روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، وكان ﵁ حريصاً على سماع الحديث، رحل إلى البصرة ليسمع الحديث من شعبة، وكان شعبة إماماً فلما دخل البصرة صادف المجلس قد انقضى وقد انصرف شعبة إلى منزله، فحمله الحرص والشره إلى أن سأل عن منزل شعبة، فأرشد إليه فوجدا الباب مفتوحاً فدخل من غير استئذان فصادف شعبة جالساً على البالوعة فقال: السلام عليكم رجل غريب قدم من بلد بعيد لتحدثني بحديث رسول الله ﷺ فاستعظم ذلك شعبة فقال: يا هذا دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني وأنا على مثل هذا الحال، تأخر عني واصبر على حتى أصلح من شأني، فأكثر عليه في الإلحاح وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ فلما أكثر قال له اكتب: حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت» (١) ثم قال: والله لأحدثنك بهذا الحديث ولا حدثت قوماً تكون فيهم.
ذكر هذه الحكاية عنه ابن جماعة في أنس المحاضرة وذكرها السخاوي في شرح ألفية الحديث في آداب طالب الحديث.
وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين ومائتين.
«عن مالك» هذا هو إمام دار الهجرة إمام المسلمين، وقد قدمنا بعض فضائله التي لا تعد ولا تحد.
«عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري» واسمه: سعد على الصحيح، وقيل: سنان، استصغر يوم أحد فرد، وغزى بعد ذلك اثنا عشر غزوة مع رسول الله ﷺ ، وكان من الحفاظ المكثيرين، والعلماء العقلاء، وأحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، بايع النبي ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومة لائم مع جماعة.
ويقال له: «عفيف المسألة» لأنه عف فلم يسأل أحداً قط، ولما مات والده لم يترك له مالاً فأتى رسول الله ﷺ ليسأله فقال حين رآه: «من يستعن أعانه الله، ومن
стр. 387
يستعف أعفه الله» فقال: ما تريد غيري فرجع.
وأبو سعيد الخدري صحابي بن صحابي وقتل والده يوم أحد ولم يرو عنه شيء كما قاله العسكري.
«ودال» الخدري مهمله وهو منسوب إلى خدره أحد أجداده أو إحدى جداته.
روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثاً، روى البخاري منها اثنين وستين حديثاً، وبلغ من العمر أربعاً وسبعين سنة، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وستين، ودفن بالبقيع.
فائدة: اشتمل هذا الإسناد على لطيفة ظريفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون.
«عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (١) .
قوله: «يوشك» بمعنى يقرب أي: كون خير مال المسلم غنم أشار ﷺ بهذا الحديث إلى أن الفتن تكثر في آخر الزمان، ويحل فساد كثير بين الناس فينبغي لمن يخاف على دينه من مخالطة أهل الشر والفساد، أن ينعزل عنهم في رؤوس الجبال وبطون الأودية، وأن يكون عنده أغنام يرعاها في هذه المواضع وينتفع بدرها ونسلها، وإنما
стр. 388
يفعل ذلك لأجل إحراز دينه وسلامته من الكدورات التي تحصل من خلطة الناس.
وإنما خص ﷺ الغنم بكونها خير مال المسلم لما فيها من السكينة والبركة.
فائدة: الغنم اسم جنس لا واحد له من لفظه يقع على الذكر والأنثى، وهو صادق على الضأن والمعز واتفق العلماء على أن الضأن أفضل من المعز كما صرحوا بذلك في الأضحية فإنهم قالوا: الضأن في الأضحية أفضل من المعز.
قال النووي في منهاجه: وأفضلها بعير ثم بقرة ثم ضأن ثم معز ولأن الله في كتابه العزيز بدأ يذكر الضأن فقال: ?مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ? [الأنعام: ١٤٣] وتقديم الشيء على غيره يدل على تفضيله عليه، فالبركة في الضأن أيضاً أكثر من البركة في المعز، فإن الضأن تلد في السنة مرة والمعز تلد مرتين وتثني وتثلث، والموجود من الضأن أكثر.
أيضاً قالوا: إن الضأن إذا رعت شيئاً من الكلأ فإنه ينبت عوضه وإذا رعته المعز لا ينبت عوضه، ولحم الضأن أطيب وانفع من لحم المعز.
قال في الطب النبوي: إن أكل لحم المعز يحرك السوداء ويورث النسيان والدم ويورث الهم ويخبل الأولاد، وهو قليل الحرارة يابس وخلطة المتولد منه ليس بفاضل وليس يجيد الهضم ولا محمود الغذاء، ولحم التيس شديد اليبس مطلقاً، ولا سيما المسن فيه، وإناث الماعز أنفع من ذكوره، بخلاف الضأن فإنه حار رطب يولد الدم المحمود القوي، يصلح لإخصاب الأفرجه الباردة والمعتدلة، ولأهل الرياضيات التامة في المواضع والفصول الباردة، يقوي الذهن والحفظ وأجوده لحم الذكر الأسود، فإنه أخف وألذ وأنفع، والخصي أنفع من غيره، والأيمن من الحيوانات أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر.
ففي الحديث دلالة على أن اقتناء الغنم أفضل من اقتناء غيرها لبركتها أو كثرة نفعها، فإذا أراد الإنسان أن يقتني شيئاً من الحيوانات لينتفع به فاقتناء الغنم أفضل من اقتناء الإبل والخيل وغيرهما، ويدل ذلك ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ فقال ﷺ : «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والخيلاء في أهل الإبل» (١) ، وفي رواية: «في أهل الخيل والوبر» (٢) .
стр. 389
أراد ﷺ «بالسكينة» السكون، «والوقار» التواضع، «وبالفخر» التفاخر بكثرة الأموال والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، «والخيلاء» التكبر والتعاظم.
والمعنى: أن الوقار والسكينة والتواضع غالباً يوجد في أهل الغنم، وأن التكبر والتفاخر غالباً يوجد في أهل الإبل والخيل، وقد ينعكس الحال.
فائدة أخرى: لا نقص ولا عيب في رعي الأغنام فقد رعاها الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، لأنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤن، كثيرة النفع، وروينا في هذا الصحيح وسنن ابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ إن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» فقال: له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بقراريط» (١) يعني كل شاة بقيراط.
والمراد: أنه رعاها ﷺ بالأجرة كل شاة بقيراط، وهي جزء الدرهم، وقيل: المراد بالقراريط في الحديث اسم مكان وأنه ﷺ ما رعى بالأجرة قط.
قال الحربي: وهو الصحيح.
قال ابن الجوزي: عن أبي إسحاق والواقدي أن عمر النبي ﷺ حين رعى الغنم كان عشرين سنة.
وفي غريب الحديث للقتبي: «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» (٢) .
فقد رعى الأغنام نبينا محمد عليه الصلاة وأتم التسليم في صغره أيضاً، فقد قال
стр. 390
النووي: وإنما جعل الله الرعي في الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وليكون أممهم رعايا لهم.
وأفاد بعض العلماء: قال بعضهم: إنما رعوا الأغنام لأنهم إذا خالطوا الغنم زاد حلمهم وشفقتهم، روي أن النبي ﷺ لما كان عند مرضعته ﵂ في السنة الرابعة قال: «يا أماه ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهاراً» .
وأراد بهم إخوته من الرضاعة، وإخوته من الرضاعة اسم جماعة وهم: ابن ثويبة، وعمه حمزة وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمه وصاحبه أبو سلمه وأولاد حليمة، وأما سيدنا مدرك الصحابي المدفون بقرب قرية حجيرا من غوطة دمشق فليس بينه وبين رسول الله ﷺ أخوة من الرضاعة ولكن الناس يغلطون في ذلك كثيراً كما نبه عليه بعض العلماء.
فلما قال ﷺ : «ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهاراً» قالت له: إنهم يرعون الأغنام فقال: دعيني أخرج معهم فأخذ عصاة ومزودة وخرج معهم لرعي الأغنام، قالت حليمة: وغاب ﷺ يومه ذلك، فأقبل وقت المساء وقد سبقته الأنوار، والأغنام تلوذ به وتقبل أقدامه.
وكان في الغنم شاة رماها أخوه «ضمرة» بحجر فكسر ساقه، فجعلت تلوذ به كالشاكية فقبض يده الكريمة علهيا فكأن الوجع لم يكن.
ثم قالت حليمة لولدها: كيف وجدت أخاك القرشي؟ قال: يا أماه ما مر بحجر ولا مدر ولا شجر ولا سهل ولا جبل ولا وحش ولا طير إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، وإذا نام في الشمس تأتي غمامة تظله، والوحوش تأتي إليه تقبل أقدامه، وإذا مشي في الرمل فالأثر لا يبين، وإذا مشي في الصخر يكون تحت قدميه كالعجين، وإذا استقينا من بئر فار الماء من أعلاه.
قال: ولقد دخلنا إلى وادي الوحوش فإذا نحن بسبع عظيم قد جمع نفسه ليشب علينا، فلما نظر إلى أخينا محمد ﷺ خضع له ورمى نفسه على الأرض وتكلم بكلام فصيح، وقال: السلام عليك يا محمد فتقدم إليه محمد وكلمه في أذنه فذهب الأسد يعدو.
وفي رواية: قال ضمرة: إن أسداً عظيماً انحدر عليه فأخذ شاة وصعد بها إلى الجبل فلحق أخي محمد فأخذ الشاة منه ثم فتل أذنه وسار، وإذ الأسد يقبل أقدامه ثم انصرف.
стр. 391
وعدنا إلى المرعى فلما كان بعد ساعة أتى إلينا أسد آخر فنفرت الأغنام منه فضرب ثلاث شياه فكسرها، فلما رآها أخي القرشي مسح بيده على ظهورها فانجبرت، وأما الأغنام فإن أمرها بالمسير سارت وإن أمرها بالوقوف وقفت.
قالت حليمة: وحصل عندنا في الحي ضجة عظيمة فقلت ما الخبر قالوا: غلام وقع في البئر ولم يقدروا على إخراجه، فجاء ولدي محمد إلى جانب البئر ومد يده فطف الماء فقبض على الغلام ونشله فإذا هو خارج البئر، فتعجب الناس من فعله وتعجبت فقال لي: يا أماه لا تعجبي كيف أنشلهم من الآبار بل تعجبي وأنا أنقذتهم غداً من النار.
وقالت حليمة ﵂: أجلست ولدي محمد تحت شجرة وقت رضاعة فتعلق ببعض الشجرة فاخضرت الشجرة بلمسه إياها ﷺ ، وكان إذا أصاب أحداً من وجع أمر يده المباركة عليها فيبرأ من ساعته، وإذا انقطع الغيث يتوسلون به فيمطرون في وقتهم وساعتهم.
وقد رعاها كثير من الأولياء والصالحين من الرجال والنساء اقتداء بالأنبياء ولبركتها وخفة مؤنتها.
قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة فقيل لي: يا عبد الواحد رفيقك ميمونة السوداء، فقلت: وأين هي؟ فقيل: في بني فلان في الكوفة فذهبت إلى الكوفة أسأل عنها فإذا هي ترعى غنماً، فأتيت إليها فإذا غنمها ترعى بين الذئاب وهي قائمة تصلي، فلما فرغت من صلاتها قالت لي: يا ابن زيد ليس هذا الموعد إنما الموعد في الجنة، فقلت لها: وما أدراك أني زيد؟ قالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، قلت لها: عظيني، فقالت: يا عجباً لواعظ يوعظ، قلت لها: ما لي أرى أغنامك بين الذئاب؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبين الله فأصلح الله ما بين غنمي والذئاب.
لطيفة: اتفق من الغرائب أن موسى بن عمران عليه الصلاة السلام اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها، ثم ارتقى على الجبل ليصلي، إذ أقبل فارس فشرب من ماء العين وترك عندها كيساً فيه دراهم، فجاء بعده راعي الغنم فرأى الكيس فأخذه ومضى، ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس وعلى رأسه حزمة حطب فوضعها هناك واستلقى يستريح، فما كان إلا قليلاً حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده، فأقبل على الشيخ يطالبه به ولم يزل يضربه حتى قتله، فقال موسى: يا رب كيف العدل في
стр. 392
هذه الأمور؟ فأوحى الله تعالى إليه أن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس، وكان على أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس، فجرى بينهما القصاص ووقضي الدين وأنا حكم عادل.
وقوله: «يبيع بها» أي: بالغنم.
«شعف الجبال» أي: رؤوس الجبال.
«ومواقع القطر» أي: بطون الأودية والصحاري، وخص هذه المواضع بالذكر لأنها مظان المرعى.
وقال البرماوي: وذكر هذه المواضع لما فيها من الخلوة لأنها أسلم غالباً من الكدر، فإنها مواضع خالية من ازدحام الناس ومن المقاولات المؤدية إلى الكدورات.
وقوله: «يفر بدينه من الفتن» أي: فر مما يفتنه في دينه.
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: فيه دلالة على فضل العزلة في أيام الفتن لأجل إحراز الدين، ولئلا تقع عقوبة فتعم، فإن العقوبة قد تعم العاصي والطائع، ويهلك الله الطائع بذنب العاصي، فقد ورد في هذا حديث: أن زينب قالت: أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث» (١) .
ويروى أن موسى ﵊ كان يقول: يا رب كيف تعذب عبادك بذنب رجل واحد؟ فأمهله الله حتى جلس تحت شجرة، فلذغتة نملة فأحرق جميع النمل، فأوحى الله إليه هلا نملة واحدة أي: هلا أحرقت نملة واحدة وهي التي لذغتة فكيف أحرقت غيرها معها بلا موجب، فأراه ذلك في النملة ليعلم أن العقوبة تعم العاصي والطائع، فإذا انعزل الإنسان سلم، اللهم إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين أو فرض كفاية بحسب المال والمكان.
стр. 393
وأما في غير أيام الفتنة فقد اختلف العلماء في العزلة والخلطة بالناس أيهما أفضل؟ فذهب الإمام الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة، لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم بعيادة المرضى وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإغاثة المحتاج، وحضور جماعاتهم في الجمعة وباقي الصلوات، والاجتماع في الوقوف عرفات وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد.
واهتمام الشارع ﷺ بالاجتماع والخلطة معلوم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية إلى البلد ولا يجوز العكس، فإن كان الإنسان صاحب علم أو زاهد ونحو ذلك تأكد في حقه فضل اختلاطه بالناس.
وذهب جماعة آخرون إلى تفصيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفاً بوظائف العبادة التي تلزمه وما يكلف به، قد ورد في فضل العزلة أحاديث وأخبار روينا في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (١) والمراد: «بالغني» عن النفس، «وبالخفي» المنعزل عن الناس.
وقيل: يا رسول الله أي: الناس خير قال: «رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره» (٢) .
وعن عقبة بن عامر (٣) ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (٤) .
وقال ﷺ : «يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على
стр. 394
الجمر» (١) .
وقال الفضيل بن عياض ﵀: كفى بالله محباً، وبالقرآن مؤنساً، وبالموت واعظاً، اتخذ الله صاحباً، ودع الناس جانباً.
وقال الحسن ﵀: كلمات احفظهن من التوراة: «قنع ابن آدم فاستغنى، واعتزل الناس فسلم، وترك الشهوات فصار حراً، وترك الحسد فظهرت مروءته، وصبرقليلاً فتمتع طويلاً» .
ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم لا تراني ولا أراك.
وقال الغزالي ﵀: كل من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راياهم، ومن راياهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا.
وقال الإمام الشافعي ﵀ ليونس بن عبد الأعلى: يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
وكان سفيان الثوري ﵀ يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين، فكيف المشهودين، هذا زمان سوء ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية، يفر بدينه من الفتن.
وقال الفضيل بن عياض: هذا زمان سوء، احفظ لسانك، واخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر.
وقال سفيان الثوري: هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت، والرضا بالقوت، إلى أن تموت.
وقال داود الطائي: صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد وأنشدو في العزلة:
هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول ابن مسعود
دهر به الحق مردود بأجمعه ... والظلم والبغي فيه غير مردود
إن دام هذا ولم يحدث له خير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
стр. 395
وقال بعضهم:
ومازلت مذ لاح المشيب بمفرقي ... أفتش عن هذا الورى وأكشف
فما إن عرفت الناس إلا ذمتهم ... جزى الله خيراً كل من لست أعرف
وقال آخر:
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت حياً ... أسار الجيش أم ركب الأمير
وهذا الحديث علم من أعلام نبوته إذا أخبر فيه ﷺ أنه يكون في آخر الزمان فتن وفساد بين الناس، فالأولى والأحسن أن يكون عند الإنسان غنم يرعاها في رؤوس الجبال وبطون الأودية والصحاري، للجمع بين الرفق والربح، ويصون عليه دينه، وقد وقع كما أخبر ﷺ فكم من فتن في هذه الأزمان وقبلها، وسنقع أيضاً في غيرها، وكم أخبر ﷺ عن أمور مستقبلة فوقعت كما أخبر.
نقل ابن الجوزي: أنه ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه، ينفلت الدين من أمتي كما ينفلت السهم من القوس» قالوا: في أي زمن ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا قطعوا أرحامهم، وتدابروا، وأكلوا الربا علاينة، وفشت فيهم الفواحش، وأكلوا الأمانات، وأظهروا الرياء والسمعة، وحرصوا على الدنيا حتى لا يهمهم غيرها، ويظهر المنكر حتى أن الرجل ليمر بالقوم فيرى من المنكر ما يغيظه فلا يقدر أن يغيره، وإن غير استطال فاعله عليه، عند ذلك يقع الموت في العلماء، فلا ترى عالماً، ثم تنزع الرحمة من قلوبهم، ويندرس العلم والحكمة بينهم، فلا يطلبها طالب، وتقل مكاسب الحلال، وتكثر مكاسب الحرام، ويمنعون الزكاة، ويقل نبات الأرض وتغلوا الأسعار، وتهلك الثمرات، وتموج الناس كالبهائم، وتقل صدقاتهم، وتقسو قلوبهم ... الحديث» .
ولله در القائل من قال:
يا نفس دعي الدنيا التي ... قرن الحرص بها والشره
وألزمي النسك فما أربحه ... ودعي الغي فما أخسره
أي عذر في التصابي لامرئ ... فاقد من عمره أكثره
أي عذر فلا تقبله ... قتل الإنسان ما أكفره
فتعين في هذا الزمان الانعزال عن الناس إلا لضرورة بالغة، تحوجه إلى الاختلاط
стр. 396
بهم ويسلم من ضرهم، كتعلم ما ينفعه في دينه ودنياه، واكتساب ما يحتاج إليه من أمور المعاش والقوت، فيختلط بقدرها، وينعزل عنهم ليسلم من شرهم، وهذا لا يقع إلا لبعض الخواص الذي حصلت له عناية من مولاه.
وقد نقل عن كثير من السلف الصالح أنهم انعزلوا عن الناس وتركوا أهلهم وأوطانهم وماتوا غرباً.
كما حكي عن بعض الساده أنه قال: كنت أسكن بغداد، وكان لي بها دويرة، احتجت لبناء حائط سقط منها، فخرجت إلى موقف البنائين لأنظر رجلاً يعمل فيه، قال: فوقعت عيني على شاب نحيف، ذي وجه نظيف، فجئت إليه ووقفت عليه، وقلت: يا حبيبي أتريد الخدمة؟ قال لي: نعم، ثم قال: أعمل عندك ولكن بشروط أشرطها عليك، قلت: حبيبي وما هي؟ قال: الأجرة درهم ودانق، قال: وإذا أذن المؤذن تركني حتى أصلي مع الجماعة، قلت: نعم، قال: فانصرف معي إلى المنزل، فخدم خدمة لم أر مثلها، وذكرت له الغداء فقال: لا فعلمت أنه صائم، قال: فلما سمع الأذان قال لي: الشرط، قلت: نعم، قال: فحل حزامه وتفرغ للوضوء فتوضأ ما رأيت أحسن منه ثم خرج إلى الصلاة فصلى مع الجماعة، ثم عاد ورجع إلى الخدمة إلى أن سمع المؤذن من العصر، فقال لي: الشرط فخرج وصلى مع الجماعة، ثم رجع إلى الخدمة، فقلت: حبيبي إنما خدمة البنائين إلى العصر، فقال: سبحان الله إنما خدمتي إلى الليل، قال: فخدم إلى المغرب فأعطيته درهمين فلما رآها قال: ما هذا؟ قلت: والله هي بعض أجرتك ولاجتهادك في خدمتك، فرما بها إلىّ وقال: لا أزيد على ما اشترطه بيني وبينك شيئاً، فرغبته فلم أقدر عليه فأعطيته درهماً ودانقاً وسار.
فلما كان من الغد بكرة إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يأتي هاهنا إلا من سبت إلى سبت، قال: فتعلق به قلبي وقلت لا أعمل شيئاً إلى يوم السبت، فلما كان يوم السبت آتيته فوجدته فقلت: بسم الله فقال: على الشروط التي تعلمها، قلت: نعم، قال: فأخذته فخدم يومه ذلك وزاد فيه على ما تقدم، فلما كان الليل دفعت له أجرته فأخذها وسار.
فلما كان السبت الثالث جئت إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: هو مريض في خيمة فلانه، وكانت المذكورة عجوزاً لها خيمة قصب بالجبانة مشهورة بالصلاح، قال: فسرت إلى الخيمة ودخلت عليه فإذا هو مضطجع على الأرض ليس تحت شيء، وتحت رأسه صخرة فسلمت عليه فرد عليّ السلام، فقعدت عند رأسه
стр. 397
أبكي لغربته وصغر سنه ثم قلت: ألك حاجة؟ قال: نعم، قلت: وما هي؟ قال: إذا كان في غد تصل إلى هاهنا عند الضحى تجدني ميتاً، فتغسلني وتحفر قبري ولا تعلم بذلك أحداً، وتكفنني في هذه الجبة التي عليّ بعد ما تفتق جيبها وتخرج ما فيه وتمسكه عندك، فإذا صليت عليّ وواريتني في التراب إذهب إلى هارون الرشيد وادفع له ما تجده في الجيب وتقرئ عليه مني السلام.
شعر في المعنى:
بلغ أمانة من وفيت منيته ... إلى الرشيد فإن الأجر في ذاكا
وقل غريب له شوق لرؤيتكم ... على تمادي الهوى والبعد لباكا
ما صد عنك كره ولا ملك ... لأن قربته في لثم يمناكا
وإنما أبعدتي عنك يا أبتي ... نفس لها عفة من نيل دنياكا
إن فاتني الجمع في دار الدنا بكم ... فإننا نلتقي في يوم أخراكا
قال: فلما كان من الغد وصلت إلى الخيمة عند الضحى فوجدته قد مات ﵀، فحفرت قبره بيدي وغسلته ثم فتقت جيبيه فإذا في جيبه ياقوته تساوي آلاف من الدنانير، فقلت: لقد زهد هذا في الدنيا، قال: فدفنته وصرت أرتقب خروج هارون الرشيد إلى أن خرج فتعرضت له في الطريق ورفعت له الياقوته فعرفها فلما رآها خر مغشياً عليه، فأمسك بي خدمته فأفاق، وقال: خلوا عنه فخلى سبيلي فقال بعد ما أخذني إلى قصره وأدخلني بيته: يا أخي ما فعل صاحب هذه الياقوتة؟ فقلت: إنه قد مات فوصفت له حاله فجعل يصيح: انتفع الولد وخاب الوالد، ثم نادى يا فلانة فخرجت امرأة فلما رأتني أرادت أن ترجع فقال لها: ما عليك منه؟ فسلمت ودخلت فرمى لها الياقوتة فصاحت صحية عظيمة وغشي عليها وقالت: يا أمير المؤمنين ما فعل ولدي؟ فقال لي: صف لها حاله فوصفت لها قصته، فجعلت تبكي وتقول وتصيح: ما أشوقني إلى لقائك يا قرة عيني، يا ليتني كنت عندك حتى أسقيك إذ لم تجد ساقياً، وأونسك إذا لم تجد مؤنساً.
شعر:
أبكي غريباً أتاه الموت منفرداً ... لم يلق ألفاً له يبكي الذي وجدا
من بعد عز وشمل كان مجتمعاً ... أضحى فريداً وحيداً لا يرى أحدا
يبني إلى الناس من الأيام تخلقه ... والرب يبني ما يبقى له أبدا
стр. 398
يا غائباً قد قضى مولاي فرقته ... فصار مني بعد القرب مبتعدا
إن أنيس الموت من لقياك ياولدي ... فصار مني بعد الموت مبتعدا
فقال لي أمير المؤمنين: يا أخي هذا ولدي وكان معي قبل ولايتي الملك، يزور العلماء ويجالس الصالحين، فلما وليت الملك نفر عني وتباعد، وطلب العزلة، فقلت: لأمه هذا ولدي منقطع إلى الله تعالى، ولابد من أن تصيبه الشدائد، ادفعي له هذه الياقوتة ليجدها وقت الاحتياج إليها فدفعتها إليه، وعزمت عليه أن يمسكها فغاب عنا حديثه إلى أن رمى إلينا دنيانا، ولقى الله تقياً نقياً، ثم قال يا أخي: أرني قبره فخرجت معه إليه فبكى طويلاً عليه، فسألني الصحبة فقلت يا أمير المؤمنين لي في ولدك عظة وعبرة.
شعر في المعنى:
أنا الغريب فلا آوي إلى أحد ... أنا الغريب وإن أمسيت في بلدي
أنا الغريب فلا أهل ولا ولد ... وليس لي أحد يأوي إلى أحد
هكذا هذه الحكاية في زهر الكمام، ونقلها في صفوة الصفوة على وجه آخر، قال: إنه أصح الأوجه المروية، وبين وجهاً آخراً بعده خلاف ما ذكره صاحب زهر الكمام، وبين أن اسم هذا الشاب كان «أحمد» وإنه مشهور «بالسبتي» .
* * *
стр. 399
المجلس الثالث والعشرين
في الكلام على باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ»
وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ?وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ?
وذكر ما فيها من الفوائد واللطائف
قَالَ البُخَارِي:
«باب قول النبي ﷺ : «أنا أعلمكم بالله» (١) وأن المعرفة (٢) فعل القلب لقول الله (٣) ?وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ?» .
قيل: قصد البخاري بهذه الترجمة الرد على الكرامية في قولهم: إن الإيمان قول باللسان ولا يشترط عقد القلب، واستدل على بطلان قولهم بالآية، وهي: ?وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ? [البقرة: ٢٢٥] أي: بما استقر فيها.
فإن الآية وإن وردت في «الأيمان» بفتح الهمزة، فالاستدلال بها في «الإيمان» بكسر الهمزة واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة بينهما على مدار القلب، وقيل: قصد بالترجمة بيان تفاوت درجات الناس في العلم بالله، وإن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وإن رسول الله ﷺ فيه في أعلى الدرجات (٤) .
стр. 400
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ كَانَ رَسُولُ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا» .
إنما كان ﷺ يأمر الناس من الأعمال بما يطيقون الدوام عليه، شفقة عليهم ورفقاً بهم ورحمة لهم، لئلا يتجاوز طاقتهم فيعجزوا، وخير العمل مادام وإن قل، وإذا حملوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه بعد ذلك، فصاروا في صورة ناقضي العهد والراجعين عن عادة جميلة، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء على حاله، ولأن الإنسان إذا اعتاد من الطاعة ما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذذ، ونشاط لا يلحق ملل، وقد ذم الله من اعتاد عبادة ثم فرط بقوله: ?وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ? [الحديد: ٢٧] .
وإنما قالوا: «لسنا كهيئتك» أي: كمثلك يا رسول الله ليأذن لهم رسول الله ﷺ في الزيادة من الأعمال رغبة في الخير، فإنهم كانوا يشاهدونه ﷺ يدأب في العبادة ويجتهد فيها مع أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكأنهم يقولون: أنت مغفور لك ما تحتاج إلى عمل، ومع ذلك مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة، فأمرنا بالزيادة من العمل عليك يا رسول الله، فكان إذا قالوا له هذا القول يغضب من قولهم حتى يعرفوا الغضب في وجهه، ويرد عليهم ويقول لهم: أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأتقاكم وأخشاكم لله.
وقولهم: «إن الله قد غفر ما تقدم من ذنبك وما تأخر» من قول الله تعالى: ?لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً
стр. 401
مُّسْتَقِيماً? [الفتح: ٢] .
وقد استشكل العلماء ذلك بأنه ﷺ معصوم من الذنوب والكبائر قبل النبوة وبعدها عمداً وسهواً، وكذا سائر الأنبياء، فما ذنبه الذي غفر له؟
وللعلماء في هذه الآية أقوال بعضها مقبول وبعضها مردود:
والقول الأول: المراد ليغفر لك الله الذنب الذي كان قبل النبوة، فهذا مردود لأن النبي ﷺ معصوم قبل النبوة وبعدها.
الثاني: ليغفر لأبويك آدم وحواء، وهذا مردود أيضاً لأن آدم معصوم لا ينسب إليه ذنب، وذنوب أمته كلها لم تغفر بل منهم من يغفر له، ومنهم من لا يغفر له.
وأحسن ما يقال في الجواب: أنه تعالى قصد بهذه الآية تشريف النبي ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب، فأخبره الله أنه قد غفر له من ذنبه وما تأخر، وإن لم يكن ذنب، تشريف له ﷺ وتعظيماً لمقامه الكريم، ولم يخبر أحداً من الأنبياء بمثل ذلك إظهاراً لشرفة عليهم.
وقد قال المحققون جواباً آخر: وهو أن المغفرة هنا كناية عن العصمة، فمعنى: ?لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ? ليعصمك الله فيما ما تقدم من عمرك وفيما تأخر منه، وهذا القول في غاية الحسن وإلي هذا الجواب أشار البرماوي بقوله: والصواب أن معنى الغفران للأنبياء الإحالة بين الأنبياء وبين الذنوب، فلا يصدر منهم ذنب لأن الغفر: هو الستر، فالستر إما بين العبد والذنب، وإما بين الذنب وعقوبته، فاللائق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام القسم الأول، واللائق بالأمم القسم الثاني.
فائدة: يأتي نظير هذا الإشكال في الحديث الوارد في هذا الصحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة» (١) .
وفي الحديث الوارد في صحيح مسلم عن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» (٢) .
стр. 402
وفي الحديث الوارد في أبي داود الترمذي وصححه وابن ماجة عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر ليّ، وتب علىّ إنك أنت التواب الرحيم» (١) .
فإنه يقال: التوبة والاستغفار يقتضيان الذنب، وهو في الرتب العليا من العصمة ﷺ وأجابوا عن هذا: بأن توبته واستغفاره ﷺ ليسا عن ذنب وإنما توبته الرجوع إلى مولاه في ستر ما استقصره من الشكر بالنسبة إلى ما ارتقى إليه من المقامات الأكملية، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كلما بدا له من جلال الله وكبريائه قدراً، كان مرتقياً من كمال إلى أكمل فيستقصر بنظره إليه مما هو فيه من القيام بشكر الله تعالى على تلك الإنعامات العظيمة وطاعته، فيرجع إلى الاعتصام به تعالى ويطلب الستر لما ظهر من قصور الشكر.
وفي الحديث فوائد:
الأولى: أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية والغرف العلية، فإنها ترفع الدرجات وتمحوا عنه الخطيئات.
الثانية: أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كان ذلك ادعى إلى المواظبة عليها، استبقاء للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها.
الثالثة: فيه من الفوائد أنه ينبغي للإنسان أن يقف عند ما حد الشارع من عزيمته ورخصته، وأن يأخذ من العمل بالأرفق الموافق للشرع، وهو أولى من أن يأخذ بالأشق المخالف.
стр. 403
والرابعة: أن الأولى في العبادة القصد، والملازمة لا المبالغة المقتضية إلى الترك، فقد ورد في حديث آخر «المنبت» أي: المجد في السير «لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى» (١) .
الخامسة: فيه دلالة وتنبيه على فضل الصحابة وشدة رغبتهم في العبادة وطلبهم الازدياد وفعل الخير.
السادسة: فيه مشروعية الغضب عند مخالفته الأمر الشرعي، والإنكار على مرتكب ذلك، وإن كان صادقاً متأهلاً لفهم المعنى تحريضاً على التيقظ.
السابعة: فيه دليل على جواز تحدث المرء بما فيه من فضل، بحسب الحاجة لذلك، عند الأمن من المباهاة والتعاظم، خصوصاً إذ دخل إلى بلد لا يعرف فيها.
لطيفة: كان دانيال ﵇ عارفاً بالطب، فأراد أن يظهر نفسه لملك زمانه، فأمر طباخه أن يزيد دانقاً في ملح الطعام على القدر المحتاج إليه، ففعل ذلك فضعف نظر الخليفة، فسأل دانيال عن ذلك فقال: إن الطباخ زاد في ملح الطعام فسأله فقال: نعم، قال: ولم فعلت ذلك قال أمرني دانيال بذلك، فسأله فقال: نعم، لأنك لم تحتج إلى علمي فأردت أن أجعلك تحتاج إليه.
الثامنة: فيه من الفوائد أن الصالح ينبغي له أن لا يترك اجتهاده في العمل اعتماداً على صلاحه، فانظر إلى سيد الصالحين ورسول رب العالمين كيف كان اجتهاده في العمل ﷺ .
التاسعة: في دلالة وحث على العمل الصالح وعلى المداومة عليه، قال النبي ﷺ : «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» (٢)
رواه الترمذي في سننه.
وفي صحيح مسلم عن أبي عبد الله ثوبان مولى الرسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد سجدة إلا رفعك الله بها
стр. 404
درجة، وحط بها عنك خطيئة» (١) .
وفي الصحيحين عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الميت ثلاث أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله» (٢) .
وفي مسند أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح عند الأمم، فأوحى الله إلي: يا محمد بل أنا أحاسبهم فإن كان منهم زلة سترناها عنك حتى لا يفتضح عبدي عندك، ولا يحزن قلبك» .
وقالت عائشة: نظرت يوماً إلى وجه رسول الله ﷺ فرأيته فرحاناً مسروراً فسألته فقال: «يا عائشة سئلت ربي في أبناء الأربعين فقال: يا محمد قد غفرت لهم، فقلت: فأنباء الخمسين قال: إني غفرت لهم، قلت: فأبناء الستين قال: قد غفرت لهم، قلت: فأبناء السبعين، قال: يا محمد إني لأستحي من عبدي إذا عمرته سبعين سنة يعبدني لا يشرك بي شيئاً أن أعذبه بناري، فقلت فأبناء الأحقاب أبناء الثمانين والتسعين فقال: أقيل عليهم وأقول لهم: أدخلوا من أحببتم معكم الجنة، فإنكم أحبائي، أفنيتم أعماركم في توحيدي وطاعتي» .
ولله در القائل: من كان وكان يا غافلاً يتمادى، في اللهو كم هذا الزلل، غداً عليك ينادى، يا ناكثا خوان، لا تغتر بالدنيا، فليس هي الباقية، الدار دار الأخرى، فجد بالبنيان، أبناء عشر تواصوا بالخير فيما بينكم، فالخير لا شك عادة من الصغر قد بان، أبناء عشرين جدوا واستغنموا لشبابكم، ما دام غصن الشيبة، غض رطب ريان، يا ابن الثلاثين، بادر إلى المتاب فربما تأتي المنايا بغتة وتحرم الإمكان، وأنت ماذا عذرك، ذا الوقت يا ابن الأربعين، وقد بلغت أشدك فأسبق إلى الإحسان، أبناء خمسين هذا
стр. 405
وقت الرجوع عن الزلل، فليس عند الزيادة شيء من النقصان، أبناء ستين كونوا من المنون على حذر، فما أحد قط يعطي من المنون أمان، أبناء سبعين وافى جيش المشيب فما بقى للزرع إلا حصاده وينشر الديوان، يا ابن الثمانين، قل لي في الدهر ماذا تنتظر، قد حان وقت رحيلك، وشالت الركبان، أبناء تسعين فوزوا فقد كتب توقيعكم من ربكم بالإنابة والعفو والغفران، يا ابن المائة إن وقتك ما بقي لك من عمل، إلا التوجه إلى الله في السر والإعلان، قد حان وقت رحيلك، فقم تجهز للسفر، وحصل الزاد وإلا تبقى عليه ندمان.
وقيل: لا يفوت الإنسان عمل اعتاده إلا بذنب.
قال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب واحد، قيل: ما هو؟ قال رأيت رجلاً يبكي فقلت هذا مرائي.
وقال أبو يزيد البسطامي (١) : قمت ليلة فتذكرت أهل الغفلة من النائمين، فكوشفت بأن الرحمة تنزل عليهم كالقائمين، فتعجبت من ذلك فهتف بي هاتف يا أبا يزيد هؤلاء ذكروا عذابي فقاموا، وهؤلاء ذكروا رحمتي فناموا.
الفائدة العاشرة: في الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ حاذ رتبة الكمال الإنساني، لأن الكمال الإنساني إما بالعلم، وإما بالعمل، وقد جمع ﷺ الكمالين، وأشار إلى الأول بقوله: «أعلمكم بالله» ، والي الثاني: «أتقاكم» وهو ﷺ أعرف خلق الله بالله، وأتقى خلق.
ومعرفة الله هي: تحقيق العلم، بإثبات الواحدانية (٢) .
стр. 406
وقيل: هي حياة القلب مع الله.
وقيل: نسيان غير الله، وقد دل على فضلها ومدحها الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ?وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ? [الأنعام: ٩١] أي: ما عرفوا حق معرفته، وقال: ?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ? [المائدة: ٨٣] .
وجاء في الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن دعامة البيت أساسه، ودعامته الدين المعرفة بالله تعالى» .
وقد تكلم المشايخ الصوفية فيها، فكل منهم نطق بما وقع له منها، وأشار إلى ما وجده منها في وقته.
قال الأستاذ أبو علي الدقاق: من أمارة المعرفة بالله حصول الهيبة من الله تعالى فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته منه، ومن ازدادت هيبته استقامت حالته، وعظمت بين الخليقة حرمته.
وقال الشبلي (١) : ليس للعارف بالله علاقة أي: حظ في غير مولاه.
وقال بعضهم: من عرف الله انقطع بل خرس وانقمع.
وقال آخر: من كان بالله اعرف كان له أخوف.
وقال بعضهم: من عرف الله تبرم بالبقاء أي: كره البقاء، وضاقت عليه الدنيا بسعتها.
قال بعضهم: للعارف أمارة وهي: قلبه إذا نظر فيها تجلي فيها مولاه.
وقال ذا النون المصري: ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة، فسبقت روح نبينا ﷺ أرواح الأنبياء إلى روضة الوصال.
وقال أيضاً: معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى في أن يحتملك ويحلم عنك تخلقاً بأخلاق الله تعالى، فمتى صحبته وعفا عن كل ذنب يكون منك زال عنك برؤيته الفتور والكسل، وتخلقت بأخلاقه الحميدة.
واختلف العلماء في أول واجب على المكلف فالجمهور على أن واجب على المكلف معرفة الله لأنها أصل لسائر الأعمال الواجبة، إذ لا يصح بدونها واجب، بل
стр. 407
ولا مندوب.
وقيل: النظر المؤدي إليها.
وقيل: أول النظر.
وقيل: القصد إلى النظر.
وحقيقته مخالفة لسائر الحقائق، فلا يشاركه شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله.
واختلف العلماء هل حقيقته معلومة للناس في الدنيا؟
فقال المحققون: إنها ليست معلومة في الدنيا، قال الرازي: وكلام الصوفية يشعر به، ولهذا قال الجنيد: والله ما عرف الله إلا الله، وإذا كان الإنسان لم يدرك حقيقة نفسه فكيف يدرك حقيقة خالقه كما قيل:
حقيقة المرء ليس يدركها ... فكيف كيفية الجبار في القدم
وأما حديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (١)
فلم يصح ولم يثبت كما قاله النووي في فتاويه، وهو من كلام يحيى بن معاذ الرازي لا من كلام النبي ﷺ .
واختلف العلماء في معناه على أقوال، فقال النووي: معناه من عرف نفسه بالضعف والافتقار إلى الله والعبودية له، عرف ربه بالقوة والقهر والربوبية والكمال المطلق والصفات العليا.
стр. 408
وقال بعض العارفين: معناه من عرف نفسه بذلها وعجزها وفقره، عرف الله بعزته وقدرته وغناه، فيكون معرفة النفس أولا ثم معرفة الله من بعد.
وقال بعض أهل الله: لما كانت الروح في الجسد لا تدرك بالبصر ولا تمثل بالصور، علمنا سبحانه أنه لا تدركه الأبصار ولا يمثل بالصور والآثار، ولا يشبه بالشموس والأقمار ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فطوبي لمن عرف وبذنبه اعترف.
أشار بعض مشايخي في هذا المعنى فقال:
قل لمن يفهم عني ما أقول ... قصر القول فذا شرح يطول
هو شيء غامض من دونه ... ضربت والله أعناق الفحول
أنت لا تعرف إياك ولا ... تدر من أنت ولا كيف الوصول
لا ولا تدري صفات ركبت ... فيك حارت في خفاياها العقول
كيف تدر من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول
كيف تجلى أم ترى كيف يرى ... فلعمري ليس ذا إلا فضول
هو لا كيف ولا أين له ... وهو في كل النواحي لا يزول
جل ذاتاً وصفاتاً وسما ... وتعالى ملكه عما أقول
وذهب كثير من المتكلمين إلى أنها معلومة للناس في الدنيا، واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أنا مكلفون بمعرفة وحدانيته، فلذلك يتوقف على معرفة حقيقته، فلم نوجبها لكلفة ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنا لا نسلم أنها متوقفة على معرفته بالحقيقة، وإنما تتوقف على معرفته بوجه.
ثانيهما: أنا نحكم على ذات الله بأحكام، والحكم مسبوق بتصور المحكوم عليه، وهو ضعيف أيضاً، لأن تصور المحكوم كان بوجه ما.
قال الزركشي: والأحسن القول الأول وهو أنها ليست معلومة للناس في الدنيا قال تعالى: ?وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً? [طه: ١١٠] .
واختلف العلماء هل يمكن علمها في الآخرة؟
فقيل: لا، لأن علمها يقتضي الإحاطة به تعالى وهي ممتنعة.
وقيل: نعم، لحصول الرؤية فيها، ورد بأن الرؤية لا تفيد الحقيقة، والواجب على المكلف في الدنيا معرفته بوجه، وهو: بصفاته كما به أجاب موسى لفرعون لما قال: ?وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ? فقال: ?قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم
стр. 409
مُّوقِنِينَ? [الشعراء: ٢٤] إجابه بالصفة لتعذر الجواب بالماهية، فظن فرعون أن موسى مخطئ في الجواب لعدوله عن الجواب المطابق لسؤاله، ولم يعلم بغباوته أنه هو المخطئ في السؤال، وأن ما أتى به الكليم في الجواب أقصى ما يمكن.
قال الرزركشي: وغاية معرفة الإنسان لربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة، ويعرف أنها موضوعة ومحدثة، وأن محدثها يصح ارتفاع كلها مع قيامه، ولا يصح بقاؤها وارتفاعه.
وفي هذا المقام قال الصديق الأكبر: سبحان من لم يجعل لخله سبيلاً إلى معرفته، إلا بالعجز عن معرفة شيء.
قال الرازي: واعلم أن من عرف الله لا يخلو عن قبض وبسط، فإذا استغرق في عالم الجلال والعزة والاستغناء وقع في القبض والهيبة، فيصير كالمعدوم الفاني، وإذا استغرق في عالم الجمال والرحمة والكرم وقع في البسط والفرح والسرور، فيصير فرحاً بربه.
قيل: كان يحيى ﵇ الغالب عليه الحزن والقبض، وكان عيسى ﵇ الغالب عليه الفرح والسرور والبسط فتحاكما في هذه الواقعة إلى حضرة رب العزة، فأوحى الله تعالى إليهما إن أقربكما إليّ أحسنكما ظناً بي.
واستدل كثير من السلف على معرفة الله تعالى بطرق.
لطيفه: سأل جماعة من الكفار وكانوا سبعة عشر نفساً الإمام الشافعي ما الدليل على معرفة الصانع؟
فقال: ورقة الفرصاد أليس طعمها ولونها وريحها واحد عندكم قالوا: نعم فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبرسيم، والنحلة فيخرج منها العسل، والشاة فيخرج منها البعرة والظبية فينعقد في نوافحها المسك، فمن ذا الذي جعلها كذلك، مع أن الطبع واحد، فاستحسنوا منه ذلك وآمنوا على يديه.
وسئل أبو حنيفة عن معرفة الصانع فقال: إن الوالد يريد الذكر فيكون أنثى، ويريد الأنثى فتكون ذكراً، فدل ذلك على معرفة الصانع.
واستدل أحمد بن حنبل على معرفة الله تعالى بالبيض وخروج الفرخ منها، وقال: الدليل على الصانع قلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها أي: لا باب، كالفضة المذابة والذهب الإبريز ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فدل ذلك على اللطيف الخبير.
стр. 410
وسأل هارون الرشيد مالكاً عن الصانع، فاستدل عليه بخلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت اللغات.
وسأل الأصمعي بعض الأعراب فقال له: كيف عرفت الله: فقال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وأبحر ذات أمواج ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير.
وسئل أبو نواس الشاعر عن الدليل على الصانع فقال: النرجس وأنشد فيه:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
أصول من لجين زاهرات ... على أطرافها ذهب سبيك
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبي بكر الأصبهاني قال: رؤي أبو نواس في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس (١) .
سؤال: هل الطيور والبهائم البرية والبحرية عارفة بربها أم لا؟
قال الإمام فخر الدين الرازي: أكثر أرباب الآثار والأخبار جوزوا ذلك، وقالوا إن كونها عارفة بربها مشتغلة بتسبيحه أمر جائز في العقول، فوجب الاعتراف بذلك، وإن حصول الفهم والعلم في ذوات هذه الحيوانات من جملة الممكنات والله تعالى قادر على كل الممكنات، واستدلوا على ذلك بأنه يحصل منها أفعال لا تصدر إلا من العقلاء بل من أفاضل العقلاء، فدل ذلك كونها عارفة بربها.
ثم بين ذلك بوجوه:
منها: أن النحلة أعطاها الله من الذكاء أنها تبني البيوت المسدسة، من غير نظر ولا آلة ولا شكل، وإن البشر لا يقدرون على بناء البيت المسدس إلا عند استعانة بالآلات الكثيرة، وإنها تسعي في تحصيل قوتها وتؤخره لعلمها أنها قد تحتاج إليه في الأزمنة المستقبلية، ولا تكون قادرة على تحصيله في تلك الأوقات فسعت وادخرته، وذلك لا يصدر إلا من عاقل عارف بربه.
ومنها: أن الجمل والحمار وغيرهما إذا ذهب في طريق في ليلة ظلماء مرة واحدة، المرة الثانية يقدر على السلوك بتلك الطريق من غير إرشاد مرشد، وما ذاك إلا لعقله
стр. 411
ومعرفته بربه.
ومنها: أن الفأرة تدخل ذنبها في قارورة الدهن إن كان رأسها ضيقاً ولا تدخل رأسها ويحصل مقصودها بهذا الطريق، وهذا يدل على عقلها.
ومنها: أن العنكبوت تبني بيتها على وجه عجيب وعلى نسجه الشبكة التي تصيد بها الذباب.
وهذه أفعال فكرية فوجب الإقرار بثبوت العقل لها، وإذا أثبت كونها مهتدية عارفة بهذه الدقائق، فأي بعد في كونها عارفة بربها مسبحة لمالكها، ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ?قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ? [النمل: ١٨] وهذا لا يصدر إلا من الفاهم العاقل.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مكحول عن بعض الأحبار أنه قال: «قام داود النبي ﵊ ليلة على ساحل البحر يصلي ويسبح لله ويحمد، ويقول في دعائه: إلهي هدأت الأصوات، وغارت النجوم، ونامت العيون، وعين داود لم تنم، وأنت الحي القيوم، فهو متعجب بقيام ليله، فأوحى إلى ضفدع أن أجيبه فقال الضفدع: يا داود أعجبك قيام ليلة واحدة وأنا في مكاني هذا منذ سبعين سنة لم يفتر لساني من التسبيح والتقديس لربي، قال داود: فبأي شيء تسبحين؟ قالت: فإني أقول: سبحان ربي المعبود بكل مكان، سبحان ربي المشكور بكل لسان، سبحان ربي المحمود في كل أوان» .
وأما ما يتعلق بالتقوى التي دل عليها في الحديث قوله: «أتقاكم» فهو: أن البرماوي وغيره قالوا: إن التقوى على ثلاث مراتب:
الأولى: وقاية النفس عن الكفر وهذه المرتبة للعموم.
الثانية: وقاية النفس عن المعاصي وهي للخواص.
الثالثة: وقاية النفس عما سوى الله وهي لخواص الخواص.
قال حجة الإسلام الغزالي: التقوى كنز عزيز، ولئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف، وخير كثير، ورزق كريم، فوز كبير، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فجعلت تحت هذه الخصلة الواحدة التي هي التقوى، وتأمل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة.
قال: وأنا أعد لك من جملها اثنا عشر خصلة:
стр. 412
أولها: المدح والثناء قال تعالى: ?وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ? [آل عمران: ١٨٦] .
الثاني: الحفظ والحراسة من الأعداء قال تعالى: ?وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ? [آل عمران: ١٢٠] .
الثالث: التأييد والنصرة قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ? [النحل: ١٢٨] ، وقال تعالى: ?وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ? [البقرة: ١٩٤] .
والرابع: النجاة من الشدائد والرزق الحلال قال الله تعالى: ?وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ? [الطلاق: ٢، ٣] .
والخامس: إصلاح العمل قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً? [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
السادس: غفران الذنوب كما قال تعالى: ?وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ? [الأحزاب: ٧١] .
والسابع: محبة الله قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ? [التوبة: ٤] .
والثامن: القبول قال الله تعالى: ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ? [المائدة: ٢٧] .
والتاسع: الإكرام والإعزاز قال الله تعالى: ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: ١٣] .
والعاشر: البشارة عند الموت قال الله تعالى: ?الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ? [يونس: ٦٤] .
والحادي عشر: النجاة من النار قال الله تعالى: ?ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا? [مريم: ٢٧] ، وقال تعالى: ?وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى? [الليل: ١٧] .
والثاني عشر: الخلود في الجنة قال الله تعالى: ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ? [آل عمران: ١٣٣] .
فهذا كله خير وسعادة في الدارين تحت خصلة واحدة وهي التقوى، ولا تنس نصيبك منها أيها الرجل وفسروا قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
стр. 413
تُقَاتِهِ? [آل عمران: ١٠٢] بأن يطاع الله فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، هذا أعلى درجات التقوى، وهذا عزيز وربما يعجز الإنسان عنه، ولهذا لما نزلت الآية وسمعها الصحابة خافوا العجز عن القيام بذلك، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: ?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: ١٦] .
وكان سهل بن عبد الله يقول: لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله ﷺ ، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه.
وقال بعض العارفين: من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا، لأن الله تعالى يقول: ?وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا? [يوسف: ١٠٩] .
وقيل: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: بحسن التوكل منه على الله فيما لم ينل من الرزق، وحسن الرضا منه فيما قد نال منه، وحسن البصر منه على ما فات مما يحبه.
وجاء في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أوصني فقال: «عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلم، وعليك بذكر الله فإنه نور لك أي: يهديك إلى الصراط المستقيم.
وأنشد ذو النون المصري قدس الله سره:
ولا عيش إلا مع رجال قلوبهم ... تحن إلى التقوى وترتاح للذكر
وعن عائشة أنها قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ ولا أعجبه أحد إلا ذو التقى.
وعن قتادة ﵁ أنه قال: «مكتوب في التوراة يا ابن آدم اتق الله ونم حيث شئت» .
وكتب على بعض القبور: ليس زاد إلا التقى فخذ منه أو دع.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «من اتقى الله عاش قوياً وسار في بلاده آمنا» .
وقال ابن لقمان لأبيه أي الخصال خير؟ قال: الدين، قال: فإن كانت اثنتين؟ قال: الدين والمال، قال: فإن كانت ثلاثة؟ قال: الدين والمال والحياء، قال: فإن كان أربعاً؟ قال: حسن الخلق، قال: فإن كانت خمساً؟ فقال: السخاء، قال: فإن كانت ستاً؟ قال: يا بني إذا اجتمعت فيه هذه الخمس خصال فهو تقي لله ولي، ومن الشيطان بري، ولقد صدق من قال:
من اتقى الله فذاك الذي ... سبق إليه المتجر الرابح
من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذك الشقي
ماذا على الطائع ما ضره ... في طاعة الله ماذا لقي
стр. 414
ما يصنع العبد بعز الغنى ... والعز كل العز للمتقي
لطيفة: نزل ضيف على سليمان الفارسي ولم يكن عنده شيء، فخرج إلى الصحراء فوجد ظباء وطيور فأشار إلى ظبي وطير فاقبلا فقال: الضيف سبحان الله قد سخر لك الظباء والطير فقال سلمان: هل رأيت عبدا أطاع الله فعصاه شيء.
لطيفة أخرى: خرج شاب بالمدينة لصلاة العشاء في أيام عمر بن الخطاب ﵁ فرأته امرأة فعرضت نفسها عليه فتبعها إلى منزلها، ثم تذكر قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ? [الأعراف: ٢٠١] أي: خطرة ونزعة من الشيطان، ?تَذَكَّرُوا? أي: تذكروا أنهم وقع منهم شيء يغضب الله تعالى، فلما قرأ الشاب هذه الآية وقع مغشياً عليه فطرحته المرأة على باب دراها، فخرج أبوه فلما أفاق سأله عن حاله فقص حاله على أبيه، فلما قرأ الآية ثانياً خرجت روحه فلما دفنوه بلغ ذلك عمر، فوقف على قبره وناداه: يا فلان ?وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ? [الرحمن: ٤٦] فأجابه من القبر يا عمر قد أعطاينهما ربي بفضله.
* * *
للملائكة، والمعنى ثم يقول الله بعد إدخال عصاة أمة محمد ﷺ إلى النار لملائكته: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبه من خردل من إيمان.
ويجوز أن تكون همزة وصل ويكون الخطاب للعصاة الذين أدخلهم الله النار، والمعنى: أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، وإنما أتى «بحبه الخردل» دون غيرها من البذورات لأنها في غاية الصغر، فلهذا يشبه بها للبالغ في القلة أي: أخرجوا من النار من بلغ إيمانه إلى غاية القلة، بحيث لا يكون فيها أحد إيمانه أقل من منه، هذا دليل على أنه لا يبقى في النار من أهل الإيمان من العصاة أحد من قل إيمانه أو كثر، تفضلاً منه سبحانه وكرماً.
وكم من عاص تفضل الله عليه وعفا عنه وسامحه، من غير سبق عذاب في البرزخ ولا في الآخرة، بل عامله بحسن ظن فأدخله الجنة.
لطيفة: روي عن إبراهيم بن أدهم قال: بينما أنا أمشي في بعض الأذقة، وإذا امرأة تحمل ميت والناس يرجمونه بالحجارة، فقلت لها: ما يكون هذا الميت قالت ولدي وكان يعصي الحق ولا يستحي من الخلق، فلما حضره الموت سمعته يقول: يا محسنا لمن رجاه، يا من لا يهتك عبداً عصاه، فلما مات هجره الخلق ورجموه، فلا أدري كيف أتجه به، فقلت: أنا أحمله وأصلي عليه، فحملته معها فجهزناه ودفناه، فمضت أمه، فتفكرت أنا عند قبره فأخذتني سنة النوم، فرأيت ملكين قد نزلا عليه فانشق القبر فأجلساه وشم أحدهما جميع مفاصله فقال: لرفيقه ما في جسده مثقال حبة من خير فقال رفيقه: ربه أعلم به فنوديا: شقا قلبه، فخرج منه شامة بيضاء تتلألأ كالقمر، فنوديا: يا أيها الملكان هذه شهادة أن لا إله إلا الله، توفى عليها، وهو يرجوني ويقصدني فيكف أخيب من قصدني.
فإن قيل: من أين تعرف الملائكة العصاة الذين أدخلوا النار وفي قلوبهم مثقال حبة من خردل من خردل حتى يخرجوهم والإيمان أمر قلبي؟
فالجواب: أن الله تعالى يجعل له علامات يعرفون بها، كما يعلمون بأنهم من أهل التوحيد بعلامات السجود.
وقوله: «فيخرجون منها قد اسودوا» أي: صاروا سود كالحمم من آثار النار.
«فيلقون في نهر الحياء» أي: في نهر المطر (١) .
стр. 417
«أو الحياة» أي: النهر الذي ينغمس فيه الحي.
«فينبتون كما تبنت الحبة من جانب السيل» و «الحبة» (١) بكسر الحاء تجمع على حبب، وهو بذر العشب، وإنما شبه ﷺ نبات العصاة الذين أخرجوا من النار في نهر الحياة بنبات العشب لسرعة نباته وخروجه من الأرض، قيل: إنه ينبت في يوم وليلة بخلاف غيرها من الحبب لا ينبت كذلك.
وقوله: «ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» .
فائدة: هذا اللون مفرح يسر الناظرين، قال تعالى في حق بقرة إسرائيل: ?بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ? [البقرة: ٦٩] ونقل القرطبي عن علي بن أبي طالب أنه قال: من لبس نعلاً أصفراً قل همه.
ولهذا كان الحناء سيد رياحين الجنة لصفرته، قال رسول الله ﷺ : «سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية» (٢)
والفاغية: نَوْرُ الحناء.
وقال أنس: «كان أحب الرياحين إلى رسول الله ﷺ الفاغية» (٣) رواهما البيهقي.
والمعنى: أن العصاة إذا خرجوا من النار وألقوا في نهر الحياة، يخرجون من ذلك النهر منورين منبسطين متبخترين كخروج هذه الريحانة من جانب السيل، ويسمى هؤلاء الذين أخرجوا من النار «عتقاء الله» فإنهم يدخلون الجنة ومكتوب على جباههم وبين أعينهم «عتقاء الله» .
وروي أنهم إذا أدخلوا الجنة بعد ذلك فتكون تسميتهم الجهنميين، فيكرهون هذا الاسم ويسألون الله تعالى أن يزيله عنهم، فيثور في الجنة شبه الضباب فينقلهم الله إلى منازل لا يعرفون فيها، ويزول عنهم هذا الاسم.
وفي رواية: إذا دخلو الجنة قال أهل الجنة هؤلاء الجهنميين، فعند ذلك يقولون إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار، فيرسل الله تعالى ريحاً من تحت العرش يقال لها:
стр. 418
المثيرة، فتهب على وجوههم فتمحوا الكتابة أي: ما هو مكتوب بين أعينهم.
فقد روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتاباً من تحت العرش، إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة أو قال مثلي أهل الجنة، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» .
وقوله: «مثقال حبة من خردل من إيمان» المثقال من الذهب عند الفقهاء عبارة عن اثنين وسبعين شعيره، فإن قيل: الإيمان عرض فكيف يوزن؟
فالجواب: أن هذا مثل، فيكون عياراً في المعرفة لا في الوزن، لأن الإيمان ليس بجسم فيوزن، ولكن ما يشكل من المعقول يرد إلى المحسوس ليفهم، ويشبه ليعلم.
وقيل: الذي يوزن إنما هي الصحف المشتملة على الأعمال.
ويستفاد من الحديث أنواع من العلوم:
منها: إثبات دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وهذا أمر دلت عليه النصوص الظاهرة، وأجمع عليه من يعتد به، ولهذا لا يجوز كما قاله ابن عبد السلام وغيره أن يقول الإنسان في الدعاء: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات جميع ذنوبهم، ولا اللهم لا تدخل أحداً منهم النار، قالوا: لأنا نقطع بخبر الله وخبر رسوله ﷺ من أن منهم من يدخل النار.
ولا يشكل على هذا القول مع قول نوح ﵇: ?رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ? [نوح: ٢٨] لأنه ورد بصيغة الفعل في سياق الإثبات، وذلك لا يقتضي العموم، لأن الأفعال نكرات، ولجواز أن يكون نوح ﵊ قصد معهوداً خالصاً وهو أهل زمانة مثلاً بل جميع المؤمنين والمؤمنات من أهل زمانه وغيرهم.
وفي الحديث أيضاً: دلالة على أنه لابد من إخراج العصاة ولا يخلدون في النار، ولو كانوا من أصحاب الكبائر، وهنا غرائب مناسبة:
الأولى: فإن قيل: إذا أدخل الله العصاة النار هل يميتهم الله في النار ثم يخرجهم بالشفاعة أو لا يميتهم؟
في المسألة قولان:
أحدهما: ورجحه القرطبي: أن الله يميتهم في النار إماتة حقيقية تكريماً لهم حتى لا يحسوا بألم العذاب بعد الاحتراق، ثم يخرجهم منها، والدليل على ذلك ما ورد في بعض الأحاديث: «فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً، أذن في الشفاعة فيهم» (١) أكد
стр. 419
ذلك بالمصدر فدل على أن الإماتة حقيقية، بخلاف الكفار المخلدين فيها قال الله تعالى في حقهم: ?وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ? [فاطر: ٣٦] بل كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها كما قال الله تعالى: ?كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ? [النساء: ٥٦] .
ثانيهما: أنهم إذا دخلوا النار لا يموتون فيها، بل إماتتهم المذكورة في الحديث عبارة عن أن الله يلقي عليهم في النار النوم حتى يعينهم عن ألم العذاب، وليس بموت على الحقيقة فإن النائم قد يغيب عن كثير من الألم والملاذ، وقد سماه الله تعالى وفاة بقوله العزيز: ?اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? [الزمر: ٤٢] .
فإن قيل: إذا أماتهم في النار على القول الأول وألقى عليهم النوم على القول الثاني، فأي حكمة وفائدة في إدخالهم النار ولا شعور لهم بأليم العذاب، الذي هو المقصود من دخول النار؟
أجاب العلماء عن ذلك: بأنه يدخلهم إلى النار وإن لم يحسوا بأليم العذاب، تأديباً لهم ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم، كالمحبوس في السجن، فإن الحبس عقوبة له وإن لم يكن معه غل ولا قيد والله أعلم.
الثانية: العصاة الذين يدخلهم الله النار من المؤمنين متفاوتون في العذاب، بحسب أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى صدره، فقد جاء في خبر عن كعب الأحبار: «يا مالك قل للنار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرؤون القرآن، يا مالك قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم» فالنار أعرف بهم بمقدار استحقاقهم من الوالدة بولدها، بخلاف الكافر فإن العذاب يشمل جميع جسده، ولا تعاف منه شيئاً، كما اشتمل في الدنيا على الكفر تشمله النار في الآخرة قال تعالى: ?لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ? أي: ما فوقهم ظلل لهم وما تحتهم ظلل.
ويعظم جسد الكافر في النار وأعضاؤه كأسنانه ويديه ورجليه وباقي أعضائه ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (١) .
стр. 420
وفي حديث آخر للترمذي: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة» (١) .
وكذلك تسود وجوه الكفار في النار، وتزرق عيونهم، ويغلون بالأغلال.
والعصاة من المؤمنين فإنهم يسلمون من ذلك كله، ويتفاوتون في قدر البقاء في النار فمنهم من يمكث فيها ساعة، ومنهم من يمكث فيها يوماً، ومنهم من يمكث شهراً، ومنهم من يمكث فيها سنة، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي وماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوهم، ولا تزرق عيونهم، ولا يغلون بالأغلال، ولا يقرنون مع الشياطين، ولا يضربون بالمقامع، ولا يطرحون في الأدراك، منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوماً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثاً فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة ... الحديث» (٢) .
الثالثة: فإن قيل: إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة هل يعرفون منازلهم وأمكنتهم التي أعدها الله بهداية من الله، أو أن الملائكة تدلهم على منازلهم؟
في المسألة قولان:
أحدهما: أن الملائكة إذا وصلت بأهل الجنة إلى بابها يقولون لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فيذهب كل واحد منهم إلى منزله فيها، وهو أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها من منزله الذي كان في دار الدنيا، كما أن أهل صلاة الجمعة مثلاً إذا أخرجوا من المسجد يعرف كل واحد منزله، كذاك أهل الجنة وهذا القول هوالراجح ويدل عليه قول الله تعالى: ?وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ? [محمد: ٦] .
ثانيهما: إنهم لا يعرفون منازلهم إلا بالملائكة يمشي مع كل واحد ملك بين يديه إلى منزله، وهو الملك الموكل بعمله.
الرابعة: أفاد بعض العلماء أنه يمكن معرفة أهل الجنة من أهل النار في الدنيا بعلامة وهي: أن الشخص إذا ملأ الله أذنيه من ثناء الناس عليه فهو من أهل الجنة، وإذا ملأ الله أذنيه من ذم الناس له فهو من أهل النار، واستُدل على ذلك بحديث في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: مر بجنازة فأثني عليها خيراً فقال النبي ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» ومر بجنازة فأثني عليها شراً فقال النبي ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» فقال عمر بن الخطاب ﵁: فداك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خيراً فقلت: «وجبت وجبت وجبت» ومر
стр. 421
بجنازة فأثني عليها شراً فقلت: «وجبت وجبت وجبت» فقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» (١) .
وفي بعض طرق البخاري عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» فقلنا: وثلاثة فقال: «وثلاثة» فقلنا: واثنان فقال: «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد.
والحديث السابق يعطي العموم، وإن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير والثناء الصالح، كانت له الجنة والله اعلم.
ومرت جنازة على عبد الله بن مسعود ﵁ فقال لرجل قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ فقال الرجل: وما يدريني من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ قال: انظر إلى ثناء الناس عليه فإنهم شهداء الله في الأرض.
وغير مستنكر إذا أحب الله عبداً أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه، وفي قلوبهم المحبة له قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُداًّ? [مريم: ٩٦] .
قدمنا أنه ورد في الحديث: أن الله تعالى إذا أحب عبداً فدعا جبريل فقال: إن الله يحب فلاناً فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وفي البغضاء مثل ذلك.
قال القرطبي: وقد شوهد رجال من المسلمين علماء صلحاء كثر الثناء عليهم، وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم.
الخامسة: جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما سأل الله عبداً الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخلنيه» (٢) .
وفي حديث آخر: «ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلاناً استجار مني فأجره، ولا سئل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخله الجنة» (٣) .
فالرب تعالى جواد له الجود كله يجب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه، فخلق من
стр. 422
يسأله وألهمه سؤاله، وخلق له ما يسأله، فهو خالق السائل وسؤاله ومسؤوله، وذلك لمحبته لسؤال عبده له، ورغبتهم إليه، وطلبهم منه، وهو يغضب إذا لم يُسأل، وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالاً، وهو يحب الملحين في الدعاء كلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه فأكثروا من طلب الجنة ومن الاستعاذة من النار.
فقد ورد في حديث آخر عنه ﷺ : «ما من مسلم سأل الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاثاً قالت النار: اللهم أجره من النار» (١) رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث آخر: «أكثروا مُساءلة الله الجنة واستعيذوا به من النار فإنهما شافعتان مشفعتان، وإن العبد إذا أكثر مساءلة الله الجنة، قالت الجنة: يا رب عبدك هذا الذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه» (٢) .
وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة، ويقولون: حسبنا أن يجيرنا من النار.
وجاء في حديث آخر يقول الله : «انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن استعاذني من النار أعذته» (٣) .
وفي حديث آخر: «أطلبوا الجنة جهدكم، اهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة» (٤) .
* * *
стр. 423
قَالَ البُخَارِي (١) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢) ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ (٣) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (٤)
، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ (٥) يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ (٦) ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» . قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الدِّينَ» .
في هذا الحديث فوائد:
الأولى: دل على استحباب تأويل دليل الرؤيا إذا كان عارفاً به، أو أنه يسأل العالم بها عنها، كما أول ﷺ المنام الذي رآه لسيدنا عمر لما سألوه عنه «بالدين» .
وإنما أول رسول الله ﷺ القميص بالدين، لأن الدين للإنسان كالقميص له في أنه يستره من النار، ويحجبه عن كل مكروه، كما أن القميص يستر عورة الإنسان.
وظاهر الحديث يقتضي أن القميص على أي لون كان يؤول بالدين إذا كان يجره على الأرض.
وفصل علماء التعبير في ذلك وقالوا: القميص الأبيض والأخضر يؤول بالدين، وأما الأزرق فإنه لا يحمد في المنام لقوله تعالى: ?وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً? [طه: ١٠٢] .
أما الأحمر فإنه يدل على الشهرة والخيلاء في المنام فإن كان معتاداً بلبسه فهو دليل
стр. 424
على رفعة وسودد يحصل له، وإن لم يكن معتاداً بلبسه، فهو هم وحزن.
وأما القميص الأصفر فهو دليل على مرض يحصل للابسه في المنام، فإن رأى أنه لبسه وغسله أو خلعه نجا من ذلك المرض، ومن رأى أن عليه قمصاً كثيرة، أو على غيره فذلك دليل على أن له عند الله أجراً عظيماً.
ومن رأى قميص تخرق على جسمه استغنى من قبل امرأته، وإن رآه تفتق فارق امرأته أوشريكه.
ومن رأى قميصاً بلا كمين عليه أو على غيره فذلك دليل على حسن شأن لابسه في دينه ودنياه وأنه ليس له مال.
ومن رأى قميص شق طولاً فهو دليل على كلام يحصل له وهم يزول عنه، وإن رآه شق عرضاً فهو دليل على كلام يقال في عرضه.
ومن رأى أنه قَدْ قُدَّ من وراءه فإنه يتهم بتهمة هو برئ منها، فإن رأه قُدَّ من قبله فالذي يرمى به صحيح لقصة يوسف: ?إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ? [يوسف: ٢٦، ٢٧] .
ومن رأى أنه لبس قميصاً مقلوباً فإنه يدل على تغير حاله إلى خلاف عادته.
ومن رأى أنه لبس قميصاً خلقاً وسخاً فهو دليل على فقر ودَين.
ومن رأى أنه لبس جديداً صفيقاً فهو دليل على قوة في دين صاحبه، ويفسره للمرأة بالزوج، وللرجل بالمرأة إذ لبساه لقوله تعالى: ?هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ? [البقرة: ١٨٧] .
ومن رأى أن جيب قميصه انشق انفتح عليه باباً من الفقر، ومن رأى أنه لبس قميصاً قصيراً لم يستر ركبتيه، فذلك دليل على نقص في دينه للحديث السابق الذي ساقه البخاري.
ومن رأى أنه أهدى إليه قميص فإنه يبشر ببشارة حسنة لقوله تعالى في قصة يوسف: ?فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ? [يوسف: ٩٦] .
فائدة مناسبة: ذكر بعض المفسرين أن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه كان له ثلاثة أقمصة، قميص العلامة، وقميص الشهادة، وقميص البشارة، أما قميص العلامة فقد أشار الله إليه بقوله: ?وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ? [يوسف: ١٨] فإن أخوة يوسف كانوا إحدى عشر لما ألقوه في الجب وأخذوا قميصاً فذبحوا شاة ولطخوا قميصه بدمها فلما تأخروا عن الوقت الذي كانوا يروحون فيه إلى يعقوب أحس قلبه بالشر، فقام ليستقبلهم فلم يطق النهوض فتوكأ على جارية، وجعل يمشي حتى أشرف على الوادي، فرمى نفسه هناك، فلما أشرفوا على الوادي شقوا ثيابهم وحثوا التراب على
стр. 425
رؤوسهم، وهم يضجون في البكاء والصياح، فلما رآهم يعقوب على هذه الحالة وقع مغشياً عليه، فلما أفاق قال: مالي لا أرى قرة عيني فيكم؟ قالوا: كما أخبر الله عنهم: ?ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ? [يوسف: ١٧] قال: لم يبق له عضو من أعضائه تأتوني به أستانس به وأشم ريحه منه فقالوا: هذا قميصه ملطوخ بدمه، فقلبه فلم ير فيه شقاً ولا تمزيقاً وشمه فلم يجد ريحة فيه، فقال: سبحان الله ما كان أشفق وأرفق هذا الذئب حيث أكله فلم يمزق ثوباً ولم يبق له عضواً، وأحس في نفسه أن الذئب لم يأكله، فصار يبكي ويقول: قرة عيني ليت شعري، في أي بئر طرحوك، ليت شعري لأي سبع عرضوك.
قال بعضهم لبعض: ألا ترون أن أبانا يكذبنا ولا يصدق مقالتنا، تعالوا حتى نصطاد ذئباً ونلطخه بالدم ونأتي به إليه ونقول هذا هو الذئب الذي أكله، فلعله أن يسليه ذلك عما هو فيه، قالوا: نعم فاصطادوا ذئباً وأوثقوه وأتوا به إلى يعقوب، فلما مثلوه بين يديه نظر يعقوب إليه وقال لهم: ما هذا؟ فقالوا هذا الذئب الذي يغشي أغنامنا وأكل أخانا وأفجعنا فيه، فقال لهم: أطلقوه فأطلقوه فجعل الذئب يببصبص بذنبه ويدنوا إليه ويعقوب يقول: أدن أدن فجعل يدنوا حتى ألصق خده بخده، فرفع يعقوب إلى السماء رأسه وقال: اللهم إن كنت أجبت لي دعوة، ورحمت لي عبرة، فأنطق لي هذا الذئب بقدرتك، فإنك على كل شيء قدير، فأنطق الله لسان الذئب وقال: السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام أيها الذئب بأي جرم أفجعتني في ولدي، وأورثتني هماً طويلاً فقال الذئب: وحقك ما أكلت لحمه، ولا شربت دمه، ولا نتفت شعره، ومالي بولدك عهد، وإني لذئب غريب أقبلت من ناحية مصر في طلب أخ لي غاب عني منذ سنين، فلا أدري أحي أخي أم ميت فاحتسبته، وإن لحوم الأنبياء محرمة على جميع السباع، فقال يعقوب لبنيه: لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم، هذا خرج في طلب أخيه وأنتم ضيعتم أخاكم، ولقد علمت أن الذئب برئ مما نسبتم إليه ?قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ? [يوسف: ١٨] .
وقال في أنس المحاضرة: خرج بنو يعقوب ﵇ إلى الصحراء فأمسكوا ذئباً فشدوا وثاقه، وأتو به إلى أبيهم يعقوب، فقالوا: يا أبانا هذا الذي أكل أخانا، قال: حلوا ثاقة، وقال له يعقوب ﵇: أنت أكلت حبيبي يوسف؟ فقال: يا نبي الله ألست تعلم أنه محرم علينا لحوم الأنبياء، قال: صدقت، فمن أين جئت؟ قال من مصر، قال: والي أين تريد؟ قال: إلى خراسان، قال: في ماذا؟ قال في زيارة أخ لي، قال: وما بلغك فيه؟ قال: حدثني أبي عن جدي عن الأنبياء السالفين: أنه من زار أخاه له في الله كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة فقال يعقوب لبنيه: اكتبوا هذا الحديث عن الذئب، فقال: معاذ الله أن أملي عليهم لأنهم كذبوا علي وقالوا ما لم أفعل.
وكذلك للمؤمن ثلاثة أقمصه قميص الخدمة، قوله تعالى: ?يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا