← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أبو سفيان كبيرهم، وكان رسول الله ﷺ قد صالح أهل مكة على ترك القتال عشر سنين، وذلك في الحديبية في أخر السنة السادسة، فخرج أبو سفيان ومن معه إلى غزة فرآهم البطريق هناك. هذا معنى قول البخاري: إن هرقل أرسل إلى أبي سفيان في ركب من قريش أي: حال كونه في ركوب وكانوا تجاراً بالشام. «في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها كفار قريش» أي: مصالحاً فيها أبا سفيان وكفار فريش، «وماد» فعل ماض من المفاعلة وهو الاتفاق على مدة مأخوذ من المداد ومن المدة. فلما رأى البطريق أبا سفيان ومن معه ساقهم إلى بيت المقدس حتى أحضرهم عند هرقل كما قال البخاري وهم بإيلياء. «فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم» ، والمراد: فدعاهم حال كونه جالساً في محل حكمه لا في خلوة ولا في الحرم أي: أمر بإحضارهم. وجاء في رواية: أنه كان على رأسه التاج وعظماء الروم مطبقون به من جوانبه. فائدة: الروم اسم لهذا الجبل المعروف من ولد الروم بن عيصوا فكأنه اسم أبيهم عليهم. «ثم» حضروا مجلسة ودعاهم أي: أستدعاهم. «ودعا ترجمانه» والترجمان: بفتح الياء والجيم وقد تضم التاء اتباعاً لها هو الذي يعبر لغة بلغة. فقال هرقل للترجمان قل لهم «أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان فقلت: أنا أقربهم نسبا به» وإنما كان أقربهم لأنه من بني عبد مناف، وعبد مناف الأب الرابع للنبي ﷺ ، وكذا لأبي سفيان. قال أبو سفيان: وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيرى، وإنما خص هرقل الأقرب بالسؤال عن حال النبي ﷺ لأنه مطلع على أمره ظاهراً أو باطناً أكثر من غيره، وإلا يعد لا يؤمن أن تحمله العداوة على الكذب والقدح فيه بخلاف القريب فإن نسبه يمنعه من ذلك. «قال: أي هرقل لأصحابه أدنوه مني» أي: قربوا أبا سفيان مني «وقربوا أصحابه فأجعلوهم عند ظهره» ، والحكمه في جعل أصحابه وراء ظهره أنه إذا سأله عن شيء من أحوال النبي ﷺ فكذب ردوا عليه أصحابه وبينوا كذبه، بخلاف ما إذا

стр. 212

جلسوا مواجهين له فقد يمنعهم الحياء من أن يواجوه بالتكذيب، إذا المقابلة بالتكذيب في الوجه صعبة. «ثم قال» أي: هرقل «لترجمانه قل لهم» أي: لأصحاب أبي سفيان «إني سائل هذا» أي: صاحبكم أبا سفيان «عن هذا الرجل» أي: الذي يزعم أنه نبي «فإن كذبني» أي: نقل إلى عن محمد بأن قال فيه خلاف الواقع «فكذبوه» أي: لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه بل كذبوه. «قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً بالكذب عليه» ، وفي نسخة «لكذبت عنه» وهي إما بمعنى لأخبرت عنه بالكذب، وإما بمعنى: على أي: لكذبت عليه. معنى كلام أبي سفيان: لولا الحياء من أن رفقتي يرون عني ويحكون في بلادي كذباً فأعاب به لأن الكذب قبيح وإن كان على العدو، لكذبت عليه لبغضي إياه ولمحبتي نقصه، ويعلم من هذا أن الكذب كان قبيحاً في الجاهلية. فائدة: صرح فقهاؤنا بأن شهادة العدو على عدوة لا تقبل للتهمة، ولقوله ﷺ «لا تقبل شهادة ذي غمر» (١) بكسر الغين أي: عدو حقود على أخيه ويفرح بمصيبته

стр. 213

ويحزن لمسرته، والعداوة وقد تكون من الجانبين وقد تكون من أحدهما، نعم لنا صورة تصح فيها شهادة العدو على عدوه، وهي ما كان بينهما عداوة دينية كشهادة المسلم على الكافر، والسني على المبتدع، فإن البغض لله ليس قادحاً في الشهادة فيمن أبغضته لفسقه قبلت شهادتك عليه، وأما الشهادة للعدو فأنها تقبل إذا لم يبغضه لعدم التهمة، والفضل ما شهدت به الأعداء. قال أبو سفيان: «ثم كان أول ما سألني عنه هرقل على لسان الترجمان أن قال: كيف نسبه فيكم» يعني هل من أشرافكم «قلت: هو فينا ذو نسب» أي: صاحب نسب عظيم. «قال» أي: هرقل «فهل قال هذا القول منكم أحد قط» يعني هل أدعى النبوة من قومكم قريش أو العرب أحد قط قبله؟ «قلت: لا» . «قال: فهل كان من آبائه من ملك» أي: من تولي الملك «قلت: لا» . «قال: فأشراف الناس» أي: كبارهم وأهل الأحساب منهم «اتبعوه أم ضعفاءهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم» . قول أبي سفيان أن الضعفاء اتبعوا النبي ﷺ دون الأكابر نظراً إلى غالب أتباعه، فلا يشكل بمن سبق إلى أتباعه من أكابر أشراف دينه كالصديق والفاروق وحمزه وغيرهم، وإنما كان أتباع الرسل الضعفاء دون الأشراف، لأن الأشراف يأنفون من تقديم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون بل يسرعون إلى الانقياد أتباع الحق. «قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه» أي: كرهه له بعد أن يدخل فيه، «قلت: لا» أي: لا يرتد أحد منهم لأجل كراهته لدين الإسلام بل إما مكرهاً وإما رغبة في غيره لحظ نفساني كما وقع لعبيد الله بن حجش. وارتد بعد الصحابة أيضاً جماعة لحظ نفساني كما يحكى أن مؤذناً أذن في منارة أربعين سنة فصعد يوماً وأذن حتى بلغ حي على الصلاة فوقع بصره على امرأة نصرانية

стр. 214

فذهب عقله ولبه، وترك الأذان وذهب إليها وخطبها فقالت: مهري ثقيل عليك، فقال وما هو؟ فقالت: تدخل في ديني فكفر بالله ودخل في دينها، فقالت: إن أبي في أسفل الدار فأنزل إليه واخطبني منه فنزل وزلت رجله فسقط ومات كافراً ولم يقض شهوته نسأل الله تعالى أن يمتنا على الإسلام بمنه وكرمه. «قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا» أي: لا نتهمه بالكذب، لكن ذكر ابن سيد الناس في السيرة أنه يروى في خبر أبي سفيان أنه قال لقيصر قد كذب قال: وما هو؟ قال: أنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا ورجع في تلك الليلة قبل الصباح قال: وبطريق إيليا عند قيصر، فقال: صدق ما قال، وما أعلمك بهذا قال إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت بعمالى ومن يحضرني فلم نستطيع أن نحركه، كأنما نزاول جبلاً فدعوت النجاري فنظر إليه فقال: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان فلا تستطيع أن نحركه حتى نصبح، فنظر من أين أتى فرجعت وتركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليها، فإذا الجبل الذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثر ربط الدآبة، فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا هذا، فقال قيصر: يا معشر الروم أنتم تعملون أن بين عيسى وبين الساعة نبياً بشركم به عيسى ترجون أن يجعله الله فيكم قالوا: بلى قال: فإن الله قد جعله في غيركم في أقل منكم عدداً وأصغر منكم بلاداً وهي رحمة يضعها حيث شاء. «قال فهل يغدر» أي: ينقض العهد «قلت: لا، قال أبو سفيان: ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها» . يعنى: صالحناه على ترك القتال مدة لا ندري ما يفعل في هذه المدة، وهذا منه أشارة إلى عدم الجزم بغدره. «قال أي: أبو سفيان ولم تملكني كلمة أدخل فيها شيئاً» أي: انتقصه به غير هذه الكلمة يعني قوله «ونحن في مدة منه لا ندري ما هو فاعل» فيها من قبيل إطلاق الكلمة على الكلمة. قال ابن مالك: * وكلمة بها كلام قد يؤم * ولم يمكنه أن ينتقص رسول الله ﷺ لأنه كان يعلم من أخلاقه ﷺ الوفاء والصدق.

