من الشجرة ابتلاها الله بالحيض وغيره.
السابعة: نساء الدنيا وهن الآدميات في الجنة أفضل وأحسن من الحور العين. ويدل على هذا ما رواه الطبراني عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله : ?وَحُورٌ عِينٌ? [الواقعة: ٢٢] قال: «حور عين ضخام العيون» إلى أن قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الطهارة على البطانة» قلت: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: «بصلاتهن وصيامهن وبعبادتهن الله. ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان. خضر الثياب. صفر الحلي. مجامرهن الدر. وأمشاطهن الذهب. يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبداً. ونحن الناعمات فلا نبتئس أبداً. ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً. ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً. طوبى لمن كنا له وكان لنا» (١) .
الثامنة: الحور جمع حوراء. سميت بذلك قيل: لأن الطرف يحار فيها من رقة جلدها وصفاء لونها. «العين» جمع «عيناء» وهي العظيمة العين من النساء.
قال العلامة ابن القيم: من محاسن المرأة اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب. وإنما ينبغي الضيق منها في أربعة مواضع: في وجهها وصدرها وكاهلها وهو ما بين كتفها وجبينها. وينبغي القصر منها في أربعة وهي معنوية: لسانها ويدها ورجلاها وعينها. فتكون قاصرة الطرف قصيرة الرجل واللسان عن الخروج وكثرة الكلام. قصيرة اليد بتناول ما يكره الزوج وعن بذله. وينبغي الرقة منها في أربعة: خصرها وفرقها وحاجبها وأنفها (٢) .
التاسعة: الحور مخلوقات من الزعفران لم يلدهن آدم ولا حواء. أنشأهن الله في الجنة من غير ولادة بين الآباء والأمهات.
وقيل: خلقهن الله من الزعفران وغيره. فقد ورد في أثر عن ابن عباس أنه قال: «خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتها من الزعفران. ومن ركبتها إلى ثديها من المسك الأذفر. ومن ثديها إلى عنقها من العنبر. ومن عنقها إلى رأسها من
стр. 457
الكافور الأبيض» (١) .
وروي أبو نعيم عن أنس يرفعه: «لو أن حوراء بصقت في سبعة أبحر لعذبت البحار من عذوبة فمها» (٢) .
كما قيل:
فلو بصقت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً
وروي: «لو أن يداً من الحور العين دليت من السماء لأضاءت لها الأرض كما تضيئ الشمس لأهل الدنيا» (٣) هذه اليد فكيف بالوجه مع بياضه وحسنه وجماله.
العاشرة: قالوا: إن الحور العين يعلمن بأزواجهن في الدنيا. فلا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله. فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا.
وورد أنهن يدعون لأزواجهن يقلن: «اللهم أعنه على دينك. وأقبل بقلبه على طاعتك. وبلغه بعزتك يا أرحم الراحمين» (٤) .
الحادي عشر: إذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة الموت هل تموت الحور من نفخه كما يموت غيرهن؟
ذهب أبو حنيفة وطائفة إلى أنهن لا يمتن وأنهن مما استثني الله تعالى بقوله: ?فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ? [الزمر: ٦٨] .
قال المفسرون: دخل تحت قوله: ?إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ? الحور والولدان وغيرهما. ويقوي هذا ما ورد في الحديث: «أنهن يقلن نحن الخالدات فلا نبيد» (٥) .
الثاني عشر: الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: ?يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ
стр. 458
ممُّخَلَّدُونَ? [الواقعة ١٧] هل هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدماً لأهل الجنة. لأن الجنة لا ولادة فيها. وكذلك قيل في أطفال المشركين: إن الله يجعلهم خدم أهل الجنة.
قال ابن القيم: والأشبه أن هؤلاء ولدان خلوقون من الجنة كالحور العين خدماً لهم وغلماناً قال تعالى: ?وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ? [الطور: ٢٤] وهؤلاء غير أولادهم. فإن من تمام كرامة الله أن يجعل أبناءهم مخدومون معهم ولا يجعلهم غلمانهم (١) .
الثالثة عشر: هل النساء في الجنة أكثر أم الرجال وكذلك في النار؟
مقتضى الحديث الذي ذكره البخاري وهو قوله: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء» أي: أن النساء في النار أكثر. واختلفت الرويات في هذه المسألة ففي بعض الروايات ما يدل على أن النساء في الجنة أكثر وفي بعضها ما يدل على أن الرجال في الجنة أكثر. وجمع العلماء بين الروايات وقالوا: إن النساء في الجنة أكثر بالحور العين وأما نساء الدنيا فهن في الجنة أقل من الرجال وفي النار أكثر.
قال القرطبي: محل كون نساء الدنيا في الجنة أقل يحتمل أن يكون في وقت كون النساء في النار. أما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله حتى لا يبقى فيها أحد ممن مات على التوحيد فالنساء في الجنة أكثر والله اعلم.
وهذا جمع حسن ومحصلة: أن النساء في الجنة أقل من الرجال. وفي النار أكثر منهم حالة الدخول. وأما بعد الشفاعة فهم في الجنة أكثر.
الرابعة عشر: إذا وطئ الإنسان في الجنة ثم قام عنها رجعت مطهرة بكر كما ورد في الحديث عنه ﷺ قال: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً» (٢) ولا ينزل منه ولا منها المني. لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء. ولا يلحق أهل الجنة بالجماع جنابة فيحتاجون إلى التطهير. لا تكليف في الجنة ولا ضعف. ولا إنحال قوة بل وطئهم وطئ التلذذ لا آفة فيه بوجه من الوجوه. وأكمل الناس لذة في الجماع في الجنة أصونهم لنفسه في هذه الدار من الحرام. فمن زنا في الدنيا فقد كمال لذة الجماع في الآخرة إن مات من غير توبة. ونظير هذا من شرب الخمر في
стр. 459
الدنيا لم يشربها في الآخرة. ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. ومن أكل في صحائف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة قال ﵊: «إنه لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١) فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها الله عليه في الآخرة. هذا إذا مات من غير توبة فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون. ومن استوفى هنا حرم هناك أو نقص كمالهم.
الخامسة عشر: زوجة الإنسان في الدنيا هي زوجته في الآخرة. فإن تزوجت بأزواج قيل: تخير بين الأزواج.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: إذا كانت المرأة ذات أزواج فهي لمن مات عنها من الأزواج آخراً. وعلى هذا جماعة من العلماء. فلهذا حرم الله نساء النبي ﷺ بعده على أمته حتى لا يكن مع غيره يوم القيامة.
قال حذيفة لامرأته: «إذا سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي من بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها» (٢) .
ولما مات أبو الدرداء خطب زوجته معاوية فأبت وقالت سمعت أبا الدرداء ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرأة لآخر أزواجها في الآخرة» وقال: «إن أردت أن تكوني زوجتي في الآخرة فلا تتزوجي من بعدي» (٣) .
قال في نزهة المجالس: مات رجل من بني إسرائيل وخلف امرأة وثلاث بنات. فلما انقضت عدتها تزوجت. فلما كان قبل الدخول بليلة رأت زوجها الأول مهموماً في المنام فسألته وقالت له: كيف حالك؟ قال: ما أسرع ما نسيتيني. قالت: ما نسيتك؟ فقال: لو لم يقع النسيان لما تزوجت بفلان. فلما أصبحت أخبرت نبي ذلك الزمان بما رأته وقالت: يا نبي الله أسأل فلاناً أن يطلقني فسأله فطلقها. فأوحى الله إليه قل للمرأة:
стр. 460
لما عاملت زوجها بالوفاء غفرنا ما كان بينه وبينها من الجفاء وأعطيناها بكل شعره على بدنها جارية تخدمها ونجمع بينها وبين زوجها في الجنة.
وقيل: إنها تكون لأحسن الزوجين خلقاً. فسألت أم حبيبة زوجة النبي ﷺ : المرأة يكون لها زوجان في الدنيا ثم يموتون فيجتمعون في الجنة لأيهما تكون الأول أو للآخر؟ قال: «هي لأحسنهما خلقاً كان معها. يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (١) .
السابعة عشر: قال أبو هريرة ﵁ يتزوج أحدكم بفلانة بنت فلان بالمال الكثير. ويتزوج بالحور العين باللقمة والتمرة والكسرة.
قال مالك بن دينار: كان لي أجزاء أقراؤها كل ليلة. وإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال وبيدها رقعة فقالت لي: أتحسن القراءة؟ فقلت: نعم فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات:
لهاك النوم عن طلب الأماني ... وعن تلك الأوانس في الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها ... وتلهو في الخيام مع الحسان
تنبه من منامك إن خيراً ... من النوم التهجد بالقرآن
الثامنة عشر: في الحديث دلالة على التحذير من كيد النساء وفتنتهن. وقد دل الكتاب والسنة على ذلك وعلى أن فيهن صالحات قال الله تعالى: ?وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ ? [الفتح: ٢٥] .
وقال تعالى: ?إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... ? [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية.
وسبب نزول هذه: أن النساء قلن يا رسول الله قد ذكر الله الرجال دون النساء فما فيهن من خير فأنزلها الله . فقرن الله تعالى ذكر النساء الصالحات بالرجال الصالحين.
وللنساء أحوال وزهد وخير وصلاح كما في الرجال. وفي النساء من لها الأوراد
стр. 461
والسياحات والكشوفات وغير ذلك من الخصوصيات. التي خصهن الله تعالى بها. ولكن الصالحات قليلٌ بالنسبة إلى غيرهن فقد قال رسول الله ﷺ : «مثل المرأة الصالحة في النساء إلا كمثل الغراب الأعصم» (١) أي: الأبيض.
مضى في الصدر الأول من النساء الصالحات كثير مثل رابعة العدوية من فضائلها: أنها كانت تصلي الليل كله فإذا قرب طلوع الفجر هجعت في محرابها هجعة خفيفة حتى يطلع الفجر ثم تقوم وهي فزعة تقول: «يا نفس كم تنامين يوشك أن تنامين نومة لا تقومين إلا يوم النشور» فكان هذا دأبها حتى ماتت (٢) .
من كراماتها: أنها نامت فجاء اللص فأخذ ثيابها ثم أراد الخروج فلم يجد الباب فهتف هاتف إن كان المحب نائماً فالمحبوب يقظان. ضع الثياب وأخرج من الباب.
ولقلة الصالحات فيهن وكثرة ضررهن وشؤمهن ذمهن الله ورسوله. وحذر الرجال منهن قال الله تعالى في كتابه العزيز في حقهن: ?إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ? [يوسف: ٢٨] .
وقال رسول الله ﷺ : «الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها. فينظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٣) .
وقال عمر: «إلتجئوا إلى الله من شرار النساء واحذروا خيارهن» .
وفي وصية لقمان لابنه: «اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل الشيب. واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير. وكن من خيارهن على حذر» (٤) .
стр. 462
وقال رسول الله ﷺ : «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (١) .
وقال الحسن ﵀: «والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار» (٢) .
ومن كلام علي ﵁: «أيها الناس لا تطيعوا النساء على حال. ولا تأمنوهن على مال. فإنهن أفسدن الممالك. وعصين المالك. وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن. ولا ورع لهن شهواتهن الجنة. واللذة بهن يسيره. والحيرة بهن كثيرة. فأما صوالحهن ففاجرات. وأما طوالحهن فعاهرت. وأما المعصومات منهن لمعدومات. فيهن ثلاث خصال من اليهود يتظلمن وهن ظالمات. ويحلفن وهن كاذبات. ويتمنعن وهن راغبات فاستعيذوا بالله من شرارهن وكونوا على حذر من خيارهن» (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «ألا هلك الرجال حين أطاعوا النساء» (٤) .
وقال عمر ﵁: «خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة» (٥) .
وقال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الزوجة» (٦) .
قال الغزالي ﵀: فإنما ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها وقد تعس. فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه. فإذا ملكها نفسه فقد عكس الأمر وأطاع الشيطان كما قال تعالى: ?وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ? [النساء: ١١٤] إذ حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً (٧) .
قال الغزالي: وكان نساء العرب العرباء يعلمن بناتهن اختبار الأزواج. كانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة عليه. انزعي زج رمحه. فإن سكت لذلك فقطعي اللحم على ترسه. فإن سكت فكسري العظام بسيفه. فإن صبر فاجعلي
стр. 463
الأكاف على ظهره وامتطيه فإذا هو حمارك (١) .
وحكي عن جعفر بن محمد الصادق ﵁ قال: كان في بني إسرائيل رجل صالح وله امرأة جميلة فرآها شاب فعشقته وصنعت له مفتاحاً يدخل عليها متى شاء. فقال زوجها لها في بعض الأيام: قد انكرت حالك فلا بد أن تحلفي لي على عدم الخيانة. قالت: نعم. فلما خرج من عندها ودخل الشاب فأخبرته بذلك. فقال: كيف الخلاص؟ فقالت: إلبس ثياب المكاري وخذ حماراً وقف على باب المدينة. فلما جاء زوجها وطلب يمينها على جبل معظم عندهم يحلفون عنده. فخرجت معه فلما وصلت إلى باب المدينة ورأت المكاري قالت: لابد من ركوبي. فأركبها فلما صعدوا الجبل ألقت نفسها عن الحمار فانكشف شيء من بدنها فرأها زوجها والمكاري. ثم حلفت وقالت: والله ما رأني غيرك إلا هذا المكاري. ولبست عليه فظن أنها تريد أن رأها حين ألقت نفسها عن الحمار. فاضطرب الجبل من تحتهم اضطراباً شديداً فذلك قوله تعالى: ?وَإِن كان مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ? [إبراهيم: ٦٤] .
وشتان ما بين هذه المرأة وبين ما حكي أن رجلاً فاسقاً دخل على امرأة عفيفة. وكان له مدة يتطلبها. فلما دخل عندها قال لها: امضي أغلقي أبواب الدار جميعاً وأحكمي إغلاقها. فمضت المرأة ثم عادت وقالت قد أغلقت سائر الأبواب وأوثقت إغلاقها سوى باب واحد. فإني عجزت عن إغلاقه. فقال: أي باب؟ فقالت: الباب الذي بيننا وبين الخالق جلت عظمته. ما قدرت عليه ولا استطيع أن أغلقه وهو مفتوح بحاله. فوقع في نفس الرجل من هذا الكلام الهيبة وتاب وأخلص التوبة وأقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعة ربه.
حكى الغزالي في كتابه نصيحة الملوك: أن ملكاً كان يقال له: «خسرير» وكان يحب أكل السمك كان يوماً جالساً في المنطرة وامرأته «شيرين» عنده. فجاء الصياد ومعه سمكة كبيرة فأهداها إلى «خسرير» ووضعها بين يديه فأعجبته. فأمر له بأربعة ألاف درهم. فقالت شيرين: بئس ما فعلت. قال: ولما؟ قالت: لأنك إذا أعطيت بعد هذا لأحد من حشمك هذا القدر احتقره وقال: أعطاني عطية الصياد. وإن أعطيته أقل منه قال: أعطاني أقل مما أعطى الصياد. فقال خسرير: لقد صدقت ولكن يقبح بالملوك أن يرجعوا في هباتهم وقد فات هذا. قالت شيرين: أنا أدبر هذه الحالة. فقال:
стр. 464
كيف ذلك؟ فقالت: تدعو الصياد وتقول له هذه السمكة أذكر أم أنثى. فإن قال ذكر فقل: إنما أردنا أنثى. وإن قال هذه السمكة أنثى فقل: إنما أردنا ذكراً. فأقبل الصياد فقالت له ذلك. فقبل الصياد الأرض وقال: هذه السمكة خنثى لا ذكر ولا أنثى. فضحك خسرير من كلامه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى. فمضى الصياد إلى الخازن فقبض منه ثمانية آلاف درهم. ووضعها في جراب كان معه. وحملها على عنقه وهم بالخروج فوقع منه درهم واحد. فوضع الصياد الجراب عن كاهله. وانحنى إلي الدرهم وأخذه. والملك وشيرين ينظران إليه فقالت شيرين: أيها الملك أرأيت إلي خسة هذا الرجل وسفالته سقط منه درهم واحد فألقى عن ظهره ثمانية آلاف. وانحنى عليه فأخذه ولم يسهل عليه أن يتركه ليأخذه بعض الغلمان. فغضب خسرير من ذلك وقال: صدقت يا شيرين ثم أمر بإعادة الرجل وقال له: يا ساقط الهمة لست بإنسان وضعت مثل هذا المال عن عنقك لأجل درهم واحد. وأسفت أن تتركه في مكانه. فقبل الصياد الأرض وقال: أطال الله بقاء الملك إنني لم أرفع ذلك الدرهم لخطره عنده. وإنما رفعته من الأرض لأن على أحد وجهيه صورة الملك. وعلى الوجه الآخر اسمه فخشيت أن يضع أحد قدمه فأكون أنا المأخوذ بالذنب. فعجب خسرير من كلامه واستحسن ما ذكره فأمر بأربعة آلاف أخرى. فعاد الصياد من عند
الخازن بإثنا عشر ألف درهم. فأمر خسرير مناديا ينادي: لا يتدبرن أحد برأي النساء. فإنه إن تدبر برأيهن. وأتمر بأمرهن خسر درهمه درهمين.
* * *
стр. 465
المجلس السادس والعشرون
في الكلام على شيء من ترجمة أبي ذر وفي الكلام على قوله ﷺ له:
«إنك أمر فيك جاهلية»
قَالَ البُخَارِي:
باب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ
وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ? [النساء: ٤٨]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، قَالَ لَقِيتُ أبا ذَرٍّ بِالرَّبَذَة ِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ «يَا أبا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إنك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إخوانكم خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (١) .
стр. 466
«أبو ذر» هذا هو الصحابي الكبير أبو ذر ويقال فيه: أبو الذر أيضاً، واسمه جندب بضم الجيم وضم الدال، «ويجوز» فتح الدال، «ابن جنادة» بضم الجيم وبالنون «ابن سفيان الغفاري» .
«وغفار» بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة، أسلم قديماً كان رابع أربعة في الإسلام، وخامس خمسة، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بأذن رسول الله ﷺ فأقام بها
стр. 467
حتى مضت غزوة بدر والخندق، قدم المدينة على رسول الله ﷺ وصحبه إلى أن توفى ﷺ وكان ﵁ في أيام الجاهلية يعبد صنماً وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر، فخرج به يوماً إلى السفر فوضعه في مكان ووضع عنده حوائجه وأمتعته، وقال: أيها الصنم احفظ حوائجي حتى أعود، ثم ذهب لحاجة، فلما ذهب جاء الثعلب وبال عليه، فلما رجع أبو ذر وجده مبلولاً فقال: السماء لم تمطر فمن أين هذا البلل؟ ثم نظر في الأرض فوجد أثر الثعلب، فعلم أنه بول الثعلب فمقته ورمق بطرفه نحو السماء وأنشد يقول ﵁:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
برئت من الأصنام في الأرض كلها ... وآمنت بالله الذي هو غالب
وترك عبادة الأصنام وكان ذلك قبل بعثه النبي ﷺ ، وهو أحد الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة وتركوا عبادة الأصنام.
قال البغوي (١) في تفسيره: الذين آمنوا قبل البعثة حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر، وسلمان الفارسي ووفد النجاشي (٢) .
وزاد ابن الجوزي في كتابة التلقيح جماعة أخرين آمنوا قبل البعثة.
وفي ذكر «حبيب النجار» مع الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة إشارة إلى أنه كان عبداً صالحاً، ولم يكن نبياً.
وهذه المسألة وقع فيها خلاف فالذي ذهب إليه أكثر أهل التفسير كما قاله ابن الأثير في الكامل: أنه كان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
والذي ذهب إليه أكثر أهل السير: أنه كان نبياً. وقيل: كان نبياً مرسلاً إلى أصحاب الرس.
وأبو ذر زاهد هذه الأمة، شبهه النبي ﷺ بعيسى بن مريم، وأفاد بعضهم بأنه إنما كني بأبي ذر لأنه ﵁ كان عنده خبز، فطلع عليه الذر فوزنه والذي عليه فلم يزد شيئاً فقال: انظروا إلى هذا الذر لم يظهر له أثر في ميزان الدنيا، ولم يرجح بسبه الميزان، وميزان الآخرة مع عظمه يطيش ويرجح بذرة واحدة فكني بأبي ذر.
و «الذر» هو النمل الأحمر الصغير واحده «ذرة» .
قال النووي: ويحل قتله دون النمل الأسود.
стр. 468
روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وإحدى وثمانون حديثاً، ذكر البخاري منها أربعة عشر.
وكان مذهب أبي ذر: أنه يحرم على الإنسان ما زاد عن حاجته.
وصفته: أنه كان طوالاً أبيض الرأس واللحية، سيره عثمان إلى الربذة، وتوفي بها في سنة ثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود، وعاد إلى المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفى.
و «الربذة» موضع قريب من المدينة منزل من منازل العراق.
عن المعرور قال: «لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة» .
و «الحلة» إزار ورداء ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين أي: على غلامه مثل ما عليه، واسم غلام أبي ذر: «أبو مرواح» كما قاله ابن حجر.
قال المعرور: «فسألته عن ذلك» عن سبب مساواته غلامه في اللبس، وقلت له: ما السبب في أن على غلامك حلة كما عليك حلة؟ وإنما سأله عن ذلك لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون ثياب سيده، وقال أبو ذر للمعرور في جواب السؤال: «إني ساببت رجلاً» أي سببت عبداً «فعيرته بأمه فقال لي النبي ﷺ يا أبا ذر أعيرته بأمه» الاستفهام فيه للإنكار التوبيخي «إنك امرؤ فيك جاهلية» .
وأصل هذه القصة أن أبا ذر كان بينه وبين بلال بن حمامة (١) كلام وخصومة، وكانت أم بلال سوداء نوبية، فعير أبو ذر بلال بسواد أمه، وقال: يا ابن السوداء. فانطلق بلال إلى النبي ﷺ وذكر له ما وقع من أبي ذر فدعاه رسول الله ﷺ وقال له: «شتمت بلال وعيرته بسواد أمه؟» قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «إنك امرؤ فيك جاهلية» أي: إنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولست جاهلياً محضاً.
وروي أنه قال: «ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء» .
وروي أيضاً أنه قال له: «ارفع رأسك ما أنت أفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين» فألقى أبو ذر نفسه على الأرض، ثم وضع خده على التراب وقال: «والله لا أرفع خدي منها حتى يطأ بلال خدي بقدمه» فوطئ خده بقدمه منه.
قال ابن حجر: ويظهر لي أن ذلك وقع من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم السب
стр. 469
فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده فلهذا لما قال له رسول الله ﷺ : «إنك امرؤ فيك جاهلية» على ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذاً بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي المواساة لا المساواة.
ثم قال ﷺ لأبي ذر: «إخوانكم خولكم» (١) قيل: هو من باب القلب المورث لملاحه الكلام الشاعر:
نُمَّ وإِنْ لَمْ أَنَمْ كَرَاي كَرَاكا ... شاهدي الدمع إِنَّ ذاك كَذَاكا (٢)
والأصل في حديث: «إخوانكم خولكم» أي: عبيدوكم وإماؤكم إخوانكم أي: في الإسلام، وإنما قيل لهم: «خول» لأنهم يتخولون الأمر أي: يصلحونها.
«جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتوهم فأعينوهم»
في الحديث دلالة على تحريم سب العبيد وتعييرهم بأبائهم، وفيه حث على الإحسان إليهم وإلى كل من يوافقهم في المعنى، ممن جعله الله تعالى تحت يد ابن آدم كالأجير والخادم، فلا يجوز لأحد أن يعير خادمه سواء أكان رقيقاً أو غيره ولا أجير بشيء من المكروه، يعرفه في أصوله وخاصة نفسه، إذ لا فضل لأحد على غيره إلا بالإسلام والتقى.
قال النبي ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقى» (٣)
وقال الله تعالى: ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: ١٣] .
وهذه الآية نزلت في حق بلال فإنه يوم فتح مكة رقى على ظهر الكعبة وأذن فقال بعض أهل مكة هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، فأنزل الله الآية (٤) .
стр. 470
وقد قدمنا في أول الكلام على صحيح البخاري أن السودان من أولاد حام بن نوح، وذكرنا أن سبب مجيئهم سودان مع أن أباهم حاماً كان أبيض هو: أن نوحاً أمر أن لا يقرب ذكر أنثى ما دام في السفينة، فواقع حام امرأته في السفينة، وخالف أباه فدعى الله نوح أن تُغير نطفته وغيرها الله تعالى، ورزقه ولداً أسود وجاءت جميع أولاده سودان.
في الحديث دلالة كما قاله النووي على أن الدوآب ينبغي أن يحسن إليها.
وفيه دلالة على تحريم ترفع الإنسان على المسلم، وإن كان عبداً.
وفيه دلالة على إطلاق الأخ على الرقيق.
وقد ذكر العلماء مسائل متعلقة بالرقيق، ومسائل متعلقة بالدآبة:
أما المتعلق بالرقيق، فمما قالوا: لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه، فلا يجوز أن يكلفه عملاً يقدر عليه يومين أو يوماً ثم يعجز عنه فإذا استعمله نهاراً أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، ويريحه في الصيف في وقت القيلولة، ويستعمله في الشتاء بالنهار مع طرف الليل، ويتبع في جميع ذلك العادة الغالبة، ويجب على العبد بذل المجهود، وترك الكسل.
ومنها: أنه يجب على السيد نفقته وكسوته ولو كان صغيراً أو أعمى أو مرهوناً أو مستأجراً.
وفي الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عن من يملك قوته» (١) .
فإن كان العبد كسوباً فكسبه لسيده، فإن شاء أخذه وأنفق عليه من ماله، وإن شاء أنفق عليه من كسبه فإن لم يكف كسبه بالنفقة فالباقي على السيد، وإن زاد فالزيادة للسيد، ولا يجوز الاقتصار بالكسوة على ستر العورة، وإن كان لا يتأذى بحر ولا برد، ولو تنعم السيد في الطعام والكسوة استحب له أن يدفع للعبد مثله، كما كان أبو ذر بعد قصته مع بلال يساوي عبده في ذلك، ولا يجب عليه ذلك، وإذا كان للإنسان عبيد يستحب له أن يسوي بينهم في الطعام والكسوة، ويكره له أن يفضل النفيس على الخسيس، بخلاف ما إذا كان له جوار فيستحب له أن يفضل ذات الجمال والرفاهية على غيرها.
ومنها: إذا تولى رقيقه معالجة طعامه وحمله وجاء به إليه، فيبنغي له أن يجلسه على
стр. 471
الطعام، فإن ذلك أقرب إلى التواضع ومكارم الأخلاق، وكان سيد الأولين والآخرين يأكل مع الخادم ﷺ فإن لم يفعل السيد أو قال له السيد: اجلس معنا فامتنع فينبغي أن يدفع له لقمة أو لقمتين.
ومنها: أنه يجوز للسيد المخارجه على العبد وهو أن يضرب عليه خراجاً معلوماً يؤديه إليه كل يوم أو أسبوع من كسبه إذا رضي السيد والعبد بذلك.
ومنها: إذا امتنع السيد من الإنفاق على مملوكه باع الحاكم شيئاً من ماله وأنفق منه على العبد فإن لم يجد الحاكم له مالاً أمره بأن يبيعه أو يؤجره أو يعتقه، فإن لم يفعل ذلك باعه الحاكم أو أجره فإن لم يقبله أحد أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مال فهو ومن محاويج المسلمين فعليهم القيام بكفايته.
وأما المتعلقة بالدآبة فمنها: أنهم قالوا إذا ملك دآبة فعليه علفها وسقيها، ويقوم مقام العلف والسقي تخليتها لترعى وترد الماء، إن كان ما ترعى وتكتفي به بخصب الأرض ونحوه، ولم يكن مانع ثلج وغيره.
ومنها: يحرم تكليف الدآبة من ثقيل الحمل وإدامة السير أو نحو ذلك فإذا كانت الدآبة لها طاقة وقدرة على أن تحمل خمسين رطل فحملها ستين مثلاً، أو على أن تمشي سبع فراسخ متوالية فإن ذلك حرام، لأنه تكليف نفس بما لا تطيقه.
لطيفة: قال أبو سليمان الخواص ﵁ ركبت حماراً في بعض الأيام فجعل يطاطئ رأسه من الذباب فضربته على رأسه، فرفع رأسه وقال: هكذا تضرب على رأسك.
ومنها: لا يجوز حلب لبن الدآبة بحيث يضر ولدها وإنما يحلب ما فضل عن ري ولدها، والمراد بالري ما يقيمه حتى لا يموت، ويكره ترك الحلب إذا لم يكن فيه إضرار بها تضييع للمال، ويستحب أن يقص الحالب أظفاره لئلا يؤذيها.
ومنها: ينبغي أن يبقي للنحل شيئاً من العسل، فإن كان أخذه للعسل في الشتاء وزمن تعذر خروج النحل ترك لها أكثر، وإن قام شيء مقام العسل لغذائها لم يتعين إبقاء العسل.
ومنها: دود القز عيشه بورق التوت فعلى مالكه تحصيله له لئلا يهلك من غير فائدة، وهذا كله من باب الشفقة والرحمة على خلق الله، وقد جاءت أخبار كثيرة في هذا المعنى.
وروينا في سنن النسائي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه
стр. 472
الذي مات فيه: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١) .
وروينا في الغريب للترمذي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه وأدخله الجنة: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، والإحسان للمملوك» (٢) .
وروينا في سنن النسائي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ وهب علياً غلاماً فقال: «لا تضربه فإني نهيت عن ضرب المصلين، وقد رأيته يصلي» (٣) .
وروينا في سنن أبي داود عن ابن عمر ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كم تعفو عن الخادم؟ فصمت ثم أعاد عليه الثانية والثالثة فقال رسول الله ﷺ : «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة» (٤) .
وروينا في سنن أبي داود أيضاً عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لائمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله» (٥) .
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «من قذف مملوكه وهو برئ جلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قاله» (٦) .
стр. 473
وقال رسول الله ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم» (١) .
وقال ﷺ : «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (٢) .
وقال ﷺ : «لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي» (٣) .
قال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٤) .
فندب ﷺ إلى الرحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافر فكن رحيماً لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه والرحمة على عباده ﵀ برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه،
стр. 474
وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته، وقد أنشد كثير من العلماء في حديث: «الراحمون يرحمهم الله إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أبياتاً فمن أنشد فيه أبو القاسم بن عساكر فقال:
بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنماً ... ولا تكن من قليل العرف محتشما
واشكر لمولاك ما أولاك من نعم ... فالشكر يستوحب الإفضال والكرما
وارحم بقلبك خلق الله وأرعهم ... فإنما يرحم الرحمن من رحما
ومما أنشد في ذلك الشهاب الحجازي حيث قال:
إن كنت لا ترحم المسكين إن عدما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنما يرحم الرحمن من رحما
وأنشد فيه بعضهم فقال:
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم ... من في السماء فباعد عنك وسواسا
وقل أعوذ برب الناس منك إذ ... لا يرحم الله من لا يرحم الناسا
فائدة: قال العلماء إذ ملك الإنسان جارية وولدها، فإن كان الولد غير مميز فإنه يحرم عليه أنه يفرق بينهما ببيع أو هبة أو قسمه، فإذا باع الأم وحدها ترك عنده الولد، أو باع الولد وحده وترك عنده الأم إثم بذلك وبطل البيع بالإجماع.
قال النبي ﷺ : «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١) حسنة الترمذي، وصححه الحاكم.
أما إذا كان الولد مميزاً فيجوز التفرقة بينه وبين أمه بالبيع وغيره، لاستغناء المميز عن الحضانة والتعهد أشبه البالغ.
وحكم المجنون كحكم غير المميز عن الحضانة والتعهد، وكذا يحرم التفريق بين الولد وجدته عند فقد أمه، وبين الولد وأبيه عند عدم أمه، أما إذا كانت الأم موجودة فباعها سيدها مع ولدها وترك الأب عنده جاز، وباع الأب وترك الجارية مع ولدها
стр. 475
جاز، ولا يجوز أن يباع الولد مع أبيه وتترك الأم لأن الشفقة للأم أشد، فالحكم للأم دون غيرها، فلو تصرف في أحدهما ببيع وهبة وقسمه بأن أعتق الأم دون الولد والولد دون الأم جاز ذلك، لعدم التفرق المزيل للمالك.
قيل: إن يعقوب إنما فرق بينه وبين ولده يوسف مدة لأنه فرق بين جارية وولدها فقد ذكر الثعلبي ﵁ أن يعقوب رأى ملك الموت قد زاره فقال له: السلام عليك أيها الكظيم، فاقشعر جسده وارتعدت فرائصه، فرد ﵇، ثم قال له: من أنت ومن أدخلك هذا البيت وقد أغلقت على نفسي بابه، كيلا يدخل عليَّ أحد لأشكو بثي وحزني إلى الله، فقال له: يا نبي الله أنا الذي أيتم الأولاد، وأرمل الأزواج، قال: فأنت ملك الموت إذن، قال: نعم، قال له: يا ملك الموت أنشدك الله هل تقبض روح من تأكله السباع؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عن الأرواح تقبضها مجموعة أو متفرقة؟ قال: أقبضها متفرقة روحاً روحاً، قال: فهل مر بك روح يوسف في الأرواح؟ قال: لا، قال: فجئتني زائراً أو داعياً؟ قال: يا نبي الله ما جئتك إلا مسلماً والله تعالى لا يميتك حتى يجمع بينك وبين يوسف، ولو كان في الصخرة التي عليها قرار الأرض، وما أذن الله في زياريك إلا لأبشرك وأجيبك عما تسألني، وإن شئت أعلمتك لما ابتليت بفقد ولدك، قال: فأعلمني، قال: يا إسرائيل هل تذكر الجارية الذي اشتريتها عام كذا في شهر كذا وفرقت بينها وبين أبويها؟ قال: نعم يا ملك الموت كان بالأمس، فقال له ملك الموت: فلذلك ابتليت بفقد الولد، وهل تعلم لما ابتليت بذهاب البصر؟ قال: لا، قال: أمرت يوماً بجذعة فذبحتها وشويتها في يوم كذا في شهر كذا، فمر تميم العابد العبد الصالح بك وهو صائم، ما أفطر منذ أسبوع فاشتم قثار الشواء فلم تطعمه، قال: فدعا عند ذلك يعقوب من كان بحضرته من العبيد والإماء فاعتقهم جميعاً، وأمر أن يذبح من أغنامه كل يوم كبشان ويفرق لحمها على الفقراء والمساكين فقبل الله ذلك منه وشكره وآتاه بالفرج (١) .
فائدة أخرى: يجوز التفريق بين البهيمة وولدها إذا استغنى الولد عن لبن الأم، أما إذا لم يستغن فإن فرق بالذبح بأن ذبح الولد وترك الأم جاز، وإن ذبح الأم وترك الولد لا يجوز كما قاله السبكي، وإن فرق ببيع ونحوه فإنه لا يجوز لعدم استغناء الولد عن لبن الأم.
* * *
стр. 476
المجلس السابع والعشرون
في الكلام على باب علامات المنافق وما في حديثه من الفوائد
وفيه شيء من ترجمة سفيان الثوري
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ عَلاَمَاتِ المنَافِقِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (١) .
يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (١) .
قوله: «حدثنا قبيصه بن عقبة قال: حدثنا سفيان» هذا هو الإمام الكبير العالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم سفيان بن سعيد الثوري منسوب إلى جده بثور الكوفي إمام أهل الكوفة، وهو تابعي التابعين ومناقبه جمة.
قال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائه شيخ ما كتبت عن أفضل منه (٢) .
وكان ابن المبارك يتسابق على سفيان ويقول: لما لم أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفلان (٣) .
وكان مولده سنة سبع وتسعين، ومن فضائله أنه قال ما استودعت فهمي شيئاً فخانني.
ومن كراماته: أن أبا جعفر المنصور بلغه أن سفيان كان يتكلم فيه بسبب ظلم الناس فكان يتطلبه، فلما حج المنصور بعث الخشابين قدامه إلى مكة، وكان سفيان في مكة فقال المنصور: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه، فوصلوا مكة ونصبوا الخشبة، ونودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عينيه فقالوا: يا سفيان لا تشمت بنا الأعداء، فقام وذهب وأخذ بأستار الكعبة وقال:
стр. 479
برئت منها إن دخل المنصور، فسقط المنصور من فوق الدآبة ومات قبل أن يدخل مكة فخرج سفيان وصلى عليه (١) .
ومن فضائله ما حكاه بعض العلماء عن محمد بن خزيمة قال: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداً فبت ليلتي فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله أي مشية هذه؟ قال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال: يا أحمد هذا بقولك إن القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي كنت تدعو بها في دار الدنيا، فقلت: يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء. فقلت: وما فعل الله بك؟ قد فعل ثم قال: يا أحمد هذه الجنة فقم وادخل إليها فدخلت فإذا سفيان الثوري، وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ويقول: ?الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ? [الزمر: ٧٤] (٢) .
ومن فضائله ما حكاه في الروض الفائق فقال: «قيل: لما بلغ سفيان الثوري ﵁ من العمر خمسة عشر قال: لأمه يا أماه هبيني لله، فقالت: يا ولدي إنما يهدى للملوك من يصلح لهم وأنت لا تصلح لله، فاستحيا من أمه، ودخل بيتاً فأقام فيه سنتين متوجهاً إلى الله تعالى بالعبادة، فدخلت عليه أمه بعد ذلك فوجدته مجتهداً في العبادة وعليه آثار السعادة، فقبلت بين عينيه وقالت: يا ولدي الآن قد وهبتك لله فخرج عنها وغاب عشر سنين في سياحته متلذذاً في عبادته، فاشتاق إلى أمه فزارها ليلاً، فلما طرق الباب نادته من وراء الحجاب يا سفيان من وهب لله شيئاً فلا يعود فيه، وأنا قد وهبتك لله فلا أراك إلا بين يديه، ولله در من قال:
ولا تحسبوا أني نسيت ودادكم ... وإني وإن طال الأمد لست أنساكم
قطعت لكم عهداً قديماً وحرمة ... ونحن على العهد الذي قد عهدناكم
ونحن على ما تعهدون من الوفا ... يودكم قلبي وبالغيب يرعاكم
ولست بناس عهدكم بعد بعدكم ... وما دام قلبي عندكم كيف ينساكم
стр. 480
ومن فضائله ما قاله حجة الإسلام الغزالي ﵀ في كتابه منهاج العابدين عن بعض الصالحين أنه قال: رأيت سفيان الثوري في النوم بعد موته فقلت: ما حالك يا أبا عبد الله؟ فأعرض عني وقال: ليس هذا زمان الكنى فقلت: كيف حالك يا سفيان فأنشأ سفيان يقول:
نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيأ رضائي عنك يا ابن سعيد
لقد كنت قواماً إذا الليل قد دجا ... بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فإني عنك غير بعيد
ومن فضائله ما ذكره في كتاب أنس المحاضرة عن بشر بن الحارث: أن سفيان الثوري كان عليلاً، وكان بلبل يجيىء ويصيح في داره، فلما أن مات وحملت جنازته طار فوق الجنازة فلما دفن تمرغ على القبر ومات.
وكانت وفاة الثوري بالبصرة سنة ستين ومائة.
«قال: حدثنا سفيان عن الأعمش» هذا هو سليمان بن مهران بكسر الميم الكوفي التابعي، وكان في عينه ضعف.
قال يحيى القطان: كان الأعمش من النساك، وكان علامة الإسلام (١) .
وكانت الملوك والسلاطين عنده أحقر الناس مع فقره وحاجته، وكان كثيراً ما يلبس الفروة جلدها على جلده، وصوفها إلى خارج ويذهب إلى الصلاة وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين.
« ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أربع مَنْ كُنَّ فِيهِ كان مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ» .
استشكل جماعة من العلماء هذا الحديث وقالوا: إن هذه قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه ولا يحكم بكفره بالإجماع، ولا بنفاق يجعله الله في الدرك الأسفل من النار، ثم أجابوا عن الاستشكال بأوجه:
أحدها: أن المراد بالنفاق هنا النفاق العملي الإيماني فإن النفاق على قسمين
стр. 481
أحدهما: أن يظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر فيقال له: منافق نفاق الكفر، ويقال له: زنديق فهو وإن كان في الظاهر مسلماً فهو في الباطن كافر مخلد في النار، والمنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ كان نفاقهم نفاق كفر، وكان رأسهم وكبيرهم عبد الله بن أبي سلول.
وقد أنزل الله في حقهم: ?إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ? [المنافقون: ١] أي: فيما أضمروه ومن تكذيبك خلاف ما قالوه.
القسم الثاني: أن يترك الإنسان المحافظة على أمور الدين سراً ويفعلها ويحافظ عليها علنا، كما إذا خلا الإنسان بنفسه لا يصلي ولا يعمل شيئاً من العبادة، وإن اجتمع الناس صلى وحافظ على العبادة فيسمى مثل هذا منافق أيضاً، ولكن دون النفاق الأول فإن هذا نفاق في العمل لا يخرجه عن الإسلام، والأول نفاق في الاعتقاد وكثير من الجهال الفساق على هذا النفاق لا يعمل شيئاً من الطاعات إلا بين الناس، وإذا خلا بنفسه تركها.
فقوله: «آية المنافق» أي: علامة المنافق ذكر ﷺ للمنافق في الحديث الأول ثلاث علامات، وفي الثاني أربع علامات.
قال النووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال للمنافق وهي: الكذب والخيانة والخلف والغدر والفجور.
أما الكذب فهو: الأخبار عن الشيء على خلاف الواقع سواء كان عمداً أو جهلاً، لكن لا إثم عليه في الجهل، بخلاف العمد وهو حرام، وقبيح في الجاهلية والإسلام، وهو من الكبائر إن كان يترتب عليه ضرر لأحد من الناس، فمن كذب على إنسان وقال عنه: أنه سرق ولم يسرق فقطعوا يده بقوله، وكذا الكذب على النبي ﷺ فإنه من الكبائر.
وقال ﷺ : «من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١) .
стр. 482
أما إذا لم يترتب على الكذب ضرر لأحد فهو من الصغائر القبيحة الفاحشة، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ? [الإسراء: ٣٦] .
قال قتادة (١) : أي لا تقل رأيت وأنت لم تره، وسمعت ولم تسمعه، وعلمت ولم تعلم (٢) .
وقال تعالى: ?مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ? [ق: ١٨] .
وقال ﷺ : «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» (٣) .
قال الغزالي ﵀: قال ابن عباس: «أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر» (٤) .
وقال بشر بن الحارث (٥)
: «من عامل الله بالصدق استوحش من الناس» (٦) .
стр. 483
وقال بعضهم: رأيت منصور الدينوري في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ورحمني وأعطاني ما لم أؤمل، فقلت له: أحسن ما توجه به العبد إلى الله ماذا؟ فقال: الصدق وأقبح ما توجه به الكذب (١) .
وقال أبو سليمان: «اجعل الصدق مطيتك، والحق سيفك، والله تعالى غاية طلبك» (٢) .
وقال محمد بن علي الكناني: «وجدنا دين الله مبنياً على ثلاثة أركان على الحق والصدق والعدل، فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول» (٣) .
وقال وهب بن منبه: «وجدت على حاشية التوراة اثنين وعشرين حرفاً كان صلحاء بني إسرائيل يجتمعون فيقرءونها: لا كنز أنفع مع العلم، ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أوضع من الغضب، ولا قرين أزين من العقل، ولا رفيق أشر من الجهل، ولا شرف أعز من التقوى، ولا كرم أوفى من ترك الهوى، ولا عمل أفضل من الفكر، ولا حسنة أعلى من الصبر، ولا سيئة أخزى من الكبر، ولا دواء أنفع من الرفق، ولا داء أوجع من الخرق، ولا رسول أعدل من الخلق، ولا دليل أنصح من الصدق، ولا فقر أذل من الطمع، ولا غنى أشقى من الجمع، ولا حياة أطيب من الصحة، ولا معيشة أهنأ من العفة، ولا عبادة أحسن من الخشوع، ولا زهد خير من القنوع، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت» (٤) .
وقال ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع» (٥) .
وقال ﷺ : «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» (٦) .
стр. 484
وقال ﷺ : «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنوكم» (١) .
وعن عبد الله بن جراد قال: قلت: يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: «قد يكون ذلك» ، المؤمن يسرق؟ قال: «قد يكون ذلك» ، المؤمن يكذب؟ قال: «لا» .
قال الله تعالى: ?إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ? [النحل: ١٠٥] .
وقال ﷺ : «ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له، ويل له» (٢) .
وقال ﷺ : «إن العبد ليقول الكلمة لا يقول إلا ليضحك بها الناس، يهوى بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإنه ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه» (٣) .
وقال ﷺ : «من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهو كذبه» (٤)
رواه أحمد.
وعن عبد الله بن عامر ﵁ دعتني أمي يوماً ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا فقالت: هاك تعالى أعطيك، فقال رسول الله ﷺ لها: «أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة» (٥) رواه أبو داود والبيهقي.
стр. 485
وقال عبد الله المبارك: «من عقوبة الكذاب أنه يرد عليه صدقه» (١) .
وروي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا كذب العبد كذبة تباعد منه الملك مسيرة ميل من نتن ما جاء به» (٢) .
وفي الموطأ عن ابن مسعود قال: «لا يزال العبد يكذب وتنكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه كله، فيكتب ثم الله من الكاذبين» (٣) .
نعم يجوز الكذب في صور ويجب في صور، أما الصور التي يجب فيها الكذب فثلاث:
الأولى: في الحرب بأن يظهر لمن يراه الناس خلاف ما يبطن لأجل الحرب، فإن الحرب خدعة ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ لم يكن يريد غزوة يغزوها إلا وري بغيرها (٤) .
الثانية: في الإصلاح بين شخصين أو طائفتين.
الثالثة: الكذب لأجل إرضاء زوجته كأن يشتري لها شيئاً بثمن لا ترضى به إلا أن يكون بأكثر فيخبرها الأكثر كاذباً.
ففي الصحيحين أن أم كلثوم ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيراً أو يقول خيراً» (٥) .
وزاد مسلم في رواية: «قالت أم كلثوم ولم أسمعه يرخص في شيء مما تقوله الناس إلا في ثلاث» يعني في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها.
стр. 486
وقال رسول الله ﷺ : «الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإنه خدعه، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها» (١) .
وأما الصور التي يجب فيها الكذب فمنها: ما إذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله وسأله شخصاً مسلماً عنه هل يعرف محله فإنه يجب عليه الكذب، وإذا حلف وجب عليه أن يحلف أنه لا يعلم مكانه، ولا إثم عليه بل يثاب على هذا الكذب ثواب الواجب، نعم إن كان الحلف في هذه الصورة بالطلاق وقع عليه.
ومنها: لو كان عند إنسان وديعة لشخص فسأله ظالم عنها ليأخذها منه، وجب عليه الكذب، فإن حلَّفه الظالم بالله تعالى جاز له الحلف كاذباً لمصلحة الوديعة ووجب عليه تكفير يمينه، فلو لم يحلف وأخبره بأن الوديعة عنده فأخذها الظالم قهراً وجب ضمانها عليه، وإن أكرهه الظالم في هذه الصورة على الحلف بالطلاق فهو مخير بين الحلف وبين الاعتراف والتسليم، فإن اعترف وسلم ضمن على المذهب لأنه فدى زوجته بالوديعة، وإن حلف بالطلاق أن الوديعة ليست عنده طلقت زوجته على المذهب، لأنه فدى الوديعة بزوجته.
فائدة: الكذب على المسلم كأن قال رأيت في منامي ولم ير شيئاً حرام.
قال النبي ﷺ : «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة، ومن استمع بحديث قوم وهم له كارهون صب أذنيه الآنك، ومن صور صورة كلف أن ينفخ فيها روح وليس بنافخ» (٢) رواه البخاري.
ومعنى «تحلم» : قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا، وهو كاذب.
«والآنك» بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: الرصاص المذاب قاله النووي.
وأما «الخيانة» : فهي التصرف في الأمانة على خلاف الشرع كالجناية في الوديعة فإنها أمانة في يد المودع، فإذا تلفت الوديعة تحت يده من غير تقصير فلا ضمان عليه لعدم خيانته، أما إذا قصر فيها فإنه يضمن، وأسباب الضمان كثيرة نقلها الفقهاء ﵃.
стр. 487
ويدل على تحريم الخيانة في الأمانة الحديث الذي ذكره البخاري حيث جعل الخيانة إحدي علامات المنافق.
وقول الله تعالى: ?فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ? [البقرة: ٢٨٣] .
وقوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أهلها? [النساء: ٥٨] .
وقوله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (١)
حسنة الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم.
وأما الغدر وهو مخالفة العهد، فالذي يدل على تحريمه الحديث الذي ذكره البخاري.
وقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ? [المائدة: ١] .
وقوله تعالى ?وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كان مَسْئُولاً? [الإسراء: ٣٤] .
وقول النبي ﷺ : «لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان» (٢) .
لطيفة في الوفاء بالعهد وعدم الغدر: نقل الإخباريون عن عبد الله بن المبارك أنه كان في غزوة فالتقى هو ومجوسي للقتال فدخل وقت الصلاة، فقال للمجوسي: دخل وقت الصلاة عبادتنا اصبر على حتى أصلي، وعاهدني على أن لا تقصدني بمكروه حتى أفرغ من الصلاة، فعاهده على ذلك، ثم توضأ عبد الله بن المبارك
стр. 488
وصلى، والمجوسي ينظر ولا يتكلم حفظاً للعهد، فلما فرغ من صلاته التقيا للقتال فلم يقدر أحدهما على الآخر إلى أن جاء وقت غروب الشمس، وعبادة المجوسي هي السجود للشمس وقت طلوعها وغروبها، فقال المجوسي لعبد الله بن المبارك: دخل وقت عبادتنا عاهدني أنت أيضاً كما عاهدتك واصبر على حتى أفرغ من عبادتي ولا تغدر. فعاهده عبد الله بن المبارك على ذلك، فلما سجد للشمس وثب عليه عبد الله بن المبارك بسيفه ليقتله وهو ساجد، فهتف به هاتف: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، فرجع فلما فرغ المجوسي قال له: مالك هممت بي ثم رجعت؟ قال: سمعت هاتفاً يقول كذا، فقال المجوسي: نعم الرب ربك يعاتب وليه لأجل عدوه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
لطيفة أخرى: عاهد بعض الصالحين ربه أن لا يستغيث بأحد من الخلق إلا به ، فخرج إلى الحج فمر في طريقه على بئر والنوم في عينيه فسقط فيه، ولم يقدر على الخروج منه، فمر بالبئر رجلان فقال أحدهما للآخر: هذا البئر يضر بالمارين فلا نبرح حتى نطمه من طريق الناس، وهو يسمع ما قالاه من أسفل البئر، فأراد أن يستغيث بهما فذكر العهد فسكت فطماه وذهبا، فأرسل الله سبعاً ففتح البئر وناوله يده فرفعه بها فسمع هاتفاً يقول: من التجأ في مهماته إلينا، ولم يتكل على سوانا، وناجاني في الغيب فنجيناه من التلف.
وأنشد في المعنى:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل ... فريح الصبا مني إليك رسول
لطيفة ثالثة: طلب الحجاج رجلاً ليقتله فقال: أيها الأمير عندي ودائع للناس فأمهلني حتى أردها، فأعرض عنه وقال: لا أطلقك إلا بكفيل، فخرج الرجل يطلب كفيلاً يكفله ومعه جماعة الحجاج، فوجد رجلاً جميل الوجه من أقارب الحجاج فقاله له: ما اسمك؟ فقال: عبد الكريم، فأخبره بقصته مع الحجاج، فقال: أنا أكفلك عنده. وكفله عند الحجاج، فقال له الحجاج: إن لم يأت أقتلك مكانه وإن بيني وبينك قرابة. قال: نعم، فذهب الرجل ورد ودائع الناس فلما أبطأ على الحجاج طلب الكفيل، وأمر بقتله فقال له: دعني أصلي ركعتين ثم أفعل ما أردت، فصلى ركعتين ثم قال: يا رب إن الرجل اطمأن إليَّ لأني عبد الكريم وأنت الكريم. ثم رفع السياف سيفه وأراد ضربه، وإذا بالرجل قد أقبل فقال له السياف: كيف رجعت
стр. 489
إلى القتل؟ والحجاج يسمع فقال: ردني قوله تعالى: ?وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ? [النحل: ٩١] ?وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ? [البقرة: ٤٠] والوفاء بالعهد من الإيمان، فلا أخرج من الإيمان لأجل حياة زائلة، فقال الحجاج: أذهبا فقد عفوت عنكما.
وأما الفجور في الخصومة فهو حرام كما يدل على تحريمه الحديث المذكور، وقوله ﷺ : «كفي بالمرء إثما أن لا يزال مخاصماً» (١) .
والخصومة: لجاج في الكلام ليستوفي به الإنسان مقصوده من مال أو غيره، نعم إن خاصم الإنسان بحق يستوفي حقه فليس ذلك بحرام، وإنما الحرام المذموم من المخاصمة أن يخاصم بباطل أو بغير علم، كبعض وكلاء القضاة فإنه يتوكل بالخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب فيخاصم بغير علم، فالخصومة مبدأ الشر، وهي توغر الصدر وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما، فأطلق كل واحد منهما لسانه في حق الآخر، فينبغي للعاقل أن لا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرروة بالغة، وحينئذ يحفظ لسانه وقلبه عن آفاتها.
قال بعضهم: ما رأيت شيئاً أذهب للدين ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقلب من الخصومة.
فائدة: قال العلماء: ينبغي للإنسان إذا قال خصمه: بيني وبينك كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ وأقوال العلماء المسلمين أو نحو ذلك، أو قال: اذهب معي إلى حاكم المسلمين، أو للمفتي للفصل في الخصومة التي بيننا وما أشبه ذلك أن يقول: سمعنا وأطعنا، أو سمعاً وطاعة، أو نعم وكرامة أو شبه ذلك.
قال الله تعالى: ?إِنَّمَا كان قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ? [النور: ٥١] .
وإذا قال له خصمه في المخاصمة والمنازعة في أمر: اتق الله، أو خف الله تعالى، أو راقب الله تعالى، أو اعلم أن الله مطلع عليك، أو اعلم أن ما تقوله يكتب عليك أو تحاسب عليه، أوقال له: قال الله تعالى ?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّ? [آل عمران: ٣٠] ، وقال تعالى ?وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
стр. 490
اللَّهِ? [البقرة: ٢٨١] ، أو نحو ذلك فيبنغي أن يتأدب ويقول سمعاً وطاعة، أو سل الله التوفيق، أو اسأل الله الكريم لطفه، ويتلطف في مخاطبة من قال ذلك، وليحذر كل الحذر من تساهله عند ذلك في عبارات فإن كثيراً من الناس يتكلمون عند ذلك بما لا يليق، وربما يتكلم بعضهم بما يكون كفراً.
وأما الخلف في العهد فهو حرام جداً عند جماعة من العلماء، وبه قال عمر بن العزيز، والذي يذهب الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والجمهور من العلماء أن خلف الوعد ليس بحرام بل مكروه كراهة تنزيه كراهة شديدة، وقالوا: يستحب الوفاء به، وعند المالكية إن ارتبط الوعد بسبب كقوله: تزوج، أعط كذا فوجب الوفاء به وكان خلفه حراماً، وإن كان وعداً مطلقاً فلا يجب الوفاء به.
فالحاصل: أن خلف الوعد إما حراماً وإما مكروهاً.
قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ? [الصف: ٢، ٣] .
والوفاء بالوعد من أخلاق الأنبياء والأولياء والصالحين نفعنا الله بهم أجمعين.
قال القاضي عياض: باع النبي ﷺ قبل أن يبعث من إنسان شيئاً وبقي له بقية، فقال له ذلك الإنسان: قف مكانك يا محمد حتى آتيك بالبقية، فذهب ونسي رسول الله ﷺ في ذلك المكان، فاستمر رسول الله ﷺ في ذلك المكان ثلاثة أيام حفظاً للوعد، ثم تذكر بعد اليوم الثالث فجاء فقال له رسول الله ﷺ : «لقد شققت عليَّ أنا ههنا منذ ثلاثة أيام انتظرك» (١) .
وذكر بعض المفسرين في قوله حكاية عن إسماعيل: ?إِنَّهُ كان صَادِقَ الوَعْدِ? [مريم: ٥٤] أن رجلاً قال له: اجلس يا إسماعيل في هذا المكان حتى آتيك فجلس فيه سنة، ثم جاءه فقال له: مكانك حتى آتيك فجلس فيه سنة أخرى، فقال له: مكانك حتى آتيك فغاب عنه سنة، ثم جاءه وهو في ذلك المكان لم يتغير، فلذلك وصفه الله بأنه كان صادق الوعد.
стр. 491
وأفاد بعضهم أنه وقع نظير هذا للشيخ العارف بالله تعالى الرباني سيدي عبد القادر الكيلاني، وكان القائل الخضر.
لطيفة خاتمة: قال في روض الأفكار: خرج رجل من أهل اليمن لزيارة النبي ﷺ فقال له جماعة: سلم لنا على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، فلما دخل المدينة وزار قبره الشريف ﷺ نسي تبليغ السلام عليه وعلى صاحبيه فخرج مع القافلة، فذكر ما حمله ذلك الرجل من السلام، فترك القافلة ورجع إلى قبر النبي ﷺ وقال يا رسول الله: فلان ابن فلان يسلم عليك وعلى صاحبيك. ثم رجع ليلحق القافلة فوجدهم قد رحلوا فرجع بقلب مكسور إلى قبر النبي ﷺ ونام فرأى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر فقال أبو بكر: هذا الرجل يا رسول الله؟ قال: نعم. فالتفت رسول الله ﷺ وقال: يا أبا الوفاء. قلت: يا رسول الله كنيتي أبو العباس. فقال: أنت أبو الوفاء، وأخذ بيدي فوضعني في مكان غير مكاني، فانتبهت فرأيت نفسي في المسجد الحرام، فأقمت بمكة ثمانية أيام حتى جاء الحجاج.
* * *
стр. 492
المجلس الثامن والعشرون
في الكلام على قوله ﷺ من تبع جنازة مسلم وما فيه من الفوائد
الحمد الذي أيقظ من شاء من سنة الغفلة، ورفع من أحب لقاءه إلى عليين، ووضع عنه أوزاره وثقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث بأشرف ملة، المخصوص بأكرم خلة ﷺ وصحبه السادة الجلة.
قَالَ البُخَارِي:
باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
ختم البخاري التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة لأن ذلك آخر أحوال الدنيا.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيماناً وَاحْتِسَابًا، وكان مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فإنه يَرْجِعُ مِنَ الأجر بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فإنه يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» (١) .
стр. 493
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (١) .
في هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه.
قال أبو الزناد (٢) : خص الشارع على التواصل في الحياة بقوله: «صل من قطعك، وأعط من حرمك، ولا تقاطعوا ولا تدابروا» وخص على التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له، والتشييع إلى القبر من حق المسلم وقد وردت به الأخبار ودلت عليه الآثار، على أن الله يغفر الذنوب والأوزار لمن تبع جنازة المؤمن إلى قبره.
فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عاصم حديثاً مرفوعاً: «إن أول ما يتحف به المؤمن في قبره أن يقال له: أبشر فقد غفر لمن تبع جنازتك» (٣) .
وأخرج (٤) عن جابر بن عبد الله عنه ﷺ أنه قال: «إن أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن خرج في جنازته» (٥) .
وأخرج البزار وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يجازى به المؤمن بعد موته، أن يغفر لجميع من تبعه» (٦) .
الفائدة الثانية: القيراط الذي يحصل بالصلاة على الميت وبحضور دفنه اسم لمقدار
стр. 494
من الثواب يقع على القليل والكثير، بين في هذا الحديث أنه مثل أحد، وفي رواية للحاكم: القيراط أعظم من أحد، وفي رواية أخرى للحاكم: «والذي نفسي بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» .
والمقصود من قوله ﷺ : «فإنه يرجع من الأجر بقيراطين» أي: أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر.
و «أحد» جبل بجانب المدينة على نحو ميلين منها، وإنما خصه بالذكر دون غيره من الجبال لأنه أعظم جبال المدينة، والنبي ﷺ كان يحبه ويقول: «جبل أحد يحبنا ونحبه» (١) .
وتحرير الكلام في تحصيل القيراط أن للانصراف عن الجنازة أربع مراتب:
الأولى: أن ينصرف عقب الصلاة ولهذا من الأجر قيراط بهذا الحديث، لكن هذا القيراط لا يحصل إلا إذا شهد الجنازة من مكانها إلى حين الصلاة، كما يدل عليه قوله: «وكان معه» أي: مع المسلم، وفي رواية: «معها» أي: مع الجنازة، فلو لم يشهد الجنازة من مكانها بل سبقها إلى المصلى لم يحصل القيراط، وإن حصل له أجر الصلاة، لأن القيراط ليس على الصلاة مطلقاً بل عليها بشرط شهودها من مكانها، ولو شهد الجنازة من مكانها إلى المصلى ولم يصل هو بل صلى غيره عليها لم يحصل له القيراط، لظاهر قوله: «حتى يصلي» بكسر اللام.
لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر على رواية: «حتى يصلى» بفتح اللام: قد يقال يحصل ذلك ولو لم يصلي، قال: أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقاً والله تعالى أعلم.
فلو شهد جنازتين من مكانهما إلى المصلى، وصلى عليها صلاة واحدة، فإن تعدد مكانهما حصل له بكل واحدة قيراط بلا شك، وإن اتحد مكانهما بأن كانا في موضع واحد ومشى معهما حتى صلى عليهما صلاة واحدة.
قال السبكي: فالذي يظهر أنه يحصل له قيراط بكل ميت نظراً إلى تعدد الجنائز، ولا يمنع من ذلك اتحاد الصلاة لأن الشارع ربط القيراط بوصف وهو حاصل في كل
стр. 495
ميت، وكذا لو صلى على جنائز شهدها من دويرة أهلها، وصلى على الكل صلاة واحدة، حصل له بكل ميت قيراط.
المرتبة الثانية من مراتب الانصراف: أن يتبعها حتى توضع في القبر، وينصرف قبل إهالة التراب، وحديث الباب يدل على أن هذا لا يحصل به القيراط الثاني، فإنه قال فيه: «وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها» وهو المختار في الروضة والصحيح في المجموع.
لكن اختار إمام الحرمين الحصول ويقويه ما في صحيح مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (١) لكن رد ذلك العلماء بأنها مؤولة بالفراغ من الدفن جمعاً بين الرواتين قاله ابن الملقن.
المرتبة الثالثة: أن يقف إلى فراغ القبر وينصرف من غير دعاء وهذا يحصل له القيراط الثاني.
المرتبة الرابعة: أن يقف بعده ويستغفر للميت ويدعو له هذا أقصى الدرجات في الفضيلة، ويشترط لتحصيل القيراط الثاني أن يشهدها من مكانها إلى الدفن كما في الصلاة، فمن سبق إلى القبر لا يحصل له ثواب الدفن.
وذهب بعضهم إلى أنه يحصل له ثلاثة قراريط بالصلاة مع الدفن أخذاً من ظاهر بعض الأحاديث، ومن تبعها حتى يدفن فله قيراطاً أي: قيراط بالصلاة وقيراطان بالدفن، ورد هذا بأن معناه فله تمام قيراطين بالمجموع.
وذهب بعض آخر إلى الحصول أربعة قراريط لحديث: «من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراط، فإن شيعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط فإن، شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط، القيراط مثل أحد» (٢) .
الفائدة الثالثة: دلَّ الحديث على أن لمن حضر الدفن أن ينصرف بغير إذن أهل الميت، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف إلا بأذن، وظاهر هذا الحديث يرده.
الفائدة الرابعة: تمسك أبو حنيفة بظاهر قوله في هذا الحديث: «من اتبع» وقال إن المشي وراء الجنازة أفضل من المشي أمامها، وعند الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك