← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويرجعون إليها (١) . ثم قال ورقة للنبي ﷺ : «ياليتني فيها» أي: في أيام نبوتك أو دعوتك أو دولتك «جذعاً» يعني شاباً فتياً قوياً حتى أبالغ في نصرتك، ويكون لي كفاية تامة لذلك. وها هنا سؤالان: أحدهما: فإن قيل: كيف أدخل حرف النداء في «يا ليتني» على حرف التمني، وحرف النداء من خواص الاسم، ويأتي السؤال في قوله تعالى ?يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا? [مريم: ٢٣] . وأجيب عنه بجوابين أحدهما: أنه محمول على حذف المنادى تقديره: يا محمد ليتني كنت فيها حياً وضعفه ابن مالك بأن القائل قد يكون وحده لا يكون معه منادي ثابت، ولا محذوف كما في الآية. ثانيهما: أن «يا» حرف تنبيه كـ «ألا» في قول من قال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.

стр. 177

السؤال الثاني: فإن قيل: كيف وقع «جذعاً» هنا منصوباً وليت عملها تنصب الاسم وترفع الخبر، وجذعاً خبرها؟ أجيب عنه بأجوبة: الأول: أنه منصوب بليت بناء على نصبها الجزئين كما في قول الشاعر: «يا ليت أيام الصبا» وهو قول الكسائي. والثاني: أنه منصوب على الحال وخبر «ليت» فيها، وهذا القول للقاضي عياض والسهيلي، وقال النووي: أنه الصحيح الذي اختاره المحققون، وقيل: محذوف تقديره: يا ليتني فيها أو موجوداً في حال فتوة. الثالث: أنه منصوب على أنه خبر كان مقدر أي: ليتني كنت فيها جزعاً، يؤيده قوله بعده: «ليتني أكون حياً» قاله الخطابي (١) ، ورد بأن كان الناقصة إنما يطرد حذفها بعد إن ولو. الرابع: ليت أتمنى فنصب الجزئين قاله الفراء، ورد بأنه راجع للأول. ثم قال ورقة للنبي ﷺ «ليتني كنت حياً إذ يخرجك قومك» استعملت «إذ» هنا موضع «إذا» للاستقبال، من باب تنزيل المستقبل المقطوع بوقوعه منزلة الماضي الواقع (٢) .

стр. 178

فلما قال ذلك قال للنبي ﷺ قال له رسول الله ﷺ «أو مخرجي هم؟» هذا استفهام إنكاري على وجه التفجع والتألم، كأنه استبعد ﷺ أن يخرجوه من حرم الله وجوار بيته، وبلدة أبيه إسماعيل من غير سبب، فإنه ﷺ لم يكن منه فيما مضى ولا فيما سيأتي سبب يقتضي إخراجاً، بل كانت منه المحاسن الظاهرات والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله بأعلى الدرجات، أنفسنا له الفداء ﷺ . فلما قال: «أو مخرجي هم (١) ؟ قال له ورقة: نعم لم يأت رجل قط مثل ما جئت به إلا عودي (٢) » يعني: أن أهل الحق لا يخلون من أهل الباطل يعادونهم ولله در القائل: إن العرانين تلقاها محسدة ......ولا ترى للئام الناس حساداً «وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» أي: إن بقيت إلى يوم انتشار نبوتك أو يوم يخرجك قومك أنصرك نصراً قوياً بليغاً. «ثم لم ينشب ورقة» أي: لم يلبث (٣) .

стр. 179

«أن توفى وفتر الوحي» أي: احتبس بعد تتابعه في النزول، وسنذكره في المجلس الآتي ببيان مدة الفترة. فائدة: قال الكرماني: فإن قلت: ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمناً بعيسى، وأما الإيمان بنبينا ﷺ فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا، ولئن ثبت أنه كان منسوخاً في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق، وقد صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه والله اعلم. وقال البرماوي: علم من هذا أي: من قوله: «يا ليتني فيها جذعاً» إلى قوله: «وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» أن ورقة آمن، لتصديقه رساله بنبينا ﷺ بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال كما قاله البلقيني، خلافاً لما قاله العراقي في سيرته من أنه ثاني من أسلم حيث قال: فهو الذي آمن بعد ثانياً ... وكان براً صادقاً مواتياً ومنع بعضهم من إيمانه وقال: إنه أدرك نبوة النبي ﷺ لا رسالته، وهذا مردود في كتب السير من أن رسول الله ﷺ لما حضر عنده قال له: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. فإن هذا يدل على إيمانه بعد رسالته، ويدل عليه أيضاً ما في المستدرك الحاكم «لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين» (١) . وفي حديث آخر «رأيته وعليه حلة خضراء يدخل في الجنة» (٢) . وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه، ومن قوله كما قاله الجوزي رحمه لله تعالى:

стр. 180

سبحان ذي العرش سبحاناً نعوذ به ... وقبل سبحه الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له ... لا ينبغي أن ينادي ملكه أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقي الإله يودي المال والولد أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد (١) وأنشد أيضاً حين أتته خديجة بالنبي ﷺ : فإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل قال ابن الملقن وغيره: اشتمل هذا الحديث على درر وفوائد: منها: أن الدراية منه ﷺ لا بسبب، لأنه ﷺ جبل على الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحضره عليه، فحبب إليه الخلوة لأنها عبادة. ومنها: أن التبتل الكلي والانقطاع الدائم ليس من السنة، فإنه ﵊ لم ينقطع بالكلية بل في شهر رمضان، ثم يرجع إلى أهله. ومنها: أن العبادة لا تكون على إعطاء الحقوق الواجبة وتوقيتها، لأنه ﷺ لم يكن يرجع إلى أهله لإعطاء حقهم، فكذا غيره من الحقوق. ومنها: أن الرجل إذا كان صالحاً لنفسه تابعاً للسنة، يرجو أن الله يؤنسه الله بالمرائي الحميدة، إذا كان في زمان مخالفة وبدع. ومنها: أن البداية ليست كالنهاية لأنه ﷺ أول ما بدئ في نبوته بالرؤيا ثم ترقى حتى جاءه الملك يقظة، ثم ما زال في الترقي حتى كان قاب قوسين أو أدني كذلك الاتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا فمن نال مقاماً فدام عليه بأدبه ترقى إلى ماهو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فنودي: هنا سُري بذات محمد السنية حيث سَرى سيرك، ولا يصل ولي أن يعرج بروحه وجسده في حال اليقظة إلى السماء، ومن ادعي ذلك فهو زنديق كافر يقتل. ومنها: أن فيه دليلاً على أن المربي أفضل من غيره. ومنها: أنه يدل على أن الأولى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، ويدل على أن

