الإيمان، ويقال للحياء شعبة من شعب الإيمان، ويقال لإزالة الحجر من طريق المسلمين شعبة من شعب الإيمان.
ولم يبين هنا ﷺ أعلا شعب الإيمان أو أدناها لكن بين ﷺ أعلاها وأدناها في حديث آخر كما ثبت في الصحيح أنه قال ﷺ : «أعلاها لا إله إلا الله» (١) ، وفي رواية: «أفضلها لا إله إلا الله» (٢) ، وفي رواية: «أعظمها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق» (٣) ، وفي رواية: «إماطة العظم عن الطريق» (٤) فبين ﷺ أن أعلا الشعب التوحيد على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته وإن أدناها ما يتوقع منه ضرر للمسلمين، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالأنبياء والملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسمائهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتباً كثيرة من أعظمها منهاج الحليمي (٥) .
стр. 317
وقد ورد في فضل من أزال من طريق المسلمين ما يضرهم من حجر أو شوك أو عظم أو غير ذلك أحاديث.
وورد أن فعل ذلك مكتوباً لفاعله في ديوان الصدقة قال رسول الله ﷺ : «خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائه مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظم وآمن
стр. 318
فنهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائه، فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، ونصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (٣) .
لطيفة: وروي عن أبي حفص النيسابوري أنه اشتغل قلبه بحب جارية، فاستشار بعض أصحابه كيف يتحيل إليها حتى يصل إليها، فأشار إليه أن يمضي إلى فلان اليهودي ليحتال له في أمرها فمضى إليه وأطلعه على حاله فأمره اليهودي أن لا يصلي أربعين يوماً ولا يعمل عملاً يرضاه الله تعالى، ففعل ذلك ثم ذهب إلى اليهودي بعد الأيام الأربعين وأعلمه بما فعل فشرع اليهودي في حيلة يحتال بها في أمره ليجمع بينه وبين الجارية، فلم يقدر على ذلك فقال اليهودي: أظن أنك قد عملت في هذه المدة شيئاً يرضاه الله تعالى من أفعال البر، فتفكر أبو حفص وقال: والله ما عملت شيئاً غير
стр. 319
أني أزلت حجراً عن طريق المسلمين برجلي فقال اليهودي: هذا رب كريم لم يضيع لك هذا المقدار، وعصمك بسبه من هذه الأوزار، فكيف يليق بك أن تعصيه.
وقوله ﷺ : «والحياء شعبة من الإيمان» إنما أافرد ﷺ هذه الخصلة من خصال الإيمان في هذا الحديث وخصها بالذكر دون غيرها من باقي شعب الإيمان، لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشعب، فإن صاحب الحياء يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلما كان الحياء كالسبب لفعل باقي الشعب خص بالذكر ولم يذكر غيره معه.
واستشكل العلماء جعل الحياء من شعب الإيمان فقالوا: إن الحياء من الأمور التي طبع الإنسان وغرز عليها، وليس من كسبه فكيف يعد من شعب الإيمان وشعب الإيمان كسبيه لا غريزة فيها؟
وأجيب عن هذا الإشكال بأن: الحياء قد يكون غريزة وقد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر، وأيضا يقال: وإن كان غريزياً ولكن استعماله على وفق الشرع وقانونه يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان بهذا الاعتبار.
لطيفة في الحياء: قال في الروض الفائق: قال مالك بن دينار: كان لي جار مسرف على نفسه فاجتمع الجيران إليَّ يشكونه، فأحضرته وقلت له: إنته عن عصيانك، واتق الله فإما أن تتوب وإما أن تخرج من هذه المحلة، قال: أنا في ملكي ما أخرج منه، قلت له: نشكوك إلى سلطان فقال: أنا من أصحابه، قلت: فندعو الله عليك، قال: ربي أرحم بي منكم ثم نهض، فلما كان الليل رفعت يدي وقت السحر وقلت: سيدي قد آذانا هذا الرجل فافعل به ما شئت، فهتف بي هاتف لا تدع عليه فإنه من أوليائنا قال: فقمت من ساعتي وطرقت عليه الباب فخرج، وظن أني قد خرجت لأخرجه من المحلة، فخرج وهو يبكى ويقول: يا سيدي السمع والطاعة أنا أخرج من المحلة قال: فقلت: يا حبيبي ما جئتك لهذا، وإنما الساعة تضرعت إلى الله فهتف هاتف لا تدع عليه فإنه من أوليائنا، فبكى بكاء شديداً وتاب وحسنت توبته، فأصبح الناس يزورونه ويتبركون به كثيراً، فخرج إلى مكة شرفها الله تعالى ماشياً وأقام بها فحججت في العام فبينما أنا في وقت الظهيرة في المسجد الحرام بحائط وإذا بجماعة قد اجتمعوا في جانب المسجد فقمت إليهم فإذا هم قد أحدقوا برجل فتأملته فإذا هو صاحبي وهو ملقى على التراب وهو يجود نفسه، فجلست عند رأسه أبكي ففتح عينيه فرآني فقال: يا مالك أترى يعفوا عن تلك السيئات، ويرحم هذه العبرات، إنما خرجت من تلك المحلة،
стр. 320
وفارقت وطني حياء منك وأنت مخلوق، فكيف أقف غداً بين يدي الخالق، ثم تنفس وتحسر ومات، رحمة الله تعالى عليه.
ولله در القائل:
«من كان وكان، ما كل واصل مواصل، ولا العناء يدني المنى، هذي سوابق لواحق، لمن يشاء الوهاب، قل لي إذا لم تصبر وتحتمل، إيش لك عمل، تقدر بقوة عزمك تغالب الغلاب، سلم قيادك تسلم، واخضع لمالك مهجتك تغنم، إذا اعتنى بك أتاك من أقرب الأبواب،، كم من موفق تائب، قد بان له سبل الهدى، وكم شقي وعاص، إلى السعة ما تاب، ويحك عروس المنايا، لبيت لحدك خبئت، وذا مشيبك وافى في جملة الخطاب، كأس المنايا دائر على البرايا كلهم، فقل لمن هو حاضر يخبر لمن قد غاب، غداً تبين الفضائح، ويشتهر ما قد خفي، وفي القيامة ينادى هل من قصدنا خاب؟» .
فائدة: الحياء محمود وحقيقته: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، فيستفاد من هذا أن الحياء خير لأنه يبعث الإنسان على فعل الخير ويمنعه من فعل المعصية، فلهذا جاء في حديث: «الحياء خير كله» (١) ، وفي حديث آخر: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٢) .
واستشكل العلماء هذا أيضاً بأن الحياء قد يمنع من الخير ومن قول الحق، وما يمنع من فعل الخير وقول الحق كيف يكون خير.
وأجابوا عن هذا أيضاً: بأن هذا ليس بحياء حقيقي شرعي بل هو عجز، وجوزوا تسميته حياء بطريق المجاز، سماه بعض أهل العرف حياء الشبهة بالحياء الحقيقي.
وقد ورد في فضل الحياء وفضل من تخلق به أحاديث قال ﷺ ذات يوم لأصحابه: «استحيوا من الله» قالوا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله فقال: «ليس
стр. 321
ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة وله نية الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» (١) .
ومعنى «أن تحفظ الرأس وما وعى» حفظه من السمع والبصر واللسان، فلا يستعملها إلا فيما يحل، وقوله: «والبطن وما حوى» يريد لا يجمع فيه إلا الحلال ولا يأكل إلا الطيب، ويحتمل أن يراد بما حوى الفرج والقلب والرجل.
وفي بعض كتب الله المنزلة يقول الله: ما انصفني ابن آدم يدعوني فأستحي أن أرده، ويعصيني ولا يستحي مني.
