← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فكان الحسن ﵁ إذا حدث بها بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إلى مكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. وجاء في رواية أنه أمر بدفنه تحت منبره ليصلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده رحمة الله عليه، ونظم ذلك بعضهم فقال: وحن الجذع شوقاً ورقةً ... ورجع صوتاً كالعشار مرددا فبادره ضماً فقر لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعودا وأنشد بعضهم أيضاً: الجذع حن إلى النبي المصطفى ... بالله أقسم إنه معذور قد كان حال القرب من أنواره ... في نعمة إقبالها مأثور فغدا الفرقة بدره متصدعاً ... يبدي الأنين وقلبه مكسور من ذا الذي يقوى على هجران من ... بين البرية فضله مشهور وخرج ﷺ إلى نواحي مكة في بعض الأيام فما استقبله شجر ولا حجر إلا شافهه بالسلام، ولما أتى جبريل بالرسالة المعظمة إليه جعل لا يمر بحجر لا شجر إلا سلم عليه، وأمنت الأبواب والجدران على دعائه، وكان كل من الحجر والشجر يسجدان له إذا مر بإزائه (١) .

стр. 527

وحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه لم يثبت لواحد من الأنبياء إلا له ﷺ فهو من خصائصه الحقيقية. ومن معجزات نبينا ﷺ الباهرة، كما قاله الشيخ عبيد وغيره: أنه ﷺ لما بني المسجد بالمدينة قال لأبي بكر احتاج إلى جذوع نخل لأجل سقف المسجد، فقال له أبو بكر ﵁ لي بمكة بيت فيه جذوع نخل تصلح، فدعاها النبي ﷺ فخلق الله تعالى لها أجنحة فطارت وجاءت إليه فسقف بها المسجد. ومن المعجزات الباهرة أيضاً: أنه ﷺ غرس غصناً من النخلة في سنام البعير بحضرة جماعة من كفار قريش، فأخضر في الحال، وصار نخلة عظيمة ذات أغصان وثمار، ثم تناول الحاضرون من ثمارها، فمن علم الله أنه يؤمن كانت الثمرة حلوة في فمه، ومن علم أنه لا يؤمن عاد حجراً في فمه. قال بعض العلماء الحنفية: وفي قوله ﷺ : إنها أي: النخلة مثل المسلم أشار إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله، بل ولا من الحيوانات. فائدة: جاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ شبه المؤمن بالنحلة بالنون المعجمة والحاء المهملة، فقد قال البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: صاحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة (١) إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه

стр. 528

منافع» (١) وكذاك النحلة كل شأنها منافع. قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحلة وفطنته وقلة أذاه وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره، وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك للمؤمن آفات تقطعه عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء الخمر، ونار الهوى. خاتمة لطيفة: قال في كتاب نديم الكرماء: حكي أن الجنيد قدس الله سره دخل في بعض أعوامه مكة فنزل عند امرأة عجوز من الصالحات، كان يعرفها فجلست العجوز تتوضأ فوجدت نوى تمر فأخذت واحدة فغرستها في الأرض، وصبت عليها من الماء الذي كأنت تتوضأ به، فقالت بناتها وهن يضحكن: يا أمي أتأملين أن تعيشي حتى تأكلي من هذه النواة رطباً، قال: فرفعت المرأة طرفها إلى السماء ثم قالت: اللهم أنت القادر الذي تقول للشيء كن فيكون، فأطعمني من هذه النخلة قبل موتي، قال الجنيد: أمين، ثم قام الجنيد والعجوز يصليان العصر، ثم جلسا وإن النخلة قد أخرجت الخوص، ثم الجريد، ثم الخشب، ثم أثمرت، فوالله ما برحنا حتى أكلنا من ثمرها. ولقد أحسن من قال: جل الذي أحكامه في البلاد ... تجري بما فيه صلاح العباد يميت من شاء ويحيي وإن ... قال للشيء كن فيكون ما أراد * * *

стр. 529

المجلس الحادي الثلاثون في ذكر خواتم النبي ﷺ وذكر أحكام خاتم الذهب والفضة وغيرهما وذكر خاتم سليمان وقصته وذكر شيء من أسماء النبي ﷺ وشيء من فضائله المتعلقة بذلك فالحمد لله العادل في حكمه وللعباد راحم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح الخاتم، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب والمكارم. قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ (١) . استشكل العلماء قول أنس: «كتب النبي ﷺ كتاباً» وقالوا: من خصائصه كان يحرم عليه الكتابة والقراءة في الكتاب، ولهذا يقال له: النبي الأمي، وهو الذي لا يحسن الكتابة ولا يعرفها. وأجابوا عن الاستشكال بأجوبة:

стр. 530

أحدها: أن معنى «كتب» أي أمر غيره بالكتابة، فنسب الفعل إليه على سبيل المجاز. الثاني: أن الله أوحى إليه أن يكتب. الثالث: أن الكتابة وإن لم يكن يحسنها صدرت منه حقيقة في بعض الأوقات، فيكون ذلك من قبيل معجزاته الخارقة للعادة، وقد عدوا من معجزاته أنه كان ينظر إلى المكتوب ويعرفه فتنطق له الحروف وتبين له المعنى المراد. وكما كان ﷺ تحرم عليه الكتابة كان يحرم عليه أخذ الزكاة والصدقة والكفارة والمنذورات، ونزع لامته إذا لبسها حتى يقاتل، أو يحكم الله بينه وبين عدوه بما شاء، وكان يحرم عليه قول الشعر وروايته. قال تعالى: ?وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ? [يس: ٦٩] . واختلف العلماء كما قاله البغوي في النبي ﷺ هل كان يحسن الخط ولا يكتب الشعر ولا يقوله أم لا يحسنها؟ فقيل: كان يحسنهما ولا يفعلهما، والأصح: أنه كان لا يحسنهما ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، ومما يدل على أنه كان ﷺ لا يحسن الشعر أنه ذكر يوماً قول طرفه بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقدم فيه وأخر وقال: يأتيك من لم تزود بالأخبار فقال له أبو بكر: يا رسول الله لم يقل هكذا، وإنما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال ﷺ : «كلاهما سواء» . فقال: أشهد أنك لست بشاعر ولا تحسنه. قاله ابن الملقن في باب هل تنبش قبور الجاهلية في كتاب الصلاة. فإن قيل: إذا كان قول الشعر حراماً عليه ﷺ فكيف نقل عنه أنه قال: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وأجابوا عن ذلك بأجوبة:

стр. 531

الأول: أن هذا ليس بشعر لأنه صدر من النبي ﷺ من غير قصد، والشعر هو الكلام الموزون المقفى بالقصد، وقد وقع في كلام الله من ذلك كثيراً قال تعالى: ?لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ? [البقرة: ٩٢] . الثاني: أن مشطور الرجز عند الأخفش وغيره ليس بشعر. وقوله: «لأنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً» المعنى: كتب النبي ﷺ كتاباً إلى العجم وإلى الروم بلا ختم، فقيل له: يا رسول الله إنهم أي الأعاجم والأروام لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، والحكمة في أنهم كانوا لا يقرؤون إلا الكتاب مختوماً خوفاً من كشف أسرارهم وأشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم، وفي هذا دلالة على أنه يسن للسلطان والقضاة والحكام ختم كتبهم، وقد صف الله كتاب سليمان الذي أرسله إلى بلقيس مع الهدهد بأنه كتاب كريم، وإنما وصفته بذلك لأنه كان مختوماً. وقوله: «فاتخذ خاتماً» أي: لما قالوا له ﷺ : إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً أي: بخاتم، اتخذ له خاتماً من فضة نقشه «محمد رسول الله» وصار يختم به الكتب الذي يرسلها إلى الكفار، حتى يقرؤوا كتابه. وفيه دلالة على جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب جماعة من ملوك الكفار من جملتهم كسرى ملك فارس. وكسرى بفتح الكاف وفتحها والكسر أفصح فارسي معرب: لقبه، وأما اسمه فقيل: أنوشروان بن هرمز، والصحيح كما قاله ابن حجر في اسمه: ابرويز بن هرمز بن أنوشروان، قال: ووهم من قال: أنه أنوشروان (١) . وملك كسرى الكافر سبعاً وأربعين سنة وسبعة أشهر، أرسل له رسول الله ﷺ كتابه مع عبد الله بن حذافة يدعوه إلى الدخول في الإسلام، فلما دفع إليه عبد الله بن حذافة الكتاب وقرئ عليه أخذه ومزقه، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك دعا عليه وقال: «اللهم مزق ملكه» (٢) أي: فرقه وشتته، فمزق الله ملكه كل ممزق، وسلط الله عليه ولده فمزق بطنه. فقد نقل علماء التاريخ: أن كسرى كان له ولد يقال شيرويه، أراد قتل كسرى

стр. 532

لأجل الملك، فلما أيقن كسرى بالهلاك وكان مغلوباً فتح خزائنه فرأى خزانة الأدوية، فكتب على حق السم الدواء النافع للجماع، وكان ابنه مولعاً بذلك، فلما قتله فتح خزائنه فرأى خزانة الأدوية فتناول ذلك الحق منها فقرأه وفتحه وتناول منه شيئاً فأكله ومات من ذلك السم، ولم يقم لهم بعد دعاء النبي ﷺ عليهم أمر نافذ، بل أدبر عنهم الأقبال، ومالت عنهم الدولة، وأقبلت عليهم النحوس، حتى انقرضوا. وفي اتخاذه ﷺ خاتماً من فضة دليل على جواز اتخاذ خاتم الفضة للرجال، وقد ذكر العلماء: أن التختم بخاتم الفضة جائز بالإجماع، بل لبسه سنة لهذا الحديث. والأفضل عند إمامنا الشافعي وأكثر العلماء جعله في اليد اليمنى لأنها أشرف وأفضل، فهي أحق بالزينة والإكرام. لكن نقل ابن العماد عن المتولي أنه قال: لبسه اليوم في اليسار أولى لأن لبسه في اليمين قد صار شعاراً للرافضة، قال: وهذا الذي ذكره يوافقه ما حكاه الرافعي عن أبي هريرة: أن تستطيح القبر لا يستحب في هذا الزمان، بل التسنيم أولى، لأن التسطيح صار شعاراً للرافضة، فالأولى بنا الآن مخالفتهم وصيانة للميت وأهله من الاتهام بالبدعة، قال: ومما يشهد للمتولي قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن في مواقف التهم» . وقول علي ﵁: «إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فرب سامع نكراً لا تستطيع أن تسمعه عذراً» ، ولأنه إذا تشبه بهم خاض الناس فيه فيكون سبباً في إيقاع الناس في الإثم. وأكثر العلماء قالوا: الأفضل لبسه في اليمنى وإن صار شعار الرافضة، قالوا: لأنا لو تركنا ما ثبت من السنة لإطباق المبتدعة عليه لجرنا ذلك إلى ترك سنن كثيرة. وعند الإمام مالك جعله في اليسار أفضل، لأنه كان آخر الأمرين منه ﷺ كما قاله البغوي في شرح السنة وكرهه في اليمنى. والسنة جعل فصه من باطن كفه لأنه أبعد من الإعجاب، وأصون للفص، ومحل التختم خنصر اليمنى واليسرى، لأنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونه طرفاً، ولأنه لا يشغل اليد عما يتناوله من أشغالها بخلاف غير الخنصر. وهل يجوز للرجل أن يلبس الخاتم في غير الخنصر من باقي أصابعه؟ قال الأذرعي: الصحيح التحريم للنهي عن التشبه بالنساء، لكن قال النووي في شرح مسلم: لا يحرم لكن يكره كراهة تنزيه.

стр. 533

وروي النسائي أن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁: «يا علي سل الله الهدى والسداد» قال علي: ونهاني عن الخاتم في هذه وهذه وأشار يعني بالسبابة والوسطي (١) . ويجوز للرجل أن يتخذ خواتم يلبسها واحد بعد واحد. وهل يجوز أن يلبس في وقت واحد أكثر من خاتم؟ قال المحب الطبري: لا يجوز. قال الدرامي والخوارزمي: يجوز مع الكراهة. واختلف العلماء في مقدار وزن الخاتم الذي يجوز لبسه للرجل من الفضة فقال ابن الرفعة والأذرعي: يجب نقصه عن المثقال لقول النبي ﷺ في الحديث: «ولا تبلغه مثقالاً» . وذهب الخوارزمي وغيره إلى أنه لا يتعين نقصه عن المثقال بل يجوز له أن يلبس خاتماً موافقاً لعرف الناس في لبسه، فإن جرى عرف الناس بلبس وزن دون مثقال تعين عليه ذلك، وإن جرى عرفهم بلبس خاتم فضة وزنه أكثر من مثقال جاز له أن يلبس خاتماً مقداره أكثر من مثقال، فالضابط في جوازه العرف. بذلك أفتى كثيرين من المتأخرين من علمائنا الشافعية كالقاضي زكريا فهو المذهب. وأما الحديث الذي قال فيه: «ولا تبلغه مثقالاً» فهو ضعيف كما قاله النووي، بل قال النسائي: منكر. وأما المرأة فيجوز لها أن تلبس خاتم الفضة، بل ويجوز لها أن تلبس خواتم في أصابع من غير كراهة. وفي الحديث دلالة على جواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه عليه، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه من غير كراهة في ذلك، لأن رسول الله ﷺ نقش على خاتمه محمد رسول الله، واتخذ كثير من السلف من العلماء والأنبياء وغيرهم خواتم نقشوا عليها. فقد نقل عن الإمام مالك أنه اتخذ خاتماً نقش عليه: «حسبي الله ونعم الوكيل» (٢) . وعن إمامنا الشافعي أنه اتخذ خاتماً ونقش عليه: «الله ثقتي محمد بن إدريس» . وعن موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه أنه اتخذ خاتماً ونقش عليه:

стр. 534

«لكل أجل كتاب» . وقوله في الحديث في خاتم النبي ﷺ نقشه: «محمد رسول الله» لم يبين في هذا الحديث كيفية كتابتها، ولا هل كانت سطراً واحداً أو أكثر، لكن بين في حديث آخر أنها كانت ثلاثة أسطر «محمد» سطر و «رسول» سطر و «الله» سطر، وقد صرح بذلك العراقي في ألفيته: محمد سطر ورسول سطر ... والله سطر ليس فيه كبر «محمد» منقوش أسفل السطر، و «رسول» في الوسط، و «الله» فوق السطرين قاله الأسنوي. قال الحافظ البرهان الحلبي: الذي يظهر أن كتابة هذه الأسطر الثلاثة كانت مقلوبة حتى إذا ختم بها، ختم على استواء كما في خواتم الحكام اليوم والكبار والتجار والله أعلم، ولو كانت غير مقلوبة بل مستوية لختمت مقلوباً، ويتفق أنهم أعاجم والكتابة إليهم مقلوبة في الختم فيعسر عليهم ذلك جداً والله أعلم. وقال: ولم أر أحداً ذكر هذه. فائدة: قال بعض العلماء: لا يجوز للإنسان أن ينقش على خاتمه «محمد رسول الله» للنهي عن ذلك لما فيه من خوف حصول المفسدة والخلل، قال: وهذا من خصائصه. فائدة أخرى: الخاتم الذي نقش عليه النبي ﷺ : «محمد رسول الله» وكان يختم به الكتب انتقل بعد وفاته إلى سيدنا أبي بكر، فكان في يده إلى أن مات، ثم انتقل إلى عمر بن الخطاب فكان في يده إلى أن مات، ثم انتقل إلى سيدنا عثمان بن عفان فكان في يده حتى وقع في بئر أريس (١) . فائدة أخرى: قال البرهان الحلبي وغيره: كان للنبي ﷺ من الخواتم خمسة: الأول: خاتم من ذهب اتخذه قبل النهي عن خاتم الذهب للرجل، فتبعه الناس في لبسه فلما رآهم اتبعوه فرماه وحرمه على الذكور، لما فيه من الفتنة وزيادة المؤنة. الثاني: خاتم من فضة فصه منه.

стр. 535

الثالث: خاتم من فضة فصه من جزع. الرابع: خاتم من فضة فصه من عقيق، فإنه ورد في صحيح مسلم (١) أنه كان بفص حبشي، واختلف في المراد بالحبشي في الحديث فقيل: كان من جذع، وقيل: كان من عقيق. الخامس: من حديد ملوي عليه فضة. قال العلماء: خاتم الذهب حرام على الرجال حلال على النساء، وكما يحرم خاتم الذهب على الرجال يحرم اتخاذ سنه من ذهب، وهو الشعب الذي يستمسك بها الفص، دون النساء. وأما خاتم الحديد والنحاس والرصاص فالأصح كما قاله النووي أنه لا يكره لبسها، وأما لبس خاتم العقيق فإنه جائز، وكذا الياقوت للرجال والنساء، بل قيل: إن العقيق يذهب الغم، والياقوت ينفي الفقر. قال ابن العماد في شرح سيرته: وقد روي ابن غانم في كتابه الفائق في اللفظ الرائق: أنه ﷺ قال: «تختموا بالعقيق فإنه مبارك، تختموا بخواتم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام ذلك عليه، تختموا بالياقوت فإنه ينفي الفقر» (٢) . قال الدميري: روى ابن عدي في ترجمة أحمد بن عبد الله بن حكيم أبو عبد الرحمن الفرياناني المروزي (٣) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «من اتخذ خاتماً فصه من ياقوت نفي عنه الفقر» (٤) . وقال ابن الأثير: يريد أنه إذا ذهب ماله باع خاتمه فوجد به غنى، قال: والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه، كما أن النار لا تؤثر فيه ولا تغيره، وأن من تختم به أمن من الطاعون، وتيسرت له أمور المعاش، ويقوي قلبه، وتهابه الناس، ويسهل عليه

стр. 536

قضاء الحوائج. قيل: إن الحجر الأسود أصله من ياقوت الجنة، ففي الكامل لابن عدي أن النبي ﷺ قال: «الحجر الأسود من ياقوت الجنة، فمسحه المشركون فأسود من مسحهم» (١) . وفي كتاب الخصائص لأبي الربيع سليمان بن سبع السبتي: أن النبي ﷺ أعطى علياً فصاً من ياقوت، وأمره أن ينقش عليه لا إله إلا الله ففعل، وأتى به للنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : «ألم آمرك أن تنقش عليه لا إله إلا الله فلم زدت محمد رسول الله؟» فقال: والذي بعثك بالحق ما فعلت إلا ما أمرتني به، فهبط جبريل ﵇ وقال: «إن الله يقول لك: أنت أحببتنا فكتبت، ونحن أحببناك فكتبنا اسمك» . وإنما نقش ﷺ على خاتمه اسم «محمد» دون «أحمد» وغيره من باقي أسمائه لأنه أشهر أسمائه ﷺ . فائدة: للنبي ﷺ أسامي كثيرة نقل ابن العربي في شرح الترمذي عن بعض الصوفية أنه قال: إن لله تعالى ألف اسم ولرسوله ألف اسم، ولكن أشهرها «محمد» فلهذا نقشه على خاتمه دون باقي أسمائه لأنه أشهر. وقد تكرر هذا الاسم في القرآن في مواضع قال تعالى: ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ? [الأحزاب: ٤٠] . وقال: ?مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ? [الفتح: ٢٩] . وقال: ?وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ? [آل عمران: ١٤٤] . وكان عمه أبو طالب يقول: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال المؤذن في الخمس أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد قال البخاري في تاريخه الصغير: و «محمد» علم منقول من صفة الحمد، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، سمي ﷺ «محمداً» لأنه محمود عند الله وعند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم،

стр. 537

فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل، وكان كفار قريش يقلبون اسم رسول الله ﷺ ويجعلون مكان محمداً مذمماً. فقد جاء في هذا الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً، وأنا محمد» (١) . وكانت العوراء زوجة أبي لهب تقول: مذمماً قلينا، ودينه أبينا، وأمره عصينا. وسماه «محمداً» جده عبد المطلب فقد نقل بعض العلماء: أن النبي ﷺ لما ولدته أمه قيل لجده عبد المطلب: ما سميت ولدك؟ قال: محمد. فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من أبائك وقومك؟ قال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم (٢) . وسبب تسميته بمحمد أنه رأي في المنام كان سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون، فقصها عبد المطلب على المعبرين فعبروها له بمولود يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماوات والأرض فلذلك سماه محمداً (٣) . وقالت أمة لجده عبد المطلب لما حملت به ﷺ : سمعت قائلاً يقول: «إنك قد حملت سيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فسميه محمداً، فسماه محمداً (٤) . فائدة أخرى: قال القاضي عياض حمى الله هذين الإسمين يعني «محمد وأحمد» من أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه. أما اسمه «أحمد» الذي ذكره الله في كتابه، وبشر به عيسى بن مريم، فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعواً قبله، حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب. وأما اسمه «محمد» فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل

стр. 538

مولده أن نبيناً يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أسماء أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يضع رسالته. وعدد من سمي من العرب محمداً قرب ولادته ﷺ قال السهيلي: ثلاثة، وقال القاضي عياض: ستة، وأوصلهم شيخ الإسلام ابن حجر إلى خمسة عشر. فائدة أخرى: ذكر حسين بن محمد الدمغاني في كتاب «سوق العروس وأنس النفوس» نقلاً عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي ﷺ عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الحميد، وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وفي التوراة مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند الله طه وياسين، وعند المؤمنين محمد. وقد رتب بعض العلماء أسماؤه الشريفة على حروف المعجم فذكر مما جاء أوله الهمزة: «أحمد، الأبضحي، أتقى الناس، أجود الناس، أحسن الناس، الأزهر النير المشرق الوجه، الأخشى، أرجح الناس عقلاً، أرحم الناس بالعيال، أشجع الناس، أطيب الناس ريحاً، الأعلم بالله، أكثر الناس تبعاً، أكرم الناس، أكرم ولد آدم، إمام الخير، إمام الرسل، إمام المتقين، إمام النبيين، الأمي، الأمين، أول شافع، أول المسلمين، أول مشفع، الأول، الآخر» . ومما جاء في أوله الباء: «البر، البشير، البصير، البليغ، البرهان، بشرى عيسى» . ومما جاء في أوله التاء: «التقي، التالي، التهامي، التذكرة» . ومما جاء في أوله الثاء: «ثاني اثنين» . ومما جاء في أوله الجيم: «الجواد، الجامع» . ومما جاء في أوله الحاء: «الحافظ، الحاشر، الحاكم بما أمر الله به، الحامد، حامل لواء الحمد، الحبيب، حبيب الرحمن، حبيب الله، الحجازي، الحجة البالغة، حجة الله على الخلائق، الحرمي، الحريص على الإيمان، الحفيظ، الحق، الحكيم، الحليم، الحمد» . ومما جاء على الخاء: «الخبير، خاتم النبيين، خاتم المرسلين، الخاشع، الخاضع، الخالص، خطيب الأنبياء، خطيب الأمم، الخليل، خليل الرحمن، خير الأنبياء، خير البرية، خير خلق الله، خير العالمين طراً، خير الناس، خير هذه الأمة، خيرة الله» .

стр. 539

ومما أوله الدال: «الداعي إلى الله، دعوة إبراهيم، دعوة النبيين، دليل الخيرات، دار الحكمة» . ومما أوله الذال: «الذاكر، ذكر الله، ذو الحوض المورود، ذو الخلق العظيم، ذو القوة، ذو المعجزات، ذو المقام المحمود، ذو الوسيلة» . ومما أوله الراء: «الراضي، الراغب، راكب البراق، راكب البعير، الرحمة، رحمة الأمة، رحمة العالمين، الرحيم، الرسول، رسول الرحمة، رسول الله، رفيع الدرجات، روح القدس، ركن المتواضعين» . ومما أوله الزاي: «الزاهد، الزكي، زين من وافي القيمة» . ومما في أوله السين: «السابق بالخيرات، الساجد، السراج المنير، السعيد، سعد الخلائق، السلام، السيد، سيد ولد آدم، سيد المرسلين، سيد الناس، سيد الكونين، سيد الثقلين، سيف الله المسلول» . ومما أوله الشين: «الشارع، الشافع، الشاكر، الشاهد، الشكور، الشمس، الشهيد» . ومما أوله الصاد: «الصابر، صاحب الآيات، صاحب المعجزات، صاحب البرهان، صاحب التاج، صاحب الحوض المورود، صاحب الخير، صاحب الدرجة العالية الرفيعة، صاحب الأزواج الطاهرات، صاحب السجود للرب المعبود، صاحب العلو والدرجات، صاحب قول لا إله إلا الله، صاحب المغفرة، الصادق، الصبور، صراط الذين أنعمت عليهم، الصفوح عن الزلات» . ومما أوله الضاد: «الضارب بالحسام المثلوم، الضاحك، الضحوك» . ومما أوله الطاء: «الطاهر، الطيب، طه، الطبيب» . ومما أوله الظاء: «الظاهر، الظفور، الظافر» . ومما أوله العين: «العابد، العادل، العاقب، العالم، العاقل، علم الإيمان، العالم بالحق، العالم، عبد الله، عبد الحق، عبد الكريم، العدل، العربي، العروة الوثقي، العفو، عين العز، عبد الجبار، عبد الخالق، عبد المهيمن، عبد القدوس، عبد المؤمن، عبد الغفار، عبد الوهاب» . ومما أوله الغين: «الغالب، الغني، الغفور، الغوث، الغياث» . ومما أوله الفاء: «الفاتح، الفاروق، الفرط، الفصيح، فضل الله» . ومما أوله القاف: «قائد الخير، قائد الغر المحجلين، قدم صدق، القرشي، القربي،

стр. 540

القمر، القثم ومعناه: الجامع الكامل وهو بالثاء المثلثة» . ومما أوله الكاف: «الكامل في جميع أموره، الكريم» . ومما أوله اللام: «اللسان» . ومما أوله الميم: «محمد، الماجد، المزمل، الماحي، المبارك، المبشر، المبعوث بالحق، المبلغ، المبتسم، المتضرع، المجتهد، المجتبى، المحمود، المختار، المخصوص بالشرف، المخصوص بالعزة، المخلص، المدثر، مدينة العلم، المرتضى، المرسل، المرتجى، المصباح، المصطفي، المطاع، المعصوم، المفضل، مفتاح الجنة، مقيل العثرات، مقيم السنة، المكرم، المكي، المنذر، المنصور، المهاجر، المنير، المؤيد، المولى» . ومما أوله النون: «الناشر، الناصح، الناصر، الناطق، الناهي، نبي الأحمر، نبي الأسود، نبي التوبة، نبي الحرمين، نبي الرحمة، النبي الصالح، نبي الله، نبي المرحمة، نبي الملحمة، النجم الثاقب، النذير، ناصح الأمة، نعمة الله، النور، نور الأمم أي: الهادي لها، نور الله الذي لا يطفئ» . ومما أوله الهاء: «الهادي، هداية الله، الهاشمي» . ومما أوله الواو: «الواصل، الواعد، الواعظ، الورع، الوسيلة، الوفي، الوافي، المولي، ولي الفضل» . ومما أوله الياء: «اليثربي، ياسين» . هذه بعض أسمائه المرتبة، وكنيته المشهورة: أبو القاسم، كنى بذلك لأنه يقسم الجنة بين أهلها ويكني أيضاً بأبي إبراهيم وبأبي الأرامل، وبأبي المؤمنين. ولاسمه محمد ﷺ خصائص منها: كونه على أربعة أحرف، والحكمة في جعله كذلك ليوافق اسم الله تعالى فإن عدد لفظ الجلالة أربعة أحرف كمحمد. ومنها: أنه تعالى اشتقه من اسمه المحمود كما قال حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله محمود وهذا محمد ومنها: أن صورة الآدمي تشبه هذا الاسم إذا كتب، فالميم الأولى رأسه، والحاء جناحاه أي: يداه، والميم الثانية سرته، والدال رجلاه، وهذا مما أكرم به الآدمي، قيل: وإذا استحق العذاب ودخول النار أعاذنا الله منها فلا يدخلها إلا ممسوح الصورة إكراما لصورة اللفظ، قال ذلك بعض العلماء. وقد سماه الله بهذا الاسم قبل الخلق بألفي عام كما ورد من حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم في مناجاة موسى.

стр. 541

وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: «إن الله أنزل على آدم ﵇ عصياً بعدد الأنبياء المرسلين، ثم أقبل على ابنه شيث فقال: أي بني أنت خليفتي من بعدي فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد، فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، كما أني طفت السماوات فلم أر في السماوات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصراً ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوباً، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها» (١) . وإلى ذلك اشار من قال: بدا مجده من قبل نشأة آدم ... فاسماؤه في العرش من قبل تكتب ووجد على حجر بالخط العبراني: «باسمك اللهم جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين لا إله إلا الله محمد رسول الله (كتبه موسي بن عمران) » . وذكر في الشفا: أنه شوهد في بعض بلاد خراسان مولود وعلى أحد جنبيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله. وببلاد الهند ورد أحمر مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وذكر في تاريخ ابن النديم عن علي بن عبد الله الهاشمي الرقي: أنه وجد ببعض قرى الهند وردة كبيرة طيبة الرائحة، سوداء مكتوب عليها بخط أبيض: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق» قال: فشككت في ذلك وقلت: إنه معمول، فعمدت إلى وردة لم تفتح فكان فيها مثل ذلك، وأهل تلك القرية يعبدون الأحجار لا يعرفون الله تعالى. ونقل اليافعي عن بعضهم أنه وجد ببعض بلاد الهند شجرة تحمل ثمراً كاللوز له قشرات، إذا كسر خرج منه ورقة خضراء مكتوب فيها بالحمرة لا إله إلا الله محمد رسول الله، كتابة جلية وهم يتكبرون بها. واصطاد بعضهم سمكة فوجد على جنبها الأيمن مكتوب لا إله إلا الله، وعلى جنبها الأيسر محمد رسول الله، فقذفها في الماء احتراماً لها.

стр. 542

ونقل في كتاب النطق المفهوم عن بعضهم: أنه رأى في جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة، مكتوب فيه بالحمرة والبياض في الخضرة كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعتها الله بقدرته، في الورقة ثلاثة أسطر الأول: لا إله إلا الله، والثاني: محمد رسول الله، والثالث: إن الدين عند الله الإسلام. وقد خصه الله تعالى بأن سماه من أسمائه الحسني بنحو من ثلاثين اسماً. لطيفة: نقل الإخباريون عن وهب بن منبه أن رجلاً عصى الله مائتي سنة، يتمرد ويجترئ عليه فيها كلها، فلما مات أخذ بنو إسرائيل برجله وألقوة على مزبله، فأوحى الله إلى موسى ﵊ أن غسله وكفنه وصلي عليه في جمع بني إسرائيل، ففعل ما أمره الله تعالى به، فتعجب بنو إسرائيل من ذلك، فأخبروه أنه لم يكن في بني إسرائيل أعتى منه، ولا أكثر معاصي منه، فقال: قد علمت ولكن الله أمرنى بذلك، فقالوا: سل ربك فسأل موسى ربه فقال: يارب قد علمت ما قالوا فأوحى الله إليه أن صدقوا ما قالوا، إنه عصاني مائتي سنه، إلا أن يوماً من الأيام فتح التوراة فنظر إلى اسم محمد ﷺ مكتوباً فقبله ووضعه بين عينيه، فشكرت له ذلك فغفرت له ذنوب مائتي سنة، وزوجته سبعين حوراء. لطيفة أخرى: نقل بعض العلماء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نظر يهودي بالشام في زمن النبي ﷺ في التوراة فوجد اسم محمد ﷺ في أربعة مواضع فكشطه، ثم نظر في اليوم الثاني فوجده في ثمانية مواضع فكشطها، ثم نظر في اليوم الثالث فوجده في اثنى عشر موضعاً، فسار إلى المدينة فوجد النبي ﷺ قد مات، فقال لعلي ﵁: أرني ثوب محمد، فأخرجه له فشمه وقام عند القبر الشريف وأسلم، وقال: اللهم أن كنت قبلت إسلامي فاقبض روحي سريعاً فوقع ميتاً فغسله علي ﵁ ودفنه في البقيع ﵀. وقوله في الحديث: «فاتخذ خاتماً» يجوز في خاتم فتح التاء وكسرها، وقد ذكر العلماء في الخاتم ست لغات الأولى: خاتم بفتح التاء، الثانية: خاتم بكسرها، الثالثة: خاتام، الرابعة: خيتام، الخامسة: ختام، السادسة: ختم. فائدة: لما ولد النبي ﷺ ختم بخاتم النبوة، واختلفت الروايات في صفته ومحله. ففي صحيح البخاري: «أنه ختم النبوة بين كتفيه فكان ينم مسكاً مثل زر

стр. 543

الحجلة» (١) . وفي الحلية لأبي نعيم: «كان عند كتفيه» (٢) . وفي صحيح مسلم: «أن الخاتم كان كبيضة الحمامة» (٣) . وفي مستدرك الحاكم: «شعر مجتمع» (٤) . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: «شامة خضراء مختمرة في اللحم» . وفي كتاب الترمذي الحكيم: «كبيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها توجه حيث شئت فإنك منصور» . وفي تاريخ نيسابور: «مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم محمد رسول الله» (٥) . قال السهيلي: والحكمة في ختمه بخاتم النبوة أنه لما ملئ قلبه حكمة ويقيناً، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكاً أو زراً. قال: وأما حكمة وضعه بين كتفيه فلأنه ﷺ معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يوسوس الشيطان لابن آدم. سئل الحافظ برهان الدين الحلبي عن خاتم النبوة هل هو من خصائص النبي ﷺ أو أن كل نبي مختوم بخاتم النبوة؟ فأجاب بما نصه: لا أستحضر في ذلك شيئاً، لكن الذي يظهر لي أنه من خواصه، لأنه ختم به لمعان: أحدها: لأنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين، وليس في ذلك لغيره. والثاني: لأن باب النبوة قد ختم به فلا يفتح بعده، وقد رفع هذا الخاتم من بين كتفيه عند موته، فإن عائشه وقيل: أسماء بنت عميس وضعت يدها على خاتم النبوة في

стр. 544

مرضه الذي مات فيه فلمسته فرأته قد رفع، فعرفت بذلك موته ﷺ (١) . ومن أسمائه «الفاتح الخاتم» فقد ورد في حديث الإسراء عن أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس: «أن الله تعالى قال: وجعلتك فاتحاً وخاتماً» (٢) . سمي بذلك لأنه ﷺ فتح الله به باب الهدي بعد أن كان مرتجاً، وفتح به أعيناًٍ عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وفتح به أمصار الكفر، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به طرق العلم النافع، والعمل الصالح، والدنيا والآخرة، والقلوب، والأسماع، والأبصار، والأمصار. وقيل: سمي بذلك لأنه المبدأ المقدم في الدنيا والآخرة والخاتم له كما قال ﵊: «كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث» (٣) . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، وزاده في الدارين تشريفاً وتعظيماً. لطيفة أخرى: قال بعض المفسرين: كان ملك سليمان صلوات الله وسلامه عليه وعزه في خاتمه، ولهذا لما ابتلاه الله بسبب الملك سلب خاتمة فسلب ملكه، قال: فقد ذكر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ?وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداًّ ثُمَّ أَنَابَ? [ص: ٣٤] أن سليمان ﵇ كان رجلاً غزاء يغزو في البحر والبر، فسمع بملك في جزيرة من جزائر البحر، فركب سليمان الريح هو وجنود من الجن والإنس حتى نزل تلك الجزيرة، فقتل ملكها وسبى من فيها، فوجد فيها جارية لم ير مثلها حسناً وجمالاً، وكانت ابنه الملك، فاصطفاها لنفسه، وكان يحبها أكثر من نسائه، وكان يؤثرها عليهم، فدخل عليها يوماً فقالت: إني أذكر أبي وملكه وما أصابه فيحزنني ذلك، فإني رأيت أن تأمر بعض الشياطين أن يصور لي صورة أبي في داري فأراه بكرة وعشياً، فيزول عني ما أجده، ويذهب عني حزني، فأمر سليمان «صخر» المارد فمثل لها أباها في هيئته من ناحية دارها لا ينكر منه شيء إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه فزينته وألبسته حتى تركته في هيئة أبيها ولباسه، وكانت إذا خرج سليمان من عندها تدخل عليه هي وجوارهَا وتطيبه وتسجد له، وتأمر الجوار بالسجود له ثم

стр. 545

تلثمه وترجع، وسليمان لا علم له بذلك، فاستمرت على هذا أربعين يوماً، حتى سمع الناس، فبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان من المقربين عند سليمان والعلماء العارفين، فدخل عليه وقال: يا نبي الله قد أحببت أن تجمع الناس حتى أذكرهم بمن مضى من الأنبياء، وأثني عليهم بعلمي فيهم، فجمع سليمان الناس فقام آصف وذكر من مضى من الأنبياء وأثنى على كل نبي بما فيه، وذكر بما فضلهم الله به حتى وصل إلى سليمان، فذكر فضله وما أعطاه الله تعالى على صغر سنه، وسكت ولم يذكر باقى فضائله التي أعطيها في حال الكبر، فامتلأ سليمان غيظاً، فقام ودخل إلى منزله وأرسل خلف آصف بن برخيا فجاءه فقال: يا آصف ذكرت أنبياء الله فأثنت عليهم بما كانوا في زمانهم كله، ولما ذكرتني ذكرت خبري في حال الصغر وسكت عن حال الكبر، فما الذي أحدثت في كبري؟ فقال له آصف: أحدثت أن غير الله يعبد في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فتذكر سليمان تلك الصورة التي صورها صخراً لزوجته، فقام ودخل داره وكسر تلك الصورة التي هي على هيئة الصنم، وعاقب تلك المرأة ثم دعا بثياب الطهر فلبسها، وخرج إلى فلاة من الأرض ففرش له الرماد وجلس عليه، وجعل يتململ عليه متذللاً متضرعا يبكي، ويستغفر الله تعالى ويقول: يارب هذا جزاؤك من آل داود، أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دارهم عبادة غيرك، فلم يزل كذلك حتى أمسى ثم رجع، وكانت له جارية اسمها الأمينة، وكان إذا دخل الخلاء أو أراد جماع امرأة من نسائه وضع خاتمة عندها، وكان لا يلبسه إلا وهو طاهر، وكان الله جعل ملكه في ذلك الخاتم، فأراد يوماً أن يتوضأ فدفع الخاتم إلى الجارية، فجاء «صخر» المارد وسبق سليمان ودخل المكان الذي يتوضأ فيه سليمان، ولم يعلم به سليمان، فدخل سليمان ذلك المكان ليتوضأ فخرج الشيطان من ذلك المكان بصورة سليمان، ينفض لحيته من الوضوء كأنه سليمان لا ينكر منه شيء، فقال للجارية: هاتي خاتمي يا أمينة فناولته إياه، لا تحسب إلا أنه سليمان، فجعله في يده وجلس على سرير سليمان، فعكفت الطير عليه والجن والإنس، وخرج سليمان في غير هيئته وجاء إلى أمينة فطلب منها الخاتم فقالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان وقد تغير حاله وذهب بهاؤه، قالت: كذبت إن سليمان قد أخذ الخاتم وهو جالس على سريره في ملكه، فذهب فرآه جالساً على كرسيه فقال للناس: أنا سليمان فأنكروه، فعلم أن ما حصل له بسبب تلك الصورة التي عبدت في بيته من دون الله، وأن الله عاقبه وامتحنه بسببها، فخرج هارباً خائفاً على نفسه، هائماً على وجهه، حافياً مكشوف الرأس في قميص وإزار، وكان صلوات الله عليه وسلامه يقوم على باب الرجل والمرأة ويقول: أطعموني فإني

стр. 546

سليمان فيطردونه ويقولون: ما يكفيك ما أنت فيه حتى تكذب على سليمان، وسليمان جالس على كرسيه، فمر في طريقه بباب في شارع وقد أجهده الجوع والعطش والحر، فطرق ذلك الباب فخرجت له امرأة فقالت: ما حاجتك؟ فقال قد أحترقت رجلاي من شدة الحر، وأجهدني الجوع والعطش، وأريد ضيافة ساعة لأستريح، فقالت: زوجي غائب ولا يسعني أن أدخل رجلاً غريباً علي، ولكن هذا البستان لنا فادخل إليه فإن فيه ثماراً وماء فكل من ثماره وتبرد من مائه، فإذا جاء زوجي أضفناك فدخل البستان فاغتسل ووضع رأسه ونام، فآذاه الذباب، فجاءت حية سوداء فأخذت ريحانه من البستان بفيها، ثم جاءت إلى سليمان فجعلت تذب عنه الذباب، حتى جاء زوج المرأة فقصت عليه القصة، فدخل على سليمان وهو نائم، فرأى الحية تنش عنه، فدعا امرأته وقال لها: انظري إلى العجب، ثم مشيا إليه فأيقظاه وكان لهما بنت من أجمل نساء زمانهما فقال له الرجل: هذه ابنتي قد زوجتكها، فتزوجها وأقام عندهم ثلاثاً، ثم قال: لابد لي من طلب المعيشة والكسب والحرفة، لأنفق علي وعلى أهلي، فخرج من عندهم حتى وصل إلى جماعة صيادين فقال لهم: أنا أعينكم فيما أنتم فيه، واجعلوا إلى سهماً من صيدكم، وكل أحد يرزقه الله فقالوا: لا حاجة لنا فيك، فمضى إلى جماعة آخرين صيادين وعرض نفسه عليهم فقبلوه وقالوا: لك العز والكرامة فأقام معهم، وفي آخر النهار يأخذ ما حصل له من الصيد وينصرف إلى أهله، واستمر سليمان مفارقاً لملكه أربعين يوماً، فلما فرغت الأربعون وتسلط ذلك الشيطان على جميع ما يملكه سليمان إلا على نسائه حفظهم الله لسليمان، وصار يقع من ذلك الشيطان أفعال تخالف أفعال سليمان وحكمه، فأنكرت الناس عليه هذه الأفعال، وقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هذه الأفعال هي أفعال سليمان وأحكامه؟ فقالوا: لا، فلما رأي الخبيث أن الناس قد علموا بأحواله انطلق بالخاتم فألقاه في البحر، فاستقبله حوت فابتلعه فأضاء جوف ذلك الحوت من نور الخاتم، ثم ساقه الله تعالى إلى أن وقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم، فلما أمسوا قسموا السمك فطلع ذلك الحوت من قسم سليمان، فذهب به إلى أهله، فأمرهم أن يصنعوه فلما شقوا بطنه أضاء البيت نوراً من خاتمه، فدعت المرأة سليمان فأرته الخاتم، فتختم به وخر ساجداً لله وقال: إلهي لك الحمد على قديم بلائك، وحسن صنيعك إلى آل داود، إلهي أنت ابتداتهم بالنعم وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة فلك الحمد، إلهي تجود بالكثير وتلطف بالصغير، فلك الحمد على نعمائك، إذا ظهرت فلا تخفى، وإذا بطنت فلا تحصى فلك الحمد، إلهي فأتم نعمتك علي، واغفر لي ما سلف، وهب لي ملكاً لا ينبغي

стр. 547

لأحد من بعدي أي: لا ينبغي لأحد سواي، «فمن بعدي» هنا بمعنى سواي كقوله تعالى في الآية ?فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ? [الجاثية: ٢٣] أي: سوى الله. وهذا الذي ذكرناه هو معنى قوله تعالى ?وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ? أي: ابتليناه بسلب ملكه أربعين يوماً ?وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداًّ? الجسد هو ذلك الجني المسمي بصخر المارد أو غيره ?ثُمَّ أَنَابَ? [ص: ٣٤] ثم رجع إلى ملكه بعد فراغ تلك المدة، ووصل إلى الخاتم فلبسه، ولما وصل إلى الملك أمر بحمل أهل ذلك البيت الذي تزوج منهم، فوضعهم في وسط بيته، قيل: ولم يكن قارب تلك المرأة حتى رد الله تعالى عليه ملكه (١) .

стр. 548

المجلس الثاني والثلاثون في ذكر اخنلاف العلماء في حياة الخضر، وفي ذكر فضائله وفي ذكر سبب حياته، وفي ذكر حياة بعض الأنبياء غيره باب ما ذكره في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر وقوله تعالى ?هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً? [الكهف: ٦٦] قال العلماء: الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها. وسبب تلقيبه بالخضر: أن جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهز من خلفه خضراء (١) والفروة: وجه الأرض. وقيل: إنبات المجتمع اليابس. وقيل: سبب تلقيبه بذلك أنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. وكنيته: أبو العباس واسمه بنيا بن ملكان، وهذا هو المشهور. وقيل: كان اسمه إلياس، وقيل: اليسع، وسمي بذلك لأن علمه وسع ست سماوات وست أرضين، ووهاه ابن الجوزي، وقيل: عامر، وقيل: أحمد، ووهاه ابن دحية بأنه لم يسم قبل نبينا ﷺ أحد أحمد، وقيل غير ذلك. واختلفوا فيه هل كان نبيناً أو ولياً أم من الملائكة؟

стр. 549

فقيل: كان ولياً وعليه القشيري وكثير من العلماء. وقيل: كان من الملائكة، قال المارودي: وهذا القول باطل. وقيل: كان نبياً، قال البرماوي: وجزم به جمع واستدلوا على نبوته بقوله تعالى: ?وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي? [الكهف: ٨٢] أي بل بوحي من الله، والوحي لا يكون إلا للأنبياء، وبأنه أعلم من موسى ﷺ ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، فلذا ينبغي أن يعتقد كونه نبياً، لئلا يتذرع بذلك أهل الباطن في دعواهم أن الولي أفضل من النبي مع أنه لا يصل إلى درجة النبي فضلاً عن أن يكون أفضل منه حاشا وكلا. والقائلون بنبوته اختلفوا هل هو نبي مرسل أم لا على قولين، واختلفوا أيضاً في ابن من هو؟ فقيل: هو ابن آدم لصلبه رواه الضحاك عن ابن عباس. وقيل: إنه الرابع من أولاد آدم. وقيل: إنه من ولد عيص. وقيل: إنه ابن فرعون موسى، وهذا القول بعيد. وقيل غير ذلك. قال الكرماني: وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر كان في زمن إبراهيم الخليل أم بعده بقليل أم بكثير. وقال في الكشاف: إنه كان في أيام افريدون قبل موسى، وبقي إلى أيام موسى (١) . واختلف العلماء فيه أيضاً هل هو حي أم ميت؟ والذي ذهب إليه الشيخ ابن الصلاح وجمهور العلماء والصالحين إلى أنه حي. وقال الثعلبي: الخضر نبي معمر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار يعني عن أبصار أكثر الناس. وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. وقال النووي والأكثرون من العلماء: إنه موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر (٢) . فائدة: ذكر البغوي في تفسيره أن أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في الأرض وهما

стр. 550

الخضر وإلياس، واثنان في السماء وهما إدريس وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١) . أما سبب حياة الخضر ﵇ فهو أنه شرب من عين الحياة، وسبب شربه منها أن ذا القرنين كان عبداً صالحاً ملك ما بين المشرق والمغرب، وكان له خليل من الملائكة اسمه «رِيَافِيل» يأتي ذا القرنين ويزوره، فبينما هما يوماً يتحدثان قال ذو القرنين: يا ريافيل أخبرني كيف عبادتكم في السماء؟ فبكى وقال: يا ذا القرنين وما عبادتكم في الأرض عند عبادتنا في السماوات، من الملائكة من هو قائم أبداً، ومنهم الساجد لا يرفع رأسه أبداً، ومنهم الراكع لا يستوي قائما أبداً، ومنهم الواضع وجهه لا يجلس أبداً، ومنهم من يقولون: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، ربنا ما عبدناك حق عبادتك، فقال ريافيل: أو تحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فإن لله عينا في الأرض تسمى عين الحياة، فمن شرب منها شربة لن يموت حتى يكون هو الذي يسأل الموت، فقال: يا ريافيل هل تعلمون بمحل تلك العين؟ فقال: لا غير أننا نتحدث في السماء أن لله ظلمة لم يطأها أنس ولا جن، فنحن نظن أن تلك العين في الظلمة، فجمع ذو القرنين الحكماء والعلماء وسألهم عنها، وفي أي جهة هي، فقال له عالم كبير: إنها عند قرن الشمس فسار ذو القرنين يطلب مطلع الشمس إلى أن بلغ طرف الظلمة ثنتي عشر سنة، فإذا هي ظلمة ليست بليل، تثور مثل الدخان، فسلك ذو القرنين الظلمة ومعه الخضر وكان وزيره وابن خالته، وأخفى ذو القرنين عليه أمره، فوقع الخضر بالعين في واد فإذا ماء أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل الشهد، فشرب وتوضأ اغتسل ولبس ثيابه، وصلى شكر الله تعالى ، وأخفى ذلك على ذى القرنين، وجاوزها ذو القرنين واستمر ذو القرنين أربعين يوماً وليلة، حتى جاوزها إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر، وأرض حمراء ورمل، ثم رجع ولم يقع بها. وأما سبب حياة إلياس ﵇ فما روي أنه كان قد بعث إلى بني إسرائيل فرأى منهم أذىً شديد، وإنهم لا يزدادون إلا طغياناً، فسأل ربه أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا وكذا، فما جاءك من شيء فأركبه ولا تهابه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كلون النار حتى وقف بين يديه فركب عليه، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع: يا إلياس فما تأمرني، فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى وكان ذلك

стр. 551

علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به ورفع الله إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان ملكاً ارضياً سماوياً. وأما سبب حياة عيسى ورفعه إلى السماء فهو ما نقل عن كعب الأحبار: أن رجلاً يهودياً منافقاً يحب عيسى في الظاهر ولا يؤمن به، وكان اليهود قد وكلوه في قتله غيلة، وكان إذا رأى منه المعجزات يقول في الباطن كل هذا سحر، وكان عيسى بن مريم يعلم منه النفاق، فلما أتى عيسى بيت المقدس واليهودي معه طلع اليهودي إلى اليهود، وقال: أدركوا عيسى بن مريم فهو في المكان الفلاني فاقتلوه، فحول الله تعالى صورة اليهودي على صورة عيسى، فلزمه اليهود وقالوا له: أنت عيسى وأخذوه وصلبوه، وهو يستغيث ويقول: أنا فلان ابن فلان أنا عدو عيسى الذي دللتكم عليه، فقالوا: تكذب، ورفع الله عيسى إلى السماء كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ?وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً? [النساء: ١٥٧، ١٥٨] فهو حي في السماء. وقال بعض العلماء: إن عيسى لما كان في المكتب كان يقرأ لهم التوراة، ويخبر الصبيان بما في بيوتهم، وما خبأت لهم أمهاتهم، فيجيء الصبي إلى أمه فيخبرها بما أكلت، فتقول: من أعلمك بذلك؟ فيقول: عيسى، فقال الناس: هذا سحر نمنع أولادنا من المكتب وألا نسلك هذا المذهب، وكان عيسى يجيء إلى البيوت ويدعو الصبيان إلى المكتب والصبيان يختفون منه، فتقول الأمهات: ليس فلان في الدار، فيقول عيسى: بلى قد اختفى في التنور أو في المخدع أو في المسطح فيكون كما قال، وإذا قال للمرأة: ابنك في التنور فتقول: ما في التنور إلا خنزيراً فيقول عيسى: اللهم اجعله كذلك فتلحق ولدها فتجده كذلك خنزيراً، فصار في بيوتهم خمسمائه خنزير بدعائه عليهم، فعظم ذلك على بني إسرائيل وطلبوه ليقتلوه، فلما بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة كثرت أعداؤه، واشتد طلب اليهود له، ونادوه يا ساحر يا ابن الساحرة، قال: «إلهي إنك خلقتني، وإلى هؤلاء بعثتني، وبدعائهم إليك أمرتني، وأمي تلك الصالحة وقد قالوا في حقنا ما قالوا، فامسخهم خنازير» فمسخهم الله خنازير فعاشوا ثلاثة أيام وماتوا، فقصدت طائفة اليهود إلى ملك بني إسرائيل وقالوا: إن لم تقتل هذا وإلا فعل بنا كما فعل بغيرنا، فأرسل إليه رجلاً من المتمردين يقال له «مطيانوس» فقال أنا أقتله، فرفع الله عيسى.

стр. 552

قيل: إن جبريل شق له السقف فرفعه إلى السماء، وألقى شبهه على مطيانوس فقتلوه وصلبوه، فما وصل مطيانوس إلى الخشبة إلا وعيسى قد وصل إلى السماء الرابعة، وكان شبه عيسى على وجهه فقالت اليهود: هذا وجه عيسى والبدن بدن مطيانوس فأين رأسه، وهذا رأس عيسى فأين بدنه. وقيل: إن قوماً من اليهود قالوا: إنا رأينا عيسى مرتفعاً إلى السماء، وما صلبنا إلا صاحبنا، فقتلهم اليهود لما قالوا هذا القول. فائدة أخرى: قال العلامي في تفسيره في سورة مريم قال قتادة: لما رفع عيسى ﵊ إلى السماء اجتمع أربعة من فقهاء قومه فقالوا للأول ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله أهبط إلى الأرض فخلق ما خلق ثم ارتفع إلى السماء، فتبعه قوم وكذبه الثلاثة، ثم قالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله فتبعه قوم وكذبه الآخران، ثم قالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ قال هو إله وأمه إله والله إله فتبعه قوم وكذبه الرابع وقال: بل هو عبد الله ورسوله، فاختصم القوم فقال: أتعلمون أن عيسى يأكل ويشرب؟ قالوا: نعم، قال: أتعلمون أن الله لا يأكل ولا يشرب؟ قالوا: نعم، قال: أتعلمون أن عيسى ينام؟ فقالوا: نعم، أتعلمون أن الله لا ينام؟ قالوا: نعم فغلبهم الرابع ﵁. وها هنا سؤال وهو: أن يقال إن قوله تعالى: ?إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ? [آل عمران: ٥٥] يدل على أنه رفع إلى السماء بعد موته، أجاب العلماء عنه بأجوبة: الأول: أن الواو لا تفيد الترتيب، فكأنه قال: إني رافعك إلي ومتوفيك عند انقضاء أجلك، فإن اليهود لما هددوه بالقتل بشره الله بأني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، وقابضك بالوفاة لا بالقتل بأيدي اليهود. الثاني: إن معنى «متوفيك» أني متوفي نفسك بالنوم كقوله تعالى: ?اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا? [الزمر: ٤٢] ورافعك إلى السماء وأنت نائم، حتى لا يلحقك خوف بل تستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب. سؤال: فإن قيل: كم كان عمر عيسى لما رفع إلى السماء؟ جوابه: أنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. سؤال آخر: فإن قيل متى أعطاه الله النبوة؟

стр. 553

فالجواب: قال ابن عباس: أرسله الله ابن ثلاثين أي: وستة أشهر فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله. وأما سبب حياة إدريس ورفعه إلى السماء فهو ما نقل عن وهب بن منبه أنه قال: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه، فتعجب منه الملائكة، فاشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة بني آدم فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه ورددها الله إليه بعد ساعة، ثم قال له: لي إليك حاجة أخرى قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها، وإلى الجنة والنار، فأذن له في رفعه، فلما قرب من النار قال: حاجة أخرى تسأل مالك حتى يفتح لي أبوابها فأوردها ففعل، ثم قال: وكما أريتني النار فأريني الجنة، فذهب به إلى الجنة واستفتح ففتحت أبوابها فدخلها، ثم قال له ملك الموت: أخرج لتعود فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها فبعث الله إليه ملكاً حكماً بينهما، فقال له الملك: مالك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ? [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقته، وقال: ?وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا? [مريم: ٧١] وقد وردتها، وقال: ?وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ? [الحجر: ٤٨] فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت: بأذني دخل وبأمري يخرج، فهو حي هناك (١) . لطيفة أخرى: قيل يلتقي الخضر وإلياس كل سنة ببيت المقدس، ويصومان شهر رمضان، وقيل: يجتمعان على جبل عرفات. قال العلامي في تفسيره: إن الخضر وإلياس باقيان إلى يوم القيامة، فالخضر يدور في البحار يهدي من ضل فيها، وإلياس يدور الجبال يهدي من ضل فيها، وهذا دأبهما في النهار، وفي الليل يجتمعان عند سد يأجوج ومأجوج يحفظانه (٢) .

стр. 554

وعن ابن عباس قال الراوي: لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل منهما رأس صاحبه، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله» قال ابن عباس في الكلمات التي يقولهن الخضر وإلياس ﵉: «من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات أمنه الله من الغرق والحرق والسرق» قال الراوي: وأحسبه قال: «ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب» (١) . لطيفة أخرى: ذكر شيخ الإسلام ابن حجر في كتاب الإصابه في معرفة الصحابة قال: بينما الحسن جالس والناس حوله إذ أقبل رجل مخضرة عيناه فقال له الحسن: هكذا ولدتك أمك أم هي عرض؟ قال: أو ما تعرفني يا أبا سعيد؟ قال: من أنت؟ فانتسب له فلم يبق في المجلس أحد إلا عرفه، فقال له: ما قصتك؟ قال: عمدت إلى جميع مالي فألقيته في مركب، فخرجت أريد اليمن، فعصفت علينا ريح فغرقت السفينة، فخرجت إلى بعض السواحل على لوح، فعمدت أتردد نحو من أربعة أشهر آكل ما أصيب من الشجر والشعب، وأشرب من ماء العيون، ثم قلت: لأمضين على وجهي فإما أن أهلك وإما أن أنجو، فسرت فرفع لي قصر كأن بناؤه فضة فدفعت مصراعه فإذا داخله أروقة، وفي كل طاق منها صندوق من لؤلؤ، وعليها أقفال مفاتحيها رأي العين، ففتحت بعضها فخرج من جوفه رائحة طيبة، فإذا فيه رجال مدرجون في أثواب الحرير، فحركت بعضهم فإذا هو ميت في صفة حي فأطبقت الصندوق، وخرجت وغلقت باب القصر، ومضيت فإذا أنا بفارسين لم أر مثلهما جمالاً على فرسين أغرين محجلين، فسألاني عن قصتي فأخبرتهما فقالا: تقدم أمامك فإنك تصير إلى شجرة تحتها روضة، هناك شيخ حسن الهيئة يصلي فأخبره خبرك، فإنه سيرشدك إلى الطريق، فمضيت فإذا أنا بشيخ فسلمت عليه فرد علي السلام، وسألني عن قصتي فأخبرته بخبري كله، ففزع لما أخبرته بخبر القصر قلت: أطبقت الصناديق وأغلقت الأبواب، فسكت وقال لي: اجلس فمرت به سحابة فقالت: السلام عليك يا ولي الله فقال: أين تريدين؟ قالت: كذا وكذا فلم يزل تمر به سحابة بعد سحابة حتى

стр. 555

أقبلت سحابة فقال: أين تريدين فقالت: البصرة، قال: إنزلي فنزلت فصارت بين يديه، فقال: إحملي هذا حتى تؤديه إلى منزله سالماً، فلما صرت على متن السحابة قلت: اسألك بالذي أكرمك هذه الكرامة ألا ما أخبرتني عن القصر وعن الفارسين وعنك، قال: أما القصر فقد كرم الله به شهداء البحر، ووكل بهم ملائكة يلقطونهم من البحر فيصيرونهم في تلك الصناديق مدرجين في أكفان الحرير، والفارسان ملكان يغدوان ويروحان عليهم بالسلام من الله، وأما أنا فالخضر، وقد سئلت ربي أن يحشرني مع أمة نبيكم، قال الرجل: فلما صرت من السحابة أصابني من الفزع هول عظيم حتى صرت إلى ما ترى (١) . ومن فضائل الخضر: ما رواه أبو أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أحدثكم عن الخضر؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «بينما الخضر يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل إذ لقيه رجل فقير، فقال له الرجل: تتصدق علي بارك الله فيك، فإني أرى الخير في وجهك، ورجوت الخير من قبلك، فقال له الخضر: آمنت بالله، ما يقضي الله من أمر سيكون، ما معي شيء أعطيكه، قال له السائل: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، قال الخضر: آمنت بالله، ما يقضي الله من أمر سيكون، ما معي شيء أعطيكه إلا أن تأخذ بيدي وتدخلني السوق فتبيعني، فقال له الرجل: وهل يكون مثل هذا؟ قال: الحق أقول إنك سألتني بعظيم، سألتني بوجه ربي، وقد أجبتك فخذ بيدي فأدخلني السوق فبعني، فأدخله السوق فباعه بأربعمائه درهم، فلبث الخضر عند المبتاع أياماً لا يستعمله في شيء، فقال له الخضر: استعملني، فقال له: إنك شيخ كبير وأكره أن أشق عليك، قال: لا يشق علي ذلك، قال: نعم فانقل هذه الحجارة من ها هنا إلى هنا، وكانت لا ينقلها إلا ستة نفر في يوم تام، فقام ونقلها في ساعة واحدة، وأيده الله تعالى بملك من الملائكة على نقلها، فتعجب الرجل منه وقال: أحسنت، ثم عرض للرجل سفر فقال للخضر: إني أراك أميناً ناصحاً فاخلفني في أهلي، قال: نعم إن شاء الله تعالى، فاستعملني في شيء قال: أكره أن أشق عليك قال: لا يشق علي ذلك، قال: اضرب لبنا أريده لقصر لي ووصفه له، ثم خرج لسفره فلما قضى حاجته ورجع من سفره إذا هو بالخضر قد شيد بنيانه على ما أراد، فازداد منه تعجباً وقال له: من أنت؟ قال: أنا المملوك

стр. 556

الذي اشتريتني، قال: سألتك بوجه الله أن تخبرني من أنت؟ قال الخضر: إن هذا القسم أوقعني في العبودية، أما أني سأخبرك أنا الخضر، سألني سائل بوجه الله أن أعطيه فلم يكن معي شيء أعطيه، وأمكنته من نفسي حتى باعني، وبلغني أن من سأل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر على حاجته، وقف يوم القيامة بين يدي ربه وليس على وجهه لحم ولا جلد ولا عظم يتقعقع، قال: فكب الرجل عليه يقبله ويقول له: بأبي أنت وامي شققت عليك ولم أعرفك، فاحكم علي في أهلي ومالي أو تحب أن أخلي سبيلك؟ قال: بل أحب أن تخلي سبيلي فأعبد ربي، وكان الرجل كافراً فأسلم على يده وأعطاه أربعمائه دينار وخلى سبيله، فأوحى الله إليه: قد نجيتك من الرق وأسلم الكافر وأعطاك مكان كل درهم ديناراً، فلا يخسر على الله أحد» (١) . ومن فضائله: ما نقل عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كنت في غزوة فوقع فرسي ميتاً، فرأيت رجلاً حسن الوجه، طيب الرائحة قال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخرها وقال: أقسمت عليك أيتها العلة بعزة عزة الله، وبعظمة عظمة الله، وبجلال جلال الله، وبقدر قدرة الله، وبسلطان سلطان الله، وبلا إله إلا الله، وبما جري به القلم من عند الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ألا انصرفت، فوثب الفرس قائماً بإذن الله، وأخذ الرجل بركابي وقال: اركب فركبت، ولحقت بأصحابي، فلما كان من غداة غدٍ وظهرنا على العدو، فإذا هو بين أيدينا فقلت: سألتك بالله من أنت؟ فوثب قائماً فاهتزت الأرض خضراء فقال: أنا الخضر. قال عبد الله: ما قلت هذه الكلمات على مريض إلا شفاه الله تعالى. ومن فضائله: أن سليمان بن عبد الملك طلب رجلاً ليقتله فهرب منه، فكلما دخل بلد قيل له: جاءك الطلب قال: فخرجت إلى البرية فرأيت رجلاً فقال: لعل هذا الطاغي أخافك؟ قلت: نعم، قال: فما يمنعك من السبع؟ قلت: وما السبع؟ قال: قل: «سبحان الواحد الذي ليس غيره، سبحان القديم الذي لا بادئ له، سبحان الدائم الذي لا نفاد له، سبحان الذي يحي ويميت، سبحان الذي خلق ما يرى وما لا يرى،

стр. 557

سبحان الذي كل يوم هو في شأن، سبحان الذي علم كل شيء بغير تعليم» احفظها فحفظها فألقى الله في قلبي الأمن، فرجعت ودخلت على سليمان، فلما رأني قال: ادن ادن حتى أجلسني على فراشهم، قال: اسحرتني؟ فقلت: لا والله ما أنا بساحر، وأخبرته بخبر الرجل، فقال: والله الذي لا إله إلا الله أنه الخضر، قال: اكتبوا له الأمان وأعطاني مالاً كثيراً. ومن فضائله الدالة على حياته: ما نقله الثعلبي أن رسول الله ﷺ لما مات وأخذوا في جهازه، خرج الناس وخلا الموضع قال ابن عباس قال علي: لما وضعته ﷺ على المغتسل إذا بهاتف يهتف بي من زاوية البيت بأعلى صوته: لا تغسلوا محمداً فإنه طاهر مطهر، قال: فوقع في قلبي شيء من ذلك، وقلت: يا ويلك من أنت؟ فإن النبي ﷺ بهذا أمرنا وهذه سنته، وإذا بهاتف يهتف بي من زاوية البيت بأعلي صوته غسلوا محمداً، فإن الهاتف الأول كان إبليس الملعون، حسد محمداً ﷺ أن يدخل قبره مغسولاً، قال علي: جزاك الله خيراً قد أخبرتني بأن ذلك هو إبليس، من أنت؟ قال: أنا الخضر حضرت جنازة محمد ﷺ . * * *

стр. 558

المجلس الثالث والثلاثون في الكلام على باب فضل من علم وعلم، وبيان ما في حديثه من الفوائد، وفيه ذكر علماء السوء وغير ذلك قَالَ البُخَارِي: باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَء ِقَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (١) .

стр. 559

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ (١) . اشتمل إسناد هذا الحديث على لطفيتين: الأولى: أن رجاله كلهم كوفيون. الثانية: رواية بريدة عن جدة وعن أبيه. قال ابن الملقن: هذا الحديث من بديع كلامه ووجيزه وبليغه ﷺ في السبر والتقسيم، ورد الكلام بعضه على بعض، فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها في الأرض، اثنان منها محمودان قال النووي: معنى الحديث أن الأرض على ثلاثة أنواع شبه النبي ﷺ كل نوع بنوع من أنواع الأرض:

стр. 560

فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميت، ينبت الكلأ فينتفع به الناس، والدوآب بالشرب والرعي والزرع وغيرها، ومثل هذا النوع الأول من الناس وهو الذي يبلغه الهدي والعلم، فيحفظ ويحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره، فينتفع وينفع الناس. والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة هي إمساك الماء لغيرها، فينتفع به الناس والدوآب وهي لا تنتفع، ومثل هذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم، يستنبطون به المعاني والأحكام فهم يحفظون حتى يجيء أهل النفع والانتفاع فيأخذه منهم، فهؤلاء نفعوا الناس بعلمهم وما انتفعوا. النوع الثالث من الأرض: هو السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع به غيرها، ومثل هذا النوع النوع الثالث من الناس وهم الذين ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون ولا يحفظون لينفعوا غيرهم (١) . فالحاصل: أن النوع الأول للمنتفع النافع، والنوع الثاني للنافع غير المنتفع، والثالث لغير النافع والمنتفع، وأعلى هذه الأنواع النوع الأول وهو المنتفع النافع. قال الله تعالى ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً? [فصلت: ٣٣] . وقال: ?ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ? [النحل: ١٢٥] . وقال النبي ﷺ : «أفضل الناس المؤمن العالم الذي إذا احتيج إليه نفع، وإن استغني عنه أغنى نفسه» (٢) . وقال رسول الله ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا ومن فيها» (٣) . وقال: «من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أُعطي ثواب ستين صديقاً» (٤) .

стр. 561

وقال عيسى ﵊: «من علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات والأرض» (١) . وقال ﷺ : «كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعمل بها ويعلمها خير له من عبادة سنة» (٢) . وقال: «ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه» (٣) . وقال: «الدال على الخير كفاعله» (٤) . وقال عمر: «من حدث بحديث فعمل به فله مثل أجر ذلك العمل» (٥) . وروي أن سفيان الثوري قدم عسقلان فمكث أياماً ولا يسأله إنسان فقال: اكتروا لي لأخرج من هذا البلد، هذا بلد يموت فيه العلم (٦) . وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: ليس يسئلني أحد عن شيء (٧) . وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمه محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة (٨) .

стр. 562

قال حجة الإسلام الغزالي (١) : وقال معاذ بن جبل ورأيته أيضاً مرفوعاً: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والأنس في الوحشة، وهو الأنس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله تعالى به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة، وهداة يقتدى بهم، وأدلة في الخيرات تقتفى آثارهم، وترفق أفعالهم، ترغب الملائكة خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام، والعمل تابعه يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» (٢) . والنوع الثاني: وهو الذي ينفع الناس ولا ينتفع، نوع كالأرض التي تمسك الماء فقط للناس، ينتفعوا به وهي لا تنتفع نفسها، فلا تنبت الكلأ، مذموم قبيح، فإنه يقبح بالعالم أن ينفع الناس بعلمه فيعملوا به وهو لا ينتفع به ولا يعمل به، بل ينبغي أن يكون فعله موافقاً لقوله، فإذا مر بشيء عمل به، وإذا نهى عن شيء انتهى عنه قبل غيره. وقد دلت الأخبار من الكتاب والسنة على ذم من علم الناس ولم يعمل بعلمه. قال الله تعالى: ?أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ? [البقرة: ٤٤] . وقال تعالى: ?كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ? [الصف: ٣] . وقال تعالى في قصة شعيب: ?وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ? [هود: ٨٨] . وقال تعالى لعيسي بن مريم ﵊: «يا ابن مريم عظ نفسك، فإن

стр. 563

اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني» (١) . وقال ﵊: «مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله» (٢) . وقال الفضيل: بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان، وإليه أشار من قال: وعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الأوثان وقال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولم يعمل سبع مرات (٣) . وقال الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم: ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله (٤) . وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الفطر عن الصفاء (٥) . ولله در القائل: يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذا عبت منهم أموراً أنت تأتيها وكان يحيى بن معاذ ينشد في مجلس: مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى نفيها نفسه أولاً يا قوم من أظلم من واعظ ... خالف ما قد قاله في الملا أظهر بين الناس إحسان ... وبارز الرحمن لما خلا

стр. 564

وذكر ابن رجب في اللطائف أن عبد الواحد بن زيد لما جلس للوعظ أتته امرأة من الصالحات فأنشدته: يا واعظاً قام لاحتساب ... يزجر قوماً عن الذنوب تنهى وأنت المريب حقاً ... هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا ... عيبك أو تبت عن قريب كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب تنهى عن الغي والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب وقال بعضهم: العالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء، والجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة، ولم يجدها عنده. وهذا مثل قوله تعالى: ?وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ? [الأنبياء: ١٨] . ولقد أحسن من قال: وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو سقيم يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم ما زلت تلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وأنت من الرشاد عديم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما تصح به وأنت سقيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وقال ابن السماك: كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله (١) . وقال عيسى ﵇: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملت فظهر حملها فانفضحت، وكذلك من لم يعمل بعلمه يفضحه الله ﵎ يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (٢) .

стр. 565

وقال معاذ: احذروا ذلة العالم لأن قدره عند الخلق عظيم، فيتبعوه على زلته. وقال عمر- ﵁: إذ ذل العالم زل بزلته عالم من الخلق. وقال: ثلاث يهدم به الإسلام ذلة العالم إحداهن. أنشد بعضهم: وقال فساد كبير عالم متهتك ... وأكبر منه جاهل متنسك هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه ينتسك الإمام فخر الدين الرازي: إذا اشتغل العالم بجمع الحلال، صار العوام آكلين الشبهات، وإذا صار العالم آكلاً للحرام، صار العامي كافراً، فالواجب على العالم كف نفسه عن صغائر المعاصي وكبائرها حتى لا يقتدي بها، والمعصية مع العلم فوق المعصية مع الجهل من وجوه، وإذا ابتلي بمعصية فليستتر صيانة لمنصب العلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى: أيها العالم إياك الزلل ... واحذر الهفوة والخطب الجلل هفوة العالم مستعظمة ... إذ بها أصبح في الخلق مثل وعلى زلته عمدتهم فبها ... يحتج من أخطأ وزل لا تقل يستر علمي زلتي ... بل بها يحصل في العلم الخلل أن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند الله والناس جبل وقال رسول الله ﷺ : «من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً» (١) . وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه» (٢) . وقال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج الذي يضئ ويحرق نفسه» (٣) .
следующие страницы →