стр. 181

الخلوة عون الإنسان على تعبده وصلاحه. ومنها: أن فيه دلالة على مشروعيه الزاد لدخول الخلوة إذ يحصل بسببه إظهار وصف العبودية، ويحصل بتركه العجب والادعاء، ولهذا كان بعض أهل الطريق إذا دخل لخلوته أخذ رغيفاً وألقاها تحت وسادته وواصل أياماً. حكى الكمال الدميري في «المهر» من حياة الحيوان عن أبي عبد الله محمد بن حسان البسري أنه كان إذا جاء رمضان دخل بيتاً وقال لامرأته: غلقي على الباب وألقي على كل ليلة من الكوة رغيفاً، فإذا كان يوم العيد فتحت الباب، ودخلت فوجدت الثلاتين رغيفاً في زاوية البيت، فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام ﵁. وحكي من كراماته أنه كان في غزوة في فلاة من الأرض، فمات مهرة الذي كان يركبه فقال: اللهم أعرنا إياه فقام المهر فلما وصل بيته أخذ السرج عنه فسقط ميتاً، وهو منسوب إلى بصرى قرية الشام فأبدلت الصاد سينا. وفي اتخاذ الزاد في الخلوة فائدة أخرى وهي قطع تشوف النفس وقلقها اتخاذه لينافي التوكل فقد اتخذه سيد المتوكلين ﷺ . ومنها: أن فيه دليلاً على أن الإنسان إذا خرج لتعبده أن يعلم أهله لأنه معرض للآفات. ومنها: أن فيه دلالة وإشارة إلى التسلي والصبر عند الحوادث، والوعد بالنصر كما في خلقه من علقه ثم طوره وإخرجه إلى الوجود. ومنها: أن فيه دلالة على جواز تأديب المعلم للمتعلم، وأن كتاب الله لا يؤخذ بقوة لأن جبريل ضمه ﵊ إليه لتلقي ما يلقى عليه من القرآن بقوة، قال الله تعالى ليحيى ?يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ? [مريم: ١٢] . ومنها: أن فيه دلالة لما يقول الصوفية من أن التحلي لا يكون إلا بعد التخلي فيتخلى أولاً عن القبائح والرذائل، ثم يتحلى بالخصال الحميدة. وفيه دلالة على أن التحلي قسمان: مكتسب، وفيض من الرب ﷻ ، وقد جمعا له ﵊ بالتحنث والغط، وقد يجتمعان لأفراد من أمته وقد ينفرد بعض بالكسب وبعض بالفيض، كالفضيل بن عياض وابن أدهم وكثيراً ما هم. ومنها: أنه يدل على أن الفكر أفضل الأعمال ولهذا ورد «تفكر ساعة خير من

стр. 182

عبادة سنة» (١) ، وفي رواية «من عبادة الدهر» لأن المرء إذا تفكر قوي إيمانه. ومنها: أن فيه دلالة على أن الإنسان إذا أصابه هم ينبغي له أن يحدث بذلك أهله، ومن يعتقد من أصحابه إذا كانوا أصحاب دين ونظر، وأن الإنسان إذا وقع له واقع يسأل أهل العلم والنُهى، كما عرضت خديجة ما وقع للنبي ﷺ على ورقة. ومنها: أن فيه دلاله على أنه ينبغي للإنسان أن يتمنى الخير لنفسه كما تمنى ورقة أن يكون جزعاً في أيام رسالة نبينا ﷺ . وفي الحديث فوائد كثيرة غير ذلك (٢) .

стр. 183

المجلس العاشر في بيان فتر الوحي، وفي ترجمة ابن عباس وسعيد بن جبير وغير ذلك قَالَ البُخَارِي: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرض، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ?يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ? إِلَى قَوْلِهِ ? وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ? فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ «بَوَادِرُهُ» (١) . قوله: «قال ابن شهاب» هذا هو: الزهري وقد قدمنا ترجمته.

стр. 184

«وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن» هذا هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو فرضي زهري مدني إمام جليل أحد فقهاء المدينة السبعة على قول، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وتسعين عن اثنين وتسعين سنة في خلافة الوليد. وهذا الإسناد فيه سقط من أوله، وعند علماء الحديث إذا سقط من أول الإسناد واحد وأكثر يسمى تعليقاً (١) ، والقاعدة عند البخاري ﵁ أن التعليق إذا كان صحيحاً عنده يأتي به بصيغة الجزم «قال» مثلما قال هنا «قال ابن شهاب» ، وإن كان ضعيفاً يأتي به بصيغة التمريض كقيل وروي، وصرح بذلك علماء الحديث فقالوا: إذا كان الحديث ضعيفاً لا يقال فيه، لأنه من صيغ الجزم بل يقال حكي أو قيل أو يقال بصيغة التمريض، وقد اعتنى البخاري بهذا الفرق في صحيحه فقال تارة بلفظ الجزم وأخرى بلفظ التمريض، وهذا مما يزيدك اعتقاداً في جلالته وتحققه. فقوله: «قال ابن شهاب وأخبرني» أتى «بقال» ليدل على أنه تعليق صحيح، وبالواو ليعلم أنه مبني على سند متقدم فكأنه قال: «حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني أبو سلمة» ، فيكون الأول مما حدث به ابن شهاب عن عروة، والثاني مما حدث به عن أبو سلمة. قالوا: الواو في «وأخبرني» عاطفة لما رواه شهاب عن أبي سلمة لما رواه أولاً عن عروة قال اخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا. «أن جابر بن عبد الله الانصاري» هذا هو جابر بن عبد الله الخزرجي الأنصاري المدني، وهو من كبار الصحابة، وهو أحد الستة المكثرين الرواية عن رسول الله ﷺ ، روى ألف حديث وخمسمائه حديث وأربعون حديثاً اتفقا منها على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، شهد مع رسول الله ﷺ

стр. 185

تسع عشر غزوة، وكانت وفاته بعد أن عمي بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: ثمان وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس، وكان يحفي شاربه، ويؤم قومه وهو آخر الصحابة موتاً بالمدينة. «قال: أي: جابر بن عبد الله وهو يحدث عن فترة الوحي» جملة حالية من ضمير جابر أي: قال جابر في حالة التحديث عن فترة الوحي. قال العلماء ﵃: فترة الوحي هي عبارة عن تأخر نزول القرآن عليه ﵊ مدة من الزمان، واختلف في مدة الفترة، فقال السهيلي كانت سنتين ونصف كما جاء في حديث مسند. وأفاد شيخ الإسلام ابن حجر أنه وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كان ثلاث سنين، وبه جزم بن إسحاق وقال: ليس المراد بفترة الوحي المقدر بثلاث سنين عدم مجيىء جبريل، بل المراد بها عدم نزول القرآن عليه فيها فقط. وأما جبريل فإنه كان يتراءى له في هذه المدة كما ذكره البخاري في التعبير (١) عن معمر أنه قال وفترة الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا غدا منه مراراً كي يتردى رؤس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى له جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه، حتى يرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل جعل يتراءى له جبريل فقال له مثل ذلك. وفي آخر هذا الصحيح أيضاً أنه ﵊ حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال أي: أعاليها يهم بأن يلقي نفسه فكان جبريل يتراءى له بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٢) . وإنما فتر الوحي وانقطع نزول القرآن عليه هذه المدة بعد تتابعه في النزول عليه ليذهب ما حصل له ﷺ من الخوف والفزع عند نزول جبريل عليه بالقرآن، كما أشار لذلك البخاري وهو في غار حراء ويتشوق إلى عود الوحي إليه ثم بعد مضى مدة الفترة نزل عليه جبريل بالقرآن كما أشار إلى ذلك البخاري بقوله: فقال أي: جابر بن عبد الله إن رسول الله ﷺ قال: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت

стр. 186

بصري فإذا الملك الذي جاء بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت فرجعت فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله ?يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ? [المدثر: ١ - ٥] . «فحمي الوحي وتتابع» أي: كثر نزوله بعد ذلك وازداد. قوله «وتتابع» تأكيد «لحمي» لأنه بمعناه. وفي هذا الحديث دلالة على أنه أقدر الملائكة على التشكل والتصور بصور مختلفة من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صوراً في أصل خلقهم مخصوصة بهم من بني آدم، وأن الله جعل الهواء لهم يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا وهو ممسكم في الهواء بقدرته كما أنه سبحانه يمسك السماء أن تقع على الأرض بقدرته وقول الله تعالى له ﷺ ?يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ? لاطفه في الخطاب من الكريم إلى الحبيب، إذ ناده بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل له يا محمد أو يا فلان، ليتشعر الملاطفة من ربه ونظيره قوله ﷺ لعلي لما خرج من بيته مغاضباً لفاطمة ﵂ وجاء إلى المسجد ونام فيه فسقط رداءه وأصابه ترابه فرآه رسول الله ﷺ وقد أصابه التراب فقال له ملاطفاً ومسكناً لغضبه: «قم يا أبا تراب» ، وكان أحب الأسماء إلى علي ﵁. ومعنى الآية: قم يا ذا الذي قد تدثر أي: تعطي بثيابه ونام، وأصل المدثر المتدثر، فإذا أدغمت التاء في الدال لتجانبها. ?قُمْ فَأَنذِرْ? أي: خوف أهل مكة وحذرهما العذاب إن لم يسلموا وقيل معنى أنذر: أعلمهم بنبوتك وقيل معناه: أدعهم إلى التوحيد. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم سيدك ومليكك ومصلح أمرك أي: صفه بأنه أكبر من أن تكون له صاحبة وولد. قيل لما نزلت هذه الآية قام رسول الله ﷺ فكبر فكبرت خديجة وعلمت أنه الوحي من الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ?وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ? على أقوال ثمانية: فقيل: المراد بالثياب: العمل، أي: عملك فطهر فأصلح، فإن العرب كانت تقول إذا كان الرجل خبيث العمل فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا فلان طاهر الثياب. وقيل: المراد بالثياب القلب، أي: قلبك فطهر من الإثم والمعاصي أي: فطهره من

стр. 187

الغدر أي: لا تغدر فتكون دنس الثياب. وقيل: المراد بالثياب النفس، أي: طهر نفسك من الذنوب. وقيل: المراد بها الأهل، أي: طهر أهلك من ارتكاب الخطايا بأن تعظهم وتؤدبهم، فإن الأهل يسمون بالثياب واللباس قال الله تعالى ?هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ? [البقرة: ١٨٧] . وقيل: المراد بالثياب النساء، أي: طهر نساك بأن تختار حال التزويج بهن النساء العفائف المؤمنات، وأن تستمتع بهن في الطهر لا في الحيض. وقيل: المراد بالثياب الخُلق، أي: حسن خلقك. وقيل: المراد بها الدين. وأكثر المفسرين على أن المراد بالثياب: ما يلبس على البدن. واختلفوا في تأويله على أربعة أقوال: الأول: أن المراد بالتطهير الإنقاء أي: وثيابك فأنق. الثاني: المراد بالتطهير من النجاسة. الثالث: المراد بالتطهير اللبس من الحلال أي: طهر ثيابك من لبس الحرام ولا تلبس ثيابك إلا من كسب الحلال. الرابع: المراد بقوله ?فَطَهِّرْ? فقصر فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة لأنها إذا أبحرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها. قال علي كرم الله وجهه: قصر ثيابك فإنه أتقى وأنقى. والمراد بقوله ?وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ? الأوثان فاترك، وقيل: المأثم. فائدة: انقطع جبريل عن النبي ﷺ مدة أيام، قيل: اثنا عشر يوماً، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقيل: خمسة وعشرين يوماً، وقيل: أربعين يوماً وسببه كما ذكره المفسرون أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعن الروح فقال سأخبركم غداً ولم يقل: إن شاء الله، فانقطع جبريل عنه هذه المدة، فقال المشركون: إن جبريل محمداً ودعه وقلاه أي: تركه ربه وبغضه، وقالت أم جميل امرأة أبي لهب أبطأ عليه شيطانه فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم ?وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى? [الضحى: ١ - ٣] فأراد الله بقوله: ?وَالضُّحَى? جميع النهار لأنه قابله بالليل، وقيل: أراد وقت ارتفاع الشمس لأنه وقت شريف كلم الله فيه موسى بن عمران، وخرت فيه سحرة فرعون سجداً لله فلهذا أقسم الله به، فإن

стр. 188

قوله ?وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى? قسم بتقدير مضاف أي: ورب الضحى ورب الليل إذا سجى، ومعنى سجى سكن أي: سكن الناس فيه، ومعنى الآية ورب الضحى ورب الليل إذا سجى ?مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ? يا محمد كما تقول الكفار ?وَمَا قَلَى? أي: ما تركك ربك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك، وأنزل الله مع هذه الآية ?وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ? تحريضاً وتعليماً لمن عزم على فعل شيء مستقبل أن يقدم المشيئة ليقدره الله ببركة المشيئة على فعله، ويقضي حاجته وتنجح طُلبته. * * *

стр. 189

باب يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ (١) ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ? قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابن عباس: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابن عباس يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ?لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ? قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ ?فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ? قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ?ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ? ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ. قوله: «حدثنا موسى بن إسماعيل» هذا هو أبو سلمة المنقري البصري التبوذكي قيل: له التبوذكي لأنه اشترى دار بتبوذك، وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وعشرين. «حدثنا موسى بن أبي عائشة» هذا هو أبو الحسن الكوفي الهمداني. «حدثنا سعيد بن جبير» هذا هو الإمام المجمع على جلالته وثقته وعلو مرتبته في العلوم تفسيراً أو حديثاً وفقهاً وكان ابن عباس إذا أتى أهل الكوفة إليه يقول لهم: أليس فيكم سعيد بن جبير، وكان يقال له: جهبذ العلماء، وهو كوفي أسدي والبي، منسوب إلى «بني والبة» بالولاء. سمع سعيد بن جبير خلقاً من الصحابة منهم العبادلة، وأخذ عنه خلق من التابعين منهم الزهري، قتله الحجاج صبراً ولم يعش بعدها أياماً. قيل: إن الحجاج لما أرسل رسله في طلب سعيد بن جبير وحضروه بين يديه قال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: أنت شقي بن كسير، قال: كانت أمي أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إليها، ثم أحضر الحجاج ألآت

