← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بابين وحج الناس ثماني حجج، وبقي في الخلافة إلى أن حصر. قال الواقدي: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنين وسبعين ستة أشهر وسبع عشر بمكة المشرق، وكان حصره أشد الحصار، وكان المحاصر له الحجاج وجماعته، واستمر محاصراً إلى أن اصابته رمية حجر جاءته من ناحية الصفا فوقعت بين عينيه فنكس رأسه وهو يقول: لسنا على الأعقاب تدمي في كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدم فاجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه، وكان قتلة يوم الثلاثاء لست عشر ليلة خلت من جماد الأول سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة في أيام عبد الملك بن مروان، وأمر الحجاج بصلب جثته وحمل رأسه إلى خراسان. وقال يعلى بن حرملة: دخلت مكة بعد ما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب، فجاءت أمه امراة عجوز كبيرة طويلة مكفوفة البصر تقاد فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها الحجاج: تقولين عن هذا المنافق، فقالت: والله ما كان منافقاً، ولكنه كان صواماً قواماً براً، قفال: انصرفي إنك عجوز قد خرفت، قالت: لا والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت المبير (١) . ويروى أن عبد الله بن عمر مر على ابن الزبير وهو مصلوب فقال: رحمك الله فإنك كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، وإنى أرجو أن لا يعذبك الله . وقيل: إن الحجاج أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر بعد أن صلبه فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: إما أن تأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبنى بقروني، فأخذ الحجاج بغلته وانطلق إليها حتى دخل عليها فقال لها: كيف رأيتينى صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. وكان السبب في إنزاله من الخشبه أخوه عروة فإنه ذهب إلى عبد الملك بن مروان فرغب إليه في إنزاله من الخشبة فاسعفه فأنزل، ثم أمرت أمه أسماء ابن أبي ملكية بغسله

стр. 597

فقال: كنا لا نتناول عضواً إلا جاء معنا، وكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه، ونتناول العضو الذي يليه فتغسله ثم نضع في أكفانه حتى فرغنا منه، ثم قامت تصلي عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعه حتى ماتت. «قال: أي عبد الله بن الزبير قلت للزبير» هذا هو قاتل الأبطال، وباذل الأموال، صاحب السيف الصارم، والرأي الحازم أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. قال العلماء: «الزبير» بضم الزاي «ابن العوام» بتشديد الواو لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام الزبير، ويكنى: أبي عبد الله، يجتمع نسبه بنسب النبي ﷺ في قصي بن كلاب، وينسب إلى أسد بن عبد العزى فيقال: القرشي الأسدى، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلمت وهاجرت، والنبي ﷺ ابن خاله، وكان إسلامه بعد أبي بكر رابعاً أو خامساً قاله المحب الطبرى. وفي الكرمانى: أسلم رابع أربعة أو خامس خمسة على يد الصديق ﵁ وكان عمره لما أسلم ستة عشر سنة، وقيل: اثنتى عشرة سنة. ولما أسلم كان عمه يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبداً. وصفته: أنه كان طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب، خفيف العارضين، أسمر اللون، قال الكرماني: كان أشعر الكتف. ومن فضائله: أنه أحد العشرة المبشرون بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد المهاجرين الأولين إلى الحبشة والمدينة. ومن خصائصه: أنه أول من سل سيفاً في سبيل الله ، ودعا له النبي ﷺ لفعله ذلك وذلك أنه ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول من سل سيفاً في سبيل الله الزبير بن العوام، بينا هو بمكة إذ سمع نغمة يعني صوتاً أن النبي ﷺ قد قتل، فخرج عرياناً ما عليه شيء، في يده السيف صلتاً، فتلقاه النبي ﷺ فقال له: «مالك يا زبير؟» قال: سمعت أنك قد قتلت، قال: «فما كنت صانعاً؟» قال: أردت والله أن استعرض أهل مكة أي: أقتل ولا أسأل عن أحد قال: فدعا له النبي ﷺ . ومن فضائله: أنه حواري النبي ﷺ ، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل نبى

стр. 598

حواري، وحواري الزبير» (١) . وفي صحيح مسلم: «ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : «لكل نبي حواري وحواري الزبير» (٢) ومعنى الحواري: الناصر والحواريون أنصار عيسى ﵊، ومعنى ندب فانتدب أي: دعاه رسول الله ﷺ فأجاب. ومن فضائله: أنه كان على رأسه في غزوة بدر عمامة صفراء فنزلت الملائكة على رؤسهم عمائم صفر على سيماه قاله المحب الطبري. والحكمة في نزولهم موافقين له أن هذه الحرب أول حرب للملائكة فنزلت على سيما أول محارب لله وفي سبيله. ومن فضائله: أنه شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي، وكان كثير الصدقة. قال كعب: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منها درهم واحد كان يتصدق بذلك كله، وكان ﵁ تاجراً محظوظاً أي: له حظ في التجارة، وسئل عن ذلك فقال: لأني لم أشتري معيباً ولم أزد ربحاً والله يبارك لمن يشاء. قتل ﵁ في وقعة الجمل فإنه كان مع عائشة، قال أبو الأسود الدؤلى: لما دنا علي وأصحابه والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض خرج علي على بغلة رسول الله ﷺ فنادى الزبير فأقبل حتى اختلف أعناق دوابهما فقال علي: يا زبير نشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ في مكان كذا وكذا وقال: «يا زبير تحب علياً؟» قلت: ألا أحب علياً ابن خالي وعلى ديني؟ فقال: «يا علي أتحبه؟» فقلت: يا رسول الله: ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال: «يا زبير لتقاتلنه وأنت له ظالم» قال: بلى

стр. 599

والله لقد أنسيته مذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دآبته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله، وقال مالك يعنى رجعت قال: ذكرني علي حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ يقول: «لتقاتلنه وأنت له ظالم» ولا أقاتله ثم رجع منصرفاً إلى المدينة (١) . قيل: علم أنه يقتل في ذلك اليوم فأنشد في حال رجوعه: ولقد علمت لو أن علمي نافعاً ... أن الحياة من الممات قريب فلما وصل إلى مكان بناحية البصرة يقال له: وادي السباع لحقه ابن جرموز، ومعه شخصان فقتلوه، ثم قطع ابن جرموز رأسه وجاء به علياً ﵁ واستأذن في الدخول عليه فلم يأذن له بل قال لشخص عنده وقد علم بأن معه رأس الزبير: بشر قاتل ابن صفية بالنار. ورأى علي سيفه بعد ذلك فتأمل وقال: طالما فرج بهذا السيف الكرب عن رسول الله ﷺ . كان قتله ﵁ يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة ستة وثلاثين، وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل، واختلف في سنة يوم قتل فقيل: سبع وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: أربعة وستون، وقيل غير ذلك، ودفن في موضع قتله، ثم حول إلى البصرة، وقبره مشهور فيها. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانيه وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على اثنين وانفرد البخاري بسبعة، أنشد فيه حسان بن ثابت: أقام على هدي النبي وعهده ... حواريه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه ... يولي ولي الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوماً يحجل له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد موثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحرب هشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرفل فما مثله فيهم وما كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا ابن الهاشميته أفضل

стр. 600

« ... قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) . قال البرماوى: هذا الحديث في نهاية الصحة، وقيل: إنه متواتر، وقال بعضهم: روي عن أكثر من ستين صحابياً، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال بعض آخر: رواه مائتان من الصحابة. قال ابن الصلاح: ثم لم يزل عدده في إزدياد على الاستمرار، وليس في الأحاديث

стр. 601

ما في مرتبته من التواتر ولا للمتواتر مثال إلا هو، وتوافره معنوي، فإن اختلاف الروايات في الألفاظ مع الاشتراك في المعاني نحو: «من تعمد علي كذباً» ، و «من يقل علي ما لم أقل» ، و «من كذب علي متعمداً» يسمى مثله بالمتواتر من جهة المعنى أي: القدر المشترك الحاصل من جميع الألفاظ متواتر. وادعى بعض العلماء: أنه ليس في الأحاديث حديث اجتمع على روايته إلا هذا ورده البرماوي وقال: قد اجتمع العشرة في حديث رفع اليدين والمسح على الخفين، وقال البرماوى أيضاً: المحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه متعمداً، وقد روي عن الزبير أنه قال: «والله ما قال متعمداً وأنتم تقولون متعمداً» (١) . قوله: «فليتبوأ» أمر للغائب يجوز فيه كسر اللام، والمشهور سكونها، والتبوء: اتخاذ المبأة أي: المنزل، فليتخذ له منزلاً من النار، وهو أمر معناه الخبر، وحينئذ فمعنى «فليتبوأ مقعده من النار» : أن الله يبوئه مقعده من النار، قال الكرماني: ويحتمل أنه أمر على حقيقته وأنه يلزم بالتبوء. قال الطيبى: الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ، إذ لو قيل: كان مقعده النار لم يكن فيه هذا التغليظ. * * *

стр. 602

قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثاً كَثِيراً أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَال: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِباً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) . قال الكرماني: قوله: «كذبا» عام في جميع أنواع الكذب، لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم. * * *

стр. 603

قال البخاري: حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . (١) . قال ابن حجر: هذا أول ثلاثي وقع في البخاري، فيه أعلى من الثلاثيات، وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثاً والحديث الثلاثي هو ما كان فيه بين النبي ﷺ وبين البخاري ثلاثة. * * *

стр. 604

قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَال: َ «تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) . وقوله ﷺ : «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي» إيضاحه أنه يجوز التسمية باسم النبي ﷺ ولا يتكني بكنيته بل يكون التكني بغير كنيته ﷺ . والكنية: ما صدر بأب أو أم كأبي بكر وأم هانيء. واللقب: ما أشعر بمدح أو ذم نحو: مجد الدين وكمال الدين، وأنف الناقة. والاسم: كمحمد وزيد وغيرهما. فاسم النبي ﷺ المشهور: «محمد» ، وكنيته: «أبو القاسم» ، ولقبه: «رسول الله ﷺ » . وإذا علمت ذلك فاعلم أن في الحديث دلالة على جواز التسمي باسمه ﷺ محمد أو غيره من أسمائه فإن ذلك نافع في الدنيا والآخرة.

стр. 605

وقد ورد في فضل التسمي باسمه أخبار كثيرة روى عن أبي أمامة الباهلى ﵁ عن رسول ﷺ قال: «من ولد له مولود فسماه محمدا حباً لي وتبركاً باسمي، كان هو ومولوده في الجنة» (١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة ناد مناد من قبل الله ألا من اسمه محمد فيلقم، فإذا اجتمعوا بين يدي الله أمر بهم إلى الجنة كرامة لاسم النبي ﷺ » . وروي عن الحسن البصري أنه قال: «إن الله ليوقف العبد بين يديه يوم القيامة اسمه أحمد أو محمد قال: فيقول الله تعالى له: عبدى أما استحييتني وأنت تعصينى واسمك اسم حبيبي محمد ﷺ ، فينكس العبد رأسه حياء ويقول: اللهم إني قد فعلت، فيقول : يا جبريل خذ بيد عبدي فأدخله الجنة، فإني استحي أن أعذب بالنار من اسمه اسم حبيبى محمد ﷺ » . وعن علي بن موسى الرضي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سميتم الولد محمداً فعظموه ووقروه وبجلوه ولا تذلوه ولا تحقروه ولا تجبهوه، ولا تردوا له قولا تعظيماً لمحمد ﷺ » (٢) . وجاء في الحديث: «إن البيت إذا كان فيه من اسمه محمد اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وبعد منه الشيطان» . وجاء في حديث آخر: «ما اجتمع قوم في مشورة ومعهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك لهم» (٣) . وأما التكني بكنيته أبي القاسم فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب إمامنا الشافعي وأهل الظاهر إلى أنه لا يحل لأحد أن يتكنى بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمد أو غيره، كان في زمنه أو بعده، وحمل الشافعي ومن تبعه النهي على العموم، ومنع قوم

стр. 606

من القائلين بهذا المذهب تسميته الولد بالقاسم، كي لا يكون سبباً لتكنيته والده بأبي القاسم، ويؤيد هذا قوله في الحديث: «إنما أنا القاسم» (١) فأخبر بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذا الكنية. وذهب الإمام مالك إلى جواز التكني به بعد زمانه، وجعل النهي مختصاً بحياته ﷺ قال: لأن الحديث ورد على سبب وهو: أن اليهود في زمانه تكنوا بهذه الكنية، وكانوا إذا رأوا رسول الله ﷺ ينادون يا أبا القاسم فيلتفت ﷺ فيقولون: لم نعنك، إظهاراً للإيذاء، قال: وقد زال ذلك المعنى. وذهب بعضهم إلى: أنه لا يجوز هذه التكنية لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، واختار هذا المذهب الرافعي وقال: يشبه أن يكون هذا أصح، لأن الناس لم يزالوا يكتنون به في جميع الأعصار من غير إنكار. ورد النووي في الأذكار هذا المذهب وقال: فيه مخالفة لظاهر الحديث، واختار ما ذهب إليه الإمام مالك من تخصيص التحريم بحياته ﷺ أخذاً من السبب المذكور. وقال في الروضة: إنه أقرب المذاهب أخذاً من سبب النهي، وضعفه البيهقي ومع أنه مخالف لقاعدة: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم قال: بل الأقرب ما رجحه الرافعي، وقال الأسنوي: إنه الصواب لما فيه من الجمع بين خبر الصحيحين المذكور وخبر: «من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي» (٢) وهذا الحديث رواه ابن حبان وصحح البيهقي إسناده. فإن قيل: يشكل على ما قاله الرافعي تكنية سيدنا علي ولده محمد بن الحنفية بأبي القاسم، فإنه جمع بين الاسم والكنية، وأجابوا عنه بأن رسول الله ﷺ رخص له في

стр. 607

ذلك كما قاله الشافعي وأصحابه، فإنه ورد في سنن أبي داود أن علياً قال يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم» (١) . وقال أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله قاله ابن الملقن. فإن قيل: يشكل على قول الرافعي أيضاً ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني قد ولدت غلاماً فسميته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك فقال: «ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، أو ما الذي أحل كنيتي وحرم اسمي» (٢) . أجاب شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر عنه وقال: يشبه إن صح أن يكون قبل النهي لأن أحاديث النهي أصح يعني هذا الحديث المذكور ورد عن النبي ﷺ قبل النهي عن التكنية بكنيته، وحينئذ فلا يشكل لأن المتاخر نسخه. فائدة: لم ينه عن التسمية باسمه ﷺ لأنه كان لا ينادى به غالباً ولو نودي به لم يجب إلا لضرورة قاله القاضي زكريا. فائدة أخرى: التكني بغير أبي القاسم جائز بلا خلاف. فائدة أخرى: المستحب إذا خاطب أهل الفضل ومن قاربهم أن يخاطبهم بالكنية، وكذا إذا كتب إلى شخص رسالة، وكذا إذا روى عنه روايته فيقول في الرسالة: السلام على أبي فلان. وفي الرواية: حدثنا الشيخ أو الإمام أبو فلان بن فلان. ومن الأدب أن الإنسان إذا كتب رسالة شخص أن لا يكتب كنيته فيها، بل ولا في غير الرسالة إلا أن لا يعرف إلا بالكنية، أو كانت الكنية أشهر من اسمه فله أن يكتبها، قال بعضهم: إذا كانت أشهر كتب اسمه وكتب بعده: المعروف بأبي فلان، ولنا عود إلى ذكر فوائد متعلقة بالكنية في محل آخر إن شاء الله تعالى. وأما قوله ﷺ : «ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» فقد اختلف العلماء في معناه فقال القاضي الباقلاني: معنى الرؤية أنها رؤية

стр. 608

صحيحة ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيهات الشيطان، ويدل على أن الرؤية في قوله: «فقد رآني» مؤوله برؤيا المنام لأنها رؤية حقيقية أن الرائي قد يراه على خلاف صفته المعروفة، كان يراه أبيض اللحية، وأنه قد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب فيراه كل منهما في مكانه. قال حجة الإسلام الغزالي: ليس معنى «فقد رآني» : أنه رأى جبهتى وبدني بل رأى مثالاً صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في النفس إليه، بل البدن في اليقظة أيضاً ليس إلا آلة النفس، فالحق أن ما يرى حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة فما رآة من الشكل ليس هو روح النبي ﷺ ولا شخصه بل مثال له. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته منزهه عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقاً في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله في المنام لا بمعنى أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره. وقال ابن العربي القاضي (١) : إن رآه على صفته فهي هو حقيقة، وإن رآه على غير صفته فهي رؤيا تأويل لا حقيقة، والراجح كما قال الكرماني وغيره وصوبه النووي: حمل الحديث على ظاهره بأن يقال: معنى «فقد رآني» رؤيا حقيقية لا منامية وما مثالية، ولو رآه على غير صفته المعروفة أو في مكانين وليس لمانع أن يمنع ذلك، لأن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى التأويل. فإن قيل: كيف تكون الرؤية حقيقية إذا رآه على غير صفته أو في مكانين؟ فالجواب: إن التغير المذكور ليس في ذاته بل في صفاته، وتكون ذاته مرئية وصفاته مستحيلة، والرؤية أمر يخلقه الله في الحي ولا يشترط أن يكون بمواجهته ولا تحديق بصر، ولا كون المرئي ظاهراً بل الشرط كون موجودا فقط حتى تجوز رؤية أعمى الصين من في قبة الأندلس، ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ بل الحديث يقتضي بقاءه. سؤال: فإن قيل: الحديث المسموع منه في المنام هل هو حجة يستدل به أم لا وإذا أمر أحد بشيء هل يجب عليه امتثال أم لا. فالجواب: أن الحديث المسموع منه ﷺ في المنام ليس بحجة، إذا يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطاً عند السماع، والنوم ليس حاله الضبط، وإذا أمر أحد بشيء لا يجب عليه امتثاله على الأصح لكن يستحب.

стр. 609

سؤال: فإن قيل: إذا رآه شخص في المنام قلنا إنه هو حقيقة فهل يطلق على الشخص الرائي أنه صحابي أم لا؟ فالجواب: لا يطلق عليه بمجرد رؤيته في المنام أن صحابي، لأن الصحابي مسلم رأى النبي ﷺ الرؤية المعهودة الجارية على العادة، أو رآه في حياته في الدنيا، لأنه أخبر ﷺ الناس عن الله تعالى في الدنيا لا في القبر، فالصحبة إنما تثبت وتعتبر حال كونه مخبراً عن الله تعالى. وقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» يحتمل أن يراد بالشيطان هنا إبليس شخصه، فتكون الألف واللام للعهد، ويحتمل أن يراد غيره من نوعه، فالألف واللام للجنس. والشيطان: إما مشتق من «شاط» بمعنى هلك فيكون على وزن «فعلان» ، وإما من «شيطان» أي: بعد على وزن «فيعال» . ومعنى: «لا يتمثل في صورتي» لا يتصور في صورتي، وعدم تصور الشيطان بصورة النبي ﷺ معدود من خصائصه، والحكمة في ذلك حتى لا يكذب لعنه الله على لسانه ﷺ في النوم. لطيفة: قال في الروض الفائق عن أبي محمد بن العلاء رحمة الله تعالى أنه قال: دخلت المدينة وقد غلب علي الجوع، فزرت قبر النبي ﷺ فسلمت عليه وعلى الصحابيين أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، وقلت يا رسول الله جئت وبي من الفاقة والجوع ما لا يعلمه إلا الله ، وأنا ضيفك في هذه الليلة، ثم غلبني النوم فرأيت النبي ﷺ في المنام فأعطاني رغيفاً فأكلت نصفه، ثم انتبهت من المنام ونصفه الآخر في يدي فتحقق عندي قول رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي» ثم نوديت يا أبا عبد الله لا يزور قبري أحد إلا غفر له، ونال شفاعتي غداً. فائدة: جميع الأنبياء كنبينا ﷺ في هذه الخصوصية وهي: أن من رآهم في المنام فهم هم، ولا يتمثل الشيطان في صورتهم، كما نبه على ذلك الكرماني نقلاً عن محيي السنة، فمن عد هذه الخاصة من خصائص نبينا أراد بها الخاصة الإضافية أي: بالنسبة إلى الأمة لا حقيقية لمشاركة الأنبياء له فيها. وقال الدماميني (١) في خصائصه: لم أقف على أن جميع الأنبياء كنبينا في هذه الخاصة، ولكن جلالة مقام النبوة تقتضي أن لا يتسلط الشيطان على التمثيل بصورة أحد من أهلها المصطفين الأخيار، كائناً من كان لكراماتهم على الله، ورفعة منزلتهم عنده

стр. 610

فينبغي تحرير النقل في ذلك، هذه عبارته وكأنه لم يقف على عبارة الكرماني. فائدة أخرى: ورد في الحديث: «إن أول ما يرفع من الأرض رؤيته ﷺ في المنام والقرآن والحجر الأسود» . فائدة أخرى: قال علماء التعبير من رأى النبي ﷺ في نومه فإن كان مغموماً ذهب غمه، وإن كان مديوناً قضى الله دينه، وإن كان مغلوباً نصره الله تعالى، وإن كان محبوساً أطلق، وإن كان عبداً أعتق، وإن كان غائباً رجع إلى أهله سالماً، وإن كان معسراً أغناه الله تعالى، وإن كان مريضاً شفاه الله تعالى، وإن رآه في أرض حرب فإن أولئك الجند ينتصرون على عدوهم، وإن رآه في أرض مقحطة فإن أهلها يخصبون ويرفع عنهم القحط. قيل: وإن رآه في صورة شاب طويل فإنه يكون فتنه في الناس وقتلاً كثيراً، وإن رآه في صورة شيخ كبير فإن الناس في عافية، وإن رآه وهو أبيض يعلوه حمرة وعليه ثياب بيض، فإنه يتوب إلى الله تعالى ويحسن عمله وتستقيم طريقته. فائدة أخرى: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» (١) . قوله: «فسيرانى في اليقظة» زيادة على الحديث الذي ساقه البخاري هنا، وقد اختلف العلماء في معناه. فقيل: معناه أن من رآني في منامه فسيراني يوم القيامة، ورد هذا بأن كل أمته يوم القيامة يراه من رآه منهم في منامه ومن لم يره، فلا فائدة لتخصيص ذلك بمن رآه. وقيل: معناه أن من آمن به في حياته ولم يره لكونه غائباً عنه، فإذا رآه في النوم يكون مبشراً له أنه لابد وإن يراه في اليقظة قبل موته. والصحيح: حمل الحديث على ظاهرة بأن يقال: إن كل من رأى النبي في منامه لابد وأن يراه في اليقظة بعيني رأسه، وهو عام شامل لكل من رآه في النوم في حياته وبعد مماته، وشامل لمن فيه الأهلية كالخواص ومن لا أهلية له كالعوام. واستشكل الحديث من جهة: أن النبي ﷺ بعد موته في عالم الغيب فكيف يراه الحي وهو في عالم الشهادة، ورد هذا الإشكال ابن أبي جمرة وقال: في هذا القول من

стр. 611

المحذور وجهان خطران أحدهما: عدم التصديق بقول الصادق المصدوق ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى. والثاني: الجهل بقدرة القادر وتعجيزها فإنه تعالى قادر أن يجعل رؤيته في النوم ﷺ سبباً لرؤيته في اليقظة. قال شيخنا جلال الدين السيوطي في كتابه تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي ﷺ والملك: ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحة، وذلك أنه ﵊ وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، وقال: قال الأستاذ أبو منصور عبد الظاهر بن طاهر البغدادي من المتكلمين المحققين من أصحابنا: إن نبينا ﷺ حي بعد وفاته، وأنه يبشر بطاعات أمته، ويحزن بمعاصي العصاة منهم، وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته، وقال: إن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا ﷺ أنه رآه في قبره مصلياً (١) . وقال البيهقي: النبي ﷺ حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته، لم يتبدل منه شيء وأنه غيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد الكرامة برؤيته فيراه على هيئته التي هو عليها فلا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال، وأكثر ما يقع هذه الرؤية للعامة قبيل الموت عند الاحتضار فلا تخرج روح من رآه في منامه حتى يراه في اليقظة، وفاء بوعده ﷺ وأما غير العامه وهم الخواص فتحصل لهم هذه الرؤية في طول حياتهم، إما كثيراً وإما قليلاً بحسب اجتهادهم ومحافظتهم على السنة، فالإخلال بالسنة مانع كبير. وقد نقل عن كثير من السلف والخلف ممن كانوا رأوه ﷺ في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث، فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها فرجها، فجاء الأمر

стр. 612

كذلك بلا زيادة ولا نقص. حكي عن ابن عباس ﷺ أنه رأى النبي ﷺ في النوم فتذكر هذا الحديث، وبقي يفكر فيه، ثم دخل على بعض أزواج النبي ﷺ وهي ميمونة فقص عليها قصته، فقامت وأخرجت له مرآته ﷺ قال ﵁: فنظرت في المرأة فرأيت صورة النبي ﷺ ولم أر لنفسي صورة. وعن الشيخ عفيف الدين اليافعي عن الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه أبي عبد الله القرشي قال: لما جاء الغلام الكبير إلى مصر توجهت لأن أدعو فقيل لي: لا تدعو لا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل ﵇ تلقاني الخليل أي: في اليقظة فقلت: يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر، فدعا لهم ففرج الله عنهم، قال اليافعي: فقوله: «تلقاني الخليل» قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي ﷺ إلى موسى في الأرض، وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي. وحكى الشيخ الإمام سراج الدين ابن الملقن في طبقات الأولياء عن الشيخ الرباني سيدي عبد القادر الجيلاني قال: رأيت رسول الله ﷺ قبل الظهر أي: في اليقظة فقال: يا بني لم لا تتكلم قلت يا أبتاه أنا رجل عجمي كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال: افتح فاك، قال: فقتحنه، فتفل فيه سبعاً، وقال: تكلم على الناس، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير، فارتج علي فرأيت علياً قائماً بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا أبتاه قد ارتج علي فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستاً، فقلت: لم لا تكملها سبعاً؟ قال: أدباً مع رسول الله ﷺ ثم توارى عني فقلت: غواص الفكر يغوص في بحر القلب على دار المعارف، فيستخرجها إلى ساحل الصدر، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان، فتشترى بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع. * * *

стр. 613

المجلس الخامس والثلاثون في قصة موسى مع الخضر صلوات وسلامه عليهما الحمد لله الذي جعل العلم للعلماء نسباً، وأغناهم به وإن عدموا مالاً ونسباً، ولأجله فاز إدريس بالجنة واخبتا، ولطلبه قام الكليم ويوشع وانتصبا، فسار إلى أن لاقيا في سفرهما نصباً، وبسببه خلق الله آدم للبشر أباً، وأمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس أبى، واستخرج من ذريته قبائل وشعباً، وأجرى عليهم قلم القضا، وجعل لكل شيء سبباً، وفق أهل العلم بعنايته فقاموا في خدمته رغباً ورهبا، وفقهم إذ عرفهم أحكامه فأحرزوا به رتبا، وجعلهم في الدنيا كالأعلام وهداة للأنام فاقتفوا به جداً وأبا، وقذف في قلوبهم من المشكلات ما كان بعيداً محتجبا، وكساهم به عزاً وجلالة وسمتاً ومهابة فغدا كل منهم مكرماً ومجتبى، وأذاقهم حلاوة أحكامة فما وجدوا في سفر طلبه تعبا، فإذا وفدوا إليه في القيامة ألبسهم تيجان الكرامة وناداهم أهلاً وسهلاً ومرحبا. قَالَ البُخَارِي: بَاب مَا يُستَحبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفاً الْبِكَالِىَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «قَامَ مُوسَى النَّبِىُّ خَطِيباً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِى بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ احْمِلْ حُوتاً فِى مِكْتَلٍ فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتاً فِى مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَباً، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَباً، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِى أُمِرَ بِهِ. فَقَال لَهُ فَتَاهُ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ، قَالَ مُوسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ - أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ - فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الْخَضِرُ وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ فَقَالَ أَنَا

стр. 614

مُوسَى. فَقَالَ مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ قَالَ نَعَمْ. قَالَ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِى مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً، يَا مُوسَى إِنِّى عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ. قَالَ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلاَ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ الْخَضِرُ يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِى الْبَحْرِ. فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ. فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً. فَانْطَلَقَا فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ. فَقَالَ مُوسَى أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ. قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ» . قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (١) .

стр. 615

قوله: «إِنَّ نَوْفاً الْبِكَالِىَّ» : قال العلماء: نوفا هذا هو ابن فضالة، وكنيته أبو زيد وقيل: أبو رشيد، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه. قال ابن رجب: وهو ممن أسلم من أحبار اليهود، وهو منسوب إلى بني بكال بطن من حمير، فلهذا يقال له البكالي، وكان من علماء التابعين. «يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ» : معنى هذا: أن سعيد بن جبير قال لابن عباس أن نوفا يزعم أن موسى الذي قص الله تعالى لنا قصته مع الخضر في سورة الكهف، ليس موسى بنى إسرائيل الذي هو موسى بن عمران، بل هو موسى آخر موسى بن ميشا (١) ، فلما سمع ذلك ابن عباس عن نوفا قال عنه: «كذب عدو الله» حيث قال: إنه ليس موسى بن عمران. وقد استشكل العلماء قول ابن عباس في حق نوفا: «كذب عدو الله» وقالوا: كيف يكون عدو الله وهو مؤمن، وكان عالماً قاضياً إماماً لأهل دمشق. وأجابوا عنه بأجوبة: أحدها: أن المراد كذب شيطانه الحامل له على هذه المقالة. ثانيها: أن قول ابن عباس كذب عدو الله خرج مخرج التنفير من كلامه حيث قال: «إن موسى الذي قصد الخضر ليس موسى بن عمران بل موسى آخر» وليس المراد القدح فيه. ثالثها: أن ابن عباس قاله في حالة الغضب، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقائقها. «قال ابن عباس: حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ» : هذا هو الصحابي الجليل الأنصاري الخزرجي، وكان رجلاً قصيراً نحيفاً أبيض الرأس واللحية، شهد العقبة الثانية وبدراً وما بعدها من المشاهد، وكان كاتب الوحي، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهده أيضاً. ومن فضائله: أنه أقرأ الصحابة لكتاب الله تعالى.

стр. 616

ومن فضائله ومناقبه التي لم يشاركه فيها أحد من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرني الله تعالى أن أقرأ عليك القرآن» (١) وسنذكر في المجالس الآتية حكمة أمر الله له بالقراءة عليه. سماه رسول الله ﷺ سيد الأنصار، وسماه عمر سيد المسلمين روى له عن رسول الله ﷺ مائه حديث وأربعة وستون حديثاً، ذكر البخاري منها سبعة أحاديث مات سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين بالمدينة. «عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِىُّ» : قال العلماء: كان موسى صلوات الله وسلامه عليه من ذرية إبراهيم الخليل، فإنه موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاو بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان عمره حين مات كما قاله ابن الملقن مائة وعشرين سنة. واختلف العلماء في السبب الذي قصد موسى لأجله الخضر، فقيل سببه: أن موسى سئل ربه فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، قال: فهل في عبادك في الأرض أعلم مني؟ قال: نعم، قال: رب من هو؟ قال: الخضر ثم نعته له ودله على مكانه فقصده. وقيل سببه: أن موسى لما ظهر على فرعون وغلبه وأخذ مصر من القبط، وأهلكهم الله واستقر هو وبنو إسرائيل، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام «موسى النبي خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه» أي: لم يرض الله بقوله أنا أعلم، فإنه كان من حقه أن يرد العلم إلى الله، بأن يقول: الله أعلم به أو يرد برد الملائكة أن يقول: لا علم لنا إلا ما علمتنا، فإن مخلوقات الله لا يعلمها إلا الله قال الله تعالى: ?وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ? [المدثر: ٣١] . وليس معنى العتب هنا المؤاخذة وتغير النفس، فإن ذلك في حق الله مستحيل. «فأوحى الله إليه» : لما لم يرد العلم إليه.

стр. 617

وقال: «إن عبداً من عبادي بمجمع البحرين» أي: عند ملتقى البحرين وهما بحر فارس وبحر الروم مما يلي المشرق. «هو أعلم منك، قال: يارب كيف به» أي: على أي حال يكون الطريق إلى ملاقاته، وجاء في رواية: «قال يارب فدلني عليه حتى أتعلم منه» . «فقيل له: احمل حوتاً في مكتل» أي: إذا أردت الاجتماع به فاحمل معك حوتاً سمكة في مكتل أي: في زنبيل واذهب إليه. قال: «فإذا فقدته فهو ثم» أي: إذا فقدت الحوت فالعبد الذي هو أعلم منك هناك، فجعل فقد الحوت علامة ودليلاً على مكانة. «فانطلق» أي: موسى، «وانطلق بفتاه» أي: بصاحبه «يوشع بن نون» قاصدين الخضر. قال أبو عبد الله: «يوشع» يجوز أن يقال: بالشين المعجمة وإن يقال بالسين المهملة، يوشع كان نبياً في زمن موسى صلوات الله وسلامه عليهما سواء. فإن قيل: عدوا من جملة شروط النبوة أن يكون النبي أكمل أهل زمانة، وهذا يستلزم عدم جواز إرسال نبيين في عصر واحد، فكيف أرسل يوشع في زمن موسى وهارون أخوه أيضاً في زمنه، فإن إرسال موسى وأخيه ثابت بنص القرآن قال الله تعالى: ?اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ? [طه: ٤٣] . وقال: ?فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا? [الشعراء: ١٥] . وقال: ?فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ? [طه: ٤٧] . جوابه: أن معنى هذا الشرط والمراد منه أنه يشترط أن يكون أكمل أهل زمانه ممن ليس نبياً فهو شرط عام، ولكنه مخصوص كما أفاد ذلك ابن الهمام وشيخنا ابن أبي الهمام في المسايرة وشرحها. «وحملا حوتاً في مكتل» أي: تزودا عند سفرهما لأجل الخضر بسمكة مالحة وضعاها في مكتل وسارا. «حتى كانا عند الصخرة» أي: حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين أي: بين البحرين قيل: وكانت هذه الصخرة دون نهر الزيت بالمغرب. والحكمة في أنهما اجتمعا بمجمع البحرين: أنهما بحران في العلم، وكان عند الصخرة عين ماء تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئاً ميتاً إلا حي بإذن الله تعالى، وكان قد أكلا من ذلك الحوت أحد جنبيه، وبقي الجنب الآخر، فلما وصلا إلى الصخرة «وضعا رؤوسهما فناما» .

стр. 618

قيل: قام يوشع بن نون وتوضأ من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش. وقيل: أصابه روح الماء وبرده فاضطرب في المكتل وعاش. «فانسل الحوت من المكتل» أي: فخرج منه فسقط في البحر كما قال تعالى: ?فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً? [الكهف: ٦١] أي: ذهب في البحر ذهاباً. قيل: وأمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق أي: مثل عقد البناء وهو: ما ترك تحته خالياً وعقد أعلاه بالبناء. فائدة: اتفق هنا معجزتان: إحداهما: حياة السمكة المملوحة المأكول منها. والثانية: صيرورة الماء مثل السرب المحفور تحت الأرض كما جاء في رواية: «فجعل الماء لا يلتئم حتى صار كالكوة» . وهاتان المعجزتان إما موسى أو للخضر. «وكان لموسى وفتاه عجباً» . فائدة: قال الدميرى: قال أبو حيان الأندلسي: رأيت سمكة بقرب مدينة «سبته» من نسل الحوت الذي أكل منه موسى وفتاه بصفته، فأحياه الله تعالى فاتخذ سبيله في البحر سرباً، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر من ذراع، وعرضها شبر واحد أحد جنبيها شوك وعظام، وجلد رقيق على أحشائها وعينها ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب استنفرها، ويحسب أنها مأكوله، ونصفها الآخر صحيح، والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة. ومن غريب ما روى أيضاً: أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجراً طريقاً وإن موسى مشى عليه تبعاً للحوت حتى أفضى به ذلك الطريق إلى جزيرة في البحر فيها وجد الخضر. فلما استيقظ موسى نسى صاحبه يوشع أن يخبره بالحوت. «فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما» وفي رواية في البخاري في التفسير وفي مسلم أيضاً: «فانطلقا بقية يومهما وليلتهما» (١) وهو الصواب وكما قاله البرماوي وابن الملقن لقوله: «فلما أصبح» .

стр. 619

وجاء في رواية: «حتى إذا كان من الغد وارتفع النهار حتى جاء وقت الظهر» . «قال موسى لفتاه آتنا غدآءنا» والغداء: بفتح الغين المعجمة والممدودة الطعام الذي يؤكل أول النهار. «لقد لقينا من سفرنا هذه نصبا» أي: تعباً، وإنما حصل لسيدنا موسى التعب والجوع بعد مفارقة الحوت لا قبله، ولهذا قال النبي ﷺ : «ولم يجد موسى مساً من النصب حتى جاوز المكان الذي أُمر به» . والحكمة في حصول التعب له والجوع بعد مفارقة الحوت حتى يطلب الغداء، فيذكر فيه نسيان الحوت، فيرجع إلى محله فيجتمع بمراده. قال أبو الفضل الجوهري: مشى موسى ﵇ للمناجاة أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع. «فقال لفتاه» يوشع لما طلب منه الغداء «أرأيت إن أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت» أي: لما نمنا عند الصخرة نسيت الحوت. سؤال: فإن قيل: كيف نسى يوشع الحوت ومثله لا ينسى، لكونه أمارة على مرادهما. جوابه: أن الشيطان قد شغله بوسواسه حتى نسي، ولذلك قال: ?وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ? [الكهف: ٦٣] . «قال موسى» له لما استمع قوله: فإني نسيت الحوت «ذلك ما كنا نبغ» أي: فقدنا للحوت هو الذي كنا نطلبه، لأنه علامة على وجود مطلوبنا. «فارتدا على آثارهما قصصاً» أي: فرجعا يقتصان الآثار حتى وصلا إلى الصخرة. «فلما أتيا إلى الصخرة» أراه مكان فقد الحوت. «إذا برجل مسجى بثوب، أو قال: تسجى بثوبه» أي: فلما وصل إلى الصخرة وإذا بالخضر مغطىً بثوب كله كتغطية الميت وجهه ورجله وجميعه، كما جاء في رواية أخرى: «قد تسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه» . وقال الثعلبي: فانتهى موسى وفتاه إلى الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء، على وجه الماء، وهو مسجي بثوب أخضر. وفي صحيح البخاري (١) : «فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائماً يصلي على طنفسة

стр. 620

خضراء على كبد البحر» (١) أي: وسطه. «فسلم موسى» على الخضر، «فقال» له «الخضر وأنى بأرضك السلام» أي: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يعرف فيها السلام، فأني اسم استفهام بمعنى: من أين هنا، كما في قوله تعالى: ?أَنَّى لَكِ هَذَا? [آل عمران: ٣٧] فإنها نكون بمعنى: من أين، وبمعنى: متى وحيث وكيف. وتعجب الخضر من وقوع السلام إما لأن السلام لم يكن معروفاً عندهم إذ ذاك، إلا بين الأنبياء والأولياء، وإما لأن تلك البلاد كانت بلاد كفر وهم لا يعرفون السلام. فلما قال له الخضر: «وأنى بأرضك السلام» تحقق موسى أن الخضر عرفه فعرَّفه بنفسه «فقال: أنا موسى فقال» له الخضر: أنت «موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم» . وقال بعض العلماء: إن موسى لما سلم عليه وهو مغطى عرَّفه أنه موسى، فرفع رأسه واستوى جالساً وقال: عليك السلام يا نبي بنى إسرائيل، قال: ما الذي أدراك بي، ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودلك علي، ثم قال الخضر: يا موسى أما يكفيك أن التوراة بيدك، وأن الوحي يأتيك، قال موسى: إن ربي أرسلني لأتبعك وأعلم من علمك. ثم «قال» موسى للخضر: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً» أي: صواباً أرشد به، وإنما سأله ذلك لأن الزيادة إلى العلم مطلوبة. سؤال لصاحب الكشاف وهو: فإن قيل: دلت حاجته إلى العلم من الخضر أنه ليس موسى بن عمران بل موسى بن ميشا لأن موسى بن عمران نبي، والنبى يجب أن يكون أعلم أهل زمانه. وأجاب: أنه لا نقص بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله. وقال الكرماني: وهذا الجواب لا يتم على القول بولاية الخضر، ثم أجاب: بأن موسى لم يسأل الخضر عن شيء من أمر الدين، والأنبياء لا يجهلون ما يتعلق بدينهم الذي يعبدون الله به، وإنما سأله عن شيء ليس عنده علمه مما ذكر في السورة. فلما سأل موسى الخضر أن يتبعه حتى يتعلم منه «قال» له الخضر: «إنك لن

стр. 621

تستطيع معي صبراً» يعني: إنك سترى مني شيئاً ظاهره منكر فلا تصبر عليه. ثم قال له الخضر أيضاً: «يا موسى إني أعلم علم من علم الله علمينه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه إياه الله لا أعلمه» أنا. جاء في رواية: «أن الخضر قال له: فما شأنك إن الوحي يأتيك يا موسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه» . ثم قال له: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» يعني: على ما لم تعلمه. «قال» له موسى: «ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً» : إنما قال موسى إن شاء الله لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم من عدم عصيانه، وهذه عادة الأنبياء والأولياء ألا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عين. فقال الخضر: «فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً» يعني: إذا رأيت مني ما تنكره باطناً بحسب علمك، فاصبر حتى أبينه لك بعلته بحسب علمي، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم. «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول» . سؤال: فإن قيل: كيف قال «فحملوهما» مع أنهم كانوا ثلاثة الخضر وموسى ويوشع، ويدل عليه قوله: «فكلموهم» . فالجواب: أن يوشع لما كان تابعاً اكتفي بذكر الأصل عن الفرع، وهذا نظير قوله تعالى: ?فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى? [طه: ١١٧] ولم يقل فتشقيان، بل ثنى ثم أفرد، لأن آدم هو الأصل فأفرد بالذكر، وحواء كانت تابعة فلم تذكر اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع. فالحاصل: أن أهل السفينة حملوا الثلاثة في سفينتهم بغير أجرة. «فجاء عصفور» وذكر بعضهم: أنه الصُّرَد قاله الزركشي. «فوقع على حرف السفينة» أي: على طرفها «فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور» نقص علمي وعلمك من علم الله لاكتفون هذا العصفور في البحر. استشكل العلماء هذا وقالوا: إن ظاهره يقتضي أن علم الله يدخله النقص مع أن الزيادة والنقص لا يدخلان في علم الله تعالى؟

стр. 622

وأجابوا عن الاستشكال المذكور بأجوبة: أحدهما: أن هذا على جهة التمثيل، والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، وكأنه لم يأخذ شيئا. الثاني: أن «إلا» هنا بمعنى «ولا» كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك شيئاً من علم الله، ولا ما أخذ العصفور من هذا البحر، أي: أن علم الله لا يدخله النقص ومثل هذا قوله تعالى ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً? [النساء: ٩٢] . والثالث: أن «إلا» على بابها، والمراد بالنقص: التفويت الذي له أثر محسوس، ونقر العصفور ليس ينقص البحر بهذا المعنى، فكذلك علمنا لا ينقص من علم الله شيئاً. وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيه غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب أي: ليس فيهم عيب. الرابع: أن العلم هنا بمعنى: المعلوم كالعمل في قوله تعالى: ?وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ? [البقرة: ٢٥٦] ولولا ذلك لما صح دخول التبعيض فيه، لأن الصفة القديمة لا تبعض. الخامس: لابن رجب وهو جواب حسن قال: إن البحر لا ينقص البتة من العصفور، بل ولا بشرب غيره من الحيوانات، بل ولا بالاستسقاء منه، ولو نزف منه جميه أهل الأرض لم ينقص شيئاً في الحقيقة، وذلك أن البحر يمده جميع أنهار الدنيا، ومياهها الجارية، فلا يؤخذ منه شيء، إلا وفي تلك الحال يستخلف فيه ما هو أكثر مما أخذ منه، فلا يتصور نقصه مع ذلك. وشبه ذلك بما في الجنة من طعام وشراب وثمار وغيرها قال: فإنها لا تنقص أبداً مع تناول أهل الجنة منها، فإنه يستخلف في الحال مثل المأخوذ منه أو أكثر فالمعنى: إن علمي وعلمك لا ينقص من علم الله شيئاً كما لا ينقص هذا العصفور من هذا البحر شيئاً، وهذا كقوله تعالى: ?لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً? [مريم: ٦٢] أي: لا يسمعون فيها لغو البتة. ثم قال رسول الله ﷺ : «فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة» أي: بعد أن توسطوا البحر. «فنزعه» وقيل: نزع لوحين منها.

стр. 623

وقد جاء في رواية في الصحيح: «أنه وتد فيها وتداً» . وفي رواية أخرى: «أنه عمد إلى قدوم» أي: فأس «فخرق لوحاً من السفينة حتى دخلها الماء» . «فقال موسى» بعد أن دخل الماء السفينة وحشا الخرق بثوبه، وقيل: إن الماء لم يدخلها وسدها موسى بثوبه خوفاً من دخوله. «قوم حملونا بغير نول» وأحسنوا إلينا. «فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها» أي: ما هذا جزاؤهم منا. «لقد جئت شيئاً إمراً» أي: لقد فعلت فعلاً عظيماً منكراً. فقال الخضر لموسى: «ألم أقل إنك لم تستطيع معي صبراً» فاعتذر إليه موسى وقال: «لا تؤاخذني بما نسيت» أي: غفلت. «ولا ترهقني من أمري عسراً» يعني عاملني في صحبتي إياك بالعفو والتيسير، ولا تضيق علي وتعاملني بالعسر. «فكانت الأولى» أي: المسألة الأولى «من موسى نسياناً» أي: فلهذا اعتذر، وأما الثانية: فإنه لم ينس فلهذا لم يعتذر، وجاء في رواية في الصحيح: «فكانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» . فائدة: قال الثعلبي: قال ابن عباس: «لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحيته ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل، كنت في بني إسرائيل أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية، وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم، قال: قلت كذا وكذا، قال: «صدقت» . «فانطلقا بعد خروجهما من السفينة يمشيان على الساحل فإذا غلام» لطيف ظريف وضيئ. «يلعب مع الغلمان» أي: مع الأطفال، وكانوا عشرة فأخذه الخضر وقتله بلا ذنب في الظاهر، وموسى ينظر إليه. وفي مسلم: «فذعر موسى ذعرة منكرة عندها» (١) . واختلف العلماء في كيفية قتله إياه: فقيل: أخذه فضجعه ثم ذبحه بالسكين.

стр. 624

وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله. وقيل: أدخل أصبعه في سرته أي الصبي فاقتلعها فمات. وقال في هذا الحديث: «فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده» . واختلفوا في اسمه أيضاً، فقيل: جيسور، وقيل: حسين، وقيل جنتور، وقيل غير ذلك. «فقال موسى أقتلت نفسا ذكية» أي: طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث. وأكثر العلماء والمفسرين على أنه كان دون البلوغ، والذي يدل عليه أنه كان دون البلوغ قوله: «إذا غلام يلعب مع الصبيان» فإن الغلام يطلق على من دون البلوغ فقد قال العلماء: المولود يسمى غلاماً وصبياً وطفلاً إلى البلوغ، فإذا بلغ يسمى شاباً إلى الثلاثين، فإذا وصل إلى الثلاثين يسمى كهلاً إلى الأربعين، فإذا وصل إلى الأربعين يسمى شيخاً. وذهب بعض العلماء إلى أنه كان بالغاً لما قتله الخضر، واستدلوا على ذلك بقوله: «بغير نفس» فإن المعنى: قتلت نفساً ذكية من غير أن يصدر منها قتل يوجب القصاص، والصبي لو قتل لا قصاص عليه، فدل على أنه كان بالغاً. وأجاب الكرماني عنه: بأن المراد بقوله: «بغير نفس» التنبيه على أنه قتل بغير حق، أو إن شرعهم كان يقضي إيجاب القصاص على الصبي. «قال موسى: للخضر لقد جئت» بقتلك الصبي «شيئاً نكراً» أي: منكراً فلما قال له هذا الكلام غضب الخضر، ثم اقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم منه، فإذا عظمة كتفه مكتوب عليها كافر لا يؤمن بالله أبداًً، فلما اعترض على الخضر في فعله الثاني، وأنكر عليه كما أنكر عليه أولاً. «قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً، قال ابن عينية: وهذا أوكد» يعني: زيادة لك هنا أوكد في عتاب موسى، وفي عدم حفظه للوصية وقلة صبره، وفي ذلك أيضاً تنبيه على أنه لا عذر لموسى في هذه المرة الثانية بخلاف الأولى، ولهذا قال للخضر: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني بعد هذه المرة» أي: لا تتركني أتبعك وفارقني قد بلغت من لدني عذراً في فراقك إياي. «فانطلقا يمشيان حتى إذا أتيا أهل قرية» واختلف العلماء في هذه القرية التي أتاها الخضر وموسى.

стр. 625

فقيل: هي «أنطاكية» وعليه ابن عباس وأكثر العلماء والمفسرين. وقيل: هي قرية من قري الروم تسمى «الناصورة» وإليها ينسب النصاري. وقيل: «آيلة» وهي: أبعد الأرض من السماء. وكان دخولهما قبل غروب الشمس، وكانوا محتاجين إلى الطعام مفتقرين إلى تحصيله، إما بكسب أو سؤال، وقد مستهما الحاجة إليه، لأن ذلك الوقت كان وقت جدب واضطرار. فلما دخلا القرية «استطعما أهلها» أي: طلبوا منهم الطعام ضيافة، «فأبوا أن يضيفوهما» فإنهم كانوا لئاماً. وقد روى أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في قوله: ?فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا? [الكهف: ٧٧] قال: «كانوا أهل قرية لئاماً» قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه. فلم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى (١) ولا مأوى، وكانت ليلة باردة فالتجئوا إلى حائط على شارع «يريد أن ينقض» أي: يقرب أن يسقط لميلانه كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ?فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ? [الكهف: ٧٧] ، ولم يزل أهل القرية وغيرهم من الناس يمر تحته على خوف منه، وكان قد بناه رجل صالح. قال الثعلبي: وكان سمك ذلك الحائط مائتي ذراع بذارع ذلك القرن، وكان طوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وكان عرضه خمسون ذراعاً فأقامه الخضر لما رآه مائلاً. واختلف العلماء في كيفية إقامته، فقيل: هدمه ثم قعد يبنيه، وقيل: دفعه بيده ثم قعد يبنيه، وقيل: دفعه بيده فقام، وقيل: مسحه بيده فاستقام كما قال في هذا الحديث: «قال الخضر بيده، فأقامه» أي: أشار إليه بيده فأقامه، قيل: في هذا الذي فعله الخضر دلالة على أنه نبي، لأن إقامة هذا الجدار بإشارة من يده معجزة عظيمة، وأجاب عنه الكرماني: بأنه يحتمل أن يكون ذلك كرامة تصدر من الولي، فلا دلالة فيه على أنه نبي. «فقال له موسى» لما أقام الجدار وأصلحه: قوم استضفناهم فلم يضيفونا مع شدة احتياجنا إلى الطعام فأصلحت جدارهم بلا ضيافة منهم.

стр. 626

«لو شئت لاتخذت عليه أجراً» أي: لاتخذت على ذلك أجرة لتكون لنا قوة وبلغة على سفرنا. قال الخضر: «هذا فراق بيني وبينك» أي: لهذا الاعتراض الثالث علي سبب للفراق بيني وبينك يا موسى (١) . ثم قال له: ?سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً? [الكهف: ٧٨] أي: سأخبرك عن سبب خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاحي الجدار، لتعلم أنه لا إنكار علي. ثم أخذ يبين له ذلك فقال كما قال الله تعالى حكاية عنه: ?أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ? أي: لعشرة مساكين أخوة، ولم يكن لهم معيشة غيرها ورثوها من أبيهم، وكانت تساوي ألف دينار. ثم قال له الخضر: فأردت أن أعيب هذه السفينة قطعاً لطمع الطامعين فيها، ودفعاً لشرهم، فإنه كان ?وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً? قال: فخرقتها وعبتها لئلا يتعرض لها ذلك الملك ويدعها لعيبها، فإذا جاوزوه صلحوها فانتفعوا بها، وقد أصلحها الخضر بعد مجاوزة الملك. فائدة: استدل ابن عبد السلام بخرق السفينة مخافة أخذ الغاصب على أنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون، وخاف عليه أن يأخذه ظالم، أنه يجب أن يعيبه لأجل حفظها، وقريب من هذه المسالة ما لو خاف الوصي على المال الذي تحت يده من استيلاء ظالم عليه فله تخليصه بشيء منه، والله يعلم المفسد من المصلح، ونظير هذا ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلاً وعلم أنه لو لم يبذل منه شيء لقاضي سوء لانتزعه منه وسلمه لبعض خونته وأدي ذلك إلى ذهابه، فإنه يجب عليه أن يدفع إليه شيئاً ويتحرى في أقل ما يمكن إرضاؤه به، والقول قوله إذا نازعه المحجور عليه بعد رشده في بذل ذلك، وإن لم تدل القرائن عليه، وكذلك القول من عيب مال اليتيم قوله ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه لم يفعله لهذا الغرض، كما قاله القاضي زكريا في شرح الروض قبيل باب الوديعة أنه الأوجه، قال: لأن ذلك لا يعلم إلا منه غالباً. ثم أخذ الخضر يبين له ما فعله بالغلام فقال كما قال الله حكاية عنه ?وَأَمَّا الغُلامُ

стр. 627

فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ? وكان هو كافراً، وكان ابن عباس يقرأ هذه الآية ?وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ?. وفي صحيح مسلم: «وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفاً عليه فلو أنه أدرك أرهقهما طغياناً وكفراً» . وهذا بمعنى قول الخضر ?فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً? أي: فعلمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعى أبويه إلى الكفر، فيجيبانه ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما إياه فيدخلان النار، والطغيان: الزيادة في الضلال. ثم قال الخضر: ?فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً? أي: وأوصل للرحم وأبر بوالديه. قال الثعلبي: فأبدلهما الله جارية مؤمنة أدركت يونس بن متى، فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم. وري عن جعفر الصادق عن أبيه أنه قال: أبدلهما جارية ولدت سبعين نبياً. ثم أخذ يبين له حال الجدار فقال كما قال الله تعالى: ?وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ? وكان اسم الغلامين: «أصرم، وصريم» . ?وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا? واختلف العلماء في ذلك الكنز أي شيء كان: فقيل: كان صحفاً مدفونة تحته فيها علم. وقيل: كان لوحًا من ذهب مكتوب في أحد شقية: «بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وفي شقه الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه» رواه عطاء عن ابن عباس. وقال أكثر العلماء: إن الكنز كان ملآناً بذهب وفضة وهو الظاهر من إطلاقه. ثم قال: ?وَكَانَ أَبُوهُمَا? شيخاً ?صَالِحاً? أي: أميناً تقياً، فحفظا بصلاح أبيهما ولن يذكر منهما صلاحاً، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء. قال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وبقعته التي

стр. 628

هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ وستر (١) . لطيفة: حكي عن بعض العلوية أنه دخل على هارون الرشيد وقد همَّ بقتله، فلما دخل عليه أكرمه وخلى سبيله، فقيل له: بما دعوت حتى أنجاك الله منه قال: قلت: يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح أبيهما احفظني منه لصلاح آبائي (٢) . قال الخضر: ?فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا? المدفون تحت الجدار ?وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي? وإنما فعلته بأمر الله ?ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً?. لطيفة: قال الثعلبي: لما أنكر موسى على الخضر خرق السفينة مخافة غرق أهلها، وقتل الغلام، وإقامة الجدار محتسباً بدون أجر، قال له: يا موسى أتلومني على خبر السفينة مخافة غرق أهلها ونسيت نفسك حين ألقتك أمك وأنت صغير في اليم ضعيف فحفظك الله، وتلومني على قتل الغلام الكافر بلا أمر، ونسيت نفسك حين قتلت القبطي بغير أمر، تلومني على ترك أخذ الأجرة في إقامة الجدار، ونسيت نفسك حين سقيت أغنام شعيب لأجل الله تعالى (٣) . قال الثعلبي: وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أو غيره: أن موسى لما أرد فراق الخضر قال له الخضر: استودعك الله، فقال له موسى: أوصني، فقال له الخضر، لا تكن مشاء في غير حاجة، وإياك واللجاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين بخطاياهم، وابك على خطيئتك، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد (٤) . «قال رسول الله ﷺ : يرحم الله موسى لوددنا لوصبر حتى يقص علينا من أمرهما» . «لوددنا» جواب قسم محذوف، «ولو صبر» في تأويل المصدر أي: والله لوددنا صبر موسى، لأنه لو صبر لأبصر أعجب العجائب. وروي عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب العجاب، ولكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت

стр. 629

من لدني عذراً» . استنبط الإمام النووي وغيره من قصة موسى والخضر فوائد كثرة: قالوا: فيه دلالة على استحباب الرحلة للعلم وفضيلة طلبه. وفيه: دلالة على جواز النزول للسفر. وفيه: دلالة على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الأدب مع العالم، وأن يحترم المشايخ، وأن يترك الاعتراض عليهم، وأن يؤول ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم، وأن يوفي بما عاهدهم عليه، وأن يعتذر لهم عند مخالفتهم. وفيه: دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يطلب من غيره الطعام عند احتياجه إليه. وفيه: دليل على إثبات كرامات الأولياء. وفيه: دليل على جواز الإجازة، وعلى جواز ركوب السفينة، وعلى جواز ركوبها بغير أجرة برضا صاحبها. وفيه: دليل على أن الشرع إنما يحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه. وفيه: دليل على أن الكذب: الإخبار على خلاف الواقع عمداً أو سهواً خلافاً للمعتزلة (١) . وفيه: دليل على أنه إذا تعارضت مفسدتان على شيء واحد جاز دفع أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، كمسئله ابن عبد السلام السابقة وغيرها، ولهذا خرق الخضر السفينة لدفع غصبها، فإن الخرق أهون من الغضب. وفيه: دليل على جواز فساد بعض المال لإصلاح باقيه. قال العلماء: يجوز خصاء صغار الحيوان المأكول لأجل أن يطيب لحمه، ولا يجوز خصاء كبار المأكول ولا خصاء غير المأكول مطلقاً، وعليهما يحمل حديث النهي عن خصاء البهائم. وقالوا: يجوز قطع بعض آذان الأنعام للتمييز، قاله ابن الملقن. وفيه: دليل على جواز التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه كل الناس، ولو كان ظاهره منكراً، واستفيد هذا من قتل الغلام وخرق السفينة، فإن صورتهما صورة المنكر، وفي نفس الأمر كانا صحيحين

стр. 630

ولهما حكمة كانت خفية عن الخلق، فلما أعلمهم الخضر بها بعد أن أعلمه الله بها علموها، ولهذا قال: ?وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي?. وفيه: دليل على أنه يجب الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع. وفيه: دليل على أنه يجب على العالم الرغبة في الزيادة من العلم والحرص عليه، ولا يقنع بما عنده، ولهذا لم يكتف موسى بعلمه بل طلب الزيادة. وفيه: دليل على أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول، ويقضي له حاجته، ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب، بل من مروءات الأصحاب، وحسن العشرة، ودليل هذا: حمل فتى موسى وهو يوشع الغداء. وفيه: دليل على أنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم ولا أدري. جاء في الخبر: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري» (١) . وقال الشعبي: «لا أدري» نصف العلم. وقال الإمام مالك: جنة العالم «لا أدري» فإذا أخطأها فقد أصيبت مقالته. وقال أبو حفص النيسابوري: العالم هو الذي يخاف عند السؤال أن يقال له يوم القيامة: من أين أجبت؟. وكان ابن عمر يقول: يريدون أن يجعلونا جسراً يعبرون علينا. وكان ابن عمر أيضاً يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسعة. ونقل عن الإمام مالك أنه سئل عن ثماني وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها: «لا أدري» . وكذلك قال إمامنا الشافعي «لا أدري» في مسائل. وكذلك أبو حنيفة سئل عن تسع مسائل فقال فيها: «لا أدري» . وكذلك كان أحمد بن حنبل يكثر من قول: «لا أدري» . حتى نقل عن جبريل أنه قال: «لا أدري» . وكذلك نبينا ﷺ قال: «لا أدري» .

стр. 631

قال حجة الإسلام الغزالي: قال رسول الله ﷺ : «لا أدري أعزير نبي أم لا، وما أدري تبع ملعون أم لا، وذو القرنين نبي أم لا» (١) . ولما سئل عن خير بقاع الأرض وشرها؟ قال: «لا أدري» حتى نزل جبريل فسأله فقال: «لا أدري» إلى أن علمه الله تعالى أن المسجد خير البقاع، وشرها السوق (٢) . وكان في الفقهاء من يقول: «لا أدري» أكثر من أن يقول: «أدري» منهم: الثوري، ومالك، وأحمد، والفضيل، وبشر بن الحارث. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلي: «أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين صحابياً من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه ذلك» (٣) . وفي لفظ آخر: «كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر إلى الآخر حتى تعود إلى الأول» (٤) . وفي الحديث: دليل على أنه ينبغي للعالم التواضع مع الناس كلهم، خصوصاً مع المتعلمين، فيرفق بهم ويلين لهم الكلام، ويبذل لهم النصيحة، كما أن المتعلم ينبغي له أن يتواضع لعلمه، ويجلس بين يديه متأدباً، لأن الله تعالى عتب على موسى حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، وقد أمر الله سيد المتواضعين نبينا محمداً ﷺ بخفض الجناح قال الله تعالى: ?وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ? [الحجر: ٨٨] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً ليأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا آتوكم فاستوصوا بهم خيراً» رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما (٥) .

стр. 632

وجاء عن رسول الله ﷺ : «لينو لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه» (١) . وعن ابن عباس ﵄ قال: «أكرم الناس جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت» (٢) . وفي رواية قال: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني» . وقال أيوب السجستاني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله تعالى. وفي قول الخضر لسيدنا موسى ﵇: «إني على علم من علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه» دليل على أن موسى علمه الله الشريعة دون الحقيقة. قال شيخنا جلال الدين السيوطي: إنما جمعت الحقيقة والشريعة لنبينا ﷺ ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر وقوله: «إني على علم ... » إلى آخره. قال البلقيني: قول الخضر لموسى: «إني على علم ... » إلى آخره، ظاهره أنه يمتنع تعليم العلمين معاً وهو مشكل، فإنه لا يمنع جمعها. ثم أجاب بجوابين: أحدهما: بين فيه وجه امتناع الجمع بين الحقيقة الشريعة فقال: جواب هذا الإشكال: أن علم الحقائق والكشوف ينافي علم الظاهر، فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي، لأنه إذا وجد غلاماً ظاهر الشرع يقتضي امتناع قتله، والحقيقة تقتضي أن يقتل، فلا ينبغي له أن يعلم هذا لما قررناه من التنافي، وأما العالم بالحقيقة فلا ينبغي له أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به، والذي ينافي ما عنده من الحقيقة، فإنه إذا اطلع بمقتضى الحقيقة على أن هذا الغلام يقتل كان منافياً للظاهر الشريعة. الجواب الثاني: أنه يمكن حمل العلم على تنفيذه أي: العمل به لا على امتناع تعلمه والمعنى: أن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به، ولأن العمل به مناف لمقتضى الشرع، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأعمل بمقتضاه لأن مقتضاه منافي لمقتضى الحقيقة، قال: فعلى هذا لا يجوز للولي التابع لرسول الله ﷺ إذا اطلع على حقيقة شيء أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة، وإنما عليه تنفيذ الحكم للظاهر، قال: ولا أر من تعرض لذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 633

المجلس السادس والثلاثون في الكلام على قوله تعالى: ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ? [الإسراء: ٨٥] وفيه فوائد كثيرة متعلقة بالروح قَالَ البُخَارِي: باب قول الله تعالى: ? وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ? [الإسراء: ٨٥] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ لاَ يَجِىءُ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً? [الإسراء: ٨٥] . قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (١) . يتعلق بهذا الحديث وهذه الآية فوائد كثيرة في الروح وغيره: الفائدة الأولى: «الروح» تذكر وتؤنث فيقال: روح طيب، وروح طيبة. الفائدة الثانية: تطلق «الروح» في القرآن وغيره على معان، تطلق ويراد بها: ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة. وتطلق ويراد بها: ملك له سبعون ألف لسان يسبح الله بها ويقدسه. وتطلق ويراد بها: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش.

стр. 634

وتطلق ويراد بها: خلق كخلق بني آدم له أيد وأرجل. وتطلق ويراد بها: عيسى ﵇. ونطلق ويراد بها: القرآن. وتطلق ويراد بها: الوحي. وتطلق ويراد بها: خلق من خلق الله، لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه. وتطلق ويراد بها: مَلَك عظيم يقوم وحده فيكون صفاً، وتقوم الملائكة صفاً، قال تعالى: ?يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفاًّ? [النبأ: ٣٨] . وتطلق ويراد بها الروح التي في الجسد. فهذه أحد عشر معنى للروح. والفائدة الثالثة: اختلف العلماء في المراد بالروح المسئول عنها في الآية من هذه المعاني، فقيل: عيسى بن مريم، كأنهم سألوه عنه فقال لهم: هو من أمر الله لا كما تقوله النصارى فيه. وأكثر المفسرين والعلماء على أن الروح المسئول عنها هي: الروح التي في الجسد سألوه عن حقيقتها وكيفية امتزاجها في الجسم فقال لهم في الجواب: «هي من أمر ربي» أي: ما استأثر الله بعلمه، أي: اختص بعلمه ولم يطلع عليها أحد من خلقه. قال بعضهم: قال أكثر أهل العلم: وليس في الآية دليل على أن الروح أي: روح الجسد لا تعلم، ولا أنه ﵊ لم يكن يعلمها، ولكن إنما أمره الله تعالى أن يقول لهم: «هي من أمر ربي» ولم يعينها لهم لأمرين: أحدهما: أنه كان عندهم في التوراة أن الروح من أمر الله تعالى، لا يطلع عليها أحداً، فقالت اليهود: نسأله عنها فإن أجاب فليس بنبي، وإن لم يجب فهو صادق، فلما سألوه لم يجبهم بل انتظر حتى نزلت عليه الآية، فأخبرهم أنها من أمر الله، فقالوا: هكذا نجده عندنا. الأمر الثاني: إنما قال لهم: «هي من أمر الله» لأنهم قصدوا تعجيزه وتغليطة، فإن الروح لما كانت مشتركة بين المعاني التي قدمنا ذكرها، قصدوه أن يسألوه فبأي معنى من المعاني أجاب قالوا: ليس هذا، فأمره الله تعالى أن يجيبهم جواباً مجملاً، فإن أمر ربي يصدق على كل واحدة من مسميات الروح. واعلم أنه قد افترق الناس فيها فرقتين، فرقة أمسكت عن الكلام فيها، لأنها سر من أسرار الله تعالى لم يؤت علمه لبشر، وهذه الطريقة هي المختارة.

стр. 635

قال الجنيد: الروح شيء استاثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود. وعلى هذه الطريقة ابن عباس وأكثر السلف (١) . وها هنا سؤال على هذه الطريقة وهو: فإن قيل: ما الحكمة في عدم اطلاع عباده على حقيقة الروح؟ جوابه: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم بحقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى قاله القرطبي. وقال ابن بطال: الحكمة في ذلك تعريف الخلق عجبهم من علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم ذلك إلى رد العلم إليه. والفرقة الثانية: تكلمت فيها وبحثت عن حقيقتها. قال النووي: وأصح ما قيل في ذلك قول إمام الحرمين: إنها جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر. وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف الساري في الأبدن. وقيل: هي بعض الجسم. وقال أبو الحسن الأشعري (٢) : الروح النفس الداخل والخارج. قال ابن الملقن وهذا أشهر الأقوال. وقيل: الروح الدم. وقيل: جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الإنسان. قال ابن الملقن: وذكر بعضهم فيها سبعين قولاً. الفائدة الرابعة: اختلف العلماء هل علم النبي ﷺ الروح وأمره الله أن لا يطلع عليها أحداً، أو ما علمها؟ فقيل: إنه قبض ولم يعلمها. وقيل: أطلعه الله عليها ولم يأمره أن يطلع عليها أمته، وهذا نظير الخلاف في علم الساعة. الفائدة الخامسة: وقع الاختلاف في الروح هل هي جسم أو عرض.
следующие страницы →