стр. 215

«قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال» أي: نوبة لنا ونوبة له، ولله درمن قال: يوم علينا ويوم لنا ويوم نساء يوم لنرى السجال: جمع سجل وهو الدلو الكبير، والمتحاربين كالمستقين يستقي هذا دلو ذاك. وقوله: «ينال منا وتنال منه» قال البلقينى: هذا فيه دسيسة لأنهم لم ينالوا من النبي ﷺ قط والذي وقع في أحد أن بعض المقاتلين قتل وكان العزة والنصر للمؤمنين. «قال ماذا يأمركم قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول أباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف» أي: الكف عن المحارم وخوارم المرؤة. «والصلة» أي: صلة الرحم، وكم أمر الله به أن يوصل بالبر والإكرام والمراعاة ولو بالسلام والترحم، وأشار بقوله: «لا تشركوا، واتركوا» إلى التخلي عن الرذائل، وبقوله: «يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف» إلى التحلي بالفضائل، ومحصله أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات. «فقال» أي: هرقل فرغ من أسألته لأبي سفيان «للترجمان قل له» لأبي سفيان «سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذا الرسل تبعث في قومها» . يعني يكونون أفضل القوم أشرفهم لأن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل وأقرب الانقياد الناس إليه. «وسألتك هل قال أحد منك هذا القول فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل تأسى» وفي رواية «يتأسى» ومعنى كل منهما يقتدي ويتبع بقول قيل قبله. «وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد عرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل» . معناه: أن أتباع الرسل في الغالب أهل الإستكانة لا أهل استكبار، الذين أصروا على الشقاق بغياً وحسداً كأبي جهل وأشياعه إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد

стр. 216

حين من أراد سعادته منهم، وكذلك أتباع العلماء العاملين هم أهل الاستكانة، لا أهل الذين جعلوا الدنيا نصب أعينهم. «وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم» . قال العلماء: وزيادتهم دليل على صحة النبوة لأنهم يرون كل يوم يتجدد فيدخل فيه كل يوم طائفة. «وسألتك أيرتد منهم أحداً سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب» فإن الإيمان لا يدخل قلباً فيخرج منه فإنه يظهر نوراً، ثم لا يزال حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وغيرها. لطيفة: حكى الإخباريون أنه كان في زمن فرعون امرأة ماشطة مؤمنة بموسى في الباطن، فبينما هي تمشط جارية من جواري فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت تعساً لفرعون ومن يعبده، فقالت لها الجارية: يا هذه ما هذا الكلام الذي سمعت؟ فقالت: هو كما سمعت، فقالت الجارية لها: فكلامك هذا يدل على أن ربك غير فرعون، فقالت: ورب الكعبة الله ربي وربك ورب فرعون ورب الخلائق أجمعين لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون، قالت الجارية: وأين يكون ربك هذا؟ قالت: في السماء قدرته وفي الأرض سلطانه، قالت لها الجارية: فأنا أخبر فرعون بهذا، قالت الماشطة: دونك وفرعون فأخبريه بما شئت، فدخلت الجارية على فرعون وخرت له ساجده وقالت له: إن فلانة الماشطة تزعم أن لها رباً غيرك فغضب فرعون وبعث إلى زوجها وقال: ما هذا الذي تقول زوجتك؟ قال: وما الذي تقول؟ قال فرعون: تزعم أن لها رباً سواي، قال زوج الماشطة: صدقت، الله ربنا وربك ورب الخلائق أجمعين لا إله إلا الله هو رب العرش العظيم، فاشتد غضبه من كلامه، وقال: لئن لم تنهيا عن هذا الكلام لأغلين لكما الزيت ولأطرحنكما فيه، قال: دونك فأصنع ما أنت صانع، فأمر فرعون بإحضار قدرة ثم ملئت زيتا ثم غلي الزيت، فلما نظرت المرآة إلى غليانة أيقنت بالهلاك والموت، فأقبلت على فرعون وقالت له: إن لي عندك حاجة فقال لها: تقضى، فقالت: إن كان ولابد من عذابنا فقدم أولادي أمامي وفعلت ذلك ليعظم أجرها بصبرها، فأمر فرعون بأولادهم في الزيت وهي تنظر إليهم، فنادها الولد الصغير: يا أماه العجل العجل فإنك على الحق وفرعون على الباطل، وهو من يعبده في النار،

стр. 217

فألقت نفسها على أثر أولادها، ثم تبعها أبو أولادها (١) . فانظر إلى هذا الثبات على الإيمان والصبر على العذاب لحصول النعيم االأبدي. «قال هرقل لأبي سفيان وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر» . أي: لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، وبخلاف من طلب الآخرة فإنه لا يرتكب غدراً ولا غيره من القبائح. «وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف» . ثم قال هرقل بعد فراغه من الأسئلة وأجوبتها «فإن كان ما تقول يا أبا سفيان حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين» . أي: بيت المقدس وأراد الشام وفي مسلم: «فإن يك ما يقوله حقاً فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج فلم أكن أظن أنه منكم معاشر العرب» (٢) كأنه استبعد أن يتنبأ من العرب. فإن قيل: من أين كان يعلم بخروج المصطفي ﷺ حتى قال: كنت أعلم أن خارج؟ فالجواب: أن الكرماني قال في هذا: اعلم أن كل الذي قاله هرقل مأخذه إما من القرائن العقلية، وإما من الأحوال العادية، وإما من الكتب القديمة. وقال ابن الملقن: إنما علم ذلك من التوراة والإنجيل. وقال المازري (٣) : هذه الأشياء الذي يسأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة إلا أنه يحتمل أنه كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه، لأنه قال: وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. ثم قال هرقل «فلو أني أعلم أني أخلص إليه» أي: أصل إليه «لتجشمت لقاؤه» أي: لتكلفت لقاؤه على خطر ومشقة، وحملت نفسي على الارتحال إليه لو كنت أتيقن الوصول إليه، لكني أخاف أن يعوقني عائق فأكون قد تركت ملكي، ولم أصل إلى خدمته. «ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه» أي: مبالغة في العبودية والخدمة، واقتصاره على غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذ وصل إليه ولاية، ولا منصباً وإنما

стр. 218

يطلب ما يحصل البركة. قال العلماء: ولا يحكم بإيمانه بقوله هنا: إني أخاف أخلص إليه لتجشمت لقاؤه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولا بقوله فيما سيأتي، حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروجه ﷺ وأنه نبي، ولا بقوله: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، وإنما لم يحكم بإيمان بذلك لأنه ظهر منه ما ينافيه حيث قال: قلت: مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فعلمنا أن ما صدر منه لم يصدر عن التصديق القلبي والاعتقاد الصحيح، بل لامتحان الرعية، بخلاف إيمان ورقة بن نوفل فإنه صحيح لأنه لم يظهر منه ما ينافيه. وقال النووي: لا عذر له في قوله: لو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاؤه» لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ وإنما شح بالملك ورغب بالسياسة، وآثرها على الإسلام كما ورد في هذا الصحيح، ولو أراد الله لوفقه كما وفق النجاشي ومازالت عنه الرئاسة. وقال الخطابي: إذا تأملت معاني استقراؤه من أوصافه تبينت قوة إدراكه، فلله درة من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: يقوي أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين. ويدل على عدم إيمانه أيضاً ما رواه ابن حبان في صحيحة أنه قارب الإجابة ولم يجب (١) . وورد أيضاً في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مسلم فقال النبي ﷺ : «كذب بل هو باق على نصرانيته» (٢) .

стр. 219

وورد أيضاً بطريق ضعيف كما قاله الطبراني أنه قال: أعرف أنه كذلك، أنه نبي ولكن لا أستطيع أن أفعل أن أبايعه، وإن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم (١) . قال شيخ الإسلام ابن حجر (٢) : لو تفطن لقول النبي ﷺ في كتابه: «أسلم تسلم» وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله . وأما قول صاحب الاستيعاب: «آمن» فمحمول على أنه أظهر الإيمان لكنه لم يستمر عليه، وشح بملكه وخاف أن يقتله قومه وآثر الفانية على الباقية والله الموفق. وقال أبو سفيان «ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث» أي: أرسله «مع دحية إلى عظيم بصرى» أي: أميرها «فدفعه إلى هرقل» . قال العلماء: يجوز في دال دحية الفتح والكسر، ويقال له دحية الكلبي وهو دحية بن خليفة، وكان ﵁ من أجمل الصحابة وجهاً ومن كبارهم وكان جبريل يأتي النبي ﷺ كثيرًا على صورته (٣) .

стр. 220

وذكر السهيلي عن ابن عبد السلام في قوله تعالى ?أَوْ لَهُواً انفَضُّوا إِلَيْهَا? [الجمعة: ١١] قال: كان اللهو ونظرهم إلى وجه دحية لجماله. وروي أنه كان إذا قدم الشام لم تبق امرأة مخدرة إلا خرجت تنظر إليه، أسلم قديماً ولم يشهد بدراً وشهد المشاهد بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية وسكن «المزة» قرية بقرب دمشق. «فأخذ هرقل الكتاب فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله» إنما قال: عبد الله تعريضاً ببطلان ما تقوله النصارى من أن المسيح هو ابن الله، لأن حكم الرسل كلهم واحد في كونهم عباد الله، وقال: عبد الله ورسوله ولم يعكس من باب الترقي. «إلى هرقل عظيم الروم» إنما قال ﷺ عظيم الروم، ولم يقل ملك الروم لأنه معزول عن الملك بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة لأحد إلا من قبل رسول الله ﷺ لكن لم يُخْلِه ﷺ من نوع الإكرام في المخاطبة، ليكون أخذ بأدب الدين في تليين القول لمن يدعوه إلى دين الحق، فلهذا قال: عظيم الروم، أي: الذي تعظمه الروم ولم يقل إلى هرقل فقط وقد أمر الله بتليين القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال ?ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ? [الإسراء: ١٢٥] . «سلام على من اتبع الهدى» لم يقل ﷺ : سلام عليك، إذ الكافر لا سلام عليه دون لأنه مخزي في الدنيا بالحرب والقتل والسبي، وفي الآخرة معذب بالعذاب الأبدي، وفيه إشعار بأنه إذا اتبع الهدى كان من أهل السلامة. فائدة: قال العلماء: لا يجوز للمسلم أن يسلم على الكافر لأنه ﷺ نهي عن ذلك بقوله «لا تبدأو اليهود والنصارى بالسلام» (١) . وليس المراد من قوله ﷺ : «على من اتبع الهدى» التحية بل معناه: سلم من

