكريا ﵉ أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن: " وآمركم أن تذكروا الله، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله " (٢). الذكر نجاه، ذكر الله بركة، ذكر الله هداية، ذكر الله نعمة ونعيم، وقرة عين، وأنس روح، وسعادة نفس، وقوة قلب، نعم ذكر الله روح وريحان، وجنة نعيم. - عوِّد لسانك: رب اغفر لي فإنَّ لله ساعات لا يرد فيها سائلاً. - الأذكار الموظفة في اليوم والليلة افرضها على نفسك فرضاً، وعاقب نفسك على التفريط في شيء منها، وهي أذكار دخول البيت والخروج منه، وكذا المسجد وكذا الخلاء، وأذكار الطعام والشراب واللباس، والوضوء والصلاة والنوم والجماع، وأذكار الصباح والمساء. - احمل في جيبك المصحف، وكتاب حصن المسلم، ولا تفرط فيهما أبداً.

стр. 314

- احفظ الأذكار، وراجعها دائماً على الكتاب، واسأل عن معناها، وافهم ما تقول. - كثرة الصلاة على النَّبي ﷺ بلا عدد محصور تزيل الهمّ. - كثرة الاستغفار تزيد القوة. - الباقيات الصالحات: " سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله " خير ثواباً وخير أملاً. - التهليل قول: " لا إله إلا الله " حصن حصين من الشيطان، والحوقلة قول: ... " لا حول ولا قوة إلا بالله " كنز من كنوز العرش. - سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ثقيلتان في الميزان. عموماً قال الله تعالى: " فاذكروني أذكركم " [البقرة/١٥٢] فاذكر الله يذكرك، ولا تنْسه فينساك. عبودية المال المال فتنة، قال رسول الله ﷺ : " لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال " (١) ونحن في زمن الماديات، وصراع الناس على الكماليات، وهموم الناس الدنيئة التي خرَّبت قلوبهم وعلاقتهم بربهم في زمن التعاسة

стр. 315

قال رسول الله ﷺ : " تعس عبد الدرهم والدينار " (١). في هذا الزمن الحرج يحتاج الإنسان إلى التخلص من ربقة المادية الطاغية؛ وذلك ببذل المال، قال تعالى: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " ... [الحشر/٩] وقال رسول الله ﷺ : " الصدقة برهان " (٢) أي دليل على حب صاحبها لله. فهيا ـ أخي طالب التربية ـ لتربي نفسك على الزهد في الدنيا: *- ألا يكون للدنيا أي قيمة في قلبك، فهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فلا تفرح بإقبالها، ولا تحزن على إدبارها، ولتستوِ عندك الحالتان؛ لأنك عبد للمعطي المانع قال تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور " [الحديد/٢٣] قيل للإمام أحمد بن حنبل: الرجل يملك ألف دينار ويكون زهداً!! قال: نعم. قيل: كيف؟! قال: إذا لم يفرح إذا زادت، ولم يحزن إذا نقصت.

стр. 316

المنهج في طلب العلوم الشرعية أيها المتفقه .. كثير من طلبة العلم يخبط خبط عشواء بسبب افتقاده للمنهجية في التعلم، فهو لا يعرف ماذا يدرس؟ بماذا يبدأ؟ ما هي الكتب التي عليه أن يقتنيها؟ والأمر سهل ميسور ـ بإذن الله تعالى ـ فإنَّ سلفنا الصالح قد قيدوا في ترتيب العلوم مصنفات لبيان هذه المسالة. ولابد أن تعرف قواعد السير حتى لا يتعثر جوادك: أولا: العلم كثير، والعمر قصير، فلا تشتغل بمفضول عن فاضل، ولا تتعدَّ. ثانيًا: خذ من كل علم بطرفه بادئ الأمر ثمَّ ترقَّ في الدرجات. ثالثًا: علومنا كلٌ واحد فلا تركن لجانب دون الآخر. رابعًا: علومنا منها علوم وسائل، ومنها علوم ثمرات، فابدأ بالبذر، واصبر في زمان السقي، وارتقب حصول الثمرة لتحصدها. خامسًا: لابد من المنهجية والمرحلية، فلكل علم ثلاث مراتب: اقتصار، واقتصاد، واستقصاء. فهن ثلاث: للمبتدئ، والمتوسط، والمنتهي.

стр. 317

ولا يجوز بحال أنْ تأخذ ما جُعل لمن هو أرقى منك درجة، وإلا بنيت من غير أسس صحيحة، وتلك آفة التَّسرع والعجلة، فلا تعجلْ. سادسًا: قدِّم فروض الأعيان على فروض الكفايات على المندوبات، وإياك ومكروه ناهيك عن حرام. (١) سابعًا: لابد من متابعٍ دليل يأخذ بيدك، يبصِّرك بمفاتيح العلوم، ومداخل الكتب، لتنأى عن شبهة " تصحيف " أو " تحريف "، ولابد أنْ يكون دليلك سلفي المنهج لتتربى بعيدًا عن التأويلات الباطلة والآراء الشاذة المنكرة. ثامنًا: لكل علم وفن مصطلحاته، ولا مشاحة في الاصطلاح، فاحرص على اقتناء معاجم المصطلحات، واجعل لكل علم دفترًا عندك، ودوِّن فيه كل مصطلح جديد. تاسعًا: لا يمر بك يوم دون تحصيل، فوقتك رأس مالك، والعلماء أبخل النَّاس بزمانهم الوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع

стр. 318

عاشرًا: الكتاب خير جليس، وأفضل أنيس، فلا تقرا قراءة الغافل، بل حادثه وحاوره، لا تكن كالإسفنجة تتشرب كل شيء، بل كن كالقارورة المصمتة، تبصر من وراء حجاب. الجدول العلمي في كل فن تنبيهات: ١) ما يذكر من الكتب ليس ملزمًا فقد يكون هناك كتابًا آخر على نفس المستوى والشاكلة، فاستنصح من خبير بالفن ليدلك. ٢) عليك باقتناء الطبعات المحققة لاسيما لأئمة المحققين كالشيخ / أحمد شاكر، والشيخ / الألباني، والشيخ/ محمود شاكر ـ رحمهما الله ـ والأستاذ / عبد السلام هارون، ومحمد أبو الفضل إبراهيم وغيرهم فاستبصر. أولاً: القرآن الكريم . - حفظه. قال أهل العلم: أول العلم حفظ القرآن. فلابد أن يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن الكريم كاملاً، نعم حفظ القرآن فرض كفاية على الجملة، لكنَّا نقول بتعينه على طلبة العلم

стр. 319

الملتزمين في عصرنا، فإذا تقاعس هؤلاء فمن يسد الثغرة ويكفَّ عن الأمة؟ ١) ومن أقرب الوسائل لذلك إدمان التلاوة، واستغلال الأوقات المباركة كالسحر والبكور، والتزام طبعة واحدة من المصحف لترتسم في مخيلتك صورة تتابع الآيات في الصفحة، ودوام المراجعة في أداء نوافل الصلاة والقيام والسير في الطرقات، وغض البصر فإنَّه من أكثر المعينات لحفظ العلوم كافة. ٢) تأدب بآداب حفظ القرآن، واقتنِ في ذلك، " التبيان في آداب حملة القرآن " للإمام النووي ﵀ ٣) استثمر سني الحفظ الذهبية (حتى الثالثة والعشرين من عمرك)، ومن فاتته فلا ييأس، فالموفق من وفقه الله تعالى، واستعن بالله ولا تعجز تنبيه من الكتب النافعة في مسألة حفظ القرآن. القواعد الذهبية في حفظ القرآن الكريم ... للشيخ /عبد الرحمن عبد الخالق. عون الرحمن في حفظ القرآن ... للشيخ / أبو ذر القلموني.

стр. 320

- أحكام التلاوة والتجويد . لابد من المشافهة في تعلم هذا العلم. اتقن قراءة من القراءات كحفص عن عاصم، ابدأ: بمتن تحفة الأطفال فاحفظها ومن شروحه: فتح الأقفال شرح متن تحفة الأطفال ... للناظم سليمان الجمزوري. (١) بغية الكمال شرح تحفة الأطفال ... الشيخ / أسامة عبد الوهاب. ثنِّ: بحفظ متن الجزرية. ومن شروحه " فتح المريد في علم التجويد " عبد الحميد يوسف منصور. وانتهِ: بهداية القاري إلى تجويد كلام الباري ... للشيخ عبد الفتاح السيد عجمي المرصفي - علوم القرآن ابدأ بـ: لمحات في علوم القرآن. ... محمد الصباغ. مباحث في علوم القرآن ... صبحي الصالح أو مناع القطان. ثنَّ بـ: التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن ... طاهر الجزائري.
следующие страницы →