فالجواب: أن البخاري ﵁ كررها في كل كتاب لزيادة الاعتناء بها، ولأجل المحافظة التمسك بالسنة وظهر وجه آخر في إعادتها في كل كتاب، وهو أن صحيح البخاري ليس بعد كتاب الله كتاب أصح منه وابتدأ الله تعالى سورة منه بالبسملة إلا براءة فابتدأ البخاري كل كتاب من صحيحة بها إقتداء بالكتاب العزيز، ليكون مزيد اعتناء، ومتمسكاً مزيد تمسك بالكتاب والسنة.
ولشدة الاعتناء بها افتتح شيخ الإسلام أبو الفرج ابن الجوزي في بعض مصنفاته كل مجلس بذكرها والوعظ بها، فقال في بعض المجالس: «بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله في الغدو والآصال، نسأل الله القرب والاتصال، قل بسم الله مع الإخلاص تظفر بالنجاة والإخلاص، هي كلمة القرب والوصال، كلمة تنفصل لها الأوصال، كلمة تخشع له القلوب وتهرب منها الذنوب، كلمة هي للصدور شفاء، كلمة فيها نيل الأماني، وتوجب القرب والتدابير، من سمع الله على الحقيقة طاش، ومن سمع الرحمن الرحيم على الحقيقة عاش، بسم من تحيا القلوب بآلائه، وتحيا الأجسام بنعمائه، وتحيا الأرواح بعطائه، وتحيا الأسرار بلقائه، أين المشتاقون إلى الله، أين الخائفون من الله، علامة المشتاق إلى الله إذا ذكر الله طار قلبه شوقاً إلى الله، وعلامة المحب لله إذا سمع ذكر الله هام قلبه سروراً بالله، بسم الله يزول الهموم وتستر السرائر، بسم الله من بأمره أقدار تجري، وبمشيئة النجوم تسري، بسم من يعلم الخطرات، ويحصي عدد القطرات، بسم من حارت في صفته عقول العلماء، وارتعدت من خيفته الجبال والماء.
«باب الإيمان قول النبي ﷺ : نبي الإسلام على خمس» (١) هذا بعض حديث سيأتي تمامة قريباً، ويجوز الاقتصار على بعض الحديث إذا تعلق به غرض صحيح.
قال ابن رجب في شرحه على هذا الكتاب: إنما صدر البخاري كتاب الإيمان بباب بني الإسلام على خمس لأنه يرى أن الإسلام والإيمان واحد، فصدره به لينبه على ذلك، والبخاري ﵁ رتب كتابه ترتيباً حسناً لم يسبقه أحد في مثل ذلك، ترتيبه ومحاسنه كثيرة منها أنه بعد ذكر الوحي ذكر كتاب الإيمان ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم باب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصوم، وإنما رتبه هذا الترتيب ليوافق الترتيب الذي رتبه رسول الله ﷺ في حديث
стр. 247
«بني الإسلام على خمس» الذي فيه قواعد الدين وأركان الإسلام، وسنذكر في الكلام على الحديث المذكور وحكمه الترتيب المذكور وسره.
ومن محاسنه أيضاً أنه يميز بين الأجناس بالكتب وبين أنواع كل جنس بالأبواب.
ثم قال البخاري «وهو قول وفعل ويزيد وينقص» (١)
الضمير عائد إلى الإيمان أو
стр. 248
إلى الإسلام إن قلنا: أنهما بمعنى واحد، كما مال إليه البخاري أي: الإيمان قول وفعل ويزيد وينقص، وإنما قال البخاري الإيمان قول وفعل، ولم يقل: واعتقاد بالقلب مع أن الاعتقاد بالقلب هو الأصل في الإيمان إما لأن الاعتقاد بالقلب متفق عليه بين العلماء في أنه إيمان، وإنما وقع النزاع بينهم في القول واللسان والعمل بالجوارح هل يصدق عليهما الإيمان أم لا؟ فذكر المتنازع فيه وسكت عن المتفق عليه، وإما لأن الفعل صادق على فعل الجوارح وعلى فعل القلب.
واعترض على هذا بأن القول أيضاً على فعل اللسان، فلا حاجة إلى ذكره لدخوله في الفعل.
واختلف العلماء في الإيمان هل يزيد وينقص أم لا؟
فذهب الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وجماعة كثيرون من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأكثر الأشاعرة إلى أنه يزيد بزيادة الطاعات، وينقص ينقصانها للقطع بأن إيمان آحاد الأمة ليس كأيمان أبي بكر فضلاً عن إيمان الأنبياء والملائكة.
قال النووي: المختار أن التصديق يزيد وينقص لكثرة النظر ووضوح الدلالة، ولهذا
стр. 249
كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريه الشبهة.
وعن ابن عمر ﵄ قلنا: يا رسول إن الإيمان يزيد وينقص قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (١) .
وقال سفيان بن عينيه: الإيمان قول وفعل ويزيد ينقص، فقال له أخوه إبراهيم: لا تقل ينقص فغضب، وقال: أسكت يا صبي ينقص حتى لا يبقى منه شيء.
وممن قال بزيادة الإيمان ونقصانه حافظ العصر البخاري، روي عنه أنه قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، واستدل البخاري على ذلك بآيات وآثار مصرحة بذلك.
«قال الله تعالى ? لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ?، ? وَزِدْنَاهُمْ هُدًى?، ? وَيَزِيدُ اللَّهُ لَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى?، ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ?، ? وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً? وقوله ? أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ?، وقوله جل ذكره ?فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً?، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ?وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً?»
وإسناد الزيادة إلى غير الله في بعض هذه الآيات من قبيل المجاز إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى.
فإن قيل: هذه الآيات دلت على زيادة الإيمان فقط، والمقصود زيادته ونقصانه.
فالجواب: أن كل ما قبل الزيادة لابد وأن يكون قابلاً للنقصان ضرورة.
وذهب أبو حنيفة والصحابة وإمام الحرمين وجمع كثير من الأشاعرة إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقالوا: متى كان قبل الزيادة كان شكاً وكفراً.
مسائل مفيدة متعلقة بالإيمان
المسألة الأولى: اختلف العلماء في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أومختلفان؟ فذهب البخاري وجماعة إلى أن معناهما فيهما ويؤيده قوله تعالى ?فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ? [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
وذهبت طائفة إلى أن الإسلام غير الإيمان واحتجوا بقوله: تعالى ?قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا? [الحجرات: ١٤] .
قال الخطابي: والصحيح في هذا أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً
стр. 250
في بعض الأحوال ولا يكون في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال وكل مؤمن مسلم ولا عكس.
المسألة الثانية: هل يوصف الإيمان بأنه مخلوق أو ليس بمخلوق؟
اختلف مشايخ الحنفية وغيرهم في هذه المسألة فنقل عن أهل سمرقند وجماعة أنه مخلوق، ونقل عن البخاريين من مشايخ الحنفية وعن أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث أنه غير مخلوق، ومال إلى هذا القول إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري وقال: إن إطلاق القول بأنه مخلوق يصدق على الإيمان الذي هو من صفات الله تعالى لأن من صفات الله تعالى الحسنى «المؤمن» كما نطق به القرآن العظيم، ولا يقال إيمان الله تعالى محدث ولا مخلوق تعالى أن يقوم به حادث.
قال بعض المحققين المتأخرين: الصواب التفضيل في هذه المسألة، وهو أن يقال: إن إيمان العبد مخلوق لأنه فعل قلبي يكتسب بمباشرة أسباب يحصله المخلوق فلا يتجه خلاف في كونه مخلوقاً، وأن إيمان الله الذي دل عليه اسم المؤمن قديم غير مخلوق، ومعنى إيمان الله أنه المصدق بوحدانيته في قوله ?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ? [آل عمران: ١٨] ، وقوله: ?أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا? [طه: ١٤] ، ولا يتجه تصديقه رسله بإظهار المعجزات على أيديهم فهو من صفات الأفعال، والخلاف فيها معلوم بين الأشاعرة والماتريدية.
المسألة الثالثة: هل الإيمان باق مع النوم والإغماء والغفلة والموت أو ليس بباق؟ ذهبت المعتزلة إلى أنه ليس بباق مع هذه الأمور لأنها تضاد التصديق.
وذهب أهل السنة إلى بقائه حكماً معها، وقالوا: المؤمن من آمن في الحال وفي الماضي لأنه حقيقة فيه، بل لأن الشارع يعطي الحكم حكم المحقق، واستدلوا لبقائه حكماً ببقاء وصف النبوة معها، فإنا إذا قلنا: إن النبوة من الأنبياء، والنبي معناه: المنبئ عن الله تعالى ولا شك أنه ليس منبئاً في حال النوم، ولا مبلغاً في حال السكوت والموت، مع أن الحكم بالنبوة باق إلى الأبد وإن لم يبلغ عن الله إلا مرة واحده، واستدلوا على بقائه حكماً ببقاء أحكام العقود حيث قالوا: الاتفاق واقع على أن حكم النكاح وحكم سائر العقود باق بعد فناء الإيجاب والقبول، الذي هو مسمى العقد لحاجة الناس إلى ذلك قالوا: والحاجة فيما نحن فيه من الإيمان إلى بقاء حكمه أمس وآكد، لأن عصمه الدم والمال منوطة به.
стр. 251
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في إيمان المقلد، والمقلد هو أن يسمع إنسان الناس يقولون: إن للخلق رباً خلقهم وخلق كل شيء، ويستحق العبادة عليهم وحده لا شريك له، فيجزم بما سمعه منهم، والمختار الذي عليه الفقهاء وكثير من العلماء صحته من غير نظر واستدلال، لحصول الجزم بالإيمان الذي يحصله الاستدلال، ولأن الصحابة ﵃ كانوا يقبلون إيمان عوام الأمصار التي فتحوها من العجم حال كون إيمانهم صادراً تحت السيف، ولا استدلال.
ومنع كثير من المعتزلة صحته وورد عليهم بأنه يلزم من قولهم تكفير العوام وهو غالب المؤمنين.
المسألة الخامسة: اختلف في أنه هل يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله
تعالى؟
فذهب أبو حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء إلى أنه ليس له أن يقول: ذلك، وإنما يقول: أنا مؤمن حقاً.
والذي ذهب إليه الإمام الشافعي وأصحابه والإمام مالك وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وأكثر العلماء وأكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى جواز قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى وبه قالت الأشعرية هذا إذا كان جازماً بالإيمان حال التكلم، أما إذا شك في إيمانه حال التكلم وقال: إن شاء الله للشك في إيمان فإن إيمانه يكون منفياً لأن الشك في ثبوته الحال كفر وليس محل قول إن شاء الله بالاتفاق بل محل النزاع بين الفريقين إنما هو إيمان الموافاة وهو الذي يموت العبد عليه، ويأتي متصفاً به آخر حياته أول منازل آخرته، وهو المعتبر في النجاة في الدار الآخرة، وهو الملحوظ عند المتكلم بالمشيئة، فإذا جزم الإنسان بالإيمان في الحال ولكن لا يعلم هذا الحال يبقى هذا الإيمان إلى الوفاة أم، فله عند الفريق الثاني أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى أي: أنا أموت على الإيمان إن شاء الله وهو أمر مستقبل فالقائل: أنا مؤمن إن شاء الله مقتد بالنبي ﷺ وعامل بقوله تعالى ?وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ? [الكهف: ٢٣، ٢٤] أيضاً يقول: إن شاء الله للتبرك بالمشيئة خوفاً من سوء الخاتمة، مع جزمه بالإيمان في الحال فكان القائل: أنا مؤمن إن شاء الله يقول: أطلب حسن الخاتمة، فكم من إنسان سلب الإيمان عند موته، نسأل الله العظيم أن يختم لنا وللمسلمين بخير في عافية بلا محنة.
وحكى الإمام الغزالي حجة الإسلام قدس الله روحه في منهاج العابدين: أن تلميذ
стр. 252
الفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسة وقرأ سورة ياسين فقال يا أستاذ ألا تقرأ هذه؟ فسكت ثم لقنه، وقال له: قل لا إله إلا الله، فقال: لا أقولها آناء نهاري ومات على ذلك، فدخل الفضيل منزله وجعل يبكي أربعين يوماً ولم يخرج من البيت، ثم رآه في النوم وهو يسحب إلى جهنم أجارنا الله منها بمنه فقال: بأي شيء نزع الله المعرفة عنك وكنت أعلم تلاميذي؟ فقال: بثلاثة أشياء أولها: النميمة فإني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك، والثاني: الحسد حسدت أصحابي، والثالث: كان بي علة وجئت إلى طبيب وسألته عنها فقال: تشرب في كل سنة قدحاً من خمر فإذا لم تفعل تبقى في تلك العلة، فكنت أشربه نعوذ بالله من سخطه الذي لا طاقة لنا به.
وقال في الروض الفائق: يروى أن أخوين كان أحدهما عابداً والآخر مسرفاً على نفسه، وكان العابد يتمنى أن يرى إبليس في محرابه فتمثل به إبليس فقال: له وأسفا عليك ضيعت عمرك أربعين سنة في حصر نفسك وإتعاب بدنك، وقد بقي من عمرك ما مضى، فأطلق نفسك في شهواتها وتلذذ، ثم تب بعد ذلك وعد إلى العبادة فإن الله غفور رحيم فقال: العابد لعلي نزل وحي في أسفل الدار أوافقه على اللهو واللذات عشرين سنة، ثم أتوب وأعبد الله في العشرين التي تبقى من عمري فنزل، وقال أخوه المسرف على نفسه: قد أفنيت عمري في المعاصي وأخي العابد يدخل الجنة، وأنا أدخل النار والله لأتوبن وأصعد إلى أخي العابد وأوفقه في العبادة ما بقي من عمري، فلعل الله أن يغفر لي، فطلع على نية التوبة ونزل أخوه على نية المعصية فزلت المعصية رجله فوقع على أخيه، فماتا جميعاً في السلم، فحشر العابد على نية المعصية وحشر المسرف المسلم على نية التوبة.
ففرغوا قلوبكم للاعتبار فيما يجري في الليل والنهار، كم من بعيد قرب وكم من قريب أبعد، وجفاه الأهل والجيران، كان حظ الأول الجنة، وحظ الثاني النار فاعتبروا يا أولي الإبصار، ندم العابد على تغيير نيته بلا شك ولا خفاء، وبكى على تفريطه بعد عبادته إذ زل، وهنا يود لو أن يرد ويرجع إلى الوفاء، وسيعلم أنه كان يبني على شفا جرف هار فاعتبروا الإبصار، ولقد أحسن من قال:
أناس عرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى
أساؤا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا
فإن عادوا لما عدنا ... وإن خانوا فما خنا
стр. 253
وإن كانوا قد استغنوا ... فأنا عنهم أغنى
وقال الإمام أبو محمد رحمه الله تعالى: خرج ثلاثة من الزهاد يريدون الحج إلى بيت الله الحرام في وسط السنة متوكلين بغير زاد، فنزلوا قرية بها نصارى فوقع نظر رجل منهم على محاسن امرأة فتعلق بها، فلما عزموا على السفر احتال بحيلة، فقعد وسار صاحباه وتركاه في القرية، فأفشى سره لأبي المرآة وخطبها منه فقال: مهرها كثير لا تقدر عليه فقال: وما هو فقال: تترك دين الإسلام وتدخل في دينها دين النصرانية، فتنصر وتزوجها وولد له منها ولدان ومات على دين النصرانية، فرجع صاحباه من سياحتهما وسألا عنه فقيل لهما: إنه توفى على دين النصرانية ودفنوه في مقابرهم، فذهبا إلى المقبرة فوجد امرأته وولديه يبكيان عليه، فجعل صاحباه يبكيان من بعيد فقالت لهما المرآة: مما تبكيان من بعيد، فقصا عليها القصة وذكرها عبادته وزهده وصلاحه، فلما سمعت رق قلبها إلى الإسلام فأسلمت هي وولداها فقال الشيخ أبو محمد: سبحان الله مات من كان مسلماً على الكفر وأسلم من كان كافراً، فلذلك ينبغي أن يخاف المسلم عاقبة أمره ويسأل الله حسن الخاتمة ولله در القائل:
سبحان من خلف الأشياء وقدرها ... ومن يجود على العاصي يستره
يخفي القبيح ويبدي كل صالحة ... ويغمر العبد إحسانا ويشكره
ويغفر الذنب للعاصي ويقبله ... إذا تاب وبالغفران يجبره
ومن يلوذ به في دفع نائبة ... يعطيه من فضله عزاً وينصره
ولا يضيع مقالاً لمجتهد ... في ماله بل يربيه ويدخره
ومن يكن قلبه من ذنبه فاسداً ... فبالمدامع والتقوى طهره
فليس للعبد تصريف وأن له ... مولاه إن شاء يغنيه ويفقره
فلا الحذار ينجي العبد من قدر ... يريده الله وأمر يدبره
فنسأل الله حقاً حسن خاتمة ... عند الممات وصفواً لا يكدره
وعن أبي يزيد البسطامي ﵀ أنه كان إذا توضأ وقعت الزلزلة على أعضائه إلى أن يقوم إلى الصلاة ويكبر فيسكن عنه ذلك، فقيل في ذلك فقال: أخاف أن تدركني الشقاوة فأخطي إلى كنائس اليهود والنصارى وبيعهم، فتعوذ بالله من مكر الله.
وعن سفيان الثوري ﵀ أنه خرج إلى مكة حاجاً فكان يبكي من أول الليل إلى آخره في المحمل فقال له شيبان الراعي: يا سفيان، فما بكاؤك فإن كان لأجل
стр. 254
المعصية فلا تعصه فقال: أما الذنوب فما خطرت ببالي قط كبيرها وصغيرها، وليس بكائي يا شيبان من أجل المعصية ولكن خوف العاقبة، لأني رأيت شيخاً كبيراً كتبنا عنه العلم، وكان تلتمس بركته ويستقى به الغيث، فلما مات تحول وجهه عن القبلة ومات على الشرك كافراً، فما أخاف إلا من سوء الخاتمة فقال له: إن ذلك من شؤم المعصية والإصرار على الذنوب، فلا تعص ربك طرفة عين.
وقال منصور بن عمار ﵀: إذا دنا موت العبد قسم حاله على خمسة أقسام المال للوارث، والروح لملك الموت، واللحم للدود، والعظم للتراب، والحسنات للخصوم، ثم إن ذهب الوارث للمال يجوز، وإن ذهب ملك الموت بالروح يجوز، فيا ليت الشيطان لا ينهب بالإيمان عند الموت، فيكون فراقاً من الرب ، نعوذ بالله من ذلك، فإن كل فراق إلى اجتماع، وفراق الرب سبحانه صعب لا يدركه أحد.
وعن محمد بن نعيم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما جاءني جبريل ﵇ إلا وهو رعد فرقاً وخوفاً من الجبار » (١) .
وقيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر من المخالفة والطرد بعد القرب والعبادة، طفق جبريل وميكائيل ﵉ يبكيان فأوحى الله إليهما ما لكما تبكيان هذا البكاء وإني لا أظلم أحداً قالا: يا رب لا نأمن مكرك أي: ما نأمن أن تقضي علينا بالبعد بعد القرب، وبالشقاوة بعد السعادة فقال: الله تعالى هكذا كونا لا تأمنا مكري.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج إلى صلاة الجمعة فلقيه إبليس في صورة شيخ عابد فقال: له إلى أين يا عمر؟ فقال له: إلى الصلاة، فقال: قضينا الصلاة وفاتتك الجماعة، والجمعة فعرفه فمسكه بتلابيبه وخنقه وقال له: ويلك ألم تك رأس العابدين وقدوة الزاهدين، فأمرت بسجدة واحدة فأبيت واستكبرت وكنت من الكافرين، وطردت وأبعدت إلى يوم القيامة فقال: تأدب يا عمر هل كانت الطاعة بيدي أم الشقاوة بمشيئتي، إني كنت أبسط سجادة عبادتي تحت قوائم العرش، ولم أترك في السماوات بقعة إلا فيها سجدة وركعة ومع هذا القرب قيل لي: أخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فإن كنت يا عمر أمنت مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فقال له عمر: اذهب فلا طاقة لي بكلامك، أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون ويتجبرون على الخلق ويتكبرون، مزجت لهم كؤوس المنون، فهم لها يتجرعون، وتركوا الأموال التي كانوا لها يجمعون، وفارقوا الذي كانوا به، وفاتهم النعيم الذي كانوا به ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، فلو رآهم يا هذا في حلل الندامة
стр. 255
يرفلون، ويساقون يوم القيامة إلى العذاب وهم ينظرون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وأنشدوا في المعنى:
إليك من مكرك يا سيدي ... محل البرايا بذا يحذرون
فكم ذنوب في عيوب مضت ... ونحن عنها سيدي غافلون
نضيع العمر نكسب الخطأ ... فنحن في أوقاتها لاعبون
نشاهد الموتى ولا نعتبر ... ولا تنبهنا الريب المنون
فنحن يا رب الورى كلنا ... إليك من زلاتنا هاربون
لكننا نسأل رب السماء ... عفواً وصفحاً كي تقر العيون
فائدة: إبليس عبد الله ثمانين ألف سنة ثم قيل له: أخرج منها فإنك رجيم صرح بذلك الغزالي في منهاج العابدين.
فائدة أخرى: رأى إسرافيل ﵇ في اللوح المحفوظ أن عبداً يعبد ربه ثمانين ألف عام، ثم ترد عليه عبادته ويلعنه فبكى إسرافيل خوفاً أن يكون هو ذلك العبد، فسألته الملائكة عن ذلك فأخبرهم بما رآه في اللوح فبكوا جميعاً فكل منهم يخاف أن يكون هو ذلك العبد، ثم قالوا: نذهب إلى عزرائيل فإنه مجاب الدعوة فيدعو لنا، فأخبروه فدعا لهم وقال: اللهم لا تغضب عليهم ونسي أن يدعو لنفسه معهم ولم يقل: اللهم لا تغضب علينا.
وقيل: إنه رأى على باب الجنة مكتوباً: إن لله عبداً يعبده من المقربين يأمره فلا يمتثل أمره فقال: ائذن لي أن ألعنه فلعن نفسه بنفسه ألف عام، وكان اسمه في سماء الدنيا العابد، وفي الثانية الراكع، وفي الثالثة الساجد، وفي الرابعة الخاشع، وفي الخامسة القانت، وفي السادسة المجتهد، وفي السابعة الزاهد، ثم بعد ذلك سمي إبليس لأنه أبلس من ﵀.
وذكر الغزالي في الإحياء عن عيسى أنه قال: نبياً من الأنبياء شكى الجوع والعري والقمل سنتين، فأوحى الله إليه ما رضيت أن عصمت قلبك أن يكفر بي حتى تسألني الدنيا، فأخذ التراب وجعله على رأسه وقال: قد رضيت يا رب فاعصمني من الكفر.
خاتمة مشتملة على فوائد: قال النووي في الأذكار يحرم أن يقول الشخص: إني إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو برئ من الإسلام ونحو ذلك، فإن قال ذلك وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام ذلك صار كافراً في الحال، لأن تعليق الكفر كفر، في الحال لابد له أن يرجع عن معصيته ويندم على ما فعل وأن يعزم أن لا يعود إليه أبداً ويستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 256
قال: ويحرم عليه تحريماً مغلظاً أن يقول للمسلم: يا كافر، بل قال العلماء إذا قال للمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر لأنه سمى الإسلام كفراً.
روينا في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بهما أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه» (١) .
وروينا في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله وليس كذلك إلا جاء عليه» هذا اللفظ رواه مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ومعنى «جاء عليه» رجع عليه (٢) .
قال: ولو دعا مسلم على مسلم فقال: اللهم أسلبه الإيمان، عصى بذلك وأصح الوجهين أنه لا يكفر بذلك، ومثل هذا قال: لا ختم الله له بخير.
قال: ولو أكره الكفار مسلماً على كلمة الكفر فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر بنص القرآن قال تعالى ?إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ? [النحل: ١٠٦] وأجمع المسلمون على ذلك، ولكن هل الأفضل في هذه الحالة أن يتكلم بها ليصون نفسه عن القتل أو لا؟
في المسألة خمسة أوجه فقيل: الأفضل أن يتكلم بها ليصون نفسه عن القتل، وقيل: إن كان في بقائه مصلحة للمسلمين بأن كان يرجو النكاية في العدو والقيام بأحكام الشرع، فالأفضل أن يتكلم، وإن لم يكن كذلك فالصبر على القتل أفضل، وقيل: إن كان من العلماء ونحوهم ممن يقتدي بهم، فالأفضل الصبر ولئلا يغتر به العوام، وقيل: يجب عليه التكلم لقوله تعالى ?وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ? [البقرة: ١٩٥] والصحيح: أن الأفضل أن يصبر على القتل ولا يتكلم بالكفر، والأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة ﵃ مشهورة.
حكاية غريبة في المعنى وهي خاتمة المجلس: حكي أن عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته أرسل أصحابة إلى الروم لأجل الغزاة فانهزمت أصحابه وأسر عشرون منهم،
стр. 257
وأحضروا بين يدي ملك الروم فأمر ترجمانه أن يسألهم عن من هو أكبرهم، فأشاروا إلى ثلاثة منهم، فأمر الملك واحداً من الثلاثة أن يدخل في دينه وأن يعتقد أن المسيح ابن الله، وأن النظر إلى الصليب عبادة، وقال: إن فعلت ذلك أعطيتك كذا وأخلع عليك الخلع، وأجعلك أقرب من في حضرتي، وإن أنت أبيت ولم وتدخل في ديني وإلا ضربت عنقك فقال المسلم: معاذ الله أن أبيع ديني بالدنيا، فأمر بضرب عنقه، فلما ضرب عنقه وطار رأسه في الميدان دار ثلاث مرات وهو يقول: ?يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي? [الفجر: ٢٧ - ٣٠] فغضب الملك الخاسر، وأمر الثاني بمثل ما أمر الأول وقال: أعمل معك كذا وكذا ووعد ومناه، فأبي وقال: معاذ الله أن أبيع ديني بدنياك فأمر بضرب عنق الآخر بحضرته فلما ضرب عنقه وطار رأسه دار في الميدان ثلاثة دورات وهو يقرأ قوله تعالى ?فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ? [الحاقة: ٢١ - ٢٤] فسكن عند الرأس الأول فغضب الملك الكافر غضباً شديداً، وأمر الثالث فأحضر بين يديه فقال له: ما تقول أنت أتدخل في ديني حتى أجعلك أميراً وبين يدي مشيراً وإلا قتلتك كصاحبيك، فقال الثالث: أدخل في دينك، وأبيع ديني بدنياك، وأبلغك في ذلك مناك، وغلبت عليه الشقاوة، وقال الملك لوزيره: اخلع عنه الخلع، وكتب له مثالاً بالحكم والتولية والإمرة فقال الوزير: ليس هذا من العقل أن تبادر بإكرام هذا وتوليته من غير تجربة فقال: الملك جربه، فقال الوزير له: يا هذا لا نأمنك ولا نصدقك حتى تقتل
رجلاً من أصحابك، فقام وأخذ واحداً من المسلمين فقتله لغلبة الشقاوة عليه، فقال الملك: الآن استحق المثال والإماره والخلع فقال الوزير: أيها الملك هذا ليس صواباً إذا كان الرجل فعل مع الذي ولد معه ونشأ معه وتربى معه هكذا وقتله بيده ولم يرع حقه، فكيف يرعانا حقاً، أو كيف يبدي لنا صدقاً والرأي عندي أن تقتله وتلحقه بإخوانه فقال الملك: نعم الوزير أنت ونعم المشير افعل ما بدا لك، فأمر بضرب عنقه وطار رأسه في الميدان ودار ثلاث مرات وهو يقرأ قوله تعالى ?أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ? [الزمر: ١٩] ثم سكن وسط الميدان، ولم يخالط أخويه وصار إلى عذاب الله وغضبه، ونعوذ بالله من مكر الله، ولقد أحسن من قال في المعنى:
وكم من بائع دنيا بدين ... فلم تحصل الدنيا ولم يحصل الدين
ولو حصلت ما فات منها بطائل ... وأصبح مغبوطاً بها وهو مجنون
* * *
стр. 258
المجلس الرابع عشر
في ترجمة عمر بن عبد العزيز ﵁ ونفعنا به بمنه وكرمه
الحمد لله الذي تعزز في وحدانيته فهو الواحد العزيز، وتفرد في أزليته وأغرق العالم في بحر الحيرة والتعجيز، أتقن خلق الموجودات فليس في إتقان صنعته نقص ولا تعويذ، زين شقة حلة السماء بنعوت إليها وطرزها بالكواكب المشرقة أي تطريز، ورقم كميها برقم الشمس والقمر كالفضة النقية والذهب الإبريز، وحرسها من استراقاق السمع بالشهب الثواقب أتم وأمنع تحجيز، وجلاها على عيون المعتبرين أولى العقل والتميز، وسطح الأرض على تيار الماء وأبرزها بقدرته أحسن تبريز، وثبتها برواسي الجبال وجعلها مسكناً للرجال والأقطاب والصالحين والأنجاب وخلع عليهم التكريم والتعزيز، صرف عنهم الدنيا فلم يعرفوا الإدخار والتكنيز، وجعلهم قائمين بحقه خلفاء على خلقه لمن فهم الأشاير والتلفيز، وخص منهم من شاء بالرفق في بلاده، والنصيحة لعباده كالصحابة ومن تابعهم مثل عمر بن عبد العزيز.
قال البخاري «وكتب عمر بن عبد العزيز» هذا هو الإمام العادل خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي التابعي، الخليفة الراشد المجمع على جلالته وزهده وعلمه وشفقته على المسلمين.
ترجمته أفردت بالتأليف، ويكنى أبا حفص، وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث وستين وهي السنة التي ماتت فيها زوج النبي ﷺ ، وكان كثير الخوف ﵁.
وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أكثر خوفاً من الحسن ومن عمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.
وقال الحارث بن زيد جار عمر بن عبد العزيز ﵀: لقد سمعت عمر بن عبد العزيز لما أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو يتململ كالسقيم، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: يا دنيا إليَّ تعرضت أم إليً تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك فعمرك قصير، وغنيك فقير وعيشك حقير وخطرك كبير.
وكان ﵁ إذا صلى الصبح أخذ المصحف في حجره، ودموعه تنحدر تبل لحيته، فكلما مر بآية تخيفه رددها فلا يتجاوزها من كثرة البكاء حتى تطلع الشمس، أنشد بعضهم:
стр. 259
وآسفا فراق قوم ... هم المصابيح والحصون
والمزن والأمن والتمني ... والخير والعقل والسكون
بعدهم العيش ليس يصفوا ... كيف تغلبيهم المنون
فكل نار لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون
وكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
وروي أنه قرأ يوماً ?وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ? [يونس: ٦١] فبكى بكاء شديداً حتى بكى معه أهل الدار، فجاءته زوجته فجلست تبكي لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ولده عبد الملك فدخل عليهم وهم يبكون فقال: يا أبت ما يبكيك؟ قال يا بني ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار.
يا هذا إذا كان عمر بن عبد العزيز يخاف مع عدله وأنت تأمن مع جورك وظلمك.
ورؤي في المنام بعد اثنى عشر سنة فقال: الآن تخلصت من حسابي.
اسمع يا من أمن الأقدار، وليس له عند مولاه اعتذار ولله من قال:
تشاغل بالدنيا أناس فأصبحوا ... عن الباب محجوبين قد منعوا القربا
وأهل التقى لله تسري قلوبهم ... إلى غاية نالوا بها الشرب العذبا
فجاءوا بنور العلم في روضة التقى ... بها نفس الأبرار قد ملئت حبا
هم قطعوا الدنيا بخوف وعبادة ... فذكرهم للموت ورثهم كربا
وعن عطاء ﵀ قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة ويتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فلا يزالون يبكون حتى كان بين أيديهم جنازة.
وعن ابن حيان ﵀ قال: صليت الصبح خلف عمر بن العزيز فقرأ ?وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ? [الصافات: ٢٤] فجعل يكررها ولا يستطيع أن يتجاوزها من البكاء.
وعن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتاً وأصحابه يتحدثون فقالوا له: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أتفكر في أهل الجنة كيف يتزاورون، وفي أهل النار كيف يطرحون فيها، ثم بكى، وكان إذا بكى فوق غرفة تتحدر دموعه من الميزاب.
стр. 260
وعن الحسن بن الحسين قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز يبكي حتى رأيته بكى الدم، وكان خوفه بعد أن ولي الخلافة أشد وأعظم مما قبلها، فإنه كان رجلاً جسيماً فلما ولي الخلافة صار نحيفاً خوفاً من عدم القيام بحقوق العباد والمطالبة بذلك في الدار الآخرة.
قال ابن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف البيت وإن ربطة إزاره لغائبة في بدنه من سمنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها.
لطيفة مناسبة: نقل في كتاب لطائف المعارف عن عون بن عقبة أنه قال: بنى ملك من الملوك ممن كان قبلكم مدينة فتأنق في بنائها، ثم صنع طعاماً ودعا الناس إليه وأقعد على أبوابها أناساً يسألون كل من خرج هل رأيتم فيها عيباً؟ فيقولون: لا، حتى جاء في آخر الناس قوم أكسية فسألوهم: هل رأيتم فيها عيباً؟ فقالوا عيبين اثنين فأدخلوهم على الملك فقال لهم: هل رأيتم فيها عيباً؟ قالوا: رأينا فيها عيبين، قالوا: وما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها، ثم دعوه وشوقوه إليها فأجابهم وانخلع من ملكه وتعبد معهم إلى أن مات، فحدث عون بهذا الحديث لعمر بن عبد العزيز فوقع منه موقعاً عظيماً، واشتد خوفه بسبب ذلك وهمَّ أن يخلع نفسه من الملك، فأتاه ابن عمه مسلمة فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين في أمة محمد ﷺ فوالله لئن فعلت لتقتلن الناس بأسيافهم فقال: ويحك يا مسلمة حملتني ما لا أطيق وجعل يرددها، ومسلمة يناشده حتى سكن.
وعن أبي حازم الخناصري الأسدي قال: قدمت دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة والناس رائحون إلى الجمعة فقلت: إذا إن صرت إلى الموضع الذي أريد نزوله فاتتني الصلاة ولكن أبدأ بالصلاة فصرت إلى باب المسجد، فأنخت بعيري ثم علقته ورحت المسجد، فإذا أمير المؤمنين على الأعواد يخطب الناس فلما أن أبصرني عرفني فناداني: يا أبا حازم إليَّ مقبلاً، فلما أن سمع الناس نداء أمير المؤمنين إليَّ أوسعوا لي فدنوت من المحراب، فلما أن نزل أمير المؤمنين فصلى بالناس التفت إليَّ فقال: يا أبا حازم متى قدمت بلدنا؟ قلت: الساعة وبعيري معقول على باب المسجد، فلما أن تكلم عرفته فقلت: أنت عمر بن عبد العزيز قال: نعم، قلت له: بالله لقد كنت عندنا بالأمس بخناصرة أميراً لعبد الملك بن مروان فكان وجهك وضاء، وثوبك نقياً، ومركبك وطياً، طعامك شهياً، وحرسك شديداً فما الذي غير بك وأنت أمير المؤمنين فقال: يا أبا حازم أناشدك الله إلا حدثيني الحديث الذي حدثني بخناصرة قلت: نعم
стр. 261
سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول» (١) قال أبو حازم: فبكى أمير المؤمنين بكاء عالياً حتى علا نحيبه ثم قال: يا أبا حازم فتلومني أن أضمر نفسي لتلك العقبة، لعلي أن أنجوا منها، وما أظنني منها بناج قال أبو حازم: فأغمي على أمير المؤمنين فبكى بكاءً عالياً حتى علا نحيبه ثم ضحك ضحكاً عالياً حتى بدت نواجذه، وأكثر الناس فيه القول فقلنا: اسكتوا وكفوا فإن أمير المؤمنين لقي أمراً عظيماً قال أبو حازم: ثم أفاق من نحيبه فبدرت الناس إلى لومه فقلت: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك عجباً قال: أرأيتم ما كنت فيه؟ قلت: نعم، قال: إني بينما أنا أحدثكم إذ غمي عليَّ فرأيت أن القيامة قد قامت وحشر الله الخلائق،
وكانوا عشرين ومائه ألف أمة محمد ﷺ من ذلك ثمانون صفاً وسائر الأمم من الموحدين أربعون صفاً، إذا وضع الكرسي ونصب الميزان ونشرت الدواوين، ثم نادى المنادي أين عبد الله بن أبي قحافة؟ فإذا بشيخ طوال يخضب بالحناء والكتم، فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه إمام الله تعالى فحوسب حساباً يسيراً، ثم أمر ذات اليمن إلى الجنة ثم نادى المنادي: أين عمر بن الخطاب؟ فإذا بشيخ طوال يخضب بالحناء فأخذت الملائكة بضبعية فأوقفوه إمام الله تعالى فحوسب حساباً يسيراً، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد: أين عثمان بن عفان؟ فإذا بشيخ طوال يصفر لحيته فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه إمام الله فحوسب حساباً يسيراً ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد: أين علي بن أبي طالب؟ فإذا بشيخ طوال أبيض الرأس واللحية عظيم البطن رقيق الساقين، فأخذت الملائكة بضبعية فأوقفوه إمام الله فحوسب حساباً يسيراً ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة فلما رأيت الأمر قد قرب مني، اشتغلت بنفسي فما أدري ما فعل الله بمن كان بعدي، إذ نادني المنادي أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت على وجهي ثم قمت فوقعت على وجهي ثم قمت فوقعت على وجهي وأتاني ملكان فأخذا بضبعي فأوقفاني إمام الله تعالى فسألني عن النقير والقطير والفتيل، وعن كل قضية قضيت بها حتى ظننت أني لست بناج ثم إن ربي تفضل عليَّ وتداركني منه برحمته وأمر بي ذات اليمين إلى الجنة، فبينما أنا مار مع الملكين الموكلين بي فمررت بجيفة ملقاة على رماد فقلت: ما هذه الجيفة؟ قالوا: أدن منه وسله يخبرك، فدنوت منه فوكزته برجلي فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال لي: ما فعل الله بك وبأصحابك؟ قلت: أما أربعة
стр. 262
فأمر بهم ذات اليمين إلى الجنة ثم لا أدري بمن كان بعد علي فقال لي: أنت ما فعل الله بك؟ قلت: تفضل علي ربي وتداركني برحمته، وقد أمر بي ذات اليمين إلى الجنة،
فقال: أنا كما صرت ثلاثاً، قلت له: من أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قلت له: الحجاج أرددها ثلاثاً، قلت: ما فعل الله بك قال لي قدمت على رب شديد العقاب ذي بطشة فقتلني بكل قتلة قتلت بها مثلها، ثم ها أنا موقوف بين يدي ربي أنتظر ما ينتظره الموحدون من ربهم، إما إلى الجنة وإما إلى نار.
قال أبو حازم فأعطيت الله عهداً بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز أن لا أوجب لأحد من هذه الأمة ناراً.
وروي أنه ﵁ منذ ولي الخلافة لم يضع لبنة على لبنة ولا أحدث له دآبة ولا امرأة ولا جارية، حتى لحق بالله.
قال له بعض أصحابه: لأي شيء لا تحدث لك بناء؟ قال هذه سنة رسول الله ﷺ خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.
وعن أبي داود الرومي قال: كان لعمر بن عبد العزيز درجة يصعد عليها، وكانت تتحرك كلما نزل وطلع، وكان يرتاع منها ويرتعب، فأصلحها بعض أصحابه وشدها بطين في غيبته بغير إذنه، فلما صعد عمر ورآها قد ثبتت فسأل عمن أصلحها؟ فقيل له: إن فلاناً أصلحها، فقال: أعيدوها إلى ما كانت عليه فإني عاهدت الله منذ وليت أن لا أضع لبنة على لبنة ولا أجرة على أجرة.
اسمع واتعظ يا من أفنى في عمارة الدنيا عمره، وأقل من فعل الخيرات فيها وأكثر فيها ضرره، وكان السلف لصالح يخربون الدنيا ويعمرون بها الآخرة، ولا أنت يا مسكين عكست ذلك وغفلت أنك عن قريب ستصل إلى الحافرة ولله در من قال.
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وفعله غير فعل الخير خسران
يا عامر لخراب الدار مجتهداً ... تالله هل لخراب الدار عمران
يا مستأنساً بالمنازل والدور، وكاسات الموت عليه تدور، يا مظلم القلب وما للقلب نور، الباطن خراب والظاهر معمور، لو ذكرت الأجداث والقبور، لأبطلت عمارة الدنيا أيا المغرور، ستحاسب على الأيام والشهور، يا من يصلي بلا حضور، ويصوم والصوم بالغيبة مغمور، كم نتلطف بك يا نفور، كم ننعم عليك يا كفور، تبارز بالمعاصي وأنت مستور، ويحلم عليك إنه حليم غفور، يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، إلى متى تلهى بدار الغرور، وفي تمادي الغي تفنى الدهور، يا ناسياً الموت يا
стр. 263
غافلاً عليه كاسات المنايا تدور، وما تزودت ليوم النشور، فانهض وتب من كل ذي ذنب متى تحظى برضوان العزيز الغفور.
ومن فضائله: أنه كان يعجبه ويحب من يذكر له شيئاً قصر فيه أو نسيه ويرى له الفضل في ذلك.
قال عمرو بن مهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ثم هزني وقل: يا عمر ما تصنع.
فانظر يا هذا إلى خوف عمر بن عبد العزيز مع اجتهاده، فكيف بك مع تقصيرك، الدنيا مزرعة الآخرة، فما عملته في هذه وجدته في تلك.
فأنت اليوم تعمل وغداً ترى، فإن كنت غافلاً فأبك على ما قد جرى، وإذ كنت نائماً فستذهب عنك لذة الكرى، لو بكت عيناك يا هذا دماً ما تقدمت إلينا قدماً، كيف يصفوا لك ود بعد ما نشر العذر علينا علماً، إنما يصفوا وداد مرء حفظ العهد وراعى الذمما، لو أردناك لنا ما فتنا، ووصلنا حبلنا ما انصرما، ما رأينا منصفاً عامله منصف في صفقة إلا فاختصما، كانت الدنيا إذا قدمت على الصالحين قدموها إلى الآخرة.
كان عمر بن عبد العزيز يأتيه خراج اليمن فيدخله بيت المال، ويبيت في الظلام.
وكان يقول: إذا سهرت في أمر العامة أشعلت سراجاً من بيت المال، وإذا سهرت في أمر نفسي أسرجت عليَّ من مالي.
وأما عدله ﵁ فإنه قد ملأ الأرض قسطاً وعدلاً وخضعت الوحوش لعدله وصارت الذباب في أيامه ترعى الغنم مع المغنم.
فقد حكي مالك بن دينار أنه لما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز قال رعاء الشاة من رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس، فقيل لهم: من أعلمكم بصلاحه؟ قالوا: إنه قد قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شائنا (١) .
قال جسر القصاب: مررت في خلافة عمر بن عبد العزيز بشياه، وفيها نحو ثلاثين وحشاً أحسبهم كلاباً فقلت للرعاة لقد أكثرتم من الكلاب بين أغنامكم، فقالو: إنهم ذئاب فقلت لهم: العجب، فقالوا: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس (٢) .
стр. 264
صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته ثم قال: ما رأيت أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى.
وكان ﵁ عفيفاً زاهداً ناسكاً مؤمناً تقياً صالحاً رضياً وهو الذي أزال ما كان يذكر به علياً على المنابر، فإن بني أمية كانوا يلعنون علياً على المنابر، فأزاله عمر بن عبد العزيز ووضع مكانه: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر، وإلي هذا أشار كثير عزة بقوله:
وليت لم تسب علياً ولم تخف ... بريئا ولم تقبل مقالة مجرم
وصدقت بالقول الفعال مع الذي ... أتيت فأمسى راضياً كل مسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها ... منا ينادى من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمني ... بأخذك ديناري ولا أحد يهم
فاربح بها من صفقة لمبايع ... وأكرم بها أكرم بها ثم أكرم
وهو الذي بعثه الله على رأس المائة الأولى لهذه الأمة ليصح لها دينها، فقد قال أحمد بن حنبل يروي هذا الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها» (١)
فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز.
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢) : حمله العلماء في المائة الأولى على عمر بن عبد العزيز، وفي الثانية على الشافعي وفي الثالثة على ابن شريح، وقيل: على الشيخ أبي الحسن الأشعري، وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي وقيل: على القاضي الباقلاني، وقيل: على أبي حامد الإسفرائيني، وفي الخامسة على الغزالي.
قال الكرماني: ولا يبعد أن يكون مع السادسة الإمام الرازي، وقال: كيف لا
стр. 265
ولولاه لامتلأت الدنيا من شبه الفلاسفة فهو الداعي إلى الله في إثبات القواعد الحقانية، وحجة الحق على الخلق في تصحيح العقائد الإيمانية.
وأفاد الكرماني: أن المراد بالمصحح لهذه الأمة دينها في رأس كل مائة سنة، من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه قال: وقد كان قبيل كل مائة أيضًا من يصحح ويقوم بأمر الدين قال: ويحتمل التعدد في المصحح.
وأما شيخنا الجلال السيوطي قال: إن هذا البعث من خصائص هذه الأمة، وإن عيسى ابن مريم يبعث في آخر مائة ليجدد لهذه الأمة أمر دينهم.
وكان يترنم بهذه الأبيات:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
يغرك ما يغني وتشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم
ويشغل فيما سوف يكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ومن فضائله وزهده ما قاله مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لزوجته فاطمة بنت عبد الملك: اغسلي قميص أمير المؤمنين فقالت: نفعل إن شاء الله، ثم عدته فإذا القميص على حاله فقلت: يا فاطمة لم أمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يعودونه فقالت: والله ما له قميص غيره.
وكان مرضه الذي مات فيه أول شهر رجب سنة إحدى ومائة.
وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل عليه في مرضه الذي مات فيه فقال: يا أمير المؤمنين من توصي بأهلك، وكان له من الأولاد الذكور بضعة عشر وإذ ذكر فقال: إن ولييَّ فيهم الله وهو يتولى الصالحين.
ويروي أنه قال: يا أمير المؤمنين إنك افتقرت ولدك من هذا المال، وتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إلىّ فقال: اسندوني ثم قال: أما قولك: إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال، فوالله ما منعتهم حقاً هو لهم ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك: لو أوصيت فاعلم أن وصيتي وولييَّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم قال: بني أحد رجلين إما رجل يتقي الله تعالى فسيجعل له مخرجاً، وإما رجل منكب على المعاصي فلم أكن مقويه على معاصي الله تعالى، ثم بعث إليهم فلما حضروا ونظر إليهم فزرفت عيناه وقال: بنفسي أفدي الفتية الذين تركتهم لا شيء لهم، فإني بحمد الله تركتهم بخير، أي بني: إن أباكم بين أمرين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار،
стр. 266
وتفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فلأن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، قوموا عصمكم الله تعالى، ولما وكلهم إلى مولاهم فتح الله عليهم بالمال الكثير.
حكى الكمال الدميري في الحمام: أن بعض العلماء الأكابر اجتمع بالمنصور وأمير المؤمنين فقال المنصور لذلك الرجل العالم يوماً من الأيام: عظني وأخبرني بأعجب ما رأيت، قال له: يا أمير المؤمنين من غريب ما رأيت أن عمر بن عبد العزيز مات وخلف إحدى عشر ولداً فبلغت تركته سبعة عشر دينار تصدق بخمسة دنانير واشترى له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهماً.
ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنا فورث كل واحد منهم ألف ألف دينار ثم إني رأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ورأيت رجلاً من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه قال: وهذا غير عجيب فإن عمر بن عبد العزيز وكلهم إلى ربه فكفاهم وأغناهم، وهشام وكلهم إلى دينارهم فأفقرهم مولاهم.
وعن الأوزاعي أنه قال: إن عمر بن عبد العزيز قال ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يرفع للمؤمن من الأجر.
وفي رواية قال: ما أحب أن يخفف سكرات الموت لأنه آخر ما يكفر به عن المؤمن.
وروي أنه لما ثقل عليه المرض قال لمسلمة بن عبد الملك: خذ من مالي دينارين فاشتري لي كفنا فقال: يا أمير المؤمنين أن الدينارين لا يحصل بهما كفن بمثلك فقال: يا مسلمة إن كان الله عني راضياً فسيبدلني لي بما هو خير منه، وإن كان ساخطاً فإنما أكون حطباً للنار.
ويروى أنه دخل عليه شخص يقال له: سابق في مرضه فقال: له يا سابق عظني وأوجز فأنشد:
إذا أنت لم ترحل بزاد التقى ... وافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شريكه ... وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا
فبكى عمر حتى وقع مغشياً عليه ودخل سابق مرة أخرى عليه فأنشده قصيدة طويلة:
فكم من صحيح بات للموت آمناً ... أتتة المنايا بغتة بعدما هجع
فلم يستطيع إذ جاءه الموت بغتة ... فراراً ولا منه بقوته امتنع
стр. 267
فأصبح تبكيه النساء مقنعا ... ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله ... وفارق بعدما كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغني لماله ... ولا معدماً في المال ذا حاجة يدع
فلم يزل عمر يضطرب ويبكي حتى غشي عليه.
وكان بوجهه شجة فلهذا كان يقال له: شجيج بني أمية لأن ضربته دآبة في وجهه.
وهو منسوب إلى عمر بن الخطاب لكن من جهة النساء.
ومن كرامات عمر بن الخطاب أنه كان يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً هو عمر بن عبد العزيز فإنه ﵁ من أولاد عمر بن الخطاب من جهة الأم فإن أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃.
لطيفة: مر عمر بن الخطاب ليلة ببيت فسمع امرأة تقول لابنتها: أخلطي الحليب بالماء فقالت البنت: يا أماه أو ليس نادى عمر بن الخطاب أن لا يخلط أحد الحليب بالماء؟ قالت: إنه لا يرانا، فقالت: نطيعه في الملأ ونعصيه في الخلاء، فلما أصبح عمر دعا أولاده عبد الله وعبيد الله وعاصماً وعرض عليهم الجارية وقال: لو كان لأبيكم من حركة ما سبقه إليها من أحد، فتزوجها عاصم فولدت بنتا ثم ولدت الثانية عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن رجب في اللطائف: خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها، فيها: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاد ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله من قضي نحبه وانقضى أجله فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما أسلف، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت، وانقضاء مواقيته وإني لا أقول لكم هذه المقالة وما أعلم على أحد من الذنوب أكثر ما أعلم عندي، ولكني استغفر الله وأتوب إليه، ثم رفع طرف درائه فبكى حتى شهق، ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله تعالى.
وعن عبيدة بن حسان قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني فلا
стр. 268
يبقى عندى أي أحد وكان عنده مسلمة بن عبد الملك، فخرجوا وقعد مسلمة وأخته فاطمة زوجة عمر على باب فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان، قال سمعنا صوتا من ناحية الباب يقول: ?تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ? [القصص: ٨٣] ثم دخلوا عليه وقد مات رحمة الله واستقبل القبلة وغمض عينيه وطبق فاه (١) .
قيل: إن بعض الجان بعد موته رثاه فقال:
عنا جزاك مليك الناس صالحة ... في جنة الخلود والفردوس يا عمر
أنت الذي لا نرى عدلاً نسر به ... من بعده ما جرت شمس ولا قمر
ورثاه جرير فقال:
تنعي النعاة أمير المؤمنين لنا ... مفضل حج بيت الله واعتمرا
حملت أمراً عظيماً فاضطلعت به ... وسرت فيهم بحكم الله مؤتمرا
ورثاه الفرزدق بقصيدة طويلة منها:
لو أعظم الموت خلقاً أن يواقعه ... لعدله لم يصبك الموت يا عمر
كم من شريعة حق قد نعت لهم ... كادت تموت وأخرى منك تنتظر
قال الأوزاعي: شهدت جنازة عمر وخرجت إلى مدينة «قنسرين» فمررت على راهب يسير على ثورين أو حمارين فقال: يا هذا ما أحسبك شهدت جنازة هذا الرجل فقلت له: نعم فبكى فقلت وما يبكيك ولست من أهل دينه قال إنما أبكي على نور كان في الأرض فطفيء.
стр. 269
ويوم موته وثب ذئب على شاه فقال: الرعاة كأن الرجل الصالح قد مات فنظروا فوجدوا عمر قد مات تلك الليلة ﵁، ولي الخلافة بعده ابن عمه سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين.
وكانت خلافته مثل خلافة أبي بكر الصديق سنتين وخمسة أشهر، وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، ومات بدير سمعان قرية من قري حمص، وكان قد أرسل لصاحب الأرض الذي يساومه على موضع قبره فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأتبرك بقبرك وقد حاللتك منه فأبى أن يقبله إلا بثمن، وبايعهم على موضع قبره بدينارين، وقال لهم: إنما أريد بطن الأرض، فإذا دفنت فاحرثوا أرضكم وأزرعوا فيها وابنوا وانتفعوا فلا يضرني ذلك، ودفن هناك وكان عنده شيء من شعر رسول الله ﷺ وأظفاره فأوصى أن تدفن معه.
لطيفة: قال يوسف بن ماهك: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر إذا سقط علينا من السماء رق مكتوب عليه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
وقال خالد الربعي: مكتوب في التوراة أن السماء تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.
لطيفة أخرى: قال الغزالي في منهاج الفائزين روي أن بعض الصالحين قال: كان لي ولداً استشهد فلم أره في المنام إلا ليلة توفي عمر بن عبد العزيز ﵁، إذا تراءى إليَّ تلك الليلة فقلت: يا بني ألم تك ميتاً فقال: لا ولكني استشهدت وأنا حي عند الله أرزق، فقلت ما جاء بك فقال: نودي في السماء أن لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا وحضر الصلاة على عمر بن عبد العزيز فجئت لأشهد الصلاة ثم جئتكم لأسلم عليكم.
قال البخاري «وكتب بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي» (١) هذا هو السيد
стр. 270
الجليل أبو فروة الكندي الجزري التابعي، وقد اختلفوا في أنه صحابي أم لا، والصحيح أنه تابعي.
وسبب الاختلاف في أنه روى أحاديث عن النبي ﷺ فظنه بعضهم صحابياً.
وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل، واستعمال عمر له يدل على أنه ليس بصحابي لأنه عاش بعد عمر، ولم يبق أحد من الصحابة في خلافته واتفقوا على جلالة عدي.
فقال البخاري: عدي سيد أهل الجزيرة.
وقال أحمد بن حنبل: عدي لا يسئل عن مثله وتوفي في ستة عشرين ومائة.
«أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودتا وسننا» هذا الذي قاله البخاري من قوله «وكتب عمر بن عبد العزيز أن للإيمان ... إلى آخره» تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته، ومقصود البخاري بهذا الأثر المنقول عن عمر بن عبد العزيز الاستدلال على مذهبه من زيادة الإيمان ونقصانه، وأن عمر بن عبد العزيز كان قائلاً بأن الإيمان قول وفعل، وكان قائلاً: بأنه يزيد وينقص حيث قال: «فمن استكملها فقد ستكمل الإيمان» واستدل بكلامه لأنه جمعها بجلالته وفضله وعلمه كما قدمنا ذلك، والفرق بين الفرائض والشرائع والسنن ظاهر، وذلك أن المراد بالفرائض: الأعمال المفروضة، وبالشرائع: العقائد الدينية، وبالحدود: المنهيات، وبالسنن: المندوبات، هكذا فسرها الكرماني والبرماوي.
قال البرماوي: وفسرناها بذلك حذراً من التكرار فيكون ذلك وفاء بالاعتقاد وبالعمل والترك واجبين ومندوبين.
* * *
стр. 271
المجلس الخامس عشر
في قوله تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى? [البقرة: ٢٦٠] وفيه فوائد كثيرة متعلقة بالسيد إبراهيم صلاة الله وسلامه عليه
«وقال إبراهيم ﵊ ?وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي?» مقصود البخاري بهذه الآية الاستدلال أيضاً على مذهبه من زيادة الإيمان ونقصانه، وهي دليل ظاهر على قبول الزيادة، وفصل هذه الآية عن الآيات التي استدل بها على زيادة الإيمان ونقصانه لأن تلك دلت على الزيادة بالصريح، وهذا بطريق اللزوم، ففصل ليشعر بالتفاوت، ووجه الاستدلال أن السيد إبراهيم سئل أن يريه إحياء المولي فقال: ?رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى?، وإنما سأل ليزداد يقيناً وبصيرة، فإنه إذا انضم عين اليقين إلى علم اليقين لا شك أن الإيمان يكون أقوى فلما سأل ذلك قال الله ﵎ ?أَوَلَمْ تُؤْمِن? ألم تصدق بأني أحي الموتى، وهو سبحانه عالم بأن إبراهيم يصدق بذلك ولكن قال له ذلك ليظهر إيمانه لكل سامع فقال إبراهيم في جواب ربه: بلى ومن بأنك تحي الموتى ولكن سألتك ?وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي? أي: ليزداد يقيني إذ ليس سمع كمن رأى وليس الخبر كالعيان ولله در القائل:
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المشاهدة الخليل
فطلب -صلوات الله وسلامه عليه- رؤية إحياء الموتى ليصير علم اليقين عنده بالاستدلال عين اليقين بالمشاهدة، فإنه ليس ما يصل إلى القلب بالخبر كالدي يصل إليه بالنظر لأن الكذب في الخبر ممكن وفي العيان غير ممكن.
وذهب بعض أهل التصوف إلى أن السيد إبراهيم ﵇ إنما قصد بالسؤال رؤية الباري جل وعلا، وجعل السؤال عن كيفية إحياء الموتى وسيلة إلى ذلك فكأنه قال: رب أرني ذاتك وأنت تحي الموتى، فلما سأل من ربه أن يريه كيف يحي الموتى ليزداد يقينه
قال الله تعالى ?فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ? قيل: خذ الطاووس والديك والغراب والنسر، قيل: الحمامة بدل النسر والبطة بدل الطاووس.
?فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ? أي: ضمهن إليك ولتبرهن واعرف هيئتهن ثم قطعهن ثم اخلط لحمهن ورشهن ودمهن بعضه ببعض، ثم أمسك رؤوسهن عندك، ثم جزئهن ثم اجعل على كل جبل من جبال أرضك وكانت سبعة، وقيل: أربعة أجزاء.
?ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً? أي: قل لهم تعالين بإذن الله يأتينك ساعيات
стр. 272
مسرعات في طيرهن أو مشيهن على رجلهن، ففعل إبراهيم ﵊ كما أمره الله تعالى أخذ هذه الطيور الأربعة وذبحها وقطع رؤوسها ووضع الرأس عنده ثم قطع لحمها قطعاً قطعاً، وخلط الجميع وقسمه سبعة أقسام على عدد الجبال، ووضع على كل جبل منها جزءاً كما أمره الله تعالى، ثم قال لهذه الأجزاء تعالين بإذن الله فعاد كل جزء إلى جسده، وأتى كل جسد إلى رأسه الذي معه وقيل: قال: أيتها الطيور المنقطعة والأعضاء المتفرقة عودي كما كنت بإذن الله تعالى، فعادت أجنحة هذا إلى مكانها ورأس هذا إلى بقيته وأعضائه والتأم هذا إلى هذا، وإبراهيم ينظر إليها وأقبلت أربعتها تسعي بإذن الله تعالى فعندها قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فقال: له عند ذلك ربه ?أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ? [البقرة: ١٣١] .
وقال بعضهم: لما قال السيد إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قيل: له أنت شاك في قدرتنا حتى تقف في حقيقتنا وتقول: أرني فقال: يا رب أنت أريتني بعين بصيرتي فأرني بعين بصري لأجمع بين النظريين، فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحها ويفرق أجزائها ويجعل على كل جبل منهن جزء وأمره أن يأخذ رؤؤس الأربعة فيجعلها بين أصابعه، ويدعوها ففعل ذلك، فهب بنسيم من جانب القدرة، وجمع تلك الأجزاء المتفرقة وأتوا نحوه واختطف كل منها رأسه من بين أصابعه، وطار حياً بقدرة الله فعكفوا على رأس إبراهيم، ونادوه بلسان فصيح وقلب جريح: يا إبراهيم أي شيء أردت بنا حتى سفكت دمنا، يا إبراهيم تأدب فربما باسطك ربك بمثل ما باسطته، ففي تلك الليلة رأى إبراهيم ربه في المنام يقول له: اذبح ولدك كأنه يقال له إبراهيم نحن أريناك أحياء الموتى فأرنا أنت إماتة الأحياء.
فائدة: قال ابن العماد في الذريعة لم يتعرض المفسرون لوجه الحكمة في كونها أربعة، وظهر لي والله اعلم أن العناصر لما كانت أربعة ناسب الحصر في الأربعة، ويؤيد ذلك ما قاله أن الله أوحى إليه أن يأخذ بطة خضراء وغراباً أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمراً، فإن الأخضر بمثابة الصفراء أو الأسود بمنزلة السود والأبيض كالبلغم والأحمر الدم والله أعلم.
والحكمة في أمره بالأخذ من الطير دون غيره من الحيوانات: أن الطير أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواص الحيوان.
قال بعض العلماء: وإنما أخذ هذه الطيور الأربعة دون غيرها من الطيور لنكتة لطيفة وهي: أن أعداء الآدمي أربعة: الدنيا والهوى والنفس والشيطان كما أشار إليه
стр. 273
بعضهم بقوله:
إني بليت بأربع ما سلطوا ... إلا لعظم بليتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... كيف السبيل وكلهم أعدائي
فكأنه أشار بأخذه لهذه الطيور ووضعها على الجبال أن ينفي عنه ما أتصف كل واحد منها من هذه الأعداء الأربعة، فأشار بالطاووس إلى نفي نية الدنيا لأنه أكثر الطيور زينة، وأشار الغراب إلى نفي الحرص لأنه أكثر الطيور روضاً، وأشار بالديك إلى نفي الشهوة لأنه أكثر الطيور شهوة، وأشار بالنسر إلى نفي العجب لأنه أكثر الطيور عجباً، فكأنه تعالى بقوله: خذ هذه الأربعة واجعل كل منها على جبل، فالحرص على جبل الترك، والزينة على جبل الزهد، والعجب على جبل التواضع، والشهوة على جبل الإخلاص.
فائدة في أحكام هذه الطيور: أما الطاووس فهو طائر معروف في طبعه العفة وحب الزهو والخيلاء والإعجاب بريشة، يلقي ريشة في الخريف كما يلقي الشجر ورقة، فإذا بدأ طلوع الأوراق من الشجر طلع ريشة، ومع حسنة يتشأم به ونكره الناس إقامته في البيت.
وسببه: أنه لما كان سبباً لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها، وسبباً لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا كرهت أقامته في الدور، وكان غير مبارك فيها، ويحرم أكله لخبث لحمه، ويصح بيعه للتفرج على لونه.
وأما الديك فكنيته أبو اليقظان ويسمى الأنيس والموأنس، وقد ذكر العلماء أنه يجوز الاعتماد على الديك المجرب في أوقات الصلوات، وكانت الصحابة يسافرون معهم بالديك تعرفهم أوقات الصلاة.
ويحل أكله ويكره سبه كما روى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» (١)
حديث إسناده جيد.
стр. 274
قال الحليمي في قوله ﷺ : «فإنه يوقظ للصلاة» على أن كل ما استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب، بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان.
ويروى في حديث أن النبي ﷺ قال: «الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل ﵇ يحرس بيته وستة عشر بيتاً أبيض» (١) .
وأما الغراب فهو من الفواسق الخمس يستحب قتله في الحل والحرم، ويحرم أكل الغراب الأبقع والغراب الأسود الكبير الجبلي، وأما غراب الزرع فإن أكله حلال ويسمى غراب الزيتون لأنه يأكله.
وأما النسر فهو عريف الطيور يقول: في صياحه ابن آدم عش ما شئت فإن الموت ملأ قلبك كذا قاله الحسن بن على.
وفي هذا مناسبة لما خص به النسر من العمر الطويل فقد قيل: يعيش ثمانين سنة وهو سيد الطيور لحديث ورد في ذلك ذكره الدميري في النسر وسنذكره في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى ويحرم أكله لاستنجاسه بأكله الجيف.
وأما الحمام فإنه يصدق على الذكر والأنثى من الفواخت والقمارى والقطا والوراشين واليمام والقلاب والمنسوب وأشباه ذلك، ويحل أكله بجميع أنواعه لأنه من الطيبات، وتربية الحمام لأجل البيض والإفراخ والأنس وحمل الكتب جائز بلا كراهة، وأما اللعب بها والتطير والمسابقة فقيل: يجوز لأنه يحتاج في الحرب لنقل الأحبار، والأصح كراهته فقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط.
وقال النخعي: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.
стр. 275
وروى ابن وهب (١) أن حمام مكة أظلت النبي ﷺ يوم فتح مكة فدعا لها بالبركة.
ومما يدل على كراهة اللعب بالحمام الطيارة ما في سنن أبي داود وابن ماجة والطبراني وابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة» (٢) .
وهو محمول على إدمان صاحب الحمام على طيرانه والاشتغال به، والارتقاء بسببه إلى السطوح التي يشرف منها على بيوت الجيران وحرمتهم لأجله، وسمى رسول الله ﷺ الحمام شيطاناً لأنه لا يكاد يخلو من عصيان العاصي يقال له: شيطان قال تعالى ?شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ? [الأنعام: ١١٢] وأطلق على الحمامة شيطان مجاورة، ولا ترد الشهادة بمجرد اللعب عندنا بها، خلافاً لأبي حنيفة ومالك فإن انضم إليه قماراً ونحوه ردت الشهادة.
واستشكل العلماء سؤال السيد إبراهيم إحياء الموتى ليزداد يقينه وإيمانه يقول سيدنا علي: لو كشف الغطاء ما ازدادت يقيناً أي: لو كشف لي الغطاء عن الأمور المغيبة، من الحشر والنشر والحساب وكيفية إحياء الموتى ونحوها بأن شدتها واقعة ما ازددت بسبب وقوعها يقيناً بها.
ووجه الإشكال أن قول سيدنا علي يقتضي أنه لا يزداد يقينه عند رؤية إحياء الموتى ولا عند جميع الأمور المغيبة، والسيد إبراهيم طلب ذلك لأجل يقينه وإيمانه فيلزم أن يكون مقام سيدنا علي أعلى من مقام السيد إبراهيم مع أن مقام إبراهيم أعلى بالإجماع للقطع بأنه لا يصل ولي إلى درجة الأنبياء، وقد جمع العلماء بين القولين بما لا نطول بذكره.
«وإبراهيم» سرياني معناه بالعربية «أب راحم» ، وقيل: «رحيم» ذكره الله تعالى في القرآن في إحدى وسبعين موضعاً، وفيه سبع لغات أشهرها إبراهيم، ويقال: «إبراهام» وبها قرئ في السبعة، وكان مولده -صلوات الله وسلامه عليه- ببابل من أرض السواد بناحية يقال لها: «كوش» كما صححه ابن الملقن في زمان النمروذ بن
стр. 276
كنعان.
وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف مائة سنة ومائتان وثلاث وستون سنة، وبينه وبين آدم ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثون سنة، والنمروذ عليه اللعنة كان جباراً عنيداً دعا الناس إلى عبادته وهو أحد الملوك الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها ورد في الحديث: «ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران أما المؤمنان فسليمان بن داود والإسكندر ذو القرنين ﵉، وأما الكافران فنمرود عليه اللعنة وبخت نصر» (١) .
وكان عند النمروذ كهان ومنجمين فلما أراد الله إيجاد السيد إبراهيم قالوا: إنا نجد في علمنا أنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر يذبح كل مولود يولد في تلك الناحية في تلك السنة، فلم يولد فيها غلام إلا ذبحه.
وأما أم إبراهيم فإنه لما حملت به لم يعلموا بحبلها، فإنها كانت جارية حديثة السن تعلم الحبل، ولم يستبن في بطنها شيء، فلما حملت به أمه قالت الكهان للنمرود: إن المولود الذي أخبرناك قد حملت به أمه هذه الليلة، فلما عظم بطنها خشي آزر أن يعلموا بها فيذبحوها وولدها، فانطلق بها إلى أرض بين البصرة والكوفة فأنزلها في سرب من الأرض، وجعل عندها ما يصلحها وجعل يكتم ذلك من أصحابه، فولدت إبراهيم فيه وشب فكان ابن سنة كابن ثلاثين سنة، وكانت أمه كلما دخلت عليه وجدته يمص أصابعه فقالت ذات يوم نظرت إليه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبناً ومن إصبع عسلاً ومن إصبع زبداً ومن إصبع سمناً.
لطيفة وقعت لشخص في الصغر نظير ما وقع للسيد إبراهيم: نقل الشيخ كمال الدين الدميري عن عبيد بن واقد الليثي البصري قال: كنت أريد الحج فوقفت على رجل بين يديه غلام أحسن الغلمان وأكثرهم حركة فقلت: من هذا؟ قال لي ابني وسأحدثك عنه، خرجت مرة حاجاً ومعي أم هذا الغلام وهي حامل به، فلما كنا في بعض المنازل ضربها الطلق فولدت هذا وماتت، وحضر الرحيل فأخذت الصبي فلففته في خرقة وجعلته في غار وبنيت عليه أحجاراً، وارتحلت وأنا أرى أنه يموت من ساعته، فقضيت الحج فلما نزلنا ذلك بادر بعض رفقتي إلى الغار فنقض الأحجار فإذا بالصبي
стр. 277
ملتقم إبهامه فنظرنا فإذا اللبن يخرج منها، فاحتملته معي فهو هذا الذي ترى.
واختلف في إقامة إبراهيم في الغار وقيل: سنة، وقيل: خمسة عشر شهراً، وقيل: سبعة أشهر فلما شب إبراهيم في السرب، وتكلم قال لأمه من ربي؟ قالت: أنا، فقال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ فقالت: النمروذ، قال: فمن رب النمروذ؟ قالت: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى أبيه فقالت: المولود الذي يغير دين أهل الأرض هو ولدك وأخبرته بما قال، فأتاه أبوه فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: النمروذ، قال: فمن رب النمروذ؟ فلطمه لطمةً وقال: اسكت فسكت.
وهذا هو الرشد الذي أشار إليه بقوله ?وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ? [الأنبياء: ٥١] أي: هديناه وأصلحناه من قبل موسى وعيسى وقيل: معنى قبل أي: من قبل بلوغه.
ولما كان في السرب لم ير شيئاً مما على الأرض من الحيوانات أو غيرها ولا السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم فقال لأبويه: أخرجاني فأخرجاه آخر النهار حين غابت الشمس، فنظر إلى الإبل والبقر والغنم والخيل فسأل عن أسمائها فسماها له، قال هذا الجنس يقال له: غنم، وهذا يقال له: بقر، وهذا يقال له: إبل، فقال: ما لهذه لابد أن يكون لها من خالق إله خالق ورازق.
وقيل: إنه قال لأمة: هذه الخلائق هذا طويل وهذا قصير، وهذا قوي وهذا ضعيف، وهذا غني وهذا فقير، وهذا صحيح وهذا مريض، من صنع هذا كله؟ فقالت له: النمروذ، قال لها: ومن خلق النمروذ؟ فلطمته وقالت: اسكت.
ثم رق قلبها له وقالت: ألك حجة على أنه ليس برب؟ قال: نعم، قالت: وما هي؟ قال: له زيادة ونقصان، وتحريك وإسكان، وهل يقوم ويقعد، ويأكل ويشرب، ويستيقظ وينام؟ فقالت: نعم، قال: هذا صفات الأجسام، المفتقر إلى الشهوة والطعام، وعزل سلطنته قريب، وورآه من الموت يوم عصيب، يا أمي من تؤلمه بقة وتقتله شرقة وتوجعه إبره وتجعله الحوادث عبرة، ويجوع ويظمأ، ويسمن ويضنأ، ويعمل فيه البرد والحر، وليس بيده نفع ولا ضر، لا يكون إلهاً كأنك بملكه قد تناهى، قالت: فمن إله السماوات والأرض، قال: الذي لا يغلب ولا يقهر، ولا ينام ولا يسهر، ولا عرض ولا جوهر، يعلم ما يسر من القول ما يجهر، خالق الليل الدامس، ومخرج الثمرة من اليابس، قالت له: فأين هذا الرب؟ قال: لا يوصف بأين ثم انظر وتفكر في خلق
стр. 278
السماوات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني أسقاني ربي، مالي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فإذا المشترى قد طلع، وقيل: الزهرة، وكانت الليلة في النصف الثاني من الشهر فرأى الكوكب قبل القمر فقال: هذا ربي فلما أفل أي: غاب قال: لا أحب الآفلين، ثم طلع القمر قال هذا ربي كما قال تعالى ?فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ? [الأنعام: ٧٧] ثم طلعت الشمس فلما رآها قال هذا ربي كما قال: ?فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ? [الأنعام: ٧٨، ٧٩] .
قال القاضي عياض: استدلال إبراهيم بالكواكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهراً واسم أبيه تارح، ولقبه آزر كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ? [الأنعام: ٧٤] ومعناه الشيخ الكبير، وقيل: معناه قبيح الفعل، وقيل: سمي آزر لشدة كفره، وقيل: آزر اسم لصنم الذي كان يعبده فلقب به لملازمته لعبادته، وقيل: أطلق عليه بحذف مضاف أي: لأبيه عابد آزر، وكان نجاراً يصنع الأصنام، فلما بلغ إبراهيم من العمر سبع سنين كان أبوه يعطيه الأصنام ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم فينادي عليها من يشتري شيئاً يضره ولا ينفعه فلا يشتري أحداً منه شيئاً، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى آزر فيضرب رأسها فيه ويقل: اشربي ثلاث مرات استهزاء منه بها وبقومه وما هم عليه من الضلال والجهالة، حتى فشي أمره بين الناس فاستهزأ به قومه وأهل بلدته.
وقال بعضهم: كان آزر ينحت الأصنام لفرط حبه لها فإذا كثرت عليه يبيعها وكان يعطيها لأولاده ويبيعوها، وكان يعطي إبراهيم الصنم ليبيعه فيربط إبراهيم في رقبته حبلاً ويبله في الماء ويسحبه على التراب ويرميه تحت أرجل الكلاب، ويلطخها بالعذرة ويقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فقال له: أبوه ويحك لم لا يشترون منك؟ فقال: سوق آلهتكم كاسد، فقال له أبوه: فامدحه حتى يشترون منك لنأكل من ثمنه الخبز قال إبراهيم: كيف أمدحه إن قلت: سميع كذبت وإن قلت: بصير كذبت ?يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً? [مريم: ٤٢] ، قال آزر: ?أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ? [مريم: ٤٦] قال: نعم، قال آزر: ?وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً? أي: حينا من الدهر حتى لا يجر عليك مني ما لا تريد فقال
стр. 279
إبراهيم: ?سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي? [مريم: ٤٧] معناه إنك مني سالم لا أوذيك لو آذيتني سألت الله تعالى لا يعاقبك بأذيتي، وإنما قال ?وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً? لأنه أعاب الصنم عنده بثلاثة أشياء قال: لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن عبده فلا تصلح له الربوبية، إنما الربونية لرب يأتي إليه في ليلة ظلماء فيقضي حاجته، ويراه في ظلمة الليل ويسمع قوله ويعلم، ثم قال: وأما ما طلبت من الهجر بقولك اهجرني فقد هجرتك ولن تراني قط عندك، هذا فراق ليس بعده تلاق، ووداع ليس بعده اجتماع.
وقيل: إن إبراهيم أقام عند أبيه سبع عشرة سنة كاشف قومه وقال لهم: ?مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ? [الأنبياء: ٥٢] يعني ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها قالوا: ?وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ? [الأنبياء: ٥٣] يعني إننا نقتدي في عبادتها بأباءنا ونقلدهم قال: ?لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ? [الأنبياء: ٥٤] .
ثم اظهر دينه -صلوات الله عليه وسلامه- قال: ?أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ? [الشعراء: ٧٥، ٧٦، ٧٧] فقالوا: من تعبد أنت يا إبراهيم؟ قال: رب العالمين، فقالوا: يعني النمروذ قال لا ?الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ? [الشعراء: ٧٨ - ٨٢] .
فلما ظهر أمره للناس حتى بلغ النمروذ الجبار دعاه: يا إبراهيم إلهك الذي بعثك وتدعوا الناس إلى عبادته وتذكر من قدرته، وتعظمها له على غيره صفة لنا فقال إبراهيم: ?رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ?، قال النمروذ: ?أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ? قال له إبراهيم: كيف تحي وتميت؟ قال: أخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك إلزاماً على وجه يعجز الإتيان بنظيره ?فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ? فبهت عند ذلك النمروذ ولم يرد جواباً ولزمته الحجة كما قال تعالى ?فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ? [البقرة: ٢٨٥] .
ثم إن إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، وعجزها إلزاماً للحجة، فجعل ينظر وقتاً يخل فيه مكان الأصنام إلى أن حضرهم عيد، فإنهم كان لهم في كل سنة عيد يخرجون إليه يجتمعون فيه، وكانوا إذا رجعوا من
стр. 280
عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان العيد قال آزر لإبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج إبراهيم معهم، فلما كان في أثناء الطريق ألقى إبراهيم نفسه إلى الأرض، وقال إني سقيم أي: ضعيف اشتكي برجلي، فتوهموا صدقه وهو صريع على الأرض، فلما مضوا نادى واحداً منهم في آخرهم ?وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ? [الأنبياء: ٥٧] فسمعه ذلك ثم رجع إبراهيم من الطريق إلى بيوت الأصنام والآلهة، فرآهم في مكان عظيم، واختلف في عدد تلك الأصنام فقيل: كانت اثنين أو ثلاثة وسبعين صنماً وقيل: كانت ثلاثمائة وستين صنماً، وكان بعض هذه الأصنام بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من نحاس وبعضها من حديد وبعضها من حجارة، وكان فيهم صنم عظيم من الذهب على رأسه تاج مرصع بالجوهر وعيناه ياقوتتان، والأصنام عن يمينه وشماله نصفان، فأصنام الفضة أقرب إليه من الحديد، والحديد أقرب إليه من الحجارة، وهم قد وضعوا بين يدي الأصنام طعاماً وقالوا إذا رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلنا، وهذه كانت عادتهم وكانت الشياطين تأكله فيزداد القوم بذلك طغياناً ويقولون: ربنا أكل طعامنا، وقيل: أنفا منا، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلي ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء: ألا تأكلون، فلما لم يجيبوه قال لهم ?مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ? [الصافات: ٩٢، ٩٣] أراد باليمين القسم التي كان أقسم بها في قوله: ?وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم? أي: مال عليهم ضرباً لأجل اليمين التي أقسم بها، وجعل
يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه، ثم خرج كما قاله تعالى ?فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ? [الأنبياء: ٥٨] ضمير إليه راجع إلى كبيرهم، إلا الصنم الكبير فإنه تركه لعلهم يرجعون إليه فيظنون أنه فعل ذلك، وقيل: ضمير إليه راجع إلى إبراهيم أي: كسرهم السيد إبراهيم لعلهم يرجعون إليه أي: إلى دينه، فلما جاء القوم من عيدهم جاءوا إلى بيت آلهتهم فرأوها على تلك الحالة قالوا: ?قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ? [الأنبياء: ٥٩، ٦٠] وهو الذي صنع هذا، فبلغ النمروذ ذلك وأشراف قومه ?فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ? [الأنبياء: ٦١] عليه أنه هو فعل ذلك وكرهوا أن يأخذوه بغير ذنبه.
وقيل: معناه لعلهم يشهدون ما صنع به ونعاقبه، فلما أحضروه قالوا: ?قَالُوا أَأَنْتَ
стр. 281
فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا? [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] فإنه غضب من أن تعبدوا معه هذه الأصنام الصغار، وهو أكبر منها فكسرهم ?فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ? [الأنبياء: ٦٣] .
قال النبي ﷺ «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات في قوله إنه سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقوله: عن سارة زوجته هي أختي» (١) .
قال العلماء: ما قاله السيد إبراهيم في هذه الثلاث يشبه الكذب وليس كذباً في الحقيقة، لما قدمنا من أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عمداً وسهواً قبل النبوة وبعدها، وقوله صدق عند البحث عنه والتفتيش، وإطلاق الكذب باعتبار فهم السامعين لا باعتبار الحقيقة، أما قوله: إني سقيم فمعناه أنه ساقم، لأن الإنسان عرضة للأسقام وسقيم لما قدر على من الموت، أو كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت، أو سقيم القلب أي: مغتم بسبب ضلالتهم، وأما قوله: بل فعله كبيرهم فمعناه أنه سبب في الفعل لا أنه فعل حقيقة فالإسناد إليه باعتبار السببية، أو الإسناد إلى الكبير مشروط بقوله: ?إِن كَانُوا يَنطِقُونَ? أو الوقف عند قوله: ?بَلْ فَعَلَهُ? أي: فعله فاعله وكبيرهم هذا ابتداء كلام، وأما قوله في حق زوجته سارة هي أختي فمعناه: أنها أخته في الإسلام.
قال ابن العماد: ويجوز أن يكون الله أذن له لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن يوسف ﵇ حين آمر منادياً فقال لإخوته: أيتها العير إنكم لسارقون، على أن العلماء اجمعوا على أن الكذب جائز وواجب في صور عند الحاجة كما سنذكر ذلك في باب علامات المنافق.
فلما قال لهم إبراهيم ذلك، ?فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ? [الأنبياء: ٦٤] اختلفوا في معنى هذه الآية فقيل: معناها إنكم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه ألهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة فأسالوهم، وقيل: معناها إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير، ?ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ? [الأنبياء: ٦٥] متحيرين مكسورين منكوسين وعلموا إنها لا تنطق ولا تبطش فقالوا: ?لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ? [الأنبياء: ٦٥] فلما اتجهت له الحجة
стр. 282
عليهم فقال لهم إبراهيم: ?أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ? [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] فلما ألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب قالوا: ?حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ? وسنذكر تحريقه بالنار في الكلام على السواك إن شاء الله تعالى.
فائدة: أفاد ابن الملقن أن إبراهيم كان يتكلم أولاً بلغة السريانية فبلغه يوماً أن النمروذ يريد قتله، فهرب منه فأرسل رسله في طلبه فقالوا: لا نعرفه، فقال: إذا رأيتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه، وكان هناك نهر فعبر إبراهيم النهر فأدركه رسل النمروذ، واستنطقوه فحول الله لسانه عبرانياً وهو لا يعرف فكلمهم باللغة العبرانية، وكان ذلك التحويل حين عبر النهر فسميت تلك اللغة بذلك.
فائدة أخرى: إبراهيم -صلوات الله والسلام عليه- من أولي العزم من الرسل الذي أشار الله لهم بقوله العزيز: ?فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ? [الأحقاف: ٣٥] واختلف في عددهم على أقوال أصححها: أنهم خمسة قاله شيخنا الجلال السيوطي في الإتقان: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وقد نظمتهم في بيت فقلت:
أولي العزم إبراهيم موسى محمد ... وعيسى ونوح ذا الصواب المحمود
وسموا بأولي العزم لثباتهم وصبرهم على الشدائد أكثر من غيرهم.
قال العلماء: أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد ﷺ بعد اتفاقهم على أن نبينا أفضل المخلوقات فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى.
لكن قال شيخنا العلامة الشيخ جلال الدين السيوطي في شرح نظمه لجمع ألوامع أفضل الخلق بعده ﷺ إبراهيم الخليل نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وبعد الخليل موسى وعيسى ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي يقدح تفضيل موسى، ثم عيسى ثم نوح وهؤلاء مع النبي ﷺ أولوا العزم المذكورون في سورة الأحقاف أي: أصحاب الجد والاجتهاد ثم بعدهم سائر الرسل فهم أفضل من الأنبياء.
وذكر الشيخ عز الدين ابن جماعة أن ابن عبد السلام في كتابة شجرة المعارف فيما نقله عنه البرهان الفزاري أن المرسلين أفضل من النبيين، ثم الأنبياء فهم أفضل من الملائكة عند الجمهور.
وذهب المعتزلة وبعض أصحابنا كالقاضي والأستاذ أبي إسحاق وأبي عبد الله الحكم والإمام في المعالم وليس المراد فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو عليه.
стр. 283
وقال السبكي: لو أقام الإنسان عمره لم يخطر بباله مسألة المتفضل بين الملائكة والأنبياء لم يسأله الله عن ذلك، وسنذكر الأدلة من الطرفين في محله أن شاء الله تعالى.
وقد قدمنا أن إبراهيم ﵇ عاش مائة سنة على خلاف في ذلك.
فائدة أخرى: أفاد البغوي في تفسير قوله تعالى ?يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ... ? [آل عمران: ٦٥] الآية، أنه كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة صلى الله عليهم وسلم.
ويشكل على اتفاق العلماء على أن نبينا محمد ﷺ أفضل المخلوقات ما ورد في الصحيح: أن رجلاً قال للنبي ﷺ يا خير البرية فقال النبي ﷺ : «ذاك إبراهيم ﵇» (١) .
فإن هذا الحديث يدل على أن نبينا إبراهيم أفضل من نبينا ومن سائر الأنبياء.
وأجاب النووي عنه بوجهين الأول: أنه قال تواضعاً وأدباً، الثاني: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به.
خاتمة: لما أراد الله تعالى قبض روح إبراهيم أرسل إليه ملك الموت في صورة رجل هرم، وكان إبراهيم لا يأكل إلا مع الضيف، فبينما هو جالس يأكل مع الضيف، فإذا هو بشيخ يمشي في الخلوة فبعث إليه حماراً فركبه حتى وصل، فأجلسه على الطعام وقال له: كل، والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، فجعل الشيخ يريد يأخذ اللقمة حتى يجعلها في فيه فيدخلها في عينه ومرة في أذنه ثم يدخلها، وكان إبراهيم سأل أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت فقال إبراهيم حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هكذا؟ قال الشيخ: من الكبر، فقال له: إبراهيم ابن كم أنت؟ فأخبره،
стр. 284
فوجد إبراهيم عمر الشيخ قد يزيد على عمره بسنتين فقال: يا بني إنما بيني وبينك سنتان فإذا بلغت عمرك صرت مثلك، فحينئذ قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض روحه قدسها الله تعالى في الحال.
* * *
стр. 285
المجلس السادس عشر
في الكلام على حديث «بني الإسلام على خمس»
وذكر بعض ترجمة عبد الله بن عمر وذكر فوائد ولطائف
وأفتتح هذا المجلس بخطبة مناسبة: الحمد لله الذي رفع قدر من أقر بالشهادتين، ونصب الدليل على وجود ذاته، وخفض قدر من لم يجزم بوحدانيته، ولم يعترف بقدم صفاته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي ﷺ ، الذي جاء بالدين، وجاءه الفتح المبين، وكسر جيش الكافرين وأسكن الرعب في قلوب المارقين، ببركاته وعلى آله وصحبه وزوجاته وذريته صلاة وسلاماً دائمين.
باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
قَالَ البُخَارِي:.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» .
قوله «حدثنا عبيد موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان (١)
عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر» هذا الإمام الصالح عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي، زاهد الصحابة وعالمهم، أسلم بمكة قديماً مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، ذكره البخاري في الهجرة.
قال ابن الملقن: ولا يصح قول من قال: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر واستصغر في غزوة أحد فلم يحضرها، وحضر الخندق وما بعدها من الغزوات.