стр. 190

الملاهي فبكى سعيد، فقال الحجاج ويلك يا سعيد، قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار فقال: اختر يا سعيد أي قتله تريد أن أقتلك، قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: فتريد أن اعفو عنك؟ فقال: إن كان العفو فمن الله لي، وأما أنت فلا، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده فقال: ما أضحكك قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط بين يديه فقال: اقتلوه، فقال سعيد: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، قال: وجهوه لغير القبلة، قال سعيد: أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله قال: كبوه لوجهه، فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، فقال الحجاج: اذبحوه، فقال سعيد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع ﵀. وعاش الحجاج بعده خمسة عشر ليلة، وكان الحجاج لا يصبر على سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه: أن أكبر لذاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره. وقيل: أحصى ما قتل صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً كذا رواه الترمذي في جامعه (١) ، وعرضت سجونه بعده فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب. قال خلف بن خليفة: حدثنا بواب الحجاج قال رأيت رأس سعيد بن جبير بعد ما سقط على الأرض يقول: لا إله إلا الله (٢) . وقيل: إنه كان له ديك يقوم من الليل بصياحه فلم يصيح ليلة أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق ذلك عليه فقال: مال قطع الله صوته فلم يسمع له صوت بعد

стр. 191

ذلك. وسنذكر بعض أخبار الحجاج في الكلام على قوله ﷺ «إذا التقى المسلمان بسيفهما» (١) . وكانت وفاة سعيد بن جبير سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين سنة. «عن ابن عباس» هذا هو الحبر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ أمه أم الفضل أخت ميمونة زوج النبي ﷺ . وإنما قيل: الحبر البحر لكثرة علومه، وكان يقال له: ترجمان القرآن وهو والد الخلفاء وأحد العبادلة الأربعة المشهورين الذي شاع ذكرهم وانتشر فضلهم وسارت الركبان نفعنا الله بهم وهم: عبد الله ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الإمام عمر بن الخطاب. دعا له الله ﷺ بالحكمة والتفقه في الدين وتعلم التأويل أي: تأويل القرآن فأخذ عنه الصحابة ذلك ودعا له مرة أخرى فقال: اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، اللهم زده علماً وفقهاً وفي هذا الصحيح أنه ﵊ ضمه إليه وقال: «اللهم علمه الكتاب» وهو أحد الستة الذين الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ . قال الإمام أحمد بن حنبل: ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله ﷺ فهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس، وأبو هريرة أكثرهم حديثاً. وقال أحمد بن حنبل أيضاً: ليس أحد من الصحابة أكثر فتيا من عبد الله ابن عباس ومناقبة في الصحيح وغيره جمة أفردت بالتأويل منها: أن رسول الله ﷺ حنكة بريقة. ومنها: أنه رأى جبريل فقد روى مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل مرتين ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. ومنها: أنه كان كثير البكاء، وكان لموضع الدمع من خديه أثر لكثرة بكائه، وكان عمر بن الخطاب يعظمه ويقدره على الكبار والصغار، وكان إذ ذكره يقول: ذاك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.

стр. 192

ومن مناقبة الدالة على غزارة علمه أن الناس كانوا يقصدون منزله من الآفاق، ويزدحمون على منزلة، ويسألون عن جميع العلوم فقد نقل عن أبي صالح أنه قال رأيت عند ابن عباس جلساء لو أن جميع قريش افتخرت به لكان لها فخر، ورأيت الناس اجتمعوا على باب منزله، ويسألوه من أنواع العلوم، حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على المجيىء من ذلك الطريق والذهاب من كثرة الناس، قال أبو صالح: فدخلت عليه فأخبرته بالناس الواقفين على بابه، فقال: ادع لي بوضوء فتوضأ وجلس، ثم قال: لا تدخل على جميع الناس بل أخرج وقل من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل، قال: فخرجت فأعلمتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال انصرفوا حتى يدخل إخوانكم، ثم قال: لي أخرج فقل من أراد أن يسأل عن الحلال أو الحرام والفقه فليدخل، فقلت لهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجر فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم بمثله، ثم قال انصرفوا حتى يدخل إخوانكم فخرجوا، ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: انصرفوا حتى يدخل إخوانكم، ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم مثله، قال أبو صالح: فلو أن قريشاً كلها فخرت بذلك لكان فخراً فما رأيت مثل هذا لأحد. وكان ابن عباس جميلاً قال عطاء: ما رأيت القمر ليلة الرابع عشر إلا ذكرت وجه ابن عباس من حسنه. وروى عن النبي ﷺ ألف حديث وستمائه وستين حديثاً، اتفقا منها على أربعة خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين وقد عمي في آخر عمره وكذا أبوه العباس وجده عبد المطلب، ولما سقط في عينيه الماء، وذهب بصره قيل له: خلي بيننا وبين عينيك نسيل ماءها ولكنك تمسك خمسة أيام لا تصلي فقال: لا والله ولا ركعة إني حدثت: «أنه من ترك صلاة واحدة متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان» (١) .

стр. 193

ولد ﵁ بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشر سنة على المشهور، وكانت وفاته بالطائف وقبره فيها مشهور يزار سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، ولما بلغ جابر بن عبد الله وفاته صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: مات أعلم الناس وأحكم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة. ومن مناقبة الجليلة التي اتفقت له بعد موته ما نقل عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطائف فلما وضعت ليصلى عليه جاء طائراً أبيضاً من السماء، لم ير على خلقته حتى وقع له على أكفانه ثم دخل فيها، فالتمس فلم يوجد فلما سوى عليه التراب سمعنا صوتاً: ?يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي? [الفجر: ٢٧ - ٣٠] . وقيل: إن هذا الطائر الأبيض علمه كما أفاده السيوطي في كتابه شرح الصدور. قوله «عن موسى بن أبي عائشة حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ? قال: كان رسول الله ﷺ يعالج (١) من لتنزيل شدة

стр. 194

فكان مما يحرك شفيه، وقال ابن عباس: فأنا أحركها لك كما كان رسول الله ﷺ يحركها، وقال سعيد بن جبير: أنا أحركها كما رأيت ابن عباس يحركها، فحرك شفتيه فأنزل الله ?لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ? (١) قال: جمعه له في صدرك (٢) ?فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ? قال فاستمع له ونصت ?ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ? ثم إن علينا أن تقرأه» معنى الآية: أن النبي ﷺ كان يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي استعجالاً لحفظه وخوفاً من تفلته ونسيانه، وقيل: إنهما كان يذكره إذا نزل عليه من حبه وحلاوته في لسانه، فإن القرآن له حلاوة في اللسان. قال عياض: لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي ﷺ : ?إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