وفيها أيضاً يقول الله تعالى: عبدي إنك ما استحيت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، ولم أناقشك يوم الحساب يوم القيامة.
وفيها أيضاً يقول الله تعالى: إن كنتم لا تعلمون أني أنظر إليكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعملون أني أنظر إليكم فلم جعلتموني أهون الناظرين.
وكان الفضيل رحمه الله تعالى يقول: يا مسكين تغلق بابك وترخي سترك وتستحي من الناس ولا تستحي من الملكين الذين معك، ولا تستحي من القرآن الذي في صدرك، ولا تستحي من الجليل وهو لا يخفي عليه خافية، ولله در القائل في المعنى حيث يقول:
كن حييا إذا خلوت بذنب ... ليس يخفى عن الرقيب الشهيد
أتهاونت بالإله ... وتواريت عن عيون العبيد
يروى أن رجلاً حبشياً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كنت أعمل الفواحش فهل لي من توبة؟ قال: «نعم» ، قال: فهل كان الله يراني؟ قال: «نعم» ، فصاح الحبشي ووقع ميتاً.
стр. 322
لطيفة: مر منصور بن عمار فوجد شاباً يحدث امرأة فانصرف الشاب، لما رأى منصور بن عمار فتقدم منصور فكلمها أن تذهب فمشت خلفه حتى دخلت منزله، فقعدت في منزله ووقف منصور يصلي فطول عليها، فلما سلم قالت: يا هذا طولت عليَّ فقال لها: ما تقولين في رجل عليه حق بأربعة شهود، والحاكم يعلم به هل يقدر أن يمتنع منه بجحود؟ قالت: لا والله، قال: فإن معي ملكين ومعكي ملكين، والحاكم يعلم بنا ويرانا، فاضطربت المرأة ووقعت ميتة.
وقيل: إن المنافق إذا لم ير أحداً دخل مدخل السوء، وإذا لم ير أحداً بطش، إنما يراقب الناس ولا يراقب الله ، وإن المؤمن يعلم أن الله يراه ويعلم سره ونجواه فإنما قلبه بين يدي الله.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ودعه مات قلبه.
فسبحان من تفضل على قوم فعرفهم ورفعهم، واختصهم لخدمته واصطعنهم، وتكبر على قوم فأذلهم بحجابه، وضعهم وطردهم عن بابه، ومنعهم وختم عنهم باب الوصل وقطعهم، ولقد جاءهم الإنذار فما نفعهم ولو علم فيهم خيراً لأسمعهم، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم.
لطيفة: كان طاووس بمكة فراودته امرأة عن نفسها فلم يزل بها حتى أتى بها إلى المسجد الحرام، والناس مجتمعون فقال لها: قصي ما كنت تردين قالت: أفي هذا الموضع والناس ينظرون، قال لها فالحياء من نظر الله حق، فتابت المرأة وحسنت توبتها ولقد أحسن من قال:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
* * *
стр. 323
المجلس الثامن عشر
في الكلام على قوله ﷺ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
الحمد لله المنفرد بالكمال والكبيراء والجلال، والبقاء والعز الذي لا نفاد له، الملك الكريم الذي يغفر لمن استغفره، ويقبل من استقاله، ويجيب من سأله الجميل، الذي غمر العباد ببره فبحار عطائه سائلة، الغفور الذي ستر عباده عند المسألة، القريب الذي قرب أحبابه فوجدوا لذة المعاملة، فقلوبهم لذكره حاضرة، وعيونهم في خدمته ساهرة، وأبدانهم من مخافته ناحلة، العزيز الذي قطع المبعدين عن بابه، وأذابهم بأليم حجابه، السعيد من قربه المولى الكريم، والطريد من أبعده الملك الحكيم، والقلوب بسر تدبيره جاهله، استوى على العرش من غير تكييف، علو عظمته وقهره، وكيف يحمل العرش حامله، القلوب تعرفه بصفته، والرقاب خاضعة لعزته، والعقول في تعظيمه حائرة ذاهلة، صفاته قديمة وتخيلات المشبهين والمعطلين باطلة، لا يرد أفعاله كم ولا كيف، ولا ينسب شيء من أحكامه إلى حين، فاقطع لسان الاعتراض وكف كف المجادلة، فكلما تصوره وهمك فهو حادث مخلوق، وكيف يشبه المفعول فاعله، أحمده على ما أسبغ علينا من نعمه الكاملة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله ضمن الربح الجزيل لمن عامله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، نبي أوضح كل مشكل، وبين حكم كل نازلة، فأضحت شمس الإيمان مشرقة، ونجوم البهتان آفلة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابة صلاة دائمة متواصلة وسلم.
قَالَ البُخَارِي:
باب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (١)
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ (٢) ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ (٣) ، وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: «عن عبد الله بن عمرو ﵄» هذا هو الزاهد العابد الصحابي أبي عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، كنيته أبو محمد على الأصح، أسلم قبل أبيه، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشر سنة، وقيل: إحدى عشر سنة، قالوا: ولا نعرف أحداً بينه وبين هذا القدر غيره، وكان غريزاً في العلم مجتهداً في العبادة وكان أكثر حديثاً من أبي هريرة لأنه كان يكتب، وأبو هريرة لا يكتب، ومع ذلك فالذي روى له قليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة.
روى عن رسول الله ﷺ سبعمائه حديث، اتفقا منهما على سبعة عشر وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وكان ﵁ أحمر عظيم البطن، وعمي في آخر عمره، واختلفوا في أي مكان توفى، فقيل: بمكة، وقيل: بالطائف وقيل: بمصر في شهر ذي الحجة سنة خمس وستين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين عن ستين وسبعين سنة
«عن النبي ﷺ » اشتمل هذا الحديث على جملتين الأولى قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» واختلف العلماء في معنى هذه الجملة فقيل: معناها المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده، فتكون الألف واللام في المسلم للكمال نحو زيد الرجل الكامل في الرجولة، فإن إثبات الشيء للشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، فقد صرح سيبوية بأن الجنس إذا أطلق محمولاً على الكامل ويسقط ما استشكل منه إذا المفهوم من الحديث: أن من لم يسلم المسلمون من لسانه لا يكون مسلماً، نعم يخرج عن الإسلام الكامل إذا لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، ولم يخرج عن أصل الإسلام.
وقيل: معنى الحديث والمراد به الإشارة إلى حسن معاملة العبد ربه لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فالأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التثنية بالأدنى على الأعلى.
فإن قيل: إن قوله: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» يقتضي ويفهم أنه لا يحب الكف عن الكفار في تحصيل الإسلام الكامل بل يحصل له الإسلام الكامل إن لم يكف لسانه ويده عنهم وليس كذلك.
والجواب: أن هذا الحديث خرج مخرج الغالب أن يكف مفهوم له، وخص المسلمون بالذكر لأجل أنه يتأكد على المسلم أن يكف الأذى عن أخيه المسلم، لا لأجل أنه لا يجب الكف عن الكافر.
стр. 326
أو يقال في الجواب: الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه فصح الاحتراز عنهم بالمسلمين.
فإن قيل: قوله «المسلمون» بصيغة جمع التذكير يقتضي أنه لا يجب الكف عن المسلمات في تحصيل الإسلام الكامل، وليس كذلك بل ولابد وإن يكف لسانه ويده عن المسلمين والمسلمات ليحصل له الإسلام الكامل.
جوابه: أن الإتيان بجمع التذكير هنا للتغليب فالمسلمات يدخلن في ذلك.
فائدة: إنما خص ﷺ اللسان واليد بالذكر مع أن الأذي قد يحصل بغيرهما إلا أن الإيذاء باليد واللسان أكثر من غيرهما، فاعتبر الغالب أيضاً.
وخص اللسان لأنه يعبر عما أضمره الإنسان في نفسه، وخصت اليد بالذكر لأن سلطته الأفعال إنما تظهر باليد إذ بها البطش والقطع والأخذ والمنع والإعطاء ونحوه.
وقال أبو ذر ابن الشيخ برهان الدين المحدث في شرحه: وإنما جمع بينهما ﷺ ولم يقتصر على أحدهما لأن كف اليد قد يكون بسبب الضعف والبعد، فإذا انضم إليه كف اللسان علم أن كف اليد كان للإسلام قاله السخاوي.
وأفاد الشيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر في الفتح هنا مناسبة لطيفة فقال (١) : في ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكته وهي لأجل أن يدخل فيها اليد المعنوية، فإن اليد على قسمين: يد الجارحة، وهي معلومة، واليد المعنوية وهي الاستيلاء على حق الغير بغير حق فإنه يقال: وضع فلان يده على مال فلان أي: استولى عليه باليد المعنوية، فعلى هذا يشترط في تحصيل الإسلام الكامل سلامه المسلمين من لسانه ويده أعم من تكون يد الجارحة أو يد المعنى، فمن استولى على أموال الناس بغير حق يصدق عليه أنه لم يسلم المسلمون من يده فلا يكون مسلماً كاملاً، وإن لم يؤذهم بلسانه ويد الجارحه.
فائدة أخرى: إنما قدم رسول الله ﷺ اللسان على اليد لأن أذى اللسان أعم من أذى اليد، واللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بخلاف اليد فإنها تختص بالموجود.
قال شيخ الإسلام ابن حجر (٢) : نعم يشارك اللسان في ذلك الكتابة، وإن أثرها في
стр. 327
ذلك عظيم فإنه يمكن أن يؤدي الإنسان بكتابة الماضين والموجودين والحادثين كما يؤدي بلسان ذلك.
وهذا الذي قاله ﵁ أخذه من قولهم المشهور: القلم أحد اللسانين، بل ربما يترتب على الكتابة من الضرورة والنكاية عظيم ما يترتب على النطق باللسان، كما يقع ذلك من شهود الزور، ومن دواوين الملوك، ومن الموقعين عند القضاء، أما الشهود فهم قوم غالب المعاش وحقوق الناس متعلقة بكتابتهم، فإذا كتب الشاهد على شخص مسطور بمبلغ من الدراهم مثلاً لشخص آخر، والحال أنه ليس عليه من ذلك الحق شيء، بل زود عليه كثير من الفساق الذي يبيع دينه بدنيا غيره فقد ضره وآذاه بشهادته، وكتابته الزور ضرراً أعظم من ضرر النطق باللسان فكيف مثل هذا الشاهد المزور القيامة بين يدي الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، وقد نص العلماء على أن قول الزور من الكبائر والكتابة قائمة مقام ذلك قال الله تعالى: ?وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ? [الفرقان: ٧٢] ، وجاء في حديث: «لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار» (١) قال العلماء: شاهد الزور ارتكب ذنوباً:
أحدها: الكذب والافتراء على من شهد عليه والله تعالى يقول في كتابه ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ? [غافر: ٢٨] .
وثانيها: أنه ظلم الذي يشهد عليه حتى أخذ بشهادته ماله وعرض روحه للهلاك.
وثالثها: أنه ظلم الذي شهد له، بأن ساق له المال الحرام فأخذه ووجبت له النار قال رسول الله ﷺ : «من قضي له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه، فإنما اقتطع قطعة من النار» .
ورابعها: أنه أباح ما حرم الله ومعصيته من المال والدم والعرض وقال ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» (٢) متفق عليه.
وقد ذم الشهود جماعة من الصالحين ونظموا فيها أبياتاً: قال سفيان الثوري: الناس
стр. 328
كلهم عدول إلا العدول.
وقال عبد الله بن المبارك: الشهود هم السفلة.
وقال بعض الفضلاء فيهم:
قوم إذا غضبوا كانت رماحهم ... بث الشهادة بين الناس بالزور
هم السلاطين إلا أن حكمهم ... على السجلات والأملاك والدور
وقال آخر:
إياك أحقاد الشهود فإنما ... أحكامهم تجري على الحكام
أقوم إذا خافوا عداوة فادر ... سفكوا الدماء بأسنة الأقلام
وقال آخر:
احذروا نية الشهود ... الأخسرين الأرذلينا
قوم لئام يسرقون ... ويحلفون ويكذبونا
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
شهود ولكن آبين عن الهدى ... عدول عن الحق المبين عدول
وقال ابن السبكي: ومن سلك من الشهود أمر به، واجتنب ما نهى عنه، فهو محمول مأجور غير أنه غلب على أكثرهم التسارع إلى تحمل الشهادة من غير تأمل وتحرير لما يشهد به، وذلك مذموم.
وأما أخذ الشاهد من الأجر على الشهادة عند القاضي فهو حرام، وإنما يستحق الأجرة على تحمل الشهادة، وكتابة السطور، وأما قسمته ما يتحصل للشهود في الحانوت، فهي غير جائزة لأنها شركة أبدان، وأما دواوين الملوك ودواوين نوابهم فمن حقهم الواجب عليهم إذا وقف أحد إلى الملك في واقعة ان يتلطفوا ويواصلوا تلك الواقعة إلى ذهن الملك، ويكرروها عليه ليفهمها، وإلا فمتى ظلم الملك واحداً في واقعة لعدم فهمه، ككثير من هؤلاء الأتراك وكان كاتب السر والموقع هو الذي قرأ عليه القصة في تلك الواقعة، كان شريكاً له في ذلك الظلم، ومن حقهم أيضاً أن يحترزوا عن الكتابة في قطع الأرزاق، فإن يقطع أحد رزق أحد بلسانه وقلمه ما أفلح قط، خصوصاً في أرزاق أهل العلم الشريف، وما أحسن ما نقشه بعض الدواوين على دواته حيث قال:
حلفت من يكتب بي ... بالواحد الفرد الصمد
стр. 329
أن لا يمد مده ... في قطع رزق لأحد
وللشيخ تاج الدين السبكي بيتان قريبان من هذين البيتين نقشهما بعض الأمراء على دواته فقال:
حلفت من يكتب بي ... بالله رب العالم
أن لا يمد مد ... تؤلم قلب عالم
وأيضاً يقال: إنما قدم ﷺ اللسان على اليد لأن نكايته أعظم وأشد تأثيراً في القلب من نكاية اليد، ولهذا قال ﷺ : «أهج المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل» (١) وقال الشاعر:
جراحات السنان لها التأم ... ولا يلتأم ما جرى اللسان
وقد ورد في شؤم اللسان، وفي فضل كفه، وفي الأمر بإمساكه، وفي النهي عن التكلم به بما لا يفيد أحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين روينا في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها –أي: ما يتفكر في أنها خير أم لا-، يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (٢) .
وروينا في هذا الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً، رفع الله بها درجات» أي: يرفع الله بها درجاته أو يرفعه الله بها درجات «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم» (٣) .
وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجة عن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به قال: «قل ربي الله ثم استقم» قلت: يا
стр. 330
رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا» (١)
. قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» (٢) .
وروينا أيضاً عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بينك، وأبك على خطيئتك» (٣) قال الترمذي: حديث حسن.
روينا فيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان أي: تخضع له فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا» (٤) .
стр. 331
قال الغزالي: معناه والله أعلم أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخزلان والله اعلم.
هذا المعنى ما حكي عن مالك بن دينار أنه قال: إذا رأيت قساوة في قلبك، ووهنا في بدنك، وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك قد تكلمت بما لا يعنيك.
وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجة عن أم حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ قال: كل كلام ابن آدم عليه إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر الله تعالى.
وروينا في هذا الصحيح عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» (١) .
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من وقاه الله شر ما بين لحيية وشر ما بين رجليه دخل الجنة» (٢) قال الترمذي حديث حسن.
وروينا في كتاب الترمذي عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: «لقد سئلت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟» قالت: بلى قال: «الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ثم تلى ?تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ ... ? حتى بلغ ?يَعْمَلُونَ? [السجدة: ١٦، ١٧] ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه قال: «كف عليك هذا» فقلت: يا نبي الله وإنا المؤاخذون بما
стр. 332
نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (١) . قال الترمذي: حديث حسن.
وحصائد الألسن ما حصلة الإنسان واكتسبه من الإثم بالكلام فيما لا ينفع، وهذا الكلام استفهام إنكاري تقديره: ما يكب الناس إلا حصائد ألسنتهم.
فإن قيل: هذا الحديث يقتضي أن كل من يكب في النار فسبب كبه فيها اللسان مع أن بعض الناس يكب في النار بعمله لا بلسانه؟
فالجواب: أنه عام قيد خاص.
فائدة: قال ابن القيم في كتابه أقسام القرآن: فإن قيل: ما الحكمة في جعل الله اللسان عضواً لحمياً لا عظم فيه ولا عصب؟
ثم أجاب بإذن الله خلقه كذلك لتسهل حركته، ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه، فأي عضو من الأعضاء حركته كما يحرك اللسان لم يطاوعك كما يطاوعك اللسان، بل لابد أن يحصل التعب والملل إلا اللسان فلو كان عظماً لم ينتهي منه الكلام التام ولا الذوق التام.
ثم قال فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى جعل على اللسان علقين أحدهما الأسنان والثاني الشفتان، وجعل على العين غطاء واحد ولم يجعل على الأذن غطاء، ثم أجاب بأنه جعل ذلك إشارة إلى أن آفة الكلام أكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع، فجعل الأكثر آفات طبقتين لخطره وشرفه، وخطر حركاته، وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وجعل، للمتوسط طبقة واحدة، وجعل الأقل آفة بلا طبقة فتبنه لهذه اللطيفة الإلهية والحكمة الربانية.
وقال ابن جماعة في شرح الأربعين فإن قيل: لم تعددت العين والأذن والأنف والخد دون اللسان.
стр. 333
ثم أجاب: بأن الله صنع ذلك إشارة إلى مطلوبية قلة الكلام.
قال العلماء: في الحديث دلالة على التحذير من أذى اللسان ومن آفاته، وآفاته كثيرة لا تنحصر، وأكثر معاصي ابن آدم فيه من أقبحها وأضرها للناس وأفحشها الغيبة.
والغيبة: أن يذكر الإنسان غيره بما يكرهه وإن كان فيه، حتى أن قلت عن طويل: فلان طويل أو عن قصير: فلان قصير، وكان يكره ذلك فإنه حرام ويعد غيبة، وهي حرام سواء بلقبك أو لسانك أو خطك أو إشارتك بعين ورأس أو نحوها، وسواء كان في ماله أو ولده أو زوجته أو نحو ذلك.
والذي يدل على إنها محرمة الكتاب والسنة وإجماع الأمة قال الله تعالى ?وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ? [الحجرات: ١٢] .
?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً? [الإسراء: ٣٦] .
واختلف العلماء ﵃ فيها: هل هي من الكبائر أو من الصغائر فقال صاحب «العدة» وأقره الرافعي: أنها من صغائر الذنوب لعموم البلوى.
وقال القرطبي في تفسير القرآن: إنها من الكبائر بلا خلاف، قال الزركشي: وقد ظفرت بنص الإمام الشافعي على إنها من الكبائر فالقول: بأنها صغيرة ضعيف أو باطل.
لكن قال القاضي زكريا: يمكن حمل نص الشافعي على ما إذا أصر على الغيبة، فإنها تصير من الكبائر بلا خلاف، وكذا لو اغتاب عدلاً.
قال الشيخ ولي الله تقي الدين الحصيني: وقد يحتقر الشخص بالكلمة الواحدة من الغيبة، لكثرة إدمانه عليها، وتعود لسانه بها ومخالطته من الاعتناء له بحفظ أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ لا سيما المتفقهة والصوفية، فإن غيبتهم غالباً تكون في المساجد، والربط المبنية لذكر الله تعالى وعبادته، فيرتكبون مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ في أطهر البقاع مع علمهم بأن الكلمة الواحدة من الغيبة عظيم أمرها، فقد صح في الحديث أن عائشة ﵂ اغتابت ضرتها صفية وقالت للنبي ﷺ : حسبك من صفية إنها كذا أي: يكفيك منها إنها امرأة قصيرة فقال ﷺ : «قلت كلمة لو مزجت
стр. 334
بماء البحر لمزجته» (١) أي: خالطتة مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها. رواه الترمذي وحسنه وصححه.
فهذا حديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة إذا كان هذا شأن كلمة هي في المقول فيها، فإن عائشة قالت عنها: إنها قصيرة وكانت قصيرة، فكيف حال من يتكلم في غيره بكلمة مفتراه فيه، إنا لله وإنا إليه راجعون من كلمة توقع الإنسان في الهلاك.
وجاء في حديث عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا أخي يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (٢) رواه أبو داود.
وقال رسول الله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله» (٣) رواه مسلم.
قال العلماء: وسامع الغيبة شريك المغتاب فكما تحرم الغيبة يحرم استماعها، ويجب إنكارها إن لم يخف ضرراً وإن خاف ضررا فارق ذلك المجلس، فإن لم يقدر على المفارقة بذكر أو غيره لا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع، فيجب على كل من سمع غيبة أخيه أن يرى باباً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من فعل ذلك فقد فار فوزاً عظيما، فقدر ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» (٤)
رواه الترمذي وقال حديث حسن.
стр. 335
وإن لم يرد غيبة أخيه، أو كان من عادته عدم اعتنائه بالدين وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا وأمثاله قد وقعوا في شر عظيم، يوجب غضب الله تعالى وغضب رسوله ﷺ .
وذكر العلماء: أن الغيبة تباح بل تجب في صور منها الفاسق المجاهر بالفسق، والمبتدع المجاهر ببدعة كشارب الخمر المجاهر به، فيجوز غيبة تلك العصبة دون غيرها إلا كان لجواز ذكره بغيرها سبب آخر.
قال في الإحياء: إلا أن يكون المجاهر بها عالما يقتدى به فتمتنع غيبته لأن الناس إذا اطلعوا على زلته تٍساهلوا في ارتكاب الذنب، وغيبة الكافر محرمة أيضاً إن كان ذمياً لأن فيها تنفير لهم عن قبول الجزية وتركاً لوفاء الذمة، ومباحة إن كان حربياً لأنه ﷺ أمر حسان أن يهجوا المشركين.
ومنها: أن الإنسان إذا استشار في امرأة يريد أن يتزوجها أو امرأة في رجل تريد أن تتزوجه فيجب عليه ما ذكر فيها أو فيه من الغيبة، وليس ذكر هذا من باب الغيبة، بل من باب النصيحة، فيشترط للرجل إذا استشير في ذلك أن يذكر للخاطب أو للمخطوبة ما فيها أو فيه، على وجه النصيحة لا الوقيعة، فإن الدفع يمجرد قوله لا نفعل هذا أو لا تصلح لك فلانه، أو قال لها: لا يصلح لك فلان، أو خير لك فيه أو نحوه، ولم تجز الزيادة بذكر باقي عيوبه، وإذا استشير في أمر نفسه بالنكاح فإن كان فيه ما ثبت الخيار فيه وجب ذكره للزوجة، وإن كان فيه ما يعدل الرغبة عنه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحب، وإن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه.
وتجوز الغيبة في صور أخرى غير ما ذكر، وقال حجة الإسلام الغزالي: من لم يصن لسانه وأكثر الكلام يقع لا محال في غيبة الناس كما قيل: من كثر لغطه كثر سقطه.
والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعة على ما قيل: إن مثل من يغتاب الناس مثل من نصب منجنيقاً لحسنات فهو يرمي بها شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً.
وبلغنا عن الحسن ﵁ أنه قيل: له يا أبا سعيد إن فلاناً اغتابك فبعث إليه بطبق فيه رطب، وقال: بلغني أنك اهديت إليَّ حسناتك فأحببنا أن نكافئك.
وذكروا: فات بعض الصالحين قيام الليل فعزته زوجته فقال: إن أقواماً صلوا الليل البارحة، فلما أصبحوا نالوا مني فتكون صلاتهم يوم القيامة في ميزاني.
قال سفيان الثوري: لا تتكلم بلسانك ما تكسر به أسنانك.
стр. 336
وقال آخر: لا تبسط لسانك فيفسد عليك شأنك.
وقال ابن المبارك: احفظ لسانك إن اللسان سريع إلى المرء في قتله، وإن اللسان دليل الفؤاد يدل الرجال على عقله.
وقال آخر:
لسان المرء ليث في كمين ... إذا خلى عليه له إغارة
فصنه عن الخنا بلجام صمت ... يكن لك من بليته ستارة
وقال آخر:
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدعنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... قد كانت تهاب لقاءه الشجعان
لطيفة: ذكر ابن الجوزي أبو نعيم عن الشعبي أنه قال: مرض الأسد فعادته السباع خلا الثعلب، فنم عليه الذئب وقال له: إن جميع السباع عادوك إلا الثعلب فقال: إذا حضر فأعلمني، فلما حضر عليه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك، قال: أي شيء أصبت؟ فقال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج فضرب الأسد مخالبه في ساق الذئب فمر به الذئب بعد ذلك ودمه يسيل فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر إلى ما يخرج من رأسك.
قال أبو نعيم: يقصد الشعبي من هذا سوي ضرب المثل تعليم للعقلاء وتنبيه الناس وتأكيد الوصية في حفظ اللسان في تهذيب الأخلاق والأدب بكل طريق، وفي ذلك قيل:
احفظ لسانك لا تقل فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي: أنت أيها المتكلم لا يخلوا إما أن تتكلم بكلام حرام كالغيبة، أو مباح من فضول الكلام الذي لا يعنيك، فإن تكلمت بكلام حرام كأن وقعت بين المسلمين ففيه عذاب الله تعالى الذي لا طاقة لك به، فقد قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسري بي نظرت في النار قوماً يأكلون الجيف، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس» (١) .
стр. 337
وقال رسول الله ﷺ لمعاذ: «اقطع لسانك عن حملة القرآن وطلاب العلم، لا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب النار» (١) .
روى أبو قلابة ﵁: إن في الغيبة خراب القلب من الهدى، فنسأل الله العصمة بفضله وكرمه قال.
وإن تكلمت بكلام غير مباح ففيه أربعة صور:
أحدها: شغل الكرام الكاتبين بما لا خير فيه ولا فائدة، وحق للمرء أن يستحي منهما فلا يؤذيهما قال تعالى ?مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ? [ق: ٨] .
والثاني: إرسالهم كتاب إلى الله من اللغو والهذر، فليحذر العبد من ذلك، وليخش الله .
وذكر أن بعضهم نظر إلى رجل تكلم بالخنا فقال: يا هذا إنما تملي كتاباً إلى ربك سبحانه فانظر ماذا تملي.
الثالث: قراءته بين يدي الملك الجبار ﷻ يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بين الشدائد والأهوال، وأنت جوعان عطشان عريان منقطعاً عن الجنة محبوساً عن النعمة.
والرابع: اللوم والتعيير بقول الله: يا عبدي لما قلت كذا وكذا فتقطع حجته، ويحصل له الحياء من رب العزة ﷻ ، ولهذا قيل: إياك والفضول فإن حسابه يطول.
وقال الإمام الشافعي لصاحبه الربيع: يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا
стр. 338
تكلمت بالكلمة ملكتك ولا تملكنا.
فقال: بعضهم اللسان كالسبع إن لم توثقه أكلك.
وقال الغزالي في الإحياء: كان أبو بكر ﵁ يضع في فمه حجراً ليمنع نفسه من الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وقال ابن مسعود: والذي لا إله إلا الله هو ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان.
وقال لقمان: قال لي سيدي: اذبح هذه الشاة وائتنا بأطيب ما فيها، فجاء بالقلب واللسان، وقال له مرة أخرى إذبح شاة وائتنا بأخبث لحمها، فأتى بالقلب واللسان، فقيل له في ذلك فقال: ليس في الجسد مضغتان أطيب منها إذا طابا، ولا أخبث إذا خبثا.
ونقل عن إمامنا الشافعي أنه قال: المؤمن إذا أراد أن ينور الله قلبه فليترك الكلام فيما لا يعنيه.
وقال أيضاً: ثلاثة تزيد في العقل مجالسة العلماء أو مجالسة الصالحين، وترك الكلام فيما لا يعنيه.
وقال معروف الكرخي: الكلام فيما لا يعنيك خذلان من الله.
وقال وهب بن منبه: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت، واحدة في الهرب من الناس.
ولقد أحسن من قال:
وكم ساكن طال المنى بسكوت ... وكم ناطق يجني عليه لسان
قال سليمان ﵇: إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب.
فائدة: روى قس بن ساعده وأكتم بن صيفي اجتمعنا فقال أحدهما لصاحبه: وجد في ابن آدم من عيب فقال: عيوب ابن آدم أكثر من أن تحصى، الذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجد خصلة إن استعملها ستر العيوب، كأنه قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
وقال ابن مسعود ﵁: يا لسان قل خيراً تغنم أو أسكت تسلم من قبل أن تندم.
قيل: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء تقوله من عندك أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟
стр. 339
قال: بل سمعته يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» (١) .
لطيفة: قال رجل لنبي ﷺ : يا رسول الله لا أزيد على الصلوات الخمس ورمضان، وليس لي مال أتصدق به ولا أحج، أين أنا إن مت؟ قال: «في الجنة» ، قال: معك تبسم وقال «نعم إن حفظت قلبك من الحسد، ولسانك من الكذب، وعينيك من النظر إلى محارم الله، وأن لا تزدري بها مسلماً، دخلت الجنة معي على راحتي هاتين» (٢) وينبغي للإنسان الحلم والصفح عن عثرات الإخوان، فإذا بلغه عن أحد أنه تكلم في حقه بكلام فاحش أن يعفو عنه، ولا يقابله بإسأته، بل يسكت أو يقابله بحسن الخلق، ولين الكلام ?وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ? [آل عمران: ١٣٤] .
وورد في الحديث: «والعفو لا يزيد العبد إلا عزاً، فاعفو يعزكم الله» (٣) .
وجاء في حديث آخر عن ابن عباس أنه قال قال النبي ﷺ «أؤنبئكم بأشراركم» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «إن أشراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده، أفلا أنبئكم بشر من ذلك» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «من يبغض الناس ويبغضونه أفلا أنبئكم بشر من ذلك» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الذين لا يقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، أفلا أنبئكم بشر من ذلك» قالوا: بلى يا رسول الله قال:
стр. 340
«من لا يرجى خيره ولا يؤمن من شره» (١) .
وجاء في حديث آخر عنه ﷺ أنه قال: «إذا بعث الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد من العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين لله قد عفا الله عنكم فليعف بعضكم عن بعض» (٢) .
وحكي عن علي ﵁ كان له غلام فدعاه فلم يجبه فدعاه ثانياً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً قال: ما حملك على ترك جوابي؟ قال: آمنت من عقوبتك فقال: أنت حر لوجه الله.
ونقل عن زين العابدين من ذرية الحسين بن علي أن رجلاً اغتابه فقال له: إن كنت صادقاً في قولك فغفر لله لي، وإن كنت كذاباً في قولك فغفر الله لك.
وخرج يوماً إلى الجامع فسبه رجل، فأقبل عليه فقال: ما خفي عليك من أمرنا أكثر ثم قال له: ألك حاجة فاستحى الرجل فدفع إليه زين العابدين ألف درهم وألقى عليه ثوبه فذهب الرجل وهو يقول: إنني أشهد أنك ابن رسول الله ﷺ .
ونقل بعضهم: أن الله أوحى إلى موسى ﵇ أتحب أن يدعو لك كل شيء طلعت عليه الشمس والقمر؟ قال: نعم، قال: اصبر على خلقي كما صبرت على من كفر ويعبد غيري.
وقال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله أخالط الناس أم أعتزلهم؟ فقال: خالط الناس واحتمل أذاهم.
ونقل عن عمر بن الخطاب أو غيره أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: يا ابن الخطاب تمنى عليّ، فسكت فقال في الثانية: يا ابن الخطاب أعرض عليك ملكي وملكوتي وأقول لك تمنى عليَّ وأنت إلى ذلك تسكت؟ فقلت: يا رب شرفت الأنبياء بكتب أنزلتها عليهم فشرفني بكلام منك بلا واسطة فقال: يا ابن الخطاب من أحسن إلى من أساء إليه فقد أخلص لله شكراً، ومن أساء إلى من أحسن إليه فقد بدل نعمة الله كقراً.
ويُرجى من كرم الله وفضله أن يكفر ما وقع من اللسان من الآفات، بما يقع منه
стр. 341
من الفوائد.
فتكفر الغيبة ونحوها بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ وقراءة القرآن وغيرها من فوائد اللسان، فإن كرم الله واسع وحلمه عظيم.
فائدة: ينبغي لمن هو فاحش اللسان أن يلازم الاستغفار فقد ورد في الحديث: شكى رجل إلى النبي ﷺ ذرب اللسان فقال: «أين أنت من الاستغفار، إني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» (١) .
لطيفة: حكي عن الشبلي رحمه الله تعالى قال: مات رجل من جيراني، فرأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: يا شبلي مرت بي أهوال عظيمة، وذلك أني ارتج عليَّ عند السؤال فقلت في نفسي من أين أوتي عليَّ، ألم أمت على الإسلام، فنوديت هذه عقوبة إهمالك للسانك في الدنيا، فلما أتاني الملكان حال بيني وبينهما رجل جميل الوجه طبيب الرائحة، فذكرني حجتي فذكرتها فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا شخص خلقت لكثرة صلاتك على النبي ﷺ وأمرت أن أنصرك في كل كرب. ذكره ابن بشكوال.
فتأمل رحمك الله تعالى بركة الصلاة على النبي ﷺ ونفعها في وقت الحاجة والشدة.
ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى علي َّفي اليوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج الدنيا» (٢) أخرجه ابن منده.
ولقد أحسن من قال:
يا من أتى ذنباً وقارف زلة ... ومن يرتجي الرحماء من الله والقربى
تعاهد صلاة الله في كل ساعة ... على خير مبعوث وأكرم من نبا
فتكفيك هماً أي هم تخافه ... وتكفيك ذنباً جئت أعظم به ذنباً
ومن لم يكن يفعل فإن دعائه ... يجد قبل أن يرقى إلى ربه حجبا
стр. 342
عليك صلاة الله ما لاح بارق ... وما طاف بالبيت الحجيج وما لبى
لطيفة أخرى: يروى أن ابن عمر ﵄ قال: دخلت على مريض من الأنصار مع النبي ﷺ وهو في سكرات الموت فقال له النبي ﷺ : «تب» فلم يقدر، فحال بطرفه نحو السماء، فتبسم النبي ﷺ فسئل عن ذلك فقال: «لما لم يعمل بلسانه أومئ بقلبه نحو السماء وندم قال الله تعالى: يا ملائكتي عبدي عجز عن التوبة بلسانه فندم بقلبه، أشهدكم أني قد غفرت له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر» (١) .
في قوله ﷺ «من سلم المسلمون» من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق كما في «أسلم تسلم» (٢) ، وأما الجملة الثانية أعني قوله ﷺ «والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه» فقد اختلف معناها فقيل: معناها أن مكة لما فتحت وانقطعت الهجرة وفواتها على من يدركها من الصحابة، فطيب قلوبهم رسول الله ﷺ وأعلمهم بأن حقيقة الهجرة تحصل بهجر ما نهى الله عنه.
وقيل في معناها: أن هذه الهجرة على ضربين ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن.
وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلموا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع، فأعلمهم ﷺ أن المهاجر الكامل من هجر وترك ما نهي الله عنه، مع مفارقته الوطن، وليس المهاجر الكامل من فارق وطن فقط.
قال ابن الملقن: اشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام وفي الحديث: الحث على ترك أذى المسلمين، بكل ما يؤذي، ليكون الإنسان بذلك حسن التخلق مع العالم، ومعدوداً من الأبرار، وقد فسر الأبرار بأنهم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون بالشر.
стр. 343
المجلس التاسع عشر
في الكلام على حديث «لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه ما يجب لنفسه» وفيه شيء من ترجمة أنس بن مالك ﵁
قَالَ البُخَارِي:
باب مِنَ الإِيمَانِ (١) أَنْ يُحِبَّ لأخيه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أحدكم حَتَّى يُحِبَّ لأخيه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
قوله: «باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فاعل يحب مضمر في الفعلين تقديره المكلف أو المؤمن أو الرجل.
«حدثنا مسدد» هذا هو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن مستورد الأسدي البصري، الحافظ الثقة، وكان أبو نعيم يقول عند سماع نسبه هذا: رقية للعقرب، وقيل: لو كان في هذه النسبة بسم الله الرحمن الرحيم كانت رقية عقرب، ويقارب هذا النسب في الغرابة: حجدب بن جرعب أبو أصعب الكوفي.
«حدثنا يحيى» هذا هو الإمام الحافظ يحيى بن سعيد القطان التميمي البصري، والإجماع قائم على جلالته وإمامته وعظم علمه وإتقانه وبراعته، أقام عشرين يختم القرآن في كل يوم وليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، ورأى في المنام وعلى قميصه مكتوب بين كتفيه: بسم الله الرحمن الرحيم براءة ليحيى بن سعيد من النار، وبشر قبل موته وله عشرين سنة بأمان من الله من النار يوم القيامة، ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين.
قال إسحاق بن إبراهيم الشهيدي: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند
стр. 344
إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يدية: على بن المديني وسليمان بن داود وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، يسألون عن الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد: اجلس ولا يجلسون هيبة وإعظاماً.
«عن شعبه عن قتادة عن أنس» هذا هو السيد الجليل أنس بن مالك الأنصاري البخاري البصري، خادم رسول الله ﷺ وكان للنبي ﷺ خدام كثيرون كربيعه بن كعب صاحب وضوءه، وابن مسعود حامل نعليه، وعقبة بن عامر يقود بغلته، وأيمن بن أم أيمن صاحب مطهرته وغيرهم، ولكن أنس كان ألزمهم لرسول لله ﷺ كما قال العراقي، فأنس ألزمهم لخدمته ﷺ ، وأمه هي: أم سليم بنت ملحان.
ولما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً لم يبق أحد بالمدينة إلا وأهدى لرسول الله ﷺ هدية قال: وكانت والدتي امرأة أرملة فقيرة، وكان عمري سبع سنين فأخذتني أمي وذهبت بي إلى باب مسجد رسول الله ﷺ ونادت السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة أنارت الظلمات وانكشف بك الغمام، لم يبق أحد بالمدينة إلا وأهدى إليك هدية، وأنا امرأة ضعيفة ما لي شيء أحب ولا أعز علي من ولدي وقد أهديته لك يا رسول الله، بالذي بعثك بالحق نبياً اقبل هديتي فقال رسول الله ﷺ : «قد قبلناها، وما وقع هدية أقرب إلى قلبي وأحب إليَّ من هديتك يا أمة الله» فقربني رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط لشيء صنعته لم صنعته ولا شيء تركته لم تركته، بل كان يقول: «لو قضى الله بشيء لكان» (١) رواه الترمذي وغيره.
ودعا له رسول الله ﷺ بطول العمر وكثرة الأموال والأولاد والمغفرة، فقد روى عنه أنه قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله ﷺ وقالت يا رسول خادمك أنس أدع الله له، فوضع يده المباركة على رأسي وقال: «بارك الله لك في عمرك ونسلك ومالك وغفر لك» فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ فيما دعا له.
أما في طول عمره فإنه عاش كما قيل: مائة سنة وزيادة، ونقل عن أنه قال: ولقد بقيت حتى سئمت الحياة.
وأما في النسل فقد رزقه الله تعالى مائة ولد قال ﵁: إن ولدي وولد ولدي
стр. 345
ليعادون اليوم عليَّ نحو المائة، ولقد دفنت بيدي هاتين من ولدي مائة غير اثنين، أو قال مائة واثنين.
وقال الكرماني عنه: ولقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين.
وأما في المال فقد نقل عنه أنه قال: فوالله إن مالي لكثير ما أعلم أحد أصاب من رخاء العيش ما أصبت، وكان له بستان يحمل الثمر كل سنة مرتين، وكان في البستان ريحان يشم منه رائحة المسك.
وأما في المغفرة فقد نقل عنه أنه قال: وأنا أرجوا الرابعة أي: المغفرة فإنها لله تعالى ليست بيد العبد.
فائدة: قال ابن قتيبة ثلاثة من أهل البصرة لم يمت أحد منهم حتى يرى مائة ولد من صلبه: أنس وأبو بكر وخليفة بن بدر.
وكنية أنس: أبو حمزة، وروي له ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بإحدى وسبعين، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، ومناقبه جمة، وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وتسعين زمن الحجاج، ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.
«وعن حسين المعلم (١)
قال حدثنا قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: لا يؤمن (٢)
стр. 346
من أحدكم حتى يحب (١) لأخيه ما يحب لنفسه (٢)
»
الحديث محمول على نفي الكمال لا على نفي الصحية، فإن نفي اسم الشيء على معنى الكمال عنه مستفيض من كلامهم، والمعنى لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب
стр. 347
لأخيه ما يحب لنفسه أي: من الخير كما جاء ذلك في رواية النسائي.
و «اللام» في قوله: «لأخيه» تدل أيضاً على أن المراد: الخير والمنفعة، وكذلك قوله «ما يحب لنفسه» يدل عليه أيضاً، إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير، والخير كلمة جامعة لجميع أنواع البر والطاعات أو المباحات الدنيوية والأخروية وتخرج المنهيات.
وليس المراد بالحديث أنه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب أن يحصل لأخيه عين ما يحصل كما قاله ابن الصلاح، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحملين محال، بل المراد حتى يحب أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا لعينه، سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية.
قال الكرماني: ومن الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه أي: من الشر ولم يذكره، لأن حب الشيء مستلزم بغض نقيضه، فيدخل تحت ذلك، وإما لأن الشخص لا يبغض خيراً لنفسه فلا يحتاج لذكره، وليس المراد بالأخ في هذا الحديث الأخ في النسب فقط بل المراد كل أخ في الإسلام، رجلاً كان أو امرأة تعميما للحكم، قال الله تعالى ?إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ? [الحجرات: ١٠] شملت الآية كل أخ سواء كان في النسب أو في الله تعالى، أو في الإسلام.
ففي الحديث دليل وحث على أنه للإنسان أن يحب لأخيه المؤمن من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإن فعل ذلك فهو كامل الإيمان، وإن لم يفعله فهو ناقص الإيمان.
وقد ورد بذلك أحاديث أخر: روى الطبراني في معجمه عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «أوصيك بتقوى الله فإنها رأس أمرك، وعليك بتلاوة القرآن، وذكر الله فإن ذلك لك نور في السماوات ونور في الأرض» قال قلت: زدني يا رسول الله قال: «لا تكثر من الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب نور الوجه» قلت: زدني يا رسول الله قال: «عليك بالصمت فإنه مرد للشيطان وعون لك على أمر دينك» قلت: يا رسول الله زدني قال: «انظر إلي من هو دونك ولا تنظر إلى من فوقك، فهو أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك» قلت: يا رسول الله زدني قال: «صل قرابتك ولو قطعوك» قلت: يا رسول الله زدني قال: «لا تخف في الله لومة لائم» قلت: يا رسول الله زدني قال: «تحب للناس ما تحب لنفسك» ثم ضرب بيده على صدري فقال: «يا أبا ذر لا عقل إلا بالتدبير، ولا ورع إلا بكف النفس، ولا حسب إلا
стр. 348
حسن الخلق، وحصل زادك ليوم معادك» (١) .
وقال في كتاب إيقاظ القارئ والمستمع: وقال لقمان لابنه يا بني إني موصيك بست خصال، ليس منها خصلة إلا تقربك إلى الله تعالى، وتباعدك من سخطه؛ الأولى: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً. الثانية: الرضا بقدر الله تعالى فيما أحببت أو كرهت. الثالثة: أن تحب في الله وتبغض في الله. الرابعة: أن تحب للناس ما تحب لنفسك. الخامسة: كظم الغيظ والإحسان إلى من أساء إليك. السادسة: ترك الورى ومخالفة الهوى.
وكما ينبغي للإنسان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ينبغي له إذا رأى أخاه المؤمن صالحاً مواظباً على الطاعات تاركاً للمعاصي والمنكرات أن يحبه في الله، وإذا رآه تاركاً للطاعات، مصراً على المعاصي والمنكرات، أو مرتكباً لشيء من البدع القبيحات أن يبغضه في الله وينبغي له أن يتخذ له أحباباً وإخواناً صالحين صادقين ناصحين مخلصين في المحبة تحبهم ويحبون في الله لا لعلة ولا لغرض دنيوي، فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، جاءت أخبار في فضل الحب الله والبغض في الله، وفي فضل اتخاذ الأحباب والإخوان في الله:
قال رسول الله ﷺ : «أفضل الأعمال الحب في الله، والبغص في الله» (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله
стр. 349
ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢) رواه مسلم.
وقال رسول الله ﷺ : «قال الله : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (٣) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال رسول الله ﷺ : «قال الله : وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ» (٤) رواه مالك الموطأ بإسناد صحيح.
стр. 350
ويستحب للإنسان إذا أحب شخصاً في الله أن يعلمه بذلك وأن يقول له: إني أحبك في الله.
روينا في سنن الترمذي عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (١) قال الترمذي حديث حسن صحيح.
ويستحب لمن قال له إنسان: إني أحبك في الله، يقول في جوابه: أَحبَك الذي أحببتني فيه.
وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فمر رجل فقال يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي ﷺ : «أعلمته؟» قال: لا، قال: «أَعلمه» فلحق به فقال: إني أحبك في الله فقال: أَحبك الذي أحببتني له (٢) .
وفي سنن أبي داود والنسائي عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٣) .
وفي المعارف أن أبا مسلم الخولاني قال لمعاذ بن جبل ﵄: إني أحبك في الله، قال: أبشر فإن النبي ﷺ يقول: «لطائفه من الناس كراسي حول العرش يوم
стр. 351
القيامة، وجوهم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم المتحابون في الله» (١) .
وينبغي أن يكثر كل من المتحابين المتواخين في الله الدعاء للآخر بظهر الغيب، وأن يقول أحدهم للآخر لا تنسانا من دعائك، فإن دعاء الإنسان لأخيه بظهر الغيب مستجاب.
فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة دعوتهم مستجابة: الإمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم ورجل يدعو لوالديه» (٢) .
وأخرج الطبراني في الكبير عن أنس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب» (٣) .
وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب» (٤) .
стр. 352
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال: آمين، ولك مثل ذلك» (١) .
بل هي أسرع الدعوات إجابة كما ورد ذلك في حديث.
وأما أهل المعاصي والبدع فقد ورد في تجنبهم وبغضهم والإعراض عنهم وترك السلام عليهم أخبار وآثار.
قال رسول الله ﷺ : «من أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له لله ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً، ومن انتهره صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن سلم على صاحب بدعة ولقيه بالبشرى، واستقبله بما يسره فقد استخف بما أنزل على محمد ﷺ » (٢) .
وقال الفضيل: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
قال في نزهة المجالس: وقال عيسى ﵊ تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتوبوا إلى الله بالتباعد منهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم قالوا: يا روح الله فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يذكركم الله رؤيته، ومن يزيد في عملكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله.
ففي هذا زجر عن صحبته أهل المعاصي والبدع، وعن مجالستهم وحث على صحبته أهل الخير والصلاح ومجالستهم لنفعهم في الدنيا والآخرة.
قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي في النار ما لنا من شافعين ولا صديق حميم» (٣) .
стр. 353
وقال رسول الله ﷺ : «استكثروا من الإخوان فإن ربكم حييٌ كريم، يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه يوم القيامة» (١) .
وقال علي كرم الله وجهد: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألم تسمع إلى قول أهل النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
وقال إمامنا الشافعي ﵀:
وأكثر من الأخوان ما اسطعت إنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثير ألف خل وصاحب ... وإن عدواً واحداً لكثير
وقال بعض السلف: استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة، ومن علامة صدق الأخوة والمودة: أن يكون نفس المتآخين كنفس واحدة امتزاجاً وائتلافاً حتى أن كل واحد يجد في فمه لذة ما يأكل أخوه.
فائدة: ذكر بعض الحنفية في كتاب شَرَعَهُ آداباً للمآخاة والصحبة فقال منها: أن لا يؤاخي ويصادق إلا من يثق به وأمانته ويعرف صلاحه وتقواه فإن المرء يكون مع من أحب، ويحشر على دين خليله قال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٢) ولله در القائل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
قال ابن جماعة في أنس المحاضرة: قال قس بن محمد لولده يا بني إياك ومصاحبة الأندال فإن مصافاتهم إلى زوال، وهم أهل خلاف واختلاف، وسرعة إقبال وانصراف، إن رأوك بخير كرهوك، وإن رأوك في غبطة حسدوك، ولا تقبل قول واش أي: نمام في حق أخيك، ولا تفش سر أخيك لأحد كما قال الشاعر:
إذ الواشي نعى إليك صديقاً ... فلا تجف الصديق بقول واشي
ولا تصحب قرين السوء وانظر ... لنفسك من تجالس وتماشي
стр. 354
ولا تخبر بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي
ومنها: أن لا يغلو في الحب والبغض فيكون حبه كلفاً، وبغضه تلفاً، بل يكون مقتصداً فيهما.
ومنها: أن ينظر في وجه أخيه حباً له وشوقاً إليه، ففي الحديث: «نظر المؤمن إلى المؤمن عبادة، وتبسم الرجل في وجه أخيه المسلم يحط الخطايا عنهما» (١) .
ومنها: ينبغي أن يحذر كل منهما عما يوجب الفرقة بينهما، ففي الحديث: «ما تحاب اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يصيبه أحدهما» (٢) .
ومنها: أن يخلص له الود، ففي الحديث: «ثلاث يصفين لك ود أخيك، تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه» (٣) .
ومنها: أن يوافق أخاه فيما أباح الشرع، فإن ذلك خير من الشفقة عليه، فإذا قال أخوه في شيء لا، يقول: لا، وإذا قال في شيء: نعم، قال: نعم وقد نظم عبد الله بن المبارك فقال:
وإذ صاحبت فاصحب صاحبا ... ذا حياء ووفاء كريم
قوله للشيء لا إن قلت ... وإذا قلت نعم قال نعم
وإذا قال له أخوه: قم بنا لا يقول: إلى أين؟ وإذا طلب منه شيئاً من ماله لا يقول له: كم تريد؟ أي شيء تصنع به؟.
ومنها: أن يفرح بما يرى عليه من النعم ويغتم بما يلقى عليه من الكرب والغم، ويسعى في تفريجه عنه.
ومنها: أنه ينبغي أن يستعمل مع أخيه بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وكظم الغيظ، وإسقاط الكبر، وملازمة الحرمة، وقول المعذرة الكاذبة
стр. 355
والصادقة.
ومنها: أن يرى لأخيه من الحق والفضل على نفسه أكثر مما يرى له أخوه.
ومنها: أن يهدي إلى أخيه المسلم مما تيسر عن طيبة نفسه، ويقبل منه ما يهدي إليه وإن قل، ويزد له حباً ويكافئه بخير من ذلك أن وجد ويشكر له ويثني عليه خيراً، ويدعو له ويقول: جزاك الله خيراً، فإنه أبلغ الثناء والدعاء، ولا يكتم صنيعه.
ومنها: أن يزور أخاه المسلم غباً إن خاف سآمته، أو كل يوم إن من ذلك طالباً بذلك جزيل الثواب من الله.
ومنها: أنه إذا أتى باب أخيه استأذن الدخول عليه، ولا يقوم قبالة الباب ويستأذن ثلاثاً يقول: في كل مرة السلام عليكم يا أهل البيت، أيدخل فلان ويمكث بعد كل مرة مقدار يفرغ الأكل والمتوضئ والمصلي بأربع، فإذا أذن له وإلا رجع سالماً، وإذا نودي من داخل البيت: من على الباب لا يقول: أنا، فإنه ليس بجواب بل يقول: فلان.
قال النووي في الأذكار: ويستحب استحباباً مؤكداً زيارة الصالحين والإخوان، والجيران والأصدقاء والأقارب وغيرهم، وإكرامهم وبرهم وصلتهم، وينبغي أن يكون زيادته لهم على وجه لا يكرهون وفي وقت يرتضونه.
وقد ورد في فضل زيارة الإخوان في الله في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد على مدرجته أي: على طريقه ملكاً قال أين تريد؟ قال: أريد أخاً في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها أي: تحفظها وترعاها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى قال: فإني رسول الله تعالى إليك فإن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (١) .
وفي كتاب الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة أيضاً قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضاً أو زار أخاً له في لله تعالى نادى مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً» (٢) .