стр. 221

عذاب الله لمن أسلم، فلو سلم على من لم يعرفه فبان ذمياً أُستحب أن يسترد سلامة بأن يقول: استرجعت بسلامي تحقيراً له، نعم يجوز للمسلم أن يحيي الذمي بغير السلام بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك، ولو سلم الذمي على المسلم وجب أن يرد عليه ولم يزد في الرد على قوله وعليك لخبر الصحيحين «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (١) ، وفي هذا الصحيح «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا وعليك» (٢) . «أما بعد» يجوز في دال أما بعد أربعة أوجه الضم والفتح والرفع مع التنوين والنصب معه أيضاً، واختلف العلماء في أول من نطق بها على أقوال: فقيل: داود، وقيل: قس بن ساعده، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: سحبان، وكان النبي ﷺ يقولها في خطبة وشبهها روى ذلك عنه عدة من الصحابة. «فأنا أدعوك بدعائه الإسلام» أو بدعوة الإسلام، أي: آمرك بكلمة التوحيد وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله التي يدعى إليها الأمم. وفي هذا الصحيح في الجهاد: «أدعوك بدعاية الإسلام» أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام «أسلم تسلم» أي: إن أسلمت تبق سالماً وهذا من محاسن الكلام وبليغة وإيجازه واختصاره، وفيه نوع من البديع وهو الجناس فهو كقوله تعالى ?وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ? [النمل: ٤٤] . «يؤتك الله أجرك مرتين» جواب ثاني للأمر إن أسلمت تسلم يؤتك الله أجرك مرتين عند الإسلام، كونه كان مؤمناً بعيسى ثم آمن بالنبي ﷺ . قال البرماوي آخر كتاب النكاح: «فائدة: قال العلماء: في قوله ﷺ في كتابه الذي كتبه إلى قيصر: «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» هذا يدل على أن قيصر كان على دين عيسى ﵇ حين كان حقاً قبل التبديل والنسخ، وإلا فلم يكن له أجره مرتين لو أسلم» . ويدل على أنه وأصحابه أهل كتاب لأنه خاطبه بيأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ويحتمل أنه يكون تضعيف الأجر له مرتين من جهة إسلامه ومن

стр. 222

جهة أن إسلامه يكون سبباً لدخول اتباعه في دين الإسلام. ثم قال رسول الله ﷺ : «فإن توليت» أي: أعرضت عن الإسلام «فإن عليك إثم الأَرِيسِيِّينَ» أي: الأكارين وهم الفلاحون، وأرد ﷺ أن عليك إثم جميع رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك، وإنما اقتصر على الزارعين منهم لأنهم كانوا هم الأغلب فيهم، لأنهم أسرع في الانقياد، فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا، حذره ﷺ إذا كان رئيساً متبوعاً مسموعاً أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمله، قال ﵊: «من عمل سيئة كان له إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة» (١) وتقديم لفظ عليك على اسم أن مفيد للحصر أي: ليس أثمه إلا عليك. قال شمس الأئمة الكرماني: فإن قلت: فكيف يكون إثم غيره عليه وقال تعالى ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الزمر: ٧] قلت: المراد إثم الإضلال عليه والإضلال أيضاً كالضلال على أنه معارض لقوله تعالى ?وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ? [العنكبوت: ١٣] . قال ابن حجر: وفي الكلام حذف دل المعنى عليه وهو فإن عليك مع إثمك إثم الأَرِيسِيِّينَ لأنه إذا كان إثم الأتباع عليه بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر، فلأن يكون عليه إثم نفسه. ثم قال ﷺ ?يَا أَهْلَ الكِتَابِ? وهو عطف على بسم الله الرحمن الرحيم ?تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ? [آل عمران: ٦٤] . والحكمة في تخصيص هذه الآية بالإرسال إلى هرقل دون غيرها من الآي أنه نصراني، والنصارى جمعت هذه الأمور الثلاثة عبدوا غير الله وهو عيسى، وأشركوا بالله فقالوا إنه ثالث ثلاثة، واتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، قال الله تعالى ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ? [التوبة: ٣١] . قال أبو سفيان «فلما قال» يعني هرقل «ما قال» أي: من الأسئلة والأجوبة

стр. 223

«وفرغ من قراءة الكتاب» أي: كتاب رسول الله ﷺ ، «كثر عنده» أي: عند هرقل، «الصخب» أي: اللغط وهو أصوات مختلفة مبهمة لا تفهم، فلا أدري ما قالوا، «وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي: أخرجنا» أي: من مجلسه «لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة» هذا جواب لقسم محذوف تقديره: والله قد أمر أي: أعظم أمر أبن أبي كبشه أي: أمر محمد. وأختلف العلماء في أبي كبشه الذي نسبه إليه أبو سفيان هنا فقيل كان رجلاً من خزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان، وكان يعبد الشعرى، ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك، فشبهوا النبي ﷺ وجعلوه ابناً له لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشه. وقيل: أبو كبشة جد النبي ﷺ من قبل أمه من الرضاع، وقيل: من قبل أمة وإنما نسبوه إلى هذا الجد تحقيراًٍ له بنسبته إلى غير نسبه المشهور، فإنه كان من عادة العرب إذا انتقضت أحداً نسبه إلى جد غامض. فائدة: لم يقتل النبي ﷺ بيده قط أحداً سوى أبي بن خلف قاله في البرهان في شرح السيرة، ولما طعنه رسول الله ﷺ قال: طعنني ابن أبي كبشة قاله ابن الملقن. ثم قال أبو سفيان «إنه يخافه ملك بني الأصفر» أي: ملك الروم وسمى الروم الأصفر فقيل: لأن جدهم روم بن غيص بن إسحاق بن إبراهيم تزوج بنت ملك الحبشة فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، وقيل لأولاده بنو الأصفر، وقيل: لهم بني الأصفر لأن جيشًا من الحبشة غلب على ناحيتهم في وقت، فوطئ نساءهم فولدن أولادًا صفرًا من سواد الحبشة وبياض الروم. قال أبو سفيان «فمازالت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام» وتقدم أنه أسلم ليلة الفتح، قال بعضهم: لم يسلم ليلة الفتح إلا في الظاهر فلهذا أظهر النفاق بعدها في غزوة حنين، ثم حسن إسلامه في الطائف، وإيمانه ﵁ صحيح خلافاً لما يقع في بعض التواريخ، وتقدم أن أبا سفيان كان يسمى بصخر، وكان يسمى أبوه حرب، وكان جده يسمى بأميه بن أبي الصلت، وكان أميه شاعراً وكان شعره مشتملاً على الوحدانية والبعث، وسمع النبي ﷺ شعره فقال: «لقد كاد أن يسلم» قال ذلك لما سمع قوله: لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... فلا شيء أعلا منك حمداً وأمجدا وكان أبوه قد قرأ التوراة والإنجيل في الجاهلية، وكان يعلم بأمر ﷺ قبل مبعثه

стр. 224

فطمع أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ وصرفت النبوة عن أميه حسده وكفر وأنزل في حقه كما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ? [الأعراف: ١٧٥] ، وأما ولده حرب جده معاوية فإن الجن قتلوه بمفازة وأنشدوا فيه. وقبر حرب بمكان فقر وليس قرب قبر حرب قبر ولقتله سبب ذكره الكمال الدميرى في الغراب. قال الإمام النووي ﵁: اعلم أن هذه القطعة أي: من قصة هرقل مشتملة على جميل من القواعد ومهمات من الفوائد: منها: جواز مكاتبة الكفار وقد كاتب النبي ﷺ ستة من ملوك الكفار غير هرقل كما سنذكرهم في محلهم إن شاء الله تعالى. ومنها: دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم. ومنها: استحباب تصدير الكتب بسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافراً، وكان النبي ﷺ في أول الأمر قبل نزول البسملة يصدر كتابه باسمك اللهم على طريقة قريش حتى نزلت ?بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا? [هود: ٤١] فكتب بسم الله حتى نزلت ?قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ? [الإسراء: ١١٠] فكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت ?إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ? [النمل: ٣٠] فكتبها. ومنها: أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن بيد الكتاب بنفسه فيقول من فلان إلى فلان، وإن كان المرسل إليه أعظم من المرسل كما عليه الأكثر، قال الربيع بن أنس ما كان أحد أعظم حرمة من النبي ﷺ وكان أصحابه يكتبون إليه مبتدين بأنفسهم وهم مقتدون في ذلك برسول الله ﷺ فإنه بدأ بنفسه لما كاتب هرقل وغيره فقال: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. وروى: أن هرقل لما أخرج كتاب رسول الله ﷺ ليقرأه فرأى أخو هرقل أنه ﷺ بدأ بنفسه فأخذ الكتاب ليمزقه فأخذه هرقل وقال: أنت أحمق صغير وأحمق كبير , وقرأه. ومنها: أن فيه دلالة على جواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة فيها بسم الله للضرورة، ونقل عن مالك الكراهة. ومنها: أن فيه دلالة على جواز مسافرة المسلم إلى أرض الكفار. ومنها: أن فيه دلالة على جواز بعث آية من القرآن ونحوها إليهم، نعم لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الكفر، وكذلك لا يجوز المسافرة بحمله منه خوفاً من وقوعه

стр. 225

في أيدي الكفار، وعليه يحمل النهي عن المسافرة بالقرآن إلى بلاد العدو. ومنها: أن فيه دلالة على أن العدو لا يؤمن أن يكذب على عدوه. ومنها: وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا لما بعثه مع دحية وحده، وذلك بإجماع من يعتد به. ومنها: أن فيه دلالة على جواز مس الجنب أو الكافر ما في الكتاب وغيره إذا كان غير القرآن أكثر. ومنها: أنه لابد من استعمال الورع في الكتابة، فلا يفرط ولا يفرط، ولهذا قال له: هرقل عظيم الروم. ومنها: استحباب البلاغة والإيجاز، وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة، فإن قوله: أسلم تسلم في نهاية الاختصار والبلاغة وجمع المعاني. ومنها: أن من أدرك نبيين متبعاً لهما فله أجره مرتين. ومنها: أن صدق رسول الله ﷺ وعلاماته كان معلوماً لأهل الكتاب علماً قطعيًا، وإنما ترك الإيمان منهم من تركه عنادًا وخوفًا على فوات مناصبهم. ومنها: أن من كان سببًا للضلالة أو منع هداية كان إثما. ومنها: استحباب أما بعد في الخطب والمكاتبات ونحوها. فائدة: ذكر بعض شراح البخاري أن دحية لما قدم على هرقل قال له: يا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله خير منه ومنك، فاسمع بذل وأجب تنصح، فأنك إن لم تذل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف، قال: هات، قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟ قال: نعم، قال فأني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من خلق السماوات والأرض، والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى وبشر به عيسى بن مريم بعده، وعندك من ذلك آثار من علم يكفي من العيان، ويشفي من الخبر، فإن أحببت كان لك الدنيا والآخرة وإلا ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا، اعلم أن لك رباً يقصم الجبابرة ويقرر النعم، فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينه ورأسه وقلبه، ثم قال: والله ما تركت كتاباً إلا قرأته ولا عالماً إلا سألته، فما رأيت إلا خيراً فأمهلني حتى انظر من كان المسيح يصلي له، وأنا أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غداً ما هو أحسن منه، فأرجع عنه فيضرني ولا ينفعني، أقم حتى انظر فلم يلبث أن أتته وفاة رسول الله ﷺ . خاتمة: روي أن هرقل وضع كتاب النبي ﷺ الذي كتبه في قصعة من ذهب تعظيماً

стр. 226

له، وأنهم لم يزالوا يتوارثون كابرًا عن كابر في أرفع صوان وأعز مكان. قال شيخ الإسلام ابن حجر: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي قال: حدثني سيف الدين المنصوري قال: أرسلني ملك الإفرنج في شفاعة فقبلها وعرض على الإقامة عنده فقال: لأتحفنكم بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقًا مصحفًا بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب فأخرج منه كتابًا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، مازلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا أباؤنا عن أبائهم إلى قيصر أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصاري ليدوم الملك فينا. ويؤيد هذا ما روي أن النبي ﷺ لما جاء جواب هرقل قال: «ثبت ملكه» (١) . قال ابن حجر: ثم قال البخاري «وكان ابن الناظور» روي بالطاء المهلمة وبالظاء المعجمة ومعناه: حافظ الزرع والناظز إليه، وهو معطوف على وأخبرني عبيد الله، والتقدير: عن الزهري، وأخبرني عبيد الله ... فذكر الحديث، ثم قال الزهري: «وكان الناظور صاحب إيلياء وهرقل أسقفاً على نصارى الشام» ، وهرقل مجرور بالعطف على إيلياء أي: كان ابن الناظور صاحب إيلياء وصاحب هرقل أسقفًا. قال الكرماني: ولفظ الصاحب هذا بالنسبة إلى هرقل حقيقة فإنه بمعني الصديق وبالنسبة إلى إيلياء مجازًا إذا المراد الأحكام فيه، وإرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي من لفظ واحد باستعمال واحد جائز عند الشافعي، وإما عند غيره فهو مجاز بالنسبة إلى المعنيين باعتبار معنى شامل لهما، ومثله يسمى بعموم المجاز، ويجوز في صاحب النصب على الاختصاص أي: على الحال، والرفع على أنه مبتدأ محذوف، وقوله «يحدث» خبر «كان» . فائدة: النصارى جمع نصراني سمو بذلك لنصره بعضهم بعضاً، أو لأنهم نزلوا موضعاً يقال له نصرانه أو ناصره، أو لقوله تعالى ?مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ? [الصف: ١٤] والمعنى: أن هرقل لما وصل إلى بيت المقدس، وكان إذ ذاك ببيت المقدس حاكم يقال له ابن الناظور وكان صاحب هرقل وكان أسقفاً على نصارى الشام أي: عالمهم وقاضيهم ومقتداهم «وكان يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء» أي: في الأيام التي انتصرت جنوده على جنود فارس وأخرجهم من بلاده , «وأصبح يوماً خبيث

стр. 227

النفس» أي: رديء النفس غير طيبها أي: أصبح ما غير نشط ولا منبسط «فقال له بعض بطارقته» أي: خواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم «قد استنكرنا هيئتك» أي: أنكرنا حالتك أي: رأيناها مخالفة لسائر الأيام «قال ابن الناظور: وكان هرقل حَزَّاءً ينظر في النجوم» يحتمل أن يكون خبراً ثانياً لكان لأنه ينظر في الأمرين، ويحتمل أن يكون تفسيراً لحزاء، فإن الكهان تارة تستدل إلى اللقاء الشيطان الشياطين، وتارة يستفاد من إحكام النجوم، وكان كلاً من الأمرين في الجاهلية شائعاً ذائعاً، إلى أن أظهر الله الإسلام فانكسرت شوكتهم وأبطأ الشرع الاعتماد عليهم. وقال لهم هرقل حين سألوه أي: عما استنكره منه «إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان» أي: رأيت الطائفة الذين يقطعون الجلدة التي فوق الحشفة «قد ظهر» أي: غلبوا وملكوا يعني له نظره في النجوم، أن الملك ينتقل عنهم إلى الطائفة الذين يختتنون، فإن النصارى لا تختتن، وكان أدرك ذلك وحصله من حساب المنجمين، فإنهم زعموا أن المولد النبوي كان بقران العلويين ببرج العقرب، وهم يقترنان في كل عشرين سنة مرة إلى أن تستوفي المثلثة بروجها في ستين سنة، فكان في ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور، وعند تمام العشرين الثانية مجيىء جبريل بالوحي، وعند تمام الثالثة فتح خيبر ومكة ظهور الإسلام، وعندهم أن برج العقرب مائي وهو دليل ملك القوم الذين يختتنون وكان دليلاً على انتقال الملك للعرب. فإن ساغ للبخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية قول المنجمين والاعتماد على ما يدل أحكامهم. فالجواب: أنه قصد أن يبين أن البشارات بالنبي جاءت من طريق، وعلى كل لسان رفيق من كاهن أو منجم محق أو مبطل. ثم سأل هرقل «فمن يختتن من هذه الأمة» أي: من أهل هذا العصر وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم فيه تجوز «قالوا: ليس يختتن إلا اليهود» والحصر في قوله «إلا اليهود» بمقتضي علمهم لأن اليهود كانوا بإيليا تحت الذل مع النصاري بخلاف العرب، ثم قالوا: «فلا يهمنك شأنهم» أي: هم أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم «واكتب مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود فبينما هم على أمرهم» أي: في هذه المشورة أبي هرقل برجل أرسل إليه به أي: صاحب بصرى واسمه الحارث بن أبي شمر هلك على كفره، وكان من ملوك اليمن سكنوا الشام «يخبر عن خبر رسول الله ﷺ فلما استخبره هرقل» أي: سأله عن أخبار رسول الله ﷺ فأخبره عنها قال:

стр. 228

«اذهبوا به» أي: بالرجل المخبر «فانظروا أمختتن أو لا» أي: أمختونا هو أم لا «فنظروا إليه فحدثوه انه مختتن» . قال الكرماني: وهذا صحيح وصريح في أن العرب قبل البعثة كانوا يختتون. «وسأله عن العرب فقال: هم يختتون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة» أي: ملك أهل العرب قد ظهر، «ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية» ويجوز فيها تخفيف الياء وتشديدها كما ضبطه الكرماني بذلك؟ وقال ابن الملقن: رومية بضم الراء تخفيف الياء مدينة معروفة بالروم وكانت مدينة رياستهم، ويقال: إن روماس بناها. قال البلقيني (١) : اسم صاحبه برومية ضغاطر الأسقف الرومي، وقيل: بقاطر آمن برسالة النبي ﷺ فقتل بين يدي هرقل أي: كتب إليه من بيت المقدس يسأله عن هذا الأمر «وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص» يفارقها حتى «أتاه كتاب من صاحبه» أي: الذي برومية «يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي» . قال شيخ الاسلام ابن حجر: هذا يدل على أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوة نبينا ﷺ لكن هرقل لم يستمر على ذلك بخلاف صاحبه، «فأذن حينئذ هرقل لعظيم الروم في دَسْكَرَةٍ له بحمص» والدسكرة بفتح الدال والكاف والراء وسكون السين بينهما بناء كالقصر حواليه بيوت ومنازل للخدم والحشم، والمعنى: أذن هرقل لعظماء الروم في دخول الدسكره، وكانه دخل القصر ثم أغلقه وفتح أبواب البيوت التي حوله، وأذن للروم في دخولها ثم أغلقها بعد دخولهم ثم أطلع عليهم كما صرح بذلك بقوله «ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم أطلع» أي: خرج من حرمه وظهر للناس «فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح» أي: في الفوز «والنجاة والرشد» أي: الخير «أن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي» هكذا أكثر الأصول في البيعة، وفي بعضها «فتتابعوا» من المتابعة، وهو الاقتداء «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ» أي: نفروا حين سمعوا منه هذا الكلام وكروا راجعين نفرة الوحوش، وشبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل، وعدم الفطنة بل هم أضلوا حتى وصلوا إلى الأبواب فوجدها قد غلقت «فلما رأى» أي: هرقل «وأيس من الإيمان» أي: إيمانهم لما أظهروه، وايمانه أنه كان شح بنفسه بملكه، وكان يحسب أن يطيعوه فيستمر ملكه «قال: ردوهم علي فقال: إني قلت مقالتي الساعة» ويجوز فيه المد وهو الأكثر الأشهر ويجوز القصر «اختبر بها شدتكم

стр. 229

على دينكم» أي: امتحن فيها رسوخكم في دينكم «وقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه وكان ذلك آخر شأن هرقل» أي: في حال النبي ﷺ وقصته. وقد ذكر البخاري حديث هرقل في كتابه في عشر مواضع والله أعلم (١) . قال ابن رجب: قوله «وكان آخر شأن هرقل» الظاهر أنه من كلام الزهري ومراده: أن هذا آخر ما بلغه من خبره والله اعلم بالحال وإليه المرجع وإنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. * * *

стр. 230

المجلس الثاني عشر كتاب الإيمان في الكلام على الإيمان وشروط الإسلام وفيه فوائده ولطائف كثيرة وأفتح هذا المجلس بخطبة فتح الباري لشيخ الإسلام ابن حجر لمناسبتها وانساجمها فأقول: الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإيمان بالهدى، ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعي الحكمة أبدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً فرداً صمداً وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، ما أكرمه عبداً وسيداً وأعظمه أصلاً ومحتداً، وأطهره مضجعاً ومولداً، وأبهره صدراً ومورداً ﷺ وعلى إله وصحبه غيوث الندا، وليوث العدا، صلاةً وسلاماً دائمين من اليوم وإلى أن يبعث الناس غدا. «كتاب الإيمان» لما فرغ البخاري ﵀ من كتاب بدء الوحي عقبة بذكر الإيمان، وقدوم الإيمان على الصلاة وغيرها لأنه أصل لجميع العبادات، أو شرط لصحتها فالعبادات كلها مبينة عليه، وبه النجاة في الدارين. والكتاب: في اللغة الضم والجمع، وأما الكتاب في اصطلاح المصنفين فهو اسم لضم مخصوص، أو لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول، أو مسائل غالباً، وهو مصدر كتب لكنه اسم مفعول مجاز أي: المكتوب فهو على حد قوله تعالى ?هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي? [لقمان: ١١] أي: مخلوقه. والإيمان في اللغة: التصديق مطلقاً، مصدر أمن، وأصله: «أمان» قلبت الهمزة الثابتة ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها في علم الصرف من أن الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة ثانيتهما ساكنة وجب قبلها بحركة ما قبلها، «وأمن» أصله «أمن» قلبت الثانية ألفاً لانفتاح ما قبلها وهمزة «أمن» يجوز أن تكون للتعدية بمعنى: أن المصدق جعل الغير آمنا من تكذيبه، ويجوز أن تكون للضرورة بمعنى: أن المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذوباً، وهو تارة يتعدى باللام وتارة يتعدى بالياء باعتبار تضمنه معنى الإذعان، والقول يعدى باللام كما في قوله تعالى ?فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ? [العنكبوت: ٢٦] وباعتبار تضمنه معنى الإقرار والاعتراف يعدى بالباء كما في قوله: ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ? [البقرة: ٢٨٥] وقوله ?يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ? [البقرة: ٣] كأنه قال يؤمنون معترفين وهو حكم واحد لكنه يقع تعليقه بمتعلقات متعددة

стр. 231

باعتبارات مختلفة، مثل: آمنت بالله بأنه واحد متصف بكل كمال منزه عن كل وصف لا كمال فيه، وآمنت بالرسول بأنه مبعوث من الله، وآمنت بالملائكة أي: بأنهم عباد الله المكرمون المعصومون، وآمنت بكتب الله أي: بأنها منزلة من عند الله وبكل ما تضمنته حق وصدق. وأما الإيمان في الشرع ففيه أقوال والمشهور منها أربعة: الأول: أنه التصديق بالقلب فقط أي: قبول القلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ ، بحيث تعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كالوحدانية والنبوة والبعث والجزاء وجوب الصلاة والزكاة وحرمة الخمر ونحوها، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً كجبريل وميكائيل وموسي وعيسي والتوراة والإنجيل، حتى أن من لم يصدق الواحد منها فهو كافر، وهذا القول هو المختار عند جمهور الأشاعرة، والتلفيظ بالشهادتين على هذا القول من القادر عليه شرط لإجراء أحكام الدين من الصلاة خلفه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وعصمة الدم ونكاح المسلمة ونحوها شرطاً لصحة الإيمان، وإنما كان الإقرار شرطاً لاجراء الأحكام: لأن التصديق أمر باطن لا اطلاع لنا عليه فلابد من علامة فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله، وإن لم يكن مؤمناً في أحكام الدنيا، ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فهو مؤمن في أحكام الدنيا، وإن لم يكن مؤمناً عند الله، والنصوص معاضدة مقوية لهذا القول قال الله تعالى ?أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ? [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى ?وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ? [النحل: ١٠٦] وقال تعالى ?وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ? [الحجرات: ١٤] . وقال ﷺ «اللهم ثبت قلبي على دينك» (١) ، وقال لأسامة حين قتل من قال لا إله إلا

стр. 232

الله: «هل شققت قلبه» (١) . الثاني: أنه تصديق بالقلب واللسان معاً ويعبر عنه: بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وهذا القول منقول عن أبي حنيفة مشهور عن أصحابه، وقال به كثير من المحققين كما قاله في شرح المقاصد. فماهية الإيمان على هذا من أمرين إقرار باللسان وتصديق بالجنان، فمن أخل بواحد منهما فهو كافر فالإقرار باللسان على هذا شطر، وعلى الأول كما تقدم شرط فلا يثبت الإيمان على هذا القول إلا بهما عند العجز عن النطق والإكراه، فإنه يثبت بتصديق القلب فقط فالتصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلاً، والإقرار قد يحتمله كما في العاجز عن النطق والمكره. الثالث: أنه التصديق بالقلب والاقرار باللسان وعمل سائر الجوارح فماهيتة على هذا مركبة من أمور ثلاثة الإقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، فمن أخل بشيء منها فهو كافر، وهذا القول للخوارج، ولذا كفروا بالذنب فقالوا: إن مرتكبه مطلقاً كافر لانتفاء جزء الماهية، والذنوب كلها عندهم كبائر، وهذا القول مردود باطل لأنه ورد في الكتاب السنة عطف الأعمال عليه كقوله تعالى ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? [البقرة: ٢٧٧] مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، ورد أيضاً بجعل الإيمان شرطاً لصحة الأعمال كما في قوله تعالى ?وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ? [طه: ١١٢] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء بنفسه، ورد أيضاً بإثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى ?وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا? [الحجرات: ٩] مع القطع بأنه لا تحقق للشيء بدون ركنه. نعم جمهور السلف من المتكلمين والمحدثين والفقهاء ذهبوا إلى أن الأعمال شرط في كمال الإيمان وفي صحته.

стр. 233

ونقل هذا المذهب عن الإمام الشافعي وهو مذهب البخاري ﵁ فإنه عقد أبواباً بإطلاق الإيمان على الأعمال، فالسلف أرادوا إطلاق الإيمان على الأعمال كما قاله ابن حجر على أنها شرط في كماله لا في صحته. والخوارج أرادوا بذلك أن الأعمال ركن من أركانه كما تقدم، فعند السلف متى فسد العمل بطل كمال الإيمان لا أصله وهو مقصود البخاري بإطلاق الإيمان على الأعمال. الرابع: الإيمان تصديق باللسان فقط أي: الإتيان بكلمتي الشهادة، وهذا قول الكرامية، وهذا القول أيضاً مردود باطل، ويدل على بطلان صحة نفي الإيمان عن بعض المقرين باللسان قال الله تعالى ?وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ? [البقرة: ٨] ، وقال الله تعالى: ?قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا? [الحجرات: ١٤] . قال المولى سعد الدين: وأما المقر باللسان وحده فلا نزاع في أنه يسمى مؤمناً لغة وتجري عليه أحكام الإيمان ظاهراً، وأما النزاع في كونه مؤمناً بينه وبين الله، والنبي ﷺ ومن بعده كانوا يحكمون بإيمان من تكلم بكلمة الشهادة، وكانوا يحكمون بكفر المنافق، فدل على أن المعتبر في الإيمان إقرار اللسان فقط، وأيضاً الإجماع منعقد على إيمان من صدق بقلبه وقصد الإقرار باللسان فمنعه مانع من خرس ونحوه. فائدة: تصديق النبي ﷺ فيما جاء سمي إيماناً لأن العبد إذا صدقه ﷺ في ذلك أمن من القتل الدنيوي، والعذاب الأخروي. فائدة: ذكر العلماء من الشافعية لصحة الإسلام أي: للإقرار بالشهادتين من الكافر سواء جعلناه شطراً أو شرطاً ست شرائط نظمها بعضهم فقال: شرائط إسلام حقيقاً بصحة ... نعم ستة تعزى لأهل البصيرة بلوغ وعقل واختيار ولفظة ... وقول مجهرالترتب تمت الشرط الأول: البلوغ فلا يصح إسلام صبي استقلالاً كما قاله في الروضة. وأما الصبي المميز ففيه أوجه الصحيح المنصوص عليه أنه لايصح إسلامه، لكن يشكل ذلك بإسلام سيدنا علي كرم الله وجهه فإنه كان قبل البلوغ، ولهذا كان بدر الدين بن جماعة قاضي مصر يقضي بصحة إسلامه، وبصحة إسلامه قال الأئمة الثلاثة قالوا: إلا أن النبي ﷺ دعا علياً إلى الإسلام فأجابه، قالوا أولاً يلزم من كون غير مكلف لا يصح منه الإسلام فإن عباداته من صلاة وصيام ونحوها صحيحة فكذلك

стр. 234

إسلامه. وقال إمام الحرمين (١) : قد صححوا إسلامه، والمعتمد عند الشافعية عدم الصحة، وأجابوا عن إسلام سيدنا علي بأجوبة من أحسنها ما نقله البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار، وهو أن الأحكام إنما علقت بالبلوغ بعد الهجرة عام الخندق. وقال ابن العماد في شرح سيرته (٢) : إنما علقت به عام خيبر، وعبارته: «وفي عام خيبر رفع القلم عن الصبي والمجنون والنائم، وكان قبل ذلك موضوعاً على ما نقل عن البيهقي أنه قال: واستمر عليهم التكليف إلى عام خيبر ثم رفع قال: ولهذا صح إسلام علي ﵁ في حال الصبا لأنه كان في قبل رفع القلم والصبيان إذ ذاك مكلفون وظاهر قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» (٣) يشهد لما قاله فإن الرفع يدل على سبق وضع (انتهى) . فانظروا إلى هذا التنافي في النقل عن البيهقي، وأما قبل ذلك فكانت متعلقة بالتمييز فصح، وحنيئذ فيسقط الإشكال، وأجابوا عن القياس على الصلاة ونحوها بأن صلاة الصبي وصومه ونحوهما يقع نفلاً، والإسلام لا ينتقل له، قاله أمامنا الشافعي ﵁. وإذا نطق الصبي من أولاد الكفار بالشهادتين لا يصح إسلامه، لكن يحال بينه

стр. 235

وبين أبويه وأهله الكفار استحباباً، لئلا يفتنوه، ولأنه ربما يثبت على ما وصفه من الإسلام إلى ما بعد بلوغه، فإن بلغ ووصف الكفر هدد فإن أصر رد إليهم، وينبغي أن يتلطف بوالديه ليؤخذ منهما، فإن أبيا فلا حيلولة هذا في أحكام الدنيا، وأما في الآخرة، فإذا أضمر الصبي كما أظهر ثم مات بعدها كان من الفائزين بالجنة، ويعبر عن هذا بصحة إسلامه باطناً لا ظاهراً نعم قال العلماء: يحكم بصحة إسلام الصبي بطريق التبع في ثلاث صور: الأولى: تبعية الدار فإذا وجد الصبي لقيط في دار الإسلام لا يعرف له أهل يحكم بإسلامه، وان كان فيها أهل ذمة تغليباً للإسلام، أما إذا وجد اللقيط في دار الكفر لم يكن فيها مسلم فاللقيط الموجود فيها محكوم بكفره. الثانية: تبعية السابي فإذا سبي المسلم طفلاً منفرداً عن أبويه حكم بإسلامه تبعاً للسابي، لأنه صار تحت ولايته كالأبوين، سواء كان السابي بالغاً أو غير بالغ، أو مجنوناً أما إذا سباه ومعه أبواه أو أحدهما فإنه لا يحكم بإسلامه، وكذا لو سباه ذمي لا يحكم بإسلامه ولو باعه لمسلم. الثالثة: تبعية أصوله فمن كان أحد أبويه مسلماً يوم علوقه، حكم بإسلامه لأنه جزء من مسلم، وكذا إذا كانا كافرين يوم العلوق، ثم أسلما أو أحدهما قبل بلوغ الولد حكم بإسلامه في الحال، وفي معنى الأبوين الجد والجدة سواء الجد للأب وللأم تبعه الطفل سواء كان الأب حياً أو ميتاً لأن التبعية للفرعية، وهي لا تختلف بحياة الأب أو بموته. الشرط الثاني من شروط الإسلام: العقل فلا يصح إسلام المجنون استقلالاً بل بطريق التبع كما في الصبي، سواء بلغ مجنوناً أو عاقلاً ثم جن. الشرط الثالث من شروط الإسلام: الاختيار فلا يصح إسلام المكره على الإسلام، وظاهر النظم يقتضي أانه لا فرق بين الذمي وغيره، وليس كذلك بل يقال إذا أكره الذمي على التلفيظ بالشهادتين لا يصح إسلامه في الأصح، بخلاف ما إذا أكره الحربي أو المرتد على الإسلام فإنه يصح إسلام كل منهما، صرح بذلك النووي في الأذكار فقال: لو أكره مسلم كافراً على الإسلام فنطق بالشهادتين، فإن كان الكافر حربياً صح إسلامه، لأنه إكراه بحق، وإن كان ذمياً لم يصر مسلما لأنا إلتزمنا الكف عنهم فأكرهه بغير حق. الشرط الرابع: التلفيظ بالشهادتين فلا يصح إسلام من صدق بقلبه ولم يتلفظ

стр. 236

بلسانه، وهل يتعين في صحة الإسلام التلفيظ بالقول المعروف أعني: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، أو يحصل الإسلام بما يؤدي معناها؟ فال الروياني والماوردي: يتعين اللفظ المعروف ولا يحصل الإسلام بغيره، والمذهب المعتمد أنه لا يتعين اللفظ المعروف بل يحصل الإسلام به وبغيره مما يؤدي معناه، كما قاله الحليمي في منهاجه وأقروه عليه. فلو قال: لا إله سوى الله، أو لا إله ما عدا الله، أو ما من إله إلا الله، ولا إله إلا الله الرحمن، أو لا رحمن إلا الله، أو لا إله الله البارئ، أو لا بارئ إلا الله كان كقوله: لا إله إلا الله، ولو قال: أحمد رسول الله أو أبو القاسم رسول الله كان كقوله محمد رسول الله، ولو قال كافر: آمنت بالله أو أسلمت بالله أو أسلمت وجهي لله فإن كان يشرك بالله غيره لم يصر مؤمناً بدون ذلك، ولو قال آمنت بالله وبمحمد كان مؤمناً بالله لإثبات الإله، ولا يكون مؤمناً بنبوة محمد حتى يقول بمحمد النبي أو محمد رسول الله، ولو قال: آمنت بمحمد النبي صح إيمانه برسول الله بخلاف ما لو قال: آمنت بمحمد الرسول، لأن النبي لا يكون إلا لله تعالى، والرسول قد يكون لغيره، ولو قال: الكافر لا إله إلا الملك أو لا إله إلا الرازق لم يكن مؤمن لأنه قد يريد بذلك السلطان الذي له جند يرتب أرزاقهم، بخلاف ما لو قال لا ملك إلا الله ولا رازق إلا الله فإنه يحكم بإسلامه، وهو قال يهودي إني بريء من اليهودية أو نصراني أنا بريء من النصرانية لم يحكم بإسلامه لأن ضد اليهودية والنصرانية غير منحصر في الإسلام. ولو قال الكافر الإسلام وحق لم يكن مؤمناً، لأنه قد يقر بالحق ولا ينقاد له، ولو نطق الكافر بالشهادتين بغير إكراه فإن كان على سبيل الحكاية بأن قال: سمعت زيداً يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم يحكم بإسلامه، وإن نطق بهما بعد استدعاء مسلم بأن قال له مسلم قل لا إله إلا الله محمد رسول الله فقالهما صار مسلماً، وكذا لو نطق بهما ابتداء من غير استدعاء ولا حكاية فإنه يحكم بإسلامه كما قاله الجمهور. ولو نطق الكافر بالشهادتين صح إسلامه وإن لم يقل وأنا برئ من كل دين يخالف دين الإسلام، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، فلا يحكم بإسلام العيسوية من اليهود وهم أبتاع أبي عيسى الأصبهاني اليهودي يقولون: إنه أرسل إلى العرب خاصة، دون بني إسرائيل فلا يكفي في إسلام واحد منهم الإتيان بالشهادتين فقط، بل لابد من البراءة المذكورة، أو يقول محمد رسول الله إلى جميع الخلق.

стр. 237

ولو قال الكافر: الصلاة واجبة علي الصوم أو غيره من أركان الإسلام وهو على خلاف عقيدته التي كان عليها لا يصير بذلك مسلماً على الأصح، ولو اقتصر الكافر على قول لا إله إلا الله لا يكون مسلماً على الأصح الذي عليه الجمهور. وقيل: ويطالب بالشهادة فإن أبي جعل مرتداً ولو أشار الأخرس الكافر بالشهادتين إشارة مفهمة إسلامه، وقيل: لا يحكم بإسلامه إلا إذا صلى. فائدة: يصح إسلام الكافر بجميع اللغات كما ذكره النووي في الروضة في الظهار، فلو نطق أعجمي بلسان صح إسلامه، وإن كان قادراً على النطق بالعربية لوجود الإقرار، ولكن إذا لقن الكافر الأعجمي كلمتي الإسلام بالعربية فنطق فصح بشرط أن يعلم معنى الشهادتين، فإن لم يعرف معناها لم يحكم بإسلامه، وكذا إذا نطق بهما بغير لغته أيّ لغة كانت يصح إسلامه بشرط أن يعرف المعنى. قال في الأنوار: وأن يعرفه غيره ويكفي واحد. فائدة أخرى: لو قال الكافر لا إله إلا الله عيسى رسول الله وموسى رسول الله وكذا غيره من الأنبياء قبل النبي ﷺ لم يحكم بإسلامه، لأن الإقرار برسالة محمد ﷺ إقرار برسالة من قبله لأنه شهد لهم وصدقهم. قال الرافعي (١) : ويتوجه أن يقال كما أن محمد ﷺ شهد لهم وصدقهم فقد شهدوا له وبشروا به أي: فينبغي الصحة بذلك. وأجاب القاضي زكريا عن ذلك: بأن شريعته ناسخة لما قبلها باقية بخلاف شريعة غيره. الشرط الخامس: الجهر بما تلفظ به، قال المولى سعد الدين في شرح المقاصد: ولا يخفى أن الإقرار لأجل الأحكام لابد، وأن تكون على وجه الإعلان والإظهار للإمام وغيره. الشرط السادس: الترتيب بين كلمتي الشهادة، بأن يقول أولاً لا إله إلا الله ثم يقول محمد رسول الله، فلو قال الكافر أولاً محمد رسول الله ثم قال ثانياً لا إله إلا الله لا يصح إسلامه. قال ابن الملقن: وهذا الشرط اشترطه القاضي أبو الطيب من أصحابنا ولم أر من وافقه ولا من خالفه.

стр. 238

وقال شيخ الإسلام ابن حجر (١) : اشترط الباقلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد على الرساله، ولم يتابع مع أنه إذا دقق فيه بأن وجهه ويزداد اتجاهاً إذا فرقهما فليتأمل. وسمعت من بعض مشايخي شرطاً سابعاً للإسلام وهو: أن يأتي بكلمة الشهادة بصيغة التنجيز دون التعليق فإن أتى بصيغة كأن قال: إذا فرغ الشهر فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله لا يحكم بإسلامه، وقد صرح بالمسألة في الأنوار فقال: والعزم عليه في المستقبل ليس بإسلام حتى لو قال الكافر: أنا أسلم لا يحكم بإسلامه في الحال. وأما المولاة بين الشهادتين فلا تشترط كما ذكره الحليمي وغيره، فلو قال كافر: أول النهار لا إله إلا الله ثم قال في آخره محمد رسول الله حكم بإسلامه. وقد ردد بعض العلماء للمؤمن علامات يتميز بها عن غيره وهي في الحقيقة موعظة فقالوا: المؤمن إذا أدب تأدب، وإذا أهذب تهذب، المؤمن خفيف له من الله معونة كالنحلة إذا وقعت على عود لا تكسره، وهي تأكل طيبها، ويصدر عنها طيب، والمؤمن يأكل الحلال، فيصدر عنه صالح الأعمال، النحلة لعابها صاف، وشرابها شاف، والمؤمن رؤيته شفاء وموعظته دواء، ينتفع برؤيته قبل روايته، خيره بادر وشره نادر. قال الفضيل: المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل. وقال: المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأحقر كل شيء قدراً، زاجر عن كل شر، حاضر على كل خير، لا حقود ولا حسود، ولا مرتاب ولا سباب ولا مغتاب، يكره الرفعة ويبغض السمعة، طويل الهم كثير الغم، حليف الصمت عزيز الوقت، لا متافك ولا متهتك، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلم، ومراجعته تفهم، لا يبخل ولا يعجل، ولا يضجر، ولا يجهر، لا جزع، ولا هلع، ولا صلف، ولا عنف، قليل المنازعة، جميل المراجعة، عدل إن غضب، دقيق إن طلب، خليص الود، وثيق العهد، وفي الوعد شفوق، وصول حليم، حمود قليل الفضول، راض عن مولاه، مخالف لهواه، لا يغلظ على من يؤذيه، ولا يخوض فيما لا يعنيه، إن سب أو أوذي لم يسب، وإن طلب ومنع لم يغضب، لا يشمت بمصيبة، ولا يذكر أحد بعيبه، هشاش بشاش، لا فاحش ولا غشاش، كظام بسام صوام قوام، دقيق النظر، عظيم الحذر، وهذا هو المؤمن حقاً.

стр. 239

وجاء في الحديث: «المؤمن كالجمل الأنوف إن قيد انقاد، وإن أنيخ على جمرة استناخ» (١) ومعناه: أن المؤمن إذا دعي لخير أجاب بسهولة كالجمل المخروم في أنفه ولله در القائل في المعنى. ومازال بي شوقي إليك يقودني ... يذلل مني كل ممتنع صعب إذا كان قلبي سائراً بزمامه ... فكيف بجسمي بالمقام بلا قلب وكما الجمل الأنوف إذا أُنيخ على جمرة استناخ، كذلك المؤمن مقيم على باب مولاه صابر على بلواه، تارك لشكواه، مقبل عليه بقلبه، ملازم لذكره وحبه، كلما ازداد المؤمن من بلواه ضراً، أكثر لمولاه طاعة وشكراً. حكاية في المعنى: قال عبد الواحد بن زيد مررت في بعض الجبال بشيخ أعم أصم مقطوع اليدين والرجلين وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي متعتني بجوارحي حيث شئت، وأخذتها حيث شئت، وتركتني حسن الظن والأمل فيك، يا برياً يا وصول، فقلت في نفسي: أي بر من الله على هذا وأي وصل فقال: إليك عني أليس ترك لي قلباً يعرفه، ولساناً يذكره، فهو نعيم الدارين، فمن أكثر الشكوى، ولم يصبر على البلوى فليس عنده من الغرام سوى الدعوى، ولقد أحسن من من قال في المعنى: خيانه أهل الحب أن يظهروا شكوى ... وأن يسأموا من صحبة الضر والبلوى ومن لم يذق هجر الحبيب كوصله ... فما ذاق من طعم الغرام سوى الدعوى ويقال: الإيمان كخاتم سليمان، العزم في جوده والذل عند فقده، الإيمان كعصى موسى تلقف عصى السحره وتطرد العصاة والبغاة والفجرة وكذلك الإيمان عنده الشبهات والتخيلات، وتغفر مع صحبته الخطايا والسيئات، الإيمان كالماء والطهور يطهر الوسخ والدرن، وكذلك الإيمان يغسل الذنوب ما ظهر وما بطن.

стр. 240

خرج أبو حفص النيسابوري يوماً فرأى يهودياً مغشياً عليه فلما أفاق سئل عن ذلك فقال: رأيت رجلاً عليه لباس العدل، ورأيت عليّ لباس الفضل، فخشيت أن يبدل الله لباسي بلباسه. لطيفة: دخل يهودي على بعض الصالحين، وفي يديه قلم يبريه فقال الرجل الصالح لليهودي: أسلم وإلا أقطع رأس القلم فامتنع اليهودي من الإسلام، وقال للرجل الصالح: اقطع رأس القلم فقطعه فوقع رأس اليهودي عن جسده، قالها في روض الأفكار. لطيفة أخرى: قال النسفي: مر بعض العباد على رجل يعبد بقرة من دون الله تعالى فقال: قل لا إله إلا الله، فقال: لا، فقال العابد: بحق لا إله إلا الله يا بقرة كوني جمرة نار فكانت بإذن الله تعالى، فقال له: قل لا إله إلا الله وإلا فتصير مثلها. لطيفة غريبة: ذكر ابن جماعة في كتابه أنس المحاضرة: أن يهودياً كان له دين على شخص من الصالحين يقال له: إبراهيم الآجري كان يصنع «الكلس» (١) ، فجاء اليهودي إليه وطلب من دينه فقال له إبراهيم: أسلم، فقال له: أرني شيئاً أعرف به شرف الإسلام وفضله على ديني قال له: وتفعل، قال: نعم، قال: هات رداءك، فأخذ رداء اليهودي فجعله في رداء نفسه ولف رداءه عليه ورمى الردائين في النار، نار الأتون، ثم دخل بعد أن ألقاه في الأتون وداس على جمر النار، واليهودي ينظر إليه فأخذ الردائين وخرج من النار ففتح رداء نفسه فإذا هو صحيح، وأخرج رداء اليهودي من وسط ردائه فإذا هو حراق أسود فلما رأى اليهودي ذلك أسلم. حكاية في المعنى: نقل الإخباريون أنه كان ببلد الهند شيخ كبير يعبد صنماً دهراً طويلاً، ثم حصل له أمر مهم وشده يوماً من الأيام فاستغاث به فلم يغثه فقال: أيها الصنم ارحم ضعفي، فقد عبدتك دهراً طويلاً، فلم يجب فانقطع عند ذلك رجاؤه منه، ونظر الله بعين الرحمة فخطر بباله بأن يدعو الصمد، فرمق بطرفه نحو السماء، وقد وقع في الخجل وقال: يا صمد فسمع صوتاً من الهواء يقول: لبيك يا عبدي أطلب ما تريد فأقر لله بالوحدانية فقالت الملائكة: ربنا دعى صنمه دهراً طويلاً ولم يجبه، ودعاك مرة واحدة فأجبته، فقال يا ملائكتي: إذ دعى الصنم فلم يجبه، ودعى الصمد فلم يجبه فأي

стр. 241

فرق بين الصنم والصمد. وحكاية غريبة: مر بعض حواري عيسى ﵊ على أولاد يلعبون وفيهم ابن وزير كافر، فلعب معهم ثم أخذه ابن الوزير إلى أبيه وأحضر له طعاماً قال له: يا أبت هذا غريب، فحضرت الشياطين ليأكلوا من الطعام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم فهربت الشياطين، فسأله الوزير عن أمره وقال له: من أين أتيت ومن أنت؟ فقال: أنا من أصحاب عيسى أرسلني إليكم لتؤمنوا بالله وتتركوا عبادة الأصنام، فأسلم الوزير ولم يعلم الملك بذلك، ثم بعد مدة مات فرس للملك فقال له الوزير: قد مات فرس للملك وكان عزيزاً عنده فقال له صاحب عيسى: قل له: إن أطاعني أحيا الله فرسه، فأخبره الوزير بذلك، فقال له الملك: نعم، فأحضر الوزير عند الملك، فقال: خذ أيها الملك بعضو الفرس، وأبوك بعضو، وولدك بعضو، وأمك بعضو: وقولوا: لا إله إلا الله فلما قالوا تحرك كل عضو بيد قائليها، ووثب الفرس حياً بإذن الله تعالى. * * *

стр. 242

المجلس الثالث عشر في بيان زيارة الإيمان ونقصانه وفيه فوائده كثيرة متعلقة بالإيمان قَالَ البُخَارِي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإيمان باب الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ» وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْل، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللَّهُ تعالى: ? لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ?، ? وَزِدْنَاهُمْ هُدًى?، ? وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى?، ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ?، ? وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً?، وَقَوْلُهُ ? أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ?، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ?فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً?، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ?وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً?. وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ (١) . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ للإيمان فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا (٢) لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ

стр. 243

بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ?وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي? (١) . وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً (٢) . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ (٣) .

стр. 244

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ (١) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ?شَرَعَ لَكُمْ? أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِيناً وَاحِداً (٢) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ?شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً? سَبِيلاً وَسُنَّةً (٣) .

стр. 245

«بسم الله الرحمن الرحيم» ابتداء البخاري ﵁ كتاب الإيمان وكذا غيره من الكتب الآتية عملاً بالحديث الذي أسلفناه وهو قوله ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» (١) . فإن قيل: البسملة في أول الكتاب مغنية عن إعادتها في كتاب الإيمان وغيره.

стр. 246

فالجواب: أن البخاري ﵁ كررها في كل كتاب لزيادة الاعتناء بها، ولأجل المحافظة التمسك بالسنة وظهر وجه آخر في إعادتها في كل كتاب، وهو أن صحيح البخاري ليس بعد كتاب الله كتاب أصح منه وابتدأ الله تعالى سورة منه بالبسملة إلا براءة فابتدأ البخاري كل كتاب من صحيحة بها إقتداء بالكتاب العزيز، ليكون مزيد اعتناء، ومتمسكاً مزيد تمسك بالكتاب والسنة. ولشدة الاعتناء بها افتتح شيخ الإسلام أبو الفرج ابن الجوزي في بعض مصنفاته كل مجلس بذكرها والوعظ بها، فقال في بعض المجالس: «بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله في الغدو والآصال، نسأل الله القرب والاتصال، قل بسم الله مع الإخلاص تظفر بالنجاة والإخلاص، هي كلمة القرب والوصال، كلمة تنفصل لها الأوصال، كلمة تخشع له القلوب وتهرب منها الذنوب، كلمة هي للصدور شفاء، كلمة فيها نيل الأماني، وتوجب القرب والتدابير، من سمع الله على الحقيقة طاش، ومن سمع الرحمن الرحيم على الحقيقة عاش، بسم من تحيا القلوب بآلائه، وتحيا الأجسام بنعمائه، وتحيا الأرواح بعطائه، وتحيا الأسرار بلقائه، أين المشتاقون إلى الله، أين الخائفون من الله، علامة المشتاق إلى الله إذا ذكر الله طار قلبه شوقاً إلى الله، وعلامة المحب لله إذا سمع ذكر الله هام قلبه سروراً بالله، بسم الله يزول الهموم وتستر السرائر، بسم الله من بأمره أقدار تجري، وبمشيئة النجوم تسري، بسم من يعلم الخطرات، ويحصي عدد القطرات، بسم من حارت في صفته عقول العلماء، وارتعدت من خيفته الجبال والماء. «باب الإيمان قول النبي ﷺ : نبي الإسلام على خمس» (١) هذا بعض حديث سيأتي تمامة قريباً، ويجوز الاقتصار على بعض الحديث إذا تعلق به غرض صحيح. قال ابن رجب في شرحه على هذا الكتاب: إنما صدر البخاري كتاب الإيمان بباب بني الإسلام على خمس لأنه يرى أن الإسلام والإيمان واحد، فصدره به لينبه على ذلك، والبخاري ﵁ رتب كتابه ترتيباً حسناً لم يسبقه أحد في مثل ذلك، ترتيبه ومحاسنه كثيرة منها أنه بعد ذكر الوحي ذكر كتاب الإيمان ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم باب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصوم، وإنما رتبه هذا الترتيب ليوافق الترتيب الذي رتبه رسول الله ﷺ في حديث

стр. 247

«بني الإسلام على خمس» الذي فيه قواعد الدين وأركان الإسلام، وسنذكر في الكلام على الحديث المذكور وحكمه الترتيب المذكور وسره. ومن محاسنه أيضاً أنه يميز بين الأجناس بالكتب وبين أنواع كل جنس بالأبواب. ثم قال البخاري «وهو قول وفعل ويزيد وينقص» (١) الضمير عائد إلى الإيمان أو

стр. 248

إلى الإسلام إن قلنا: أنهما بمعنى واحد، كما مال إليه البخاري أي: الإيمان قول وفعل ويزيد وينقص، وإنما قال البخاري الإيمان قول وفعل، ولم يقل: واعتقاد بالقلب مع أن الاعتقاد بالقلب هو الأصل في الإيمان إما لأن الاعتقاد بالقلب متفق عليه بين العلماء في أنه إيمان، وإنما وقع النزاع بينهم في القول واللسان والعمل بالجوارح هل يصدق عليهما الإيمان أم لا؟ فذكر المتنازع فيه وسكت عن المتفق عليه، وإما لأن الفعل صادق على فعل الجوارح وعلى فعل القلب. واعترض على هذا بأن القول أيضاً على فعل اللسان، فلا حاجة إلى ذكره لدخوله في الفعل. واختلف العلماء في الإيمان هل يزيد وينقص أم لا؟ فذهب الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وجماعة كثيرون من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأكثر الأشاعرة إلى أنه يزيد بزيادة الطاعات، وينقص ينقصانها للقطع بأن إيمان آحاد الأمة ليس كأيمان أبي بكر فضلاً عن إيمان الأنبياء والملائكة. قال النووي: المختار أن التصديق يزيد وينقص لكثرة النظر ووضوح الدلالة، ولهذا

стр. 249

كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريه الشبهة. وعن ابن عمر ﵄ قلنا: يا رسول إن الإيمان يزيد وينقص قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (١) . وقال سفيان بن عينيه: الإيمان قول وفعل ويزيد ينقص، فقال له أخوه إبراهيم: لا تقل ينقص فغضب، وقال: أسكت يا صبي ينقص حتى لا يبقى منه شيء. وممن قال بزيادة الإيمان ونقصانه حافظ العصر البخاري، روي عنه أنه قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، واستدل البخاري على ذلك بآيات وآثار مصرحة بذلك. «قال الله تعالى ? لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ?، ? وَزِدْنَاهُمْ هُدًى?، ? وَيَزِيدُ اللَّهُ لَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى?، ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ?، ? وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً? وقوله ? أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ?، وقوله جل ذكره ?فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً?، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ?وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً?» وإسناد الزيادة إلى غير الله في بعض هذه الآيات من قبيل المجاز إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. فإن قيل: هذه الآيات دلت على زيادة الإيمان فقط، والمقصود زيادته ونقصانه. فالجواب: أن كل ما قبل الزيادة لابد وأن يكون قابلاً للنقصان ضرورة. وذهب أبو حنيفة والصحابة وإمام الحرمين وجمع كثير من الأشاعرة إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقالوا: متى كان قبل الزيادة كان شكاً وكفراً. مسائل مفيدة متعلقة بالإيمان المسألة الأولى: اختلف العلماء في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أومختلفان؟ فذهب البخاري وجماعة إلى أن معناهما فيهما ويؤيده قوله تعالى ?فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ? [الذاريات: ٣٥، ٣٦] . وذهبت طائفة إلى أن الإسلام غير الإيمان واحتجوا بقوله: تعالى ?قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا? [الحجرات: ١٤] . قال الخطابي: والصحيح في هذا أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً

стр. 250

في بعض الأحوال ولا يكون في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال وكل مؤمن مسلم ولا عكس. المسألة الثانية: هل يوصف الإيمان بأنه مخلوق أو ليس بمخلوق؟ اختلف مشايخ الحنفية وغيرهم في هذه المسألة فنقل عن أهل سمرقند وجماعة أنه مخلوق، ونقل عن البخاريين من مشايخ الحنفية وعن أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث أنه غير مخلوق، ومال إلى هذا القول إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري وقال: إن إطلاق القول بأنه مخلوق يصدق على الإيمان الذي هو من صفات الله تعالى لأن من صفات الله تعالى الحسنى «المؤمن» كما نطق به القرآن العظيم، ولا يقال إيمان الله تعالى محدث ولا مخلوق تعالى أن يقوم به حادث. قال بعض المحققين المتأخرين: الصواب التفضيل في هذه المسألة، وهو أن يقال: إن إيمان العبد مخلوق لأنه فعل قلبي يكتسب بمباشرة أسباب يحصله المخلوق فلا يتجه خلاف في كونه مخلوقاً، وأن إيمان الله الذي دل عليه اسم المؤمن قديم غير مخلوق، ومعنى إيمان الله أنه المصدق بوحدانيته في قوله ?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ? [آل عمران: ١٨] ، وقوله: ?أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا? [طه: ١٤] ، ولا يتجه تصديقه رسله بإظهار المعجزات على أيديهم فهو من صفات الأفعال، والخلاف فيها معلوم بين الأشاعرة والماتريدية. المسألة الثالثة: هل الإيمان باق مع النوم والإغماء والغفلة والموت أو ليس بباق؟ ذهبت المعتزلة إلى أنه ليس بباق مع هذه الأمور لأنها تضاد التصديق. وذهب أهل السنة إلى بقائه حكماً معها، وقالوا: المؤمن من آمن في الحال وفي الماضي لأنه حقيقة فيه، بل لأن الشارع يعطي الحكم حكم المحقق، واستدلوا لبقائه حكماً ببقاء وصف النبوة معها، فإنا إذا قلنا: إن النبوة من الأنبياء، والنبي معناه: المنبئ عن الله تعالى ولا شك أنه ليس منبئاً في حال النوم، ولا مبلغاً في حال السكوت والموت، مع أن الحكم بالنبوة باق إلى الأبد وإن لم يبلغ عن الله إلا مرة واحده، واستدلوا على بقائه حكماً ببقاء أحكام العقود حيث قالوا: الاتفاق واقع على أن حكم النكاح وحكم سائر العقود باق بعد فناء الإيجاب والقبول، الذي هو مسمى العقد لحاجة الناس إلى ذلك قالوا: والحاجة فيما نحن فيه من الإيمان إلى بقاء حكمه أمس وآكد، لأن عصمه الدم والمال منوطة به.
следующие страницы →