ترون.
وعن الإمام الشافعي ﵁ قال: رأيت على باب مالك دوآباً من فراس خراسان جاءته هدية مني إليك، وقيل: من مصر ما رأيت أحسن منها، فقلت له: ما أحسن هذه الدوآب فقال: هي هدية مني إليك دع لنفسك منها دآبة تركبها، فقال: إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله ﷺ بحافر دآبة حملت به أمه ثلاث سنوات، وكان يمنع من الصلاة بعد العصر فدخل يوماً الجامع فقال له: قم فاركع ركعتين، فقام وصلى، فقيل له: كيف خالفت مذهبك؟ فقال: خشيت أن أكون من الذين قيل لهم: اركعوا ولا يركعون، وكان نقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل.
ولما حضرته الوفاة تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائة بالمدينة، عن خمس وثمانين سنة، ودفن بالبقيع وهو أحد الائمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة المشهورة.
وثانيهم إمام الأئمة الإمام الشافعي اسمه: محمد بن إدريس، أخبر عنه النبي ﷺ : «عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً» (١)
، كما قاله العلماء من المتقدمين وغيرهم لأنه
стр. 107
لم يكن في الأئمة قريشي قبل الشافعي، ولم يتصف بهذه الصفة أحد قبله ولا بعده فهو العالم المبعوث في رأس المائة الثانية.
المشار إليه في حديث أبي داود «ويبعث الله على كل رأس مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» (١) فإنه مات سنه أربع بعد مائتين.
وكان ﵁ يختم القرآن في كل يوم مرة، وكان يختم في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة وكان بقول: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وخالفها في قلبه فقد
стр. 108
كذب، وكان يقول أيضاً: ما حلفت بالله في عمري لا كذاباً ولا صادقاً.
وسئل مرة عن مسألة فسكت، فقيل له: لم لا تجب؟ فقال: حتى أعلم الفضل في السكوت أم في الجواب.
وأما سخاؤه فقد روى الحميدي أن الشافعي ﵁ خرج إلى اليمن في بعض أشغاله ثم انصرف إلى مكة ومعه عشرة آلاف درهم، فضرب خيمته خارج مكة فكان الناس يأتونه، فما راح من مكانه حتى فرقها جميعها، وخرج يوماً من الحمام وقد أتى بمال كثير فدفعه إلى الحمامي.
وسقط سوط من يده وهو راكب فرفعه إليه إنسان فأعطاه خمسين دينار.
وكان عفيفاً عن اللغو والكلام الفاحش، مر يوماً برجل يسفه على رجل من أهل العلم فالتفت الشافعي فقال: نزهوا أسماعكم عن سماع الخنا كما تنزهوا ألسنتكم عن النطق به فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه لينظر إلى أحب شيء في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم، ولو ردت كلمة السفيه لشقي رادها كما يشقي قائلها.
ومن كلامه: أظلم الظالمين لنفسه الذي ارتفع جفاء أقاربه، وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف، وتكبر علي ذوي الفضل.
قال بعضهم للشافعي ثلاث كلمات لم يسبق إلى واحدة منهن قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقوله: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلى حرف منه، وقوله: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق علي يديه.
وله شعر كثير يحتوي علي حكم ومواعظ، وله أدعيه كثيرة روى عبد الله بن مروان قال: كنت أجلس في حلقة العلم عند الإمام الشافعي، وأكتب ما أفهمه منه فآتيته سَحراً، فوجدته في المسجد وهو قائم يصلي فلبثت حتى فرغ من صلاته، ثم دعا بدعوات حفظتها منه فكان من جملة ذلك: اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة، وهب لنا تصحيح المعاملة فيما بيننا وبينك على السنة، وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك، وامنن علينا بكل ما يقربنا إليك مقروناً بالعافية في الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين، قال: فلما فرغ من دعائه خرج من المسجد وخرجت خلفه فوقف ينظر إلى السماء ثم أنشد فقال:
بموقف زلي عند عزتك العظمى ... بمخفي لا نحيط به علما
بإطراق رأسي باعترافي بزلتي ... بمد يدي أسقط الجود والرحما
стр. 109
بأسمائك الحسنى التي بعض وصفها ... لعزتها تستغرق النثر والنظما
بعهد قديم من ألست بربكم ... بمن كان مجهولاً فعلمته الأسما
أذقنا شراب الأنس يا من إذا سقى ... محباً شراباً لا يضام ولا يظما
قرأ بعضهم عنده يوماً قوله تعالى ?هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ? [المراسلات: ٣٥، ٣٦] فتغير لونه واقشعر جلده واضطربت مفاصله وخر مغشياً عليه، فلما أفاق قال: أعوذ بك من مقام الكاذبين، وإعراض الغافلين، اللهم خضعت لك قلوب العارفين، وذلت لهيبتك المشتاقون، إلهي هب لي جودك بسترك، واعف عني في تقصيرى بكرمك، يا ذا الجلال والإكرام.
كان هذا خوف الشافعي مع علمه ويح للجاهلين الغافلين، أعمارهم تنهب، وآثامهم تكتب.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يعظم الشافعي ويذكره كثيراً ويثني عليه، وكانت له ابنة صالحة تقوم الليل وتقوم النهار، وتحب أخبار الصالحين الأخيار، وتود أن ترى الشافعي لتعظيم أبيها له، فاتفق مبيت الشافعي عند أحمد ففرحت البنت في ذلك طمعاً أن ترى أفعاله وتسمع، فلما كان الليل قام الإمام أحمد إلى وظيفة صلاته، وذكره والإمام الشافعي مستلق علي ظهره والبنت تراقبه إلى الفجر فقالت: لأبيها يا أبت أنت تعظم الشافعي وما رأيت في هذه الليلة منه لا صلاة ولا ذكراً ولا ورداً، فبينما هو في الحديث إذ قام الإمام الشافعي، فقال له الإمام أحمد: كيف كانت ليلتك فقال ما بت ليلة أطيب منها ولا أبرك ولا أربح، فقال: وكيف ذلك؟ قال: لأني رتبت في هذه الليلة مائة مسألة، وأنا مستلق علي ظهري كلها في منافع المسلمين ثم ودعه ومضى، فقال أحمد لابنته: هذا عمله الليلة وهو نائم أفضل من الذي عملته وأنا قائم.
كانت حركاتهم وسكناتهم لله دافعاً لهم، وأقوالهم لله وذكرهم وفكرهم في الله، فقيامهم طاعة، ونيامهم صدقة، وذكرهم تسبيح، وسكونهم فكر، وعلمهم شفاء ورحمة للأمة لا جرم أن الله ذكرهم ومنحهم ومدحهم وجعلهم أئمة الإسلام وقدوة الأنام.
وكان مولد الشافعي بغرة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن سنه خمسين ومائة وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأذن له مالك ابن أنس في الفتوى وهو ابن خمس عشرة سنة وكانت وفاته رحمة الله تعالى يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين كما تقدم، بمدينة مصر ودفن في الفسطاس، وله قبة عظيمة هناك، وأسف على موته أحمد بن حنبل، وكان لأحمد ولد يقال له: عبد الله
стр. 110
قال لأبيه يوماً يا أبت أراك تكثر الثناء والمدح للإمام الشافعي وتكثر الدعاء، أي رجل كان الشافعي؟ فقال: يا بني إن الشافعي كالشمس للنهار، كالعافية للناس، فانظر هل لهذين خلف أو عنهما عوض.
عن تلميذه الربيع (١) قال رأيت الشافعي في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع بك قال: أجلسني على كرسي من ذهب وتبر على لؤلؤ الرطب ﵀.
وثالث الأئمة أرباب المذاهب: الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وأرضاه، وكان إمام أهل زمانه علماً وعملاً وورعاً.
قال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وكان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ودعا إلى الخلق، القول بخلق القرآن وإمكان الرؤية فامتنع، ضرب وسجن وهو مصر على الامتناع، وزلزلت الأرض يوم ضرب.
قال الهلال بن العلاء: مُنَّ على هذه الأمة بالشافعي تفقه في حديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس.
ومن مناقبة العظيمة الجليلة ما حكاه ابن جماعة في كتاب أنس المحاضرة عن سلمه بن شيب قال كنا عند أحمد ابن حنبل فجاءه رجل فدق الباب أولاً وثانياً فقال أحمد: ادخل قال فدخل فسلم، وقال: أيكم فأشار بعضنا إليه قال: جئت من البحر من مسيرة أربعمائه فرسخ أتاني آت في منامي فقال: آت أحمد بن حنبل وسل عنه، فإنك تدل عليه، وقل له: إن الله عنك راض وملائكة سماواته عنك راضون، وملائكة الأرض عنك راضون، قال: ثم خرج فما سأله عن حديث ولا مسأله.
وسيأتي في مناقب سفيان الثوري شيء من مناقبة، وكانت وفاته سنة إحدي وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة.
قرأ على الإمام الشافعي كان إذا ركب الشافعي يمشي معه في ركابه أدباً، وكان كل منهما يزور الآخر فأنشد الشافعي في هذا المعنى:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت لفضائل ما تعدت منزله
إن زارني أو زرته فبفضله ... فلفضله فالفضل في الحالين له
ورابعهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵁ وكان من التابعين فإنه رأى أنس هكذا قيل، لكن قال ابن حجر في التهذيب: لم يثبت أنه رأى أحداً من الصحابة، وهو فقيه العراق، وإمام أهل الرأي قال فيه مالك: رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن
стр. 111
يجعلها ذهباً بحجته.
وقال ابن المبارك: ما رأيت رجلاً في الفقه مثله.
وقال الثوري: هو أفقه أهل الأرض.
وقال أبو نعيم: هو صاحب غوص في المسائل.
وقال الشافعي: الناس عيال علي أبي حنيفة في الفقه.
وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة، وكان يسمع بكاؤه في الليل حتى ترحمه الجيران.
وطلبه ابن هبيرة ليالي القضاء فأبى، فضربه مائه سوط وعشرة أسواط في كل يوم سبعين ألف مرة.
ومن مناقبة: أن امرأة جاءته وهو في الدرس فألقت له تفاحة نصفها أحمر ونصفها أصفر فأخذها وكسرها، وأعادها إليها ففهمت المرأة الجواب، فسئل عن ذلك فقال: قالت إنها ترى الحمرة والصفر فمتى اغتسل؟ فقلت لها: حتى ترى الطهر الأبيض كباطن التفاحة.
ونقل ابن جماعة في كتاب أنس المحاضرة عن علي بن ميمون قال: سمعنا الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائراً، فإذا عرضت له صليت ركعتين، وجئت إلى قبره وسألت الله الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضي.
وكانت وفاته سنه إحدي وخمسين ومائة وهو ابن تسعين سنة وهو وأحمد بن حنبل مدفونان ببغداد فهؤلاء الأربعة الأعلام أئمة الإسلام، اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة.
قال بعض الصالحين رأيت في المنام أني دخلت الجنة فرأيت في وسطها عموداً من نور، ورأيت أربعة يجرونه بأربعة سلاسل وهو ثابت لا يتغير من مكانه، فقلت: يا لله العجب، وهؤلاء من جهة واحدة لكان أسهل عليهم، فسألت بعض الملائكة عن ذلك فقال: هذا العمود هو دين الإسلام وهؤلاء الأربعة الذين يجرون هم أئمة الإسلام الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك ﵃، فاتفاقهم حجة قاطعة وقولهم حق، واختلافهم رحمة للمسلمين.
هذه والله صفات العلماء الذين تبكي على فقدهم الأرض والسماء، فهم العلماء الزهاد، وأهل الإخلاص والسداد، حنت إليهم القلوب، وانقادت إليهم النفوس، وزلت لهم الصعاب، وخضعت لهم الرؤوس، فهم في الأقطار كالأقمار والشموس، لا جرم
стр. 112
صار ذكرهم مكتوباً باقي القرون، وأما من تصنع بالرياء، وعمل لأجل الدنيا، وغرته أمانيه، ويشتهي أن يمدح بما ليس فيه، فذلك من أهل الأذهان المعكوسة، والأفكار المولوسة، نشد بعضهم في الأربعة فقال:
فالشافعي له علوم نشرت ... بين الورى وله ثناء يعبق
ولمالك نشرت علوم مالها ... حد كبحر زاخر يتدفق
ولأحمد تعزى العلوم لأنه ... يروي في الحديث وصدقه يتحقق
وأبو حنيفة سابق فلأجل ذا ... وآثاره وعلومه لا تستبق
فهم الأئمة خصهم رب العلى ... بالفضل منه فثناؤهم لا يلحق
قوله: «عن هشام بن عروة عن أبيه» أما هشام فهو تابعي، ولد سنة إحدى وستين وتوفي ببغداد في ولاية المنصور سنة ست أربعين ومائة، وأما أبوه عروة فهو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويله بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي المدني التابعي الجليل، المجمع على إمامته، وتوثيقه ووفور علمه، وهو أحد فقهاء المدنية السبعة، وهم سعيد بن المسيب (١) ، وعروة بن الزبير (٢) ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٣)
، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ (٤) ، وسليمان بن يسار (٥) ، وخارجه بن زيد بن ثابت (٦) ، وأبو بكر بن عبد الحارث بن هشام (٧) ، وقد جمعهم بعض الفضلاء فقال:
ألا إن من لا يقتدي بأئمة فقسمته ... ضيزي عن الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عروة وقاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
فائدة: قال شيخ الإسلام كمال الدين الدميرى: من الفوائد المستغربه ما أخبرني به بعض أهل الخير أن أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة المشرفة إذا كتبت في رقعة وجعلت في القمح لا يسوس ما دامت الرقعة فيه.
قال: وأفاداني بعض أهل الخير والتحقيق أن أسماءهم إذا كتبت وعلقت على الرأس، وذكرت عليها أزالت الصداع العارض لها.
وأم عروة هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجمع عروة الشرف من وجوه فرسول الله ﷺ صهره، وأبو بكر جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة خالته.
وقيل: كان عروة بحراً لا يدركه الدلاء.
وقال ولده هشام: صام أبي الدهر وما مات إلا وهو صائم.
стр. 113
ومن فضائله: أنه وقع له واقعة ومحنة عجيبة فلقاها بالصبر والرضا، وذلك أنه وقعت له أكلة في رجله فأمر الطبيب بقطعها فقال له: لا فعل لأن هذا شرفني الله به بل أصبر، فلما ارتفعت إلى الساق قيل له: إن ارتفعت إلى الركبة قتلتك، فأجاب إليه قطعها خوفاً من الله لئلا يكون قتل نفسه، فقال له الطبيب: اشرب دواء حتى لا تحس بالألم، فقال: لا امنع نفسي أجراً ساقه الله لي، فقيل لو أمسكك بعض أولادك، فقال: الرضا بقضاء الله يمنعني من ذلك فقطعها الطبيب، وهو يهلل ويكبر فلما رأى قدمه مع الطبيب خذها وقبلها، وقال: اللهم إنك تعلم أني ما مشيت في معصيتك، ثم بعد ساعة قيل له: أعظم الله أجرك فقال: إن كان في رجلي فقد احتسبتها عند الله، فقيل له: في ولدك فقال: اللهم إن كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحد وأبقيت لي ثلاثة.
وكان مولده سنه عشرين، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين.
قوله: «عن عائشة» هذه الصديقة بنت الصديق والحبيبة بنت الحبيب أبي بكر عثمان بن عامر عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمية.
كنيتها: «أم عبد الله» كناها رسول الله ﷺ بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير وقيل: بسقط لها (١) .
стр. 114
تزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبيل الهجرة سنتين وهي بنت ست ستين في شوال وبنى بها في المدينة بعد منصرفه من بدر في شوال أيضاً سنة ستين من الهجرة، وقيل: بعد سبعة أشهر من الهجرة، وهي بنت تسع سنين.
والأحاديث في فضلها كثيرة مشهورة وعائشة تقرأ بالهمز، وقال الزركشي وعوام المحدثين: تقرأ بياء صريحة، مأخوذة من العيش، ويقال في لغة فصحية: عيشة، وكنية أمها أم رومان بفتح الراء وضمها، واسمها: زينب، وكان لعائشة أخ يقال له: عبد الرحمن.
ولها فضائل وخصائص منها: أنها صورت لرسول الله ﷺ قبل عقده عليها، فقد ورد أن خديجة لما ماتت ﵂ اغتم النبي ﷺ فجاءه جبريل كما في الترمذي بصورتها في خرفة حرير خضراء، قال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة (١) .
وقيل: جاءه بورقة من الجنة منقوش عليها صورة عائشة، وقال يا أحمد الجبار يقرئك السلام ويقول: إني زوجتك البكر التي تشبه هذه الصورة في السماء، فتزوجها أنت في الأرض، فدعا النبي ﷺ الدلالة وقال: هل تعرفين في مكة بكر تشبه هذه الصورة، قالت: نعم بنت أبي بكر تشبه هذه الصورة، فدعا النبي ﷺ أبا بكر وقال: إن
стр. 115
لك بنتاً تسمى عائشة زوجني الله بها في السماء، وأمرك أن تزوجني بها في الأرض قال: إنها صغيرة فقال: لو لم تكن صالحة ما زوجنيها الله، فعقد النكاح ورجع أبو بكر إلى منزله وأرسل مع عائشة طبقاً من التمر وقال: قولي له: هذا الذي سأل عنه رسول الله ﷺ فلا أدري هل يصلح فأتت النبي ﷺ وأخبرته بذلك فقال يا عائشة: قبلنا ثم قبلنا.
ومنها: أنها قالت يا رسول الله أدع الله أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر فرفع يده حتى رأت بياض إبطيه وقال: «اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنباً ولا تكسب بعدها خطيئة ولا إثماً» ثم قال: «يا عائشة» قلت: إي والذي بعثك بالحق فقال: «والذي بعثني بالحق ما خصصتك بها من بين أمتي، وإنها لصلاتي في الليل والنهار، لمن مضى منهم ومن بقي إلى يوم القيامة، فأنا أدعو لهم والملائكة يؤمنون على دعائي» (١) .
ومن فضائلها كما قاله في نزهة المجالس: ما روي عن النعمان بن بشير قال: جاء أبو بكر يوماً إلى النبي ﷺ فاستأذن فأذن له في الدخول، فوجد عائشة رافعة صوتها فغضب وقال: يا بنت أم رومان ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ وأراد ضربها، فحال النبي ﷺ بينه وبينها، فلما خرج أبو بكر جعل النبي ﷺ يتراضاها ويقول: ألا ترين قد حلت بينك وبينه، ثم عاد أبو بكر فوجد النبي ﷺ يتراضاها ويضاحكها فقال
стр. 116
رسول الله: أشركاني في سلمكما، كما أشركتماني في حربكما.
ونقل النسفي أن عائشة قالت: للنبي ﷺ يوماً ما في بيتك شيء يؤكل، فغضب وخرج من البيت فأرادت مصالحته فسبقها بالخروج، فوضعت خدها على التراب وتضرعت إلى الله بالبكاء، فلما وضع النبي ﷺ رجله على باب المسجد وأراد الدخول جاء جبريل يطبق من الحلوى فقال: إن الله تعالى يقول: كان الصلح منا وطعام الصلح علينا.
وهي أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ روي لها من الأحاديث ألفاً حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة عشر وسبعين حديثاً، وانفرد مسلم بثمانية وستين، والبخاري بأربعة وخمسين.
ومما اجتمع لها من الفضائل: أنها زوج رسول الله ﷺ وبنت خليفته ﵁ وتوفي رسول الله ﷺ في بيتها ورأسه في صدرها، وجمع الله بين ريقه وريقها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو في فراشها بخلاف غيرها، وخلقت طيبة ووعدت مغفرة، ولم يتزوج النبي ﷺ بكراً غيرها، وكان ﷺ يقيم لها ليلتين وليلة سوده بنت زمعه لأنها وهبتها ليلتها لما كبرت، ولنسائه ليلة ليلة، وكان يدور علي نسائه ويختم بعائشة.
ومن فضائلها: أن الله أنزل برأتها من السماء لما تكلم في حقها أهل الإفك وقذفوها حيث قال ?إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ....? إلى آخر الآيات العشرة [النور: ١١-٢٠] ، وقذفها بعد نزول برأتها كفر، لأنه مكذب للقرآن.
ورد في بعض الأخبار عن ابن عباس أنه قال: لم يكن لنبي امرأة زانية.
وقال عروة: كانت عائشة أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالشعر.
وقال أبو موسى الأشعري (١) : ما أشكل علينا من حديث رسول الله ﷺ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً، واستقلت بالفتوى زمن أبي بكر وعثمان فمن بعدهم.
وماتت ﵂ في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين، وهي بنت ست وستين سنة، ودفنت بالبقيع ليلاً وصلى عليها أبو هريرة ﵁ أقامت في صحبة النبي ﷺ ثمانية أعوام وخمسة أشهر وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة.
стр. 117
ونقل شيخنا الجلال السيوطي في الخصائص: أن في معاني الآثار للطحاوي قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرماً فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، وليس لغيرها من النساء ذلك (١) .
وقول البخاري عن عائشة أم المؤمنين وصفها بأم المؤمنين مقتبس من قوله تعالى ?وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ? [الأحزاب: ٦] المراد: أن أزواج النبي ﷺ المدخول بهن وغير المدخول بهن يقال لهن: أمهات المؤمنين.
والقصد من تسميتهن بأمهات المؤمنين تحريم نكاحهن بعد رسول الله ﷺ ووجوب احترامهن وطاعتهن، كما يحرم نكاح الأمهات، ويجب احترامهن وطاعتهن، وليس المقصود من تسميتهن بذلك أنه يجوز الخلوة بهن والنظر إليهن كما يجوز النظر والخلوة إلى الأمهات، بل كان نظر الأجنبي إليهن حراماً، وخلوته بهن كذلك، وكان نكاح بناته له جائز.
والحكمة في تحريم نكاحهن بعده ﷺ على أمته حتى لا يكن يوم القيامة تحت غيره، فإن المرأة تكون مع آخر زوج لها على خلاف في ذلك سيأتي.
ويقال لهن: أمهات المؤمنين أيضاً على الراجح قاله ابن حجة.
وهل يقال لرسول الله: أبو المؤمنين كما يقال لنسائه أمهات المؤمنين؟ الأصح الجواز قال البغوي (٢) : إنه ﷺ كان أباً للرجال والنساء وأما قوله تعالى ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أحد مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ? [الأحزاب: ٤٠] فالمراد منه: ما كان أبا أحدكم لصلبه، بل كان في الحرمة قال النووي: ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا بأيهن أجداد المؤمنين، ولا لأماتهن جدات المؤمنين، ولا لأخواتهن أخوال المؤمنين ولا لأخواتهن خالات المؤمنين.
ويختلف العلماء في عدد نسائه ﷺ اللاتي دخل بهن، فقال القرطبي: جملتهن ثنتا عشرة فارقهن قبل الدخول وخطب بنساء من غير عقد عليهن، وكان له أربع سراري.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: والحكمة في كثرة أزواجه أن الأحكام التي ليست ظاهرة يطلعن عليها فينقلها للناس، وقد جاء عن عائشة في ذلك الكثير الطيب.
وزوجاته أفضل نساء العالمين، وأفضل زوجاته خديجة وعائشة واختلف العلماء فيهما ورجح جماعة من المتأخرين أن خديجة أفضل من عائشة، والذي يدل على أن
стр. 118
خديجة أفضل: أن عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها.
وهل فاطمة أفضل أم عائشة؟ قال شيخنا الجلال السيوطي تبعاً للسبكي قلنا: الصواب القطع بتفضيل فاطمة، وذهب بعضهم إلى أن عائشة أفضل لأنها يوم القيامة في الجنة مع النبي ﷺ في درجته التي هي أعلى الدرجات بخلاف فاطمة.
قال السبكي (١) : وهذا القول ساقط مردود ضعيف لا سند له من نظر ولا نقل.
وهل هي أفضل أم أمها خديجة؟ قال السبكي: الذي نختاره وندين الله به: أن فاطمة أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ قال: «فاطمة بضعه مني» (٢) ولا أعدل ببضعه رسول الله ﷺ أحداً.
وفي آخر: «فاطمة بضعه مني يربني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» (٣) .
ويدل علي تفضيلها أيضاً: أنه ﷺ لما ساورها ثانية عند موته قال لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة» .
وثبت في الصحيح أنه ﷺ قال لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» (٤) .
وهل مريم أفضل أم فاطمة؟ قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي: لم يتعرض أحد للتفضيل بين مريم وفاطمة، والذي نختاره بمقتضى الأدلة تفضيل فاطمة عليها.
فقد روى النسائي عن خديجة أن رسول الله ﷺ قال: «هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم علي، وبشرني أن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة» (٥) .
وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند صحيح لكنه مرسل «مريم خير نساء
стр. 119
عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» (١) .
وهل مريم أفضل أم خديجة؟ قال السبكي: مريم، واختلف في نبوتها، فإن كانت نبية فهي أفضل، وإن لم تكن فالأقرب أنها أفضل أيضاً، لذكرها بالقرآن، وشهادته بصديقتها.
وأفاد شيخنا العلامة الجلال السيوطي: أن علم الدين العراقي قال: إن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق، ونقل عن مالك أنه قال: لا أفضل على بضعة من النبي ﷺ أحد، وأفضل نسائه بعدها خديجة وعائشة وزينب كما قاله الشيخ برهان الدين الحلبي.
لكن ظاهر الكلام السبكي أن حفصة أفضل بعد عائشة فإنه قال بعد ذكره فاطمة وخديجة وعائشة، وأما بقية الأزواج فلا يبلغن هذه المرتبة، وان كن خير نساء هذه الأمة بعد هؤلاء الثلاثة، وهن متقاربات في الفضل، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله، لكن نعلم بحفصة بنت عمر من الفضائل تعتبر فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة.
стр. 120
المجلس السابع
في الكلام علي الحديث الذي سأله الحارث بن هشام لرسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي (١)
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوحي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَىَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» .
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (٢) .
стр. 121
قوله: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أم الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وعن أبيها وعن جدها أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ» هذا هو أخو أبي جهل عدو الله لأبويه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدراً كافراً، وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه وأعطاه النبي ﷺ يوم حنين مائة من الإبل.
وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، وكان لأبي جهل أربعة أخوة الحارث المذكور هنا، وسلمة وخالد والعاص وكلهم أسلموا علي الصحيح، وكذلك أمهم أسلمت واسمها: سلمى وهي صحابية، وكذلك بنت أبي جهل أسلمت صحابية، إلا الشقي الخاسر والعنيد الكافر أبا جهل لعنه الله فإنه لم يسلم، وقد آذى رسول الله ﷺ كثيراً بالغاً مع شهد منه من المعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة.
ومما اتفق له مع رسول الله ﷺ كما قاله الماوردي في أعلام النبوة: «أن قريشاً كانوا مجتمعين مرة فكان بعضهم يحث بعضهم على قتله ويقول لهم: الموت لكم خير من الحياة إن بقي محمد، وكان بعضهم يقول: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل لعنه الله: هل محمد إلا رجلاً واحدًا أليس فيكم من يزهد في الحياة ويقتله ويريح قومه فقالوا: من فعل هذا ساد بيننا؟ فقال: أبو جهل أفعل هذا وليس محمد بأقوى رجل منا، وإذا جاء أقوم إليه بحجر فأشدخ رأسه فإن قتلته فقد أرحت قومي منه، وإن أبقيت فذلك الذي أبقي، فخرجوا على هذه النية، ففي اليوم الثاني اجتمعوا في الحطيم فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: قد جاء فتقدم ﷺ إلى الركن وقام يصلي، فنظروا إليه وهو يطيل الركوع والسجود، فقام أبو جهل وقال: الآن أريحكم منه فأخذ مهراساً أي: حجراً عظيماً ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت إليه ولا يهابه وهو يراه، فلما دنا ارتعد وأرسل الحجر على رجله فرجع وقد هرست أصابعه وهو يرتعد ورسول الله ﷺ ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه وقد غشي عليه ساعة، فلما أفاق قال له أصحابه ما الذي أصابك؟ قال: لما دنوت منه أقبل عليَّ فحل واقف علي رأسه، فاتح فاه، فحمل عليَّ وصك أسنانه فلم أتمالك وأنا أرى
стр. 122
محمد محجوباً» .
وسنذكر أخباره ونذكر في أي غزوة قتل ومن قتله في مجلس آتى إن شاء الله تعالى.
قوله: «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوحي؟» قال العلماء: يحتمل أن يكون سؤاله عن صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون سؤاله عن صفة حامله، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك.
وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز عقلي، ويسمى المجاز في الإسناد وأصله: كيف يأتيك حامل الوحي فأسند الإتيان إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول، وإما استعارة بالكناية أي: شبه الوحي برجل مثلاً وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص المشبه به، فحاصل السؤال على أي كفيه ينزل عليك جبريل بالقرآن.
فقال رسول الله ﷺ في الجواب «أَحْيَانًا» جمع حين، وهو الوقت يطلق علي الكثير والقليل حتى على الحظة (١) .
стр. 123
والنبي ﷺ لما سأله الحارث عن كيفية نزول جبريل عليه بالقرآن فقال: «يأتيني جبريل بالقرآن وله صوت مثل صلصلة الجرس» أي: له صوت متدارك أي: متوال كتوالي صوت الجرس.
قيل: الحكمة في ذلك أن يتقرب سمعه ﷺ ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه، وكان جبريل ينزل على النبي ﷺ على هذه الحالة أشد وأصعب من الحالات عليه ﷺ ، فإن جميع حالات نزوله على النبي ﷺ كانت شديدة صعبة عليه (١) .
стр. 124
«وهو أشده عليَّ» فإنه كان يغشاه عند نزوله عليه كرب (١) ، وذلك لما يلقى عليه من القرآن قال تعالى ?إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً? [لمزمل: ٥] فكان نزوله
стр. 125
على هذه الحالة أشد الحالات عليه، ويدل عليه أنه كان عند نزول جبريل عليه في شدة البرد تصبب منه العرق، ويسيل منه كما قالت عائشة «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليفصد عرقاً» (١) .
وجاء أنه كان يعتريه حالة كحالة المحموم، وجاء في رواية عن عائشة «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يقطر رأسه ويتربد وجهه ويجد برداً في ثناياه، ويعرق حتى ينزل منه مثل الجمان» (٢) .
стр. 126
والحكمة في ذلك ليختبر صبره ويحسن تأديبه، لاحتمال ما يكلف به من أعباء النبوة.
وهذا الصوت هو كصوت الجرس يحتمل أن يكون صوت جبريل بالوحي أو أن يكون صوت أجنحته.
و «الجرس» بفتح الراء والسين والعامة «جرص» بالصاد.
فإن قيل: كيف شبه النبي ﷺ صوت جبريل بصوت الجرس مع أن صوت جبريل محمود وصوت الجرس مذموم منهي عنه، فقد روينا في صحيح مسلم «إن الملائكة لا تصحب رفقة فيها كلب أو جرس» (١) ، وفيه «الجرس مزامير الشيطان» (٢)
، والمحمود لا يشبه المذموم، ويلزم منه أن يفعل الملك من مثله الملائكة؟
فالجواب: أن المقصود تشبيه صوت شديد بصورة شديد على وجه خاص ولا يلزم في التشبيه تساوي المشبه والمشبه به في الصفات كلها، بل يكفي اشتراكها في صفة ما.
والحاصل: أن صوت الجرس له جهتان جهة قوة وجهة طرب، فمن حيث القوة وقع التشبيه، ومن حيث الطرب وقع النهي عنه والتنفير منه، وعلل بكونه مزمار الشيطان.
فإن قيل: لأي شيء كانت هذه الحالة أشد الحالات عليه وأصعبها؟
стр. 127
فالجواب: أن الفهم من كلام جبريل وصوته مثل صلصله الجرس، أشكل من الفهم من كلامه وهو على صورة رجل يخاطبه ويعلمه كما يعلم الإنسان غيره، بيان ذلك أنه ﷺ كان ملكياً بشرياً فتارة يأتيه جبريل على صورة الملك، فينسلخ ﷺ عن وصف البشرية ويتصف بصفة الملك بأن يغلب عليه الروحانية، وإنما يقع له ذلك لأجل المناسبة، فإن العادة جرت بالمناسبة بين القائل السامع، وتارة يأتيه الوحي على صفة رجل، ويتصف بصفة الرجل البشر ولا شك أن انسلاخه من طور البشر أشد عليه من بقائه عليه.
وفي صحيح مسلم «كان إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فإذا أتلي عنه رفع رأسه» (١) .
وورد في حديث «إنه كان يسمع عنده لما ينزل عليه جبريل دوي كدوي النحل» (٢) .
وروى أحمد والحاكم والترمذي من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة ثم سري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا» ثم قال: «لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، أي: من عمل بهن ولم يخالف ما فيهن» ثم قال: ?قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ? [المؤمنون: ١، ٢] قال الحاكم: صحيح الاسناد (٣) .
стр. 128
وقوله «فيفصم عني» فيه ثلاث روايات الأولى: «فيفصم» بفتح الياء وكسر الصاد.
الثانية: «فيفصم» بضم الياء وفتح الصاد.
الثالثة: فيفصم بضم الياء وكسر الصاد، ومعنى الروايتين الأولتين، مأخوذة من الفصم وهو القطع قال تعالى ?لاَ انفِصَامَ لَهَا? [البقرة: ٢٥٦] أي: لا انقطاع لها، ويقال: الفصم الصدع أو الشق من غير إبانة، والمعنى: أن جبريل كان إذا نزل علي بالقرآن وله صوت كصوت الجرس فيفصم أي: فيفارقني على نية أن يعود إليَّ ولا يفارقني إلا وقد وعيت أي: حفظت وجمعت عنه جميع ما قاله لي.
وأما الرواية الثالثة: فهي من أفصم المطر إذا أقلع.
قوله: «وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول» الألف واللام في الملك للعهد، والمراد به جبريل، أي: وأوقاتاً يتمثل لي جبريل في صورة رجل، وفي هذا دليل على أن الملائكة تتشكل بشكل البشر لها قوة على التشكل بأي شكل أراد، فقد قال أكثر العلماء: إنها أجسام لطيفة هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة (١) .
وفي «جبريل» تسع لغات قرئ ببعضها، أفصحها «جبريل» ومعناه بالعربية: عبد
стр. 129
الله، فإن «الجبر» هو و «إيل» هو الله، ومعنى ميكائيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد العزيز.
وههنا سؤالان مشهوران:
الأول: لما كان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة رجل فهيئته التي خلق الله عليها، ماذا يفعل بها؟
أجيب عن هذا السؤال بأجوبة:
الأول: يحتمل أن الله تعالى الزائد من خلقه حتى صار في صورة رجل ثم خلقه بعد تبليغ الوحي للنبي ﷺ ، ويحتمل أنه لا يفنيه ويعدمه بل يزيله عنه ويدخره له حتى يبلغ الوحي، ثم يعيده إليه بعد التبليغ قاله إمام الحرمين.
الجواب الثاني: يجوز أن يكون إتيان جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإن بلغ الوحي عاد إلى هيئته ومثال ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منفعاً فإن بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم يتغير قاله البلقيني الكبير.
الجواب الثالث: قال شيخ الإسلام ابن حجر: والحق إن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً، ولكن معناه أنه ظهر بصورة الرجل تأنيساً لمن يخاطبه والظاهر أن القدر الزائد يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط والله اعلم.
السؤال الثاني: أبداه الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: ما إن كان لقي جبريل النبي ﷺ في صورة رجل فأين تكون روحه، فإن كان في الجسد العظيم الذي خلقه الله عليه فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذه التي في صورة رجل فهل يموت الجسد العظيم الذي خلقه الله عليه أم يبقى خالياً من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد الذي يشبه صورة رجل، ويبقى جسده العظيم حياً لا ينقص من معارفه شيء.
قال: وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً بل بعادة أجراها الله في بني آدم فلا يلزم في غيرهم، وإذا قلنا: بأن الذي أتى هو جبريل ظهرت في صورة تأنيساً للمخاطب، والله أخفى الزائد من خلقه على الرائي فقط سقط السؤال الثاني والله اعلم (١) .
وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانت تسأل رسول الله ﷺ عن كثير من المعاني، وكان ﷺ يجمعهم ويعلمهم وكانت طائفة تسأل أخرى تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى كمل الله دينه والحمد لله.
стр. 130
فائدة: ظاهر هذا الحديث يقضي أن الوحي ينقسم إلى قسمين أن يأتيه جبريل في مثل صلصلة الجرس، الثاني: أن يأتيه في صورة رجل.
وقال القاضي عياض (١) : إنه يقسم إلى ثلاثة أقسام، وقال السهيلي: أنه ينقسم إلى سبعة أقسام:
الأول: وحي المنام.
الثاني: أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس.
الثالث: وحي تلق بالقلب وهو أن ينفث في روعه الكلام، ويدل عليه ما ورد «إن روح القدس نفث في روعي» (٢)
أي: في نفسي، قيل: كان هذا حال داود ﵊.
الرابع: أن يتمثل له الملك رجلاً، وقد كان كثيراً ما يأتيه في صورة دحيه الكلبي الصحابي (٣) .
стр. 131
لطيفة: قال في كتاب زهرة العلوم: ومن اللطائف ما روي أن جبريل كان عند النبي ﷺ في صورة دحيه الكلبي، فتعلق به الحسن والحسين ﵃ فقال: يا محمد هل عرفاني فقال النبي ﷺ لا وإنما يفعلان ذلك لأن الرجل الذي تأتيني فيه صورته، يحمل إليهما الفواكه فجاء جبريل برمانة فأكلاها ولو سقطت حبة منها لشفت أهل الأرض، ولكن الله جعلها رزقاً لهما.
الخامس: أن يترائى جبريل في صورته التي خلقها الله تعالى له ستمائه جناح ينتشر منهما اللؤلؤ والياقوت.
فائدة: قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي في الخصائص كان ﷺ يسمع خفيق أجنحة وهو بعيد في سدرة المنتهى، ويشم رائحته إذا توجه إليه بالوحي.
السادس: أن يكلمه من وراء حجاب، إما في اليقظة كسماع نبينا ﷺ الكلام من الله بلا واسطة ليلة الإسراء، وكسماع موسى بن عمران كما دل عليه نص القرآن أو في النوم كما جاء في الحديث «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى ... الحديث» (١) .
السابع: وحي إسرافيل كما جاء عن الشعبي أن النبي ﷺ وكل به إسرافيل فكان يترائى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكل به جبريل (٢) .
стр. 132
وهذه المسألة مختلف فيها وهي أنه وكل بنبينا إسرافيل قبل جبريل أم لا؟ ذهب بعضهم إلى أنه وكل به إسرافيل أولاً ثلاث سنين ثم وكل به جبريل، واستدل عليه بأثر الشعبي فهو مرسل أو معضل.
وقال شيخنا السيوطي في كتاب الإعلام: إن جبريل هو السفير بين الله وبين أنبيائه، لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة، واستدل على ذلك بدلائل منها ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة عن عائشة قالت: قال ورقة لخديجة جبريل أمين الله بينه وبين رسله (١) .
ومنها: ما في كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حيان عن ابن سابط قال في أم الكتاب: كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة، وكل به ثلاث من الملائكة، فوكل جبريل بالكتب والوحي إلى الأنبياء، ووكل أيضاً بالهلكات، إذا أراد الله أن يهلك قوماً، ووكله بالنصر عند القتال، ووكل ميكائيل بالمطر، وملك الموت بقبض الأنفس، فإذا كان يوم القيامة عارضوا بين حفظهم، وما كتب الله في أم الكتاب فيجدونه
стр. 133
سواء (١) .
ومنها ما أخرجه أبو الشيخ أيضاً عن عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم ربه (٢) .
ومنها: ما أخرجه ابن أبي زمين في كتاب السنة عن كعب قال: إذا أراد الله أن يوحي أمراً جاء اللوح المحفوظ يصفق جبهة إسرافيل فيرفع رأسه فينظر فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل فيلبيه، فيقول: أمرت بكذا أمرت بكذا، فيهبط جبريل على النبي ﷺ فيوحي إليه (٣) .
ومنها: ما أخرجه أبو الشيخ أيضاً عن أبي سنان قال: اللوح المحفوظ معلق بالعرش فإذا أراد الله أن يقضي بشيء كتب في اللوح المحفوظ فيجيىء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل فينظر فيه فإن كان إلى أهل السماء دفعه إلى ميكائيل، وإن كان إلى أهل الأرض دفعه إلى جبريل، فأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح يدعى به ترعد فرائصه فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقول: من يشهد لك فيقول: إسرافيل، فيدعى إسرافيل فترعد فرائصه، فيقال: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم، قال اللوح: الحمد لله الذي نجاني من سوء الحساب (٤) .
ومنها ما أخرجه ابن المبارك في الزهد عن حيان بن أبي جبلة يسنده قال: أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل فيقول الله له: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم ربي قد بلغت جبريل، فيدعى جبريل فيقال: هل بلغك إسرافيل عهدي، فيقول: نعم فتجلى عن إسرافيل، فيقول لجبريل: ما صنعت في عهدي؟ فيقول: يارب بلغت الرسل، فتدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهده؟ فيقولون: نعم
стр. 134
فينجلي عن جبريل ... الحديث (١) .
فعرف بمجموع هذه الآثار اختصاص جبريل من بين الملائكة بالوحي إلى الأنبياء وعرف بها أيضاً أن جبريل إنما يتلقي الوحي عن الله تعالى بواسطة إسرافيل، وإن إسرافيل إنما يتلقي عن الله بواسطة اللوح المحفوظ، فالعباد يتلقون الأحكام الشرعية وغيرها عن الرسل، والرسل عن جبريل، وجبريل عن إسرافيل، وإسرافيل عن اللوح، واللوح عن الحق .
فائدة: نقل الواحدي في تفسبره: «أن اللوح المحفوظ من درة بيضاء، ودفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابته نور الله فيه كل يوم ثلاثمائه نظرة» (٢) .
وزاد غيره: «يخلق فيها ويرزق ويحيى ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء فذلك قوله تعالى ?كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ? [الرحمن: ٢٩] » .
وذكر غيره: «أن طوله ما بين السماء والأرض سبع مرات، معلق بالعرش مكتوب فيه إلى يوم القيامة» (٣) .
فائدة أخرى: قال بعض العلماء: نزل جبريل ﵇ على آدم اثنتي عشرة مرة ونزل على إدريس أربع مرات، ونزل على نوح خمسين مرة، ونزل على إبراهيم أربعين مرة منها مرتان في صغره، ونزل على موسى أربعمائه مرة، ونزل على عيسى عشر مرات ثلاثاً في صغره وسبعاً في كبره ونزل على نبينا محمد ﷺ أربعة وعشرين مرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فائدة أخرى: أشرف الملائكة وأكرمهم أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ويدل ذلك ما أخرجه أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد أن رجلاً قال: يا رسول الله أي: الملائكة أكرم على الله؟ فقال: «جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض روح كل عبد في بر وبحر هو عزرائيل (٤) .
أما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم وجبريل أشرف الملائكة لوجوه:
الأول: أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء كما وصفه الله بذلك بقوله ?نَزَلَ بِهِ
стр. 135
الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ? [الشعراء: ١٩٤] .
الثاني: أنه ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن في قوله تعالى ?قُلْ مَن كَانَ عَدُواًّ لِّجِبْرِيلَ? [البقرة: ٩٧] .
والثالث: أن الله تعالى جعله ثاني نفسه قال تعالى ?فإن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ? [التحريم: ٤] .
الرابع: سماه روح القدس كما قال تعالى في حق عيسى ?إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ? [المائدة: ١١٠] .
الخامس: أنه تعالى مدحه بصفات ستة فقال له: ?إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ? [التكوير: ١٩، ٢٠، ٢١] الوصف الأول: «رسول» فهو رسول الله إلى جميع الأنبياء، فجميع الأنبياء والرسل أمته.
الوصف الثاني: «كريم» وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء.
الوصف الثالث: «ذي قوة عند ذي العرش» وبلغ من قوته أنه قلع مدائن قوم لوط بما اتصل بها من الجبال دفعه واحدة إلى السماء وقلبها، ويشاركه غيره من الملائكة في القوة كإسرافيل، وإن بلغ من القوة أنه بنفخه واحدة منه في الصور يصعق من في السماوات والأرض، وبالنفخة الثانية يعودون أحياء، فاعرف عظيم هذه القدرة وحملة العرش العظيم، الذي السموات والأرض وما فيها بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة، ومع هذه يحمله ثمانية كما نطق بذلك القرآن فأي قوة أعظم من هذه القوة.
الوصف الرابع: «مكين» ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله ?فإن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ?.
الوصف الخامس: «مطاع» ووصف ذلك لأنه إمام الملائكة ومقتداهم.
الوصف السادس: «أمين» ووصف بذلك هنا، وفي آية أخرى وهي ?نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ? [الشعراء: ١٩٤] لأنه أمين الله بينه وبين رسله كما تقدم.
فائدة أخرى: في الحديث دلالة على إثبات الملائكة والرد على من أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة، وقد نقل إلينا بالتواتر عن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- بإجماعهم أثبتوا الملائكة قال ﷺ : «أطت السماء أي: صوتت وحق لها أن
стр. 136
تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفية ملك ساجد أو راكع» (١) .
واختلف العلماء في أكثر الأجناس المخلوقة عدداً فقيل: الملائكة ويدل عليه ما روي: أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في ملائكة الكرسي نذر قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش، التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها وما بينهما فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع إلا وفيه ملك ساجد وراكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة لا يعلم عددهم الله تعالى ?وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ? [المدثر: ٣١] وكلهم سامعون لا يفترون، مشتغلون بعبادته وبذكره يتسابقون في عبادته، ولا يستكبرون عنها آناء الليل ولا يسأمون، لا يعلم أجناسهم، ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عباداتهم.
وقيل: الملائكة أكثر خلق الله لما روي في المستدرك للحاكم من حديث عبد الله بن عمر «إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء الملائكة وجزءاً سائر الخلق ... الحديث» (٢) كلهم يصلون على سيدنا محمد ﷺ بنص القرآن
стр. 137
وهذا مما خصه الله بدون سائر الأنبياء والمرسلين.
وكل الله تعالى بقبره كل يوم وليلة ملائكة ينزلون إليه ويصلون عليه فقد نقل عن كعب الأحبار أنه قال: «ما من فجر إلا نزل سبعون الفاً من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا، وهبط سبعون ألف حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً يزفونه» وفي لفظ «يوقرونه» رواه البيهقي في الشعب وغيره (١) .
وقد وكل بكل آدمي عشرة ملائكة بالليل وعشرة بالنهار، واحد عن يمينه وواحد عن شماله، واثنان من بين يديه، ومن خلفه، واثنان على شفتيه، واثنان على جبينه، وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وان تكبر وضعه، والعاشر يحرسه من الحيتان تدخل يعني إذا نام.
وقيل: إن كل إنسان معه ثلاثمائة وستون ملكاً.
فائدة أخرى: سئل الحافظ العلامة ولي الدين العراقي بمكة المشرفة فقيل له: هل الملائكة خلقوا دفعة واحدة ويكون موتهم كذلك أم خلقوا شيئًا فشيئًا ويكون موتهم شيئًا فشيئًا؟
فأجاب: بأنه لم يثبت في ذلك شيء ولا يجوز الهجوم عليه بمجرد الاحتمال، ولا مجال للظن فيه.
فائدة أخرى: هل يقع نكاح بين والجن وبين الإنس والملائكة؟
قال الدميرى: أفاد بعض العلماء أن التناكح قد يقع بين الإنس والجن بدليل قوله تعالى ?وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ? [الاسراء: ٦٤] قال: فإن نساء الجن إذا عشقت رجال الإنس تتعرض لصرعهم لأجل الجماع، وكذلك رجال الجن لنساء الإنس، قال: وأما الإنس والملائكة فلا يقع بينهم نكاح لعدم الشهوة فيهم وذهب بعضهم إلى أنه يقع بدليل أن ذا القرنين كانت أمة آدمية وأبوه من الملائكة.
قال أبو الفرج بن الجوزي: خلق الله الخلق على أربعة أصناف، صنف منهم
стр. 138
ركب فيه الشهوة دون العقل وهي البهائم والأنعام، وصنف ركب فيهم العقل والشهوة وهم بنو آدم وذريته، وصنف ركب فيهم العقل دون الشهوة وهم الملائكة، وصنف لا عقل فيهم ولا شهوة وهم الجمادات.
خاتمة: قد اشتهر على ألسنة الناس أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي ﷺ قال العلامة شيخنا الشيخ جلال الدين السيوطي -رحمه الله تعالى-: وهذا شيء لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما أخرجه الطبراني الكبير عن ميمونة بنت سعد قالت: يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال لها: «أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإني أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل» (١)
فهذا الحديث يدل على أن جبريل ينزل إلى الأرض، ويحضر موت كل مؤمن حضره الموت وهو على الطهارة.
ثم قال وقفت على حديث نزول جبريل إلى الأرض وهو ما أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن والطبراني من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ في وصف الدجال قال: «فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقولوا: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرم رسول الله ﷺ » (٢) .
قال: ثم رأيت في قوله تعالى ?تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ... ? [القدر: ٤] الآية عن الضحاك أن الروح هنا جبريل، وأنه ينزل هو الملائكة في ليلة القدر، ويسلمون على المسلمين، وذلك في كل سنة.
فعلم من هذه الأخبار أن جبريل نزل إلى الأرض بعد موت نبينا ﷺ ، وما اشتهر بين
стр. 139
الناس من أنه حرم على نفسه نزول الأرض بعد موت نبينا ﷺ فهو باطل، وعلم من هذه الأخبار أيضاً أنه يحضر عند موت كل مؤمن دنا أجله إذا كان على طهارة، وينزل عند خروج الدجال ويمنعه من الدخول إلى المدينة الشريفة، وينزل كل سنة ليلة القدر والله أعلم بالصواب.
* * *
بكير القرشي المخزومي المصري، ولد سنة أربع وخمسين ومائة، وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وبكير مصغر البكر (١) .
قال «حدثنا الليث» هذا هو أبو الحارث الليث بن سعد عبد الرحمن الفهمي المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين، ولد بقرقشنده على نحو أربع فراسخ من مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، واتفق العلماء على إمامته وبراعته وجلالته وحفظه وإتقانه وفضله وورعه وعبادته، وغير ذلك من المحاسن والمكارم، ووصفه الشافعي بكثره الفقه إلا أنه ضيعه أصحابه، ولم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنه، ففات الناس معظم علمه، قال يحيى بن بكير: كان الليث أفقه من مالك، ولكن كان الخطوة لمالك ورأيت من رأيت فما رأيت مثل الليث، كان عربي اللسان، حسن القراءة، ويحفظ الحديث والقرآن والشعر، حسن المذاكرة، وما زال يعدد خصالاً حميدة جميلة حتى عقد عشرة.
وقال الإمام أحمد عنه: كان كثير العلم صحيح الحديث ما في هؤلاء المصريين أثبت منه ولا أصح حديثاً منه.
وقال ابن سعد: استقل بالفتوى في زمانه.
وكان ثرياً نبيلاً سخياً، ومناقبة جمة قال الشافعي: وما ندمت على أحد ما ندمت على الليث، وكان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط لعدم إمساكها حتى يجول عليها الحول، ولما قدم المدينة أهدى له مالك من ظرفها فبعث إليه ألف دينار.
وقال بعضهم: إن جماعة من أصحاب الليث وقفوا على باب الإمام مالك ﵁ فامتنع من الخروج إليهم فقال بعضهم: هذا ليس ببشر صاحبنا فسمعه الإمام فخرج إليهم وقال: من صاحبكم؟ قال: الليث بن سعد، قال: أتشبهوني برجل كتبنا إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب أولادنا فأرسل إلينا شيئاً صبغنا به ثياب أولادنا وثياب جيراننا وثيابنا، والفاضل بعناه بألف دينار.
стр. 142
ومن الغرائب الدالة على سعة كرمة ﵁ ما نقل عن منصور بن عمار وكان واعظاً عظيماً بالحجاز مشهوراً قال: دخلت إلى مصر في أيام الليث، ووعظت في الجامع، وكان إذا تكلم أحد في مصر واعظاً نفاه فلما وعظت سمع بي، فأرسل في طلبي، وقال لي الرسول: أجب الليث، فآتيته خائفاً منه، فقال: أنت الواعظ؟ قلت: نعم، قال: أعد علينا كلامك، فتكلمت فبكى ثم قال: ما اسمك؟ قلت: منصور، فأعطاني ألف دينار، وقال: صن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولك في كل سنة مثلها فتكلمت في الجامع في الجمعة الثانية أرسل في طلبي، وقال: أعد علينا ما قلت، فتكلمت فبكى بكاء كثيراً ثم قال: انظر ما تحت الوسادة فرأيت خمسمائة دينار، فلما كان في الجمعة الثالثة آتيته مودعاً قاصداً بيت الله الحرام، فقال: انظر ما تحت الوسادة فرأيت ثلثمائة دينار، ثم قال: يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور فأتت بأربعين ثوباً فقلت: يرحمك الله أنا يكفيني ثوبان فقال: أنت رجل كريم فيصبحك قوم فأعطهم، ثم قال: خذ الجارية أيضاً ومعها ألف دينار ولا تخبر ولدي فيراه قليلاً ﵁.
وكانت وفاته في شعبان سنة خمسين وسبعين ومائة، وقبره بمصر يزار وعليه من الجلالة والبهاء ما هو لاق به، وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه.
«عن عقيل» بضم العين المهملة وفتح القاف، هذا هو عقيل الحافظ بن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة والياء المثناة التحتانية القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان الحافظ.
«عن ابن شهاب» هذا هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي الزهري، المدني، سكن الشام، وهو تابعي صغير كذا في شرح ابن الملقن، وفي الكرماني هو تابعي كبير، سمع عشرة من الصحابة بل أكثر سمع أنساً وخلقاً من الصحابة، وسعيد بن المسيب وخلقاً من كبار التابعين ورأى ابن عمرو، وروى عنه، وصح عنه أنه قال: «ما استودعت حفظي شيئاً فخانتي» ، وصح عنه أيضاً أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة» كما قاله البخاري في التاريخ.
قال الليث: ما رأيت عالماً أجمع من الزهري ولا أكثر علماً منه.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أتقن للحديث من الزهري، وما رأيت أحداً الدنيار والدرهم أهون عنده، إن كانت الدراهم والدنانير عند بمنزلة البعر.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة، والعلماء
стр. 143
متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه، وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين.
وكانت وفاته بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنين وسبعين سنة وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها: «شغب وبدا» لينال من المارين بقربة، ولله القائل:
بقارعة الطريق جعلت قبري ... لأحظى بالترحم من صديقي
فيا مولى أنت أولى ... برحمة من يموت على الطريق
«عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين» ﵄، وعن أبويها وجديها «أنها قالت أول ما بدئ رسول الله ﷺ من الوحي (١) الرؤيا الصالحة (٢) في النوم (٣) ، فكان لا يرى إلا وجاءت في مثل فلق الصبح (٤) »
قال الإمام النووي: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم تدرك زمان وقوع هذه القصة فروتها إما سماعاً من النبي ﷺ أو من صحابي آخر.
قال الطيبي (٥) : والظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ لقولها قال: «فأخذني فغطني» ، ومرسل الصحابة حجة عند جميع العلماء، إلا ما انفرد به أبو إسحاق الإسفرايني.
قول عائشة «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم» تصريح منها بأن رؤيا النبي ﷺ من جملة أقسام الوحي، وهذا متفق عليه، وإنما بُدئ ﷺ بالوحي في المنام قبل جميع أقسام الوحي السبعة ليكون تمهيداً وتوطئه بمجيىء الملك إليه في اليقظة بالوحي لئلا يأتيه بصريح النبوة بغتة، فهذا لا يتحمله القوى البشرية.
стр. 144
وكانت مدة وحي المنام كما قاله البيهقي ستة أشهر.
قال ابن حجر: على هذا فابتداء النبوة بالرؤيا من شهر مولده، وهو ربيع الأول، وابتداء الوحي يقظة وقع في رمضان.
فائدة لغوية: «الرؤيا» مصدر الوحي كالرجعى مصدر رجع، ويختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب، والرؤية بالعين.
والصالحة يجوز أن يكون صفة موضحة للرؤيا، بناءً على أن غير الصالحة لا تسمى رؤيا تسمى بالحلم، كما ورد الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، ويجوز أن يكون صفة مخصصة بناءً على أن السنة تسمى بالرؤيا قال العلماء: الرؤيا على قسمين صالحة وتسمى صادقة، وهي بشارة من الله يبشرها عبده ليحسن بها ظنه، ويكثر عليها شكره، وكاذبة وتسمى: بالحلم وبأضغاث أحلام، وهي من الشيطان يراها الإنسان ليحزنه فيسوء ظنه بربه، ويقل حظه من شكره، ولذلك أمر بالنفوذ من شره وغيره كما سيأتي ليطرده.
والرؤيا الصالحة لا تختص بالنبي ﷺ بل يشاركه غيره فيها لكن خص ﷺ بأن جميع ما كان يراه في منامه حق وصدق، ولهذا قالت عائشة «وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» وفلق: بفتح أولهما وثانيهما ضياؤه أي: جاءت مثل الوضوح والبيان.
قال الكرماني: والصحيح أنه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصبح، فأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين، والذي يدل على أن الفلق هو الصبح استعماله وحدة قال تعالى ?قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ? [الفلق: ١] ، وإنما عبرت عن صدق الرؤيا بفلق الصبح ولم تعبر بغيره: لأن شمس النبوة كان مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن تم نورها وبرهانها، وظهرت أشعتها وإلى هذا صاحب البرده أشار بقوله:
لا ينكر الوحي من رؤياه أن له ... قلباً إذا نامت العينان لم ينم
بخلاف رؤيا غيره ﷺ فإنها قد تكون صادقة، وقد تكون أضغاث أحلام.
وحقيقة الرؤيا الصالحة: أن الله يخلق في قلب النائم وفي حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربما جعل ما رآه علماً على أمور أُخر يخلقها في ثاني الحال، أو كان قد خلقها فتقع تلك، كما جعل الله الغيم علامة للمطر وصلاح الرؤيا إما باعتبار تعبيرها.
стр. 145
وقال القاضي عياض: صلاحها حسن ظاهرها أو صحتها أو فسادها، إما بسوء ظاهرها وإما بسوء تأويلها.
فائدة: ورد في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة» (١) .
وفي رواية: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» (٢) .
وفيه كثير غموض عن كثير من الناس وإيضاحه أن النبي ﷺ عاش ثلاثاً وستين سنة على الصحيح، ومدة نبوته منها ثلاث وعشرون سنة لأنه نبئ على رأس الأربعين، وكان نصف سنة يرى الوحي في المنام إلى المدة التي رآه فيها في اليقظة كانت نصف جزء من ثلاث وعشرين سنة، وذلك جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة.
لكن المشكل رواية مسلم «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣)