وأفاد بعضهم أنه وقع نظير هذا للشيخ العارف بالله تعالى الرباني سيدي عبد القادر الكيلاني، وكان القائل الخضر.
لطيفة خاتمة: قال في روض الأفكار: خرج رجل من أهل اليمن لزيارة النبي ﷺ فقال له جماعة: سلم لنا على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، فلما دخل المدينة وزار قبره الشريف ﷺ نسي تبليغ السلام عليه وعلى صاحبيه فخرج مع القافلة، فذكر ما حمله ذلك الرجل من السلام، فترك القافلة ورجع إلى قبر النبي ﷺ وقال يا رسول الله: فلان ابن فلان يسلم عليك وعلى صاحبيك. ثم رجع ليلحق القافلة فوجدهم قد رحلوا فرجع بقلب مكسور إلى قبر النبي ﷺ ونام فرأى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر فقال أبو بكر: هذا الرجل يا رسول الله؟ قال: نعم. فالتفت رسول الله ﷺ وقال: يا أبا الوفاء. قلت: يا رسول الله كنيتي أبو العباس. فقال: أنت أبو الوفاء، وأخذ بيدي فوضعني في مكان غير مكاني، فانتبهت فرأيت نفسي في المسجد الحرام، فأقمت بمكة ثمانية أيام حتى جاء الحجاج.
* * *
стр. 492
المجلس الثامن والعشرون
في الكلام على قوله ﷺ من تبع جنازة مسلم وما فيه من الفوائد
الحمد الذي أيقظ من شاء من سنة الغفلة، ورفع من أحب لقاءه إلى عليين، ووضع عنه أوزاره وثقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث بأشرف ملة، المخصوص بأكرم خلة ﷺ وصحبه السادة الجلة.
قَالَ البُخَارِي:
باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
ختم البخاري التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة لأن ذلك آخر أحوال الدنيا.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيماناً وَاحْتِسَابًا، وكان مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فإنه يَرْجِعُ مِنَ الأجر بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فإنه يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» (١) .
стр. 493
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (١) .
في هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه.
قال أبو الزناد (٢) : خص الشارع على التواصل في الحياة بقوله: «صل من قطعك، وأعط من حرمك، ولا تقاطعوا ولا تدابروا» وخص على التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له، والتشييع إلى القبر من حق المسلم وقد وردت به الأخبار ودلت عليه الآثار، على أن الله يغفر الذنوب والأوزار لمن تبع جنازة المؤمن إلى قبره.
فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عاصم حديثاً مرفوعاً: «إن أول ما يتحف به المؤمن في قبره أن يقال له: أبشر فقد غفر لمن تبع جنازتك» (٣) .
وأخرج (٤) عن جابر بن عبد الله عنه ﷺ أنه قال: «إن أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن خرج في جنازته» (٥) .
وأخرج البزار وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يجازى به المؤمن بعد موته، أن يغفر لجميع من تبعه» (٦) .
الفائدة الثانية: القيراط الذي يحصل بالصلاة على الميت وبحضور دفنه اسم لمقدار
стр. 494
من الثواب يقع على القليل والكثير، بين في هذا الحديث أنه مثل أحد، وفي رواية للحاكم: القيراط أعظم من أحد، وفي رواية أخرى للحاكم: «والذي نفسي بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» .
والمقصود من قوله ﷺ : «فإنه يرجع من الأجر بقيراطين» أي: أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر.
و «أحد» جبل بجانب المدينة على نحو ميلين منها، وإنما خصه بالذكر دون غيره من الجبال لأنه أعظم جبال المدينة، والنبي ﷺ كان يحبه ويقول: «جبل أحد يحبنا ونحبه» (١) .
وتحرير الكلام في تحصيل القيراط أن للانصراف عن الجنازة أربع مراتب:
الأولى: أن ينصرف عقب الصلاة ولهذا من الأجر قيراط بهذا الحديث، لكن هذا القيراط لا يحصل إلا إذا شهد الجنازة من مكانها إلى حين الصلاة، كما يدل عليه قوله: «وكان معه» أي: مع المسلم، وفي رواية: «معها» أي: مع الجنازة، فلو لم يشهد الجنازة من مكانها بل سبقها إلى المصلى لم يحصل القيراط، وإن حصل له أجر الصلاة، لأن القيراط ليس على الصلاة مطلقاً بل عليها بشرط شهودها من مكانها، ولو شهد الجنازة من مكانها إلى المصلى ولم يصل هو بل صلى غيره عليها لم يحصل له القيراط، لظاهر قوله: «حتى يصلي» بكسر اللام.
لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر على رواية: «حتى يصلى» بفتح اللام: قد يقال يحصل ذلك ولو لم يصلي، قال: أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقاً والله تعالى أعلم.
فلو شهد جنازتين من مكانهما إلى المصلى، وصلى عليها صلاة واحدة، فإن تعدد مكانهما حصل له بكل واحدة قيراط بلا شك، وإن اتحد مكانهما بأن كانا في موضع واحد ومشى معهما حتى صلى عليهما صلاة واحدة.
قال السبكي: فالذي يظهر أنه يحصل له قيراط بكل ميت نظراً إلى تعدد الجنائز، ولا يمنع من ذلك اتحاد الصلاة لأن الشارع ربط القيراط بوصف وهو حاصل في كل
стр. 495
ميت، وكذا لو صلى على جنائز شهدها من دويرة أهلها، وصلى على الكل صلاة واحدة، حصل له بكل ميت قيراط.
المرتبة الثانية من مراتب الانصراف: أن يتبعها حتى توضع في القبر، وينصرف قبل إهالة التراب، وحديث الباب يدل على أن هذا لا يحصل به القيراط الثاني، فإنه قال فيه: «وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها» وهو المختار في الروضة والصحيح في المجموع.
لكن اختار إمام الحرمين الحصول ويقويه ما في صحيح مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (١) لكن رد ذلك العلماء بأنها مؤولة بالفراغ من الدفن جمعاً بين الرواتين قاله ابن الملقن.
المرتبة الثالثة: أن يقف إلى فراغ القبر وينصرف من غير دعاء وهذا يحصل له القيراط الثاني.
المرتبة الرابعة: أن يقف بعده ويستغفر للميت ويدعو له هذا أقصى الدرجات في الفضيلة، ويشترط لتحصيل القيراط الثاني أن يشهدها من مكانها إلى الدفن كما في الصلاة، فمن سبق إلى القبر لا يحصل له ثواب الدفن.
وذهب بعضهم إلى أنه يحصل له ثلاثة قراريط بالصلاة مع الدفن أخذاً من ظاهر بعض الأحاديث، ومن تبعها حتى يدفن فله قيراطاً أي: قيراط بالصلاة وقيراطان بالدفن، ورد هذا بأن معناه فله تمام قيراطين بالمجموع.
وذهب بعض آخر إلى الحصول أربعة قراريط لحديث: «من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراط، فإن شيعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط فإن، شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط، القيراط مثل أحد» (٢) .
الفائدة الثالثة: دلَّ الحديث على أن لمن حضر الدفن أن ينصرف بغير إذن أهل الميت، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف إلا بأذن، وظاهر هذا الحديث يرده.
الفائدة الرابعة: تمسك أبو حنيفة بظاهر قوله في هذا الحديث: «من اتبع» وقال إن المشي وراء الجنازة أفضل من المشي أمامها، وعند الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك
стр. 496
وأحمد بن حنبل أن المشي أمامها أفضل، وحملوا الاتباع على المعنى العرفي، إذ لو تقدم عليها أو حذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعد من شيعتها، كان له حكم الاتباع عرفاً، والذي يرجح قول الأئمة الثلاثة ما روي أن النبي ﷺ والشيخين كانوا يمشون أمامها، وأيضاً: المشيعون للجنازة كالشفعاء لها، ولهذا يقولون في الدعاء: وقد جئناك شفعاء له، ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له، فلو مشي خلفها حصل له فضيلة أصل المتابعة وفاته كمالها.
قال النووي: المشي أمام الجنازة أفضل للراكب والماشي، والأفضل أن يكون قريباً منها، بحيث لو التفت لرآها ولا يتقدمها إلى المقبرة فلو تقدم لم يكره.
الفائدة الخامسة: قوله: «من تبع جنازة مسلم» يقتضي أنه لا أجر في اتباع الكافر.
