القيامة، وجوهم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم المتحابون في الله» (١) .
وينبغي أن يكثر كل من المتحابين المتواخين في الله الدعاء للآخر بظهر الغيب، وأن يقول أحدهم للآخر لا تنسانا من دعائك، فإن دعاء الإنسان لأخيه بظهر الغيب مستجاب.
فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة دعوتهم مستجابة: الإمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم ورجل يدعو لوالديه» (٢) .
وأخرج الطبراني في الكبير عن أنس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب» (٣) .
وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب» (٤) .
стр. 352
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال: آمين، ولك مثل ذلك» (١) .
بل هي أسرع الدعوات إجابة كما ورد ذلك في حديث.
وأما أهل المعاصي والبدع فقد ورد في تجنبهم وبغضهم والإعراض عنهم وترك السلام عليهم أخبار وآثار.
قال رسول الله ﷺ : «من أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له لله ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً، ومن انتهره صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن سلم على صاحب بدعة ولقيه بالبشرى، واستقبله بما يسره فقد استخف بما أنزل على محمد ﷺ » (٢) .
وقال الفضيل: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
قال في نزهة المجالس: وقال عيسى ﵊ تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتوبوا إلى الله بالتباعد منهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم قالوا: يا روح الله فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يذكركم الله رؤيته، ومن يزيد في عملكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله.
ففي هذا زجر عن صحبته أهل المعاصي والبدع، وعن مجالستهم وحث على صحبته أهل الخير والصلاح ومجالستهم لنفعهم في الدنيا والآخرة.
قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي في النار ما لنا من شافعين ولا صديق حميم» (٣) .
стр. 353
وقال رسول الله ﷺ : «استكثروا من الإخوان فإن ربكم حييٌ كريم، يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه يوم القيامة» (١) .
وقال علي كرم الله وجهد: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألم تسمع إلى قول أهل النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
وقال إمامنا الشافعي ﵀:
وأكثر من الأخوان ما اسطعت إنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثير ألف خل وصاحب ... وإن عدواً واحداً لكثير
وقال بعض السلف: استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة، ومن علامة صدق الأخوة والمودة: أن يكون نفس المتآخين كنفس واحدة امتزاجاً وائتلافاً حتى أن كل واحد يجد في فمه لذة ما يأكل أخوه.
فائدة: ذكر بعض الحنفية في كتاب شَرَعَهُ آداباً للمآخاة والصحبة فقال منها: أن لا يؤاخي ويصادق إلا من يثق به وأمانته ويعرف صلاحه وتقواه فإن المرء يكون مع من أحب، ويحشر على دين خليله قال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٢) ولله در القائل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
قال ابن جماعة في أنس المحاضرة: قال قس بن محمد لولده يا بني إياك ومصاحبة الأندال فإن مصافاتهم إلى زوال، وهم أهل خلاف واختلاف، وسرعة إقبال وانصراف، إن رأوك بخير كرهوك، وإن رأوك في غبطة حسدوك، ولا تقبل قول واش أي: نمام في حق أخيك، ولا تفش سر أخيك لأحد كما قال الشاعر:
إذ الواشي نعى إليك صديقاً ... فلا تجف الصديق بقول واشي
ولا تصحب قرين السوء وانظر ... لنفسك من تجالس وتماشي
стр. 354
ولا تخبر بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي
ومنها: أن لا يغلو في الحب والبغض فيكون حبه كلفاً، وبغضه تلفاً، بل يكون مقتصداً فيهما.
ومنها: أن ينظر في وجه أخيه حباً له وشوقاً إليه، ففي الحديث: «نظر المؤمن إلى المؤمن عبادة، وتبسم الرجل في وجه أخيه المسلم يحط الخطايا عنهما» (١) .
ومنها: ينبغي أن يحذر كل منهما عما يوجب الفرقة بينهما، ففي الحديث: «ما تحاب اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يصيبه أحدهما» (٢) .
ومنها: أن يخلص له الود، ففي الحديث: «ثلاث يصفين لك ود أخيك، تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه» (٣) .
ومنها: أن يوافق أخاه فيما أباح الشرع، فإن ذلك خير من الشفقة عليه، فإذا قال أخوه في شيء لا، يقول: لا، وإذا قال في شيء: نعم، قال: نعم وقد نظم عبد الله بن المبارك فقال:
وإذ صاحبت فاصحب صاحبا ... ذا حياء ووفاء كريم
قوله للشيء لا إن قلت ... وإذا قلت نعم قال نعم
وإذا قال له أخوه: قم بنا لا يقول: إلى أين؟ وإذا طلب منه شيئاً من ماله لا يقول له: كم تريد؟ أي شيء تصنع به؟.
ومنها: أن يفرح بما يرى عليه من النعم ويغتم بما يلقى عليه من الكرب والغم، ويسعى في تفريجه عنه.
ومنها: أنه ينبغي أن يستعمل مع أخيه بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وكظم الغيظ، وإسقاط الكبر، وملازمة الحرمة، وقول المعذرة الكاذبة
стр. 355
والصادقة.
ومنها: أن يرى لأخيه من الحق والفضل على نفسه أكثر مما يرى له أخوه.
ومنها: أن يهدي إلى أخيه المسلم مما تيسر عن طيبة نفسه، ويقبل منه ما يهدي إليه وإن قل، ويزد له حباً ويكافئه بخير من ذلك أن وجد ويشكر له ويثني عليه خيراً، ويدعو له ويقول: جزاك الله خيراً، فإنه أبلغ الثناء والدعاء، ولا يكتم صنيعه.
ومنها: أن يزور أخاه المسلم غباً إن خاف سآمته، أو كل يوم إن من ذلك طالباً بذلك جزيل الثواب من الله.
ومنها: أنه إذا أتى باب أخيه استأذن الدخول عليه، ولا يقوم قبالة الباب ويستأذن ثلاثاً يقول: في كل مرة السلام عليكم يا أهل البيت، أيدخل فلان ويمكث بعد كل مرة مقدار يفرغ الأكل والمتوضئ والمصلي بأربع، فإذا أذن له وإلا رجع سالماً، وإذا نودي من داخل البيت: من على الباب لا يقول: أنا، فإنه ليس بجواب بل يقول: فلان.
قال النووي في الأذكار: ويستحب استحباباً مؤكداً زيارة الصالحين والإخوان، والجيران والأصدقاء والأقارب وغيرهم، وإكرامهم وبرهم وصلتهم، وينبغي أن يكون زيادته لهم على وجه لا يكرهون وفي وقت يرتضونه.
وقد ورد في فضل زيارة الإخوان في الله في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد على مدرجته أي: على طريقه ملكاً قال أين تريد؟ قال: أريد أخاً في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها أي: تحفظها وترعاها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى قال: فإني رسول الله تعالى إليك فإن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (١) .
وفي كتاب الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة أيضاً قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضاً أو زار أخاً له في لله تعالى نادى مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً» (٢) .
стр. 356
ويستحب أن يطلب الإنسان من صاحبه الصالح أن يزوره، وأن يكثر من زيارته فقد ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ?وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياًّ? [مريم: ٦٤] » (١) .
ومن آداب المزور أن يكرم الزائر، ومن مستحباته: أن يكرم الزائر، وأن يلقي السجادة أو نحوها تحته، وأن يقوم بخدمته، ولا ينبغي للزائر أن يرد كرامة المزور عليه، وأن يقول أحدهما للآخر: كيف أصبحت وكيف حالك؟ فيقول له: صاحبه أصبحت مؤمناً أو في خير وعافية والحمد لله رب العالمين، ثم إذا استقر به المكان قدم له ما حضر من طعام أو شراب لله در القائل:
قدم لزائرك الطعام وحيه ... حتى يراه كأنه في حيه
والبيت إن لم يلق مأكول به ... لا فرق بين الميت فيه وحيه
ومنها: أنه يتهيأ للقاء الإخوان ويتجمل لهم فيلبس من أنظف ثيابه، ويتطيب ويتوضأ وضوء للصلاة، ويتزين لهم ما استطاع ثم يخرج إليهم.
قال صاحب الأنوار في آخر كتاب الغسل، ويستحب لمن يصحب الناس التنظيف بالسواك، وأخذ الشعر، واستعمال الطيب، وقطع الروائح الكريهة، وحسن الأدب معهم، لتزويد المودة والوقار، وأن يتمسك بصحبته الصديق الصدوق.
فقد كان السلف إذا ظفروا بما يصلح للصداقة يتمسكون به ولم يضيعوه، علماً بأن الصديق الصدوق أعز من الكبريت الأحمر.
ومنها: أن يكون أولاد أخيه في الله أولاده فقد كان كثير من السلف الصالح يقوم بكلفة أولاد إخوانهم في الله، ويصرفون إليهم كسيهم كما يصرفونها إلى أولادهم.
كما حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: أتيت بعض البلاد فنزلت في مسجد،
стр. 357
فلما كان وقت العشاء وصلينا أتاني الإمام بعد انصراف الناس، وقال: قم وأغلق باب المسجد، فقلت له: أنا رجل غريب، وهذه الليلة باردة أبيت هاهنا ولك الخير والأجر والثواب، فقال: قم ولا تكثر الكلام، فإن الغرباء يسرقون الحصر والقناديل، فقلت له: أنا إبراهيم بن أدهم فقال: قد أكثرت عليَّ الحديث وعلا على رجلي وقبضها وجعل يجرني على وجهي، حتى مر بي على باب أتون الحمام فدخلت الأتون وإذا أنا بالوقاد يقد النار فقلت: السلام عليك ورحمة الله فلم يرد علي السلام، بل أشار لي أن اجلس فجلست وأنا خائف منه لما رأيته تارة ينظر عن يمينه وتارة ينظر شماله، فلما فرغ من وقوده التفت إلى وعليك السلام فقال لي: يا هذا إنني أجير قوم فخفت أن أسلم عليك فأنشغل بالسلام فآثم وأخون، فقلت: رأيتك تنظر عن يمينك وشمالك أتخاف من أحد؟ قال: نعم قلت: ممن؟ قال: من الموت لا أدري من أين يأتيني أمن يميني أو من شمالي، فهو أكبر همي قلت له: بكم تعمل كل يوم قال: بدرهم ونصف، قلت: وما تصنع به؟ قال: آكل منه النصف وانفق الدرهم على أولاد أخي، قلت: أخوك من أمك وأبيك؟ قال: لا بل أحببته في الله تعالى، ومات وأنا أقوم بأهله وأولاده، فقلت له: عملك هذا عمل المتقين، هل دعوت الله في حاجة فأجابك؟ قال: لي حاجة عنده منذ عشرين سنة أدعوه بها وما قضاها، قلت: وما هي؟ قال: بلغني أن في الغرب رجلاً قد تميز على الزاهدين وفاق العابدين يقال له: إبراهيم بن أدهم دعوت الله أن يجمع بيني وبينه حتى أراه وأموت، فقلت له أبشر يا أخي قد قضى الله حاجتك وما رضي أن يأتي بي إليك إلا سحباً على وجهي، قال فوثب من مكانه وعانقني وسمعته يقول: اللهم كما قضيت
حاجتي وأجبت دعوتي فارفعني إليك، قال: فنظرت إليه فإذا هو يرجف فتمدد على الأرض فأتيت إليه فحركته فإذا هو قد مات ﵀ عليه، وهو مشهور بعبد الله الوقاد.
واعلم أن أنفع الأصدقاء هو الذي يوافق فعله قوله، وألا يكون كمن قال الله فيه ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ? [الصف: ٢، ٣] أنشد بعضهم:
لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول بفعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال
* * *
стр. 358
المجلس العشرون
في قوله ﷺ «والذي نفسي بيده لا يؤمن من أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده»
قَالَ البُخَارِي:
باب حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ (١) ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أحدكم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» .
قوله «باب حب الرسول من الإيمان» (٢) والمراد بالرسول، سيدنا رسول الله ﷺ لا جنس الرسول ولا لاستغراق بقرينه قوله ﷺ .
«حتى أكون» وإن كانت محبة الرسل واجبه فاللام في الرسول للعهد.
قوله «والذي نفسي بيده» أي: وحق الذي نفسي بيده وهو الله وفي هذا دليل على جواز الحلف على الأمر المهم توكيداً له وإن لم يكن هناك مستحلفاً.
قال الرازي: وقد تواتر النقل عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «والذي نفسي بيده» وإطلاق اليد على الله في أحاديث أخر منها قوله ﷺ : «لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي» (٣) .
стр. 359
وقوله ﷺ : «إن الله يفتح أبواب السماء في ثلثي الليل الباقي، فيبسط يده فيقول: ألا من عبد فيسألني فأعطيه، قال: فما يزال كذلك حتى يطلع الفجر» (١) للعلماء فيه قولان:
أحدهما: إلحاقة بالمتشابه والسكوت عنه وتفويض علمه للعليم الخبير، وهو أسلم.
والثاني: تأويله بما يليق بجنابه الكريم بأن يقال: ليس المراد باليد هنا حقيقتها وهي الجارحة، فإنها في حقه محال، بل المراد القدرة فإن اليد تستعمل في القدرة مجازاً فإنه يقال: يد السلطان فوق يد الرعية أي: قدرته عالية فوق قدرتهم، ويقال: هذه البلدة في يد الأمير وإن كان مقطوع اليد، بمعنى في قدرته.
فقوله: «والذي نفسي بيده» مؤول بقدرته، وهذا القول أحكم ونزول الآيات الواقعة في كتاب الله بهذا التأويل مثل قوله تعالى ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? [المائدة: ٦٤] ، وقوله: ?يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح: ١٠] .
وقوله: «لا يؤمن أحدكم» محمول على نفي الكلام أي: لا يكمل إيمان أحدكم حتى أكون أجب إليه من والده وولده، فمن لم يكن رسول الله ﷺ أحب إليه من والده وولده فهو ناقص الإيمان.
قال الخطابي معناه: لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسك، وتؤثر رضائي على هواك وإن كان فيه هلاكك.
وقال ابن بطال (٢) : معنى الحديث: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول آكد عليه من حق ولده ووالده والناس أجمعين، لأنه به استنقذنا من النار وهدينا من الضلال.
قال العلماء: هذا الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه ﷺ ، فإن المحبة ثلاث أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الولد للوالد، ومحبة شفعة ورحمة كمحبة الوالد لولده، ومحبة مشاكله واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع أصناف المحبة في محبته.
وليس المراد بمحبة النبي ﷺ أو حبه اعتقاد وتعظيمه وإجلاله فإنه لا شك في كفر من لم يعتقد ذلك، وتنزيل هذا الحديث على هذا المعنى غير صحيح، لأن اعتقاد الأعظمية ليس بالمحبة ولا الأحبية ولا مستلزماً لها، إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام
стр. 360
شخص ولا يجد محبته، بل المراد بالمحبة: الميل إلى المحبوب وتعلق القلب بعد اعتقاد تعظيمه.
وإنما اقتصر في هذا الحديث على ذكر الولد والوالد ولم يذكر غيرهما من الأهل، لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان عنده أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس في هذا الحديث أيضاً.
وإنما لم يذكر «الأم» ﷺ في هذا الحديث إما لأنها تدخل في لفظ «الوالد» إن أريد به من له الولد، وإما أنه لم يذكر الأم اكتفاء بذكر الأب في هذا الحديث عهنا، كما يكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر.
وإنما قدم ﷺ لفظ «الوالد» على الولد في هذا الحديث مع أن محبة الإنسان لولده أعظم من والده غالبا ًللأكثر، فإن كثير من الناس لا ولد له، وكل واحد له والد فلذلك قدما الأعم الأكثر وقوعاً على غيره.
وجاء في تقديمه رواية الولد على الوالد وسببه أن محبة الإنسان لولده أعظم من محبته لوالده غالباً، فلذلك قدم فيها.
