← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بكير القرشي المخزومي المصري، ولد سنة أربع وخمسين ومائة، وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وبكير مصغر البكر (١) . قال «حدثنا الليث» هذا هو أبو الحارث الليث بن سعد عبد الرحمن الفهمي المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين، ولد بقرقشنده على نحو أربع فراسخ من مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، واتفق العلماء على إمامته وبراعته وجلالته وحفظه وإتقانه وفضله وورعه وعبادته، وغير ذلك من المحاسن والمكارم، ووصفه الشافعي بكثره الفقه إلا أنه ضيعه أصحابه، ولم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنه، ففات الناس معظم علمه، قال يحيى بن بكير: كان الليث أفقه من مالك، ولكن كان الخطوة لمالك ورأيت من رأيت فما رأيت مثل الليث، كان عربي اللسان، حسن القراءة، ويحفظ الحديث والقرآن والشعر، حسن المذاكرة، وما زال يعدد خصالاً حميدة جميلة حتى عقد عشرة. وقال الإمام أحمد عنه: كان كثير العلم صحيح الحديث ما في هؤلاء المصريين أثبت منه ولا أصح حديثاً منه. وقال ابن سعد: استقل بالفتوى في زمانه. وكان ثرياً نبيلاً سخياً، ومناقبة جمة قال الشافعي: وما ندمت على أحد ما ندمت على الليث، وكان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط لعدم إمساكها حتى يجول عليها الحول، ولما قدم المدينة أهدى له مالك من ظرفها فبعث إليه ألف دينار. وقال بعضهم: إن جماعة من أصحاب الليث وقفوا على باب الإمام مالك ﵁ فامتنع من الخروج إليهم فقال بعضهم: هذا ليس ببشر صاحبنا فسمعه الإمام فخرج إليهم وقال: من صاحبكم؟ قال: الليث بن سعد، قال: أتشبهوني برجل كتبنا إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب أولادنا فأرسل إلينا شيئاً صبغنا به ثياب أولادنا وثياب جيراننا وثيابنا، والفاضل بعناه بألف دينار.

стр. 142

ومن الغرائب الدالة على سعة كرمة ﵁ ما نقل عن منصور بن عمار وكان واعظاً عظيماً بالحجاز مشهوراً قال: دخلت إلى مصر في أيام الليث، ووعظت في الجامع، وكان إذا تكلم أحد في مصر واعظاً نفاه فلما وعظت سمع بي، فأرسل في طلبي، وقال لي الرسول: أجب الليث، فآتيته خائفاً منه، فقال: أنت الواعظ؟ قلت: نعم، قال: أعد علينا كلامك، فتكلمت فبكى ثم قال: ما اسمك؟ قلت: منصور، فأعطاني ألف دينار، وقال: صن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولك في كل سنة مثلها فتكلمت في الجامع في الجمعة الثانية أرسل في طلبي، وقال: أعد علينا ما قلت، فتكلمت فبكى بكاء كثيراً ثم قال: انظر ما تحت الوسادة فرأيت خمسمائة دينار، فلما كان في الجمعة الثالثة آتيته مودعاً قاصداً بيت الله الحرام، فقال: انظر ما تحت الوسادة فرأيت ثلثمائة دينار، ثم قال: يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور فأتت بأربعين ثوباً فقلت: يرحمك الله أنا يكفيني ثوبان فقال: أنت رجل كريم فيصبحك قوم فأعطهم، ثم قال: خذ الجارية أيضاً ومعها ألف دينار ولا تخبر ولدي فيراه قليلاً ﵁. وكانت وفاته في شعبان سنة خمسين وسبعين ومائة، وقبره بمصر يزار وعليه من الجلالة والبهاء ما هو لاق به، وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه. «عن عقيل» بضم العين المهملة وفتح القاف، هذا هو عقيل الحافظ بن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة والياء المثناة التحتانية القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان الحافظ. «عن ابن شهاب» هذا هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي الزهري، المدني، سكن الشام، وهو تابعي صغير كذا في شرح ابن الملقن، وفي الكرماني هو تابعي كبير، سمع عشرة من الصحابة بل أكثر سمع أنساً وخلقاً من الصحابة، وسعيد بن المسيب وخلقاً من كبار التابعين ورأى ابن عمرو، وروى عنه، وصح عنه أنه قال: «ما استودعت حفظي شيئاً فخانتي» ، وصح عنه أيضاً أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة» كما قاله البخاري في التاريخ. قال الليث: ما رأيت عالماً أجمع من الزهري ولا أكثر علماً منه. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أتقن للحديث من الزهري، وما رأيت أحداً الدنيار والدرهم أهون عنده، إن كانت الدراهم والدنانير عند بمنزلة البعر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة، والعلماء

стр. 143

متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه، وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين. وكانت وفاته بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنين وسبعين سنة وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها: «شغب وبدا» لينال من المارين بقربة، ولله القائل: بقارعة الطريق جعلت قبري ... لأحظى بالترحم من صديقي فيا مولى أنت أولى ... برحمة من يموت على الطريق «عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين» ﵄، وعن أبويها وجديها «أنها قالت أول ما بدئ رسول الله ﷺ من الوحي (١) الرؤيا الصالحة (٢) في النوم (٣) ، فكان لا يرى إلا وجاءت في مثل فلق الصبح (٤) » قال الإمام النووي: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم تدرك زمان وقوع هذه القصة فروتها إما سماعاً من النبي ﷺ أو من صحابي آخر. قال الطيبي (٥) : والظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ لقولها قال: «فأخذني فغطني» ، ومرسل الصحابة حجة عند جميع العلماء، إلا ما انفرد به أبو إسحاق الإسفرايني. قول عائشة «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم» تصريح منها بأن رؤيا النبي ﷺ من جملة أقسام الوحي، وهذا متفق عليه، وإنما بُدئ ﷺ بالوحي في المنام قبل جميع أقسام الوحي السبعة ليكون تمهيداً وتوطئه بمجيىء الملك إليه في اليقظة بالوحي لئلا يأتيه بصريح النبوة بغتة، فهذا لا يتحمله القوى البشرية.

стр. 144

وكانت مدة وحي المنام كما قاله البيهقي ستة أشهر. قال ابن حجر: على هذا فابتداء النبوة بالرؤيا من شهر مولده، وهو ربيع الأول، وابتداء الوحي يقظة وقع في رمضان. فائدة لغوية: «الرؤيا» مصدر الوحي كالرجعى مصدر رجع، ويختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب، والرؤية بالعين. والصالحة يجوز أن يكون صفة موضحة للرؤيا، بناءً على أن غير الصالحة لا تسمى رؤيا تسمى بالحلم، كما ورد الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، ويجوز أن يكون صفة مخصصة بناءً على أن السنة تسمى بالرؤيا قال العلماء: الرؤيا على قسمين صالحة وتسمى صادقة، وهي بشارة من الله يبشرها عبده ليحسن بها ظنه، ويكثر عليها شكره، وكاذبة وتسمى: بالحلم وبأضغاث أحلام، وهي من الشيطان يراها الإنسان ليحزنه فيسوء ظنه بربه، ويقل حظه من شكره، ولذلك أمر بالنفوذ من شره وغيره كما سيأتي ليطرده. والرؤيا الصالحة لا تختص بالنبي ﷺ بل يشاركه غيره فيها لكن خص ﷺ بأن جميع ما كان يراه في منامه حق وصدق، ولهذا قالت عائشة «وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» وفلق: بفتح أولهما وثانيهما ضياؤه أي: جاءت مثل الوضوح والبيان. قال الكرماني: والصحيح أنه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصبح، فأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين، والذي يدل على أن الفلق هو الصبح استعماله وحدة قال تعالى ?قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ? [الفلق: ١] ، وإنما عبرت عن صدق الرؤيا بفلق الصبح ولم تعبر بغيره: لأن شمس النبوة كان مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن تم نورها وبرهانها، وظهرت أشعتها وإلى هذا صاحب البرده أشار بقوله: لا ينكر الوحي من رؤياه أن له ... قلباً إذا نامت العينان لم ينم بخلاف رؤيا غيره ﷺ فإنها قد تكون صادقة، وقد تكون أضغاث أحلام. وحقيقة الرؤيا الصالحة: أن الله يخلق في قلب النائم وفي حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربما جعل ما رآه علماً على أمور أُخر يخلقها في ثاني الحال، أو كان قد خلقها فتقع تلك، كما جعل الله الغيم علامة للمطر وصلاح الرؤيا إما باعتبار تعبيرها.

стр. 145

وقال القاضي عياض: صلاحها حسن ظاهرها أو صحتها أو فسادها، إما بسوء ظاهرها وإما بسوء تأويلها. فائدة: ورد في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة» (١) . وفي رواية: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» (٢) . وفيه كثير غموض عن كثير من الناس وإيضاحه أن النبي ﷺ عاش ثلاثاً وستين سنة على الصحيح، ومدة نبوته منها ثلاث وعشرون سنة لأنه نبئ على رأس الأربعين، وكان نصف سنة يرى الوحي في المنام إلى المدة التي رآه فيها في اليقظة كانت نصف جزء من ثلاث وعشرين سنة، وذلك جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. لكن المشكل رواية مسلم «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣)

стр. 146

فإنها لا يظهر لها وجه، وللرؤيا الصادقة شروط متى اختل شرط منها كانت أضغاث أحلام لا يصح تأويلها. منها: أن لا يكون الرائي خائفاً من شيء أو راجياً، وفي معنى الخوف والرجاء الحزن على شيء والسرور بشيء، فإذا نام من اتصف بذلك كذلك رأى في نومه ذلك الشيء بعينه. ومنها: أن لا يكون خالياً من شيء هو محتاج إليه كالجائع والعطشان يرى في نومه كأنه يأكل ويشرب. ومنها: أن لا يكون ممتلئاً من شيء فيرى كأنه يجتنبه، كالممتلئ من الطعام يرى أنه يقذفه. ومنها: أن لا يرى ما لا يكون كالمحالات وغيرها مما يعلم أنه لا يوجد، بأن يرى الله على صفة مستحيلة عليه، أو يرى نبياً يعمل عمل الفراعنة. ومنها: أن لا يكون ما رآه في النوم قد يراه في اليقظة، وإدراك حسه بعهد قريب قبل نومه، وصورته باقية في خياله فيراها بعينها في نومه. ومنها: أن لا يكون قد حدثته نفسه به في اليقظة وتفكر فيه قبل النوم بمدة قريبة. ومنها: أن لا يكون موافقاً ومناسباً لما هو عليه من تغيير المزاج، بأن تغلب عليه الحرارة من الصفراء فيراها في نومه نيراناً شمساً محرقة، أو تغلب عليه البرودة فيرى الثلوج، أو تغلب عليه الرطوبة فيرى الأمطار والمياه، أو تغلب عليه اليبوسة والسوداء فيرى الأشياء المظلمة والأهوال، فمتي اختل شرط مما ذكرنا كانت الرؤيا فاسدة لا تعبير لما ورد، وإذا وجدت هذه الشروط في رؤيا الإنسان غلب على الظن سلامة رؤياه من الفساد، وصح تعبيرها خصوصاً إذا انضم إلى ذلك كون الرائي من أهل الصدق والصلاح، فإن الظن يقوي بأنها صادقة صالحة، ففي الحديث «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً» (١) .

стр. 147

ومن علامات صدق الرؤيا من حيث الزمان كونها في الأسحار، وكونها عند اقتراب الزمان ففي الحديث «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب» (١) واقتراب الزمان هو اعتداله وقت استواء الليل والنهار، وقيل: اقتراب الزمان قرب قيام الساعة. وعن جعفر الصادق (٢) أنه قال: أصدق رؤيا النهار وقت القيلولة، لأن الحسين بن على رأى رسول الله ﷺ وهو يقول: «أتسرعون السير بكم إلى الجنة» فقال الحسين ﵁: يا أبت لا حاجة إلى الرجعة إلى دار الدنيا بعد رؤيتك، فقال ﷺ : «يا بني لابد لك من الرجعة وهي ساعة لم يكذب فيها، ثم صلى الظهر وقتل شهيداً» (٣) . ومن علامات صلاحها: أن تكون تبشيراً بالثواب على الطاعة أو تحذيراً من المعصية، وليس المراد من قولنا بأن هذه الرؤيا الصالحة أنها صالحة على سبيل القطع بل على غلبة الظن. قال ابن الصلاح: ومعلوم أن إدراك ما هو حق منها مما هو باطل، وعسر الطريق أن يظن إلا ظناً. فإن قيل: بأي شيء يرى الإنسان المنام بالروح أو بغيرها؟ فالجواب: أن مقاتلاً ذكر في تفسير قوله تعالى ?وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ? [الانعام: ٦٠] أن الإنسان له حياة وروح ونفس، فإذا نام خرجت نفسه التي يعقل بها الأشياء، ولم تفارق الجسد بل تخرج كحبل ممتد له شعاع كشعاع الشمس فيرى الرؤيا بالنفس التي خرجت منه وتبقى الحياة والروح في الجسد، فيها ينقلب ويتنفس فإذا حرك رجعت إليه أسرع من طرفه عين، فإذا رجعت أخبرت الروح القلب فيصبح فيعلم أنه رأى رؤيا صالحة فيعرف بما رأى في منامه فتحيا النفس وتحيا الروح وتخبر الروح القلب، فإذا أراد الله تعالى أن يميت هذا الرائي في المنام يمنع النفس التي خرجت منه العود إلى البدن، ويقبض الروح إليها، فيموت في منامه.

стр. 148

ونقل بعض علماء التعبير عن دانيال ﵇ أنه قال: الأرواح يعرج بها إلى السماء السابعة حتى تقف بين يدي رب العزة فيؤذن لها بالسجود، فما كان طاهراً سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصياً فلذلك، يستحب لمن أراد أن ينام، أن ينام على طهارة. فائدة: قال العلماء: وإذا كان الإنسان يقرع في منامه فليقل ما رواه ابن السني أنه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا أنه يفزع في منامه فقال له رسول الله ﷺ «إذا أويت إلى فراشك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فقالها فذهب عنه» ، وكان عبد الله بن عمرو (١) يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبهن فعقلهن عليه، نقل ذلك أبو داود وغيره (٢) . وإذا رأى في نومه ما يحب فليحمد الله تعالى وليحدث بها، وإذا رأى ما يكرهه فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فقد ورد في هذا الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله تعالى عليها وليحدث بها» ، وفي رواية (٣) «ولا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى غير ذلك مما يكره إنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا

стр. 149

يذكرها لأحد فإنها لا تضره» (١) . وينبغي إن رأى في منامه ما يكرهه أن ينفث أي: ينفخ عن يساره ثلاث مرات ويتعوذ من الشيطان، فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: رسول الله ﷺ «الرؤيا الصالحة» وفي رواية «الرؤيا الحسنة من الله والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» ، وفي رواية «فليبصق» بدل «فينفث» . قال النووي: والظاهر المراد من النفث: وهو نفخ خفيف لا ريق معه. وكذلك لمن رأى ما يكره أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه فقد روينا في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٢) . كذلك ينبغي لمن رأى ما يكره أن يقوم ويصلي ويحصل التعوذ المذكور في هذه الأحاديث بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن الأحسن أن يقول عند رؤية ما يكره: اللهم أعوذ بك من عمل الشيطان، وسيئات الأحلام كما ورد ذلك، والسنة للإنسان إذا قص عليه أحد رؤيا أن يقول له: «خيراً رأيت وخيراً يكون، وخيراً تلقى، وشرا توقى، خيراً لنا، وشراً لأعدائنا، الحمد لله رب العالمين» . وقول عائشة ﵂ «ثم حبب إليه الخلاء» (٣) أي: حبب الله له الخلوة

стр. 150

فإن الخلاء بالمد الخلوة وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين، وإنما حبب إليه الخلوة لأن فيها فراغ القلب وهي معينة على الفكر، وينقطع بها عن مألوفات البشر ويخشع قلبه، فإن البشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة فلطف الله تعالى به في بدء أمره، فحبب إليه الخلوة وقطعه عن مخالطة البشر، ليجد الوحي له متمكناً كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا وكان دخوله الخلوة بإلهام من الله تعالى لا من تلقاء نفسه، قال بعض أهل العلم: ففيه دليل على أن الإنسان إذا قصد الخلوة والانقطاع عن الناس فلابد له من إذن شيخه له في ذلك، وقد صرح بذلك العارف بالله الزاهد الكامل زين الدين أبو بكر الحراني الخراساني نفعنا الله به في وصيته لأصحابه حيث قال فيها ما معناه: من قصد سلوك طريق الأولياء وقصد الانقطاع والتبتل في الخلوة وترك الاختلاط فلا بد أن يكون ذلك بحضور الشيخ، وأمره الظاهر وأمره الباطن فإن المريد إذا صحت رابطتة مع شيخة وكان مسلماً لأوامره وإشاراته يرى شيخة في واقعته فيأمره وينهاه ويحل واقعته، ثم قال في وصيته: ولا ينبغي لمن أراد دخول الخلوة أن يقصد بدخوله أن يصير مكاشفاً أو ذا كرامة عيانية فإن من رحل على هذا القصد رأى الأشياء الباطلة في صورة الحق. ثم قال: دخل واحد من أصحابنا في خراسان الخلوة بغير إذن ولا وقت استحقاق دخولها، فجاء الشيطان إليه على صورة الخضر فقال له: أتريد أن تحصل لك العلوم الدينية فقال: نعم وكان مائلاً أن يتكلم في العلوم وأن يجري على لسانه، فقال له: افتح فاك فرمى الشيطان بزاقة في فمه، ثم بعد ذلك صنف كتاباً مشتملاً على أبواب من المعارف فلما وصل إلى الملاقاة والاجتماع بي عرض ما صنفه علي وحكى واقعته فقلت له: يا مسكين ذلك أن الشيطان جاء إليك في صورة الخضر ولعب بك وشغلك عن طاعة الله وذكره، إذهب واغتسل وتب إلى الله. والشيطان يجيىء على صورة الصالحين كثيراً ولا يقدم على التمثيل بصورة رسول الله ﷺ ولا بصورة الشيخ إذا كان الشيخ تابعاً للنبي ﷺ مأذوناً له بالإرشاد من شيخة المأذون وهكذا إلى حضرة رسول الله ﷺ .

стр. 151

ثم قالت عائشة: «فكان يخلو بغار حراء» الغار: نقب في الجبل وهو قريب من معنى الكهف، ويجمع الغار على غيران وحراء بكسر الحاء وتخفيف الراء جبل بينه وبين مكة شرفها الله تعالى نحو ثلاثة أميال عن يسارك إذا سرت إلى من شرفها الله، وفي «حراء وقباء» ست لغات المد والقصر والصرف وعدمه والتذكير والتأنيث، وقد نظم بعضهم ذلك فقال: قباء وحراء اذكروا أنثهما معاً ... ومد واقصر واصرفن وامنع الصرفا فمن صرف أراد أن اللفظ علم للمكان ونحوه، فيكون فيه االعلمية فقط، وهي وحدها لا تمنع الصرف، ومن منع الصرف أراد اللفظ علم للبقعة، فيكون فيه علتان العلمية والتأنيث، وكذا كل اسم مكان إن جعلت اللفظ علماً للبقعة أو الجهة فهو غير منصرف، وإن جعلته علماً للمكان ونحوه فهو منصرف فهي قاعدة كلية نبه عليها الكرماني وغيره. «فيتحنث فيه وهو التعبد (١) الليالي ذات العدد» مرادها أن رسول الله ﷺ حين كان يخلو بغار حراء يتحنث أي يتعبد، ويتحنث بمعنى يتعبد، وإن تعبده كان في ليال معدودة في كل سنة فضمير «وهو التعبد» راجع إلى التحنث الذي دل عليه لفظ «فيتحنث» فهو كقوله تعالى ?اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? [المائدة: ٨] فتفسير التحنث بالتعبد إما من كلام عائشة وهو الظاهر، وإما من كلام الزهري في الحديث على عادته. وحقيقة التحنث في الأصل التجنب عن الحنث أي: الإثم فكان المتعبد يلقي الإثم عن نفسه بالعبادة. والمراد بقوله: «الليالي ذوات العدد» مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة، وكانت هذه الليالي التي يعبد فيها مع أيامها إلى شهر رمضان وأيامه في كل سنة. فائدة: إنما خصص ﷺ جبل حراء بالخلوة والتعبد فيه دون غيره من جبال مكة

стр. 152

كجبل أبي قبيس مع أنه أول جبل وضعه الله على الأرض حين صارت قاله مجاهد، وكجبل شبير وغيره، لأن جبل حراء نادى رسول الله ﷺ حين صعد على جبل بمكة يقال له: شبير وكان قد طالبه الكفار فقال له شبير بلسان القال لا بلسان الحال: انزل عن ظهري فإني أخاف أن تقتل على ظهري فيعاقبني الله تعالى فقال له جبل حراء: إليَّ يا رسول الله. وقيل: خصصه بذلك لأنه يرى بيت ربه منه وهو عبادة، كما اختلفوا في عبادته ﷺ قبل النبوة. فائدة أخرى: قال البغوي في تفسيره: لما تجلى الله للجبل وصار دكاً طار منه ست أجبل وقعت ثلاثة بمكة وهي ثبير وحراء وثور، وثلاثة بالمدينة، وهي أحد وورقان ورضوي (١) . فائدة أخرى: اختلف العلماء رضوان الله عليهم في الغار بأي شيء كانت، كما اختلفوا في عبادته ﷺ قبل النبوة فقيل: كان يعبد بشريعة إبراهيم، وقيل: بشريعة موسى، وقيل: بشريعة عيسى، وقيل: بشريعة نوح، وقيل: بشريعة آدم، وقيل: بشريعة غير ذلك، والذي عليه جمع وحذاق أهل السنة أنه لم يتعبد بشرع أحد بل كان يتعبد كما قاله ابن الملقن بالتفكر قال: ولاخلاف بين أهل التحقيق أنه ﵊ قبل نبوته هو وسائر الأنبياء منشرح الصدر بالتوحيد والإيمان فانهم لا يليق بهم الشك في شيء من ذلك، ولا خلاف في عصمتهم من ذلك. وقولها «قبل أن ينزع إلى أهله» أي: كان تعبده في الغار قبل أن يحن إلى أهله

стр. 153

ويشتاق إليهم، فيرجع إليهم. وقولها «ويتزود لذلك» مرفوعاً عطفاً على فيتحنث، وذلك إما إشارة إلى الخلاء وإما إلى التعبد، أو كان ﷺ يتعبد في غار حراء، ويتزود لمدة خلوته وتعبده والتزود اتخاذ الزاد، والزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر. وقولها «ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها» أي: كان بعد الفراغ من التعبد في هذه الليالي يرجع إلى خديجة، فإذا جاء وقت الليالي يتزود لمثلها أي: يصحب معه زاد يكفيه لمثل تلك الليالي. وخديجة هي: أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية، كانت تدعي في الجاهلية بالطاهرة (١) ، وكانت أكثر قريش مالاً وأعظمهم شرفاً، وهي التي وآزرته على النبوة، وهاجرت معه وواسته بنفسها ومالها، فإن العرب كانت تتمادح بكسب المال ولاسيما قريش، وكان النبي ﷺ قبل البعثة في التجارة، وخديجة كانت تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم عليه بشيء معلوم فلما بلغها حدث رسول الله ﷺ وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج مالها تاجراً إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره. وفي سيرة ابن مغلطاى: أنها استاجرته على أربع بكرات فقبل النبي ﷺ وخرج في مالها مع غلام يقال له: ميسره، قال البرهان: وميسره هذا لا علم أحداً ذكر له إسلاماً، وكأنه توفى قبل النبوة، ولو أدرك النبوة لأسلم، فلما أرسلت ميسرة معه ﷺ قالت له: لا تعص لمحمد ﷺ أمراً حتى قدم به سوق بصرى وهي مدينة حوران من أرض الشام. فإنه ﷺ دخل أرض الشام أربع مرات: المرة الأولى: مع عمه أبي طالب وكان عمره اثنتى عشر سنة على أصح الأقوال الثلاثة فرآه بحيرا الراهب قال الذهبي في تجريده: بحيرا رأى رسول الله ﷺ قبل المبعث وآمن به ذكره ابن منده في الصحابه. واسم بحيرا «جرجيس» فلما رأى رسول الله ﷺ عرفه بصفته فأخذ بيده وقال هذا سيد العالمين هذا يبعثه الله للعالمين فقيل له: وما علمك بذلك فقال: إنكم حين أشرفتم

стр. 154

به من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي وإنا نجده في كتبنا وسأل أبا طالب أن يرده خوفاً عليه من اليهود. المرة الثانية: مع ميسره وكان عمره خمساً وعشرين سنة ويقال استاجرت معه رجلاً من قريش فلما دخلوا نزلوا تحت ظل شجرة بقرب نسطور الراهب، قال البرهان الحلبي: ولا أعلم أحداً ذكره في الصحابة بخلاف بحيرا فلما رآه نسطور قال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية: ما نزل تحتها قط إلا نبي. المرة الثالثة: ليلة الإسراء وصل إلى بيت المقدس. المرة الرابعة: إلى تبوك، فأما دمشق فإنه لم ينقل أنه دخلها ﷺ . فلما رجع النبي ﷺ من سفر تجارة خديجة إلى مكة ونظرت خديجة ما جاء به ﷺ بربح كثير فحدثها ميسره بقول الراهب. وذكر في كتاب شرف المصطفى أن النبي ﷺ لما رجع من بصرى وقرب من مكة قال له ميسرة: عجل إلى خديجة وبشرها بالربح الكثير، وكانت خديجة تصعد على سطح دارها أوقاتا لتنظر هل قدموا من السفر أم لا، فصعدت يوماً فرأت محمداً ﷺ على بعيره وعلى يمينه ملك شاهر سيفه وعلى شماله ملك شاهر سيفه والغمامة على رأسه، فلما تحققت أمره امتلأ قلبها فرحاً ورغبت في التزوج به. قال العراقي: ورغبت فخطبت محمداً فيالها من خطبة ما أسعدها، فأرسلت إليه وعرضت نفسها عليه، ثم أرسلت شيئاً ليرسله لأبيها ليرغب فيزوجه، فذكر رسول الله ﷺ ذلك لأعمامه فخرج حمزة وأبو طالب (١) ، ورؤساء الحرم إلى خويلد بن أسد

стр. 155

وخطبوها فزجها أبوها، وقيل: أخوها، وقيل: عمها، ويجمع الأقوال بأن الثلاثة حضر وزوجها أبوها على الراجح (١) فنسب الفعل إلى كل واحد منهم. وأصدقها رسول الله ﷺ اثنتي عشر أوقية ونبشاً (٢) ، وقيل: عشرين بكره (٣) ، وكان عمره حين التزوج بها خمسة وعشرين سنة على الراجح من الأقوال الستة (٤) ، وكان عمر خديجة أربعين سنة على الراجح من الأقوال (٥)

стр. 156

ومن فضائلها ما ذكره في عقائق الحقائق: أن النبي ﷺ لما تزوج خديجة كثر كلام الحساد فيها فقالوا: إن محمداً فقير قد تزوج بأغنى النساء فكيف رضيت خديجة بفقره فلما بلغها ذلك أخذتها الغيرة على محمد ﷺ أن يعير بالفقر، فأحضرت سادات الحرم، وأشهدتم أن جميع ما تملكه لمحمد، فإن رضي بفقري فذلك من كرم أصله فتعجب الناس منها، وانقلب القول فقالوا: محمد أمسى من أغنى أهل مكة وخديجة أمست من أفقر أهلها فأعجبها ذلك، وإلى ذلك أشار الله بقوله جل ذكره ?وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى? [الضحى: ٨] على قول. فقال النبي ﷺ : بم أكافئ خديجة؟ فجاءه جبريل وقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: مكافأة خديجة علينا فانتظر النبي ﷺ المكافأة فلما كان ليلة المعراج ودخل الجنة وجد قصراً مد البصر فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فقال: يا جبريل لمن هذا القصر؟ قال: لخديجة، فقال: هنيئاً لها لقد أحسن الله مكافآتها. ومن فضائلها: أن النبي ﷺ قال لخديجة: هذا جبريل يقرئك السلام من ربك فقالت: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام، إنما قالت: السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام (١) .

стр. 157

قال السهيلي في الروض: لأنها علمت بفهمها أن الله لا يرد ﵇ كما يرد على المخلوقين. وفي رواية: قال جبريل: «يا محمد هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» (١) والقصب: اللؤلؤ المجوف، والصخب: الصياح، والنصب: التعب. والحكمة في كون البيت من قصب أنها أجازت قصب السبق إلى الإيمان فإنها أول من آمن من النساء بل أول من آمن مطلقاً على قول. ومن فضائلها: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من ثناءه عليها والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم فأدركتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، فرأيته غضب غضباً شديداً فندمت وقلت: اللهم إن

стр. 158

ذهب غيظ رسولك لم أعد أذكرها بسوء، ثم قال: «صدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء» (١) . وفي رواية: فذكرها يوماً فقلت: يا رسول الله هل كانت إلا عجوز قد أخلفك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: «لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها» فقلت في نفسي: لا أذكرها بسوء أبداً (٢) . هي أم أولاده كلهم خلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها حتى ماتت، فقامت معه أربعاً وعشرين سنة وأشهراً، توفت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام عن خمس وستين سنة، ودفنت بالحجون، ونزل النبي ﷺ في قبرها. وكان يسمى العام الذي ماتت فيه هي وعمه عام الحزن، فطمعت قريش بموتها في النبي ﷺ وبالغوا في آذاه وتزوجت قبل، النبي ﷺ برجلين أولهما: عتيق بن عابد، ثم تزوجها أبو هالة (٣) ، فولدت منه هاله والظاهر وهند، فعاش هند (٤) وأدرك الإسلام

стр. 159

وكان يقول: أنا أكرم الناس أباً وأماً وأختاً أبي رسول الله ﷺ وأمي خديجة وأخي القاسم وأختي فاطمة. قال السهيلي: مات بالطاعون، طاعون البصرة (١) ، وكان قد مات في ذلك اليوم نحو من سبعين ألفاً فشغل الناس بجنائزهم عن جنازته فلم يوجد من يحملها فصاحت نادبته: واهند بن هنداه، ربيب رسول الله ﷺ فلم يبق جنازة إلا تركت واحتملت جنازته على أطراف الأصابع إعظاماً لرسول الله ﷺ . وقيل: قتل مع على يوم الجمل والأول هو الصحيح (٢) . * * *

стр. 160

المجلس التاسع في الكلام على بقية حديث أول ما بدئ رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا في النوم قول عائشة «حتى جاءه الحق (١) وهو في غار حراء» مرادها بالحق الوحي الكريم. وقولها «فجاءه الملك» أي: جبريل. فإن قيل: إن قوله له فجاءه الملك بالفاء التعقبية بعد قوله حتى جاءه الحق يقتضي مجيىء جبريل إليه بعد مجيىء الوحي مع أن جبريل هو النازل بالوحي؟ فالجواب: أن هذه الفاء تسمي بالفاء التفسيرية نحو قوله تعالى ?فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ? [البقرة: ٥٤] إذ قتل النفس التوبة وهنا مجيىء الملك إليه هو

стр. 161

عبارة عن مجيىء الوحي بالتفصيلية أيضاً لأن مجيىء الملك. وقوله «اقرأ» إلى آخر ما سيأتي تفصيل للمجمل الذي هو مجيىء الحق، والمفصل نفس المجمل، ومقصود عائشة أنه وحي المنام، وهو ستة أشهر كما تقدم، لما فرغت نزل عليه جبريل بالوحي في اليقظة، وهو في غار حراء، وكان نزوله عليه يوم الاثنين بعد مضي سبع عشر ليلة خلت من رمضان ورسول الله ﷺ أربعين سنة وستة أشهر فقال: أول ما نزل عليه جبريل نزل عليه ﷺ «اقرأ» قال: قلت له: «ما أنا بقارئ» . قال العلماء: «ما» هنا نافية واسمها «أنا» و «بقارئ» خبرها، والباء زائدة لتأكيد النفي أي: ما أحسن القراءة. قال ابن الملقن وغيره: وغلط من جعلها استفهاميه لدخول الباء في خبرها. قال النبي ﷺ «فأخذني لما قلت له: ما أنا بقارئ فغطني» أي: ضمني وعصرني «حتى بلغ مني الجهد» أي: الطاقة «ثم أوصلني» أي: أطلقني من العصر «فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني الثالثة ثم أرسلني» . والحكمة في عصر جبريل النبي ﷺ ليشغله عن الالتفات إلى شيء من أمور الدنيا ولبيالغ في أمره بإحضار قلبه لما يقول له. قيل: والحكمة في ذلك أن جبريل أراد بالعصر أن يوقفه على أن القراءة ليست من قدرته ولو أكره عليها، وكان كلما أمره بالقراءة فلم يفعل شدد عليه بالعصر لينبهه على أن القراءة ليست من قدرته ولا من طاقته ووسعه. والحكمة في عصره ثلاثاً مبالغة في التنبيه على ذلك. وقيل: الحكمة في فعل ذلك ثلاثاً الإشارة إلى أنه يبتلى بثلاث شدائد ثم يأتي الفرج، ولقي ذلك ﷺ هو وأصحابه حصل لهم شدة من الجوع في الشعب حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم ولا يصلوا إليهم، وشده أخرى من الخوف والإبعاد بالقتل، وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليهم، ثم كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين. قال العلماء: في عصر جبريل النبي ﷺ دلالة على أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم، وأن يأمره بإحضار مجامع قلبه، وأن يكرر له ما يعلمه ثلاثاً، وقد كان ﵊ إذا تكلم بكلمته أعادها ثلاثاً لتفهم عنه. وقد ورد في فضل تعليم القرآن وتعلمه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -

стр. 162

«يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه للناس، ولا تزل كذلك حتى يأتيك الموت، فإذا أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الحرام» (١) . وروي عنه ﷺ أنه قال «إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً، فيقرأ صبياً من صبيانهم في الكتاب ?الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ? [الفاتحة: ٢] فيسمع الله فيرفع عنهم العذاب أربعين سنة» (٢) . وكذلك الواعظ ينبغي له أن يحتاط في أمر الحاضرين بإحضارهم قلوبهم ليفهموا ما يلقى إليهم، واستنبط القاضي شريح (٣) من هذا الحديث أن مؤدب الأطفال لا يزيد على ضرب الصبي على التعلم على ثلاث ضربات، كما عصر جبريل النبي ﷺ ثلاثاً وفي صبر النبي ﷺ حين عصره جبريل تنبيه على أن المتعلم ينبغي له أن يتواضع لمعلمه وإن كان أصغر منه. قالوا: العلم حرب للمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي. وقال ابن عباس: ذللت طالباً ففزت مطلوباً. وقال الإمام علي كرم الله وجهه: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة، وتخصه من دونهم بالتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن قال فلان خلافاً لقوله، ولا تساور في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذ كسل، ولا تعرض أي: تشبع من طول صحبته. قال النووي قدس الله سره: ولا نعلم إلا ممن كملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهر صيانته، فقد قال السلف الصالحون: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فقال: جبريل غط النبي ﷺ ثلاث مرات ويقول له: اقرأ وهو يقول: ما أنا بقارئ في المرة الرابعة ?اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ? [العلق: ١، ٢، ٣] فقوله ?اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ? معناه: لا تقرأ القرآن بقوتك، ولا بمعرفتك، بل بحول ربك وإعانته فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى

стр. 163

صارت تكتب بالقلم يعني أنها كانت أمية. وقوله: ?خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ? فيه إذن وإعلام بأن الإنسان أشرف المخلوقات. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً قادراً مريداً حكيماً وهذه صفات الرب . وينبني على كون الإنسان أحسن المخلوقات سؤال وهو: ما لو قال شخص لزوجته: إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت طالق هل تطلق زوجته بذلك إن لم تكن أحسن من القمر أم لا؟ قال العلماء: إنها لا تطلق وإن كانت زنجية لقوله تعالى ?لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ? [التين: ٤] إذ المراد به إحكام الخلقة وكمال العقل. وقد وقعت هذه الواقعة في أيام الملك المنصور (١) لموسى بن عيسى الهاشمي كان يحب زوجته حباً شديداً فقال لها: يوماً أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه وقالت: طلقني فإن القمر أحسن مني وبات في ليلة عظيمة، فلما أصبح ذهب إلى دار المنصور فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور حزناً عظيماً إذ طلب المنصور العلماء واستفتاهم في ذلك، فقال جميع من حضر وقع عليه الطلاق، إلا واحد من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتاً فقال المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال: لا تطلق يا أمير المؤمنين لأن الله تعالى قال: ?لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ? يا أمير المؤمنين الإنسان أحسن الأشياء ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى الأمر كما قال الرجل، أقبل على زوجتك، وأرسل المنصور إلى زوجته أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقكي. وهذا الجواب ينقل عن إمامنا الشافعي ﵁ هذا إن أريد بالحسن إحكام العقل، وكما أن العقل فإن أريد به الجمال الظاهر أنها إذا كانت قبيحة الشكل تطلق، نبه عليه الأذرعي. فإن قيل: الإنسان مخلوق من علقه واحدة كما في آية أخرى من نطفة ثم من علقة فكيف قال في هذه الآية ?خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ?؟ فالجواب: أن المراد جنس الإنسان خلق من علق فهو في معنى الجمع. فإن قيل: أي: مناسبة بين الخلق العلق، والتعليم بالعلم؟ فالجواب: إن الله نبه لقوله ?الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ? [العلق: ٤، ٥] بعد قوله ?خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ? على أن أدنى مراتب

стр. 164

الإنسان كونه علقة، وأعلاها كونه عالماً، فالله امتن على الإنسان بنقله من أحسن المراتب وهي العلقة إلى أعلاها وهي العلم. فإن قيل: لأي شيء خص الإنسان بالذكر بقوله ?خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ? مع أن جميع الحيوانات مخلوقات من علق؟ فالجواب: أنه إنما خصه بالذكر ليبين قدر نعمته عليه فأعلمه أن خلقه من نطفه مهينة حتى صار بشراً سوياً وعاقلاً مميزاً. وقوله تعالى: ?عَلَّمَ بِالْقَلَمِ? قال العلماء: القلم نعمة من الله على عبادة، وهو من أشرف المخلوقات لله، ولذا أقسم به في كتابه العزيز فقال: ?ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ? [القلم: ١] . والقلم أول ما خلقه الله تعالى في الحديث عن أبي هريرة قال سمعت رسول ﷺ يقول: «أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة وذلك قوله تعالى ?ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ? ثم قال له: اكتب قال: وما اكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) . وفي الحديث «من عمل أو أجل أو رزق أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن إلى

стр. 165

يوم القيامة» (١) ففي هذا الحديث دلالة على أن القلم هو المأمور بالكتابة. قال ابن عباس: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. قال القرطبي: ويقال خلق الله القلم ثم نظر إليه فانشق نصفين فقال: اجر، فقال: يا رب بم أجرى؟ قال بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ، ووضع الله هذا القلم فوق عرشه. وهل خلق قلماً واحداً لكتابه المقادير أو أقلاماً سيأتي بيان ذلك في حديث المعراج. وفي قوله ?عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ? بعد قوله ?عَلَّمَ بِالْقَلَمِ? تنبيه على أنه كما يحصل التعلم بالقلم يحصل بتعليم الله تعالى بلا واسطة لأنه ﷺ لم يكن يكتب حتى تعلم بالقلم. ومعنى قوله ?اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ? [العلق: ٣] الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم، وينعم على عباده النعم التي تحصى، ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمته وارتكابهم المناهي، وتركهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم، فما لكرمه غاية ولا مد. وفي الحديث دليل على أن أول ما نزل من القرآن ?اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ? إلى قوله ?مَا لَمْ يَعْلَمْ? [العلق:١-٥] . وللعلماء في هذه المسألة أقوال أصحها أن أول ما نزل أوائل السورة ?اقْرَأْ? إلى قوله ?مَا لَمْ يَعْلَمْ?. وقيل: أول ما أنزل سورة الفاتحة، وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم. واختلف العلماء في آخر آية نزلت فقيل آية الربا وهي قوله تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا? [البقرة: ٢٧٨] ، وقيل: آية الدين، وقيل: ?لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ... ? إلى آخر السورة [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] ،

стр. 166

والأرجح كما قاله ابن حجر وغيره: إن آخر ما أنزل قوله تعالى ?وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ? [البقرة: ٢٨١] لما فيها من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول. وقسم العلماء القرآن باعتبار نزوله إلى مكي ومدني وسفري وحضري وليلي ونهاري، وبين الليل والنهار، وسماوي وأرضي، وإلى ما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض، وإلى صيفي وشتائي، وإلى فراشي ونومي. فأما المكي والمدني فالناس فيه اصطلاحات أشهرها المكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها سواء نزل بمكة وبالمدينة أم الفتح أو عام الوداع أم بسفر من الأسفار. ومن فوائد معرفة القلب الفرق بينهما العلم فيكون ناسخاً أو مخصصاً، قال ابن الحصار: فالمدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتى عشرة سورة، والباقي مكي باتفاق. وأما الحضري فأمثلته كثيرة. وأما السفري فقليل بالنسبة إلى الحضري، ومن أمثلته قوله تعالى ?وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ? [محمد: ١٣] ، وقيل: إن النبي ﷺ لما توجه مهاجراً إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكى فنزلت. ومن أمثلته أيضاً ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ... ? الآية [الحجرات: ١٣] نزلت بمكة يوم الفتح لما رقى بلال على ظهر الكعبة وأذن، فقال بعض الناس: هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة. وأما النهار فهو كثير نزل القرآن نهاراً. وأما الليلي فهو قليل بالنسبة إلى النهار ومن أمثلته أيضاً ?وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ? [المائدة: ٦٧] وكان النبي ﷺ يحرس في أول الأمر ليلاً حتى نزلت، وخرج رأسه من القبة فقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله، ومن أمثلته أيضاً سورة الأنعام ومريم فإنها نزلت ليلاً. وأما الذي بين الليل والنهار أي: في وقت الصبح فمن أمثلته آية التيمم في المائدة، وقوله تعالى ?لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ? [آل عمران: ١٢٨] . وأما الأرضي فكثير. وأما السماوي فمن أمثلته قوله تعالى ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ

стр. 167

وَالْمُؤْمِنُونَ ... ? [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها نزلت هذه الآية ليلة الإسراء بقاب قوسين لما انتهى إلى سدرة المنتهي. وأما ما نزل بين السماء والأرض فأربع آيات فقط في الصافات ?ومنا وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ... ? الآيات الثلاث [الصافات: ١٦٤ - ١٦٦] ، وواحدة في الزخرف ?وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا ... ? الآية [الزخرف: ٤٥] . وأما ما نزل تحت الأرض هو في الغار فسورة المرسلات كما في الصحيح عن ابن مسعود. وأما الصيفي والشتائي فمن أمثلتها آية الكلالة قال الواحدي: أنزل الله في الكلالة آيتين أحدهما في الشتاء، وهي أول النساء، والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها. وأما الفراشي فمن أمثلته ?وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ? [المائدة: ٦٧] ، وآية الثلاثة الذين خلفوا في الأرض (١) . وأما النومي فمن أمثلته سورة الكوثر فقد روى مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذا غفي إغفأة، ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل على آنفاً سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ?إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ ... ? إلى آخرها. ومن القرآن ما أنزل مرتين تعظيماً لشأنه وخوفاً من نسيانه فمن ذلك آية الروح، ومنه قوله تعالى ?وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ? [هود: ١١٤] ، وذكر قوم منهم الفاتحة وسورة سبحان. وقيل: منه قوله تعالى ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ? [الإخلاص: ١] فإنها نزلت جواباً للمشركين بمكة ونزلت بأهل الكتاب بالمدينة. ومن القرآن ما نزل آيات مفرقة وهو غالب القرآن ومنه ما نزل جمعاً أي: السورة بكمالها من غير تفريق آياتها كسورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين نزلتا معاً والمرسلات والأنعام من القرآن ما نزل مفرداً على يد جبريل فقط. ومنه ما نزل مشيعاً أي: معه ملائكة كثيرون كسورة الأنعام نزلت ومعها سبعون

стр. 168

ألف ملك كما ورد عن أنس مرفوعاً بسند ضعيف أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب قال: «نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتقديس والأرض ترتج» (١) . وكذلك سورة الكهف سبعون ألف ملك. ومن القرآن ما نزل على بعض الأنبياء كـ ?سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ? [الأعلى: ١] . فائدة: قوله تعالى ?إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا? [النساء: ٥٨] نزلت على النبي ﷺ وهو في جوف الكعبة ولم ينزل في جوف الكعبة آية سواها، كما نبه على ذلك الدميري في أول كتاب الوديعة من شرح المنهاج. ثم قالت عائشة: «فرجع بها رسول الله ﷺ » بالآيات التي علمه جبريل وهي ?اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ? إلى قوله ?مَا لَمْ يَعْلَمْ? [العلق: ١ - ٥] قاصداً بيت خديجة يرجف فؤاده أي: يخفق ويضرب فالرجف من شدة الحركة، والفؤاد هو القلب، وقيل: إنه عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب. فإن قيل: أين علمت خديجة برجفان فؤاده؟ فالجواب: إما إنها رأته حقيقة، وإما إنها لم تره وعلمته بقرائن وصورة الحال، وإما أن رسول الله ﷺ أخبرها بذلك. «فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني» أي: دثروني، وجاء في رواية أخرى: «دثروني وصبوا على ماءاً بارداً» (٢) وقال ذلك ﷺ لشدة ما لحقه من هول الأمر وشدة الضغط، ولولا ما جبل ﷺ من الشجاعة والقوة ما استطاع على تلقي ذلك لأن الأمر جليل. «فزملوه حتى ذهب عنه الروع» أي: الفزع. «فقال لخديجة وأخبرها الخبر» أي: خبر ما وقع له من مجيىء الملك وغطه وقوله له

стр. 169

اقرأ أو غير ذلك. «لقد خشيت على نفسي» أي: خفت عليها، وهو جواب قسم محذوف أي: والله لقد خشيت، وهو مقول قال، أي: قال النبي ﷺ بعد أن أخبرها بخبر ما وقع مع جبريل، لقد خشيت على نفسي. قال شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر: اختلف العلماء في مراده ﷺ بالخشية المذكورة على اثنى عشر قولاً: فقيل: خشي أن يحصل له عند رؤية جبريل وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة. وقيل: خشي من العجز على أعباء النبوة. وقيل: خشي أن يعجز عن النظر إلى الملك من الرعب. وقيل: خشي من عدم الصبر على أذي قومه. وقيل: خشي من أن يقتلوه. وقيل: خشي من مفارقة الوطن وقيل خشي من تكذيبهم إياه. وقيل: خشي من تعييرهم إياه. والراجح: كما قاله ابن حجر من الأقوال أنه خشي من الموت من شدة الرعب أو من المرض أو دوام المرض (١) . فائدة: يستفاد من كون النبي ﷺ لم يخبر خديجة إلا بعد أن ذهب عنه الفزع أن العالم في حال خوفه ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه فزعه، وكذلك القاضي ينبغي أن لا يقض في حال فزعه، ولا يرفع إليه أمر في تلك الحال حتى أن الإمام مالك ﵁ قال: إن الخائف المذعور لا يصح بيعه ولا إقراره، ولا غيره. قال: «لقد خشيت على نفسي قالت له: خديجة كلا والله ما يحزنك الله أبداً» معنى «كلا» هنا النفي والإبعاد أي: لا والله ما يخزيك الله أبداً أي: ما يفضحك ويهينك، ورواه مسلم «يحزنك» من الحزن خلاف السرور، ويجوز على هذا فتح الياء وضمها فيقال «يَحزيك ويُحزيك» ، فإنه جاء: «أحزنه وحزنه» لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع قال تعالى ?لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ? [الأنبياء: ١٠٣] من حزن ?قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ? [يوسف: ١٣] من أحزن على قراءة من قرأ بضم الياء. فائدة: الفرق بين الهم الحزن أن الحزن يكون على أمر قد وقع، كأن مات له ميت

стр. 170

فيحزن عليه، واما الهم فإنه يكون على أمر مستقل متوقع الوقوع ولم يقع. ثم قالت له خديجة: «إنك لتصل الرحم» أي: لتحسن إلى أقاربك، فيه دلالة على استجاب صلة الرحم، وهو الإحسان إلى الأقارب، فتارة تكون صلة الرحم بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيادة، وتارة بالسلام، وتارة بغير ذلك. «وتحمل الكل» أي: الثقل، والمعنى: أنك تعين الضعيف، وترفع ما عليه من الثقل. «وتكسب المعدوم» الرواية الفصيحة (١) الكثيرة المشهوه «تكسب» بفتح الياء واختلف في معناه على خمسة أقوال: فقيل: معناها وتعين المحتاج، فإن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب كالمعدوم البت، أي: تعين هذا الذي كالمعدوم لعجزه فتعينه، وقيل في معناها غير ذلك. وروي «تكسب» بضم أوله بمعنى تكسب غيرك المال المعدوم، أي: تعطيه إياه فحذف أول مفعوله، وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق العلوم وغير ذلك.

стр. 171

«وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» (١) أي: على حوادث الحق، ومعنى كلام خديجة: أنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات، فخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء، والمكارم سبب لدفع المكارة، وفي هذا دليل على جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة نظراً. وأما قوله ﵊: «احثوا في وجوه المداحين التراب» (٢) فهو محمول على المدح بباطل أو يؤديه باطل. وفيه دليل على أنه ينبغي لمن حضر عند من حصل له مخافة من شيء أن يذكر له أسباب السلامة، وأن يذكر ما فيه من الفضائل كما فعلت خديجة مع النبي ﷺ . وفيه أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيها وقوة نفسها وعظمتها، جمعت ﵂ جميع أنواع المكارم وأمهاتها. ويدل على كمال عقلها وقوة معرفتها ما ذكره ابن إسحاق أنها قالت لرسول الله ﷺ «أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبريل ﵇ فقال رسول الله ﷺ لخديجة رضى الله عنها: هذا جبريل ﵇ قد جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى قال: فقام رسول الله ﷺ فجلس عليها فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول

стр. 172

واقعد على فخذي الأيمن فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قال: فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم أثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان» (١) . وجاء في رواية أخرى: أنه لما كمل من العمر أربعون سنة قال لخديجة دعيني أتحنث، فكانت تصنع له الكعك والزبيب ثم يخرج إلى أجياد الأصغر، وقيل إلى غار حراء، فخرج يوماً فهتف به جبريل ﵇ ولم يبد له، فغشي عليه، فجاء المشركون إليها وقالوا: دونك يا خديجة قد تزوجت مجنوناً فضمته إلى صدرها ووضعت رأسه في حجرها، وقبلته بين عينيه وقالت: تزوجت نبياً مرسلاً، فلما أفاق قالت: بأبي أنت وأمي ما الذي أصابك هل رأيت شيئاً أنكرته؟ فقال: ما أصابتي إلا أني سمعت صوتاً أفزعني، ففرحت خديجة واستبشرت ثم قالت: من الغد فعد إلى الموضع الذي كنت فيه بالأمس فإن يك ملكاً فسيرجع لك، وإن يك شيطان فليس براجع، فلما كان اليوم الآخر خرج رسول الله ﷺ حتى أتى الموضع، فهتف جبريل ولم يبد له، فغشي عليه فحملوه إليها قال: وفرحت قريش بذلك وقالوا: يتخطبه الشيطان، فحملوه إليها وقالوا مثل القول الأول، فردت عليهم مثل القول الأول، فلما أفاق سألته وقالت: بأبي وأمي رأيت اليوم شيئاً فقص عليها القصة ففرحت وقالت: إذا كان من الغد فارجع فرجع من الغد إلى موضعه فبدا له جبريل في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك أنت رسولي إلى الثقلين الإنس والجن، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله، ثم قال: ألا تعرفني؟ قال: لا، قال: أنا جبريل وأنت محمد، ولا نبي بعدك، وعرج جبريل إلى السماء، وخرج رسول الله ﷺ من أجياد الأصغر وما مر بحجر أو شجر إلا وهو ينادي: السلام عليك يا رسول الله، حتى ذهب إلى خديجة وأخبرها بالكرامة التي أكرمه الله بها من الرسالة، فغشي عليها من الفرح، فنضح عليها الماء حتى أفاقت فآمنت بالله ورسوله وانشدوا في المعنى: رموا بالجنون نبي الورى ... وتاج الكرام ومزن الأوام وقالوا خديجة هذا الذي ... ملأت به قلبك المستهام

стр. 173

أصابته من بيننا غشية ... فها هو ما إن يبين الكلام فقالت لهم أنتم بالذي ... تقولون أحرى برب الأنام فخلوا حبيبي وسيروا فما ... يؤثر فيه عندي الملام فضمته شوقاً إلى صدرها ... وقالت محمد ماذا الهيام فقال لها جاءني آنفاً ... من الله جبريل يقرئ السلام علي ويخبرني أنني ... رسول الإله لهذا الأنام ألا فأسلمي تسلمي من لظى ... فإنك أولى بهذا المقام فقالت له إنني قد شهدت ... بأن الإله قديم الدوام وكان ﷺ لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه أو تكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها، فثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس. جاء في رواية: أن رسول الله ﷺ قال: خرجت أي: من الغار حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل فرفعت رأسي فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فلا أنظر في ناحية إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفاً ما تقدم أمامي ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ثم انصرف عني وانصرفت إلى أهلي، فقالت خديجة: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك، فحدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر واثبت فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة (١) . وقولها «فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة (٢) » .

стр. 174

إنما كان ورقة ابن عم خديجة لأنها: خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو: ورقة بن نوفل بن أسد، وورقة كان من علماء قريش وشعرائهم، وكان يدعى القس، وكان يعرف اللسان العربي والعبراني أي: صار نصرانياً وترك عبادة الأوثان، وفارق طريق الجاهلية. والجاهلية: المدة التي قبل نبوة رسول الله ﷺ لما كانوا عليه من فاحش الجهالات، وقيل: هو زمن من الفترة مطلقاً. «وكان أي: ورقة يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب» هكذا وقع هنا ووقع في كتاب «التصبير» وفي مسلم (١) : «وكان يكتب الكتاب العربي بالعربية» (٢) . قال النووي: وحاصلة أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابتهم، وتصرف حتى

стр. 175

صار يكتب الإنجيل إن شاء بالعربية، وإن شاء بالعبرانية. قال ابن الملقن: فيه دليل على جواز ذكر العاهة بالشخص ولا يكون ذلك غيبة. «فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك» وفي رواية «يا عم» (١) . قال الكرماني: وكلاهما صحيح فإن ورقه كان ابن عم خديجة حقيقة كما في رواية البخاري، وسمته عمها كما في رواية مسلم مجازاً للاحترام، وهذا عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بقوله له يا عم احتراماً له ورفعاً لمرتبته. وقول خديجة لورقة «اسمع من ابن أخيك» يقضي أن ورقة كان عماً لرسول الله ﷺ مع أنه ليس من أعمامه لكن أولو ذلك بأنها جعلته عماً له ﷺ احتراماً له واستعطافاً على سبيل المجاز، وقيل غير ذلك. «فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس» اتفق على أن جبريل يسمي الناموس، وعلى أنه المراد في هذا الحديث، ومعنى الناموس في اللغة: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، سمي جبريل بذلك لأنه تعالى خصه بالغيب والوحي الذي يطلع عليه غيره، وإنما قال ورقة هذا الناموس الذي أنزل الله موسى، ولم يقل على عيسى مع أنه الأقرب وورقة قد تنصر وكتب الإنجيل، لأن موسى متفق عليه على رسالته بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فإن بعض اليهود ينكرون نبوته، أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوارة

стр. 176

ويرجعون إليها (١) . ثم قال ورقة للنبي ﷺ : «ياليتني فيها» أي: في أيام نبوتك أو دعوتك أو دولتك «جذعاً» يعني شاباً فتياً قوياً حتى أبالغ في نصرتك، ويكون لي كفاية تامة لذلك. وها هنا سؤالان: أحدهما: فإن قيل: كيف أدخل حرف النداء في «يا ليتني» على حرف التمني، وحرف النداء من خواص الاسم، ويأتي السؤال في قوله تعالى ?يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا? [مريم: ٢٣] . وأجيب عنه بجوابين أحدهما: أنه محمول على حذف المنادى تقديره: يا محمد ليتني كنت فيها حياً وضعفه ابن مالك بأن القائل قد يكون وحده لا يكون معه منادي ثابت، ولا محذوف كما في الآية. ثانيهما: أن «يا» حرف تنبيه كـ «ألا» في قول من قال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.

стр. 177

السؤال الثاني: فإن قيل: كيف وقع «جذعاً» هنا منصوباً وليت عملها تنصب الاسم وترفع الخبر، وجذعاً خبرها؟ أجيب عنه بأجوبة: الأول: أنه منصوب بليت بناء على نصبها الجزئين كما في قول الشاعر: «يا ليت أيام الصبا» وهو قول الكسائي. والثاني: أنه منصوب على الحال وخبر «ليت» فيها، وهذا القول للقاضي عياض والسهيلي، وقال النووي: أنه الصحيح الذي اختاره المحققون، وقيل: محذوف تقديره: يا ليتني فيها أو موجوداً في حال فتوة. الثالث: أنه منصوب على أنه خبر كان مقدر أي: ليتني كنت فيها جزعاً، يؤيده قوله بعده: «ليتني أكون حياً» قاله الخطابي (١) ، ورد بأن كان الناقصة إنما يطرد حذفها بعد إن ولو. الرابع: ليت أتمنى فنصب الجزئين قاله الفراء، ورد بأنه راجع للأول. ثم قال ورقة للنبي ﷺ «ليتني كنت حياً إذ يخرجك قومك» استعملت «إذ» هنا موضع «إذا» للاستقبال، من باب تنزيل المستقبل المقطوع بوقوعه منزلة الماضي الواقع (٢) .

стр. 178

فلما قال ذلك قال للنبي ﷺ قال له رسول الله ﷺ «أو مخرجي هم؟» هذا استفهام إنكاري على وجه التفجع والتألم، كأنه استبعد ﷺ أن يخرجوه من حرم الله وجوار بيته، وبلدة أبيه إسماعيل من غير سبب، فإنه ﷺ لم يكن منه فيما مضى ولا فيما سيأتي سبب يقتضي إخراجاً، بل كانت منه المحاسن الظاهرات والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله بأعلى الدرجات، أنفسنا له الفداء ﷺ . فلما قال: «أو مخرجي هم (١) ؟ قال له ورقة: نعم لم يأت رجل قط مثل ما جئت به إلا عودي (٢) » يعني: أن أهل الحق لا يخلون من أهل الباطل يعادونهم ولله در القائل: إن العرانين تلقاها محسدة ......ولا ترى للئام الناس حساداً «وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» أي: إن بقيت إلى يوم انتشار نبوتك أو يوم يخرجك قومك أنصرك نصراً قوياً بليغاً. «ثم لم ينشب ورقة» أي: لم يلبث (٣) .

стр. 179

«أن توفى وفتر الوحي» أي: احتبس بعد تتابعه في النزول، وسنذكره في المجلس الآتي ببيان مدة الفترة. فائدة: قال الكرماني: فإن قلت: ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمناً بعيسى، وأما الإيمان بنبينا ﷺ فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا، ولئن ثبت أنه كان منسوخاً في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق، وقد صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه والله اعلم. وقال البرماوي: علم من هذا أي: من قوله: «يا ليتني فيها جذعاً» إلى قوله: «وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» أن ورقة آمن، لتصديقه رساله بنبينا ﷺ بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال كما قاله البلقيني، خلافاً لما قاله العراقي في سيرته من أنه ثاني من أسلم حيث قال: فهو الذي آمن بعد ثانياً ... وكان براً صادقاً مواتياً ومنع بعضهم من إيمانه وقال: إنه أدرك نبوة النبي ﷺ لا رسالته، وهذا مردود في كتب السير من أن رسول الله ﷺ لما حضر عنده قال له: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. فإن هذا يدل على إيمانه بعد رسالته، ويدل عليه أيضاً ما في المستدرك الحاكم «لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين» (١) . وفي حديث آخر «رأيته وعليه حلة خضراء يدخل في الجنة» (٢) . وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه، ومن قوله كما قاله الجوزي رحمه لله تعالى:

стр. 180

سبحان ذي العرش سبحاناً نعوذ به ... وقبل سبحه الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له ... لا ينبغي أن ينادي ملكه أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقي الإله يودي المال والولد أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد (١) وأنشد أيضاً حين أتته خديجة بالنبي ﷺ : فإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل قال ابن الملقن وغيره: اشتمل هذا الحديث على درر وفوائد: منها: أن الدراية منه ﷺ لا بسبب، لأنه ﷺ جبل على الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحضره عليه، فحبب إليه الخلوة لأنها عبادة. ومنها: أن التبتل الكلي والانقطاع الدائم ليس من السنة، فإنه ﵊ لم ينقطع بالكلية بل في شهر رمضان، ثم يرجع إلى أهله. ومنها: أن العبادة لا تكون على إعطاء الحقوق الواجبة وتوقيتها، لأنه ﷺ لم يكن يرجع إلى أهله لإعطاء حقهم، فكذا غيره من الحقوق. ومنها: أن الرجل إذا كان صالحاً لنفسه تابعاً للسنة، يرجو أن الله يؤنسه الله بالمرائي الحميدة، إذا كان في زمان مخالفة وبدع. ومنها: أن البداية ليست كالنهاية لأنه ﷺ أول ما بدئ في نبوته بالرؤيا ثم ترقى حتى جاءه الملك يقظة، ثم ما زال في الترقي حتى كان قاب قوسين أو أدني كذلك الاتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا فمن نال مقاماً فدام عليه بأدبه ترقى إلى ماهو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فنودي: هنا سُري بذات محمد السنية حيث سَرى سيرك، ولا يصل ولي أن يعرج بروحه وجسده في حال اليقظة إلى السماء، ومن ادعي ذلك فهو زنديق كافر يقتل. ومنها: أن فيه دليلاً على أن المربي أفضل من غيره. ومنها: أنه يدل على أن الأولى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، ويدل على أن
следующие страницы →