فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا? [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] فإنه غضب من أن تعبدوا معه هذه الأصنام الصغار، وهو أكبر منها فكسرهم ?فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ? [الأنبياء: ٦٣] .
قال النبي ﷺ «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات في قوله إنه سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقوله: عن سارة زوجته هي أختي» (١) .
قال العلماء: ما قاله السيد إبراهيم في هذه الثلاث يشبه الكذب وليس كذباً في الحقيقة، لما قدمنا من أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عمداً وسهواً قبل النبوة وبعدها، وقوله صدق عند البحث عنه والتفتيش، وإطلاق الكذب باعتبار فهم السامعين لا باعتبار الحقيقة، أما قوله: إني سقيم فمعناه أنه ساقم، لأن الإنسان عرضة للأسقام وسقيم لما قدر على من الموت، أو كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت، أو سقيم القلب أي: مغتم بسبب ضلالتهم، وأما قوله: بل فعله كبيرهم فمعناه أنه سبب في الفعل لا أنه فعل حقيقة فالإسناد إليه باعتبار السببية، أو الإسناد إلى الكبير مشروط بقوله: ?إِن كَانُوا يَنطِقُونَ? أو الوقف عند قوله: ?بَلْ فَعَلَهُ? أي: فعله فاعله وكبيرهم هذا ابتداء كلام، وأما قوله في حق زوجته سارة هي أختي فمعناه: أنها أخته في الإسلام.
قال ابن العماد: ويجوز أن يكون الله أذن له لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن يوسف ﵇ حين آمر منادياً فقال لإخوته: أيتها العير إنكم لسارقون، على أن العلماء اجمعوا على أن الكذب جائز وواجب في صور عند الحاجة كما سنذكر ذلك في باب علامات المنافق.
فلما قال لهم إبراهيم ذلك، ?فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ? [الأنبياء: ٦٤] اختلفوا في معنى هذه الآية فقيل: معناها إنكم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه ألهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة فأسالوهم، وقيل: معناها إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير، ?ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ? [الأنبياء: ٦٥] متحيرين مكسورين منكوسين وعلموا إنها لا تنطق ولا تبطش فقالوا: ?لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ? [الأنبياء: ٦٥] فلما اتجهت له الحجة
стр. 282
عليهم فقال لهم إبراهيم: ?أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ? [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] فلما ألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب قالوا: ?حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ? وسنذكر تحريقه بالنار في الكلام على السواك إن شاء الله تعالى.
فائدة: أفاد ابن الملقن أن إبراهيم كان يتكلم أولاً بلغة السريانية فبلغه يوماً أن النمروذ يريد قتله، فهرب منه فأرسل رسله في طلبه فقالوا: لا نعرفه، فقال: إذا رأيتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه، وكان هناك نهر فعبر إبراهيم النهر فأدركه رسل النمروذ، واستنطقوه فحول الله لسانه عبرانياً وهو لا يعرف فكلمهم باللغة العبرانية، وكان ذلك التحويل حين عبر النهر فسميت تلك اللغة بذلك.
فائدة أخرى: إبراهيم -صلوات الله والسلام عليه- من أولي العزم من الرسل الذي أشار الله لهم بقوله العزيز: ?فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ? [الأحقاف: ٣٥] واختلف في عددهم على أقوال أصححها: أنهم خمسة قاله شيخنا الجلال السيوطي في الإتقان: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وقد نظمتهم في بيت فقلت:
أولي العزم إبراهيم موسى محمد ... وعيسى ونوح ذا الصواب المحمود
وسموا بأولي العزم لثباتهم وصبرهم على الشدائد أكثر من غيرهم.
قال العلماء: أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد ﷺ بعد اتفاقهم على أن نبينا أفضل المخلوقات فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى.
لكن قال شيخنا العلامة الشيخ جلال الدين السيوطي في شرح نظمه لجمع ألوامع أفضل الخلق بعده ﷺ إبراهيم الخليل نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وبعد الخليل موسى وعيسى ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي يقدح تفضيل موسى، ثم عيسى ثم نوح وهؤلاء مع النبي ﷺ أولوا العزم المذكورون في سورة الأحقاف أي: أصحاب الجد والاجتهاد ثم بعدهم سائر الرسل فهم أفضل من الأنبياء.
وذكر الشيخ عز الدين ابن جماعة أن ابن عبد السلام في كتابة شجرة المعارف فيما نقله عنه البرهان الفزاري أن المرسلين أفضل من النبيين، ثم الأنبياء فهم أفضل من الملائكة عند الجمهور.
وذهب المعتزلة وبعض أصحابنا كالقاضي والأستاذ أبي إسحاق وأبي عبد الله الحكم والإمام في المعالم وليس المراد فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو عليه.
стр. 283
وقال السبكي: لو أقام الإنسان عمره لم يخطر بباله مسألة المتفضل بين الملائكة والأنبياء لم يسأله الله عن ذلك، وسنذكر الأدلة من الطرفين في محله أن شاء الله تعالى.
وقد قدمنا أن إبراهيم ﵇ عاش مائة سنة على خلاف في ذلك.
فائدة أخرى: أفاد البغوي في تفسير قوله تعالى ?يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ... ? [آل عمران: ٦٥] الآية، أنه كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة صلى الله عليهم وسلم.
ويشكل على اتفاق العلماء على أن نبينا محمد ﷺ أفضل المخلوقات ما ورد في الصحيح: أن رجلاً قال للنبي ﷺ يا خير البرية فقال النبي ﷺ : «ذاك إبراهيم ﵇» (١) .
فإن هذا الحديث يدل على أن نبينا إبراهيم أفضل من نبينا ومن سائر الأنبياء.
وأجاب النووي عنه بوجهين الأول: أنه قال تواضعاً وأدباً، الثاني: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به.
خاتمة: لما أراد الله تعالى قبض روح إبراهيم أرسل إليه ملك الموت في صورة رجل هرم، وكان إبراهيم لا يأكل إلا مع الضيف، فبينما هو جالس يأكل مع الضيف، فإذا هو بشيخ يمشي في الخلوة فبعث إليه حماراً فركبه حتى وصل، فأجلسه على الطعام وقال له: كل، والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، فجعل الشيخ يريد يأخذ اللقمة حتى يجعلها في فيه فيدخلها في عينه ومرة في أذنه ثم يدخلها، وكان إبراهيم سأل أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت فقال إبراهيم حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هكذا؟ قال الشيخ: من الكبر، فقال له: إبراهيم ابن كم أنت؟ فأخبره،
стр. 284
فوجد إبراهيم عمر الشيخ قد يزيد على عمره بسنتين فقال: يا بني إنما بيني وبينك سنتان فإذا بلغت عمرك صرت مثلك، فحينئذ قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض روحه قدسها الله تعالى في الحال.
* * *
стр. 285
المجلس السادس عشر
في الكلام على حديث «بني الإسلام على خمس»
وذكر بعض ترجمة عبد الله بن عمر وذكر فوائد ولطائف
وأفتتح هذا المجلس بخطبة مناسبة: الحمد لله الذي رفع قدر من أقر بالشهادتين، ونصب الدليل على وجود ذاته، وخفض قدر من لم يجزم بوحدانيته، ولم يعترف بقدم صفاته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي ﷺ ، الذي جاء بالدين، وجاءه الفتح المبين، وكسر جيش الكافرين وأسكن الرعب في قلوب المارقين، ببركاته وعلى آله وصحبه وزوجاته وذريته صلاة وسلاماً دائمين.
باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
قَالَ البُخَارِي:.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» .
قوله «حدثنا عبيد موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان (١)
عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر» هذا الإمام الصالح عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي، زاهد الصحابة وعالمهم، أسلم بمكة قديماً مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، ذكره البخاري في الهجرة.
قال ابن الملقن: ولا يصح قول من قال: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر واستصغر في غزوة أحد فلم يحضرها، وحضر الخندق وما بعدها من الغزوات.
стр. 286
ومن فضائله: أنه أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، من العبادلة الأربعة، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة، وهو أحد الساردين للصوم فإنه كان في الصحابة جماعة يسردون الصوم أي: يصومون الدهر عبد الله بن عمرو والده عمر بن الخطاب وعائشة وأبو طلحة وحمزة.
ومن فضائله: أنه كان لا ينام إلا قليلاً وروي عنه أنه قال: رأيت في المنام كان ملكين أخذاني وذهبا بي إلى النار، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (١) ، وكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً.
ومن فضائله: أنه كان إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه، وكان أرقاءه قد عرفوا ذلك منه فربما شمر أحدهم ولزم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه، فيقول أصحابه: والله ما بهم إلا أن يخدعوك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا.
وكان له عبد يقال له: نافع قال ابن الملقن: أعطى فيه عشرة آلاف دينار فامتنع من بيعه فقيل له: لم تمتنع أتنتظر أكثر من ذلك فقال: بل ما هو خير من ذلك هو حر لوجه الله.
وقيل: إن إعتاقه لنافع كان وهو واقف يصلي، فقد ذكر ابن الجوزي: أن عبد الله بن عمر كان قائماً يصلي ومولاه نافع قام ناحية فأشار ابن عمر إلى مولاه نافع بيده وهو في الصلاة، فلم يفهم نافع إشارته، فلما سلم من صلاته قال له نافع: يا مولاي رأيتك تشير إلي في صلاتك ولم أفهم إشارتك قال: إني قرأت ?لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ? [آل عمران: ٩٢] ولم يكن في بهذه الساعة شيء أحب إليَّ منك فأشرت إليك أنت حر لوجه الله تعالى.
стр. 287
وأما زهده وكرمه وكثرة صدقاته فقد شاع ذلك عنه وذاع، فإن الله قد فتح عليه بالمال الكثير.
وروي عن ميمون بن مهران قال: أتت ابن عمر اثنان وعشرين ألف دينار في مجلس، فلم يقيم حتى فرقها، وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً.
وما مات حتى أعتق ألف إنسان أو يزيدون على ذلك، وكان لا يأكل طعاماً إلا على خوانه.
وكان يحيي الليل ثم يقول: أسحرنا فيقال: لا فيعاود الصلاة ثم يقول: أسحرنا فيقال: نعم فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح.
وكان إذا سبح قال: اللهم اجعلني من أعظم عبادك نصيباً في كل خير تقسمه الغداة، ونور تهدي به، ورحمة تنشرها، ورزق تبسطه، وضر تكشفه، وبلاء ترفعه، وفتنة تصرفها.
وشرب ﵁ يوماً ماء مبرداً فبكى فقيل له: ما يبكيك قال: ذكرت آية في كتاب الله وهي ?وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ? [سبأ: ٥٤] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئاً شهوتهم الماء البارد.
وقال جابر ﵁: ما أدركت أحداً إلا مالت به الدنيا ومال بها إلا عبد الله بن عمر.
وفضائله في المتابعة للآثار وإعراضه للدنيا ومقاصده واحتياطه في الفتوى وعلمه بالمناسك غزيرة، ومناقبة لا تحصى شهد له الشارع بالصلاح، وعاش بعد ذلك بزيادة على ستين سنة يترقى في الخيرات.
ومن فضائله: ما رواه ابن سبع السبتي في شفاء الصدر عنه ﵁: أنه خرج في بعض أسفاره فبينما هو يسير إذ بقوم وقوف فقال: مال هؤلاء قالوا: أسد على الطريق قد أخافهم فنزل عن دآبته ثم مشى إليه حتى أخذ بإذنه ونحاه عن الطريق حتى جاءت القافلة، وقال: إني استحي من ربي أن يرى من قلبي أني أخاف غيره قال: ما كذب عليك رسول الله ﷺ إنما سلطت على ابن آدم من مخافته غير الله، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم تسلط عليه ولو أنه لم يرى إلا الله لما وكله إلى غيره نقله الدميري في الأسد.
ووقع له مرة واقعة لطيفة قال نافع: خرجت مع ابن عمر ﵄ إلى بعض نواحي المدينة المشرفة ومعه أصحابه، فنزلنا بواد فوضعوا سفرة لهم يأكلون
стр. 288
طعاماً إذ مر عليهم قطيع غنم يتبعهم عبد أسود صغير السن فقال له: عبد الله بن عمر هلم للعيش فأصب معنا، قال: يا سيدي أنا صائم، فتعجب منه وقال له: في مثل هذا اليوم في هذا الحر العظيم خلف هذا الغنم في هذه الأودية والشعاب؟ قال: نعم يا سيدي اغتنم الأيام الفانية لأيام الباقية، فتعجب عبد الله من كلام هذا العبد وحسن نيته وأدبه فقال له: يا أسود بعنا من غنمك شاة نذبحها ونطعمك من لحمها ونعطيك ثمنها فقال: يا سيدي الغنم ليست لي وإنما هي لسيدي فقال ابن عمر: إذا سألك سيدك عنها فقل له: أكلها الذئب فقال: العبد إذا قلت له أكلها الذئب فأين الله، فبكى ابن عمر وجعفر يقول: قال الراعي فأين الله يعني إذا كذبت على مخلوق فكيف بي إذا كذبت على مخلوق، عرضت على الخالق فلما دخل ابن عمر المدينة سأل عنه فاشتراه وأعتقه.
ومن فضائله: نقل عن نافع أن ابن عمر كان مرضياً فاشتهى سمكه فالتمست له المدينة فلم توجد حتى وجدت بعد كذا وكذا فاشتريت بدرهم ونصف وشويت وحملت له على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها وادفعها إليه فقال له الغلام: أصلحك الله اشتهيتها منذ كذا فلم نجدها وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف، أمرت بدفعها نحن نعطيه ثمنها فقال: لفها وادفعها إليه فقال: الغلام للسائل بعد أن دفعها إليه هل لك أن تأخذ درهماً وتضع هذه السمكة، فأخذ منه درهماً وردها فعاد الغلام إلى عبد الله وقال له: دفعت درهماً وأخذتها منه ثم وضعها بين يديه وقال: إني دفعتها إليه فرأيته محتاجاً إلى ثمنها فاشتريتها منه بدرهم ورأيته أشتد سروراً بالدرهم منه بالسمكة فقال: فادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما أمريء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر الله له» (١) .
стр. 289
روى لعبد الله بن عمر من الأحاديث ألفاً حديث وستمائة حديث وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على مائه وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بإحدى وثلاثين.
مات ﵁ بفخ قرب مكة يسمى واد الزاهر سنة ثلاث وقيل: أربع وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر عن أربع وثمانين سنة وقيل: وثمانين سنة.
فائدة: مذهب البخاري أن أصح الأسانيد ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر وهذه المسألة وقع فيها خلاف في علوم الحديث فقيل: أصح الأسانيد ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه وقيل: أصحها ما رواه ابن سيرين عن عبيدة عن علي وقيل: أصحها ما رواه الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه علي وقيل: أصحها كما قاله إمام الصنعة الحافظ البخاري: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر.
فعلى هذا إذا زيد في الإسناد راو بعد مالك، فأصح الأسانيد ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذا الإسناد يسمى سلسلة الذهب.
لكن المعتمد المختار كما قاله النووي: أنه لا يحكم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقاً، وفي هذا الإسناد الذي ساقه البخاري أعني قوله: حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر من الطريف أن رواته مكيون قرشيون، إلا عبيد الله فإنه كوفي.
«قال رسول الله ﷺ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»
قال النووي: أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب لينبئ أن الإسلام يطلق على الأفعال وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد، فقوله: «بني الإسلام على
стр. 290
خمس» بدون دعائم أو قواعد أو خصال (١) .
وفي صحيح مسلم «بني الإسلام على خمسة» (٢) مقدرة بخمسة أشياء، أو أركان، أو أصول، وها هنا دقيقة جليلة نحوية وهي: أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء، إذا كان المميز مذكوراً أما لو لم يكن مذكوراً فيجوز فيها الأمران صرح به النحاة.
قال الكرماني: فإن قيل: الإسلام هو الإتيان بالشهادتين فقط، ولهذا حكم بإسلام من تلفظ بها، فلما ذكر الأخوات أعني أقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان معهما؟
فالجواب: أنه ذكر الأخوات معهما تعظيماً لأخواتها، قال النووي: حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضيف الصلاة ونحوها لكونها إظهار شعائر الإسلام تعظيمها، وقيامه بها ينم عن استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله.
فإن قيل: الإسلام هو هذه الأمور الخمسة والمبني لابد أن يكون غير المبني عليه، وإلا يلزم عليه بناء الشيء على نفسه.
فالجواب: أن الإسلام عبارة عن المجموع والمجموع غير كل واحد من أركانه وأحسن من هذا الجواب ما أجاب به الشمني في حواشي مغني اللبيب: ولا يرد معه السؤال أصلاً وهو أن يقال: إن على هنا بمعنى من أي: بني الإسلام من خمس، وبه
стр. 291
يندفع ما أورد على أمثاله.
فإن قيل: الأربعة الأخيرة مبنية على الشهادتين، لا يصح شيء منها إلا بعد الشهادة فالأربعة مبنية والشهادة مبنى عليها فلا يجوز إدخالها في سلك واحد.
فالجواب: أنه لا محذور في أن يبنى أمر على أمر ثم الأمران يكون مبنياً عليهما شيء آخر.
قال قيل: مفهوم هذا الحديث يقتضي إن لم يباشر الإسلام لا يصح منه، فيشكل عليه الصور التي يصح فيها إسلام الصبي بطريق التتبع ولم يباشر الإسلام بنفسه.
فالجواب: أن عموم هذا الحديث مخصوص بمنطوق قوله تعالى ?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم? [الطور: ٢١] ويكون في الحديث دليل على تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن.
فإن قيل: لأي شيء لم يذكر الجهاد معها.
فالجواب عنه: بأنه فرض كفاية ولا يعين إلا في بعض الصور.
فإن قيل: ظاهر الحديث يقتضي أن من ترك شيئاً من الأربعة الأخيرة لا يكون مسلماً.
فالجواب: أن الإجماع صرف الحديث عن ظاهره فإن الإجماع قائم على أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادتين، وإنما ذكر الباقي معها تعظيماً للشأن كما تقدم، فلا يخرج عن الإسلام بترك واحد منها.
قال البرماوي وغيره: أجمعوا على أنه لا يكفر بترك الصوم والصلاة، وأما قول أحمد بن حنبل بكفر تارك الصلاة فدليل آخر نحو «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» وسنذكر الجواب عنه في محله.
وقوله «شهادة أن لا إله إلا الله» وما عطف عليه مجرور بأنه بدل من خمس، بدل الكل من الكل، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: في أحدها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: منها شهادة أن لا إله إلا الله.
و «أن» في «أن لا إله إلا الله» مخففة من الثقيلة ولهذا عطف عليه «أن محمد رسول الله» .
والمراد بإقام الصلاة: المداومة أو مطلق الإتيان بها، والمراد بإيتاء الزكاة: إخراج جزء من المال على وجه مخصوص، وتسمى هذه الخمسة أركان الإسلام ودعائمه.
قال العلماء: شبه ﷺ الإسلام بشيء له دعائم فذكر المشبه وأسند إليه ما هو
стр. 292
خاص بالمشبه به، وهو البناء ويسمى ذلك استعارة بالكناية.
ووجه انحصار الإسلام في الخمسة المذكورة: أن العبادة إما قولية وهي الشهادتين، وغير قولية، وغير القولية إما روحي وهو الصوم، وإما فعلي وهو الصلاة، وإما مالي وهو الزكاة أو مركب منهما، وهو الحج.
وقدم ﷺ الشهادتين على باقي الأركان لأنهما الأصل لبقية الأركان، لتوقف كل من الصلاة والزكاة وغيرهما عليهما، فقطب الأركان ومدارها على الشهادة فهما مكفرات للذنوب، وشفاء للقلوب من الأمراض والعيوب (١) .
لطيفة: مرض الشبلي فأرسل له الخليفة طبيباً نصرانياً وأوصاه به فعالجه فازداد مرضه، فتحير النصراني وقال للشبلي: يا شيخ المسلمين لو علمت أن شفاك في قطع عضو من أعضائي لفعلت فقال: شفائي في قطع زنارك فقطعه وأسلم، فوثب الشبلي كأن لم يكن به مرض، فلما سمع الخليفة قال: ظنت أني أرسلت الطبيب إلى المريض، وإنما أرسلت المريض إلى الطبيب.
لطيفة أخرى: قال الجنيد قدس الله روحه: خرجت يوماً من الأيام إلى الحج إلى بيت الله الحرام ووجهت الناقة إلى جهة الكعبة، فتحولت إلى طريق القسطنطينية فرددتها نحو الكعبة، فتحولت نحو المدينة المذكورة، فتركتها وقلت في نفسي: لله في هذا سر عظيم خفي، وقلت: إلهي وسيدي ومولاي ليس لي حيلة إن كنت تريد أن تزودني عن بيتك فالأمر إليك كله لك، وجعلت الناقة تسير سيراً سريعاً حتى دخلت
стр. 293
البلد فرأيت أهلها في قيل وقال، فسئلت عن ذلك فقيل: إن ابنة الملك قد أصابها الجنون، وهم يطلبون لها طبيباً يداويها فقلت في نفسي وعزة ربي لهذا صرفت عن بيته في هذا العام فقلت: أنا أداويها فأدخلوني فنادت من داخل الباب: يا جنيد كم تجذبك الناقة إلينا وأنت تردها، فلما رأيتها فإذا هي من أجمل النساء، والفل في عنقها ورجليها فقالت: ما أحسنك من طبيب يا طبيب القلوب صف لي صفة ننجو بها من الكروب قال: فقلت لها: قولي: لا إله إلا الله محمد رسول الله فرق صوتها ذلك فسقط الفل من عنقها ورجليها فقال أبوها: ما أحسنك من طبيب فداوني بدوائك، فقلت له: قل كما قالت، فأسلم وأسلم معه خلق كثير، ثم أتت أمها وفرحت وأسلمت وأسلم كل من كان في البلد معهم، قال الجنيد: فحمدت الله على ذلك وعزمت على الخروج، فقالت الجارية: يا جنيد لا تعجل بالخروج فإني سألت الله أن يتوفاني وأنت حاضر حتى تصلي على وتحضر جنازتي، ثم تشهدت وخرت ميتة رحمة الله تعالى عليها، ولله در من قال:
يا منقذ الجهالة من ظلماتها ... يا خير من حطت النزال
من ذاق حبك لم يزل متلهجاً ... أنت الإله القادر الفعال
انشأتني وهديتني ورحمتني ... فاغفر فأنت المنعم المفضال
ومننت منك تفضلاً وتكرماً ... أنت الإله وما عداك محال
وروي أن الفرزدق الشاعر كان مقصراً في طاعة الله، فماتت زوجته فخرج في جنازتها وجهاء البصرة وفيهم الحسن، فلما دفنت قام الفرزدق على قبرها يقول:
إذا جاء يوم القيامة قائداً ... عنيفاً وسواقاً ليسوق الفرزدق
أخاف وراء القبر إن لم تعاقبني ... أشد من القبر التهاباً وأضيفا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
فلما فرغ ونهض الناس لينصرفوا قال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد أما تسمع ما يقول الناس؟ قال: ما يقولون؟ قال يقولون: اجتمع في بهذه الجنازة خير الناس وشر الناس يعنوك ويعنوني، فقال الحسن: ما أنا بخيرهم وما أنت بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم فقال: شهادة إن لا إله إلا الله منذ ستين سنة فبكى الحسن ثم التزمه وقال له الفرزدق: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي.
بشارة: ورد في الحديث «إن العبد إذا قال لا إله إلا الله يصعد بها الملك إلي السماء فيتقبله في السماء ملك آخر فيقول: من أين؟ فيقول: وأنت إلى أين؟ فيقول
стр. 294
أنا صاعد بشهادة فلان إلى الله تعالى فيقول الآخر: وإنا نازل إليه من عند الله ومعي براءة من النار» (١) .
يقول الله تعالى: عبادي سارعوا إلى بابي أكتبكم من أحبابي، سارعوا إلى خدمتي أسبغ عليكم نعمتي، سارعوا إلى دعائي وسؤالي غفر لكم ولا أبالي، سارعوا إلى الطاعة أغفر لكم في الحال والساعة، يا عبدي كل من قصد باب ملك وجد عليه بواباً ثم المرتب ثم الحاجب، ثم صاحب الستر قبل أن يصل إلى الملك، وأنا يا عبدي ليس على بابي بواب ولا دوني حجاب، متى أتيت بابي وقصدتني وصلت إلي ووجدتني، وإلى ذلك أشار من قال:
إذا ما الليل غلق كل باب ... وأسدلت الملوك لها ستورا
أتاك القاصدون بكل معنى ... أصابوا الباب مفتوحاً منيرا
من أركان الإسلام الصلاة، وهي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، بل أفضل العبادات البدنية فرضها ونفلها، فلهذا ذكرها ﷺ بعد الشهادتين وقدمها على بقية الأركان، وإنما قلنا أفضل العبادات البدنية الصلاة احتراز عن شيئين، عن العبادات القلبية كالأيمان والمعرفة والتوكل ونحوهما، فإنها أفضل من العبادات البدنية، وعن العبادات المالية فإن العلماء اختلفوا فيها في العبادات البدنية.
فذهب الفارقي إلى أن المالية كالزكاة أفضل من البدنية «الصلاة» لتعدي النفع بها، ونازعة في ذلك ابن عبد السلام، ورجح أن الصلاة أفضل من الزكاة قال: ويؤيده أن البيهقي نقل عن الشافعي أنه ﷺ قال: «إن الصلاة أعظم من الزكاة» (٢) والله أعلم.
стр. 295
ولها فضائل كثيرة منها: أنها تنهى من دوام عليها عن الفحشاء والمنكر ويرزقة الله التوبة ببركتها قال الثعلبي في قوله تعالى ?إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ? [العنكبوت: ٤٥] .
قال أنس ﵁: كان رجل يصلي الخمس مع النبي ﷺ ، ثم لا يدع شيئاً من الفواحش إلا ارتكبه فأخبروا النبي ﷺ بذلك فقال: «إن صلاته تنهاه يوماً» ، فلم يلبث أن تاب وحسنت توبته وحسن حاله فقال: «ألم أقل لكم إن صلاته تنهاه» (١) .
واتفق من الوقائع كما حكاه النيسابوري: أن رجلاً رواد امرأة عن نفسها فأخبرت بذلك زوجها فقال: قولي له: صل خلف زوجي أربعين صباحاً حتى أطيعك، فقالت له: ففعل ثم دعته إلى نفسها فقال: إني تبت إلى الله تعالى فأخبرت زوجها فقال: صدق الله تعالى في قوله الحق ?إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ?.
قال في روض الأفكار: واعلم أن مثل الصلاة مثل ملك اتخذ عرساً، واتخذ وليمة هيأ فيها ألوان الأطعمة والأشربة، لكل لون لذة، وفي كل لون منفعة، فكذلك الصلاة دعاهم الرب إليها وهيأ لهم فيها أفعالاً مختلفة تعبدهم بها، ليلذذهم بكل نوع من العبادة فالأفعال كالأطعمة، والأذكار كالأشربة.
قال العلامي في تفسيره: الصلاة عرس الموحدين، فإنه يجتمع فيها ألوان العبادة كما أن العرس يجتمع فيه ألوان الطعام، فإذا صلى العبد ركعتين يقول له الله تعالى: عبدي مع ضعفك أتيت بألوان العبادة قياماً وركوعاً وسجوداً وقرأةً وتهليلاً وتحميداً وتكبيراً وسلاماً، فأنا مع جلالي وعظمتي لا يجمل مني أن أمنعك جنة فيها ألوان النعيم، أوجبت لك الجنة بنعيمها كما عبدتني بأنواع العبادة، وأكرمك برؤيتي كما عرفتني بالوحدانية، فإني لطيف، أقبل عذرك وأقبل منك الخير برحمتي، فإني أجد من أعذبه من الكفار، وأنت لا تجد إليها غيري، يغفر سيئاتك ويكفر عنك الذنوب والأوزار، عبدي لك بكل ركعة قصر في الجنة، وبكل ركوع حوراء، وبكل سجود نظرة إلى وجهي الكريم، ولله در القائل:
إلا في الصلاة الفضل والخير جمع ... لأن بها الأبواب لله تخضع
ومن قام بالتكبير لاقته رحمة ... وكان كعبد مولاه يقرع
وأول شرع من شرائع ديننا ... وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع
стр. 296
نرفع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديناً يبقى ولا ما نرفع
أيها العبد العاصي كلما أمرتك النفس بالمعاصي والشهوات فاستعن عليها بالصلوات، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، من داوم عليها شرب من الحوض والكوثر، والصلاة تنهى عن المنكرات، الصلاة تكفر الخطيئات، الصلاة ترفع الدرجات، الصلاة تقضي الحاجات، الصلاة فيها القرب والمناجات.
الركن الثالث من أركان الإسلام: الزكاة وإنما ذكرها ﷺ بعد الصلاة لكونها قرينة الصلاة في كتاب الله فإن الله تعالى لم يذكر الصلاة في القرآن إلا وقرنها بالزكاة غالباً قال الله تعالى ?وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ? [المزمل: ٢٠] وقال تعالى ?الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ? [الحج: ٤١] إلى غير ذلك من الآيات.
وإنما قرنها بها لأن الصلاة حق الله تعالى والزكاة حق عباده، ومرجع جميع العبادات إليهما يحصل التعظيم لأمر الله والشفقة على خلقه، لأنها قنطرة الإسلام وكم ورد في فضائلها من آيات أحاديث.
وكم ذكر العلماء لها فضائل وفوائد منها: أنها تطهر صاحبها من الذنوب والخطايا ويدل على ذلك القرآن العظيم قال تعالى ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا? [التوبة: ١٠٣] ، والصدقة تشمل الزكاة والصدقة المستحبة، قال العلماء: الكافر يحرم دمه وماله بأخذ الجزية، ومن كرم الله تعالى أن المؤمن يحرم لحمه ودمه على النار في الآخرة إذا أخرج الزكاة بطيب نفس.
ومن فوائد الصدقة أيضاً: أنها تطهر المال قال ﷺ «يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» (١) .
ومن فوائدها أنها ترفع البلاء والأمراض قال ﷺ : «الصدقة تسد سبعين باباً من الشر» (٢) .
وقال ﷺ : «من كسى مسلماً ثوباً لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك» (١) رواه الحاكم.
ولكونها قنطرة الإسلام شدد الله على المقصرين بقوله العزيز: ?وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ? [التوبة: ٣٤، ٣٥] .
قال ابن عمر كل مال تؤدي زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً، وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن لم يكن مدفوناً.
ومعنى قوله: ?وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ? لا يخرجون الزكاة عنها، قال العلماء الأعلام: على الإنسان ولا أثم عليه إذا كان معه مال كثير وأخرج عنه الزكاة الواجبة فيه فقد قال عبد بن الله بن عمر: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وزكاته وأعمل بطاعة الله فيه.
وقال رسول الله ﷺ : «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (٢)
فالمال الصالح هو
стр. 299
الزكي والرجل الصالح هو المزكي، نعم الملام والإثم على مانع الزكاة وإن كان ماله قليلاً، فإن ذا المال إذا لم يؤد حق الله وتصرف في ماله، فقد تصرف في حق المستخفين فيخشى عليه من تلفه في الدنيا وعقابه في الآخرة، فلهذا قال تعالى ?يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا? أي: على الكنوز نار جهنم فتكوى بها جباههم أي: فتحرق بها جباه كانزها وجنوبهم وظهورهم، وقال ﷺ «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت عيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١) .
قال ابن مسعود ﵁: لا يوضع دينار على دينار ودرهم على درهم، ولكن يوسع له حتى يوضع كل درهم ودينار في موضع على حده.
فإن قيل: لم خص الله الجباه والجنوب والظهور بالكي، دون باقي البدن؟
فالجواب: إنما حض الله هذه بالكي لأن الغني صاحب الكنز إذ رأى الفقير قبض جبهته، ووارى ما بين عينيه وعبس بوجهه في وجهه فإذا ألح عليه الفقير جنبه إليه معرضاً عنه، فإذا وقف ولم يبرح أعطاه وتركه وانصرف، فعاقب الله هذه الأعضاء لذلك.
وبعض الصوفية ذكر لذلك توجيهاً آخر فقال: إنما خص الله الجباه والجنوب والظهور بالكي، لأن أصحاب الأموال لما طلبوا المال والجاه متوجهين إليه، ولم يخرجوا حق الله منه شاه الله وجوههم، ولما طووا كشحاً عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتماداً عليها كويت ظهورهم.
وقوله: ?هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ? أي: يقال لمانعي الزكاة يوم القيامة على جبهة التوبيخ هذا ما كنزتم لأنفسكم ?فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ? أي: ما كنتم تمنعون حقوق الله في أموالكم.
стр. 300
لطيفة: كان في زمن النبي ﷺ رجلاً فقيراً اسمه: ثعلبة بن حاطب فشكى فقره إلى النبي ﷺ وسأل من النبي ﷺ أن يرزقه الله مالاً ويؤدي منه كل ذي حق حقه، فدعا له فوسع عليه، فانقطع عن الجمعة والجماعة، ومنع الزكاة فجمع مالاً عظيماً ودعا له بالبركة، وعاهده على إخراج حق الله منه، فكثر ماله فطلب منه النبي ﷺ الزكاة فقال: إن الجزية تؤخذ من اليهود والنصارى لا من قريش، فطلب منه ثانياً وقال له: ﷺ «إما الزكاة وإما السيف» فأرسل إلى رسول الله ﷺ أغناماً صفافاً فنزل جبريل وقال: يا محمد الله قد نزع لباس الإيمان عنه ولبس لباس الكفر، والي هذا أشار الله بقوله العزيز ?وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ? [التوبة: ٧٥ - ٧٧] .
قال بعض المفسرين (١) : جاء بعد نزول هذه الآية إلى النبي ﷺ بزكاته فقال: «إن الله منعني أن أقبل منك» ، فجعل يحثوا التراب على رأسه، ثم جاء بها إلى أبي بكر فلم يقبلها، ثم إلى عمر فلم يقبلها، ثم إلى عثمان فلم يقبلها ومات.
وروينا في هذا الصحيح أنه ﷺ قال: «من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه، ثم يأخذ بلهزمته يعني شدقيه ثم يقول: أنا ملكك أنا كنزك، ثم تلى ?وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ? [آل عمران: ١٨٠] » (٢) .
وقال رسول الله ﷺ «ما من رجل يموت يترك غنماً أو إبلاً أو بقراً لم يؤد زكاتها، إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه، حتى تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس كلما تقدمت أخراها عادت عليه أولاها» (٣) .
стр. 301
وروينا في سنن ابن ماجة عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنن، وشدة المؤنة، وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم فأخذ بعضهم ما كان في أيديهم، وإذا لم يحكم بينهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (١) .
وذكر العلامة أبو الفرج ابن الجوزي في بعض مصنفاته أنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدى زكاة ماله سمي في سماء الدنيا سخياً، وفي الثانية جواداً، وفي الثالثة مطيعاً، وفي الرابعة باراً، وفي الخامسة وفياً، وفي السادسة مباركاً محفوظاً منصوراً، وفي السابعة مغفوراً له، ومن منع زكاة ماله سمي في سماء الدنيا بخيلاً، وفي الثانية لئيماً، وفي الثالثة ممسكاً، وفي الرابعة مقتراً، وفي الخامسة عاصياً، وفي السادسة منزوعاً عنه بركة ماله، وفي السابعة مردوداً عليه عمله مضروباً به وجهه» (٢) .
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «السخي قريب من
стр. 302
الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد عن الله بعيد عن الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل» (١) ، وفي رواية «من العالم البخيل» .
فائدة: اختلف العلماء في البخيل من هو؟
فنقل الرافعي عن صاحب «التتمة» : أن البخيل من لا يؤدي الزكاة، ولا يقري الضيف.
وقال الأسنوي: العرف يقتضي أن البخيل من لا يقري الضيف.
فعلى القول الأول كان من أدى لزكاة ماله وقرى الضيف فليس ببخيل، ومن لم يفعل شيئاً من ذلك فهو بخيل، وعلى القول الثاني من قرى الضيف وإن لم يؤدي زكاة ماله فليس ببخيل.
واختلف العلماء في البخل والشح فقيل: هما بمعنى واحد، وفرق بعض العلماء بينهما فقال: البخل أن يبخل بما في يده، والشح أن يؤد ما في أيدي الناس في يده بالحل والحرمة.
والسخاء والكرم سبب لستر العيوب، والبخل والشح سبب جالب لكشفها كما أشار إليه بعضهم بقوله:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعاً سخاؤه
تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه
خاتمة لطيفة مناسبة: قال الشبلي قال لي خاطري يوماً: أنت بخيل فقلت: ما أنا بخيل فقال: نعم أنت بخيل، فنوديت أن أول شيء يفتح أن أرفعه لأول فقير ألقاه، فما
стр. 303
تم خاطري حتى دفع إلى رجل خمسين ديناراً فخرجت، فرأيت فقيراً أعمى بين يدي حلاق يحلق رأسه فناولته إياها فقال: ادفعها للمزين فقلت: إنها دنانير فقال: ما قلنا لك إنك بخيل فدفعتها للمزين فقال: أنا حلقت له لله تعالى فتعجب الشبلي ﵁ من زهدهما وأخذها.
وسيأتى الكلام على الركن الرابع والخامس وهما الحج وصوم رمضان في محله إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 304
المجلس السابع عشر
في الكلام على قوله ﷺ «الإيمان بضع وستون شعبة» وفيه ترجمة لأبي هريرة ﵁ مع فوائد ولطائف
الحمد لله الذي نور قلوب العارفين بضياء الإلهام، وأيقظ أسرار القاصدين فلاح لهم الأعلام، وشغل أسماعهم بلذة خطابة عن سماع الملام، واستنهض عزائمهم فساروا في جنح الظلام، حاديهم الوجد ودليلهم القصد وسائقهم الغرام، شمروا حتى وصلوا وطلبوا حتى حصلوا ووقفوا حتى قبلوا، وأهل الغفلة نيام، ليس المقبول كالمطرود، ولا المحبوب كالمردود، ولا الوصال كالصدود، ولا الخلي المستهام، أفلا تستحي ممن وجدك وأحياك وعرفك وهداك وأيدك وولاك وخاطبك وناداك ووعدك بشرف المقام، أحمده على ما ألهم وأنعم وأكرم وأبرم من الأحكام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له إله انتظمت أفعاله بحسن الإتقان والإحكام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أقام به أركان الإسلام، وأبطل به الأنصاب والأزلام، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه هداة الأنام، صلاة دائمين باقية على مر الأيام.
قَالَ البُخَارِي:
باب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ? لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ?. وَقَوْلِهِ ?قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ? الآيَةَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» .
قوله «باب أمور الإيمان» (١) الإضافة فيه بيانية أي: الأمور التي في الإيمان لأن
стр. 305
الأعمال والأقوال هي الإيمان عنده، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى اللام أي: الأمور التي للإيمان في تحقق حقيقته واكتمال ذاته.
وساق البخاري هذه الترجمة للدلالة على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، وقصد به الرد على المرجئة القائلين: إن الإيمان قول بلا عمل فلا تضر المعصية مع الإيمان.
فائدة: للعلماء مذاهب في المعصية مع الإيمان:
الأول: مذهب المرجئة يقولون: إن المعصية لا تضر مع الإيمان ولا يستحق صاحبها العذاب.
الثاني: مذهب المعتزلة يقولون: إنها تضر وإن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر فيثبتونه المنزلة بين المنزلتين، ويقولون في مثله: فاسق مخلد في النار.
الثالث: مذهب الخوارج يقولون: إنها تضر وإن مرتكب الكبيرة مخلد، بل ومرتكب الصغيرة أيضاً كافر يخلد في النار، ومذهبهم كمذهب المعتزلة مبني على أن الأعمال ركن من حقيقة الإيمان.
والخوارج سبع فرق أولهم الذين خرجوا على علي بن طالب وكفروه.
الرابع: مذهب الحسن البصري يقول: إن مرتكب الكبيرة منافق.
الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة يقولون: إن مرتكب الكبيرة لا يكفر بها بل هو باق على إيمانه ولا يخلد في النار إن عذب، ولابد من دخوله الجنة هذا هو المذهب الحق، فالمعصية عند أهل السنة لا تضر في أصل الإيمان في كماله فيقال: الشارب الخمر مثلاً عندهم مؤمن ناقص الإيمان، وعند المعتزلة يقال: إنه فاسق ولا مؤمن ولا كافر، وعند الخوارج كافر، وعند الحسن البصري منافق.
واستدل البخاري ﵁ على أن الإيمان يطلق على الأعمال يأتي من كتاب الله تعالى حيث قال «وقول الله ?لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... ? الآية، وتمام الآية الشريفة ?وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ? [البقرة: ١٧٧] .
وفي قوله: ?وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ? مضاف مقدر، إما في البر تقديره ولكن صاحب البر من آمن، وإما من تقديره لكن البر من آمن ليصبح المعنى.
стр. 306
ووجه الاستدلال بالآية: أنها حصرت المتقين على أصحاب هذه الصفات والأعمال والمراد: المتقون من الشرك وهم المؤمنون الكاملون.
وقوله : ?قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ... ? الآية، وتمام هذه الآية الشريفة:
?الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ?.
أفلح: فعل لازم بمعنى دخل في الفلاح، قال الكرماني: فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه الأعمال المذكورة.
قال ابن حجر: وكأن المؤلف أشار إلى مكان عدد الشعب من هاتين الآيتين (١) .
«حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح، عن أبي هريرة» قال: اختلف العلماء في اسم أبي هريرة واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً أصحها عند أكثر العلماء: عبد الرحمن بن صخر.
وسبب الاختلاف في ذلك أنه قتل شخصاً في الجاهلية وهرب، وصار كلما دخل
стр. 307
إلى قرية وبلد يسمي نفسه وأباه باسم غير الاسم السابق.
قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف في اسمه، روي عنه أنه قال: «كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، وسميت في الإسلام عبد الرحمن» .
واسم أمه ميمونة وقيل: أميمة وقد أسلمت بدعاء رسول الله ﷺ لها بعد أن كانت تتكلم في رسول الله ﷺ بما لا يليق.
قيل: إن أبا هريرة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي أسمعتني فيك ما أكره، فقال: «اللهم اهد أم أبي هريرة» (١) قال: فخرجت أعدو لأبشرها فرأيت الباب مردوداً فلما أحست بي خرجت وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فرجعت وأنا أبكي من الفرح كما كنت أبكي من الحزن، وقلت: يا رسول الله قد استجاب الله دعاك، أدع لي أن يحببني أنا وأمي إلى المؤمنين، فما من مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا.
وهو أزدي دوسي يماني مدني، قال ﵁ نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجير البرة بنت غزوان خادماً لها في مالها، فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبي هريرة إماماً.
وكان يخطب على منبر رسول الله ﷺ بالمدينة ويشكر الله على ما أعطاه فيقول: «الحمد لله الذي هدى أبي هريرة في الإسلام، وعلمه القرآن ومنَّ عليه بمحمد ﷺ الحمد لله الذي أطعمني الخمير، وألبسني الحبير، الحمد لله الذي زوجني بنت غزوان بعد ما كنت أجيراً لها بطعام بطني.
قدم المدينة عام خيبر وأسلم بها سنة ستة، وشهد خيبر مع رسول الله صلى ﷺ ثم لزمه وواظب عليه أناء الليل والنهار، ولا يشغله عنه أهل ولا مال، وصبر على الفقر الشديد حتى أفضى به إلى الظل المديد، وكان عريف أهل الصفة، وكان يدور مع رسول الله ﷺ كما ورد في هذا الصحيح، وكان ﵁ حريصا على سماع الحديث من رسول الله ﷺ فقد ورد في هذا الصحيح عنه ﵁ أنه قال: يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا
стр. 308
يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه» (١) .
وكان ﵁ آدم اللون ذا ضفيرتين محفياً لشاربه مزاحاً، وكان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، وله دار تصدق بها على مواليه.
قال إمامنا الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث.
ومن فضائله: أنه كان يسبح كل يوم اثنا عشر تسبيحه ويقول: أسبح بقدر ديتي يعني أن دية الآدمي اثنا عشر ألف درهم، فهو يسبح بعددها لتكون فكاكه من النار، وكان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح.
قال ﵁: ما وجع أحب إلىّ من الحمى لأنها تعطي كل عضو قسطه، وإن الله يعطي كل مفصل قسطاً من الأجر، وتحمل عن رسول الله ﷺ من العلم شيء كثيراً، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع العلماء ﵃.
روى عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف حديث وأربع وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاثمائه وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري ومسلم بمائة وتسعين.
قال أبو هريرة ﵁: قلت: ثم يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه قال: «أبسط رداءك» ، فبسطته قال: فغرف بيديه ثم قال «ضمه» فضممته فما نسيت بعد ذلك من مقالة رسول الله ﷺ شيئاً (٢) .
стр. 309
روى عنه الحديث أكثر من ثمانمائة رجل من صاحبي وتابعي، منهم ابن عباس وجابر وأنس.
وروي أنه بكى في مرضه فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه ولكني أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وإني أصبحت في صعود أو أهبط على جنة أو نار، لا أدري في أيهما يأخذني.
وكانت وفاته ﵁ بالمدينة الشريفة، وقيل: بالعقيق سنة سبع وخمسين، وتوفيت عائشة ﵂ قبله في السنة التي مات فيها، وصلى عليها وكان سنة يوم موته ثمانية وسبعين سنة، ودفن بالبقيع، وما اشتهر من أن قبره بقرب عسقلان، قال ابن الملقن: لا أصل له فاجتنبه، ثم قال: نعم هناك قبر «جندرة بن خشينة» الصحابي فاعلمه.
ومن كراماته التي ظهرت بعد موته: ما روى عن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فوقعت عنده مسألة، وتنازع فيها الخصوم، وعلت أصواتهم فاحتج بعض العلماء الحاضرين على دعواه بحديث رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ فرد بعض الخصوم الحاضرين المنازعين الحديث وقال: أبو هريرة غير مقبول فيما يرويه، ومال الرشيد نحو هذا البعض القائل هذا القول ونصر قوله، قال عمر بن حبيب: فرددت قول هذا القائل وقلت: الحديث صحيح وأبو هريرة صحيح النقل عن رسول الله ﷺ فيما يرويه قال: فلما قلت هكذا نظر إليَّ الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب فدخل إليَّ فقال: أجب أمير المؤمنين إجابه مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دافعت عن صاحب نبيك ﷺ فأجللت نبيك ﷺ أن يطعن في أصحابه، فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على الكرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما رأني قال: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء برسول الله ﷺ وبما جاء إذا كان أصحابه كذا فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام من الصلاة والصيام والنكاح والحدود كلها مردودة غير مقبولة، فرجع الرشيد إلى نفسه ثم قال: احييتني يا ابن حبيب حياك الله ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم.
كرامة أخرى له ﵁: حكي في تاريخ ابن النجار عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه قال: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور فجاء شاب
стр. 310
خراساني حنفي المذهب يسأل الشافعية عن مسألة المصراة وطالب بالدليل فقال له شخص من الشافعية: الدليل عليها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصرو الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر» (١) فقال الشاب الحنفي: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما أتم كلامه حتى سقطت عليه حيه عظيمة من سقف الجامع فهرب الناس، وتبعت الشاب دون غيره فقيل له: تب تب فقال: تبت فغابت الحية، كأن لم يكن لها أثر.
يحتمل أن تكون هذه الحية ملكاً تشكل في صورة الحية وجاء ناصراً لأبي هريرة ﵁ كرامة له، فقد أيد الله نبينا محمداً ﷺ كثيراً بذلك.
فقد ذكر العلماء من ذلك: أن أبا جهل لعنه الله اشترى من رجل جملاً وماطله، فأتى الرجل نادى قريش مستعيناً بهم في تخليص ثمن الجمل فأحالوه على النبي ﷺ استهزاء وقالوا له: إذهب إلى محمد يخلص حقك منه، فجاء الأعرابي إليه ﷺ وقص عليه قصته مع أبي جهل فمضى معه النبي ﷺ فطرق باب أبي جهل فخرج فلما رأى رسول الله ﷺ حصل له دهشته ورعب، فأوسعه إلا أن قال أهلاً بأبي القاسم فقال: «إعط هذا حقه» فأعطاه من فوره، فحدث قومه فقال: إني رأيت ما لم تروا رأيت والله على رأسي تنيناً فاتحاً فاه ولو أبيت لالتهمني.
ومن نصرة الله لنبيه أن معمر بن زيد كان أشجع قومه استعانت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ وكان شجاعاً مطاعاً فقال لهم: إني قادم عليكم بعد ثلاثة أيام أريحكم منه، وعندي عشرون ألف مقاتل فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي، وإن سألوا الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر، وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس سلاحه ولبس درعين، وجاء في اليوم الذي واعد قريشاً فرآهم في الحطيم، ورسول الله ﷺ في الجحر يصلي وقد عرفه رسول الله ﷺ فما التقت ولا تزعزع ولا قصر في صلاته فقالت قريش لعمر بن زيد: هذا محمد ساجد فسل سيفه واقبل نحوه فلما دنى منه وإذا به قد رمى سيفه ورجع مسرعاً مهرولاً، حتى وصل إلى باب الصفا عثر بدرعه فسقط، فقام وقد أدمى وجهه بالحجارة التي سقط عليها وهو يعدو كأشد
стр. 311
العدو، حتى بلغ البطحاء وهو لا يلتفت إلى الخلف، فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ما شأنك ماذا أصابك قال: ويحكم المغرور من غررتموه، ما رأيت كاليوم دعوني حتى ترجع إليَّ نفسي، فتركوه ساعة ثم قالوا له: ما الذي أصابك قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أضربه بسيفي فرأيت عند رأسه شجاعين أقرعين ينفخان بالنيران تلمع أبصارهما، قصداني فعدوت منهما، ولست بعد هذا اليوم أعود إلى مقربة محمد بشيء.
فالشجاعان الأقرعان كانا ملكين من الملائكة فكذلك الحية التي سقطت من سطح المسجد وتبعت من سب أبا هريرة لا يبعد أن يكون ملكاً.
وأبو هريرة أول من كني بهذه الكنية واختلفوا فيمن كناه بها فروي عنه ﵁ أنه قال: كنت أرعى غنماً وكان لي مهرة صغيرة ألعب بها فكنوني بها، وقيل: كان المكني له بذلك أبوه، وقيل: رآه رسول الله ﷺ وفي كمه هرة فقال: يا أبا هريرة، وكان ﵁ يحب الهرة ويحملها ويألفها وكان يقول: بعدم جواز بيعها، والصحيح جواز بيعها وحل أكل ثمنها كما ذهب إليه إمامنا الشافعي ﵁ وكافة العلماء.
أما ما ورد في صحيح مسلم وغيره بسند صحيح من أن رسول الله ﵁ نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها (١) ، فهو محمول على الوحشي الذي لا نفع فيه كذا قاله الشافعي والجمهور.
وهاهنا فوائد ولطائف مناسبة:
الفائدة الأولى: قال العلماء اتخاذ الهرة وتربيتها مستحب قالوا: وإنها تشبه الإنسان في أمور وهي أنها تعطس وتتثاوب وتتمطى، وتتناول الشيء بيدها وتمسح وجهها، وإذا تلطخ شيء من بدنها نظفته.
الثانية: قيل: إنها مخلوقة من عطسة الأسد وسببه أن أهل سفينة نوح تأذوا من الفأر، فمسح نوح ﵇ جبهة الأسد فعطس ورمي الهرة، من ذلك كانت أشبه شيء بالأسد بحيث لو قيل للمصور صور لي هرة فلا تخرج إلا صورة الأسد.
الثالثة: سئل بعض العلماء عن حكمة ستر الهرة إذا هي بالت دون غيرها من
стр. 312
الحيوانات فأجاب: إن الله تعالى خلقها لأجل الفأر، وقد طبع الفأر الخوف منها، بحيث أن الفأرة إذا رأت الجمل لا تهرب، وإذا رأت الهرة أو شمت رائحتها تهرب منها خوفاً، فألهم الله تعالى الهرة إذا بالت أن تستر بولها حتى لا يشم رائحته الفأر فيهرب، فإذا بالت الهرة تشم رائحة بولها أولاً فإن كان له رائحة شديدة غطته، وبالت في غطائه وإلا اكتفت بأيسر التغطية.
الرابعة: الهرة على ثلاثة أنواع أهلية ووحشية وهرة الزباد ويحرم أكل الجميع على الأصح، وأما الزباد فالصواب كما قاله النووي: طهارته وصحة بيعه إلا إذا اختلط بشيء من شعر الهرة.
الخامسة: قال العلماء إذا أخذت الهرة حمامة مثلاً، وهي حية في فمها جاز ضرب فمها أو قطع أذنها لترسلها، وإذا قصدت الحمام أو غيرها، وكانت ضارية مفسدة فقتلها الإنسان في حال إفسادها دفعاً جاز ولا ضمان عليه ولا إثم إذا لم تكن حاملاً، إما إذا كانت حاملاً فعندها قال الدميري: لا يجوز قتلها لأن في قتل الحامل قتل أولادها، ولم يتحقق منهم جناية، وأمَّا قتلها في غير حالة الإفساد فغير جائز على الأصح خلافاً للقاضي حسين حيث جوزه من غير ضمان وألحقها بالفواسق الخمس.
السادسة: قال العلماء: سؤرها طاهر لطهارة عينها فلا يكره وورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (١)
فإن تنجس فمها بأن أكلت شيئاً نجساً ثم ولغت في الحال في ماء قليل أو غيره من المائعات، فإنها تنجسه إذا غابت بعد أن أكلت النجس، واحتمل ولوغها في ماء طاهر يطهر فمها في غيبتها فإنها لا تنجس ما ولغت فيه.
السابعة: روى صاحب الإستيعاب عن سلمان الفارسي خادم رسول الله ﷺ : أن النبي ﷺ أوصى بالهرة وقال: «إن امرأة عذبت في هرة ربطتها ... » (٢) الحديث، قال
стр. 313
العلماء: وهذه المرأة كانت كافرة فاستحقت العذاب بكفرها، لا بحبسها للقطة حتى ماتت، فإن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة، على ذلك ما روي في مسند أبي داود الطيالسي من حديث الشعبي عن علقمة قال: كنا عند عائشة ومعنا أبو هريرة فقالت: يا أبي هريرة أنت الذي تحدث عن النبي ﷺ : «أن امرأة عذبت بالنار من أجل هرة» فقال: أبو هريرة نعم سمعته من رسول الله ﷺ فقالت عائشة: المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة قالت: إنما كانت المرأة مع ذلك كافرة يا أبا هريرة، إذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث (١) .
لطيفة: حكى ابن خلكان وغيره عن الشيخ الإمام أبي الحسن بن باب شاذ النحوي وكان من أكابر العلماء وكان فقيراً جداً فلازم بعض السلاطين وخدمه لأجل فقره وقعت بعد ذلك واقعة ترك بسببها خدمة السلطان، كما حكي عنه أنه كان يوماً في سطح جامع مصر يأكل شيئاً وعنده بعض أصحابه فحضر قط فرموا له لقمة فأخذها في فيه وغاب عنهم، ثم عاد إليهم فرموا له شيئاً فأخذه وذهب ثم عاد ففعل ذلك مراراً كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذ ويغيب يعود من فوره فتعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ الطعام، ويدخل إلى خزنة فيها شبه البيت الخراب في سطح ذلك البيت قط أعمى فإذا هو يصح الطعام بين يديه فتعجبوا من ذلك، فقال الشيخ ابن باب شاذ: إذا كان حيواناً أخرس قد سخر له هذا القط، وهو يقوم بكفايته ولم يحرم الرزق فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه، وترك خدمة السلطان ولزم بيته مشتغلاً متوكلاً على الله إلى أن مات.
لطيفة أخرى: وروى ابن عساكر في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي قال رأيت الشبلي في النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت لك؟ فقلت: بصالح عملي فقال: لا، فقلت بإخلاصي في عبوديتي، قال: لا، فقلت: بحجي وصومي وصلاتي، ثم قال: ما غفر لك بذلك، فقلت: بهجرتي إلى الصالحين، قال: لا، فقلت: بإدامة أسفاري في طلب العلم فقال: لا، فقلت
стр. 314
يارب هذه المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري ظناً أنك بها تعفو عني، قال: كل هذه لم أغفر لك، فقلت: إلهي بماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد تنزوي من جدار إلى جدار من شدة البرد والثلج، فاخذتها رحمة بها فإذا دخلتها في فرو كان عليك، وقاية لها من البرد، فقلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك.
«عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: الإيمان بضعة وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان» .
قوله: «بضعة» بالهاء هو الواقع في أكثر نسخ البخاري، وفي بعض النسخ «بضع» بلا هاء، والبضع والبضعة بكسر الياء على اللغة المشهورة، وبها جاء القرآن العظيم، ويجوز فتحها في لغة قليلة: هو عدد مبهم مستعمل فيما بين الثلاثة والتسعة على الراجح، فإذا قلت له: عندي بضعة عشر درهماً يحتمل أن يكون ثلاثة عشر فأربعة عشر وهكذا إلى تسعة عشر، وإذا قلت له: عندي بضعة وأربعين درهماً يحتمل أن يكون ثلاثة وأربعين أو أربعة وأربعين، وهكذا إلى تسع وأربعين وهكذا.
قوله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة» (١)
يحتمل أن يكون ثلاثة وستين أو أربعة
стр. 315
وستين.
فائدة: لا يستعمل بضع ولا بضعة إلا مع عشراً مع العشرين أو مع الثلاثين وهكذا إلى التسعين، ولا يستعمل مع المائة ولا مع الألف، فلا يقال بضع ومائه، ولا بضع ألف.
و «شعبة» بضم الشين هي في أصل الوضع غصن الشجرة وفرع كل أصل وهي هنا بمعنى خصلة.
قال العلماء: شبة النبي ﷺ الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب، كما شبه الإسلام في حديث «بني الإسلام» أنه ذا أعمدة، وحاصل معنى الحديث أن الإيمان يتشعث من شعب كثيرة كما تتشعب من الشجرة أغصان كثيرة ضبطها ﷺ هنا في رواية البخاري وحصرها في بضع وستين شعبة منها الإيمان فيقال: لا إله إلا الله شعبة من شعب الإيمان، ويقال للصلاة من شعب الإيمان، ويقال للأمر بالمعروف شعبة من شعب
стр. 316
الإيمان، ويقال للحياء شعبة من شعب الإيمان، ويقال لإزالة الحجر من طريق المسلمين شعبة من شعب الإيمان.
ولم يبين هنا ﷺ أعلا شعب الإيمان أو أدناها لكن بين ﷺ أعلاها وأدناها في حديث آخر كما ثبت في الصحيح أنه قال ﷺ : «أعلاها لا إله إلا الله» (١) ، وفي رواية: «أفضلها لا إله إلا الله» (٢) ، وفي رواية: «أعظمها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق» (٣) ، وفي رواية: «إماطة العظم عن الطريق» (٤) فبين ﷺ أن أعلا الشعب التوحيد على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته وإن أدناها ما يتوقع منه ضرر للمسلمين، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالأنبياء والملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسمائهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتباً كثيرة من أعظمها منهاج الحليمي (٥) .
стр. 317
وقد ورد في فضل من أزال من طريق المسلمين ما يضرهم من حجر أو شوك أو عظم أو غير ذلك أحاديث.
وورد أن فعل ذلك مكتوباً لفاعله في ديوان الصدقة قال رسول الله ﷺ : «خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائه مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظم وآمن
стр. 318
فنهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائه، فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، ونصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (٣) .
لطيفة: وروي عن أبي حفص النيسابوري أنه اشتغل قلبه بحب جارية، فاستشار بعض أصحابه كيف يتحيل إليها حتى يصل إليها، فأشار إليه أن يمضي إلى فلان اليهودي ليحتال له في أمرها فمضى إليه وأطلعه على حاله فأمره اليهودي أن لا يصلي أربعين يوماً ولا يعمل عملاً يرضاه الله تعالى، ففعل ذلك ثم ذهب إلى اليهودي بعد الأيام الأربعين وأعلمه بما فعل فشرع اليهودي في حيلة يحتال بها في أمره ليجمع بينه وبين الجارية، فلم يقدر على ذلك فقال اليهودي: أظن أنك قد عملت في هذه المدة شيئاً يرضاه الله تعالى من أفعال البر، فتفكر أبو حفص وقال: والله ما عملت شيئاً غير
стр. 319
أني أزلت حجراً عن طريق المسلمين برجلي فقال اليهودي: هذا رب كريم لم يضيع لك هذا المقدار، وعصمك بسبه من هذه الأوزار، فكيف يليق بك أن تعصيه.
وقوله ﷺ : «والحياء شعبة من الإيمان» إنما أافرد ﷺ هذه الخصلة من خصال الإيمان في هذا الحديث وخصها بالذكر دون غيرها من باقي شعب الإيمان، لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشعب، فإن صاحب الحياء يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلما كان الحياء كالسبب لفعل باقي الشعب خص بالذكر ولم يذكر غيره معه.
واستشكل العلماء جعل الحياء من شعب الإيمان فقالوا: إن الحياء من الأمور التي طبع الإنسان وغرز عليها، وليس من كسبه فكيف يعد من شعب الإيمان وشعب الإيمان كسبيه لا غريزة فيها؟
وأجيب عن هذا الإشكال بأن: الحياء قد يكون غريزة وقد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر، وأيضا يقال: وإن كان غريزياً ولكن استعماله على وفق الشرع وقانونه يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان بهذا الاعتبار.
لطيفة في الحياء: قال في الروض الفائق: قال مالك بن دينار: كان لي جار مسرف على نفسه فاجتمع الجيران إليَّ يشكونه، فأحضرته وقلت له: إنته عن عصيانك، واتق الله فإما أن تتوب وإما أن تخرج من هذه المحلة، قال: أنا في ملكي ما أخرج منه، قلت له: نشكوك إلى سلطان فقال: أنا من أصحابه، قلت: فندعو الله عليك، قال: ربي أرحم بي منكم ثم نهض، فلما كان الليل رفعت يدي وقت السحر وقلت: سيدي قد آذانا هذا الرجل فافعل به ما شئت، فهتف بي هاتف لا تدع عليه فإنه من أوليائنا قال: فقمت من ساعتي وطرقت عليه الباب فخرج، وظن أني قد خرجت لأخرجه من المحلة، فخرج وهو يبكى ويقول: يا سيدي السمع والطاعة أنا أخرج من المحلة قال: فقلت: يا حبيبي ما جئتك لهذا، وإنما الساعة تضرعت إلى الله فهتف هاتف لا تدع عليه فإنه من أوليائنا، فبكى بكاء شديداً وتاب وحسنت توبته، فأصبح الناس يزورونه ويتبركون به كثيراً، فخرج إلى مكة شرفها الله تعالى ماشياً وأقام بها فحججت في العام فبينما أنا في وقت الظهيرة في المسجد الحرام بحائط وإذا بجماعة قد اجتمعوا في جانب المسجد فقمت إليهم فإذا هم قد أحدقوا برجل فتأملته فإذا هو صاحبي وهو ملقى على التراب وهو يجود نفسه، فجلست عند رأسه أبكي ففتح عينيه فرآني فقال: يا مالك أترى يعفوا عن تلك السيئات، ويرحم هذه العبرات، إنما خرجت من تلك المحلة،
стр. 320
وفارقت وطني حياء منك وأنت مخلوق، فكيف أقف غداً بين يدي الخالق، ثم تنفس وتحسر ومات، رحمة الله تعالى عليه.
ولله در القائل:
«من كان وكان، ما كل واصل مواصل، ولا العناء يدني المنى، هذي سوابق لواحق، لمن يشاء الوهاب، قل لي إذا لم تصبر وتحتمل، إيش لك عمل، تقدر بقوة عزمك تغالب الغلاب، سلم قيادك تسلم، واخضع لمالك مهجتك تغنم، إذا اعتنى بك أتاك من أقرب الأبواب،، كم من موفق تائب، قد بان له سبل الهدى، وكم شقي وعاص، إلى السعة ما تاب، ويحك عروس المنايا، لبيت لحدك خبئت، وذا مشيبك وافى في جملة الخطاب، كأس المنايا دائر على البرايا كلهم، فقل لمن هو حاضر يخبر لمن قد غاب، غداً تبين الفضائح، ويشتهر ما قد خفي، وفي القيامة ينادى هل من قصدنا خاب؟» .
فائدة: الحياء محمود وحقيقته: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، فيستفاد من هذا أن الحياء خير لأنه يبعث الإنسان على فعل الخير ويمنعه من فعل المعصية، فلهذا جاء في حديث: «الحياء خير كله» (١) ، وفي حديث آخر: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٢) .
واستشكل العلماء هذا أيضاً بأن الحياء قد يمنع من الخير ومن قول الحق، وما يمنع من فعل الخير وقول الحق كيف يكون خير.
وأجابوا عن هذا أيضاً: بأن هذا ليس بحياء حقيقي شرعي بل هو عجز، وجوزوا تسميته حياء بطريق المجاز، سماه بعض أهل العرف حياء الشبهة بالحياء الحقيقي.
وقد ورد في فضل الحياء وفضل من تخلق به أحاديث قال ﷺ ذات يوم لأصحابه: «استحيوا من الله» قالوا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله فقال: «ليس