стр. 195

وَالإِحْسَانِ? [النحل: ٩٠] قال: والله إن له لحلاوة، وإن له لطلاوة، وإن أسلفه لمغدق، وإن أعلاه لمثمر وما هو بقول بشر. قال ابن حجر: وكلا الأمرين مرادفاً فأمره الله تعالى بالإنصات حتى يتم جبريل الوحي، ووعده بأنه آمن من تفلته بالنسيان وغيره بقوله ?لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ? أي: بالقرآن قبل فراغ جبريل منه لتعجل به خوفاً من أن يتفلت منك إن علينا جمعه وأن نجمعه لك في صدرك، فتقرأه ولا يفوتك منه شيء، فإذا قرأه رسولنا جبريل عليك فاستمع قرآنه أي: فاستمع وأنصت ?إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ? أي: ثم إن علينا أن تقرأه مرة أخرى. وفي صحيح مسلم: «علينا أن نبينه بلسانك» (١) ، وقيل المعنى: علينا أن نحفظك، وقيل المعنى: علينا أن نبين لك ما فيه من حلال وحرام، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ مثل ما قرأه جبريل ﵇. قول ابن عباس: «فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركها» (٢) استشكل به العلماء من جهة أنه لما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه لم يره ابن عباس على تلك الحالة إذ لم يكن إذ ذاك ولد، لأن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين أو أقل، وقضية تحريك الشفتين كانت قبل ذلك في أول البعثة. وأجابوا عنه بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبره بذلك بعد، أو بعض الصحابة أخبره أن شاهد النبي ﷺ يفعل ذلك. قال ابن حجر: والأول هو الصواب لثبوتها في خبر.

стр. 196

فوائد بعضها مستفاد من الحديث والبعض الآخر ذكر بطريق المناسبة: الأولى: مثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بالتحريك، لكن في الطبقة الأولى طبقة الصحابة والتابعين لقول ابن عباس: إذا حركهما كما رأيت رسول الله ﷺ يحركهما، وقول سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما لا في جميع الطبقات. الثانية: أن الحديث فيه دلالة على أنه يستحب للمعلم أن يتمثل للمتعلم بالفعل، فإنه أبلغ من القول، فكم من متعلم لا يفهم الشيء بالقول والوصف أي: لا يفهمه ولا يستقر، وإذا صور يحضره واستقر عنده. الثالثة: وقع في الكرماني هنا في الكلام على قوله «فاستمع» ما نصه: قال الفقهاء: سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع، واعترضه البرماوي بأن الذي قاله وجه ضعيف عند الشافعية، مشى عليه صاحب الحاوي الصغير تبعاً للمحرر والمنصوص عليه عند الشافعي أن سجدة التلاوة تسن للسامع أيضاً، والفرق بين السامع والمستمع: أن المستمع من ألقى سمعه لآية سجدة التلاوة، والسامع من وقع في سمعه آية السجدة من غير قصد، وكلاهما يستحب السجود لعموم قوله ?وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ? [الإنشقاق: ٢٠] . الرابعة: هل الإسراع في القرآن أفضل أم الترتيل أفضل؟ فذهب بعضهم إلى أن الإسراع أفضل استكثاراً للأجر، إذ يحصل بكل حرف عشر حسنات، إذا لم يفرط في الإسراع فإن فرط كره بالاتفاق، وإن أسرع بحيث ينتهي إلى عدم إقامته الأحرف فإنه غير جائز بخلاف، وذهب الأكثرون إلى أن الترتيل أفضل وقد صرح العلماء باستحبابه قال تعالى ?وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً? [المزمل: ٤] . وروى أبو داود وغيره عن أم سلمة «أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ قراءة مفسرة حرفاً حرفاً» (١) .

стр. 197

وعن ابن مسعود: «لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة» (١) . قال النووي: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل. قال ابن عباس ﵄: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّّ من أن أقرأ القرآن كله» . وعن مجاهد (٢) ﵁: أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر البقرة وحدها وزمنها وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء، قال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل قال: واستحباب الترتيل للتدبر ولأنه أقرب إلى الأجل والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب، ولهذا استحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه. وقال بعضهم: وأحب أن ثواب قراءة الترتيل أجل قدراً، وثواب الكثرة أكثر عدداً. الخامسة: في الحديث دلالة على أن أحداً لا يحفظ القرآن العظيم إلا بعون الله وفضله وكرمه، قال تعالى: ?وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ? [القمر: ١٧] بخلاف التوراة والإنجيل فإنه لم يكن متيسراً لحفظهما كتيسر حفظ القرآن العظيم الذي خصت به هذه الأمة المحمدية. خاتمة غريبة: قال بعض الصالحين كان رجل يحفظ القرآن، وكان يحب الدنيا ويسعى لها، فلا تزداد منه إلا بعداً فجاء إلي وقال: قد أصابني أمر أريد أن تكتمه على فقلت: ما هو؟ فقال: قد كنت ترى مني حب الدنيا وطلبها فرأيت الليلة في منامي قائلاً يقول لي تبيعني أربع سور مما تحفظه من القرآن بهذه بعشرين ديناراً، فقلت: نعم فطرح الدنانير في كفي، ثم انتبهت فلم أر شيئاً فطلبت أن أقرأ شيئاً من السور التي عينها فلم استطع، وقد جئتك لتلقينها في خلوة، قال: فخلوت به وجعلت أقرأ الآية من السور فيقرأها معي فإذا أمسكت عجز عن القراءة فبقينا على ذلك مدة فلم يحفظ منها آية، فقال لي بعد مدة: لا تتعب معي فإنها نزعت مني. السادسة: ذكر الغزالي في أسرار القرآن فيمن يطرأ عليه نسيان القرآن بعد حفظه

стр. 198

عن الكلبي أنه قال: كان لي ولد يقرأ القرآن وكلما قرأ منه شيئاً نسيه، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي أكتب في إناء سورة ?الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ? [الرحمن: ١ - ٥] ?لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ? [القيامة: ١٦ - ١٩] ?بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ? [البروج: ٢١ - ٢٢] وألق عليه من ماء زمزم واسقه ولدك يحفظ القرآن، فحفظ القرآن. السابعة: هل الجهر بالقراءة أفضل أم السر؟ قال النووي ﵁: الإخفاء أفضل إن خاف الرياء أو كان يتأذى به مصلون، أو من ينام، والإجهار أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى على السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد عنه النوم ويزيده في النشاط. وقال بعض العلماء: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المرء قد يمل فيأنس بالجهر، والجهر قد يشكل فيستريح بالإسرار. الثامنة: وهي مشتملة على مسائل: يكره قطع القراءة لمكالمة أحد، لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر كلام أحد عليه. ويكره أيضاً: الضحك والعبث، والنظر إلى ما يرى. ويستحب تقبيل المصحف قياساً على تقبيل الحجر الأسود، ولأنه هدية من الله فشرع تقبيله، كما يستحب تقبيل الولد الصغير. ويستحب تطيبه، وجعله على كرسي ويحرم توسده لأن فيه إذلالاً وامتهاناً، وكذا يحرم مد الرجلين إليه كما قاله الزركشي، ويجوز تحليته بالفضة إكراماً له على الصحيح. وأما القيام للمصحف إذا حضر فقال النووي: إنه يستحب لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به، كما يستحب القيام لأهل الفضل إكراماً لهم خلافاً لما قاله ابن عبد السلام أن القيام بدعة. ولا ينبغي للإنسان أن يصغر المصحف ويقول: مصيحف فقد أخرج أبو داود عن ابن المسيب قال: «لا يقول أحدكم مصحيف ولا مسيجد فما كان الله فهو عظيم» . التاسعة: في فضل القرآن وفضل حملته:

стр. 199

دل الكتاب والسنة على ذلك قال الله ?إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ... ? الآية [فاطر: ٢٩] . قوله ?يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ? أي: يقرأونه ويداومون على تلاوته وقوله ?يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ? لن تكسد ولن يتعذر الربح فيها، وهو إشارة إلى الإخلاص أي: يفعلون تلك الأفعال من التلاوة، والصلاة والإنفاق يقصدون بذلك وجه الله لا الرياء ولا السمعة. وروينا في هذا الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١) . وروي في البلدانيات عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس، فإنك إن مت أنت كذلك زارت الملائكة قبرك» (٢) . وقال رسول الله ﷺ «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه (٣) . وقال رسول الله ﷺ «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين» رواه

стр. 200

مسلم (١) . وقال رسول الله ﷺ «اقرؤ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» رواه مسلم (٢) . وقال رسول الله ﷺ «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٣) . وقال رسول الله ﷺ : «يقول الرب : «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، ففضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي وقال حديث حسن (٤) . وقال رسول الله ﷺ «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٥) .

стр. 201

قال رسول الله ﷺ «من قرأ القرآن وعمل به ألبس والده تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» رواه أبو داود (١) . وروي الدارمي عن أبي أمامة ﵁ قال «اقرأ القرآن فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن» (٢) . وروى الدارمي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن» (٣) . وروى الدارمي عنه أيضاً: «من أحب القرآن فليبشر» (٤) . وفي حديث «القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه» (٥) . وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن

стр. 202

مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» رواه البخاري ومسلم وذكره النووي في كتابه (١) . فائدة: حكي عن بعض القراء أنه اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعاً، فرأى في المنام كأن قائلاً يقول: إن نسيناك سورة الأنعام لك ألف دينار قال: لا، قال: فسورة هود، قال: لا، قال: فسورة يوسف، قال: لا، قال: فمعك قيمة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه. وسنذكر فوائده متعلقة بالقرآن وشيئاً من فضائله أيضاً في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 203

المجلس الحادي عشر في قصة هرقل وما فيها قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ

стр. 204

يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإيمان حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإيمان حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ?. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الإِسْلاَمَ، وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلاَّ الْيَهُودُ فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لاَ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْىَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ

стр. 205

وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإيمان قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَىَّ، وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قوله: «حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره» . قال العلماء: أبو سفيان بن حرب هو أبو معاوية وأخوه واسمه صخر بن حرب وهو قرشي أموي مكي، وكما يكنى بأبي سفيان يكنى بأبي حنظلة أيضاً، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة فتح مكة، وكان شيخ مكة حينئذ ورئيس قريش، وشهد مع الله ﷺ حنيناً وفتح الطائف وأعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين مائة من الأبل وأربعين أوقية، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف والأخرى يوم اليرموك تحت رآية يزيد قال له النبي ﷺ لما ذهبت عينه وهي في يده: «أيهما أحب اليك عين في الجنة، وأدعو الله أن يردها عليك، قال: بل في الجنة» (١) ولو طلب من رسول الله ﷺ أن يردها لردها. فإنه كان من معجزاته ﷺ إبراء المريض فقد ورد عنه ﷺ رد عين قتادة بن النعمان يوم أحد بعدما ما وقعت جبينه وكانت أحسن عينيه (٢) . وتفل في عين علي ﵁ يوم خيبر فشفيت. هذا الذي رد عيناً بعد ما قلعت ... وريقة قد شفا عين الإمام علي وقطع أبو جهل يد معوذ بن عفراء، وجاء يده فبصق عليها رسول الله ﷺ

стр. 206

وألصقها فلصقت (١) . ورد الله على أعمي بصره بتوسله به ﷺ فقد روى النسائي عن عثمان بن حنيف: «أن أعمي قال: ادع لنا الله أن يكشف لي عن بصري فقال له: انطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بحرمه محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري، اللهم شفعه فيَّ قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره» (٢) . إن كان عيسى أبرأ الأعمي بدعوته ......فكم بتفلة قد رد من بصر نزل أبو سفيان المدينة ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين وهو بن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع.

стр. 207

«أن هرقل» : هذا هو ملك الروم، و «هرقل» اسمه بكسر الهاء وفتح الراء كدمشق، ويقال: «هرقل» بإسكان الراء وكسر القاف، والهرقل بلغتهم وهو لا ينصرف للعلمية والعجمية وهو صاحب حروب الشام. أقام في الملك إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه مات النبي ﷺ ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر، ومن ملك الفرس يقال له: كسرى، وكل من ملك الترك يقال له: خاقان، وكل من ملك الحبشة يقال له: النجاشي، وكل من ملك مصر يقال له: العزيز، وكل من ملك حمير يقال له: تبع. واما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» (١) فالمراد منه: أنه لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق، بل يكونان في غير هذين الأقليمين قاله إمامنا الشافعي في المختصر. ومعنى قيصر: «البقير» ، ولقب بذلك لأن أمة لما أتاها الطلق به ماتت وبقي يضطرب في جوفها فبقر بطنها أي: شق فخرج حياً وكان يفخر بذلك لأنه لم يخرج من فرج، وكان شجاعاً جباراً مقداماً في الحروب وهو أول من ضرب الدنانير وأحدث البيعة. وسئل الشافعي عنه هل يقال هرقل أم قيصر؟ فقال: هرقل هو وقيصر الأول علم له والثاني لقباً، كما يقال على أمير المؤمنين. «أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام» قال ابن عسار: الشام مهموز، ويجوز تخفيفه، وفي لغة يجوز فيقال: شأم بفتح السين والمد وهو مذكر وجوز ثأنيثه، وحد الشام طولاً من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس ورجحه ابن حبان في صحيحه فقال: أول الشام بالس، وآخره العريش (٢) ، وعرضاً من جبل طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم، وما سامت ذلك من البلاد وهو ديار الأنبياء، وقدمنا ان نبينا ﷺ دخل أرض الشام أربع مرات مرتين قبل النبوة ومرتين بعدها، ودخله عشرة آلاف صحابي.

стр. 208

«في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان كفار قريش فآتوه وهم بإيلياء» وإيلياء هو بيت المقدس، وفيه أربع لغات إيلياء بالمد موزون كبرياء، وإيلياء بالقصر والياء بوزن إعطاء، وإيلياء بتشديد الياء ومعناه بيت الله. ولمسجد بيت المقدس فضائل وخصوصيات منها: أنه أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال قال رسول الله ﷺ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» (١) . ومنها: أن الله تعالىسماه مباركاً حيث قال ?إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ? [الإسراء: ١] قال مجاهداً: سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة، وقيل: سماه مباركاً من بركة نشأت منه فعمت جميع الأرض، لأن مياه الأرض كلها انفجارها كان من تحت الصخرة. ومنها: أن الدجال لا يدخله قال ﷺ «إن الدجال يدخل الأرض إلا أربعة مساجد: مسجد المدينة ومسجد مكة والأقصى والطور» (٢) رواه أحمد بن حنبل في المسند. ومنها: أن الصلاة فيه بألف صلاة فقد أخرج ابن ماجه وأبو داود عن ميمونة مولاة النبي ﷺ إنها قالت في بيت المقدس قال: «أرض المحشر والمنشر إتيوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاة» (٣) .

стр. 209

ومنها: أن من زاره حط الله عنه أوزاره، ومن صلى فيه كفر الله عنه ذنوبه، ولنا عوداً إلى كلام على فضائله في المجالس الآتية. قال العلماء: حديث هرقل الذي ساقه البخاري هنا حديث جليل مشتمل على كثير من الفوائد، قال ابن رجب (١) : من أظن أن هذا الحديث سمر من الأسمار وخبر من الأخبار لا يتضمن علماً كما يحكى عن بعض المتأخرين فهم في غاية الجهل والعمى والطغيان، وإنما أخرجه البخاري في بدء الوحي إن لم يكن فيه بدء الوحي لتضمنه من أعلام النبوة وبراهنيها. فائدة: هرقل قيل: كان ساكناً في مدينة في مدينة حمص، وكانت دار ملكة وكانت في زمانهم أعظم من دمشق وكان فتحها على يد أبي عبيدة بن الجراح سنه ستة عشر بعد قصة هرقل بعشر سنين، سميت بحمص باسم رجل من العمالقة اسمه: حمص بن المهر بن حاف، كما سميت حلب بحلب بن المهر، قاله ابن الملقن. فائدة: دخل مدينة حمص من الصحابة تسعمائة رجل قاله الثعلبي. فائدة أخرى: حمص هي إحدى مدائن الجنة الخمسة ورد عن كعب الأحبار: «خمسة مدن في الدنيا في الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق وحمص، وخمسة مدن في الدنيا في النار رومية وقسطنطينية وهي أسطنبول وأنطاكيه وصنعاء وتدمر» قيل: المراد بأنطاكية المحترقة لا هذه، وبصنعاء بلد بأرض الروم لا صنعاء اليمن. فائدة أخرى: ورد في مسند أحمد بن حنبل لكن ضعيف أن من أهل حمص سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب (٢) .

стр. 210

ومشي هرقل مرة من حمص إلى بيت المقدس، قال العلماء: وقصة هرقل وسبب مشية إلى بيت المقدس كما ذكره الطبري وغيره أن كسرى أرسل جيشه إلى بلاد هرقل فخربوا كثيراً منها ثم استبطأ كسرى الأمير الذي أرسله إلى بلاد هرقل واسمه: «شهر براده» فعزله وأضم على قتله، وولي أمير غيره يقال له فارخان فسمع المعزول أن كسرى عزله فصالح هرقل واتفق معه على كسرى، وانهزم عنه بجنود فارس فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكر الله تعالى على كشف جنود فارس عنه، وكان يبسط البسط ويوضع عليها رياحين فيمشي. فلما وصل إلى بيت المقدس سنة ست من الهجرة، وكان رسول الله ﷺ بتبوك فقال: «من ينطلق بكتابي هذا إلى قيصر فله الجنة» قالوا: وإن لم يقيل يا رسول الله قال: «وإن لم يقبل» فانطلق به دحية إلى أمير بصرى وهو: الحارث بن أبي شمر الغساني، فأرسله أمير بصرى إلى هرقل فوصل دحية بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل فقال هرقل قبل قراءة كتاب رسول الله ﷺ لبعض بطارقته: «قلب لي الأرض ظهراً والبطن وأتني بمن يعرف هذا الرجل» يعني رسول الله ﷺ أي: فتش لي على أحد يعرف هذا النبي الذي أرسل لنا هذا الكتاب حتى نسأله عن أحواله وعلامته الثابتة عندنا في التوراة والإنجيل، فذهب ذلك البطريق إلى غزة فرأى في غزة أبا سفيان ومعه جماعة من أهل مكة يبلغون ثلاثين، وقيل: عشرين وكلهم كانوا إذ ذاك كفاراً أو خرجوا من مكة إلى غزة للتجارة، فإن أهل مكة إذ ذاك يسافرون إليها للتجارة وكان

стр. 211

أبو سفيان كبيرهم، وكان رسول الله ﷺ قد صالح أهل مكة على ترك القتال عشر سنين، وذلك في الحديبية في أخر السنة السادسة، فخرج أبو سفيان ومن معه إلى غزة فرآهم البطريق هناك. هذا معنى قول البخاري: إن هرقل أرسل إلى أبي سفيان في ركب من قريش أي: حال كونه في ركوب وكانوا تجاراً بالشام. «في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها كفار قريش» أي: مصالحاً فيها أبا سفيان وكفار فريش، «وماد» فعل ماض من المفاعلة وهو الاتفاق على مدة مأخوذ من المداد ومن المدة. فلما رأى البطريق أبا سفيان ومن معه ساقهم إلى بيت المقدس حتى أحضرهم عند هرقل كما قال البخاري وهم بإيلياء. «فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم» ، والمراد: فدعاهم حال كونه جالساً في محل حكمه لا في خلوة ولا في الحرم أي: أمر بإحضارهم. وجاء في رواية: أنه كان على رأسه التاج وعظماء الروم مطبقون به من جوانبه. فائدة: الروم اسم لهذا الجبل المعروف من ولد الروم بن عيصوا فكأنه اسم أبيهم عليهم. «ثم» حضروا مجلسة ودعاهم أي: أستدعاهم. «ودعا ترجمانه» والترجمان: بفتح الياء والجيم وقد تضم التاء اتباعاً لها هو الذي يعبر لغة بلغة. فقال هرقل للترجمان قل لهم «أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان فقلت: أنا أقربهم نسبا به» وإنما كان أقربهم لأنه من بني عبد مناف، وعبد مناف الأب الرابع للنبي ﷺ ، وكذا لأبي سفيان. قال أبو سفيان: وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيرى، وإنما خص هرقل الأقرب بالسؤال عن حال النبي ﷺ لأنه مطلع على أمره ظاهراً أو باطناً أكثر من غيره، وإلا يعد لا يؤمن أن تحمله العداوة على الكذب والقدح فيه بخلاف القريب فإن نسبه يمنعه من ذلك. «قال: أي هرقل لأصحابه أدنوه مني» أي: قربوا أبا سفيان مني «وقربوا أصحابه فأجعلوهم عند ظهره» ، والحكمه في جعل أصحابه وراء ظهره أنه إذا سأله عن شيء من أحوال النبي ﷺ فكذب ردوا عليه أصحابه وبينوا كذبه، بخلاف ما إذا

стр. 212

جلسوا مواجهين له فقد يمنعهم الحياء من أن يواجوه بالتكذيب، إذا المقابلة بالتكذيب في الوجه صعبة. «ثم قال» أي: هرقل «لترجمانه قل لهم» أي: لأصحاب أبي سفيان «إني سائل هذا» أي: صاحبكم أبا سفيان «عن هذا الرجل» أي: الذي يزعم أنه نبي «فإن كذبني» أي: نقل إلى عن محمد بأن قال فيه خلاف الواقع «فكذبوه» أي: لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه بل كذبوه. «قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً بالكذب عليه» ، وفي نسخة «لكذبت عنه» وهي إما بمعنى لأخبرت عنه بالكذب، وإما بمعنى: على أي: لكذبت عليه. معنى كلام أبي سفيان: لولا الحياء من أن رفقتي يرون عني ويحكون في بلادي كذباً فأعاب به لأن الكذب قبيح وإن كان على العدو، لكذبت عليه لبغضي إياه ولمحبتي نقصه، ويعلم من هذا أن الكذب كان قبيحاً في الجاهلية. فائدة: صرح فقهاؤنا بأن شهادة العدو على عدوة لا تقبل للتهمة، ولقوله ﷺ «لا تقبل شهادة ذي غمر» (١) بكسر الغين أي: عدو حقود على أخيه ويفرح بمصيبته

стр. 213

ويحزن لمسرته، والعداوة وقد تكون من الجانبين وقد تكون من أحدهما، نعم لنا صورة تصح فيها شهادة العدو على عدوه، وهي ما كان بينهما عداوة دينية كشهادة المسلم على الكافر، والسني على المبتدع، فإن البغض لله ليس قادحاً في الشهادة فيمن أبغضته لفسقه قبلت شهادتك عليه، وأما الشهادة للعدو فأنها تقبل إذا لم يبغضه لعدم التهمة، والفضل ما شهدت به الأعداء. قال أبو سفيان: «ثم كان أول ما سألني عنه هرقل على لسان الترجمان أن قال: كيف نسبه فيكم» يعني هل من أشرافكم «قلت: هو فينا ذو نسب» أي: صاحب نسب عظيم. «قال» أي: هرقل «فهل قال هذا القول منكم أحد قط» يعني هل أدعى النبوة من قومكم قريش أو العرب أحد قط قبله؟ «قلت: لا» . «قال: فهل كان من آبائه من ملك» أي: من تولي الملك «قلت: لا» . «قال: فأشراف الناس» أي: كبارهم وأهل الأحساب منهم «اتبعوه أم ضعفاءهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم» . قول أبي سفيان أن الضعفاء اتبعوا النبي ﷺ دون الأكابر نظراً إلى غالب أتباعه، فلا يشكل بمن سبق إلى أتباعه من أكابر أشراف دينه كالصديق والفاروق وحمزه وغيرهم، وإنما كان أتباع الرسل الضعفاء دون الأشراف، لأن الأشراف يأنفون من تقديم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون بل يسرعون إلى الانقياد أتباع الحق. «قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه» أي: كرهه له بعد أن يدخل فيه، «قلت: لا» أي: لا يرتد أحد منهم لأجل كراهته لدين الإسلام بل إما مكرهاً وإما رغبة في غيره لحظ نفساني كما وقع لعبيد الله بن حجش. وارتد بعد الصحابة أيضاً جماعة لحظ نفساني كما يحكى أن مؤذناً أذن في منارة أربعين سنة فصعد يوماً وأذن حتى بلغ حي على الصلاة فوقع بصره على امرأة نصرانية

стр. 214

فذهب عقله ولبه، وترك الأذان وذهب إليها وخطبها فقالت: مهري ثقيل عليك، فقال وما هو؟ فقالت: تدخل في ديني فكفر بالله ودخل في دينها، فقالت: إن أبي في أسفل الدار فأنزل إليه واخطبني منه فنزل وزلت رجله فسقط ومات كافراً ولم يقض شهوته نسأل الله تعالى أن يمتنا على الإسلام بمنه وكرمه. «قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا» أي: لا نتهمه بالكذب، لكن ذكر ابن سيد الناس في السيرة أنه يروى في خبر أبي سفيان أنه قال لقيصر قد كذب قال: وما هو؟ قال: أنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا ورجع في تلك الليلة قبل الصباح قال: وبطريق إيليا عند قيصر، فقال: صدق ما قال، وما أعلمك بهذا قال إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت بعمالى ومن يحضرني فلم نستطيع أن نحركه، كأنما نزاول جبلاً فدعوت النجاري فنظر إليه فقال: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان فلا تستطيع أن نحركه حتى نصبح، فنظر من أين أتى فرجعت وتركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليها، فإذا الجبل الذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثر ربط الدآبة، فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا هذا، فقال قيصر: يا معشر الروم أنتم تعملون أن بين عيسى وبين الساعة نبياً بشركم به عيسى ترجون أن يجعله الله فيكم قالوا: بلى قال: فإن الله قد جعله في غيركم في أقل منكم عدداً وأصغر منكم بلاداً وهي رحمة يضعها حيث شاء. «قال فهل يغدر» أي: ينقض العهد «قلت: لا، قال أبو سفيان: ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها» . يعنى: صالحناه على ترك القتال مدة لا ندري ما يفعل في هذه المدة، وهذا منه أشارة إلى عدم الجزم بغدره. «قال أي: أبو سفيان ولم تملكني كلمة أدخل فيها شيئاً» أي: انتقصه به غير هذه الكلمة يعني قوله «ونحن في مدة منه لا ندري ما هو فاعل» فيها من قبيل إطلاق الكلمة على الكلمة. قال ابن مالك: * وكلمة بها كلام قد يؤم * ولم يمكنه أن ينتقص رسول الله ﷺ لأنه كان يعلم من أخلاقه ﷺ الوفاء والصدق.

стр. 215

«قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال» أي: نوبة لنا ونوبة له، ولله درمن قال: يوم علينا ويوم لنا ويوم نساء يوم لنرى السجال: جمع سجل وهو الدلو الكبير، والمتحاربين كالمستقين يستقي هذا دلو ذاك. وقوله: «ينال منا وتنال منه» قال البلقينى: هذا فيه دسيسة لأنهم لم ينالوا من النبي ﷺ قط والذي وقع في أحد أن بعض المقاتلين قتل وكان العزة والنصر للمؤمنين. «قال ماذا يأمركم قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول أباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف» أي: الكف عن المحارم وخوارم المرؤة. «والصلة» أي: صلة الرحم، وكم أمر الله به أن يوصل بالبر والإكرام والمراعاة ولو بالسلام والترحم، وأشار بقوله: «لا تشركوا، واتركوا» إلى التخلي عن الرذائل، وبقوله: «يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف» إلى التحلي بالفضائل، ومحصله أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات. «فقال» أي: هرقل فرغ من أسألته لأبي سفيان «للترجمان قل له» لأبي سفيان «سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذا الرسل تبعث في قومها» . يعني يكونون أفضل القوم أشرفهم لأن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل وأقرب الانقياد الناس إليه. «وسألتك هل قال أحد منك هذا القول فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل تأسى» وفي رواية «يتأسى» ومعنى كل منهما يقتدي ويتبع بقول قيل قبله. «وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد عرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل» . معناه: أن أتباع الرسل في الغالب أهل الإستكانة لا أهل استكبار، الذين أصروا على الشقاق بغياً وحسداً كأبي جهل وأشياعه إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد
следующие страницы →