وجاء في رواية زيارة: «الناس أجمعين» وهو من عطف العام على الخاص وهو كثير.
وهل تدخل النفس في عموم قوله: «والناس أجمعين» قال ابن حجر: الظاهر دخولها مع أنه وقع التنصيص على النفس في حديث.
فائدة: ورد في هذا الصحيح في الأيمان والنذور أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفيك فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم» أي لا يكمل إيمانك «حتى أكون أحب إليه من نفسه» (١) فقال له عمر: فإنه الآن أنت أحب لي من نفسي فقال: الآن يا عمر أي: الآن كل إيمانك.
فاستفيد من جميع الروايات أنه يحب على الإنسان أن يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وماله، وأن الإيمان لا يكمل إلا بذلك فإن الإنسان إذا تأمل من
стр. 361
النفع له من جهة النبي ﷺ الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، على أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الإشفاعات فاستحق لذلك أن تكون محبته أفرض من غيره لأن النفع الذي تأت به المحبة حاصل أكثر من غيره.
فائدة: كل من آمن بالنبي ﷺ إيماناً صحيحاً لم يخل عن محبته ﷺ غير أن الناس متفاوتون في تلك المحبة، فمنهم من أخذ منها بالحظ الأوفر كالصحابة ﵃ أجمعين لما فازوا من رؤية ذاته الشريفة، والاطلاع على معجزاته وأحواله فمحبتهم له أعظم من غيرهم.
ومن الناس من يكون مستغرقاً بالشهوات محجوباً بالغفلات عن ذكره، ومحبته ﷺ أوقاته لكنه إذا ذكر ﷺ أو شيء من فضائله اهتاج لذكره واشتاق لرؤيته، يؤثر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ووالده ونفسه والناس أجمعين، ثم يزول عن ذلك سرعة لغلبته شهوته وتوالي الغفلات، فهذا داخل فيمن أحبه ﷺ لكن يخاف عليه بسبب غلبته الشهوات وتوالي الغفلات، من ذهاب أصل تلك المحبة.
وقد دل الكتاب والسنة على وجوب محبته ﷺ وكثرة ثوابها وفضلها كما دل على وجوبها الحديث المذكور وقال الله تعالى ?قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ? [التوبة: ٢٤] .
قال القاضي عياض: فيكفي بهذه الآية حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوبها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله: ?فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ? فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله.
وروى أنس أن رجلاً أتى للنبي ﷺ فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: «ما أعددت لها؟» فقال: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله قال: «أنت مع من أحببت» (١) .
стр. 362
وورد عن صفوان بن قدامة قال هاجرت إلى النبي ﷺ فآتيته فقلت: يا رسول الله ناولني يدك أبايعك، فناولني يده فقلت: يا رسول أحبك، قال: «المرء مع من أحب» ، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن حجر:
وقائل هل عمل صالح ... أعددته يدفع عنك الكرب
فقلت حسبي خدمة المصطفى ... وحبه فالمرء من أحب
وروي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كان شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله ﷺ : «ما غير لونك» فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتوحش وحشة شديدة، حتى ألقاك، وإني لأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك، فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك فأنزل الله تعالى ?وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً? [النساء: ٦٩] فدعا به قرأها عليه.
وأما محبة السلف من الصحابة والتابعين وابتاع التابعين والأئمة والأعلام فمن بعدهم له ﷺ فقد نقل إلينا من ذلك شيء كثير.
عن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رأني بأهله وماله» (١) .
ويروي أن امرأة قالت لعائشة بعد موت رسول الله ﷺ اكشفي قبر رسول الله ﷺ فكشفته لها فبكت حتى ماتت.
وسئل على بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ.
وخرج عمر ليلة فرأى مصباحاً في بيت وإذا عجوزاً تنفش صوفاً، وتقول:
على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار
قد بكيت بكاء في الأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
стр. 363
تعني النبي ﷺ .
فائدة: لمحبته ﷺ علامات، فإن من أحب شيئاً ظهرت عليه آثاره وعلامات محبته عليه، وإلا فلا يكون صادقاً في حبه، وكان مدعياً.
فمن علامات محبته ﷺ : استكمال سنتة ونصرها والذب عنها، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطة ومكرهه.
قال أنس بن مالك قال لي رسول الله ﷺ : «يا بني إن استطعت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل» ثم قال لي: «يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» (١) .
قال أبو القاسم نفعنا الله به: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ .
وقال أيضاً: طريق السادات المقربين السابقين مقيد بالكتاب والسنة الصوفية على الحقيقة، والعلماء العاملون بالشريعة والطريقة، وهم وراث النبي ﷺ المتبعون له في أقواله وأفعاله وأخلاقه وأحواله أعاد الله علينا من بركاتهم، ومن إيثار ما شرعه حض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى ?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ? [الحشر: ٩] .
ومنها: إسخاط العباد في رضاه ورضى الحق ، بأن يفعل شيئا يرضي
стр. 364
الله ورسوله، وإن كان فيه إسخاط العباد، فمن أرضى الله واسخط العباد كان محباً للمولى الجواد، ومحباً لسيد العباد ﷺ ، أنشد مشايخي بيتين في هذا المعنى:
لا تغضب الحق وترضي الورى ... وقدم الخوف ليوم الوعيد
وأرضي الله فأشقى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد
ومنها: كثرة ذكره له فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
ومنها: كثرة شوقة إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، ولما قدم الأشعريون المدينة من فرحهم كانوا يقولون: غدا نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
ومنها: تعظيمه وتوقيره عند ذكره وإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه فقد كان رسول الله ﷺ لا يذكرونه إلا خشوعاً واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كثير من التابعين منهم من يقم ذلك له وشوقاً إليه، ومنهم من يفعله تعظيماً له وتوقيراً له، ومنهم من يفعله لحبه لمن كان يحبه ﷺ ، وبغضه لمن كان يبغضه، كحب آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبهم، كما كانت الصحابة تحب الذي يحبه ﷺ ، ويبغضون الذي يبغضه ﷺ .
قال أنس بن مالك: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الديك ويحبه قال: فما زلت أحبه لمحبة رسول الله ﷺ .
وقد تواتر النقل عن أصحابه أنهم أحبوه وقاتلوا آباءهم في مرضاته.
ومنها: أنه يحب القرآن الذي أتى به ﷺ وأن يهتدي به، وحبه للقرآن بتلاوة والعمل به.
قال عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي ﷺ ، وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا لا يدخر منها إلا زاداً.
ومنها: شفقتة على أمته ومحبته لهم وسعيه في مصالحهم ودفع المضار عنهم كما كان ﷺ بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً.
ومنها: تمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه بين يديه ﷺ ، حكى الإمام القشيري ﵁ عن عمرو بن الليث أحد ملوك خراسان أنه رؤي بعد موته في النوم فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ فقال: غفر لي فقيل: بماذا؟ قال صعدت ذروة جبل فأشرفت على جنودي فأعجبتني كثرتهم فتمنيت أني لو كنت حياً في حياة النبي ﷺ وحضرت القتال معه ونصرته فشكرت الله على ذلك وغفر لي.
стр. 365
ومحبته ﷺ والإيمان به والإيمان بنبوته ورسالته وقعت لكثير من الحيونات والجماد.
فائدة: وهي معجزة لنبينا ﷺ روى الدارقطني والبيهقي وشيخه ابن عدي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ : كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضباً وجعله في كمه ليذهب إلى رحلة فرأى جماعة محتفين بالنبي ﷺ فقال: ما بال هؤلاء الجماعة؟ فقالوا: هذا محمد فأتى فقال: يا محمد ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسميني العرب عجولاً لقتلك فسررت بقتلتلك الناس أجمعين فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتله فقال ﷺ : «أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً» ثم أقبل الأعرابي على رسول الله ﷺ فقال: واللات والعزى لما آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب، وأخرج الضب من كمه، فطرحه بين يدي رسول الله ﷺ فقال: إن آمن بك آمنت بك فقال ﷺ : «يا ضب» فكلمه الضب بلسان فصيح عربي يفهمه القوم جميعاً: لبيك وسعديك يا رسول العالمين فقال ﷺ : «من تعبد؟» قال: أعبد الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه، قال: «فمن أنا يا ضب؟» قال: أنت رسول رب العالمين خاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله حقاً، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض لي منك، والله لأنت الساعة أحب إليَّ من نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي، فقال له رسول الله ﷺ : «الحمد لله هداك لهذا الدين، الذي يعلوا ولا يعلى عليه ولا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن» قال: فعملني، فعلمه النبي ﷺ سورة الحمد، وقل هو الله أحد، فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا فقال
ﷺ : «إن هذا كلام رب العالمين وليس بشعر، إذا قرأت قل هو الله أحد قرأت ثلث القرآن، وإن قرأتها مرتين فكأنما قرأت ثلثي القرآن، وإن قرأتها ثلاثاً فكأنما قرأت القرآن كله» فقال الأعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير ويعطي الكثير، ثم قال له النبي ﷺ : ألك مال فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل أفقر مني، فقال ﷺ لأصحابه: أعطوه، فأعطوه فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إني أعطيته ناقة عشراً أهديت لي يوم تبوك فقال: «قد وصف ما تعطي، أو أصف لك ما يعطيك الله جزاء لك» قال: نعم قال: «لك ناقة من درة بيضاء جوفاء فوائمها من زمرد أخضر، عيناها من زبرجد أخضر، عليها هودج وعلى الهودج السندس والإستبرق تمر بك على الصراط كالبرق الخاطف» .
стр. 366
فخرج الأعرابي من عند رسول الله ﷺ فلقي ألف أعرابي على ألف دآبة بألف سيف وألف رمح فقال لهم: أين تريدون؟ فقالوا: نريد الذي يكذب ويزعم أنه نبي، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا له: صبوت فحدثهم بحديثه، فقالوا كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قالوا: يا رسول الله مرنا بأمرك فقال: «كونوا تحت رآية خالد بن الوليد» فلم يؤمن من العرب ألف غيرهم (١) .
نقل ابن الجوزي في بعض مصنفاته عن ابن عباس ﵄ أن الضب أنشأ يقول:
ألا يا رسول إنك صادق ... فبوركت مهدياً وبوركت هاديا
شرعت لنا دين الحنفية بعد ما ... عبدنا كأمثال الحمير الطواغيا
فيا خير مدعي ويا خير مرسل ... إلى الجن ثم الإنس لبيك داعيا
أتيت ببرهان من الله واضح ... فأصبحت فينا صادق القول داعيا
فبوركت في الأحوال حياً وميتاً ... وبوركت مولوداً وبوركت ناشئا
والضب حيوان بري معروف يعيش سبعمائه سنة فصاعداً، ويبول في كل أربعين يوم قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال: إنه سنة قطعة واحدة وأكله حلال بالإجماع، لكن ما أكله رسول الله ﷺ فقد روى الشيخان عن ابن عباس أن النبي ﷺ قيل له: أحرام هو؟ قال: «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي» (٢) .
стр. 367
وفي رواية لمسلم «لا آكله ولا أحرمه» (١) .
وفي أخرى «كلوه فإنه من حلال لكنه ليس من طعامي» (٢)
، ولا يكره أكله عندنا خلافاً لبعض أصحاب أبي حنيفة.
لطيفة: ذكر حجة الإسلام الغزالي في الإحياء عن أبي جعفر الصيدلاني قال: رأيت النبي ﷺ في المنام ومعه جماعة وإذا بملكين نزلا من السماء مع أحدهما طست والآخر إبريق فغسل النبي ﷺ يده ثم واحد بعد واحد حتى أتوا إليّ فقال أحدهم: ليس هو منهم، فقلت: يا رسول الله أنت قلت: المرء مع من أحب، وأنا أحب هؤلاء فقال ﷺ : صبوا على يده فإنه منهم.
فائدة: محبة الله أعظم القربات، وأفضل الطاعات، وهي متوقفة على امتثال أوامره واجتناب نواهية، ويدل على ذلك قول الله تعالى ?قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [آل عمران: ٣١] .
وعلامة محبة العبد لله طاعة له وعدم عصيانه كما أشار إلى ذلك بعضهم بقوله:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يجب مطيع
فمحبة العبد للرب طاعة ومحبة الرب للعبد عفوه عنه، وإنعامه عليه برحمته.
قال في الروض الفائق: كان داود ﵇ يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي وأهلي ومن
стр. 368
الماء البارد.
وقال أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : «من أحب الله فليحبني ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فيلحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد فإن المساجد أبنية الله، وأبنية أذن الله برفعها وتطهيرها، بارك فيها فهي ميمونة بأهلها فهم في صلاتهم والله تعالى في قضاء حوائجهم، وهم في مساجدهم والله تعالى في حج مقاصدهم» (١) .
وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى: إذا أحب عبداً نادى جبريل» (٢) ، وفي رواية: إن جبريل ينادى في أهل السماء والأرض، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فعند ذلك يلقي حبه في الأرض، ويقع في الماء فيشربه البر والفاجر فيحبه البر والفاجر، وإذا بغض الله عبداً أمر الله تعالى جبريل أن ينادي بالعكس من ذلك فيبغضه البر والفاجر.
وكان أبو يزيد البسطامي يقول في مناجاته: إلهي لست أعجب من حبي لك، وأنا عبد حقير، وإنما أعجب من حبك لي وأنت رب جليل، تحب عبداً ذليلاً.
وجرت مسألة المحب بين الشيوخ بمكة، فتكلموا فيها ثم قالوا للجنيد: هات ما عندك يا عراقي فقال: المحب عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه ناظراً إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده بالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى المشايخ.
قال ابن الجوزي: من ادعى أربعاً من غير أربع فهو كذاب: من ادعى حب الجنة ولم يعمل بالطاعة فهو كذاب، ومن ادعى خوف النار ولم يترك المعصية فهو كذاب، ومن ادعى حب الله تعالى المصطفى ﷺ ولا يجالس الفقراء والمساكين فهو كذاب، ومن ادعى حب الله تعالى وهو يشكو لأحد من البلاء فهو كذاب.
من أطاع الله تعالى وأحبه عاش، ومن التفت إلى الخلق حجب عن الحق، ومن أقبل على غير الله سقط من عين الله، ومن بذل نفسه لله وصل إلى الله، ومن وصل إلى الله عرف الله، ومن ألف إلى الله نظر بقلبه إلى الله، ومن كان يعرف مولاه وقدرته
стр. 369
فليس تغمض طول الليل عيناه، ورد في الحديث يقول الله ﵎ لملائكته: «قربوا مني أهل لا إله إلا الله فإني أحبهم» (١) .
أهل التوحيد في مقعد صدق عند مليك مقتدر، سبقت محبتهم لي قبل خلقهم، وطاعتهم لي قبل إيجادهم فصاروا أولياء بالموهبة القديمة لا جرم جاء مدحهم في الآيات المكنونة يحبهم ويحبون ولقد أحسن من قال:
نالوا مرادهم بحب حبيبهم ... وتمتعوا بدنو وصاله
وعليهم ظهر الجمال لأنهم ... بقلوبهم نظروا لحسن جماله
وبحبه قد اشتغلوا ويا طوبى لمن ... قد أصبح المحبوب من أشغاله
* * *
стр. 370
باب (١)
بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، عَائِذُ اللَّهِ (٢) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» .
فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (٣) .
«عبادة بن الصامت» هذا هو أبو الوليد عبادة بضم العين بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين الأولى والثانية وبدراً وأحداً وبيعة الرضوان والمشاهد كلها وهو أول من ولي فلسطين، ولاه عمر وكان طويلاً جسيماً فاضلاً
стр. 371
جميلاً خيراً.
قال الإستيعاب: وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، وكان معاوية قد خالفه في شيء من مسائل الربا أنكره عليه عبادة فأغلظه معاوية في القول فقال له عبادة: لا أسكنك بأرض واحد أبداً ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا أمره لك عليه.
روي له مائة حديث وواحد وثمانون حديثاً أتفق منهما على ستة، وانفرد كل واحد بحدثين.
روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس وكانت وفاته بفلسطين، وقيل: بالرملة ستة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس معروف.
وإنما قال البخاري: في حق عبادة «وكان شهد بدراً» أي: غزوة بدر مع أنه شهد غيرها من المشاهد لأن غزوة بدر كانت أفضل الغزوات كما قاله البرماوي وغيره، وتسمى «بدر الكبرى وبدر العظمى» ، أما «بدر القتال» فهي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها.
قيل: سميت غزوة بدر لبئر هناك يسمى بدراً باسم حافره بدر بن الحارث.
وقيل: بدر بن كلدة، وقيل: كالبدر وقيل: لرؤية البدر فيه.
فائدة: قال ابن كثير (١) : انتصار المسلمين على الكفار في غزوة بدر في يوم يسمى يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله ودمغ فيه الشرك وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين وكثرة العدو، مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد والعدة الكاملة والخيل المسومة والخيلاء الزائد، فأعز الله وحيه وتنزيله وبيض وجه النبي ﷺ وقبيله، وأخزي الشيطان وجيله، ولهذا قال الله تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ?وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ? [آل عمران: ١٢٣] أي: قليل عددكم لتعلموا أن النصر هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد.
فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام إذ منها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الأفاق نوره، ومن حين وقوعها أذل الله الكفار وأعز من حضرها من المسلمين فهو عنده من الأبرار، وكان خروجهم يوم السبت لثنتي عشر خلت من رمضان على رأس تسعة عشر شهراً، وكان عدد المسلمين في غزوة بدر
стр. 372
ثلاثمائه وخمساً، وحضر مع رسول الله ﷺ فيها الأنصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه، وكان عدد المشركين فيها ألفاً وقيل: غير ذلك، وكانت من غير قصد المسلمين إليها ولا ميعاد كما قال تعالى: ?وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً? [الأنفال: ٤٢] .
واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وأنهزم الباقون، وغنم رسول الله ﷺ متاعهم وكان العباس عم النبي ﷺ من جملة الأسارى السبعين.
لطيفة أخرى: قال علماء السير وغيرهم: لما التقى الناس في غزوة بدر ودنا بعضهم من بعضهم بعض أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصباء أي: من التراب فاستقبل بها قريشاً ثم قال: «شاهت الوجوه» (١) ثم نفخهم بها وأمر أصحابه فقال: شدوا، فكانت تلك الحصباء عظيم شأنها، لم تترك من المشركين رجلاً إلا ملأت عينيه فانهزموا، وجعل المسلمون يقتلون ويأسرون وبادر كل واحد من الكفار مكباً على وجهه لا يدري أين يتوجه، يعالج التراب حتى ينزعه من عينيه، وكانت الملائكة تقاتل مع المسلمين في هذه الغزوة.
قال ابن سيد الناس: ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر بل كانوا يحضرون من غير قتال عدداً ومدداً لا يضربون أحداً بخلاف غزوة بدر فإنهم كانوا يقاتلون فقد نقل عن أبي داود المازني: وكان شهد بدراً قال: إني لاتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ تقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري أي: من الملائكة.
وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراء، وكان على جبريل ذلك اليوم عمامة صفراء وكان شعارهم: «أحد» .
وسبب نزول الملائكة في غزوة بدر أن رسول الله ﷺ نظر إلى المشركين وهم
стр. 373
ألف وأصحابه ثلاثمائة وخمسة أو سبعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف: «اللهم أنجز لي ما وعدتني» فأنزل الله عند ذلك: ?إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ? [الأنفال: ٩] أي: فأمده الله بألف من الملائكة.
وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صور الرجال، على خيل بلق عليهم ثياب بيض، وعلى رؤوسهم عمائم بيض قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم.
وقال ابن عباس: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، ويوم حنين عمائم خضر.
وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم بدر رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل ﵉ يقاتلان كأشد القتال (١) .
فلما انهزم الكفار قال النبي ﷺ : «من لقي العباس فلا يقتله وإنه خرج مستكرها» فلما أسره المسلمون مع جملة الأسرى السبعين وأوثقوهم في تلك الليلة، فجعل العباس يئن من شدة الوثاق، فترك النبي ﷺ : النوم، فقيل: ما يسهرك يا رسول الله قال: «أقلقني أنين العباس فقام الرجل وأرخى وثاقه» (٢) .
ونقل بعض أهل السير: أن العباس لما كتف وانتصف الليل وجد النبي ﷺ ألماً وضراً فجعل يشتكي منه ويتضرع إلى الله، فهبط جبريل وقال: يا سيد البشر إن كنت تريد أن يزول عنك هذا البأس فسارع في حل كتاف العباس فقال: يا جبريل هو من جملة الأساري التاركين دين الإسلام فقال: جبريل بل يقول لك ربك: إنه
стр. 374
شيخ كبير وللشيخ عندنا حرمة، فقام رسول الله ﷺ ومعه جماعة من أصحابه قاصدين نحو العباس فلما رآهم ظن أنهم إلى قتلة قاصدين فواقعة الخوف فقال: يا ابن أخي ما جاء بك بالليل فقال: لا بأس عليك يا عمي قد عاتبني ربي من أجلك، فجعل العباس يبكي ويقول: يا مولاي أنا أحيد عن توحيدك وأنت تطلف بأقل عبيدك، ثم قال: يا سيد الأكوان أشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ففرح النبي ﷺ بإسلامه فخلع عمامته عليه وضجت الملائكة والصحابة بالصلاة والسلام عليه، ونزل جبريل فقال: يقول لك الله : جعلت على العباس العمامة ونحن لأجلك نخلع عليه الخلافة إلى يوم القيامة.
فائدة أخرى: ذكر العلماء أن النبي ﷺ مكث ثلاث سنين في أول نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة، فأظهر نفسه ودعى الناس إلى الإسلام عشر سنين في كل عام في الموسم لعله يجد أحد يعينه وينصره فلا يجد أحداً ينصره، حتى أنه كان يسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة، ويعرض نفسه عليها لعله يجد لعل أن يأووه عندهم وينصروه حتى يبلغ رسالة ربه، فيأتي إليهم الشيطان فيصدهم عن إيوائه ﷺ ونصرته فيرددون عليه أقبح رد، ويؤذونه ويسخرون به ويقولون قومك أعلم بك.
ولما أراد الله إظهار دينه ساقة إلى هذا الحي من الأنصار، فأقبل منهم اثنان إلى مكة فدعاهما رسول الله ﷺ فأسلما، ثم أقبل منهم في العام القابل ستة فدعاهم فأسلما، ثم لا زالوا يزدادون حتى فشا فيهم الإسلام ولم تبق دار من الأنصار بالمدينة الشريفة إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ .
ثم قال البخاري في حق عبادة ابن الصامت: «وهو أحد النقباء ليلة العقبة» (١) و «النقباء» جمع «نقيب» وهو الناظر على القوم، وضمينهم وعريفهم، والمراد بالنقباء هاهنا الأنصار الذين تقدموا البيعة ﷺ .
والمراد «بالعقبة» في ليلة العقبة التي تنسب إليها جمرة العقبة، وعندها وقعت «المبايعة» ، و «المبايعة» هي المعاقدة والمعاهدة، شبهت بعقود المال لأن كلاً يعطي ما
стр. 375
عنده بما عند الآخر، فما عند النبي ﷺ الثواب والخير الكثير، وما عندهم إلتزام الطاعة.
وحقيقة المبايعة: أن يعقد الإمام العهد مع رعيته بما يأمرهم كما عقد رسول الله ﷺ مع أصحابه.
قال العلماء: وبايع رسول الله ﷺ ثلاث مرات:
البيعة الأولى: للأنصار وكانوا اثنا عشر رجلاً وكانت هذه المبايعة بمنى، وتسمى البيعة الأولى من بيعتي العقبة، بايعهم رسول الله ﷺ على الإسلام دون القتال لأنه لم يفرض يومئذ وسماهم بالأنصار.
والثانية: للأنصار أيضاً وكانوا سبعين رجلاً جاءوا للحج بايعهم رسول الله ﷺ خفية بالليل أوسط أيام التشريق، قال لهم رسول ﷺ : «أخرجوا إلىّ منكم اثنا عشر نقيباً حتى أبايعهم، وإنما طلب ﷺ اثنا عشر نقيباً إقتداء بقول الله تعالى في قوم موسى: ?وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً? [المائدة: ١٢] فأخرجوا له منهم اثنا عشر نقيباً، وأسماءهم معروفة في كتب السير منهم: عبادة بن الصامت كما قال البخاري: «وهو أحد نقباء ليلة العقبة» فتقدموا لمبايعته ﷺ فبايعهم فيها على القتال وعلى حرب الأحمر والأسود، وكان أول آية أنزلت في الإذن بالقتال: ?أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ? [الحج: ٣٩] وجعل ثوابهم الجنة، وهذه البيعة الثانية من بيعتي العقبة.
والبيعة الثالثة: بعد هاتين البيعيتين «بيعة الرضوان» بايعهم ﷺ تحت الشجرة وكانوا ألفاً وثلاثمائة بايعهم رسول الله ﷺ أن لا يفروا.
وإلى هذه البيعة أشار الله تعالى بقوله: ?لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً? [الفتح: ١٨] وهذه البيعة كانت بعد الهجرة بخلاف البيعتين الأولتين.
وذكر البخاري هنا كيفية الأولى بقوله: «عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله (١) عصابة من أصحابه» (٢) أي: جماعة من أصحابه والعصابه بكسر
стр. 376
العين ما بين العشرة إلى الأربعين، وكانوا في هذه البيعة اثنا عشر كما تقدم.
«بايعوني» أي: عاهدوني وعاقدوني (١) .
«على أن لا تشركوا بالله شيئا» (٢)
أي: على أن تعبدوه وتوحدوه ولا تشركوا به شيئاً والشرك بالله تعالى هو أن تجعل لله نداً وتعبد معه غيره من حجر وبشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو جني أو ملك أو نجم أو غير ذلك وهو ذنب عظيم لا يغفر قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ? [النساء: ٤٨] ، وقال الله تعالى: ?إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ? [لقمان: ١٣] ، وهو أكبر الكبائر فلهذا أبايعهم على تركه قبل غيره.
قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله» (٣) فمن أشرك بالله ثم مات مشركاً فهو من أصحاب النار قطعاً.
وأيضاً إنما بايعهم عل ترك الشرك أولاً لأن المبايعة على التوحيد الذي هو أصل الإيمان وأساس الإسلام.
ثم قال ﷺ : «ولا تسرقوا» والسرقة من الكبائر قال تعالى: ?وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
стр. 377
حَكِيمٌ? [المائدة: ٨٣] .
وقال النبي ﷺ : «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده» (١) .
وقال النبي ﷺ : «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢) .
قيل: وينبغي إن يقال عند سماع هذا أعاذنا الله من ذلك، وإنما تكون السرقة من الكبائر إذا سرق ما قيمته ربع دينار أما سرقة ما دون ذلك فهو من الصغائر، إلا إذا كان المسروق منه مسكيناً لا غنى له عن ذلك، فيكون كبيرة لا من جهة السرقة بل من جهة الأذى، وحد السارق قطع اليد إذا كان المسروق ربع دينار.
ثم قال ﷺ : «ولا تزنوا» الزنا أيضاً من الكبائر قال الله تعالى: ?وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً? [الإسراء: ٣٢] .
وقال تعالى: ?الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ َأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ? [النور: ٢] .
وأجمع أهل الملل على تحريمه ولهذا كان حده أشد الحدود لأنه جناية على الأعراض والأنساب.
فائدة: قال النووي: يكره للإنسان إذا ابتلي بمعصية أو نحوها أن يخبر غيره بذلك، بل ينبغي له أن يستر على نفسه وأن يتوب إلى الله تعالى، فإن أخبر بمعصيتة شيخه أو شبهه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً من معصيتة، أو يعمله ما يسلم من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها، أو يدعو له ونحو ذلك فلا بأس به بل هو حسن، وإنما يكره إذا انتفت هذه المصلحة.
روينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» (٣)
من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم
стр. 378
يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ويصبح يكشف ستر الله عليه.
وفي حديث: «من أتى بهذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد» (١) رواه الحاكم.
ثم قال ﷺ : «ولا تقتلوا أولادكم» (٢) إنما بايعهم على ترك قتل الأولاد مع أن قتل غير الأولاد بغير حق حرام لأن قتل البنات كان فاشياًَ أكثر من قتل غيرهم، وهو المسمى بوأد البنات الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٣) متفق عليه.
ثم قال النبي ﷺ : «ولا تأتوا ببهتان» أي: بكذب يبهت سامعه أي: يدهشه لفظاعته.
стр. 379
«تعترونه» أي: تختلقونه.
«بين أيدكم وأرجلكم» فإن قيل: كيف أضاف ﷺ البهتان إلى الأيدي والأرجل مع أنها لا مدخل لها في البهتان، فإنه يكون باللسان فقط؟
أجيب عنه بأوجه:
منها: أن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثم يبرزه بلسانه (١) .
ثم قال ﷺ : «ولا تعصوا في معروف» (٢) قال في النهاية: «المعروف اسم جمع
стр. 380
لكل ما عرف من طاعة الله والإحسان إلى الناس، وما ندب الشرع إليه من حسن ونهى عنه من قبيح» .
وقال النووي: يحتمل أن يكون المعنى ولا تعصوني ولا أحد أولي الأمر عليكم في المعروف، فيكون التقييد بالمعروف متعلقاً بشيء بعده.
ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «فمن وفى منكم» أي: ثبت على ما بايع عليه.
«فأجره على الله» أي: بطريق التفضل والإحسان كما يقوله أهل السنة، لا بطريق الاستحقاق والوجوب كما يقوله المعتزلة، فإن الله لا يجب عليه إثابة المطيع ولا تعذيب العاصي، إن أثاب المطيع فبفضله، أو عذب العاصي فبعدله (١) .
ثم قال ﷺ : «ومن أصاب من ذلك» إشارة إلى غير الشرك بقرينة قوله: «ثم ستره» أي: فمن فعل من الذي بويع على تركه «شيئاً» غير الشرك كأن سرق أو زنى أو قتل أو أتى بهتان أو عصى الله في معروف.
«فعوقب في الدنيا» أي: بذلك الذي فعله قطعت يده في السرقة أو حد في الزنا أو استوفى منه القصاص في القتل، أو حد في القذف وغير ذلك.
«فهو كفارة له» أي: فالعقاب الذي استوفى منه في الدنيا فهو كفارة له فلا يطالب به في الدار الآخرة، وإن لم يتب وهذا هو مذهب الأكثرين (٢) .
стр. 381
سئل النووي ﵁ فقيل له: ما تقول في إنسان قتل فاستوفى منه القصاص أو الديه في الدنيا هل تبقى عليه العقوبة في الآخرة؟
قال: فأجاب بسقوط العقوبة عنه وعدم المطالبة في الآخرة، قال: وظواهر الشرع تدل على ذلك واستدل عليه بحديث البخاري وبقوله ﷺ : «ومن أصاب شيئا من هذه القاذورات فعوقب به كان كفارة له ... الحديث» .
واستشكل العلماء ذلك بقوله: تعالى: ?ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ? [المائدة: ٣٣] فإن الآية تدل على أن الطلب لا يسقط في الآخرة وإن حد في الدنيا؟
أجاب العلماء عن الآية بوجهين:
أحدهما: أنها في حق الكفار، فإن عقابهم في الدنيا لا يسقط العقاب عنهم في الآخرة.
والثاني: أن حديث البخاري مخصص لها.
وذهب بعض العلماء إلى أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لا يسقط عنه الطلب في الآخرة، لأن المقتول لم يصل إليه حقه فالطلب له باق في الآخرة، قال: وإنما
стр. 382
وجب قتل القاتل في الدنيا لأجل إرداع غيره وزجره.
قال ابن حجر: هذا القول مردود بأن المقتول وصل إليه حق وأي حق وهو تكفير الخطايا والذنوب عنه بالقتل ظلماً فقد ورد: «إن السيف محاء للخطايا» (١) أخرجه ابن حيان وغيره وصححوه، فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، فأي حق يصل إليه أعظم من هذا، فالصواب عدم المطالبة في الآخرة، خصوصاً إن مات عن توبة.
ثم قال النبي ﷺ : «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» في هذا دلالة وإشارة إلى أنه لا يجب على الله عقاب عاص وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب المطيع أيضاً.
وفيه دلالة على أن الإنسان إذا ارتكب كبيرة ومات ولم يتب منها فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.
وبطل به قول المعتزلة: أنه يجب على الله تعذيب العاصي إذا مات بلا توبة، وقول الخوارج الذين يكفرون العبد بارتكابه للكبائر، فإن النبي ﷺ ، أخبر أنه تحت المشيئة ولم يقل: إنه يعذب كما تقوله المعتزلة أو يكفر كما تقوله الخوارج (٢) .
وحاصل الحديث من مات صغيراً أو كبيراً ولا ذنب له بأن مات عقب بلوغه أو عقب توبته أو عقب إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله
стр. 383
ورحمته، ولا يدخل النار ولكن يردها كما قال تعالى: ?وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ? [مريم: ٧١] ، وفي الورود خلاف يأتي الكلام عليه، وإن مات مصراً على كبيرة فهو إلى الله تعالى إن شاء سامحه وعفا عنه وأدخله مع أول الداخلين، وإن شاء عاقبه في النار ثم أخرجه وأدخله الجنة، ولا يخلد أحد في النار مات على التوحيد.
وفيه دليل وإشارة إلى أنه لا يشهد أحد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ورد النص فيه بعينه كالعشرة المبشرون بالجنة وغيرهم ممن ورد أنه من أهل الجنة فيشهد لهم بذلك، أو ورد أنه من أهل النار كأبليس وأبي جهل وفرعون فيشهد لهم بالنار، ومن عداهم أمرهم إلى الله تعالى.
اللهم اختم اعمالنا بالصالحات، وكفر عنا الخطايا والسيئات، لا تؤاخذنا بما ارتكبناه من الزلات، ووقفنا إلى التوبة قبل الممات، يا من يقبل التوبة من عبادة ويعفو عن السيئات.
جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (١) .
وجاء في الحديث أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «من أذنب ذنباً فأوجعه قلبه غفر الله له ذلك الذنب، وإن لم يستغفر» (٢) .
وأفاد بعض العلماء: أن آدم ﵊ لما هبط إلى الأرض بكى على ذنبه وقال: يا رب إني تبت وأصلحت فاقبلني، فأوحى الله إليه: يا آدم إني كتبت على عرشي من قبل أن أخلق السماوات والأرض: وإني لغفار لمن تاب، يا آدم احشر التائبين ضاحكين مستبشرين، ودعاؤهم مستجاب.
وذكر الإمام حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: العبد إذا كان مسرفاً على نفسه وأراد أن يتوب فيرفع يديه ويقول: يا رب حجبت الملائكة صوته أولاً وثانياً وثالثاً،
стр. 384
في الرابعة يقول الله تعالى: لما تحجبون صوت عبدي عني، قد علم أنه ليس رب يغفر الذنوب غيري أشهدكم أني قد غفرت له.
وجاء في الخبر أيضاً: «إذا كثرت ذنوب ابن آدم يثقل العرش على الحملة فيعلمون ذلك فيقولون: يا كريم العفو حتى يخف عنهم، وإذا قال العبد يا كريم، يقول: الله تعالى ماذا رأيت من كرمي وأنت في السجن، اصبر حتى ترى كرمي في الجنة.
وحكي في كتاب «نرجس القلوب» : أن بعص الصديقين أصاب ذنباً فجاء إلى البحار وقال: أيتها البحار البعيدة غوراً، الكثيرة أمواجاً، قد أصبت ذنباً فهل تغيبوني عن الله ساعة واحدة، فأمر الله تعالى البحار أن تجيبه ما فيها موجة إلا وعليها ملك، فأتى الجبال فنادي أيتها الجبال الشامخة قد أصبت ذنباً فهل تغيبوني عن الله ساعة واحدة، فأمر الله الجبال أن تجيبه ما فيها صخرة وإلا عليها ملك، فجاء إلى الأشجار كذلك فنادته ما عليها ورقة إلا وعليها ملك، فبرز وقال: يا إلهي يا إلهي عذبني بما شئت وافعل فيّ ما شئت، فخرج النداء يا حبيبي لأسكنك جنتي.
* * *
стр. 385
المجلس الثاني العشرون
في الكلام على باب «مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ»
وبيان ما في حديثه من الفوائد واللطائف، وفي ذكر العزلة والخلطة
وذكر أيهما أفضل
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» .
قوله: «باب من الدين الفرار من الفتن» فإن قيل: لأي شيء قال: «من الدين» ولم يقل: «من الإيمان» كما قال في غيره من الأبواب؟
فالجواب: أنه قال ذلك مراعاة للفظ الحديث (١) حيث قال فيه: «يفر بدينه» وتعبيره ﵁ بقوه من الدين مع أن الكتاب معقود للإيمان، يشعر بأن معناها كما أن الإيمان والإسلام عنده أيضاً بمعنى واحد، قال الله تعالى: ?إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ? [آل عمران: ١٩] .
وقال الطيبي: اصطلحوا على ترادف الإيمان والإسلام ولا مشاحة في الاصطلاح.
«حدثنا عبد الله بن مسلمة» هذا هو القعنبي الحارثي المدني البصري، منسوب إلى جده قعنب، سكن البصرة وأقام بالمدينة، وكان ﵁ مجاب الدعوة، وأجمع العلماء على إمامته وإتقانه وثقته وجلالته وحفظه وصلاحه وورعه وزهده.
قال أبو حاتم: لم أر أخشع منه.
وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه.
وقيل: إن عبد الله القعبني قدم فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض.
وقيل له: حدثت ولم تكن تحدث فقال: رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح: يا أهل العلم فقاموا فقمت معهم، فصاح بي: أجلس، فقلت: يا إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى ولكنهم نشروا فحدثت.
стр. 386
روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، وكان ﵁ حريصاً على سماع الحديث، رحل إلى البصرة ليسمع الحديث من شعبة، وكان شعبة إماماً فلما دخل البصرة صادف المجلس قد انقضى وقد انصرف شعبة إلى منزله، فحمله الحرص والشره إلى أن سأل عن منزل شعبة، فأرشد إليه فوجدا الباب مفتوحاً فدخل من غير استئذان فصادف شعبة جالساً على البالوعة فقال: السلام عليكم رجل غريب قدم من بلد بعيد لتحدثني بحديث رسول الله ﷺ فاستعظم ذلك شعبة فقال: يا هذا دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني وأنا على مثل هذا الحال، تأخر عني واصبر على حتى أصلح من شأني، فأكثر عليه في الإلحاح وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ فلما أكثر قال له اكتب: حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت» (١) ثم قال: والله لأحدثنك بهذا الحديث ولا حدثت قوماً تكون فيهم.
ذكر هذه الحكاية عنه ابن جماعة في أنس المحاضرة وذكرها السخاوي في شرح ألفية الحديث في آداب طالب الحديث.
وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين ومائتين.
«عن مالك» هذا هو إمام دار الهجرة إمام المسلمين، وقد قدمنا بعض فضائله التي لا تعد ولا تحد.
«عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري» واسمه: سعد على الصحيح، وقيل: سنان، استصغر يوم أحد فرد، وغزى بعد ذلك اثنا عشر غزوة مع رسول الله ﷺ ، وكان من الحفاظ المكثيرين، والعلماء العقلاء، وأحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، بايع النبي ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومة لائم مع جماعة.
ويقال له: «عفيف المسألة» لأنه عف فلم يسأل أحداً قط، ولما مات والده لم يترك له مالاً فأتى رسول الله ﷺ ليسأله فقال حين رآه: «من يستعن أعانه الله، ومن
стр. 387
يستعف أعفه الله» فقال: ما تريد غيري فرجع.
وأبو سعيد الخدري صحابي بن صحابي وقتل والده يوم أحد ولم يرو عنه شيء كما قاله العسكري.
«ودال» الخدري مهمله وهو منسوب إلى خدره أحد أجداده أو إحدى جداته.
روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثاً، روى البخاري منها اثنين وستين حديثاً، وبلغ من العمر أربعاً وسبعين سنة، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وستين، ودفن بالبقيع.
فائدة: اشتمل هذا الإسناد على لطيفة ظريفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون.
«عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (١) .
قوله: «يوشك» بمعنى يقرب أي: كون خير مال المسلم غنم أشار ﷺ بهذا الحديث إلى أن الفتن تكثر في آخر الزمان، ويحل فساد كثير بين الناس فينبغي لمن يخاف على دينه من مخالطة أهل الشر والفساد، أن ينعزل عنهم في رؤوس الجبال وبطون الأودية، وأن يكون عنده أغنام يرعاها في هذه المواضع وينتفع بدرها ونسلها، وإنما
стр. 388
يفعل ذلك لأجل إحراز دينه وسلامته من الكدورات التي تحصل من خلطة الناس.
وإنما خص ﷺ الغنم بكونها خير مال المسلم لما فيها من السكينة والبركة.
فائدة: الغنم اسم جنس لا واحد له من لفظه يقع على الذكر والأنثى، وهو صادق على الضأن والمعز واتفق العلماء على أن الضأن أفضل من المعز كما صرحوا بذلك في الأضحية فإنهم قالوا: الضأن في الأضحية أفضل من المعز.
قال النووي في منهاجه: وأفضلها بعير ثم بقرة ثم ضأن ثم معز ولأن الله في كتابه العزيز بدأ يذكر الضأن فقال: ?مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ? [الأنعام: ١٤٣] وتقديم الشيء على غيره يدل على تفضيله عليه، فالبركة في الضأن أيضاً أكثر من البركة في المعز، فإن الضأن تلد في السنة مرة والمعز تلد مرتين وتثني وتثلث، والموجود من الضأن أكثر.
أيضاً قالوا: إن الضأن إذا رعت شيئاً من الكلأ فإنه ينبت عوضه وإذا رعته المعز لا ينبت عوضه، ولحم الضأن أطيب وانفع من لحم المعز.
قال في الطب النبوي: إن أكل لحم المعز يحرك السوداء ويورث النسيان والدم ويورث الهم ويخبل الأولاد، وهو قليل الحرارة يابس وخلطة المتولد منه ليس بفاضل وليس يجيد الهضم ولا محمود الغذاء، ولحم التيس شديد اليبس مطلقاً، ولا سيما المسن فيه، وإناث الماعز أنفع من ذكوره، بخلاف الضأن فإنه حار رطب يولد الدم المحمود القوي، يصلح لإخصاب الأفرجه الباردة والمعتدلة، ولأهل الرياضيات التامة في المواضع والفصول الباردة، يقوي الذهن والحفظ وأجوده لحم الذكر الأسود، فإنه أخف وألذ وأنفع، والخصي أنفع من غيره، والأيمن من الحيوانات أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر.
ففي الحديث دلالة على أن اقتناء الغنم أفضل من اقتناء غيرها لبركتها أو كثرة نفعها، فإذا أراد الإنسان أن يقتني شيئاً من الحيوانات لينتفع به فاقتناء الغنم أفضل من اقتناء الإبل والخيل وغيرهما، ويدل ذلك ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ فقال ﷺ : «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والخيلاء في أهل الإبل» (١) ، وفي رواية: «في أهل الخيل والوبر» (٢) .
стр. 389
أراد ﷺ «بالسكينة» السكون، «والوقار» التواضع، «وبالفخر» التفاخر بكثرة الأموال والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، «والخيلاء» التكبر والتعاظم.
والمعنى: أن الوقار والسكينة والتواضع غالباً يوجد في أهل الغنم، وأن التكبر والتفاخر غالباً يوجد في أهل الإبل والخيل، وقد ينعكس الحال.
فائدة أخرى: لا نقص ولا عيب في رعي الأغنام فقد رعاها الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، لأنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤن، كثيرة النفع، وروينا في هذا الصحيح وسنن ابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ إن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» فقال: له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بقراريط» (١) يعني كل شاة بقيراط.
والمراد: أنه رعاها ﷺ بالأجرة كل شاة بقيراط، وهي جزء الدرهم، وقيل: المراد بالقراريط في الحديث اسم مكان وأنه ﷺ ما رعى بالأجرة قط.
قال الحربي: وهو الصحيح.
قال ابن الجوزي: عن أبي إسحاق والواقدي أن عمر النبي ﷺ حين رعى الغنم كان عشرين سنة.
وفي غريب الحديث للقتبي: «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» (٢) .
فقد رعى الأغنام نبينا محمد عليه الصلاة وأتم التسليم في صغره أيضاً، فقد قال
стр. 390
النووي: وإنما جعل الله الرعي في الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وليكون أممهم رعايا لهم.
وأفاد بعض العلماء: قال بعضهم: إنما رعوا الأغنام لأنهم إذا خالطوا الغنم زاد حلمهم وشفقتهم، روي أن النبي ﷺ لما كان عند مرضعته ﵂ في السنة الرابعة قال: «يا أماه ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهاراً» .
وأراد بهم إخوته من الرضاعة، وإخوته من الرضاعة اسم جماعة وهم: ابن ثويبة، وعمه حمزة وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمه وصاحبه أبو سلمه وأولاد حليمة، وأما سيدنا مدرك الصحابي المدفون بقرب قرية حجيرا من غوطة دمشق فليس بينه وبين رسول الله ﷺ أخوة من الرضاعة ولكن الناس يغلطون في ذلك كثيراً كما نبه عليه بعض العلماء.
فلما قال ﷺ : «ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهاراً» قالت له: إنهم يرعون الأغنام فقال: دعيني أخرج معهم فأخذ عصاة ومزودة وخرج معهم لرعي الأغنام، قالت حليمة: وغاب ﷺ يومه ذلك، فأقبل وقت المساء وقد سبقته الأنوار، والأغنام تلوذ به وتقبل أقدامه.
وكان في الغنم شاة رماها أخوه «ضمرة» بحجر فكسر ساقه، فجعلت تلوذ به كالشاكية فقبض يده الكريمة علهيا فكأن الوجع لم يكن.
ثم قالت حليمة لولدها: كيف وجدت أخاك القرشي؟ قال: يا أماه ما مر بحجر ولا مدر ولا شجر ولا سهل ولا جبل ولا وحش ولا طير إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، وإذا نام في الشمس تأتي غمامة تظله، والوحوش تأتي إليه تقبل أقدامه، وإذا مشي في الرمل فالأثر لا يبين، وإذا مشي في الصخر يكون تحت قدميه كالعجين، وإذا استقينا من بئر فار الماء من أعلاه.
قال: ولقد دخلنا إلى وادي الوحوش فإذا نحن بسبع عظيم قد جمع نفسه ليشب علينا، فلما نظر إلى أخينا محمد ﷺ خضع له ورمى نفسه على الأرض وتكلم بكلام فصيح، وقال: السلام عليك يا محمد فتقدم إليه محمد وكلمه في أذنه فذهب الأسد يعدو.
وفي رواية: قال ضمرة: إن أسداً عظيماً انحدر عليه فأخذ شاة وصعد بها إلى الجبل فلحق أخي محمد فأخذ الشاة منه ثم فتل أذنه وسار، وإذ الأسد يقبل أقدامه ثم انصرف.