← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال عيسى ﵊: «من علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات والأرض» (١) . وقال ﷺ : «كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعمل بها ويعلمها خير له من عبادة سنة» (٢) . وقال: «ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه» (٣) . وقال: «الدال على الخير كفاعله» (٤) . وقال عمر: «من حدث بحديث فعمل به فله مثل أجر ذلك العمل» (٥) . وروي أن سفيان الثوري قدم عسقلان فمكث أياماً ولا يسأله إنسان فقال: اكتروا لي لأخرج من هذا البلد، هذا بلد يموت فيه العلم (٦) . وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: ليس يسئلني أحد عن شيء (٧) . وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمه محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة (٨) .

стр. 562

قال حجة الإسلام الغزالي (١) : وقال معاذ بن جبل ورأيته أيضاً مرفوعاً: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والأنس في الوحشة، وهو الأنس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله تعالى به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة، وهداة يقتدى بهم، وأدلة في الخيرات تقتفى آثارهم، وترفق أفعالهم، ترغب الملائكة خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام، والعمل تابعه يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» (٢) . والنوع الثاني: وهو الذي ينفع الناس ولا ينتفع، نوع كالأرض التي تمسك الماء فقط للناس، ينتفعوا به وهي لا تنتفع نفسها، فلا تنبت الكلأ، مذموم قبيح، فإنه يقبح بالعالم أن ينفع الناس بعلمه فيعملوا به وهو لا ينتفع به ولا يعمل به، بل ينبغي أن يكون فعله موافقاً لقوله، فإذا مر بشيء عمل به، وإذا نهى عن شيء انتهى عنه قبل غيره. وقد دلت الأخبار من الكتاب والسنة على ذم من علم الناس ولم يعمل بعلمه. قال الله تعالى: ?أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ? [البقرة: ٤٤] . وقال تعالى: ?كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ? [الصف: ٣] . وقال تعالى في قصة شعيب: ?وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ? [هود: ٨٨] . وقال تعالى لعيسي بن مريم ﵊: «يا ابن مريم عظ نفسك، فإن

стр. 563

اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني» (١) . وقال ﵊: «مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله» (٢) . وقال الفضيل: بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان، وإليه أشار من قال: وعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الأوثان وقال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولم يعمل سبع مرات (٣) . وقال الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم: ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله (٤) . وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الفطر عن الصفاء (٥) . ولله در القائل: يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذا عبت منهم أموراً أنت تأتيها وكان يحيى بن معاذ ينشد في مجلس: مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى نفيها نفسه أولاً يا قوم من أظلم من واعظ ... خالف ما قد قاله في الملا أظهر بين الناس إحسان ... وبارز الرحمن لما خلا

стр. 564

وذكر ابن رجب في اللطائف أن عبد الواحد بن زيد لما جلس للوعظ أتته امرأة من الصالحات فأنشدته: يا واعظاً قام لاحتساب ... يزجر قوماً عن الذنوب تنهى وأنت المريب حقاً ... هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا ... عيبك أو تبت عن قريب كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب تنهى عن الغي والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب وقال بعضهم: العالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء، والجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة، ولم يجدها عنده. وهذا مثل قوله تعالى: ?وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ? [الأنبياء: ١٨] . ولقد أحسن من قال: وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو سقيم يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم ما زلت تلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وأنت من الرشاد عديم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما تصح به وأنت سقيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وقال ابن السماك: كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله (١) . وقال عيسى ﵇: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملت فظهر حملها فانفضحت، وكذلك من لم يعمل بعلمه يفضحه الله ﵎ يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (٢) .

стр. 565

وقال معاذ: احذروا ذلة العالم لأن قدره عند الخلق عظيم، فيتبعوه على زلته. وقال عمر- ﵁: إذ ذل العالم زل بزلته عالم من الخلق. وقال: ثلاث يهدم به الإسلام ذلة العالم إحداهن. أنشد بعضهم: وقال فساد كبير عالم متهتك ... وأكبر منه جاهل متنسك هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه ينتسك الإمام فخر الدين الرازي: إذا اشتغل العالم بجمع الحلال، صار العوام آكلين الشبهات، وإذا صار العالم آكلاً للحرام، صار العامي كافراً، فالواجب على العالم كف نفسه عن صغائر المعاصي وكبائرها حتى لا يقتدي بها، والمعصية مع العلم فوق المعصية مع الجهل من وجوه، وإذا ابتلي بمعصية فليستتر صيانة لمنصب العلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى: أيها العالم إياك الزلل ... واحذر الهفوة والخطب الجلل هفوة العالم مستعظمة ... إذ بها أصبح في الخلق مثل وعلى زلته عمدتهم فبها ... يحتج من أخطأ وزل لا تقل يستر علمي زلتي ... بل بها يحصل في العلم الخلل أن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند الله والناس جبل وقال رسول الله ﷺ : «من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً» (١) . وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه» (٢) . وقال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج الذي يضئ ويحرق نفسه» (٣) .

стр. 566

ولله در أبي العتاهية (١) حيث قال: وبخت غيرك بالعمى فأفدته ... بصراً وأنت مختم لعيناكا وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضيء للأعشى وأنت كذاكا وقال علي ﵁: «يا حملة القرآن اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً، يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله» (٢) . وقال بعض العلماء: رأيت في منامي كأني جالس بالعلم على عادتي وحولي كتبي، وإذا بخطاب فوق رأسي وقائل يقول لي: اكتب فأخذت القلم وورقة وقلت: ما الذي أكتب؟ فقال: اكتب: تعلم ما استطعت لقصد وجهي ... فإن العلم من سفن النجاة وليس العلم في الدنيا بفخر ... إذا ما حل في غير الثقات ومن طلب العلوم لغير وجهي ... بعيد أن تراه من الهداة قال الأئمة: من وجد لذة العلم والعمل به قل ما يرغب فيما عند الناس. وأنشدوا فيه فقال: من طلب العلم للمعاد ... قد فاز بالفضل والمراد وباء بالذل من نحاه ... لنيل فضل من العباد قال إمامنا الشافعي ﵁: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم -يعني علمه وكتبه- على أن لا ينسب إلي حرف منه (٣) . قال الرازي في تفسيره: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على خطر، وقول بلا فعل كالهدر، والمروءة بلا تواضع كشجرة بلا ثمر، وعلم بلا عمل كسحب بلا مطر. قال الأصم: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علماً فعلموا به ولم

стр. 567

يعمل هو به (١) . فائدة مناسبة لهذا: حكى أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه روضة المشتاق إلى الملك الخلاق عن بعض السادة أنه قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة رجل ملك عبداً فعلمه شرائع الإسلام فأطاع وأحسن وعصى السيد، فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة وأمر بسيده إلى النار، فيقول عند ذلك: واحسرتاه واغبناه، أما هذا عبدي، أما كنت مالكاً لمهجته وماله، وقادراً على جميع ماله، فماله سعد، ومالي شقيت، فيناديه الملك الموكل: لأنه تأدب وما تأدبت، وأحسن وأسأت. ورجل كسب مالاً فعصى الله في جمعه ومنعه، ولم يقدمه بين يديه حتى صار المال إلى وراثه، فأحسن في أنفاقه وأطاع الله سبحانه في إخراجه، وقدمه بين يديه، فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة وبصاحب المال إلى النار، فيقول: واحسرتاه واغبناه أما هذا مالي، فمالي ما أحسنت به أحوالي، فيناديه الملك الموكل به: لأنه أطاع الله تعالى وما أطعت، وأنفق لوجهه وما أنفقت، فسعد وشقيت. ورجل علم قوماً فوعظهم فعملوا بقوله ولم يعمل، فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة وأمر به إلى النار، فيقول: واحسرتاه واغبناه أما هذا علمي فمالهم فازوا به وما فزت، وسلموا به وما سلمت، فيناديه الملك الموكل: لأنهم عملوا بما قلت وما عملت، فسعدوا وشقيت. فائدة أخرى: تقدم بعض الصالحين ليصلي بالناس إماماً فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف، وقال لهم: استقيموا واستووا فغشي عليه، فسئل عن سبب ذلك فقال: لما قلت لهم استقيموا فكرت في نفسي فقلت لها: فأنت هل استقمت مع الله طرفة عين. فائدة أخرى: ما ينبغي للإنسان ولو كان عاصياً أن يمتنع أن يعظ الناس بعد الرسول، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فإنه لو لم يعظ الناس ويعلمهم إلا معصوم من الزلل لم يعظ الناس بعد الرسول ﷺ أحد، لأنه لا عصمة لأحد بعده. وقيل للحسن: إن فلاناً لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول مالا أفعل فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحداً بمعروف ولم ينيه عن منكر، وقل من سلم من المعصية، من ذا الذي ما سآء قط، ومن له الحسنى قط فلا ينبغي لذلك سد باب الوعظ والتذكير. قال ذلك ابن رجب في أول اللطائف.

стр. 568

وأما النوع الثالث: وهم الذين لا علم عندهم ولا عمل، لا ينفعون ولا ينتفعون، فهم أشقى الخلق، لأنهم لم يقبلوا هدى الله، ولم يرفعوا به رأساً، لا حفظ عندهم ولا فهم، ولا رواية ولا دراية، ولا رعاية إنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فهذه الطائفة هم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ليس همُّ أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همة مع ذلك لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همة في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في رياسته والانتصار للنفس الغضبية. فينبغي للعاقل أن يجمع بين العلم والعمل به فإن لم يقدر على ذلك فليكن عاملاً بما تعلمه منهم فإن لم يفعل ذلك كان من أشر الناس، ويكفي من لا علم ولا عمل ذماً أن يحرم درجة العلماء وعزهم وشرفهم، ودرجة العاملين بقول العلماء والمقتدين بهم، فإن الإنسان ولو بلغ في العز في الدنيا مهما بلغ إذا لم يكن عنده علم ولا عمل فهو حقير عند الله، وينتهى عزه إلى ذل. قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك (١) . وقال الأحنف: كاد العلماء يكونون أرباباً، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره (٢) . وقال سالم بن أبي الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائه درهم واعتقني، فقلت: بأي حرفة أحترف، فاحترفت بالعلم فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً، فلم آذن له (٣) . قال الزبير ابن أبي بكر: كتب لي أبي بالعراق عليك: بالعلم إن كنت فقيراً كان لك مالاً، وإن استغنيت كان جمالاً (٤) . وقال الزهري: العلم ذكر ولا يحبه إلا ذكور الرجال (٥) . وبقي نوع آخر من الناس وهو لم يذكره هنا وهم: الذين يتعلمون العلم ويكتمون

стр. 569

عن الناس، فهم ينفعون أنفسهم به ولا يعلمون الناس بخلاً، فهذا النوع من الناس أيضاً مذموم قبيح، فإن العلم فضل الله، ويحرم عليه أن يبخل بفضل الله على مستحقيه، ولله در القائل: ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستعن عنه ويذمم قال تعالى: ?وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ? [آل عمران: ١٨٧] . وقال تعالى: ?وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ? [البقرة: ١٤٦] . وقال ﷺ : «ما أتى الله عالماً علماً إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين، أن يبينه ولا يكتمه» (١) . وقال: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (٢) . ولو كتم العلم عمن لا يستحقه ككثير من الجهال الذين لا ينتفعون بالعلم ولا يلتفتون إلى العمل به أو يخاف عليهم من الفتنة بما يتعلمه فلا إثم عليه حينئذ في كتمه. قال إمامنا الشافعي: ومن منح الجهال علماً أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم وكاتم علم الدين عمن يريده ... يبوء بإثم زاد وآثم إذا كتم وقال بعضهم ونسب إلى زين العابدين: إني لأخفي من علمي جواهره ... كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتننا ورب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجلاً دينون دمى ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا

стр. 570

وقد تقدم في هذا أبو حسن ... وأوصى حسينا بما قد أخبر الحسنا والمراد بالمثل قوله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم» الصفة العجيبة الشأن لا القول السائر. وقوله: «الهدى» الدلالة الموصلة إلى البغية. «والعلم» المراد به معرفة الأدلة الشرعية. وقوله: «كمثل الغيت الكثير» وهو المطر، وسمى المطر «غيثاً» لإغاثة الخلق. فائدة: اختلف العلماء في الغيث الربيعي والغيث الشتوي أيهما ألطف على قولين، فقيل: الشتوي ألطف، لأن حرارة الشمس تكون حينئذ أقل، فلا تجذب من ماء البحر إلا الطفه، والجو صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية، والغبار المخالط للماء، وكل هذا يوجب لطفه وصفائه وخلوه من مخالط. وقيل: الربيعي ألطف، لأن الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقة الهواء ولطافته، فيخف بذلك الماء، وتقل أجزاؤه الأرضية وتصادف وقت حياة النبات والأشجار وطيب الهواء. ووجه المشابهة بين العلم والغيث أن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت، وإنما اختار الغيث من بين سائر المطر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق حينئذ إليه ﷺ كاضطرارهم إلى المطر. قال الله تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ? [الشورى: ٢٨] . وقد كانت الناس قبل بعثته ﷺ في جهل وضلال، امتحنوا بموت القلب حتى أصابهم الله برحمة من عنده، وأغاثهم به ﷺ فأرسله إليهم رحمة. قال تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? [الأنبياء: ١٠٧] أي: لجميع الخلق: للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب، فهداهم وزال ضلالهم، وعلم جاهلهم، وقوَّم مائلهم، وأحيا قلوبهم الميتة به، كما أحيا الأرض الميتة بالغيث المرسل إليها، وهذا يدل على شرفه وعلو قدره ﷺ وعظيم قدره عند الله. ويدل أيضاً على علو قدره ﷺ أنه كان في حياته ﷺ يستأذن رب العزة سبعون ألف ملك لينزلوا إلى الأرض لرؤيته، فكانوا ينزلون وينظرون إليه لما يعلمون من كرامته على الله . * * *

стр. 571

باب رفع العلم وظهور الجهل قَالَ البُخَارِي: وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه (١) . هذا تعليق من البخاري بصيغة الجزم الدالة على أنه من تصحيحات التعلقيات، لا من تمريضاته ومعناه: لا ينبغي لمن عنده شيء من العلم ولو كان قليلاً أن يضيع نفسه، بأن لا يفيد الناس ولا يسعى في تعليم الخير. وفيه دليل على أنه يندب للإنسان إذا كان في البلد مثله في العلم أن يقضي بين الناس إذ علم أنه يزول خموله وينتشر علمه بذلك. حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» (٢) . قوله: «إن من أشراط الساعة» أي: من علاماتها، فإن الأشراط جمع شرط بفتح الشين، والراء، وهي العلامة.

стр. 572

وقوله: «أن يرفع العلم» ليس المراد برفع العلم محوه من صدور الحفاظ وقلوب العلماء، فإن الله لا يهب العلم لخلقه ثم ينتزعه منهم، بعد أن تفضل عليهم به تعالى الله أن يسترجع ما وهب من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون قبض العلم بموت العلماء وعدم المتعلمين، فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى، وقد أنذر ﵊ بقبض الخير كله، ولا ينطق عن الهوى. والذي يدل على أن المراد برفع العلم موت العلماء ما يأتي في هذا الصحيح أنه ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتنخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) . وقد جاءت أخبار من الكتاب والسنة وغيرها أن موت العلماء نقص في الدين، وعلامة لحلول البلاء المبين. قال الله تعالى: ?أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا? [الرعد: ٤١] قال عطاء وجماعة: نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء (٢) . وقال ابن مسعود ﵁: «موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، ما اختلف الليل والنهار» (٣) .

стр. 573

وقال أيضاً: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله» (١) . وقال عمر ﵁: «موت ألف عابد صائم النهار قائم الليل أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه» (٢) . وقال علي ﵁: «إن مات العالم ثلم ثلمة في الإسلام ولا يسدها إلا خلف منه» (٣) . وقال: «إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد» . وقال سلمان: «لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يعلم الآخر، فإذا أهلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس» (٤) . وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: «هلاك علمائهم» (٥) . قال علي بن موسى: «أعظم الرزايا موت العلماء» . وقوله: «ويشرب الخمر» قال العلماء: شرب الخمر من الكبائر، سماها الله تعالى في كتابه الإثم. قال تعالى: ?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ? [الأعراف: ٣٣] . قال الحسن: الإثم هو الخمر. ويدل على إطلاق الإثم عليها قول لبيد: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول وإذا شربها في الدنيا ومات من غير توبة فإنه لا يشربها في الآخرة، مع أنها أطيب شراب الآخرة، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ «كل مسكر حرام، وكل خمر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة، وإذا شربها في الدنيا ومات من غير توبة أسقي

стр. 574

من عرق أهل النار» (١) . وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار» أو قال: «عصارة أهل النار» (٢) . قال البغوي: جاء في الحديث: «أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة الفردوس بيده ثم قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث» (٣) . فإن قيل: شرب الخمر كيف يكون من علاماتها والحال كان واقعاً في جميع الأزمان، وحذر ﷺ من شربه؟ وأجيب: بأن المراد بشرب الخمر الذي هو من علامات الساعة أن تشرب شرباً فاشياً، كما جاء في رواية: «ويكثر شرب الخمر» ، أو المراد: أن الشرب وحده ليس علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة. وقوله: «ويظهر الزنا» أي: يفشو وينتشر. قال ابن الملقن: والزنا يمد ويقصر، والأولى لغة نجد، والثانية لغة أهل الحجاز. فائدة: ذكر في هذا الحديث من علامات الساعة أربعة وجاء في غيره من الأحاديث علامات أخرى كثيرة: كإطالة البنيان، وزخرفة المساجد، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

стр. 575

وإن رضوا رضوا لأنفسهم وإن غضبوا غضبوا لأنفسهم، لا يغضبون لله ولا يرضون لله. قال رسول الله ﷺ : «من علامات الساعة أربعة أشياء: كثرة المطر وقلة النبات، وكثرة القراء وقلة العلماء» أفاده ابن الجوزي. ومن علاماتها إنكار الحق، قال علي ﵁: «يأتي على الناس زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم» (١) . ولها علامات أخرى غير ذلك وهذه العلامات هي العلامات الصغار، والحكمة في إظهارها وإيجادها قبل الساعة تنبيه الناس على رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، فينبغي للناس بعد ظهورها أن يطهروا أنفسهم، وينفطموا عن الدنيا، ويستعدوا للساعة الموعود بها. وقد وقعت هذه العلامات في هذه الأزمان كما أخبر ﷺ وتحقق بهذا الحديث معجزة النبي ﷺ وصدقه في كل ما أخبر به ﷺ . وأما العلامات الكبار: كخروج الدجال ويأجوج ومأجوج والدابة وغير ذلك، فإنها لا تظهر إلا قرب الساعة أو مصاحبة لها. فائدة أخرى: ظهور اللواط وانتشاره بين الناس كظهور الزنا في أنه من علامات الساعة. قال ابن الجوزي في كتابه سوق العروس: روى ابن ماجة عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط» (٢) . وقال رسول الله ﷺ : «لعن الله عمل عمل قوم لوط» (٣) . وقال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه الفاعل

стр. 576

والمفعول به» (١) . وقد اختلف العلماء في حكم من عمل عمل قوم لوط. فقال الإمام مالك كما نقله القرطبي عنه: يرجم سواء كان محصناً أو غير محصن، قال: وكذا يرجم المفعول به إذا كان محلتماً (٢) . وقال أبو حنيفة: يعذر المحصن وغيره (٣) . وقال الشافعي: يجد حد الزنا إن كان غير محصن، ويرجم إن كان محصناً (٤) . وقال ابن عباس: ينظر إلى أعلى بناء بالقرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة (٥) . وقيل: يحرق بالنار. قال العلامة ابن القيم ﵀: ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق ﵁ بذلك فاستشار الصحابة ﵃ فكان علي أشدهم قولاً فيه فقال: ما فعل هذا إلا فعل أمة من الأمم، وقد علمتهم ما فعل الله بهم، أرى أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فحرقه (٦) . وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت، وهرب الشيطان خوفاً من اللعنة أن تصيبه. وأول من أظهر هذه الفاحشة للناس قوم لوط كما أشار الله إلى ذلك بقوله العزيز ?وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ

стр. 577

العَالَمِينَ? [الأعراف: ٨٠] . وقال تعالى: ?أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ? [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦] . وكان فعلهم بهذه الفاحشة بتعليم إبليس لعنة الله. وقال الحسن: لا ينكحون إلا الغرباء وكانت الغرباء يقصدون بلادهم لأنها كانت مخصبة. وقيل: إن إبليس تمثل لهم في صورة شاب ثم دعاهم إلى دبره فنكح في دبره، فتعلموا منه واستمروا على هذه الفاحشة، فإبليس أول عمل هذه الفاحشة، فإنهم كانوا يدخرون الغلة ويطلبون بها الغلاء، فإذا عز الطعام قصد الناس إليهم من أطراف الدنيا فقال لهم إبليس لعنة الله: إني حكيم بأحوال السنين القادمة وسيكون فيها الغلاء الشديد، ولا تنبت الأرض لكم حب الحصيد، فاحفظوا ما عندكم، وامتنعوا من بيع غلتكم إن أردتم سلامة أنفسكم وأهليكم، فإذا انقضت المدة أعلمتكم وأمرتكم بالبيع فيحصل لكم الطعام الجزيل بالطعام القليل، فاقطعوا عنكم الغرباء وامنعوهم البيع والشراء، وإنهم لا ينقطعون حتى تفعلوا ما أقول لكم، كل غريب يأتي أرضكم فلوطوا به، شيخاً كان أو صبياً، سمحاً أو سرياً، ففعلوا ذلك بكل من يجئ، فلم يبق منهم أحد إلا وفعل ذلك. فلهذا قيل: كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مر عابر سبيل حذفوه بالحصى فأيهم أصابه كان أولى به، فيأخذ ما معه ويغرمه ثلاثة دراهم وينكحه، ولهم قاض بذلك. هذا هو المنكر الذي نبه الله أنهم كانوا يفعلون بقوله جل ذكره: ?وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ? [العنكبوت: ٢٩] . وقيل: المنكر الذي كانوا يفعلون أنهم كانوا يسخرون بأهل الطريق. وقيل: المنكر أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقيل: المنكر أنهم كانوا يبصق بعضهم على بعض. وقيل: المنكر أنه كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم. وكان لوطا ﵇ يدعوهم فلا يجيبون، ويعظهم فلا يرجعون ولا يتعظون، ويزجرهم فلا ينزجرون، وكان إبراهيم الخليل يزور لوطاً في كل عام، ويحذرهم الله وهم مصرون على معصيته، ثم نزلت الملائكة على إبراهيم فقال: ?قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ

стр. 578

أَيُّهَا المُرْسَلُونَ? [الذاريات ٣١] يعني: في ماذا جئتم؟ ?قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ? [الذاريات ٣٢، ٣٣] . فصار إبراهيم يجادل الملائكة من شفقته على العباد ويرجو صلاحهم قبل الهلاك، حتى قالت الملائكة: أتجادلنا في قوم لوط، وكان جدالة لهم أنه قال لهم: لو كان في البلد مائة مؤمن أكنتم تعاقبوهم؟ قالوا: لا. قال: فخمسون؟ قالوا: لا. فخمسة؟ قالوا: لا ?قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ? [العنكبوت ٣٢] ثم مضت الملائكة إلى لوط وقالوا له: نحن ضيوفك وما عرف أنهم ملائكة وما قدر أن يرد الضيف، بل بقي محزوناً خائفاً عليهم من قومه، لعلمه بعادتهم وفسادهم، فإنهم دخلوا على لوط في صورة حسنة فقال لهم لوط: إن أهل البلد مفسدون، وكان الله تعالى قد أمر جبريل والملائكة أن لا يعذبوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط بالفساد ثلاث مرات، فلما قال: إنهم مفسدون قال جبريل: هذه شهادة فلما أمسى قال لوط: إن هؤلاء القوم مفسدون قال جبريل: هذه شهادة ثانية فكرر لوط القول، وكانت امرأته منافقة فذهبت إلى البلد وأخبرتهم وقالت لهم: إن عند لوط مرد لهم وجوه حسان، وأخبر أهل البلد بعضهم بعضاً فجاءوا إلى دار لوط وقالوا: ?أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العَالَمِينَ? [الحجر: ٧٠] معناه: أما قلنا لك لا تضف أحداً، فقال لهم: هؤلاء بناتي إن أردتم زوجتكم بهن واتركوا الفاحشة ولا تفضحوني في ضيفي فقالوا كلهم: لنا نساء ولا نريد إلا الضيوف، فقال لهم: ليس لي دار مانعة ولا حصن حصين، وجعل يتضرع فلم ينفع، فدخل الملائكة بيتاً وأغلقوا عليهم باباً فما قدروا أن يدخلوا على الملائكة، حتى كسروا الباب فضرب جبريل بجناحه وجوههم فعميت عيونهم، فقالوا: غداً نريك ما نعمل يا لوط، هذا سحر منك يا لوط، قد أعميت أبصارنا وضاق صدر لوط لذلك فقال له جبريل: إنا رسل ربك قال لهم لوط: هم كثيرون وأنا وحدي، فقال جبريل: إني لأجل هلاكهم قد جئت إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، فلما مضى من الليل ثلثه قال جبريل: يا لوط خذ الأهبة للخروج فقد وجب العذاب، فقال لوط: إن لي صهراً وله حق على فأريد أن أعرفه ذلك فقال: الأمر لك، فلما أخبر لوط صهره قال له: أسوة بالقوم إن هلكوا هلكت، فلما قرب الوقت أشار جبريل إلى سور البلد فانفتح فيه باب وخرج لوط وأهله، وقال له جبريل: لا يلتفت منكم أحد إلى ورائه، ثم أهلكهم الله بالحجارة أمطر عليهم حجارة من السماء بعد أن قلب ديارهم وأدخل جناحه تحت قرى قوم لوط وهي خمس

стр. 579

مدائن، وكان فيها أربعمائه ألف إنسان، وقيل: أربعة آلاف ألف، فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونبيح الكلاب، ولم يكفأ لهم إناء، ولم ينتبه نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأمطر الله بعد ذلك عليهم حجارة أي: على المسافرين منهم أينما كانوا في البلاد وكانت هذه الحجارة من سجيل أي: طين مطبوخ، وكانت صلبة وكان مكتوباً عليها اسم من يرمي بها كما قال تعالى: ?مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ? أي: معلمة باسم صاحبها، قيل: دخل رجل منهم الحرم قبل وصول الحجر إليه، فكان ذلك الحجر الذي أرسل إليه معلقاً في السماء أربعين يوماً حتى خرج من الحرم فأصابه فأهلكه، قال: ?وَمَا هِيَ? أي: عقوبتهم ?مِنَ الظَّالِمِينَ? أي: العاملين بعملهم ?بِبَعِيدٍ? [هود: ٨٣] . قال ﵊: «لا تذهب الأيام ولا الليالي حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال، كما استحلوا فروج النساء، فتصيب طوائف منهم حجارة من عند ربك» . قال في نزهة المجالس جاء في الحديث: «أنه يؤتى يوم القيامة بأطفال ليس بهم رؤوس فيقول الله تعالى: من أنتم؟ فيقولون: نحن المظلومون، فيقول: من ظلمكم؟ فيقولون: آباؤنا كانوا يأتون الذكران من العالمين فألقوا في الأدبار، فيقول الله تعالى: سوقوهم إلى النار واكتبوا على وجوههم آيسين من رحمة الله» (١) . ومن هذا القبيل سحاق النساء زنا بينهن. وروي أن سليمان ﵇ قال لإبليس: أي الأعمال أحب إليك، وأبغض إلى الله؟ قال: لولا منزلتك عند الله ما أخبرتك، إني لست أعلم شيئاً أحب إلىَّ وأبغض إلى الله من استغناء الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، وأول من علم النساء السحاق بنت إبليس وتسمى الدلهان، رأت الرجال قد استغنوا بالرجال فجاءت إلى النساء في صورة امرأة وشهت إليهن ركوب بعضهن على بعضهن وعلمتهن كيف يصنعن قاله الثعلبي. قال المتولي من الشافعية: إذا كانت المرأة تميل إلى النساء، وخافت من النظر إلى وجه المرأة وكفيها الفتنة لم يجز لها النظر كما في الرجل مع الرجل. قال الأذرعي: وهذا مما يبتلى به ذوات السحاق.

стр. 580

فائدة: إتيان البهيمة حرام لكن هل يوجب الحد أم يعزر اختلف العلماء في ذلك. قال ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه الداء والدواء: اختلف العلماء فيمن أتى بهيمة قيل: يعزر وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وقيل: حكمه حكم الزاني وهو قول الحسن، وقيل: حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد، فيخرج على الروايتين عنه في حده هل هو القتل حتماً أو هو كالزاني؟ ويشكل على قول الشافعي وغيره أنه يعزر فقط من غير قتل ولا حد ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة والحاكم (١) . ويدل على تحريم إتيان البهيمة أيضاً ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول: ادخلوا مع الداخلين، الفاعل والمفعول به، والناكح يده، والناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه الناس» (٢) . دل الحديث على تحريم إتيان البهيمة وتحريم الاستمناء باليد، وتحريم بقية السبعة. وإخراج المني باليد حرام في الكتاب والسنة قال الله تعالى: ?َالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ? [المؤمنون: ٥، ٦، ٧] أي: الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام. قال البغوي: في الآية دليل أن الاستمناء باليد حرام، وهو قول العلماء (٣) . قال ابن جريج: سئلت عطاء عنه فقال: «بلغني عن رسول الله ﷺ : أن قوماً يحشرون وأيديهم حبالى» وأظنهم هؤلاء (٤) .

стр. 581

وعن سعيد بن جبير: عذب الله أمة كانوا يعثبون بمذاكيرهم (١) . والواجب على فاعله التعذير كما قاله ابن الملقن وغيره، نعم عند أبي حنيفة وأحمد إذا خاف على نفسه العنت نقله في الحلية عنهما ثم قال: وله وجه عندي، ويباح الاستمناء بيد زوجته أو جاريته، لكن قال القاضي حسين: مع الكراهة لأنه في معنى العزل. * * *

стр. 582

المجلس الرابع والثلاثون في الكلام على حديث: «لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي» وفيه ذكر شيء من فضل سيدنا علي ﵁ قَالَ البُخَارِي: باب إثم من كذب على النبي ﷺ «حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِىَّ بْنَ حِرَاشٍ ... » وربعي بن حراش تابعي ثقة كوفي عابد ورع، وكان أعور، ويقال: من فضائله أنه لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب كذبة قط، لو أرسلت إليه وسألته عنهما فأرسل إليه عنهما فقال: أين ابناك؟ فقال: هما في البيت. قال: قد عفونا عنهما بصدقك. ومن فضائله: أنه حلف لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة والنار، فما ضحك إلا بعد الموت. وكان له أخوان أحدهما يقال له: مسعود، وهو الذي تكلم بعد الموت، والآخر ربيع وهو أيضاً: حلف أن لا يضحك حتى يعرف أهو في الجنة أم النار، فقال غاسله: إنه لم يزل بعد موته مبتسماً على سريره حتى فرغنا. قال ابن المديني: لم يرو عن أخيه مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت. وربعي: منسوب إلى الربيع، أدرك علياً وحدث عنه، وكانت وفاته في خلافة عمر بن عبد العزيز. «قال سمعت ربعي بن حراش يقول: سمعت علياً ﵁» هذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يجتمع مع رسول الله ﵁ في عبد المطلب الجد الأدنى، ينسب إلى هاشم فيقال: القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ وكان ابن عم رسول الله لأبويه، ولم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام علياً، ويكني أبا الحسن وأبا تراب كناه رسول الله ﷺ وكان أحب أسمائه إليه. وما نقله في الفصول المهمة لبعض المالكية من أن سيدنا علي بن أبي طالب ولدته أمة في جوف الكعبة، فهو ضعيف عند العلماء كما نقله النووي ولم يولد في جوف الكعبة سوى حكيم بن حزام دخلت أمة الكعبة وهي حامل، فضربها المخاض، فأتيت بنطع فولدته في الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره.

стр. 583

وأمه اسمها: فاطمة بنت أسد أسلمت وهاجرت، وهي أول هاشمية وضعت هاشمياً، ماتت في حياة النبي ﷺ ونزل في قبرها وتمعك فيه. فقد روى عمر بن شبة في كتاب المدينة قال: بينما هو ﷺ في أصحابه أتاه آت فقال: إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت، فقال: «قوموا بنا إلى أمي» قال: فقمنا كأن على رؤوسنا الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه وقال «إذا كفنتموها فأشعروه إياها تحت أكفانها» فلما خرجوا إلى القبر جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل ومرة يتقدم ومرة يتأخر، حتى انتهينا إلى القبر فتمعك اللحد، ثم خرج فقال: «ادخلوها بسم الله وعلى اسم الله» فلما دفنوها قام قائما وقال: «جزاك الله من أم ومن مربيه خيراً» وسألناه عن نزع قميصه وتمعكه في اللحد فقال: «أردت أن لا تمسها النار إن شاء الله تعالى، وأن يوسع الله عليها قبرها» وقال: «ما أعفي أحد من ضغطه القبر إلا فاطمة بنت أسد» قيل: يا رسول الله ولا القاسم ابنك؟ قال: «ولا إبراهيم» (١) . وجاء في رواية عن أنس أنه قال لما ماتت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعنها، دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: «رحمك الله كنت بأبي وأمي بعد أمي تجوعين وتشبعين، وتعرين وتكسين، وتمنعي نفسك طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» ثم أمر أن تغسل ثلاثاً فلما أتى الماء الذي فيه الكافور سكبه النبي ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه وألبسها إياه وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب ﵃ وغلاماً أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: «الحمد لله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت، اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي إنك أنت ارحم الراحمين» وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق ﵃ (٢) .

стр. 584

ودفنت بالبقيع وعليها قبة عظيمة بقرب سيدنا عثمان، وسنذكر في كتاب الجنائز حكمة عصر القبر للآدمي، وفوائد متعلقة بذلك إن شاء الله تعالى. ومن فضائل علي ﵁: أنه أول من أسلم على قول، وقيل: أول أسلم أبو بكر، وقيل: خديجة، وقيل: زيد بن حارثة، وقيل: بلال. قال العراقي: والصواب التفصيل، وهو أن يقال: أول من أسلم من الرجال: أبو بكر. ومن النساء: خديجة. ومن الصبيان: على. ومن العبيد: بلال. ومن الموالي: زيد بن حارثه. واختلف في عمره لما أسلم فقيل: كان عمره سبع سنين، وقيل: تسعة، وقيل: عشر، وقيل غير ذلك. وكان يقول: سبقتكم إلى الإسلام طراً صغيراً ما بلغت أوان حلمي (١) . وقد بعث رسول الله ﷺ يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء قاله الطبري (٢) . ومن فضائله: أنه أول من صلى مع رسول الله ﷺ قال المحب الطبري: قال علي: «صليت قبل أن يصلي الناس بسبع سنين» (٣) . وفي رواية: «صليت مع رسول الله ﷺ ثلاث سنين قبل أن يصلي معنا أحد من الناس» (٤) أخرجه أحمد. وجاء في حديث عنه ﷺ أنه قال: «لقد صلت الملائكة عليَّ وعلى علي لأنا كنا

стр. 585

نصلي وليس يصلي معنا أحد» (١) . ويروى أن أبا طالب قال لعلي لما رآه يصلي مع رسول الله ﷺ : أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ قال له: «يا أبت آمنت برسول الله ﷺ وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته» فزعموا أنه قال: «أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه» (٢) . وفي رواية قال له: «يا بني أطع ابن عمك، فإنه لا يأمرك إلا بخير، وأما أنا فلا أفارق دين آبائي» . ومن خصائصه: أنه كان عند رسول الله ﷺ بمنزله الرأس من الجسد، وبمنزلة هارون من موسى، فقد نقل الطبري عن البراء أنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة رأسي من جسدي» (٣) . وود أنه قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (٤) . ومن فضائله وخصائصه: ما ورد أن رسول الله ﷺ آخى بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه قال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخي بيني وبين أحد قال له رسول الله ﷺ : «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (٥) . فائدة: آخى النبي ﷺ بين الصحابة مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة، وأنكر ابن تيمية المؤآخات التي كانت في المدينة بين المهاجرين والأنصار، وكان عددهم مائة، ويقال: تسعين، والحكمة في المؤآخات: أن تزول الوحشة عن المهاجرين. ومن فضائله: ما أخرجه أحمد في المناقب عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «على باب الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أخو رسول الله قبل أن تخلق السماوات والأرض بألفي عام» (٦) .

стр. 586

وقريب من هذه الفضيلة ما نقل عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ وإذا بطائر في فمه لوزة خضرة، مكتوب عليها بالأصفر لا إله إلا الله محمد رسول الله نصرته بعلي. وأما زهده فقد نقل: أن قوته كان دقيق الشعير فيأخذ منه قبضه فيضعها في قدح، ثم يصيب ماء ويشرب. وكان ﵁ يوماً جالساً فجاءه التياح فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء فقال: الله أكبر فقام ونادى في الناس فأعطى ما في بيت المال لفقراء المسلمين، وهو يقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري ها وها، حتى ما بقي منه دينار ولا درهم، ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين رجاء أن يشهد له يوم القيامة (١) . قال الأرقم: رأيت علياً ﵁ وهو يبيع سيفاً له في السوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف، فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الحروب عن وجه رسول الله ﷺ ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته. وأما كرماته فكثيرة: منها ما ذكره في شوارد الملح: أن رجلاً قال لعلي إني أريد السفر وأخاف من السبع، فدفع إليه خاتمة وقال له: إذا جاءك السبع فقل له: هذا خاتم علي بن أبي طالب. فلما سافر الرجل وجاءه السبع فقال له: هذا خاتم علي بن أبي طالب، فرفع السبع رأٍسه إلى السماء وهمهم، ثم نظر إلى الأرض وهمهم، ثم نظر إلى المشرق وكذلك إلى المغرب، ثم ذهب مهرولاً، فلما رجع الرجل من سفره أخبر علياً عن السبع بما فعل، قال: أتعرف ماذا قال بنظره إلى هذه الجهات الأربع؟ فقال: الله ورسوله أعلم وابن عم رسوله أعلم، فقال: إنه قال حين رفع نظره إلى السماء: وحق من رفعها، وحين نظر إلى الأرض: وحق من وضعها، وحين نظر إلى المشرق: وحق من أطلعها، وحين نظر إلى المغرب: وحق من غيبها ما أسكن في بلاد يشكوني فيها لعلي بن أبي طالب. ومن كراماته التي ظهرت له وهو في بطن أمه ما ذكره النسفي: أن أمه لما حملت به كانت إذ ذاك تعبد الأصنام، فكانت إذا أرادت السجود للصنم يعترض في بطنها فيمنعها من السجود للصنم.

стр. 587

قال بعضهم: فذلك يقال له دون غيره من الصحابة: كرم الله أي: كرم الله وجهه من السجود للصنم في حال كونه حملاً وبعد انفصاله. ومن كراماته التي وقعت له وهو رضيع ما ذكره ابن الجوزي: أنه كان ﵁ في مهده فقصدته حية فانحدر من مهده ونزل إليها وقتلها، فتعجبت أمه من ذلك فسمعت هاتفاً يقول: هذا حيدرة انحدر من مهده إلى عدوه فقتله. ومنها: ما ذكره النسفي أن فاطمة ﵂ قالت: يا رسول الله إن علياً ينام ليلة الجمعة وهي ليلة فضيلة، فقال لها رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى تصدق عليه بنومه ليلة الجمعة، وإن الله تعالى يخلق من روحه إذا هو نام طيراً أخضر يسرح إلى طرق السماء، فما منها موضع شبر إلا وفيه لروح علي ركعة أو سجدة» . قال النسفي فلذلك كان يقول: سلوني عن طريق السماوات فإني أعلم بها من طريق الأرض، فلما قال ذلك يوماً جاءه جبريل في صورة رجل ليختبره فقال: إن كنت صادقاً فأخبرني أين جبريل؟ فنظر علي ﵁ في السماء يميناً وشمالاً ثم إلى الأرض كذلك فقال: ما وجدته في السماء ولا في الأرض، ولعله أنت. وأما علمه ﵁ فقد كان غزير العلم، ومما وقع له من الغرائب في العلم ما قاله ابن العماد في الذريعة والمحب الطبري وغيرهما قالا: جلس رجلان يأكلان ومع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة فخلطا الأرغفة فمر بهما رجل فسلم عليهما، فقالا له: اجلس وكل معنا، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فلما فرغوا قام الرجل القادم عليهما وطرح لهما ثمانية دراهم وقال: خذا هذا عوضاً عما أكلت لكما من خبزكما، فتنازع صاحب الخمسة أرغفة وصاحب الثلاثة في الثمانية دراهم، فقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم ولك ثلاثة، فقال صاحب الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، لك أربعة ولي أربعة فارتفعا إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقصا عليه القصة، فقال لصاحب االثلاثة: إرض بثلاثة دراهم فإن خبز رفيقك أكثر من خبزك، فخذ منه الثلاثة ودع له الخمسة، فقال: لا والله لا رضيت إلا بمر الحق، فقال علي ﵁: ليس لك بمر الحق إلا درهم واحد وله سبعة، فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين هو يعطيني ثلاثة وما أرضى بها وتقول الآن ليس لك إلا واحد، فقال له علي ﵁: أليس الثمانية أرغفة أربعة وعشرين ثلثاً أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس على السواء؟ قال: بلى قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث يبقي لك واحد، فإن لك تسعة أثلاث لأن لك ثلاثة أرغفة إذا جعلت أثلاثا كانت تسعة، وأكل صاحبك ثمانية

стр. 588

أثلاث وله خمسة عشر ثلثاً، لأن الخمسة أرغفة إذا جعلت أثلاثاً كانت خمسة عشر، أكل منها ثمانية يبقى له سبعة، وأكل الضيف ثمانية أثلاث سبعة أثلاث لصاحبك، فاستحق السبعة، والثلث الذي لك فلك الدرهم، فقال الرجل: رضيت الآن. والضابط في ذلك أن يوزع المبلغ على الأرغفة التي أكلها الدافع. ومما وقع له أيضاً ﵁: أن رجلاً في زمانه تزوج امرأتين فولدتا في ليلة مظلمة، فأتت إحداهما بصبي والأخرى بأنثى، فاختصما في الصبي وكل منهما تقول: هذا ولدي، فارتفعا إلى علي بن أبي طالب ﵁ فأمر كل امرأة أن تجلب من لبنها شيئاً، ثم وزن الحليبين فرجح أحدهما على الآخر، فحكم بأن الصبي لصاحبة اللبن الراجح، فقيل: من أين أخذت هذا؟ قال من قوله تعالى: ?لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ? [النساء: ١١] فالله تعالى فضل الذكر على الأنثى في كل شيء حتى في غذائه. والحديث المشهور على ألسنة الناس: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» قال ابن الملقن: إنه حديث منكر. لكن قال شيخنا الحافظ العلامة الجلال السيوطي: هذا الحديث أخرجه الترمذي من حديث علي (١) . والطبراني والحاكم وصححه من حديث ابن عباس (٢) . وحسنه الحافظ العلائي وابن حجر. وجاء في رواية: «أنا دار الحكمة وعلي بابها» (٣) . وقوله ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٤) حديث صحيح كما قاله النووي

стр. 589

في فتاويه. واتفق من اللطائف الغرائب بسبب هذا الحديث ما ذكره القرطبي في تفسيره في سورة «سأل» أن شخصاً يقال له: «الحارث» لما قال النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» يا محمد: أمرتنا بالشهادتين فقبلنا منك، وأمرتنا بالصلاة الخمس عن الله فقبلنا منك، وذكر الزكاة والحج، ثم لم ترض حتى فضلت علينا علياً آلله أمرك بهذا أم من عندك؟ فقال: «والله الذي لا إله إلا هو إنه من عند الله» ، فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فنزل عليه حجر من السماء فقتله (١) . وقد ورد في فضل من أحب سيدنا علياً وفي ذم من أبغضه عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» . وفي رواية: «من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله» (٢) . ولله در القائل: علي حبه جنة ... إمام الناس والجنة وصهر المصطفى حقاً ... ويقتسم للورى الجنة

стр. 590

فائدة: سئل العراقي ﵁ من أحب علياً أكثر من أبي بكر وعمر وعثمان هل يكون بذلك آثماً أم لا؟ أجاب: بأن المحبة قد تكون لأمر ديني،، وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقد الإنسان أن أبا بكر أفضل ثم أحب علياً من جهة الدين أكثر، كان هذا تناقضاً وهو آثم بهذه المحبة، وأما المحبة الدنيوية فليست لازمة فإذا أحب علياً أكثر من أبي بكر لأمر دنيوي تكون من أقاربه وغير ذلك فلا تناقض في ذلك، وليس بآثم بهذه المحبة، إذ من اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ أبو بكر لكنه أحب علياً أكثر من أبي بكر فإنه كانت المحبة المذكورة محبة دينية فهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسان وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحب محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية ككونه من ذرية علي ﵁ أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع من ذلك والله اعلم. وسنذكر في كتاب الوضوء طرفاً آخر من ترجمة سيدنا علي. « ... سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لاَ تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ» (١) .

стр. 591

هنا فوائد: الأولى: قال العلماء: الكذب عند الأشاعرة: الأخبار بالشيء على خلاف ما هو عمداً كان أو سهواً. وعند المعتزلة: إنما يسمى كذباً في حالة العمد، ولا يسمى كذباً في حال السهو، بدليل أن الإجماع منعقد على أن الناسي لا إثم عليه. وأجاب عنه الأشاعرة: بأنه لا يلزم من عدم الإثم عدم تسميته كذباً، وأما ما جاء في بعض الروايات: «من كذب عليَّ متعمداً» فهو لبيان أن إثم الكذب إنما في حال العمد لا في حال السهو، ولا لبيان أنه لايسمى كذباً إلا إذا كان عمداً. الثانية: الكذب على النبي ﷺ حرام، وهو فاحشة عظيمة من الكبائر سواء أكان عمداً أو سهواً وليس كذلك، بل إنما يكون من الكبائر إذا كان عمداً، بدليل الرواية الأخرى: «من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١) فهو مطلق محمود على

стр. 592

هذا الحديث المقيد بالعمدية. الثالثة: ذهب الإمام أبو محمد الجويني إلى أن من كذب على النبي ﷺ عمداً يكفر ويراق دمه. واختاره الإمام ناصر الدين ابن المنير (١) ووجهه: بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر والحمل على الكفر كفر. قال ابن حجر: فيما قاله نظر لا يخفى، وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد ذلك واستحله، لكن يفسق كما يفسق مرتكب الكبيرة، قالوا: وما قال الجويني ضعيف، وممن ضعفه ولده إمام الحرمين وقال: من هفوات الوالد. الرابعة: الكذب على غيره ﷺ من الأنبياء كبائر أيضاً قياساً عليه كما نبه على ذلك القاضي زكريا في كتابه غاية الوصول. وأما الكذب على غير نبي فهو من الصغائر إلا أن يقترن به ما يصيره كبيرة، كأن يعلم الكاذب على إنسان أنه يقتل بكذبه أو يحد فهو حينئذ من الكبائر. قال ابن عبد السلام: وعليه يحمل خبر الصحيحين: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» (٢) . الخامسة: من كذب عليه ﷺ عمداً وحدث فسق وردت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها.

стр. 593

فلو تاب وحسنت توبته قال الإمام أحمد وجماعة من الشافعية: لا تقبل رواياته أبداً بل يحتم جرحه دائماً. ورده النووي وقال: هذا مخالف للقواعد، والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها، قال: بدليل أن العلماء أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً وأسلم، وعلى قبول شهادة تحملها كافر ثم أداها بعد الإسلام، كما إذا تحملها صبي وأداها بعد البلوغ، وكما إذا تحملها وأداها بعد التوبة. السادسة: لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بعد ما كان في الأحكام وغيره كالترغيب والترهيب فكله حرام بإجماع من يعتد به. وأما ما ذهب إليه الكرَّامية من جواز الوضع عليه ﷺ في الترغيب والترهيب، فهو مذهب باطل. قال شيخ الإسلام ابن حجر: وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: نحن لم نكذب عليه بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله ﷺ ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء كان الإيجاب أو الندب وكذا مقابلتهما. السابعة: من روى حديثاً ظن أو علم أنه موضوع، ولم يبين حال رواته وضعفهم فهو داخل في هذا الوعيد، وقد صرح بهذا في حديث آخر وهو قوله ﷺ : «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١) . الثامنة: يدخل في وعيد هذا الحديث من قرأ الحديث ولحن فيه، ولهذا قال العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من اللغة والنحو والأسماء ما يسلم من قول ما لم يقل. وروى ابن الصلاح بسنده عن الأصمعي أنه قال: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ : «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» لأنه ﵊ لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه

стр. 594

حديثاً ولحنت فيه كذبت عليه. التاسعة: قوله «فليلج النار» بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم: «من يكذب علي يلج النار» (١) المعنى: أن جزاءه على كذبه ولوج النار، وقد يجازى وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع بدخوله النار وكذا كل وعيد ككبيرة غير الكفر. قال البرماوي وغيره: وإن جوزي بدخول النار فلا يخلد، بل لابد من خروجه بفضل الله ورحمته. * * *

стр. 595

قَالَ البُخَارِي: «حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ... » المراد بأبيه عبد الله بن الزبير، ولنذكر شيئاً من ترجمته فتقول: هو الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين وكان يكني بكنيتين أحديهما: أبو بكر، والأخرى: أبو حبيب بابنه حبيب، وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وهاجرت أمه أسماء بنت الصديق من مكة وهي حامل به فولدته في سنة ثتنتين من الهجرة، لعشرين شهراً من التاريخ ففرح به أهل المدينة فرحاً شديداً، وذلك أنهم قيل: إن اليهود قد سحرتكم ولا يولد لكم ولد، ثم أتت به النبي ﷺ فوضعه في حجره فدعا بتمره فمضغها ثم تفل في فمه وحنكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق النبي ﷺ ثم دعا له. روى السهيلي وغيره أن عبد الله بن الزبير لما ولد قال النبي ﷺ : «هو هو» فلما سمعت بذلك أسماء أمسكت عن إرضاعه فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه ولو بماء عينيك» . وكان وصولاً لرحمة، وكان ﵁ فصيحاً، ذا أنفة، أطلس، لا لحية له ولا شعر في وجهه، وكان كثير الصوم والصلاة، شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات. ومن فضائله: أنه كان إذا صلى صار كأنه عود من الخشوع، وكان إذا سجد يطول حتى تنزل العصافير على ظهره، لا تحسبه إلا جذماً، وكان مرة يصلي وإذا بحية سقطت من سقف البيت على ابنه ثم تطوقت على بطنه وهو نائم، فصاح أهل البيت ولم يزالوا بها حتى قتلوها وهو يصلي، وما التفت ولا عجل ولا علم، فلما فرغ بعد ما قتلت الحية فقال: ما بالكم فأخبروه. قالت أمه: كان صواماً بالنهار قواماً بالليل، وكان يسمى خادم المسجد، وكان وصولاً لرحمة. ومن فضائله: أنه كان عظيم المجاهدة، قسم الدهر ثلاث ليال، ليلة يصلي قائماً وليلة يصلي راكعاً وليلة يصلي ساجداً حتى الصباح. ومن فضائله: أنه أحد العبادله الاًربعة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والرابع هو ﵃، وليس منهم عبد الله بن مسعود، وغلَّطوا الجوهري حين عده منهم. تولى الخلافة بعد موت معاوية بن يزيد ستة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا أهل الشام، وجدد عمارة الكعبة وجعل لها

стр. 596

بابين وحج الناس ثماني حجج، وبقي في الخلافة إلى أن حصر. قال الواقدي: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنين وسبعين ستة أشهر وسبع عشر بمكة المشرق، وكان حصره أشد الحصار، وكان المحاصر له الحجاج وجماعته، واستمر محاصراً إلى أن اصابته رمية حجر جاءته من ناحية الصفا فوقعت بين عينيه فنكس رأسه وهو يقول: لسنا على الأعقاب تدمي في كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدم فاجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه، وكان قتلة يوم الثلاثاء لست عشر ليلة خلت من جماد الأول سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة في أيام عبد الملك بن مروان، وأمر الحجاج بصلب جثته وحمل رأسه إلى خراسان. وقال يعلى بن حرملة: دخلت مكة بعد ما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب، فجاءت أمه امراة عجوز كبيرة طويلة مكفوفة البصر تقاد فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها الحجاج: تقولين عن هذا المنافق، فقالت: والله ما كان منافقاً، ولكنه كان صواماً قواماً براً، قفال: انصرفي إنك عجوز قد خرفت، قالت: لا والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت المبير (١) . ويروى أن عبد الله بن عمر مر على ابن الزبير وهو مصلوب فقال: رحمك الله فإنك كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، وإنى أرجو أن لا يعذبك الله . وقيل: إن الحجاج أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر بعد أن صلبه فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: إما أن تأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبنى بقروني، فأخذ الحجاج بغلته وانطلق إليها حتى دخل عليها فقال لها: كيف رأيتينى صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. وكان السبب في إنزاله من الخشبه أخوه عروة فإنه ذهب إلى عبد الملك بن مروان فرغب إليه في إنزاله من الخشبة فاسعفه فأنزل، ثم أمرت أمه أسماء ابن أبي ملكية بغسله

стр. 597

فقال: كنا لا نتناول عضواً إلا جاء معنا، وكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه، ونتناول العضو الذي يليه فتغسله ثم نضع في أكفانه حتى فرغنا منه، ثم قامت تصلي عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعه حتى ماتت. «قال: أي عبد الله بن الزبير قلت للزبير» هذا هو قاتل الأبطال، وباذل الأموال، صاحب السيف الصارم، والرأي الحازم أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. قال العلماء: «الزبير» بضم الزاي «ابن العوام» بتشديد الواو لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام الزبير، ويكنى: أبي عبد الله، يجتمع نسبه بنسب النبي ﷺ في قصي بن كلاب، وينسب إلى أسد بن عبد العزى فيقال: القرشي الأسدى، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلمت وهاجرت، والنبي ﷺ ابن خاله، وكان إسلامه بعد أبي بكر رابعاً أو خامساً قاله المحب الطبرى. وفي الكرمانى: أسلم رابع أربعة أو خامس خمسة على يد الصديق ﵁ وكان عمره لما أسلم ستة عشر سنة، وقيل: اثنتى عشرة سنة. ولما أسلم كان عمه يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبداً. وصفته: أنه كان طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب، خفيف العارضين، أسمر اللون، قال الكرماني: كان أشعر الكتف. ومن فضائله: أنه أحد العشرة المبشرون بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد المهاجرين الأولين إلى الحبشة والمدينة. ومن خصائصه: أنه أول من سل سيفاً في سبيل الله ، ودعا له النبي ﷺ لفعله ذلك وذلك أنه ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول من سل سيفاً في سبيل الله الزبير بن العوام، بينا هو بمكة إذ سمع نغمة يعني صوتاً أن النبي ﷺ قد قتل، فخرج عرياناً ما عليه شيء، في يده السيف صلتاً، فتلقاه النبي ﷺ فقال له: «مالك يا زبير؟» قال: سمعت أنك قد قتلت، قال: «فما كنت صانعاً؟» قال: أردت والله أن استعرض أهل مكة أي: أقتل ولا أسأل عن أحد قال: فدعا له النبي ﷺ . ومن فضائله: أنه حواري النبي ﷺ ، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل نبى

стр. 598

حواري، وحواري الزبير» (١) . وفي صحيح مسلم: «ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : «لكل نبي حواري وحواري الزبير» (٢) ومعنى الحواري: الناصر والحواريون أنصار عيسى ﵊، ومعنى ندب فانتدب أي: دعاه رسول الله ﷺ فأجاب. ومن فضائله: أنه كان على رأسه في غزوة بدر عمامة صفراء فنزلت الملائكة على رؤسهم عمائم صفر على سيماه قاله المحب الطبري. والحكمة في نزولهم موافقين له أن هذه الحرب أول حرب للملائكة فنزلت على سيما أول محارب لله وفي سبيله. ومن فضائله: أنه شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي، وكان كثير الصدقة. قال كعب: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منها درهم واحد كان يتصدق بذلك كله، وكان ﵁ تاجراً محظوظاً أي: له حظ في التجارة، وسئل عن ذلك فقال: لأني لم أشتري معيباً ولم أزد ربحاً والله يبارك لمن يشاء. قتل ﵁ في وقعة الجمل فإنه كان مع عائشة، قال أبو الأسود الدؤلى: لما دنا علي وأصحابه والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض خرج علي على بغلة رسول الله ﷺ فنادى الزبير فأقبل حتى اختلف أعناق دوابهما فقال علي: يا زبير نشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ في مكان كذا وكذا وقال: «يا زبير تحب علياً؟» قلت: ألا أحب علياً ابن خالي وعلى ديني؟ فقال: «يا علي أتحبه؟» فقلت: يا رسول الله: ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال: «يا زبير لتقاتلنه وأنت له ظالم» قال: بلى

стр. 599

والله لقد أنسيته مذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دآبته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله، وقال مالك يعنى رجعت قال: ذكرني علي حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ يقول: «لتقاتلنه وأنت له ظالم» ولا أقاتله ثم رجع منصرفاً إلى المدينة (١) . قيل: علم أنه يقتل في ذلك اليوم فأنشد في حال رجوعه: ولقد علمت لو أن علمي نافعاً ... أن الحياة من الممات قريب فلما وصل إلى مكان بناحية البصرة يقال له: وادي السباع لحقه ابن جرموز، ومعه شخصان فقتلوه، ثم قطع ابن جرموز رأسه وجاء به علياً ﵁ واستأذن في الدخول عليه فلم يأذن له بل قال لشخص عنده وقد علم بأن معه رأس الزبير: بشر قاتل ابن صفية بالنار. ورأى علي سيفه بعد ذلك فتأمل وقال: طالما فرج بهذا السيف الكرب عن رسول الله ﷺ . كان قتله ﵁ يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة ستة وثلاثين، وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل، واختلف في سنة يوم قتل فقيل: سبع وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: أربعة وستون، وقيل غير ذلك، ودفن في موضع قتله، ثم حول إلى البصرة، وقبره مشهور فيها. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانيه وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على اثنين وانفرد البخاري بسبعة، أنشد فيه حسان بن ثابت: أقام على هدي النبي وعهده ... حواريه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه ... يولي ولي الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوماً يحجل له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد موثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحرب هشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرفل فما مثله فيهم وما كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا ابن الهاشميته أفضل

стр. 600

« ... قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) . قال البرماوى: هذا الحديث في نهاية الصحة، وقيل: إنه متواتر، وقال بعضهم: روي عن أكثر من ستين صحابياً، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال بعض آخر: رواه مائتان من الصحابة. قال ابن الصلاح: ثم لم يزل عدده في إزدياد على الاستمرار، وليس في الأحاديث
следующие страницы →