وهل اتباع جنازته حرام أو مكروه، أو لا حرام ولا مكروه؟
قال العلماء: إن كان الميت الكافر من أقارب الشخص كأبيه أو أخيه فلا يحرم اتباعه ولا يكره، وتلحق الزوجة والمملوك والجار بالقريب.
فقد روى أبو داود وغيره عن علي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الضال قد مات فقال: «إذهب فواره» (١) وإسناده ضعيف، وقيل: حسن، وإن كان غير قريب أو ما في معناه فاتباع جنازته حرام، وكما يجوز للمسلم اتباع جنازة قريبة الكافر يجوز له زيارة قبره.
الفائدة السادسة: دلَّ الحديث المذكور على أن الثواب المذكور وهو القيراطان إنما يحصل لمن تبعها إيماناً واحتساباً أي: لوجه الله طالباً للثواب من الله تعالى، فإن حضور الجنازة على ثلاثة أقسام احتساب، ومكأفاة، ومخافة.
والأول هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط عنه به الوزر، والثاني لا يبعد ذلك في حقه، والثالث والله أعلم بما فيه، قاله ابن الملقن.
الفائدة السابعة: دل على وجوب الصلاة على الميت ووجوب دفنه، وهو مجمع عليه.
стр. 497
الفائدة الثامنة: في الحديث حث على الاجتماع للصلاة على الميت وحضور دفنه.
ويلحق بهذه الفوائد مسائل مناسبة وفوائد:
قال العلماء: يكره أن تتبع الجنازة بنار في مجمرة أو غيرها، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه، وكذا يكره أن يكون عند القبر مجمرة، ويكره اللغط في المشي والحديث في أمور الدنيا، بل المستحب التفكر في الموت وما بعده، وفناء الدنيا وأن هذا آخرها.
قال النووي: والمختار والصواب ما كان عليه السلف من السكون في حال السير معها، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، لأنه أسكن للخاطر، أو أجمع للفكر، فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال.
وكره الحسن وغيره قولهم: «استغفروا لأخيكم» .
وسمع ابن عمر قائلاً يقول: «استغفروا له غفر الله لكم» فقال: لا غفر الله لك.
وإذا مرت جنازة بالإنسان ولم يرد الذهاب معها لم يقم لها، بل نص أكثر العلماء على كراهة القيام، وإذا كان معها فقعد قبل أن توضع فلا كراهة في ذلك، ولا يستحب له القيام عند إقبالها وهو عند القبر جزم به جمهور العلماء.
قال النووي: ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها، وأن يثنى عليها إن كان أهلاً لذلك، ويستحب أن يقول من رآها: سبحان الحي الذي لا يموت، أو سبحان الملك القدوس، أو يقول ما رواه الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى جنازة: «هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليماً» .
وقال رسول الله ﷺ : «من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليماً كتب له عشرون حسنة» .
قال الإمام الشافعي ﵁: وليس في حمل الجنازة دنأة ولا إسقاط مروءة، بل ذلك بر وإكرام للميت، وفعل أهل الخير، فعله رسول الله ﷺ ثم الصحابة ثم التابعون، ويحرم حمله بهيئة مزرية كحملة في غرارة أو قتة بل يحمل على سرير أو لوح أو محمل أو أي شيء حمل عليه أجزأ، فإن لم يوجد شيء يحمل عليه وخيف من تغيره وانفجاره فلا بأس أن يحمل على الأيدي والرقاب كما يحمل الطفل.
وكذلك يحرم حملها على هنة يخشى سقوطه منها وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من الترابيع، والحمل بين العموديين أن يتقدم شخص ويضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان، ولا يدخل واحد بينهما لأنه لا يري ما بين قدميه، فإن عجز المقدم عن الحمل أعانه اثنان، فحامل الجنازة بلا عجز
стр. 498
ثلاثة واحد مقدم واثنان مؤخران، ومع العجز خمسة ثلاثة مقدمة وآخران واثنان مؤخران.
فإن عجز الخمسة فسبعة أو تسعة أو أكثر، بحيث يكونون وتراً بحسب الحاجة، والتربيع أن يتقدم رجلان آخران وهذا الحمل فيه أيضاً فضيلة، ولكن الحمل بين عمودين أفضل.
وأما ما يفعله كثير من الاقتصار على اثنين أو واحد فمكروه مخالف للسنه، وهذا في غير الطفل الذي جرت العادة بحمله على الأيدي.
فائدة: ورد أن الملائكة تمشي مع الجنازة.
أخرج ابن أبي الدنيا أن داود سأل ربه فقال: إلهي ما جزاء من شيع الجنازة ابتغاء مرضاتك، قال: «جزاوه أن تشيعه الملائكة لتمشي ويقولون ما قدم فلان وتقول الناس ما ترك فلان» .
فائده أخرى: ورد أن الميت يعلم بمن يغسله ويجهزه ويسمع ما يقال فيه، والجنازة مارة.
أخرج أحمد وغيرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه في حفرته» .
وقال رسول الله ﷺ : «ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بشر بروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله، وإن كان بشر بنزل من حميم ونصليه جحيم أن يحسبه» أخرجه أبو الحسن بن البراغي عن ابن عباس بسند ضعيف.
وأخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: «ما من ميت يموت إلا وروحه في يد ملك ينظر إلى جسده، كيف يغسل وكيف يكفن وكيف يمشي به، ويقال له وهو على سريره: إسمع ثناء الناس عليك» .
أخرج بن أبي الدنيا عن بكر بن عبد الله المزني قال: «بلغني أنه ما من ميت يموت إلا وروحه في يد ملك الموت فهم يغسلونه ويكفنونه وهو يرى ما يصنع أهله، فلو يقدر على الكلام لنهاهم عن الرنه والعويل» .
وقال رسول الله ﷺ : «إذا وضعت الجنازة واحتملها الناس على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلي أين تذهبون، ويسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق أي: لمات» .
قال بعضهم:
стр. 499
لو كلم الميت من يكلمهم ... لقال لا تغترن فأنت أنا
قد كنت أرجو فعزني أملي ... عاجلني الموت ما بلغت منى
وقال رسول الله ﷺ : «ما من ميت يوضع على سريره إلا تكلم بكلام يسمعه من شاء الله إلا الثقلين الإنس والجن، يقول: يا إخواتاه ويا حملة نعشاه: لا تغرنكم الدنيا كما غرتني ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلفت ما تركت لورثتي والديان يخاصمني ويحاسبني، وأنتم تشيعوني وتدعوني» أخرجه ابن أبي الدنيا.
وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء قالت: «إن الميت إذا وضع على سريره فإنه ينادي يا أهلاه ويا جيراناه ويا حملة سريراه: لا تغرنكم الدنيا كما غرتني ولا تلعبن بكم كما تلاعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عني من وزري شيئاً» .
فائدة أخرى: كما يعرف الميت من يغسله ويحمله ويكفنه يعلم بمن يزور قبره، أو من ولد أو والد أو جار أو صاحب ويسير بذلك.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال مر رسول الله ﷺ على مصعب بن عمير حين رجع من أحد فوقف عليه وعلى أصحابه فقال: «أشهد أنكم أحياء عند الله، فزوروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحداً إلا ردوا ﵇ إلى يوم القيامة»
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن محمد بن واسع قال: «بلغني أن الموتى يعلمون زوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده» .
وأخرج أيضاً عن الضحاك قال: «من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة» .
فائدة: زيارة القبور في حق الرجال، وينبغي لمن عزم عليها أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها الطواف على الأحداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها البهيمة ونعوذ بالله من ذلك، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن، ويجتنب المشي على المقابر والجلوس عليها، ويخلع نعلية إذا دخل المقابر ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، كذلك كان النبي ﷺ يقول، وكنى بالدار عن عمارها وسكانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم، والعرب تعتبر بالمنزل عن أهله.
فإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه يسلم عليه فيقول: السلام عليك وآتاه من قبل وجهه في زيارته كمخاطبة حياً، ولو خاطب حياً لكان الأدب في استقباله بوجهه،
стр. 500
وكذلك هاهنا.
قالت عائشة الأندلسية رحمها الله تعالى وكانت من الصالحات: مات ولدي فكنت أزوره في كل أسبوع مرة، فكنت إذا اقتربت من قبره سمعت جيرانه من الموتى يقولون: يا فلان هذه أمك قد جاءت تزورك فكنت، انظر إلى قبره كأنه يضحك فأسر بذلك.
وروي عن الفضيل بن الموفق ﵀ قال: كنت آتى قبر أبي المرة والمرتين وأكثر من زيارته فشيعت جنازة إلى المقبرة التي فيها أبي وكان ورائي شغل فتعجلت الرواح، فلم أزر قبره فلما كان الليل رأيته في المنام، فقال: يا بني إنك قد جئت بالأمس ولم تأتني؟ فقلت: يا أبي فإنك لتعلم بي إذا آتيتك؟ فقال: والله يابني إنك لا تأتي فلا أزل انظر إليك حتى تقطع القنطرة إلى أن تصل إليَّ وتقعد عندي ثم تقوم، فلا أزل انظر إليك حتى تعدي.
فائدة أخرى: يستحب للزائر أن يسلم عليهم بأن يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين لأنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» .
فقد روى ابن عبد البر بإسناد حسن خبر: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفة في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇» وأنشد بعضهم:
تناجيك أجداث وهن سكوت ... وسكانها تحت التراب خفوت
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
وإنكم لما علينا تسلموا ... نرد عليكم واللسان صموت
ويروى أن بعض المتعبدين أتى قبر صاحب له كان يألفه في الحياة فأنشد يقول:
مالي مررت على القبور مسلماً ... قبر الحبيب فلم يرد جوابي
أحبيب مالك لا تجب منادياً ... أملكت بعدي خلة الأصحاب
لو كان ينطق بالجواب لقال لي ... أكل التراب محاسني وشبابي
قال فهتف به هاتف من جانب القبر يقول:
قال الحبيب وكيف لي جوابكم ... وأنا رهين جنادل وتراب
أكل التراب محاسني فنسيتكم ... فحجبت عن أهلي وعن أحبابي
فعليكم مني السلام تقطعت ... عني وعنكم خلة الأصحاب
وتمزقت تلك الجلود صفائحها ... يا طالما لبست رقيق ثياب
стр. 501
وتساقطت تلك الأنامل من يدي ... ما كان أحسنهم يخط كتابي
وتساقطت تلك الثنايا لؤلؤاً ... ما كان أحسنهم لرد جوابي
وتسايلت فوق الخدود نواظري ... يا طالما نظرت بهم أحبابي
فائدة أخرى: ورد أن القبر يجعل الله له لساناً حتى بنطق ويتكلم كل يوم ويكلم الميت حين يوضع في قبره.
روينا في سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ في مصلاه فرأى أناساً يكثرون الضحك، فقال: «أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى يعني الموت، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأت يوم على القبر إلا يتكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً أما إن كنت أحب من يمشي على ظهري، فإذا آويتك اليوم وصرت إليَّ فسترى صنعي بك، فيتسع له مد البصر وينفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري فإذا آويتك اليوم فسترى صنعي بك قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي وتختلف أضلاعه قال: وقال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في بعض، قال: ويقيض له تسعون تنيناً أو قال تسعة وتسعون تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً حتى يفضى به إلى الحساب» .
وعن أبي عبد الله بن عبد الله بن عمير قال: يجعل للقبر لساناً ينطق به فيقول: ابن آدم كيف نسيتني أما علمت أني بيت الأكله وبيت الدود وبيت الوحده، أنا بيت الدود.
ويقال: إن الأرض تنادي كل يوم خمس مرات، أول نداء تقول: «تأكلك الديدان ثم مصيرك في بطني، والنداء الثاني: تقول يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري وسوف تأكلك الديدان في بطني، والنداء الثالث: تقول يا ابن آدم تفرح على ظهري وسوف تحزن في بطني، والنداء الرابع: تقول يا ابن آدم تذنب على ظهري وسوف تعذب في بطني، والنداء الخامس: تقول يا ابن آدم تضحك على ظهري وسوف تبكي في بطني» .
وقد جاءت الأخبار ودلت الآثار على رحمة الله لعبده إذا دخل قبره، قال عطاء الخراساني: ارحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل في قبره وتفرق الناس عنه وأهله، ولله در القائل:
стр. 502
أيها الواقف اعتباراً بقبري ... واستمع فيه قول عظيمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلموها بأديمي
قلت لا تجزعوا علي فإني ... حسن الظن بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهينة ... علق الرهن عند مولى كريم
قال العلماء: نسيان الميت بعد موته نعمة من الله على أهله وأصحابه، وكذلك الغفله والأمل نعمتان من الله.
روي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك، فهم مهمومين محزونون، حتى إذا أسالموه في القبر ورجعوا راحلين أخذ كفاً من تراب فرمي به وهو يقول: ارجعوا ارجعوا إلى دنياكم أنساكم الله موتاكم، فينسون ميتهم يأخذون في شرابهم وبيعهم كأنهم لم يكونوا منه ولم يكن منهم» ولقد أحسن من قال:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه ... ومن عفر التراب فوسدوه
وشقوا عنه أكفاناً رقاقاً ... وفي الرمس البعيد فغيبوه
فلو أبصرتموه إذا انقضت ... صبيحة ثالث أنكرتموه
وقد سالت نواظر مقلتيه ... على وجناته وانفض فوه
وناداه البلى هذا فلان ... هلموا فانظروا هل تعرفوه
حبيبكم وجاركم المفدى ... تقادم عهده فنسيتموه
وقال الحسن: الغفلة والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم، ولولاهما مشي المسلمون في الطرق.
وقال مطرف بن عبد الله: لو علمت متى أجلي لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله مَنَّ على عباده بالغفلة عند الموت، ولولا الغفلة ما تهنوا بعيش، ولا قامت بينهم الأسواق (انتهى) .
* * *
стр. 503
المجلس التاسع والعشرين
في بيان فضل العلم
قَالَ البُخَارِي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْعِلم
إنما قدم البخاري ﵁ كتاب العلم على سائر الكتب الآتية وهي: كتاب الوضوء والغسل والتيمم والصلاة وغيرها لأنها من باب العمل والعلم ينبغي أن يكون قبل العمل، وآخره يكون كذلك وهو مبتدأ كل خير.
باب فَضْلِ الْعِلْمِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ? وَقَوْلِهِ ?رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا?.
نفعنا الله بالعلماء، وأنزل علينا ببركاتهم وذكر فضائلهم الرحمة من السماء، وزادهم الله تعالى في الدنيا والآخرة من مدده الفياض شرفاً وكرماً وبعد.
فقد دل الكتاب والسنة والأخبار والآثار المنقولة عن الأئمة على فضل العلماء وفضل العلم وفضل تعلمه وفضل تعليمه وفضل حضور مجلسه.
قال الله تعالى: ?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ? [آل عمران: ١٨] جعل الله مرتبتهم بعد الملائكة.
وجعل النبي صلي ﷺ مرتبتهم بين الأنبياء والشهداء، فقد ورد عند ابن ماجة وغيرة عن عثمان بن عفان أنه ﷺ قال: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (١) .
قال بعض العلماء: أعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ .
وقال تعالى: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ? [فاطر: ٢٨] القراءة المشهورة بنصب لفظ الجلالة، ورفع العلماء.
وقد قرئ: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءَ? [فاطر: ٢٨] برفع اسم الله،
стр. 504
ونصب العلماء.
وقد استشكلوا هذه القراءة وقالوا: كيف يخشى الله من عبادة العلماء، والله تعالى لا يخاف من مخلوقاته أحداً بل الكل تحت قهره.
وأجابوا عن الاستشكال بأن يخشى هنا مؤول بيعظم أي: إنما يعظم الله من عبادة العلماء، وأول بغير ذلك أيضاً.
وقال الله تعالى: ?هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ? [الزمر: ٩] .
وقال الله تعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ? [المجادلة: ١١] .
قال ابن عباس: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام (١) .
وعن أبي أمامه ﵁ قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عالم والآخر عابد فقال رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ثم قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكة يصلون على النبي ﷺ وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت يصلون على معلم الناس الخير» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٢) .
وعن صفوان بن عسال أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب» (٣) .
وقد ذكر العلماء في معنى وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم أقوالاً:
الأول: أن المراد بالموضع بسط الأجنحة أي: فرشها تحت أقدامه إذا مشى لتكون وطاء له.
الثاني: أن المراد به التواضع تعظيماً لطالب العلم.
стр. 505
الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران.
الرابع: أن المراد به إظلالهم بها، فمعنى تضع أجنحتها على هذا القول تجعلها فوق رأسه كالظلة، وعلى القول بأن المراد إظلالهم بها فمعنى: «تضع أجنحتها» على هذا القول، بأن المراد يوضع الأجنحة فرشها.
حكى النووي: أن رجلاً سمع هذا الحديث فجعل في نعليه مسامير من حديد، وقال أريد أن أطأ بهما أجنحة الملائكة، فوقعت الأكلة رجليه.
وحكي عن بعضهم أنه قال: كنا نمشي إلى بعض المحدثين فقال رجل: ارفعوا أقدامكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى يبست رجلاه.
وقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: «لأن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» حديث متفق عليه (١) .
وقال أيضا لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها» رواه أحمد (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص آثامهم شيئاً» رواه مسلم (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية
стр. 506
أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» رواه الترمذي (٢) .
أنشد محمد بن الحسن رحمه الله تعالى:
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لأهل المحامد
وكن مستفيداً كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحور الفوائد
تفقه فإن الفقه أوصل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن منجي من جميع الشدائد
فإن فقيهاً واحد متورعاً ... أشد على الشيطان من ألف عابد
وقال رسول الله ﷺ : «لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه، وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين» رواه الدارقطني (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، رضا بما يطلب، وإن العالم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا
стр. 507
درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه الترمذي (١) .
وهنا سؤال وهو: هل استغفار الحوت ونحوه من الحيوانات التي لا تعقل بلسان الحال أو بلسان القال؟
والمرجح كما قال النووي: إنها تستغفر وتسبح بلسان القال، إذ لا يمتنع عقلاً إن يجعل الله فيها قوة تنطق بها وتميز، كما يجوز ذلك في بعض الجمادات كقوله تعالى في الحجارة: ?وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ? [البقرة: ٧٤] .
وقوله تعالى: ?وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ? [الإسراء: ٤٤] .
وقال رسول الله ﷺ : «يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء، فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم» رواه الطبراني في الكبير (٢) .
وقيل في قوله تعالى: ?يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى? [الأعراف: ٢٦] .
إن المراد باللباس: العلم.
وبالريش: اليقين.
وبلباس التقوى: الحياء.
قال النبي ﷺ : «الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وثمرته العلم والعمل والجهاد، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل» (٣) .
وقال ﷺ : «فقيه واحد أفضل عند الله من ألف عابد» .
стр. 508
وإنما فضل العالم على العابد لأن الشيطان يدع البدعه للناس فينظرها العالم فيزيلها، والعابد مقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يعرف بها.
وقال ﷺ : «من عمد إلى المسجد لا يريد إلا إن يتعلم خيراًُ أو يعلم، كان له كأجر حاج تاماً حجته» رواه الطبراني بإسناد لا بأس به (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم» (٢) .
وعن النبي ﷺ : أنه دخل المسجد فرأى مجلسين أحد المجلسين يذكرون الله تعالى ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه فقال ﷺ : «كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الجهال، وإنما بعثت معلماً، فهؤلاء أفضل ثم جلس معهم» (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «لأن تغدوا فتتعلم باباً من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة» (٤) .
وقال رسول الله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (٥) .
стр. 509
وقال: «اطلبوا العلم ولو بالصين» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله، ولا للعالم أن يسكت عن علمه» (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «من جاءه ملك الموت وهو يطلب العلم ليحي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة» .
وقال علي ﵁: كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه فلله در العلم ومن به تردى، وتعساً للجهل ومن في أوديته تردى.
ومن نظم سيدنا على كرم الله وجهة ورضي عنه:
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
إن لم يكن لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم بينهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
стр. 510
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقال معاذ بن جبل: «تعلموا العلم فإن تعلمه خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهلة قربة، وهو الأنس في الوحده، والصاحب في الخلوة» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «العلم خزائن ومفاتيحها السؤال، فإنه يؤجر فيها أربعة السائل والعالم والمستمع والمحب» (٢) .
وقال ﷺ : «ألا أن الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً» رواه الترمذي (٣) .
وقال الرازي في تفسيره: قال ﵊: «كن عالماً ومتعلماً ومستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك» (٤) .
ثم قال وجه التوفيق بين هذه الرواية والأخرى وهو قوله ﷺ : «الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم» (٥) أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم.
وقال في روض الأفكار: سافر رجل سبعمائة فرسخ ليسأل عالماً عن سبع كلمات:
الأولى: ما أثقل من السماوات؟ قال: البهتان على البريء.
стр. 511
الثانية: ما أوسع من الأرض؟ قال: الحق.
الثالثة: ما أغنى من البحر؟ قال: القلب الغني.
الرابعة: ما أبرد من الثلج؟ قال: طلب الحاجة من الصديق ولم يقضها.
الخامسة: ما أحر من النار؟ قال: الحسد.
السادسة: ما أقسى من الحجر؟ قال: قلب الكافر.
السابعة: ما أذل من اليتيم؟ قال النمام عند المقابلة.
وقال الرازي في التفسير: أربع لا ينبغي للشريف أن يأنف فيها وإن كان أميراً قيامة من مجلسه لأبية، وخدمته لضيفه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، وسؤاله عما لا يعلم ممن هو أعلم منه.
وقال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا، وهما لا يستويان، أما طالب العلم فيزداد في رضا الرحمن، وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان، ثم قرأ: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ? [فاطر: ٢٨] ثم قرأ: ?كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى? [العلق: ٦، ٧] .
قال ابن عباس ﵄: العلم أفضل من المال.
لأن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.
ولأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
ولأن العلم لا يعطيه الله إلا لمن يحبه، والمال يعطيه من يحب ومن لا يحب.
ولأن العلم لا ينقص بالبذل والإنفاق، والمال ينقص بهما.
ولأن صاحب المال إذا مات انقطع ذكره، والعالم إذا مات فذكره باق.
ولأن صاحب المال يسأل عن كل درهم من أين أكتسبه وأين أنفقه، وصاحب العلم له بكل حديث درجة في الجنة.
وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه كان في حال الموت ورجل عنده يكتب له العلم، فقيل له في مثل هذه الحالة؟
فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تبلغني بعد.
ويقال: إن العلماء سرج الأزمنة، فكل عالم مصباح أهل زمانه يستضئ به أهل عصره (١) .
стр. 512
وقال أبو مسلم الخولاني (١) : مثل العلماء كالنجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عنهم تحيروا.
وقال إمامنا الشافعي ﵁: العلم أفضل من صلاة النافلة.
وقال: ليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم.
وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعمل.
وقال: من لا يحب العلم فلا خير فيه، ولا يكون بينك وبينه معرفة وصداقة.
وقال: العلم مروءه من لا مروءة له.
وقال: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء فليس لله ولي.
وقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يعين نفسه لم ينفعه علمه.
في كلامه هذا إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يأخذ من كل علم ما يحتاج إليه.
ونسب إلى الإمام الشافعي أنه قال:
ما حوى العلم جميعاً أحد
ج ... لا ولو دارسه ألف سنه
إنما العلم كبحر زاخر ... فخذوا من كل شيء أحسنه
وسئل عبد الله بن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء.
قيل: من الملوك؟ قال: الزهاد.
قيل فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه (٢) .
قال الإمام حجه الإسلام الغزالي: لم يجعل غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان بما هو شريف، لأجله وليس ذلك لقوته فإن الجمل أقوى منه، ولا لأكله فإن الجمل أوسع بطناً منه، ولا لجماعه فإن أخس العصافير أقوى على ذلك منه، بل لم يتميز إلا بالعلم (٣) .
قال الإمام الرازي في تفسيره: إن من جلس عند العلماء ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات:
أولها: ينال فضل المتعلمين.
الثاني: مادام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب.
стр. 513
الثالث: إن خرج من منزله طالباً للعلم نزلت الرحمة علية.
الرابع: إذا جلس في حلقة العلم فتتنزل الرحمة فينال نصيبه منها.
الخامس: ما دام في الاستماع يكتب له طاعة.
السادس: إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك وسيلة إلى حضرة الرب لقوله: «أنا عند قلوب المنكسرة قلوبهم لأجلي» .
السابع: إذا حضر العاصي مجلس العلم وسمع فربما يرق قلبه ويخشع فؤاده، فيكون ذلك وسيلة إلى توبته.
فلهذا أمر رسول الله ﷺ بمجالسة العلماء، ونقل عن عمر بن الخطاب ﵁: أن الرجل ليخرج من منزلة وعليه من الذنوب مثل جبال تهامه، فإذا سمع العلم خاف واسترجع من ذنوبه، فينصرف إلى منزلة وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجلس العلماء، فإن الله تعالى لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء (١) .
قال الفقيه أبو الليث: من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبه فيها.
ومن جلس مع الفقراء حصل له الشكر والرضا بقسمة الله.
ومن جلس مع السلاطين زاده الله القسوة والكبر.
ومن جلس مع النساء زاده الله الشهوة.
ومن جلس مع الصبيان زاده الله المزاح.
ومن جلس مع الفساق ازداد من الجراءة على الذنوب وتسويف التوبة.
ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات.
ومن جلس مع العلماء ازداد من العلم والورع.
وقال ﷺ : «من خرج يطلب باباً من العلم ليرد به باطلاً إلى الحق وضلالاً إلى الهدى كان علمه كعبادة أربعين عاماً» .
وروى أنس عن النبي ﷺ : «من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبني له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء
стр. 514
الله من النار» (١) .
وثبت عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء» (٢) .
وقال علية الصلاة والسلام: «من تعلم على يد عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة، ومن قبل رأس عالم كتب الله له بكل شعرة حسنة» .
وقال علية الصلاة والسلام من رواية أبي هريرة: «بكت السماوات السبع ومن فيهن ومن عليهن، والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، العزيز ذل، وغني افتقر، وعالم تلعب به الجهال» .
وسائر كتب الله ناطقة بفضل العلم قال الله تعالى في التوراة لموسى ﵊: «عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له، فتعلمها ثم أعمل بها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة» .
وقال الله في الزبور لداود: «قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا فيهم عالماً فحادثوا العقلاء، لأن التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحده منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه» .
وقال في الإنجيل: «اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم» .
لطيفة في محبه العلماء والصالحين: قال ابن الجوزي في كتابه «سوق العروس» قال ابن مسعود ﵁: كان شيخ قوام بالذنوب مدمن على شراب الخمور، إلا أنه كان يحب الصالحين ويحضر مجالس العلم ويحسن الظن فيهم، فمرض واشتد مرضه فحضرته الوفاة، فقال لولده: يا ولدي إني أري أعمالي جميعها معروضة عليَّ، وما أرى لي حيله غير محبتي للصالحين، وحسن ظني بالعلماء، وإني أرى الموت الحق قد نزل بي لا محالة، وقد ندمت هذه الساعة على ما فرطت في جنب الله، فليت شعري هل يقبل المولى توبتي أم لا؟ ثم قال: يا ولدي لي إليك حاجة قال: وما هي يا أبت؟ قال: اسمع ما أقول لك ثم أنشد يقول:
стр. 515
نُح على ما فات ... مني من قبيح التبعات
نُح إذا صارت عظامي ... في العظام الناخرات
نُح بدمع ثم لا ... تبخل بفيض العبرات
نُح إذا عاينت قبري ... في عظامي الدارسات
نُح إذا ما صرت وحدي
ج ... في القفار الموحشات
بين دور وهوام وتراب ودقات ... نح لتذكار الخطايا وقطيع المنكرات
ثم بكي الشيخ حتى غشي عليه، فلما أفاق قال: يا ولدي بحق التربية لا تضيعني، فأنا كنت المفرط في نفسي، والمضيع لحقي من يخلصني من عذاب الله، واشقوتاه، أنا المعترف بذنبي وخطيئتي أترى المولى يقبل توبتي ويرحم شيبتي ويمحوا زلتي، ثم خرجت روحة وأسود وجهة، فبكى ولده عند ذلك لما رأى من حال أبية، وإذا بهاتف يهتف به: يا هذا أبشر فقد أعتقه الله من النار بحسن ظنه بربه وحبه وصحبته للصالحين والعلماء، ثم عاد وجهة في الحال أبيض، يتهلل نوراً وعلى جبهته مكتوب: ?وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ? [التوبة: ١٠٢] ولله در القائل حيث قال:
يا من أساء ثم اعتدى ثم أقترف ... ثم أرعوى ثم انتهى ثم أعترف
أبشر بقول الله في تنزيله ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
* * *
стр. 516
المجلس الثلاثون
في حديث «إن من الشجر شجراً لا يسقط ورقها»
وما فيه من الفوائد واللطائف
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، الحليم الستار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي سلمت علية الأحجار، وسعت إلى خدمته الأشجار.
قَالَ البُخَارِي:
باب طَرْحِ الإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» .
قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» .
معنى الحديث: أنه كان عند النبي ﷺ عشرة من الصحابة أبو بكر وعمر ﵄، وعبد الله بن عمرو كان طفلاً صغيراً، فأتى النبي ﷺ بشيء من جمار النخل فصار يأكل منه، وكان من عادته ﷺ إذا اجتمع بأصحابه في بعض الأحيان يلقي عليهم بعض المسائل ليختبر أفكارهم ويحرضهم في طلب العلم، فألقى عليهم مسألة وقال لهم: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي تشبه المسلم، حدثونى وأخبروني ما هي؟
فذهب وفكر كل واحد من الصحابة الحاضرين إلى نوع من أنواع شجر البوادي فسار يفسرها بذلك النوع وذهلوا وغفلوا عن النخلة.
قال عبد الله بن عمر: فلما رأيت جمار النخل في يد النبي ﷺ وهو يأكل منه وقع في نفسي أنها النخلة، ولكن استحيت أن أتكلم عنده ﷺ ، وعنده الأكابر مثل أبي بكر وعمر هيبة منهم وتوقيراً لهم، فما عرف عبد الله ابن عمر أنها النخلة إلا من الجمار الذي كان مع النبي ﷺ .
وفى هذا إشارة إلي أنه ينبغي للشخص إذا ألقى عليه شخص سؤلاً خفياً، ويسمى لغزاً، أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال كما تفطن عبد الله إلي أنها النخلة بالجمار.
стр. 517
وينبغي للسائل إذا ألقى لغزاً على غيره أن لا يبالغ في تعتيمه وإخفائه على المسئول، بحيث لا يحصل باب يدخل منه، بل ينبغي أن يقرب له حتى يقع في فكره فيحصله كما فعل النبي ﷺ ، فإنه ألقى السؤال عليهم والجمار في يده، لعل أن يهتدوا بها إلى النخلة، وما اهتدى منهم إلا عبد الله.
وكما ألغز شيخ الإسلام ابن حجر في عود الأراك فقال:
أراك تروم إدراك المعاني ... ثم أرعوى ثم انتهى ثم أعترف
فما شيء له طيب وطعم ... وذاك الشيء في شعري مسما
فأول ما قال في لغزه: أراك، ليبقى للمسئول باباً لمعرفته.
وجاء في رواية: أن عبد الله بن عمر قال حدثني أبي بما وقع في نفسي بعد أن فسرها لهم رسول الله ﷺ بأنها النخلة، وقلت: عرفتها ولكن كرهت أن أتقدم عليكم بالكلام، فقال له أبوه لأن تكون قلتها أحب لي من كذا وكذا.
وإنما تمنى عمر أن يكون ولده أجاب النبي ﷺ على السؤال قبل أن يبينه لهم رسول الله ﷺ ، لما طبع عليه الإنسان من محبة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، ليزداد من النبي ﷺ حظوة، ولأنه كان يرجو أن يدعو إلى ذلك في الزيادة في الفهم.
فقوله في الحديث: «وإنها مثل المسلم» أي: تشبه المسلم، فاختلف العلماء في وجه الشبه بين النخلة والمسلم.
فقيل: وجه الشبه أن النخلة إذا قطع رأسها تموت، وقيل: وجه الشبه أنها لا تحمل حتى تلقح وكذلك المسلم، وقيل: وجه الشبه أنها تموت إذا غرقت وكذلك المسلم، وقيل: وجه الشبه أن لطلعها رائحة مني الآدمي، وقيل: وجه الشبه أنها تعشق كما يعشق المسلم.
فقد حكي في كتاب مصارع العشاق أن بعض العارفين مر على نخلتين متغايراتين أحدهما خضراء يانعة، والأخرى صفراء متغيرة، فعرف بعين الفراسة أن الصفراء عاشقة للخضراء، فأخذ حبلاً وربط رأس الصفراء برأس الخضراء وواصل بينهما وتركهما ومضى ثم عاودهما فرأى الصفراء قد صارت باتصالها، والخضراء يانعة مثلها.
وقيل: وجه الشبه أنه تشرب من أعلاها كالمسلم.
قال شيخ الإسلام: وكل هذه الأوجه ضعيفة لأن الكافر يشارك المسلم في ذلك، وقيل: وجه الشبه أنه خلقت من فضلة طينة آدم، فهي عمة لكل آدمي.
стр. 518
فقد حكي في كتاب نديم الكرماء: أن آدم لما أهبط إلى الأرض وباشر الحرث والزرع، تعب وتشعث جسده وشعره، فجاء جبريل فأزال العرق والغبار عن جسده، وأخذه من شعره ومن جسده، فأخذ آدم ذلك كله ودفنه في الأرض، ثم نام وانتبه وقد أنبت الله تعالى إلى جانبه نخلة عظيمة طارحة في ساعة واحدة، فكان خشبها من طين جسده وليفها من شعره، وجريدها من ظفره، فلهذا ورد أن النبي ﷺ قال: «لا ترجموا عمتكم النخلة» .
هذا والصحيح أن هذا ضعيف فقد ضعفه ابن حجر وغيره وقال: قول من زعم أنها تشبه المسلم لكونها خلقت من فضلة طينة آدم ضعيف، فإن الحديث الوارد في ذلك لم يثبت عنه ﷺ فما ينقله بعض الناس أنه ﷺ قال: «أكرموا عمتكم» قيل: ومن عمتنا؟ قال: «النخلة» (١) لم يثبت عنه ﷺ والصحيح في وجه الشبه بين المسلم والنخلة كما ذهب إليه أكثر أهل العلم أنها أشبهت المسلم في كثرة برها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها ووجوده على الدوام، فمن حين أن يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعده يتخذ منه منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، فتستعمل جذوعاً وحطباً وعصياً، وحصراً وحبالاً وأواني وغير ذلك، ثم ينتفع بنواها علفاً للإبل وغيرها، والمؤمن خير كله من كثر طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على عبادته من صلاته وصيامه وقراءته وذكره وصلته وصدقته وسائر الطاعات.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: أنه يستحب للعالم أن يلقي المسائل الخفية على الطلبة ليمتحن أذهانهم ويختبر أفهامهم، ويبين ذلك لهم إن لم يفهموا وأما ما ورد في الحديث كما راوه أبو داود «أنه ﷺ نهى عن الأغلوطات» (٢) وهي صعاب المسائل، فهو محمول على ما إذا سأل الإنسان شيئاً لا نفع فيه، وسأل ليعنت المسؤول أو يعجزه، فإن ذلك لا يجوز، وأما إذا سأل ليفيد وينفع فإنه سنة.
стр. 519
ومنها: أنه يستحب للعالم أن يحرض الناس ويحثهم على العلم وفهمه.
ومنها: أنه يستحب للإنسان الحياء خصوصاً بحضرة الأكابر، ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه ينبغي الأدب مع الأكابر والإخوان والأصحاب، والأدب هو ما يتولد من صفاء القلب وحضوره، ويقال: هو الخلق على بساط الصدق ومطالعة الحقائق بقطع العلائق، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى أدبني فأحسن تأديبي، وأثنى علي بحسن الأدب حتى قال: ?مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى? [الرحمن: ١٧] » (١) .
وكان من دعائه ﷺ : «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» (٢) قيل معناه: أن كمال النعيم في حسن الخلق، وكمال الأدب في حسن الخلق.
وقال ﷺ : «إذا أراد الله بعد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه» (٣) .
ومنها: أنه يستحب للصغير أن يوقر الكبير، ويستحب للولد أن يقدم أباه في القول على نفسه، وأن لا يتقدم عليه بما فهمه وإن ظن أنه الصواب توقيراً له وإجلالاً، فقد ورد في مسند ابن ماجة القزويني (٤) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «جالس العلماء تعرف في السماء، ووقر كبير المسلمين تجاورني في الجنة، واعطف على الطفل الصغير تكن في شفاعتي يوم القيامة» .
وفي الحديث دليل على أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض المسائل، ويحصلها من هو دونه، لأن العلم مواهب الله، والله يؤتي الحكمة من يشاء، كما خفي على أبي بكر وعمر وغيرهما سؤال للنبي ﷺ وفهمه عبد الله على صغر سنه.
وفيه دليل على جواز تجمير النخل كتتويب التين، ولا يعد ذلك من باب إضاعة المال.
ومثل هذا السؤال الذي سأله النبي ﷺ من أصحابه يسمى لغزاً وتعمية، وقد صنف العلماء كتباً في ألغاز المسائل اقتدوا في ذلك بالنبي ﷺ وقد ذكر فقهاؤنا مسائل كثيرة
стр. 520
من هذا الباب منها: أنهم قالوا: أي إنسان يجوز له مس المصحف وحمله وهو جنب، مع أن المحدث حدثاً أصغر لا يجوز له مسه ولا حمله، فضلاً عن الجنب قال الله تعالى ?لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ? [الواقعة: ٧٩] ؟ وبينوا ذلك وصورة بما إذا كان الإنسان جنباً ولم يتمكن من الطهارة، وعنده مصحفاً، وخاف عليه إن تركه في مكانه من غرق أو حرق أو نجاسة أو كافر يأخذه، فإنه يأخذه في هذه الحالة وجوباً للضرورة، بل قال النووي: «إذا أراد التخلي وخاف من وضع المصحف من يده أن يأخذه غاصب، فإنه يتغوط وهو معه» .
ومنها: أنهم قالوا: أي صلاة يجب أداؤها وإذا فاتت لا يجب قضاؤها بل لا يجوز مع أن الصلاة إذا فات وقتها وجب فعلها خارج الوقت وتكون قضاء؟ وصور وذلك بصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى جمعة، وإنما تقضى ظهراً والظهر صلاة أخرى ليست بدلاً عن الجمعة.
ومنها: أنهم قالوا: أي يوم يجب فيه على المكلف أكثر من ألف صلاة من غير نذر، والكل أداء ليس فيها واحدة قضاء ولا منذورة؟ وبينوا ذلك وصوروه بوقت خروج الدجال فإنه يستمر أربعين يوماً يوم كسنه ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كهذه الأيام، فاليوم الذي كسنه لا يكفي خمس صلوت، بل كل وقت منه كقدر يومنا هذا يصلي فيه خمس صلوات، وهكذا إلى آخره.
ومنها: أي امرأة مات عنها زوجها وليست بحامل انقضت عدتها في نصف يوم، مع أن عدتها أربعة اشهر وعشرة أيام قال الله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً? [البقرة: ٢٣٤] وبينوا ذلك وصوروه باليوم الذي كسنه عند خروج الدجال، فإنه من حين خروج الشمس إلى زوالها نصف نهار وهو مقدار ستة أشهر من هذه الأيام فتنقضي.
ومنها: أنهم قالوا: أي أذان يستحب لغير الصلاة، وأي إقامة تستحب لغير الصلاة؟ وصوروا ذلك بالمولود حال ولادته فإنه يستحب أن يؤذن في أذانه اليمين ويقام في أذنه اليسرى، وفي صورة أخرى وهي: ما إذا تمردت الجان كما قاله النووي في الأذكار.
ومنها: أنهم قالوا: أي شيء يستحب الإتيان به في القضاء دون الأداء؟ وصوروا ذلك بالجهر والإسرار فإذا فات الإنسان صلاة الظهر مثلاً فقضاها مثلاً ليلاً يستحب له أن يجهر في الركعتين الأولتين كصلاة العشاء، ولا يستحب الجهر فيها لو صلاها
стр. 521
أداء، وإذا فات الإنسان صلاة العشاء مثلاً فقضاها نهاراً يستحب الإسرار فيها، ولا يستحب الإسرار فيها لو صلاها أداء.
ومنها: أنهم قالوا: أي ثوب متنجس صلى فيه صحت صلاته، وإن صلى عليه أو حمله في كمه ونحوه لا تصح صلاته؟ وصوروا ذلك بالثوب الذي أصابته نجاسة معفو عنها كدم البراغيث ونحوها.
فائدة: ينبغي لمن سمع مسألة أو لغزاً وكان ظاهره قبيحاً أن لا ينكره أولاً، بل يتفكر فيه ويتأمله، فإن لم يعرفه يفحص عنه من قائله أو غيره، فإن من اعتمد على ظواهر الألفاظ غير متأمل فيها يوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في إثم كبير، وربما يقضي السامع على القائل بالكفر، ويقول فلان تكلم بكلام كفري، فيقع في الخطأ العظيم، فقد حكى العلامة التاج السبكي أن شخص أحب الاجتماع بالمأمون أمير المؤمنين فلم يمكنه التوصل إليه، فاحتال بحيلة وهي أنه قام في ملأ من الناس وقال: أيها الناس قفوا واسمعوا ما أقول لكم، ولست بفقير أطلب منكم شيئاً، ثم قال: اعلموا أن عندي ما ليس عند الله، ولي ما ليس لله، ومعي ما لم يخلق الله، وإني أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول إن اليهود قالت حقاً، وإن النصارى قالت حقاً، ومعي زرع ينبت بغير بذر، وسراج يضيء بغير نار، وأنا أحمد النبي، وأنا ربكم أرفعكم وأضعكم، فقاموا إليه وكادوا يأتون على نفسه وقالوا: لا كفر فوق هذا وصاروا به إلى المأمون، فلما مثل بين يديه وأعاد القول على أمير المؤمنين ثم أخذ يبينه فقال: أما قولي: لي ما ليس لله فإن لي صاحبه وولد وليس لله صاحبه ولا ولد تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأما قولي: عندي ما ليس عند الله فعندي الجور والظلم والله تعالى منزه عنهما، وأما قولي: معي ما لم يخلق الله فمعي القرآن، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأما قولي: إني أحب الفتنة فالمراد بها المال والولد وهما محبوبان مع أنهما فتنة كما نطق به القرآن، وأما قولي: أكره الحق فالمراد بالحق الموت فإنه حق مكروه، وأما قولي: وأقول أن اليهود قالت حقاً والنصاري قالت حقاً، فالحق الذي قالته اليهود والنصاري ما أشار إليه الله إليه بقوله: ?وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ? [البقرة: ١١٣] وأما قولي: ومعي زرع ينبت بغير بذر فهو شعر الرأس، وأما
قولي: ومعي سراج يضيء بغير نار فهما العينان، وأما قولي: أنا أحمد النبي والنبي منصوب على المفعولية بأحمد، وأحمد فعل والمعنى أنا أحمد النبي أي: أشكر نبينا محمد ﷺ وأما قولي: أنا ربكم أرفعكم وأضعكم فالمعنى: أنا صاحبكم فإن رب بمعنى
стр. 522
صاحب أرفع الكم وأضعه، فاستحسن المأمون ذلك وأصغي إلى كلامه وقضى حاجته.
وفي الحديث دلالة على بركة النخلة وما تثمره، ولفضل النخلة وبركتها شبه الله كلمة التوحيد بها في القرآن العظيم حيث قال : ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصلها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ? [إبراهيم: ٢٤] قال المفسرون الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة فإنها طيبة الثمرة، أصلها ثابت في الأرض وفرعها إلى أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قال العبد لا إله إلا الله يصعد بها الملك إلى السماء، فيستقبله في السماء ملك آخر فيقول من أين؟ فيقول: وأنت إلى أين؟ فيقول: أنا صاعد بشهادة فلان إلى الله تعالى، فيقول: وأنا نازل إليه من عند الله ومعي براءة من النار» .
وقد ذكر الفخر الرازي في كتابه أسرار التنزيل وجه تشابه كلمة التوحيد بالنخلة من وجوه ستة:
الأول: شجرة النخلة لا تنبت في جميع البلدان، كذلك التوحيد لا يجري على كل لسان.
الثاني: أن شجرة النخلة أطول الأشجار، وكذلك كلمة التوحيد أعلى الكلمات.
الثالث: أن الشجرة ثابتة في الأرض وفرعها في السماء، كذلك هذه الكلمة الطيبة ثابتة في القلب وهو المعرفة، وفرعها ثابت في السماء ?إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ? [فاطر: ١٠] .
الرابع: أن شجرة النخلة تحمل كل سنة مرتين كذلك الإيمان يحمل في الدنيا مرة ويثاب لأجل إيمانه أهلية الشهادة والولاية والأمانة، ومرة أخرى في الآخرة وهي الجنة الباقية والنعمة الدائمة.
الخامس: أن النخلة وإن حصل في وسط ثمرتها نواة لا خير فيها ولا منفعة، فإن قيمة تلك الثمرة لا تنقص بسبب تلك النواة، وكذا كلمة التوحيد وإن كان يحصل معها شيء من المعاصي لا تنقص بسبب ذلك، قال تعالى: ?قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً?
[الزمر: ٥٣] .
стр. 523
السادس: أن النخلة أسفلها الذي يقرب من الناس كله شوك، والثمرة والمنفعة في أعلاها، كذا كلمة التوحيد أولها تكاليف شاقة هي كالشوكة، وأعلاها الثمرة الحلوة اللذيذة وهي المعرفة والمحبة.
لطيفة: كتب ملك الروم إلى سيدنا عمر ﵁ أخبرني رسلي أن ببلدكم شجرة يخرج ورقها كأذان الحمير، ثم ينشق عنها ثمر أحسن من اللؤلؤ ثم يخضر حتى يكون كالزمرد، ثم يحمر ويصفر فيكون كشذور الذهب وقطع الياقوت، ثم ينيع فيكون كأطيب الفالوذج، ثم يبين فيكون قوتاً للمقيم وزاداً للمسافر، فإن صدقوا فهذه من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: نعم، وهي التي ولد تحتها عيسى فلا تدع مع الله إلهاً آخر.
لطيفة أخرى غريبة: ذكر بعض العلماء في مصنف له عن أبي دجانة الصحابي ﵁ أنه كان في زمن النبي ﷺ إذا صلى الصبح خلف رسول الله ﷺ خرج من المسجد سريعاً ولم يحضر الدعاء - وقد قال العارف بالله الرباني سيدي عبد القادر الكيلاني في كتابه الغنية: إن العبد إذا انصرف من المسجد ولم يحضر الدعاء تقول الملائكة: انظروا إلى هذا الذي قد استغنى عن الله - فأعلموا رسول الله ﷺ بما كان يفعله أبو دجانة فقال له رسول الله ﷺ : «يا أبا دجانة مالك تخرج سريعاً ولا تحضر الدعاء» فقال: يا رسول الله لي جار منافق، وفي داره نخلة وأغصانها على داري، فإذا هب الهواء في الليل سقط رطبها في دارنا فأسبق أولادي قبل أن يستيقظوا وأجمع الثمر وأرده إليه، فطلب النبي ﷺ صاحب النخلة وقال له: «بعني نخلتك بعشر نخلات في الجنة، عروقها من الزبرجد الأخضر، وساقها من الذهب الأحمر، وأغصانها من اللؤلؤ الأبيض» فقال: لا أبيع حاضراً بغائب فقال أبو بكر ﵁: قد اشتريتها منه بعشر نخلات في موضع كذا، ففرح المنافق ثم أعطي التي في داره لأبي دجانة بنخلات أبي بكر ﵁ ثم جاء إلى داره وأخبر زوجته بأنه باع النخلة لأبي بكر بعشر نخلات في مكان كذا، وقال: النخلة في دارنا فكلما غفل أبو دجانة أكلنا منها ولا ندع له إلا الشيء القليل، فلما نام المنافق تلك الليلة وأصبح رأى النخلة قد تحولت من دارة إلى دار أبي دجانة (١)
﵁ بقدرة الله تعالى.
فهذا وأمثاله من الأشياء الدالة على نبوته قال بعضهم: وإذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته وجدتها شاملة للعلوي والسفلي والصامت والناطق والساكن والمتحرك والمائع والجامد والسابق واللاحق والحاضر والباطن والظاهر والعاجل والآجل إلى غير
стр. 524
ذلك مما لو ذكر لطال كتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتهما له بالرسالة بين يديه، ومخاطبتهما بالسيادة وحنين الجذع إليه، إلى غير ذلك من الخوارق للعاده.
فمن معجزاته: ما روي أنه ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي الجهل (١) فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه ﵊ فانقلع من مكانه وسبح حتى صار بين يدي رسول الله ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال له رسول الله ﷺ : «يكفيك هذا؟» فقال: حتى يرجع إلى مكانه (٢) .
ومن معجزاته صلوات الله وسلامه عليه: أن الأشجار نطقت له وسعت إليه كما صحت بذلك الأخبار ونقله عنه ﷺ الثقات الأخيار، وقد أشار إلى ذلك صاحب البردة بقوله:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرت سطراً لما كتبت ... فروعها من بديع الخط بالقلم
وذكر صاحب الشفا وغيره: أن أعرابياً سأل النبي ﷺ آية -أي: معجزة- دالة على نبوته فقال له: «قل لتلك الشجرة: إن رسول الله يدعوك» فمالت عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها وقطعت عروقها، ثم جاءت تجر عروقها حتى وقفت بين يديه، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: فمرها أن ترجع إلى منبتها، فأمرها فرجعت ودست عروقها في منبتها (٣) .
وروي عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدنا منه أعرابي فقال: «يا أعرابي أين تريد؟» قال: أهلي، قال: «هل لك إلى خير» قال: وما قال هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» قال: ومن يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السمرة وهي في شاطئ الوادي، فأدعها فإنها تجيبك» قال: فدعاها فأقبلت تشق الأرض حتى قامت بين يديه ﷺ فاستشهدها ثلاثاً أي: قال لها: «من أنا؟» فقالت: رسول الله ثلاث مرات،
стр. 525
ثم عادت إلى مكانها (١) .
ولله در من قال:
نبي له الأشجار جاءت مطيعة ... نبي عليه سلم الحجر الصلد
نبي هدي حتى الجماد يحبه ... نبي كريم ما لدعوته رد
له الفضل والإفضال والبر والتقى ... له العدل والإحسان والجود والمجد
صح وثبت أن جذع النخل حن لفراقه ﷺ فقد قال جابر بن عبد الله ﵁: كان مسجد رسول الله ﷺ مسقوفاً بجذوع نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب إلى جذع منها ويضع يده عليه قبل أن يصنع المنبر، فلما صنع له المنبر في السنة الثانية أو الثامنة من الهجرة فارق الجذع، قال جابر: سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار (٢) وهي: الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، فلما حن الجذع لفراقه دعاه رسول الله ﷺ فجاءه يخرق الأرض فقال له: «إن شئت أردك إلى الحائط أي: البستان الذي كنت فيه، ينبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك» ثم أصغى له ليسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله، فأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه، فقال ﷺ : «قد فعلت» ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» ثم أمره فعاد إلى مكانه (٣) .
стр. 526
فكان الحسن ﵁ إذا حدث بها بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إلى مكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
وجاء في رواية أنه أمر بدفنه تحت منبره ليصلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده رحمة الله عليه، ونظم ذلك بعضهم فقال:
وحن الجذع شوقاً ورقةً ... ورجع صوتاً كالعشار مرددا
فبادره ضماً فقر لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعودا
وأنشد بعضهم أيضاً:
الجذع حن إلى النبي المصطفى ... بالله أقسم إنه معذور
قد كان حال القرب من أنواره ... في نعمة إقبالها مأثور
فغدا الفرقة بدره متصدعاً ... يبدي الأنين وقلبه مكسور
من ذا الذي يقوى على هجران من ... بين البرية فضله مشهور
وخرج ﷺ إلى نواحي مكة في بعض الأيام فما استقبله شجر ولا حجر إلا شافهه بالسلام، ولما أتى جبريل بالرسالة المعظمة إليه جعل لا يمر بحجر لا شجر إلا سلم عليه، وأمنت الأبواب والجدران على دعائه، وكان كل من الحجر والشجر يسجدان له إذا مر بإزائه (١) .
стр. 527
وحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه لم يثبت لواحد من الأنبياء إلا له ﷺ فهو من خصائصه الحقيقية.
ومن معجزات نبينا ﷺ الباهرة، كما قاله الشيخ عبيد وغيره: أنه ﷺ لما بني المسجد بالمدينة قال لأبي بكر احتاج إلى جذوع نخل لأجل سقف المسجد، فقال له أبو بكر ﵁ لي بمكة بيت فيه جذوع نخل تصلح، فدعاها النبي ﷺ فخلق الله تعالى لها أجنحة فطارت وجاءت إليه فسقف بها المسجد.
ومن المعجزات الباهرة أيضاً: أنه ﷺ غرس غصناً من النخلة في سنام البعير بحضرة جماعة من كفار قريش، فأخضر في الحال، وصار نخلة عظيمة ذات أغصان وثمار، ثم تناول الحاضرون من ثمارها، فمن علم الله أنه يؤمن كانت الثمرة حلوة في فمه، ومن علم أنه لا يؤمن عاد حجراً في فمه.
قال بعض العلماء الحنفية: وفي قوله ﷺ : إنها أي: النخلة مثل المسلم أشار إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله، بل ولا من الحيوانات.
فائدة: جاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ شبه المؤمن بالنحلة بالنون المعجمة والحاء المهملة، فقد قال البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: صاحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة (١)
إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه
стр. 528
منافع» (١) وكذاك النحلة كل شأنها منافع.
قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحلة وفطنته وقلة أذاه وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره، وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك للمؤمن آفات تقطعه عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء الخمر، ونار الهوى.
خاتمة لطيفة: قال في كتاب نديم الكرماء: حكي أن الجنيد قدس الله سره دخل في بعض أعوامه مكة فنزل عند امرأة عجوز من الصالحات، كان يعرفها فجلست العجوز تتوضأ فوجدت نوى تمر فأخذت واحدة فغرستها في الأرض، وصبت عليها من الماء الذي كأنت تتوضأ به، فقالت بناتها وهن يضحكن: يا أمي أتأملين أن تعيشي حتى تأكلي من هذه النواة رطباً، قال: فرفعت المرأة طرفها إلى السماء ثم قالت: اللهم أنت القادر الذي تقول للشيء كن فيكون، فأطعمني من هذه النخلة قبل موتي، قال الجنيد: أمين، ثم قام الجنيد والعجوز يصليان العصر، ثم جلسا وإن النخلة قد أخرجت الخوص، ثم الجريد، ثم الخشب، ثم أثمرت، فوالله ما برحنا حتى أكلنا من ثمرها.
ولقد أحسن من قال:
جل الذي أحكامه في البلاد ... تجري بما فيه صلاح العباد
يميت من شاء ويحيي وإن ... قال للشيء كن فيكون ما أراد
* * *
стр. 529
المجلس الحادي الثلاثون
في ذكر خواتم النبي ﷺ وذكر أحكام خاتم الذهب والفضة وغيرهما
وذكر خاتم سليمان وقصته
وذكر شيء من أسماء النبي ﷺ وشيء من فضائله المتعلقة بذلك
فالحمد لله العادل في حكمه وللعباد راحم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح الخاتم، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب والمكارم.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ (١) .
استشكل العلماء قول أنس: «كتب النبي ﷺ كتاباً» وقالوا: من خصائصه كان يحرم عليه الكتابة والقراءة في الكتاب، ولهذا يقال له: النبي الأمي، وهو الذي لا يحسن الكتابة ولا يعرفها.
وأجابوا عن الاستشكال بأجوبة:
стр. 530
أحدها: أن معنى «كتب» أي أمر غيره بالكتابة، فنسب الفعل إليه على سبيل المجاز.
الثاني: أن الله أوحى إليه أن يكتب.
الثالث: أن الكتابة وإن لم يكن يحسنها صدرت منه حقيقة في بعض الأوقات، فيكون ذلك من قبيل معجزاته الخارقة للعادة، وقد عدوا من معجزاته أنه كان ينظر إلى المكتوب ويعرفه فتنطق له الحروف وتبين له المعنى المراد.
وكما كان ﷺ تحرم عليه الكتابة كان يحرم عليه أخذ الزكاة والصدقة والكفارة والمنذورات، ونزع لامته إذا لبسها حتى يقاتل، أو يحكم الله بينه وبين عدوه بما شاء، وكان يحرم عليه قول الشعر وروايته.
قال تعالى: ?وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ? [يس: ٦٩] .
واختلف العلماء كما قاله البغوي في النبي ﷺ هل كان يحسن الخط ولا يكتب الشعر ولا يقوله أم لا يحسنها؟
فقيل: كان يحسنهما ولا يفعلهما، والأصح: أنه كان لا يحسنهما ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، ومما يدل على أنه كان ﷺ لا يحسن الشعر أنه ذكر يوماً قول طرفه بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقدم فيه وأخر وقال:
يأتيك من لم تزود بالأخبار
فقال له أبو بكر: يا رسول الله لم يقل هكذا، وإنما قال:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقال ﷺ : «كلاهما سواء» . فقال: أشهد أنك لست بشاعر ولا تحسنه. قاله ابن الملقن في باب هل تنبش قبور الجاهلية في كتاب الصلاة.
فإن قيل: إذا كان قول الشعر حراماً عليه ﷺ فكيف نقل عنه أنه قال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وقال:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وأجابوا عن ذلك بأجوبة: