بجنازة فأثني عليها شراً فقلت: «وجبت وجبت وجبت» فقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» (١) .
وفي بعض طرق البخاري عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» فقلنا: وثلاثة فقال: «وثلاثة» فقلنا: واثنان فقال: «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد.
والحديث السابق يعطي العموم، وإن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير والثناء الصالح، كانت له الجنة والله اعلم.
ومرت جنازة على عبد الله بن مسعود ﵁ فقال لرجل قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ فقال الرجل: وما يدريني من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ قال: انظر إلى ثناء الناس عليه فإنهم شهداء الله في الأرض.
وغير مستنكر إذا أحب الله عبداً أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه، وفي قلوبهم المحبة له قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُداًّ? [مريم: ٩٦] .
قدمنا أنه ورد في الحديث: أن الله تعالى إذا أحب عبداً فدعا جبريل فقال: إن الله يحب فلاناً فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وفي البغضاء مثل ذلك.
قال القرطبي: وقد شوهد رجال من المسلمين علماء صلحاء كثر الثناء عليهم، وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم.
الخامسة: جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما سأل الله عبداً الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخلنيه» (٢) .
وفي حديث آخر: «ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلاناً استجار مني فأجره، ولا سئل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخله الجنة» (٣) .
فالرب تعالى جواد له الجود كله يجب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه، فخلق من
стр. 422
يسأله وألهمه سؤاله، وخلق له ما يسأله، فهو خالق السائل وسؤاله ومسؤوله، وذلك لمحبته لسؤال عبده له، ورغبتهم إليه، وطلبهم منه، وهو يغضب إذا لم يُسأل، وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالاً، وهو يحب الملحين في الدعاء كلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه فأكثروا من طلب الجنة ومن الاستعاذة من النار.
فقد ورد في حديث آخر عنه ﷺ : «ما من مسلم سأل الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاثاً قالت النار: اللهم أجره من النار» (١) رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث آخر: «أكثروا مُساءلة الله الجنة واستعيذوا به من النار فإنهما شافعتان مشفعتان، وإن العبد إذا أكثر مساءلة الله الجنة، قالت الجنة: يا رب عبدك هذا الذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه» (٢) .
وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة، ويقولون: حسبنا أن يجيرنا من النار.
وجاء في حديث آخر يقول الله : «انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن استعاذني من النار أعذته» (٣) .
وفي حديث آخر: «أطلبوا الجنة جهدكم، اهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة» (٤) .
* * *
стр. 423
قَالَ البُخَارِي (١) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢) ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ (٣) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (٤)
، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ (٥) يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ (٦) ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» . قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الدِّينَ» .
في هذا الحديث فوائد:
الأولى: دل على استحباب تأويل دليل الرؤيا إذا كان عارفاً به، أو أنه يسأل العالم بها عنها، كما أول ﷺ المنام الذي رآه لسيدنا عمر لما سألوه عنه «بالدين» .
وإنما أول رسول الله ﷺ القميص بالدين، لأن الدين للإنسان كالقميص له في أنه يستره من النار، ويحجبه عن كل مكروه، كما أن القميص يستر عورة الإنسان.
وظاهر الحديث يقتضي أن القميص على أي لون كان يؤول بالدين إذا كان يجره على الأرض.
وفصل علماء التعبير في ذلك وقالوا: القميص الأبيض والأخضر يؤول بالدين، وأما الأزرق فإنه لا يحمد في المنام لقوله تعالى: ?وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً? [طه: ١٠٢] .
أما الأحمر فإنه يدل على الشهرة والخيلاء في المنام فإن كان معتاداً بلبسه فهو دليل
стр. 424
على رفعة وسودد يحصل له، وإن لم يكن معتاداً بلبسه، فهو هم وحزن.
وأما القميص الأصفر فهو دليل على مرض يحصل للابسه في المنام، فإن رأى أنه لبسه وغسله أو خلعه نجا من ذلك المرض، ومن رأى أن عليه قمصاً كثيرة، أو على غيره فذلك دليل على أن له عند الله أجراً عظيماً.
ومن رأى قميص تخرق على جسمه استغنى من قبل امرأته، وإن رآه تفتق فارق امرأته أوشريكه.
ومن رأى قميصاً بلا كمين عليه أو على غيره فذلك دليل على حسن شأن لابسه في دينه ودنياه وأنه ليس له مال.
ومن رأى قميص شق طولاً فهو دليل على كلام يحصل له وهم يزول عنه، وإن رآه شق عرضاً فهو دليل على كلام يقال في عرضه.
ومن رأى أنه قَدْ قُدَّ من وراءه فإنه يتهم بتهمة هو برئ منها، فإن رأه قُدَّ من قبله فالذي يرمى به صحيح لقصة يوسف: ?إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ? [يوسف: ٢٦، ٢٧] .
ومن رأى أنه لبس قميصاً مقلوباً فإنه يدل على تغير حاله إلى خلاف عادته.
ومن رأى أنه لبس قميصاً خلقاً وسخاً فهو دليل على فقر ودَين.
ومن رأى أنه لبس جديداً صفيقاً فهو دليل على قوة في دين صاحبه، ويفسره للمرأة بالزوج، وللرجل بالمرأة إذ لبساه لقوله تعالى: ?هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ? [البقرة: ١٨٧] .
ومن رأى أن جيب قميصه انشق انفتح عليه باباً من الفقر، ومن رأى أنه لبس قميصاً قصيراً لم يستر ركبتيه، فذلك دليل على نقص في دينه للحديث السابق الذي ساقه البخاري.
ومن رأى أنه أهدى إليه قميص فإنه يبشر ببشارة حسنة لقوله تعالى في قصة يوسف: ?فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ? [يوسف: ٩٦] .
فائدة مناسبة: ذكر بعض المفسرين أن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه كان له ثلاثة أقمصة، قميص العلامة، وقميص الشهادة، وقميص البشارة، أما قميص العلامة فقد أشار الله إليه بقوله: ?وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ? [يوسف: ١٨] فإن أخوة يوسف كانوا إحدى عشر لما ألقوه في الجب وأخذوا قميصاً فذبحوا شاة ولطخوا قميصه بدمها فلما تأخروا عن الوقت الذي كانوا يروحون فيه إلى يعقوب أحس قلبه بالشر، فقام ليستقبلهم فلم يطق النهوض فتوكأ على جارية، وجعل يمشي حتى أشرف على الوادي، فرمى نفسه هناك، فلما أشرفوا على الوادي شقوا ثيابهم وحثوا التراب على
стр. 425
رؤوسهم، وهم يضجون في البكاء والصياح، فلما رآهم يعقوب على هذه الحالة وقع مغشياً عليه، فلما أفاق قال: مالي لا أرى قرة عيني فيكم؟ قالوا: كما أخبر الله عنهم: ?ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ? [يوسف: ١٧] قال: لم يبق له عضو من أعضائه تأتوني به أستانس به وأشم ريحه منه فقالوا: هذا قميصه ملطوخ بدمه، فقلبه فلم ير فيه شقاً ولا تمزيقاً وشمه فلم يجد ريحة فيه، فقال: سبحان الله ما كان أشفق وأرفق هذا الذئب حيث أكله فلم يمزق ثوباً ولم يبق له عضواً، وأحس في نفسه أن الذئب لم يأكله، فصار يبكي ويقول: قرة عيني ليت شعري، في أي بئر طرحوك، ليت شعري لأي سبع عرضوك.
قال بعضهم لبعض: ألا ترون أن أبانا يكذبنا ولا يصدق مقالتنا، تعالوا حتى نصطاد ذئباً ونلطخه بالدم ونأتي به إليه ونقول هذا هو الذئب الذي أكله، فلعله أن يسليه ذلك عما هو فيه، قالوا: نعم فاصطادوا ذئباً وأوثقوه وأتوا به إلى يعقوب، فلما مثلوه بين يديه نظر يعقوب إليه وقال لهم: ما هذا؟ فقالوا هذا الذئب الذي يغشي أغنامنا وأكل أخانا وأفجعنا فيه، فقال لهم: أطلقوه فأطلقوه فجعل الذئب يببصبص بذنبه ويدنوا إليه ويعقوب يقول: أدن أدن فجعل يدنوا حتى ألصق خده بخده، فرفع يعقوب إلى السماء رأسه وقال: اللهم إن كنت أجبت لي دعوة، ورحمت لي عبرة، فأنطق لي هذا الذئب بقدرتك، فإنك على كل شيء قدير، فأنطق الله لسان الذئب وقال: السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام أيها الذئب بأي جرم أفجعتني في ولدي، وأورثتني هماً طويلاً فقال الذئب: وحقك ما أكلت لحمه، ولا شربت دمه، ولا نتفت شعره، ومالي بولدك عهد، وإني لذئب غريب أقبلت من ناحية مصر في طلب أخ لي غاب عني منذ سنين، فلا أدري أحي أخي أم ميت فاحتسبته، وإن لحوم الأنبياء محرمة على جميع السباع، فقال يعقوب لبنيه: لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم، هذا خرج في طلب أخيه وأنتم ضيعتم أخاكم، ولقد علمت أن الذئب برئ مما نسبتم إليه ?قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ? [يوسف: ١٨] .
وقال في أنس المحاضرة: خرج بنو يعقوب ﵇ إلى الصحراء فأمسكوا ذئباً فشدوا وثاقه، وأتو به إلى أبيهم يعقوب، فقالوا: يا أبانا هذا الذي أكل أخانا، قال: حلوا ثاقة، وقال له يعقوب ﵇: أنت أكلت حبيبي يوسف؟ فقال: يا نبي الله ألست تعلم أنه محرم علينا لحوم الأنبياء، قال: صدقت، فمن أين جئت؟ قال من مصر، قال: والي أين تريد؟ قال: إلى خراسان، قال: في ماذا؟ قال في زيارة أخ لي، قال: وما بلغك فيه؟ قال: حدثني أبي عن جدي عن الأنبياء السالفين: أنه من زار أخاه له في الله كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة فقال يعقوب لبنيه: اكتبوا هذا الحديث عن الذئب، فقال: معاذ الله أن أملي عليهم لأنهم كذبوا علي وقالوا ما لم أفعل.
وكذلك للمؤمن ثلاثة أقمصه قميص الخدمة، قوله تعالى: ?يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا
стр. 426
زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ? [الأعراف: ٣١] ، وقميص العفة، قوله تعالى: ?وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ? [الأعراف: ٢٦] ، وقميص الكرامة قوله تعالى: ?وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ? [الكهف: ٣١] .
وفي كل قميص يعطى فائدة، ففي قميص الخدمة يناجي مولاه، وفي قميص العفة يغلب شهوته وهواه، وفي قميص الكرامة يرى من جل عن الأشباه.
وأما قميص الشهادة فقد أشار الله إليه بقوله: ?وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ? [يوسف: ٢٧] .
وأما قميص البشارة فقد أشار الله إليه بقوله: ?اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً? [يوسف: ٩٣] .
وهذا القميص كان قميص إبراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار، كان في عنقه في الجب وهو من الجنة أمره جبريل بإرساله، وقال: إن فيه ريحك ولا يلقى على مبتلى إلا عوفي.
ففي كل واحد منها فائدة، ففي قميص العلامة عوفي من البلوى، وفي قميص الشهادة برئ من الدعوى، وفي قميص البشارة جميع بينه وبين من يهوى.
وفي الحديث دليل على فضل سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وغزارة دينه ونفعه للمسلمين حياً ومياً، فإن القميص يؤول بالدين كما أوله رسول الله ﷺ .
وكان لرسول الله ﷺ ثلاثة أقمصة: قميص العطية حين سألته المرأة فأعطاها قميصاً لم يكن له سواه، فجاءت الصلاة فلم يجد ما يلبسه ويخرج به إلى الصلاة فأنزل الله تعالى: ?وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً? [الإسراء: ٢٩] .
وقميص الهدية: وذلك أن عبد الله بن أبي سلوك كان رأس المنافقين فلما جاءه الموت قال: سيروا إلى محمد وأرغبوه أن يعطيني قميصه، فادفنوه معي في قبري، فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: «خذوه إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً» فلما رأى ذلك المنافقون قالوا: إذا كان سيدنا يتبرك بثوبه فنحن أولى أن نتبرك بنفسه، فأخلص في ذلك اليوم ألف منافق.
وقميص المعجزة وهو أن ما لبس ثوباً طال أو قصر إلا وكأنه خيط عليه، فإن كان طويلاً قصر حتى ساوى كعبيه وإن كان قصيراً طال حتى ساواها.
وفي كل قميص ذكر فائدة: ففي قميص العطية وقع التعليم، وفي قميص الهدية بأن قدره العظيم، وفي قميص المعجزة ظهر الحق لمن كان في قفر الشك يهيم.
وجره يؤول ببقايا آثاره الجميلة الحسنة بعد موته ليقتدى به وبسنته، ويتخلق بأخلاقه.
وقد نفع عمر ﵁ الناس في حياته ومماته:
стр. 427
أما في حياته فقد تواتر نفعه للناس حيث كان يقضي حوائج المحتاج من الأرامل واليتامى وغيرهم، ويحرس بيوت الناس ليلاً، فقد نقل أنه خرج في ليلة مظلمة فدخل بيتاً ثم خرج منه، ودخل بيتاً آخر وطلحة ينظره، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فرأى عجوزاً عمياء مقعده فقال لها طلحة: ما بال هذا الرجل يأتيك في كل ليلة؟ فقالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، ويأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذي أي: البول والغائط.
وكان ﵁ مع هذا الدين الغزير أحياناً يعاتب نفسه ويبكي حتى يبل لحيته، وربما يغشى عليه.
قال أنس ﵁ سمعت عمر ﵁ وبيني وبينه حائط يقول: والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذنك.
وكان أحياناً يضرب ظهره بدرته وأخذ يوماً تبنة من الأرض وقال: يا ليتني هذه التبنة، يا ليت أمي لم تلدني ياليتني كنت نسياً منسياً.
وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، جاءه أعرابي له بنات فأنشده
يا عمر الخير رقيت لجنة ... اكسوا بناتي وأمهن
وكن لنا من الزمان جُنة ... أقسم بالله لتفعلنه
فلم يرتج لترققه ولا راعه قسمه عليه بل قال: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذاً يا أبا حفص لأذهبنه، فقال: وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال: يكون حالي لتسألنه، وموقف المسئول تنتهينه إما لي نار وإما إلى الجنة، فلما ذكر له الجنة والنار والموقف بين يدي الله تعالى بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه، وقال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذاك اليوم لا لشعره، أما والله لا أملك غيره.
فانظر ما حصل عنده من رقة القلب لم ينعم عليه إلا بما هو من خاصة ماله، ولم يجد غير قميصه، وقد كانت خزائن الأرض مملوءة بين يديه ذهباً، ولم يعطه من بيت مال المسلمين، وإن كان الأعرابي فقيراً مستحقاً، لأنه لما استنزله بشعره ولم يكن العطاء لمصلحة المسلمين فلم يعطه من مالهم.
وأما نفعه للناس بعد موته: فقد أفاد بعض العلماء أنه لما مات ﵁ جلس علي بن أبي طالب على قبره يسمع بماذا يجب الملكين، قال: وكان الله أعطى علياً علم البرزخ، فلما دخل الملكان عليه ارتعد منهما ثم أجابهما فقالا: نم يا ابن الخطاب، فقال: كيف أنام وقد أصابني منكم هذه الرعدة وقد صحبت النبي ﷺ ولكن أشهد عليكما الله وملائكته أن لا تدخلا على مؤمن ولا على مؤمنة إلا في أحسن صورة ففعلا، فقال له على بن أبي طالب: نم يا ابن الخطاب فجزاك الله عن المسلمين خيراً، لقد نفعت الناس في حياتك وبعد مماتك.
سؤال: فإن قيل: يلزم من الحديث أن يكون سيدنا عمر أفضل من أبي بكر لأن المراد بالأفضل الأكثر ثواباً، فمن كان دينه أكثر كان ثوابه أكثر، مع أن العلماء أجمعوا على
стр. 428
خلاف ذلك؟
جوابه: لا يلزم ذلك، إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع، فإنه ﷺ قسم من عرض عليه في ثلاثة أقسام، قسم عليهم قميص تبلغ الثدي، وقسم عليهم قميص لا تبلغها، وقسم ثالث وهو عمر بن الخطاب عليه قميص يجره.
ويحتمل أن يكون قسم رابع لم يذكره ﷺ ، ويكون أبا بكر ﵁ سلمنا انحصار القسمة، لكن لم يخصص ﷺ القسم الثالث بعمر، ولم يقصره عليه سلمنا التخصيص به، لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق التي تواتر القدر المشترك بها، فدليلكم ودليلنا متواتر سلمنا التساوي بين الدليلين، لكن الإجماع منعقد على أفضليته وهو دليل قطعي، وهذا دليل ظني، والظني لا يعارض القطعي.
ومما يدل على تفضيل أبي بكر على عمر وعلى غيره من الصحابة أن رسول الله ﷺ في مرض موته أقامة مقامة في إمامة الصلاة حيث قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» (١) واتفق العلماء على أن السنة أن يقدم على القوم أفضلهم علماً وقراءة وخلقاً وورعاً.
وصح في هذا الصحيح أن محمد بن الحنفية قال لأبيه علي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر ... الحديث (٢) .
* * *
стр. 429
المجلس الرابع والعشرون
في الكلام على باب ?فإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ? [التوبة: ٥]
وعلى باب من قال: الإيمان هو العمل
قوله: «باب ? فإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ? [التوبة: ٥] » .
الرواية «بابٌ» بالتنوين ويجوز تركه بالإضافة، والتقدير على الأول: باب في تفسير قوله تعالى: ?فإن تَابُوا? وعلى الثاني: باب تفسير قوله تعالى: ?فإن تَابُوا? وإنما جعل الحديث الآتي تفسير للآية لأن المراد بالتوبة: الرجوع عن الكفر إلى التوحيد، يفسره قوله في الحديث: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» .
ومعنى: «تَابُوا» : خلعوا الأوثان وأقبلوا على عباده الرحمن، وهذه الآية آخر آية نزلت من القرآن على قول، والصحيح: أن آخر آية نزلت من القرآن ?وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ? [البقرة: ٢٨١] إلى آخر الآية كما قدمنا ذلك.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أبو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ وإن مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإسلام، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (١) .
стр. 430
وقوله ﷺ : «أمرت» قال ابن حجر: معناه أمرني الله حيث لا آمر لرسول الله ﷺ إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: «أمرت» فالمعنى: أمرني رسول الله ﷺ ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر، لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر وإذا قاله التابعي احتمل، والحاصل: أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الأمر له هو ذلك الرئيس.
والمراد «بالناس» عبده الأوثان دون أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب سقط عنهم القتال بقبول الجزية لقول الله تعالى: ?قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ? [التوبة: ٢٩] .
والمعنى: أمرني ربي أن أقاتل عبدة الأوثان إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر مع أنه يجب قتال من منع واجباً من واجبات الإسلام، لأنهما أصل العبادات البدنية والمالية، فلذلك تسمى الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام.
وقوله: «فإذا فعلوا ذلك» أي: قالوا أشهد أن لا إله إلا الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وفي قوله: «فعلوا ذلك» التعبير بالفعل عما بعضه قول إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم إذا القول فعل ذلك.
ومعنى: «وحسابهم على الله» أي: إنها أدعى على أفعالهم الظاهرة، فلا أدع أحداً أن يترك فرضاً من فرائض الله تعالى، وإن يظلم أحداً فإن ما يخفون في بواطنهم ويسرون في ضمائر من النيات والعقائد فليس له إليه سبيل، فيثيب المخلص ويعاقب المنافق، ويجزي المصر بفسقه أو يعفو عنه، وليس معنى: «على» هنا الوجوب فإن الله لا يحب عليه شيء، بل يكون بمعنى اللام أي: على سبيل التشبيه أي: هو كالواجب
стр. 431
على الله في تحقق الوجوب (١) .
وفي هذا الحديث فوائد:
الأولى: وجوب قتال الكفار إذا طاقه المسلمون حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تقبل منهم.
الثانية: وجوب قتال تاركي الصلاة والزكاة.
الثالثة: قتل تاركي الصلاة عمداً مع اعتقاد وجوبها.
واعلم أن مذهب الإمام الشافعي ﵁ أن من ترك صلاة واحدة من الصلوات الخمس كسلاً وهو يعتقد وجوبها لا يكفر، وإنما يكفر إذا جحد وجوبها، ولكنه يقتل إذا أخرجها عن وقت الجمع لهذا الحديث ولما رواه أبو داود وابن حبان أن النبي ﷺ قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن فلم يضيع منهن استخفافاً بحقهن، كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يأت فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» (٢) فلا يقتل بترك الظهر إلا إذا غربت الشمس، ولا يقتل بترك المغرب إلا إذا طلع الفجر، ويقتل بترك كل من العصر والعشاء والصبح إذا خرج وقتها.
قيل: تقول الملائكة لتارك الفجر يا فاجر، ولتارك الظهر يا خاسر، ولتارك العصر يا عاص، ولتارك المغرب يا كافر، ولتارك العشاء يا مضيع ضيعك الله.
وجاء في الخبر: «من نام عن صلاة العتمة نادته الملائكة لا نامت عيناك ولا قرتا، حبسك الله بين الجنة والنار كما حبستنا» .
وينبغي أن يستتاب تارك الصلاة قبل قتله، واختلفوا هل هي واجبة أو مستحبة؟ ذهب جماعة إلى وجوبها لكن المرجح في التحقيق للنووي استحبابها، وإذا تاب تارك الصلاة بأن فعلها فإنه لا يقتل، واستشكل ذلك الأسنوي بأنه يقتل حداً والحدود لا
стр. 432
تسقط بالتوبة، والقتل على التأخير عن الوقت وقد وجد، وكيف تنفع فيه التوبة قال: وهذا كمن سرق نِصَاباً ثم رده فإن القطع لا يسقط.
وأجاب عنه الزركشي وقال: لا خلاف عندنا أن تارك الصلاة إذا تاب يترك، وقول من قال الحدود لا تسقط بالتوبة قضية كليتها غير مسلمة، فالحد لا يسقط في ثلاث صور: قاطع الطريق إذا تاب قبل القدر عليه، والذمي إذا زنا ثم أسلم كما نص عليه الشافعي، وتارك الصلاة إذا تاب.
وذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أن تارك الصلاة عمداً يعزز ويحبس ولا يقتل، واختلف العلماء من الشافعية في صلاة الجمعة إذا تركتها وقال أصلي عوضها ظهراً فقال الغزالي: لا يقتل لكن الذي رجحه النووي أنه يقتل بتركتها، وإن كان يصلي الظهر لأنه لا يتصور قضاؤها، وليست الظهر قضاء عنها، وإذا ترك المكلف الوضوء وصلى بلا طهارة عمداً قتل عند الإمام الشافعي ﵁ لأن الامتناع منه امتناع من الصلاة، لأنه شرط لها لا تصح بدونه، وكذا إذا صلى لغير القبلة فإنه يقتل كترك الوضوء.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن الإنسان إذا صلى بلا طهارة لغير القبلة يكفر، وأما إذا وجب على الإنسان التيمم لفقد الماء مثلاً فصلى بلا تيمم عمداً، فإن كان ذلك التيمم تسقط الصلاة به فهو كالوضوء يقتل بتركه، وإن كان لا تسقط الصلاة به فلا يقتل بتركه، وإذا نذر صلاة في وقت فتركها عمداً حتى خرج وقتها المعين لا يقتل، وإذا ترك فاقد الطهورين الصلاة عمداً مع إنها واجبة عليه لحرمة الوقت لا يقتل لاختلاف العلماء في وجوبها عليه.
وإذا قدم تارك الصلاة عمداً للقتل فأبدى عذراً كأن قال: تركتها ناسياً أو للبرد أو لعدم الماء ولنجاسة كلب ونحو ذلك من الأعذار فالمذهب لا يقتل.
فائدة: قال الإمام أحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي وجماعات من الصحابة: إن الإنسان المكلف إذا ترك الصلاة من غير جحة يكفر، وتجري عليه أحكام المرتدين فلا يورث ولا يغسل ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته واستدل على ذلك بحديث مسلم وغيره: «إن بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (١) .
стр. 433
وحديث الترمذي: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) .
وقال أبو هريرة وعبد الله بن شقيق العقيلي كما رواه الترمذي: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة (٢) .
لكن جمهور العلماء كالإمام الشافعي وغيره لا يكفر إلا الجاحد بوجوبها، وأجاب عن هذه الأدلة بأنها على مقاربة الكفر وعلى كفر النعمة كقوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣) على أن معناها أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، وإنما أولناها بهذا التأويل وإن كان خلاف الظاهر كما مر في الحديث السابق: «ومن لم يأت فليس له عند عهد الله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» فلو كفر بذلك لامتنع دخوله الجنة.
ومن الأدلة على أن تارك الصلاة لا يكفر بتركها ما ورد في السنن: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة مكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (٤) .
وإذا قتل عند الشافعية حداً على ترك الصلاة فهو كسائر أهل الكبائر من المسلمين يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولا يطمس قبره.
وإذا ترك صوم رمضان عمداً وهو معتقد لوجوبه لا يقتل بحبس، ومنع من الطعام الشراب نهاراً، لأن الظاهر أنه ينوبه لاعتقاد وجوبه عليه.
وإذا ترك الزكاة عمداً وامتنع من إعطائها للمستحقين لا يقتل ولكن تؤخذ منه قهراً ويعذر على تركها.
стр. 434
وفي الحديث دلالة على أن من أظهر الإسلام وفعل الأركان نكف عنه، ولا نتعرض له.
وفيه دلالة على قبول توبة الزنديق، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وعند الإمام مالك لا تقبل توبته، نعم إن كان صادقاً نفعه الله تعالى.
وفيه دلالة على تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع.
وفيه دليل على تحريم الامتناع من دفع الزكاة وعلى تحريم إخراج الصلاة عن وقتها، وقد نص العلماء على أن إخراج الصلاة عن وقتها عمداً من كبائر الذنوب وتجب المبادرة إلى قضائها.
قال ابن حزم: لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بغير حق.
وقد ذم الله تعالى ورسوله من تركها قال الله تعالى: ?فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ? [مريم: ٥٩] وضمير «بَعْدِهِم» راجع إلى النبيين المذكورين قبل هذه الآية.
«والخلف» بسكون اللام يستعمل في الصالح «والخلف» بالفتح يستعمل في الصالح، ومعنى الآية: فخلف من بعد النبيين قوم سوء أضاعوا الصلاة أي: تركوا الصلاة المفروضة.
وقيل: معنى أضاعوها أخروها عن وقتها بأن لا يصلي الظهر حتى يدخل وقت العصر، ولا العصر حتى تغيب الشمس.
ومعنى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ أنهم ارتكبوا المعاصي كشرب الخمر أي: آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله.
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ والغي قيل: نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه.
وقيل: وادي في جهنم، وأن أودية جهنم نستعيد بالله من حرها أعدت للزاني المصر عليه، ولشارب لخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولتارك الصلاة.
وقال تعالى: ?فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ? [الماعون ٤، ٥] أي: مضيعون لوقتها.
стр. 435
فإن رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: «هي إضاعة الوقت» (١) وقيل: معنى ﴿سَاهُونَ﴾ لا يبالون صلوها أو لم يصلوها.
وقيل معناه: غافلون يتهاونون به.
وقيل معناه: أنهم الذين إن صلوها صلوها رياء، وإن فاتتهم لا يندموا عليها.
وقيل: لا يصلونها لوقتها ولا يتمون ركوعها وسجودها.
وقال رسول الله ﷺ : «من يحافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً [ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان] ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» (٢) رواه أحمد.
وقال ﷺ : «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، فإن فسدت فقد خاب وخسر» (٣) حسنه الترمذي.
وقال ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانه له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد» (٤) رواه الطبراني.
قال العلماء: لا تسقط الصلاة عن الإنسان بعد بلوغه ما دام عاقلاً بحال.
قال الإمام الغزالي: ولو زعم زاعم أنه بلغ بينه وبين الله حالة أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر وأكل مال السلطان، كما زعمه بعض المتصوفة فلا شك في وجوب قتلة، وإن كان في دخوله في النار نظر، وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر، وإن ضرره أكثر.
فإذا عجز المكلف عن فعلها قائماً صلاها قاعداً، ولا ينقص ثوابه لأنه معزور.
стр. 436
أما قوله ﷺ : «من صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (١) فهو محمول على المتنفل، وإن عجز على فعلها قاعداً صلى مضطجعاً على شقيه الأيمن كما يوضع الميت في اللحد، ويجوز على الأيسر ولكن الأيمن أولى مراعاة للتيامن، فإن عجز الاضطجاع صلى مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة، وإذا صلى مضجعا أو مستلقياً وأمكنه الركوع والسجود وجب عليه فعلها، وإن لم يمكنه ذلك لشدة مرضه أومأ إلى صوب القبلة بالركوع والسجود، ويومئ بالسجود أشد من الركوع حيث يقرب رأسه من الأرض ليتميز الركوع عن السجود، فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه، فإن عجز عن تحريك أجفانه والنطق بلسانه صلى بقلبه، بأن يجري الأفعال والقرآن والأذكار على قلبه فلا تسقط بحال إلا إذا أختل عقله.
وهنا فوائد متعلقة بتارك الصلاة:
الأولى: قال فقهاؤنا: لا قصاص ولا دية ولا كفارة على من قتل تارك الصلاة، بل دمه هدر إذا قتله المصلي، أما إذا قتله شخص آخر تارك الصلاة فيجب القصاص على القاتل، كالزاني المحصن إذا قتله مسلم لا يقتل إلا إن يكون القاتل مثله فإنه يقتل.
الثانية: لو خير الإنسان بين زواج ذمية بشرطه ومسلمة تاركة للصلاة كسلاً فالذمية أولى، لأن تاركة الصلاة إذا أصرت على تركها صارت مرتدة على مذهب أحمد بن حنبل فيصير في نكاحها خلاف، والذمية متفق على صحة نكاحها قاله ابن العماد.
الثالثة: إذا اشترى الإنسان رقيقاً عبداً أو جارية فوجده تارك الصلاة فهو عيب فيه، فللمشتري رده على البائع بذلك إن أراد.
الرابعة: يجوز غيبة تارك الصلاة لأنه يفسق، وقد ورد في الخبر: «لا غيبة لفاسق» (٢) .
стр. 437
الخامسة: نقل شهاب الدين الأذرعي (١) عن فتاوى ابن البزري (٢) أنه يجب على الرجل أن يأمر زوجته بالصلاة، قال تعالى: ?وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا? [طه: ١٣٢] وقال تعالى: ?يَا أيها الَّذِينَ آمنوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً? [التحريم: ٦] قال: فإن أصرت على تركها فعليه إن يطلقها.
السادسة: وهي واقعة وقعت أيام الشيخ الإمام العالم الصالح سيدي عبد العزيز الديريني (٣) : شخص حلف بالطلاق أن لا يدخل على زوجته إلا في يوم مشؤم غير مبارك، فسأل العلماء عن ذلك فقالوا جميع الأيام مباركة متى ما دخلت عليها في يوم من الأيام وقع عليك الطلاق، ثم سئل الشيخ عبد العزيز الديريني فقال له: صليت اليوم شيئاً من الصلوات فقال: لا. فقال له الشيخ: ادخل عليها ولا يقع عليك الطلاق لأنه يوم مشؤم عليك غير مبارك بتركك الصلاة فيه.
لطيفة من نزهة المجالس: ركب بعض الأكابر في البحر، فرأى السمك يأكل بعضه بعضاًَ فتوهم أن القحط وقع في البحر، فهتف به هاتف أنه قد شرب من البحر رجل تارك الصلاة فلما علم ملوحته قذفه من فمه في البحر، فوقع القحط من ذلك في الماء الذي قذفه من فمه فيه.
أخرى: قال في نزهة المجالس: مر عيسى ﵇ على قرية كثيرة الأشجار والأنهار والأرزاق فأكرمه أهلها فعجب من طاعتهم، ثم مر عليهم بعد ثلاث سنين فرأى الأشجار يابسة والأنهار ناشفة وهي خاوية على عروشها فتعجب من ذلك، فأوحى الله إليه أن قد مر على هذه القرية رجل تارك الصلاة فغسل وجهه في عينها فنشفت، ويبست الأشجار وخربت القرية، يا عيسى لما كان تارك الصلاة سبب لهدم الدين كان سبباً لخراب الدنيا.
أخرى: قال أبو الليث السمرقندي: حكي أن رجلاً دفن أختاً له ثم ذكر أنه نسي كيساً له في قبرها، فأتى القبر فنبشه فوجد الكيس، ثم رفع ما على اللحد فرأى القبر يشتعل ناراً، فسأل أمه عن عمل أخته، فقالت: كانت تؤخر الصلاة ولا تصلي بطهارة كاملة، وتأتي أبواب الجيران لتسمع حديثهم لتمشي بالنميمة.
قال شيخ الإسلام ابن حجر في فتح الباري في الكلام على التشهد: فائدة: قال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين، لأن المصلي يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولابد أن يقول في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فيكون مقصراً بخدمة الله وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة المسلمين
стр. 438
ولذلك عظمت المعصية بتركها.
واستنبط منه السبكي: في الصلاة حقاً للعباد مع حق الله وإن تركها أخل بحق جميع المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة، لوجوب قوله فيها السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (١) .
* * *
стр. 439
قَالَ البُخَارِي:
باب مَنْ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ»
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: ٧٢] .
وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أهل الْعِلْمِ فِي قوله تَعَالَى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ.
وَقَالَ تعالى: ?لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ? [الصافات: ٦١] .
قوله: «باب من قال: الإيمان هو العمل لقول الله ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: ٧٢] »
مقصود البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة القائلين: بأن العمل لا يحتاج إليه مع الإيمان، وغلط غلاتهم فقالوا: إن ناطق الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقدها.
وأراد «بالعمل» ما هو أعم من عمل القلب واللسان والجوارح، واستدل على ذلك بآيات من كتاب الله تعالى، وحديث عن رسول الله ﷺ .
الآية الأولى: ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: ٧٢] يحتمل أن تكون مصدرية أي: بعملكم، ويحتمل أن تكون موصولة أي: بالذي كنتم تعملون، ووجه الاستدلال بها: لأن «تَعْمَلُونَ» بمعنى تؤمنون كما قاله المفسرون، فأطلقوا العمل وأريد به الإيمان، واستشكل العلماء هذه الآية وقالوا: الإرث يقتضي مورثاً، وهو الذي ينتقل منه الشيء بعد موته إلى غيره، ووارثاً هو الذي انتقلت إليه التركة، فإن أريد بالمورث في قوله: ?أُورِثْتُمُوهَا? الله، فالله حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فكيف يقال ورث الجنة للمؤمنين؟
وأجابوا عن هذا الإشكال بأوجه:
الأول: أن المورث هو الكافر فإن الكافر لولا كفره لكان له نصيب في الجنة، فلما مات كافراً انتقل نصيبه إلى المؤمن، بسبب كفره الذي هو موت روحه، فالمورث هم الكفار والورثة هم المؤمنون.
الثاني: أن المورث هو الله تعالى والإرث هنا مجاز عن الإعطاء على طريقة إطلاق الكل وإرادة الجزء.
واستشكل العلماء أيضاً من جهة أخرى وقالوا: إن ظاهرها يقتضي أن دخول العبد إنما هو بسبب عمله مع أن رسول الله ﷺ قال: «لن يدخل أحدكم الجنة
стр. 440
بعمله» (١) فإن ظاهره يدل على أن العمل ليس سبباً لدخول الجنة.
وأجابوا عنه وجمعوا بين الآية والحديث من وجوه أحسنها كما قاله شيخ الإسلام ابن حجر: أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت في الآية دخولها في العمل المتقبل والمقبول إنما يحصل برحمة الله تعالى فلم يحصل الدخول إلا برحمة الله تعالى (٢) وحاصل معنى الحديث: لن يدخل أحدكم الجنة بسبب عمله الذي لم يتقبل منه، ومعنى الآية: وتلك الجنة التي أورثتموها بسبب عملكم المقبول برحمة الله تعالى.
فالحاصل: أن الدخول برحمة الله وليس عمل العبد مستقلاً بدخولها فقد روى أبو نعيم من حديث أبي الزبير أن جابراً قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا بتوحيد الله» (٣) وإسناده على شرط مسلم.
نعم العمل نافع في الدرجات فقد نقل عن سفيان وغيره أنه قال: كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال.
وفي الحديث أيضاً: «سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحداً منكم لن ينجو بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (٤) وهي سعة رحمة الله تعالى.
يقول الحسن: يقول الله تعالى يوم القيامة: جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا جنتي برحمتي، واقتسموها بأعمالكم.
وجاء في الحديث: «ينادى مناد من تحت العرش: يا أمة محمد ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات، فتواهبوها فيما بينكم وادخلوا الجنة برحمتي» (٥) .
لطائف وأخبار في أن الدخول الجنة برحمة الله:
اللطيفة الأولى: قال في الروض الفائق: قال عبد الواحد بن زيد رحمة الله تعالى:
стр. 441
خرجنا جماعة من الفقراء نريد سفراً في البحر، فعصفت الريح بنا فطردتنا إلى جزيرة في البحر فرأينا فيها رجلاً يعبد صنماً من دون الله فقلنا له: أي شيء تعبد؟ فأومأ بأصبعه إلى الصنم، فقلنا له: يا مسكين إن معنا في السفينة من يحسن أن يصنع مثل هذا، وإن هذا ليس إلهاً يعبد، قال: فأنتم تعبدون من؟ قلنا: نعبد الله. قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الأحياء والأموات قضاؤه. قال: فكيف علمتم به؟ قلنا: أرسل إلينا رسولاً أخبرنا بذلك. قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى رسالة الملك قبضه إليه. قال: فما ترك عندكم علامة من الملك؟ قلنا: بلى ترك عندنا كتاب الملك. قال: أروني كتاب الملك فإن كتاب الملوك حسان. فأتيناه بالمصحف فقرأناه عليه سورة فما زال يسمع ويبكي إلى أن تممنا السورة فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعص، فأسلم فحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وشيئاً من القرآن، فلما أقبل الليل صلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا للنوم، فقال: يا قوم الإله الذي دللتموني عليه ينام؟ قلنا: لا يا عبد الله هو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. قال: فبئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام. فأعجبنا كلامه فلما وصل إلى عَبْادان (١) وأردنا أن نفترق جمعنا له دراهم، وقلنا: أنفق هذه عليك. فنظر إلينا مغضبا وقال: لا إله إلا الله دللتموني على طريق ولم تسلكوها، أنا كنت في جزيرة في البحر أعبد صنماً من دونه فلم يضيعني، فكيف الآن وقد عرفته. ثم تركنا، ومضى عبد الواحد فلما كان بعد ثلاثة أيام أتاني أت فأخبرني عنه أنه بأرض كذا وهو يعالج سكرات الموت فجئته وقلت له: ألك حاجة قال: قد قضى حوائجي من عرفتني به، فبينما أنا أكلمه إذ غلبتني عيناي فنمت، فرأيت في المنام روضة خضراء وفي
الروضة قبة وفيها سرير وعليه جارية أجمل من الشمس والقمر وجهاً وهي تقول: سألتك بالله ألآ ما عجلت به علي فانتبهت فإذا به قد مات فجهزته ودفنته في قبر، فلما نمت رأيته في المنام في القبة التي رأيتها أولاً والجارية إلى جانبه وهو يتلو قوله تعالى: ?وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ? [الرعد: ٢٣، ٢٤] فهذا أسلم ولم يعمل إلا قليلاً، وقد تفضل عليه مولاه بدخول الجنة برحمته من غير عمل كثير، وهذا وإن كان مناماً فهو شيء يستأنس لما ذكرناه.
стр. 442
الثانية: ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وقال: «خرج من عندي أخي جبريل آنفاً وقال: يا محمد والذي بعثك بالحق إن لله عبداً من عباده عبد الله تعالى خمسمائه عام على رأس جبل، عرضه وطوله ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، والبحر يحيط به أربعة آلاف فرسخ، من كل ناحية وأخرج الله له عيناً عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب، وأنبت شجرة رمان كل يوم تخرج رمانة، فإذا أمسي نزل إلى العين توضأ من الماء وأخذ الرمانة وأكلها تغنيه عن كل طعام، ثم يقوم إلى الصلاة فيصلي فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه إليه وهو ساجد ولا يجعل للأرض ولا لشيء على جسده سبيلاً حتى يبعثه وهو ساجد ففعل، قال جبريل: ونحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا صعدنا وهو ساجد، فنحن نجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول الرب ﵎: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول العبد: بل بعملي يارب، فيقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي ثلاثاً، فيقول العبد: بل بعملي يارب، فأين عبادتي خمسمائة عام فيقول الله: حاسبوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائه سنة، وبقيت نعمة الجسد، فيقول: فأين عبادتي؟ فيقول الله تعالى: من خلقك ألم تك شيئاً؟ فيقول: أنت يارب، فيقول: من قواك على عبادة خمسمائه سنة؟ فيقول: أنت يارب، فيقول: من أنزلك في هذا الجبل وأخرج لك عينا من الماء الزلال، وأنبت لك كل يوم رمانة، وإنما تخرج في السنة مرة، وسألتني إن أقبضك ساجداً ففعلت، قال: نعم يارب، قال الله تعالى: فأعطني حق نعمتي عليك، قال: فبهت العبد بهتة شديدة فيقول الله تعالى: خذوه إلى النار فيسحبوه حتى إذا أشرف على جهنم التفت إلى الله تعالى كالمتوسل فيقول الله وهو أعلم: ما تريد يا عبدي؟ فيقول: إلهي أنعمت علي في الدنيا برحمتك، وردني إلى الجنة برحمتك فيؤمر به إلى الجنة، ويقول ﷻ : أدخلوا
عبدي الجنة برحمتي فنعم العبد كنت، يا عبدي إنما الأشياء برحمة الله» (١) . ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم في نوارد الأصول في الأصل السابع.
стр. 443
الثالثة: ذكر الإمام الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة: أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدل ميزانه بالسوية فيقول الله تعالى: هل لك من حسنة، إذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة ترجح ميزانك وتدخل الجنة، قال: فيحوس بين خلال العالمين فما يجد أحداً يكلمه في ذلك الأمر إلا يقول: أنا خائف من خفة ميزاني، قال: فييأس، فيقول له رجل: ما الذي تطلب؟ فيقول: حسنة واحدة يرجح بها ميزاني، فيقول ذلك الرجل: نظرت أنا في صحيفتي فما وجدت فيها سوى حسنة واحدة فما أظنها تغني عني شيئاً إلا أن يرحمني بكرمه، فخذها هبة مني لك، فينطلق فرحاً مسروراً فيقول الله تعالى له: ما بالك؟ وهو أعلم، فيقول: يارب كل الخلائق ما نظر منهم أحد لي سوى عبدك هذا، فينادي بصاحبه الذي وهبه الحسنة، ويقول له: يا عبدي لأي شيء وهبته الحسنة فيقول: إلهي نظرت في صحيفتي فما رأيت فيها سوي حسنة واحدة، فقلت: إذا كان المولى كريماً فما تنفع الحسنة للعبد السقيم، فيقول : كرمي يا عبدي أوسع من كرمك، خذ بيد صاحبك فادخلا الجنة بكرمي ورحمتي.
وروي أبو موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أمتي أمة مرحومة، عجل عقابها في الدنيا بالزلازل والفتن، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب، فيقال: هذا فداؤك من النار» (١) .
وقال ﷺ : «يتجلى الله ﵎ لنا يوم القيامة ضاحكاً يقول: أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس أحد منكم إلا وقد جعلت مكانه في النار يهودياً ونصرانياً» (٢) .
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة، ثم وضعها على العرش ثم نادى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم من قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي
стр. 444
أدخلته الجنة» (١) .
ولله در القائل:
ذنوبي كثيرة ما أطيق احتمالها ... وعفوك عن ذنبي أجل وأكبر
وقد وسعتني رحمة منك ... وإني لها يوم القيامة أفقر
وقيل: إن الله تعالى إذا أراد أن يستر عبده يوم القيامة ولا يفضحه على رؤوس الأشهاد، فيعطيه كتابة بيمينه وهو مشحون بالسيئات، وذلك العبد خائف مما في الكتاب، لعلمه أن ذنوبه كثيرة فيقرأ في الوجه الذي فيه السيئات سراً ويقول في نفسه: ليس لي حسنة واحدة، وتقول الخلائق: سبحان الله ليس في كتاب هذا العبد سيئة واحدة فإذا فرغ من قرأته يقول الله ﵎ عبدي: هذه حسناتك في ظهر كتابك أظهرتها لخلقي، وسترت عنهم سيئاتك في الدنيا والآخرة، يا ملائكة امضوا به إلى الجنة بعفوي ورحمتي.
ولقد أحسن من قال:
يا من له ستر عليَّ جميل ... هل لي إليك إذا اعتذرت قبول
أيدتني ورحمتني وسترتني ... كرماً فأنت لمن رجاك كفيل
وعصيت ثم رأيت عفوك واسعاً ... وعليَّ سترك دائماً مسبول
فلك المحامد والممادح في الثناء ... يا من هو المقصود والمسئول
وروى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلين ممن يدخل النار يشتد صياحهما فيقول الله تعالى: أخرجوها ثم يقال: لأي شيء صياحكما؟ فيقولان: فعلنا كذلك لترحمنا، فيقول: إن رحمتي بكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما في النار حيث كنتما، فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها عليه برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب ﵎: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقي صاحبك نفسه، فيقول: يارب إن لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد أن أخرجتني منها، فيقول الرب ﵎: لك رجاؤك فيدخلان معاً الجنة برحمة الله» (٢) .
وقال بكر بن سليم الصواف: دخلنا على مالك بن أنس ﵁ في العشية التي قبض
стр. 445
فيها فقلنا له: يا عبد الله كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون من لطف الله ورحمته ما لم يكن لكم في حساب، فما برحنا من عنده حتى غمضناه.
وقيل: إن الله ألطف وأرحم ما يكون بعبده إذا وضع في لحده ووضع خشن التراب على لين جلده، وجفاه من كان يرغب في قبوله ووده، فإذا وضع الميت على المغتسل أولاً، ودرج في ثيابه، وآيس من أحبابه فينادي: واسوأتاه وافضيحتاه، ولا يسمع نداءه إلا مولاه، فيجيه الحق ﷻ ويقول: أنا سترك في الدنيا وأنا أسترك في الآخرة.
وقال لله دره:
يا من له ستر الجميل على الورى ... ويجود بالإفضال منه وبالقرى
ايدتني ورحمتني وسترتني ... وهديتني لطفاً وكنت مقصرا
وارحم بعفوك زلتي يا سيدي ... ومصون وجهي في التراب معفرا
وإذا خرج الميت من الدار على النعش فإنه يصيح: واغربتاه، فيقول الحق : عبدي إذا كنت اليوم غريباً فإني منك ما زلت قريباً، لا تخف فإني مقيل عثرتك، وراحم عبرتك، ومؤنس وحدتك.
وقال لله دره:
يا راحم الغرباء من جوده ... قد عمني يا مؤنسي في وحدتي
أمسيت من أهلي غريباً مفرداً ... ولأنت يا مولاي راحم غربتي
فإذا وضعوه في اللحد ووضعوا خشن التراب على لين جلده، ثم تركوه وانصرفوا ومضوا عنه فيصيح: يا وحدتاه، فيناديه الكريم الرؤوف الرحيم: عبدي هل تستوحش وأنا أنيسك، هل تشكو الوحدة وأنا جليسك، يا عبدي ألست بربك؟ فيقول: بلى يا ربي، فيقول: كيف تركت ما أمرتك به وتبعت ما نهيتك عنه، أما علمت أن مرجعك إليّ، وأعمالك معروضة علي وبين يدي، أنسيت عهدي أم أنكرت وعيدي ووعدي، فالآن تخلى عنك الصاحب والصديق، وتجردت عن المال الوثيق، فلا المال نفعك في مآلك، ولا الصديق خلصك من قبح أفعالك، فما حجتك ومعذرتك؟ فيقول: يارب احتوى على قلبي حب الدنيا وحب المال، فحملاني على الذنوب والأثقال وها أنا قد صرت في دوارك وأنا الليلة ضيفك، فلا تعذبني بنارك، وإن لم ترحمني أنت فمن يرحمني؟ فيقول الله تعالى: يا عبدي مضوا عنك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك، إلى بأبي وجهوك، وعلى كرمي خلفوك، يا عبدي طب نفساً وقر عيناً فأنت الليلة
стр. 446
ضيفي، والكريم لا يخيب ضيفه، يا ملائكتي أحسنوا في ضيافته وكونوا عليه أشفق من أهله وقرابته، ولله در القائل حيث قال:
إذا ما الموت في جسمي السقيم ... سرى وأتى على عظمي الرميم
وبت مجاور الرب الكريم ... فقولوا لي وافى نعيمي
لك البشرى قدمت على كريم
تولى العمر واقترب الرحيل ... وزادي من التقى زاد قليل
وفي لحدي إذا حان النزول
فهنؤني أحبائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم
وقيل: إن موسى ﵇ قال في بعص مناجاته: يارب. فقال له: لبيك يا موسى. فقال موسى ﵇: يارب أنت أنت فمن أنا حتى تجبني بالتلبية؟ فقال: يا موسى إني آليت على نفسي أنه لا يدعوني عبد من عبادي بالربوبية إلا أجبته بالتلبية. فقال موسى: يارب هذا لكل عبد طائع؟ قال: ولكل عبد مذنب. قال: يارب أما الطائع فبطاعته فما بال المذنب؟ قال الله تعالى: يا موسى إني إذا جازيت المحسن بإحسانه، وضيعت المسيئ لإساءته فأين جودي وكرمي.
تعصي وتجهر بالعصيان إعلاناً ... وأستر الذنب إنعاماً وإحسنانا
ولا أجازي مسيئاً في إساءته ... ولا الذي في العصيان عدوانا
ومن أتى ببابنا بالذل منكسراً ... نعطيه من فضلنا عفواً وغفرانا
ثم استدل البخاري ﵁ على استعمال العمل بمعنى الإيمان لأجل الرد عل المرجئة بالآية الثانية فقال: «وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [الحجر: ٩٢، ٩٣] عن قول لا إله إلا الله»
المعنى: وقال جماعة من أهل العلم من الصحابة التابعين وغيرهم منهم أنس وابن عمر ومجاهد أن المراد بقوله: ?يَعْمَلُونَ? في قوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ?: هو قول لا إله إلا الله، فأطلق العمل على قولهم وأريد به عمل الإنسان فقط، ومقتضى الآية على تفسيرهم: أن المكلفين لا يسألون يوم القيامة إلا عن قول لا إله إلا الله فقط.
فقد اعترضه النووي فقال: الظاهر أن المراد لنسألنهم عن أعمالهم كلها أي: الأعمال التي يتعلق بها التكليف، والتخصيص بقول لا إله إلا الله دعوي لا دليل لها.
стр. 447
وقد استشكل العلماء هذه الآية بقوله تعالى: ?فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلاَ جَانٌّ? [الرحمن: ٣٩] فإن هذه الآية تعارض الآية التي ذكرها البخاري، وبيانه: أن قوله تعالى ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين? [الحجر: ٩٢] تدل على أن كل أحد يسأل يوم القيامة، وقوله تعالى ?فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلاَ جَانٌّ? [الرحمن: ٣٩] تدل على أنه لا يسأل أحد في القيامة، وقد جمع العلماء بين الآيتين من وجوه:
الأول: أن في القيامة مواقف مختلفة وأزمنه متطاولة، أعاننا الله الكريم على أهوالها ففي موقف أو زمان يسألون، وعليه يحمل قوله: ?فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلاَ جَانٌّ? [الرحمن: ٣٩] .
الثاني: المراد بقوله تعالى: ?فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلاَ جَانٌّ? [الرحمن: ٣٩] أنهم لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال التوبيخ وتقريع.
الثالث: أن المراد لا يسأل عن ذنبه غيره من الإنس والجان كما لا يحمل ذنبه غيره كما قال تعالى: ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى? [الأنعام: ١٦٤] .
ثم استدل البخاري بالآية الثالثة فقال: «وقال الله : ?لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ? [الصافات: ٦١] والمعنى: لمثل هذا الفوز العظيم فليؤمن الكافرون، فأطلق العمل وأراد به الإيمان.
* * *
стр. 448
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (١) .
قوله: «حدثنا أحمد بن يونس وموسى بن إسماعيل، قال: أنبانا إبراهيم بن سعد قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب» هذا هو إمام التابعين سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، من الفقهاء وأبيه وجده صحابيان.
والمسيب بفتح الياء على المشهور وقيل: بكسرها، وكان يكره فتح الياء ويحب أن يقال المسيب بكسر الياء، واجتمع بعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وسمع منهم الأحاديث، وروى عنهم وعن أبي هريرة، وكان زوجاً لابنته وأعلم الناس بحديثه،
стр. 449
وأخذ عن خلق من الصحابة وأخذ عنه خلق من التابعين وغيرهم، واتفق العلماء عل جلالته وأمانته، وهو أفضل التابعين كما قاله أحمد بن حنبل.
وأما ما ورد في صحيح مسلم من أن «خير التابعين رجل يقال له أويس» (١) فهو محمول على أنه أفضل في الزهد، وأما سعيد بن المسيب فإنه أفضل التابعين في العلم الشرعي قاله النووي (٢) .
ومن فضائله ﵁ أنه جاء رجل وهو مريض مضطجع على شقه فسأله عن حديث من أحاديث رسول الله ﷺ فجلس بمشقة وحدثه به، فقال الرجل: وددت أنك حدثتني عنه وأنت مضطجع حتى لا تجهد نفسك، فقال: كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع (٣) .
ومن فضائله أيضاً: أنه صلى صلاة الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة (٤) .
وقال مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد (٥) .
ومن كلامه ﵁: لا تمدوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة (٦) .
ومن كلامه أيضاً: ما أكرمت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله (٧) .
ومنه أيضاً: كفى نصرة من الله إن يرى عدوه يعمل بمعصية الله (٨) .
ومنه أيضاً: من استغنى بالله افتقر إليه الناس (٩) .
ومنه أيضاً: إن الدنيا نذلة، فهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير
стр. 450
حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سلبها (١) .
مات ﵁ في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين «سنة الفقهاء» لكثرة من مات فيها منهم.
«عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جح مبرور» .
السائل لرسول الله ﷺ هذا السؤال هو أبو ذر ﵁.
والجهاد هو: القتال مع الكفار لأجل إعلاء كلمة الله، وإنما كان أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله من غيره لأنه بذل النفس في سبيل الله، قال بعضهم: والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
قال الحليمي: لولا دفع الله المشركين بالمؤمنين وتسليط المؤمنين على دفعهم عن بيضة الإسلام، لقلب الشرك على الأرض وارتفعت الديانة، فثبت أن سبب بقاء الدين هو الجهاد.
وهو أفضل من العزلة والتفرغ للعبادة فقد أخرج ابن عساكر بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلة رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إلا أخبركم بخير الناس منزلة بعده رجل معتزل في غنم له يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله لا يشرك به شيئاً» (٢) .
وكتب عبد الله بن المبارك إلى فضيل بن عياض وهو بمكة يحثه على الجهاد، وكان الفضيل قد اعتزل الناس ولازم العزلة والعبادة وترك الجهاد فقال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت إنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبحية تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرء ودخان نار تلهب
стр. 451
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما سلمت إليه هذه الأبيات ذرفت عيناه ثم قال: صدق عبد الله ونصحني (١) .
وظاهر الحديث يقتضي أن الجهاد أفضل من الحج، وهو محمول على حج النافلة، وأما حجة الإسلام فإنها أفضل من الجهاد، هذا إذا كان الجهاد فرض كفاية، أما إذا كان فرض عين فإنه مقدم على حجة الإسلام قطعاً لوجوب فعله على الفور.
والحج هو قصد الكعبة لأجل النسك مع الوقوف بعرفة والحج المبرور قيل: هو المقبول، ومن علامة قبول حج الإنسان أنه إذا رجع يكون حاله خيراً من الحال الذي كان قبله، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وقيل: هو الذي لا يرتكب فيه المعاصي، قال بعضهم:
فمن كان بالمال الحرام حجيجه ... فعن حجة والله ما كان غناه
إذا هو لبى الله كان جوابه ... من الله لا لبيك حجك رددناه
* * *
стр. 452
المجلس الخامس العشرون
في الكلام على باب: كفران العشير وكفر دون كفر
وما في حديثه من الفوائد واللطائف
قَالَ البُخَارِي:
باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: «باب كفران العشير وكفر دون كفر» قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه على هذا الصحيح: أراد البخاري في ترجمته أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيماناً. كذلك المعاصي تسمى كفراً. وإطلاق الكفر عليها مجاز بمعنى كفر النعمة لا كفر الحجة.
و «العشير» بمعنى معاشر وهو الزوج. بمثل كيل بمعنى مواكل.
قيل له: عشير لأنه يعاشر المرأة وتعاشره. وهو مأخوذ من قوله تعالى: ?وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ? [النساء: ١٩] فكفران مصدر مضاف إلى المفعول الفاعل متروك.
والمعنى: باب إنكار المرأة وجحدها إحسان زوجها إليها. وخص هذا الذنب بالذكر دون غيره من الذنوب وأطلق عليه الكفر لرقيقة بديعة. وهي قوله ﷺ : «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (١) وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلاً على تناولها بحق الله تعالى. فلذلك أطلق عليها الكفر لكنه كفر نعمة لا يخرج عن الملة.
قال الإمام النووي: ويجوز أن يراد «بالعشير» الخليط والصاحب أي: مطلق المعاشر سواء كان زوجة وغيرها. فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل. والمعنى: باب كفران الصاحب إلى إنكار الصاحب والمخالط إحسان صاحبه مخالطه.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ. عَنْ مَالِكٍ. عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم. عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ. عَنِ ابن عَبَّاسٍ. قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكثر أهلها النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ» . قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَيَكْفُرْنَ الإحسان. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» .
стр. 453
وها هنا فوائد بعضها مستفاد من الحديث والبعض الآخر بطريق المناسبة:
الأولى: الكفر قد يطلق على غير الكفر بالله بأن يراد كفر النعمة أي: إنكارها ودليل هذه الفائدة من الحديث قوله: «يكفرن العشير. ويكفرن الإحسان» ويؤخذ منه صحة تأويل الكفر في أحاديث بكفر النعمة والحقوق كقوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) المعنى: لا ترجعوا بعدي كفاراً للنعمة والحقوق.
ومثله قوله ﷺ : «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. فقد كفر حقهم ونعمتهم» (٢) .
الثانية: ينبغي لولي الأمر وأصحاب الولايات وكبار السن أن يعظوا رعاياهم واتباعهم. ويحذروهم من المخالفات لأوامر الله تعالى ونواهيه. ويحرضوهم على الطاعات.
الثالثة: للمتعلم أن يراجع العالم فيما سمعه منه إذا لم يظهر له معناه ليبينه له.
الرابعة: دل الحديث المذكور على أن كفران الحقوق. وجحد الإحسان حرام معدود من كبائر الذنوب. ويدل على ذلك أن النبي ﷺ توعد من فعل ذلك بالنار. فجحد المرأة إحسان زوجها عليها. كأن قالت: ما رأيت منك خيراً قط. حرام معدود من كبائر الذنوب.
стр. 454
وكذا كل من وصل إليه إحسان من غيره. سواء كان ذلك الإحسان مالاً أو علماً أو جلب نفع أو دفع ضرر. إذا أنكره وجحده. كأن قال: فلان لم يفعل معي خيراً قط. حرام وكبيرة.
فإذا قرأ إنسان على غيره قرآناً أو علماً من العلوم أو سلكه أو رباه أو دله طريق من طرق أهل الخير ونحو ذلك. ثم أنكر ذلك. وقال: فلاناً لم أقرأ عليه شيئاً. أو لم يسلكني. أو ليس بشيخي. أو لم أنتفع به. أو نحو ذلك فهو حرام. لما في ذلك من حجد النعمة التي وصلت إليه.
وإنما كان جحد النعمة حراماً معدوداً من الكبائر لأن المرأة إذا جحدت نعمة زوجها فقد جحدت نعمة الله. لأن هذه النعمة التي وصلت إليها من زوجها هي بالحقيقة واصلة من الله.
قال شيخ الإسلام تاج الدين السبكي: اعلم أن كل من وصل إليك على يديه خير من المخلوقين فهو في قبضة رب العالمين. فاشكره وحده لا تشرك به أحداً. واعلم أن المخلوق مضطر. سلط الله عليه الإرادة. وألقى في قلبه أن يعطيك فلم يجد بعد ذلك سبيلاً إلى دفعك. ولا يعطيك إلا لغرض نفسه. لا لغرضك. ولو لم يكن له غرض في الإعطاء لما أعطاك ولو لم يعتقد أن له نفعاًَ لما نفعك. فهو إذاً إنما يطلب نفع نفسه بنفعك. ويتخذك وسيلة إلى نعمة أخرى يرجوها لنفسه. وما أنعم عليك إلا الذي سخره لك. وألقى في قلبه ما حمله على الإحسان عليك.
وهنا سؤال وهو أن يقال: إذا كان المنعم بالحقيقة هو الله. وأن النعمة التي صدرت من العبد إنما هي من الله أجراها على يد العبد. فلأي شيء يستحق العبد شكر هذه النعمة كما ورد في سنن أبي داود عن أبي هريرة رسول الله ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١) .
وفي الترمذي: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» (٢) لفظ آخر: «من لم يشكر
стр. 455
الناس لم يشكر الله» (١) .
وفي حديث آخر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر. وتركه كفر» (٢) .
وفي حديث آخر: «إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس» (٣) .
فهذه الأحاديث تدل عل استحقاق العبد الشكر عن صدور النعمة منه.
فالجواب: أن الشارع ﷺ إنما حث على شكرك إياه لا لكون النعمة صدرت منه. بل لكونها جرت على يده. فإذا شكرته عليها حمله ذلك الشكر على أن يزيد من فعل الخير. والمنعم بالحقيقة هو الله. فإذا شكرت عبداً لكونه أحسن إليك في الدنيا فإن شكره لكون الشارع ﷺ أمر بذلك. لا لاعتقاد أنه فاعل ذلك. فإن شكرته معتقداً أن النعمة صدرت منه كنت مشركاً لا شاكراً. فإن العبد لا ينفع ولا يضر وربما تغير عليك. وانقلب حبه غضباً بأيسر الأسباب. والمحسن على الدوام الذي لا يتغير ولا يحول ولا يزول رب الأرباب.
الخامسة: دل الحديث على تعذيب جاحد الإحسان. وعلى أن إيمان النساء يزيد بشكر نعمة العشير.
السادسة: نساء الجنة مطهرات من الحيض والنفاس والبول والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر. وكل أذى يكون من نساء الدنيا. وطهر الله بواطنهن من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة. وطهر لسانهن من الفحش والنطق بالكلام السيئ. وطهر طرف كل واحدة منهن من إن تنظر به إلى غير زوجها. وطهر أثوابهن من أن يعرض لها دنس أو وسخ. ويدل على ذلك كله قوله تعالى: ?وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ? [البقرة: ٢٥] .
قيل: كانت أولاً حواء على صفة نساء الجنة مطهرة من الحيض وغيره. فلما أكلت
стр. 456
من الشجرة ابتلاها الله بالحيض وغيره.
السابعة: نساء الدنيا وهن الآدميات في الجنة أفضل وأحسن من الحور العين. ويدل على هذا ما رواه الطبراني عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله : ?وَحُورٌ عِينٌ? [الواقعة: ٢٢] قال: «حور عين ضخام العيون» إلى أن قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الطهارة على البطانة» قلت: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: «بصلاتهن وصيامهن وبعبادتهن الله. ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان. خضر الثياب. صفر الحلي. مجامرهن الدر. وأمشاطهن الذهب. يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبداً. ونحن الناعمات فلا نبتئس أبداً. ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً. ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً. طوبى لمن كنا له وكان لنا» (١) .
الثامنة: الحور جمع حوراء. سميت بذلك قيل: لأن الطرف يحار فيها من رقة جلدها وصفاء لونها. «العين» جمع «عيناء» وهي العظيمة العين من النساء.
قال العلامة ابن القيم: من محاسن المرأة اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب. وإنما ينبغي الضيق منها في أربعة مواضع: في وجهها وصدرها وكاهلها وهو ما بين كتفها وجبينها. وينبغي القصر منها في أربعة وهي معنوية: لسانها ويدها ورجلاها وعينها. فتكون قاصرة الطرف قصيرة الرجل واللسان عن الخروج وكثرة الكلام. قصيرة اليد بتناول ما يكره الزوج وعن بذله. وينبغي الرقة منها في أربعة: خصرها وفرقها وحاجبها وأنفها (٢) .
التاسعة: الحور مخلوقات من الزعفران لم يلدهن آدم ولا حواء. أنشأهن الله في الجنة من غير ولادة بين الآباء والأمهات.
وقيل: خلقهن الله من الزعفران وغيره. فقد ورد في أثر عن ابن عباس أنه قال: «خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتها من الزعفران. ومن ركبتها إلى ثديها من المسك الأذفر. ومن ثديها إلى عنقها من العنبر. ومن عنقها إلى رأسها من
стр. 457
الكافور الأبيض» (١) .
وروي أبو نعيم عن أنس يرفعه: «لو أن حوراء بصقت في سبعة أبحر لعذبت البحار من عذوبة فمها» (٢) .
كما قيل:
فلو بصقت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً
وروي: «لو أن يداً من الحور العين دليت من السماء لأضاءت لها الأرض كما تضيئ الشمس لأهل الدنيا» (٣) هذه اليد فكيف بالوجه مع بياضه وحسنه وجماله.
العاشرة: قالوا: إن الحور العين يعلمن بأزواجهن في الدنيا. فلا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله. فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا.
وورد أنهن يدعون لأزواجهن يقلن: «اللهم أعنه على دينك. وأقبل بقلبه على طاعتك. وبلغه بعزتك يا أرحم الراحمين» (٤) .
الحادي عشر: إذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة الموت هل تموت الحور من نفخه كما يموت غيرهن؟
ذهب أبو حنيفة وطائفة إلى أنهن لا يمتن وأنهن مما استثني الله تعالى بقوله: ?فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ? [الزمر: ٦٨] .
قال المفسرون: دخل تحت قوله: ?إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ? الحور والولدان وغيرهما. ويقوي هذا ما ورد في الحديث: «أنهن يقلن نحن الخالدات فلا نبيد» (٥) .
الثاني عشر: الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: ?يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ
стр. 458
ممُّخَلَّدُونَ? [الواقعة ١٧] هل هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدماً لأهل الجنة. لأن الجنة لا ولادة فيها. وكذلك قيل في أطفال المشركين: إن الله يجعلهم خدم أهل الجنة.
قال ابن القيم: والأشبه أن هؤلاء ولدان خلوقون من الجنة كالحور العين خدماً لهم وغلماناً قال تعالى: ?وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ? [الطور: ٢٤] وهؤلاء غير أولادهم. فإن من تمام كرامة الله أن يجعل أبناءهم مخدومون معهم ولا يجعلهم غلمانهم (١) .
الثالثة عشر: هل النساء في الجنة أكثر أم الرجال وكذلك في النار؟
مقتضى الحديث الذي ذكره البخاري وهو قوله: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء» أي: أن النساء في النار أكثر. واختلفت الرويات في هذه المسألة ففي بعض الروايات ما يدل على أن النساء في الجنة أكثر وفي بعضها ما يدل على أن الرجال في الجنة أكثر. وجمع العلماء بين الروايات وقالوا: إن النساء في الجنة أكثر بالحور العين وأما نساء الدنيا فهن في الجنة أقل من الرجال وفي النار أكثر.
قال القرطبي: محل كون نساء الدنيا في الجنة أقل يحتمل أن يكون في وقت كون النساء في النار. أما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله حتى لا يبقى فيها أحد ممن مات على التوحيد فالنساء في الجنة أكثر والله اعلم.
وهذا جمع حسن ومحصلة: أن النساء في الجنة أقل من الرجال. وفي النار أكثر منهم حالة الدخول. وأما بعد الشفاعة فهم في الجنة أكثر.
الرابعة عشر: إذا وطئ الإنسان في الجنة ثم قام عنها رجعت مطهرة بكر كما ورد في الحديث عنه ﷺ قال: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً» (٢) ولا ينزل منه ولا منها المني. لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء. ولا يلحق أهل الجنة بالجماع جنابة فيحتاجون إلى التطهير. لا تكليف في الجنة ولا ضعف. ولا إنحال قوة بل وطئهم وطئ التلذذ لا آفة فيه بوجه من الوجوه. وأكمل الناس لذة في الجماع في الجنة أصونهم لنفسه في هذه الدار من الحرام. فمن زنا في الدنيا فقد كمال لذة الجماع في الآخرة إن مات من غير توبة. ونظير هذا من شرب الخمر في
стр. 459
الدنيا لم يشربها في الآخرة. ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. ومن أكل في صحائف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة قال ﵊: «إنه لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١) فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها الله عليه في الآخرة. هذا إذا مات من غير توبة فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون. ومن استوفى هنا حرم هناك أو نقص كمالهم.
الخامسة عشر: زوجة الإنسان في الدنيا هي زوجته في الآخرة. فإن تزوجت بأزواج قيل: تخير بين الأزواج.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: إذا كانت المرأة ذات أزواج فهي لمن مات عنها من الأزواج آخراً. وعلى هذا جماعة من العلماء. فلهذا حرم الله نساء النبي ﷺ بعده على أمته حتى لا يكن مع غيره يوم القيامة.
قال حذيفة لامرأته: «إذا سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي من بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها» (٢) .
ولما مات أبو الدرداء خطب زوجته معاوية فأبت وقالت سمعت أبا الدرداء ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرأة لآخر أزواجها في الآخرة» وقال: «إن أردت أن تكوني زوجتي في الآخرة فلا تتزوجي من بعدي» (٣) .
قال في نزهة المجالس: مات رجل من بني إسرائيل وخلف امرأة وثلاث بنات. فلما انقضت عدتها تزوجت. فلما كان قبل الدخول بليلة رأت زوجها الأول مهموماً في المنام فسألته وقالت له: كيف حالك؟ قال: ما أسرع ما نسيتيني. قالت: ما نسيتك؟ فقال: لو لم يقع النسيان لما تزوجت بفلان. فلما أصبحت أخبرت نبي ذلك الزمان بما رأته وقالت: يا نبي الله أسأل فلاناً أن يطلقني فسأله فطلقها. فأوحى الله إليه قل للمرأة:
стр. 460
لما عاملت زوجها بالوفاء غفرنا ما كان بينه وبينها من الجفاء وأعطيناها بكل شعره على بدنها جارية تخدمها ونجمع بينها وبين زوجها في الجنة.
وقيل: إنها تكون لأحسن الزوجين خلقاً. فسألت أم حبيبة زوجة النبي ﷺ : المرأة يكون لها زوجان في الدنيا ثم يموتون فيجتمعون في الجنة لأيهما تكون الأول أو للآخر؟ قال: «هي لأحسنهما خلقاً كان معها. يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (١) .
السابعة عشر: قال أبو هريرة ﵁ يتزوج أحدكم بفلانة بنت فلان بالمال الكثير. ويتزوج بالحور العين باللقمة والتمرة والكسرة.
قال مالك بن دينار: كان لي أجزاء أقراؤها كل ليلة. وإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال وبيدها رقعة فقالت لي: أتحسن القراءة؟ فقلت: نعم فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات:
لهاك النوم عن طلب الأماني ... وعن تلك الأوانس في الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها ... وتلهو في الخيام مع الحسان
تنبه من منامك إن خيراً ... من النوم التهجد بالقرآن
الثامنة عشر: في الحديث دلالة على التحذير من كيد النساء وفتنتهن. وقد دل الكتاب والسنة على ذلك وعلى أن فيهن صالحات قال الله تعالى: ?وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ ? [الفتح: ٢٥] .
وقال تعالى: ?إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... ? [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية.
وسبب نزول هذه: أن النساء قلن يا رسول الله قد ذكر الله الرجال دون النساء فما فيهن من خير فأنزلها الله . فقرن الله تعالى ذكر النساء الصالحات بالرجال الصالحين.
وللنساء أحوال وزهد وخير وصلاح كما في الرجال. وفي النساء من لها الأوراد