← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قال حجة الإسلام الغزالي: قال رسول الله ﷺ : «لا أدري أعزير نبي أم لا، وما أدري تبع ملعون أم لا، وذو القرنين نبي أم لا» (١) . ولما سئل عن خير بقاع الأرض وشرها؟ قال: «لا أدري» حتى نزل جبريل فسأله فقال: «لا أدري» إلى أن علمه الله تعالى أن المسجد خير البقاع، وشرها السوق (٢) . وكان في الفقهاء من يقول: «لا أدري» أكثر من أن يقول: «أدري» منهم: الثوري، ومالك، وأحمد، والفضيل، وبشر بن الحارث. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلي: «أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين صحابياً من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه ذلك» (٣) . وفي لفظ آخر: «كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر إلى الآخر حتى تعود إلى الأول» (٤) . وفي الحديث: دليل على أنه ينبغي للعالم التواضع مع الناس كلهم، خصوصاً مع المتعلمين، فيرفق بهم ويلين لهم الكلام، ويبذل لهم النصيحة، كما أن المتعلم ينبغي له أن يتواضع لعلمه، ويجلس بين يديه متأدباً، لأن الله تعالى عتب على موسى حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، وقد أمر الله سيد المتواضعين نبينا محمداً ﷺ بخفض الجناح قال الله تعالى: ?وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ? [الحجر: ٨٨] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً ليأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا آتوكم فاستوصوا بهم خيراً» رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما (٥) .

стр. 632

وجاء عن رسول الله ﷺ : «لينو لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه» (١) . وعن ابن عباس ﵄ قال: «أكرم الناس جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت» (٢) . وفي رواية قال: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني» . وقال أيوب السجستاني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله تعالى. وفي قول الخضر لسيدنا موسى ﵇: «إني على علم من علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه» دليل على أن موسى علمه الله الشريعة دون الحقيقة. قال شيخنا جلال الدين السيوطي: إنما جمعت الحقيقة والشريعة لنبينا ﷺ ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر وقوله: «إني على علم ... » إلى آخره. قال البلقيني: قول الخضر لموسى: «إني على علم ... » إلى آخره، ظاهره أنه يمتنع تعليم العلمين معاً وهو مشكل، فإنه لا يمنع جمعها. ثم أجاب بجوابين: أحدهما: بين فيه وجه امتناع الجمع بين الحقيقة الشريعة فقال: جواب هذا الإشكال: أن علم الحقائق والكشوف ينافي علم الظاهر، فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي، لأنه إذا وجد غلاماً ظاهر الشرع يقتضي امتناع قتله، والحقيقة تقتضي أن يقتل، فلا ينبغي له أن يعلم هذا لما قررناه من التنافي، وأما العالم بالحقيقة فلا ينبغي له أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به، والذي ينافي ما عنده من الحقيقة، فإنه إذا اطلع بمقتضى الحقيقة على أن هذا الغلام يقتل كان منافياً للظاهر الشريعة. الجواب الثاني: أنه يمكن حمل العلم على تنفيذه أي: العمل به لا على امتناع تعلمه والمعنى: أن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به، ولأن العمل به مناف لمقتضى الشرع، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأعمل بمقتضاه لأن مقتضاه منافي لمقتضى الحقيقة، قال: فعلى هذا لا يجوز للولي التابع لرسول الله ﷺ إذا اطلع على حقيقة شيء أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة، وإنما عليه تنفيذ الحكم للظاهر، قال: ولا أر من تعرض لذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 633

المجلس السادس والثلاثون في الكلام على قوله تعالى: ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ? [الإسراء: ٨٥] وفيه فوائد كثيرة متعلقة بالروح قَالَ البُخَارِي: باب قول الله تعالى: ? وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ? [الإسراء: ٨٥] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ لاَ يَجِىءُ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً? [الإسراء: ٨٥] . قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (١) . يتعلق بهذا الحديث وهذه الآية فوائد كثيرة في الروح وغيره: الفائدة الأولى: «الروح» تذكر وتؤنث فيقال: روح طيب، وروح طيبة. الفائدة الثانية: تطلق «الروح» في القرآن وغيره على معان، تطلق ويراد بها: ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة. وتطلق ويراد بها: ملك له سبعون ألف لسان يسبح الله بها ويقدسه. وتطلق ويراد بها: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش.

стр. 634

وتطلق ويراد بها: خلق كخلق بني آدم له أيد وأرجل. وتطلق ويراد بها: عيسى ﵇. ونطلق ويراد بها: القرآن. وتطلق ويراد بها: الوحي. وتطلق ويراد بها: خلق من خلق الله، لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه. وتطلق ويراد بها: مَلَك عظيم يقوم وحده فيكون صفاً، وتقوم الملائكة صفاً، قال تعالى: ?يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفاًّ? [النبأ: ٣٨] . وتطلق ويراد بها الروح التي في الجسد. فهذه أحد عشر معنى للروح. والفائدة الثالثة: اختلف العلماء في المراد بالروح المسئول عنها في الآية من هذه المعاني، فقيل: عيسى بن مريم، كأنهم سألوه عنه فقال لهم: هو من أمر الله لا كما تقوله النصارى فيه. وأكثر المفسرين والعلماء على أن الروح المسئول عنها هي: الروح التي في الجسد سألوه عن حقيقتها وكيفية امتزاجها في الجسم فقال لهم في الجواب: «هي من أمر ربي» أي: ما استأثر الله بعلمه، أي: اختص بعلمه ولم يطلع عليها أحد من خلقه. قال بعضهم: قال أكثر أهل العلم: وليس في الآية دليل على أن الروح أي: روح الجسد لا تعلم، ولا أنه ﵊ لم يكن يعلمها، ولكن إنما أمره الله تعالى أن يقول لهم: «هي من أمر ربي» ولم يعينها لهم لأمرين: أحدهما: أنه كان عندهم في التوراة أن الروح من أمر الله تعالى، لا يطلع عليها أحداً، فقالت اليهود: نسأله عنها فإن أجاب فليس بنبي، وإن لم يجب فهو صادق، فلما سألوه لم يجبهم بل انتظر حتى نزلت عليه الآية، فأخبرهم أنها من أمر الله، فقالوا: هكذا نجده عندنا. الأمر الثاني: إنما قال لهم: «هي من أمر الله» لأنهم قصدوا تعجيزه وتغليطة، فإن الروح لما كانت مشتركة بين المعاني التي قدمنا ذكرها، قصدوه أن يسألوه فبأي معنى من المعاني أجاب قالوا: ليس هذا، فأمره الله تعالى أن يجيبهم جواباً مجملاً، فإن أمر ربي يصدق على كل واحدة من مسميات الروح. واعلم أنه قد افترق الناس فيها فرقتين، فرقة أمسكت عن الكلام فيها، لأنها سر من أسرار الله تعالى لم يؤت علمه لبشر، وهذه الطريقة هي المختارة.

стр. 635

قال الجنيد: الروح شيء استاثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود. وعلى هذه الطريقة ابن عباس وأكثر السلف (١) . وها هنا سؤال على هذه الطريقة وهو: فإن قيل: ما الحكمة في عدم اطلاع عباده على حقيقة الروح؟ جوابه: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم بحقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى قاله القرطبي. وقال ابن بطال: الحكمة في ذلك تعريف الخلق عجبهم من علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم ذلك إلى رد العلم إليه. والفرقة الثانية: تكلمت فيها وبحثت عن حقيقتها. قال النووي: وأصح ما قيل في ذلك قول إمام الحرمين: إنها جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر. وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف الساري في الأبدن. وقيل: هي بعض الجسم. وقال أبو الحسن الأشعري (٢) : الروح النفس الداخل والخارج. قال ابن الملقن وهذا أشهر الأقوال. وقيل: الروح الدم. وقيل: جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الإنسان. قال ابن الملقن: وذكر بعضهم فيها سبعين قولاً. الفائدة الرابعة: اختلف العلماء هل علم النبي ﷺ الروح وأمره الله أن لا يطلع عليها أحداً، أو ما علمها؟ فقيل: إنه قبض ولم يعلمها. وقيل: أطلعه الله عليها ولم يأمره أن يطلع عليها أمته، وهذا نظير الخلاف في علم الساعة. الفائدة الخامسة: وقع الاختلاف في الروح هل هي جسم أو عرض.

стр. 636

فذهب كثير من الصوفية كما قاله الرزكشي إلى أنها ليست بجسم ولا عرض، بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز، وله تعلق خاص بالبدن للتدبير والتحريك، غير داخل في البدن ولا خارج عنه. وهذا هو رأي الفلاسفة. وذهب كثير من المتكلمين وأهل المعتزلة إلى أنها عرض وأنه الحياة التي صار البدن بوجودها حياً. وأكثر المسلمين على أنها جسم كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، لوصفها في الأحاديث والآيات بالترقي والقبض والإمساك والإرسال والإخراج والخروج والتنعم والتعذيب والتردد في البرزخ، وأنها تأكل وتشرب وتسرح وتنطلق وتعرف، وهذه صفات الأجسام، والعرض لا يتصف بها. الفائدة السادسة: اختلف العلماء في النفس والروح هل هما شيء واحد أو مختلفان؟ والذي عليه أكثر العلماء: أن الروح والنفس بمعنى واحد، وذهب بعض العلماء إلى أنها غير النفس، وبه قال السهيلي، وفرقوا بينهما بأن النفس طينية نارية، والروح نورية روحانية، وبأن النفس لا تريد إلا الدنيا، والروح تدعو إلى الآخرة. الفائدة السابعة: اختار ابن عبد السلام أن الروح في القلب، وبه جزم الغزالي في كتابه الانتصار، وقال بعض المتكلمين: الذي يظهر أن الروح بقرب القلب، والذي قاله إمام الحرمين وقال النووي إنه أصح ما قيل: إن الروح في سائر البدن لا في القلب فقط كما قدمنا ذلك. الفائدة الثامنة: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الروح محدثة مخلوقة، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة، ويدل على حدوثها حديث: «الأرواح جنود مجندة» (١) والمجندة

стр. 637

لا تكون إلا مخلوقة. الفائدة التاسعة: اختلف العلماء في الروح هل خلقت قبل الأجساد أو بعدها؟ فقيل: بعدها واستدل بحديث: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط منه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة امثال الذر» (١) أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة. و «النسمة» : الروح. وبحديث: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (٢) . لكن قال شيخنا الجلال السيوطي سنده ضعيف جداً. الفائدة العاشرة: ذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم إلى أن الروح تبقى بعد موت البدن، فهي أبدية، وخالف في ذلك الفلاسفة. وإذا قلنا ببقائها فهل تفنى عند القيامة ثم تعاد توفيه بظاهر قوله تعالى: ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ? [الرحمن: ٢٦] أو لا تفنى؟ حكاهما السبكي في تفسيره المسمي «بالدر النظيم» . وقال: والأقرب منهما أنها لا تفنى، وإنما تكون حينئذ ممن استثنى الله في قوله: ?إِلاَّ مَن شَاءَ? [النمل: ٨٧] (٣) كما قيل في الحور العين. وأما قوله تعالى: ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ? [آل عمران ١٨٥] فالمراد بموت النفوس: مفارقتها الأجساد وخروجها منها، لا أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً، بل هي باقية بعد مفارقة الأجساد في نعيم أو في عذاب، وحينئذ فلا إشكال على من يقول ببقائها وعدم فنائها. الفائدة الحادية عشر: فإن قيل: بأي شيء تتمايز الأرواح بعد مفارقة الأشباح

стр. 638

حتى تتعارف، وهل تتشكل بشكل؟ فالجواب: أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فإنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل، وتتصل وتنفصل، وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن، وقد شاهد رسول الله ﷺ أرواح الأنبياء ليلة الأسراء في مثال الأجساد. وقال جماعة: الأرواح على صورة الخلق لها أيدي وأرجل وأعين وسمع وبصر ولسان. قال العلامة ابن القيم: بل تمييزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز الأبدان، فإن الأبدان تشتبه كثيراً، وأما الأرواح فقل ما تشبته. قال: وقل أن ترى بدناً قبيحاً وشكلاً شنيعاً إلا وكانت روحة المتعلقة به تشاكله وتناسبه، وقل أن ترى شكلاً حسناً وصورة جميلة وتركيب لطيف إلا وكانت روحه المتعلقة به مناسبة له (١) . قال: وإذا كانت الملائكة تتميز من غير أبدان تحملهم، وكذلك الجن فالأرواح البشرية أولى (٢) . الفائدة الثانية عشر: وقع في كلام الغزالي في «الدرة الفاخرة» أن روح المؤمن على صورة النحلة، وروح الكافر على صورة الجرادة. قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي في كتابه «شرح الصدور» : وهذا شيء لا يعرف له أصل، ولا يُستدل على ما قاله الغزالي بما وقع في حديث الصور من أن إسرافيل يدعو الأرواح فتأتيه جميعاً، أرواح المؤمنين تتوهج نوراً، والأخرى مظلمة فيجمعها جميعاً فيلقيها في الصور ثم ينفخ فيه، فيقول الرب ﷻ : «وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها» فتخرج الأرواح من الصور مثل النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فتأتي كل روح إلى جسدها فتدخل تمشي في الأجساد مثل السم في اللديغ (٣) . وإنما لم يستدل به: لأن قوله: «مثل النحل» ليس المراد به أن الأرواح تخرج من الصور في صورة النحل وهيئتها، بل المراد: أن هيئة خروجها من الصور كهيئة خروج

стр. 639

النحل فالتشبيه راجع إلى هيئة الخروج لا إلى الصورة وهيئتها، وهذا نظير قوله تعالى: ?كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ? [القمر: ٧] . الفائدة الثالثة عشر: لا تزال الخصومة بين الناس حتى يختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، وأنت كنت، لولاك لم أستطع أعمل شيئاً، ويقول الجسد للروح: أنت أردت، وأنت سولت، ولولاك كنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً، فيبعث الله ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثماراً لكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: أركبني فتناولهما، فإيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتها على أنفسكما، يعني: أن الروح للجسد كالمطية وهو راكبه. مسألة مهمة: وهي هل الروح أفضل من الجسد أو الجسد أفضل منها؟ فالجواب: أن الإمام الرازي صرح في كتابه «لوامع البينات» : أن الروح أفضل منه في الكلام على مسألة الفكر والذكر أيهما أفضل؟ الفائدة الرابعة عشر: في مستقر الأرواح بعد مفارقة أجسادهما. اعلم أن ابن عبد البر نقل عن جمهور العلماء أن الأرواح تكون عند مفارقة الأجساد على أفنية القبر (١) .

стр. 640

قال شيخ الإسلام ابن حجر وغيره: إن أرواح المؤمنين في عليين، وهو مكان في السماء السابعة تحت العرش وأرواح الكفار في سجين وهو مكان تحت الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده. قال: ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً، قال: وبهذا يجمع ما ورد أن مقرها في علين أو سجين وبين ما نقله ابن عبد البر عن الجمهور أنها عند أفنية قبورها. وقال: بعضهم أرواح المؤمنين كلهم في الجنة، الشهداء وغيرهم إذا لم تحبسهم كبيرة. وعلى هذا القول يسأل ويقال: ما الفرق بين أرواح الشهداء وغيرهم من المؤمنين في الجنة؟ ويجاب: بأن بينهم فرقاً من وجهين: الأول: أن أرواح الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله، فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ. والثاني: أنهم يرزقوا من الجنة وغيره لم يثبت في حقه مثل ذلك.

стр. 641

قال ابن القيم: والصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت بحسب درجاتهم في السعادة والشقاوة. فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء، وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج. ومنها أرواح في حواصل طير تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم فإن منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو غيره، ومنهم من يكون على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون محبوساً في الأرض لم تصل روحه إلى الملأ الأعلى (١) . ومنها أرواح تكون في تنور الزناة، وأرواح في نهر الدم. قال: فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد. قال: وكلها على اختلاف حالها لها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل له من النعيم أو العذاب ماكتب له، فإن الروح إذا كانت في الرفيق الأعلى فهي متصلة بالبدن أي: نورها مشرق على البدن كاتصال شعاع الشمس بالأرض، بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد ﵇ وعرفه بذلك الاتصال، وهي في مكانها وقد قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بُلِّغْتُه» (٢) . وأفاد ابن حجر أن الأرواح وإن كانت في عليين فهي مأذون لها في التصرف، ثم تأوي إلى محلها من عليين أو سجين. قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر، وكذلك إذا تفرقت أجزاؤه. وسنذكر في كتاب الجنائز ما يحبس الروح عن مقامها الكريم، وما يمنع الميت من الكلام مع الموتى. الفائدة الرابعة عشر: أفاد النسقي في كتابه «بحر الكلام في أصول الدين» : أن الأرواح على أربعة أوجه أرواح الأنبياء وتخرج من جسدها وتصير صورتها مثل المسك الكافور، وتكون في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون في أجواف طير خضر في الجنة،

стр. 642

تأكل وتتنعم يدل عليه قوله تعالى: ?بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ? [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش. وهنا سؤال: وهو أن يقال كيف يجعل أرواح الشهداء في حواصل طير خضر إكراماً لها مع أن ذلك حصر لها وتضيق عليها لا إكرام؟ وأجيب عنه بجوابين: الأول: أن في قوله: «في حواصل طير خضر» بمعنى: على والمعنى: أن أرواحهم في جوف طير خضر كقوله تعالى: ?وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ? [طه: ٧١] وجائز أن يسمى الطير جوفاً إذ هو محيط به ومشتمل عليه. الثاني: أنه لا مانع من أن يكون في الأجواف حقيقة، ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء. وأرواح المطيعين من المؤمنين برياض الجنة لا تأكل ولا تتمتع، ولكن تنظر في الجنة، وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والأرض في الهواء، وأما أرواح الكفار فهي في أجواف طير سود في سجين، وسجين تحت الأرض السابعة، وهي متصلة بأجسادها فتعذب أرواحها ويتألم ذلك الجسد، كالشمس في السماء ونورها في الأرض. الفائدة الخامسة عشر: قال بعضهم: إن ملك الموت إذا نزل على العبد المؤمن لقبض روحه فلو جذبها بألف سلسلة ما خرجت، فيقول الله تعالى: دعها فإنها لا تخرج إلا بسماع يطيب لها، فيناديها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك، فتخرج بحلاوة الخطاب إلى يوم القيامة، يقول لها: ارجعي أي: إلى جسدك فتفرح بالجسد ويفرح بها فتقول: أنا ما قرَّ لي قرار، ويقول الجسد: أنا اكلني الدود والتراب، فيناديهما مناد: وليس بعد هذا الاجتماع فراق. قيل: إنه يأتي إلى جسد الميت قبل إعادة الروح إليه ملك فيقول: أبشر كلما أندرست عظامك محيت آثامك، ويؤيده قوله ﷺ : «الموت كفارة لكل مسلم» (١) .

стр. 643

لطيفة: قال في الروض الفائق: جاء في الأثر: «أن الروح إذا خرج من الجسد ومضى عليه سبعة أيام تقول: يارب ائذن لي حتى انظر إلى جسدي، فيقول: اذهبي فتأتي الروح إلى القبر فتنظر إليه من بعيد فتراه متغيراً، يسيل من منخره ماء، ومن فمه ماء، ومن عينيه ماء، ومن أذنية ماء، فكأنه في وسط الماء، فتقول له: صرت إلى هذا الحال بعد نضارة جسمك، ثم تمضي حتى إذا كان بعد سبعة أيام أخرى، فتقول: يارب ائذن لي أن انظر إلى جسدي ملحة له فيقول: اذهبي فتأتي القبر فتنظر إليه من بعيد فتراه قد تغير وقد صار الماء الذي في فيه صديداً، والذي في عينيه قيحاً، والذي في أنفه دماً، فتقول: هل صرت إلى هذا الحال، ثم يمضي حتى إذا كان بعد سبعة أيام أخرى فتقول يارب ائذن لي حتى انظر إلى جسدي ما حاله؟ فيقول: اذهبي فيأتيه فينظر إليه من بعيد وقد صار الصديد دوداً، وقد سقط حدقتاه على وجهه، والدود يدخل في فمه ويخرج من منخره، فتقول صرت إلى هذا الحال بعد النعيم والدلال. فانظروا إلى أحوالكم كيف تصيرون بعد الموت، وكيف تطلبون العود، وقد حصل الفوت، وأنتم عما يراد بكم غافلون، وفي بحر الأمل غارقون، أصم في الآذان عن النصائح، عمي في القلوب عن جميع المصالح، تالله ما ينفع المرء في قبره إلا التقى والعمل الصالح، ولله در القائل: الموت بحر موجه طافح ... يجير فيه العائم السابح يا نفس إني ناصح فاقبلي ... مني فإني مشفق صالح ما ينفع الإنسان في قبره ... إلا التقى والعمل الصالح الفائدة السادسة عشر: قال ابن القيم: للروح خمسة أنواع من التعلق متغايرة، الأول: تتعلق بالبدن وهو في بطن الأم. الثاني: تتعلق به بعد الولادة. الثالث: تتعلق به في حال النوم، فلها تعلق به من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: في البرزخ، فإنها وإن كانت فارقته بالموت، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لم يبق لها إليه التفات. الخامس: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع التعلقات ولا نسبه لما قبله إليه، ولا يقبل البدن معه موتاً ولا فساداً (١) .

стр. 644

الفائدة السابعة عشر: هل للشخص روح واحدة أم أكثر؟ قال ابن عبد السلام في كل جسد روحان: أحدهما: روح اليقظة التي أجري الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظاً، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات. والأخرى: روح الحياة التي أجري الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حياً فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حي، قال: وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف مقرهما، إلا من أطلعه الله على ذلك، فهما كجنينين في بطن امرأة واحدة. وقال ابن القيم: وقالت طائفة: للمؤمن ثلاثة أرواح، وللمنافق والكفار روح واحدة. وقال بعضهم: للأنبياء والصديقين خمسة أرواح. ورد هذا ابن القيم وقال: الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة وهي النفس، وأما ما يؤيد الله به أولياءه من الروح فهي روح أخرى غير هذه الروح كما قال تعالى: ?أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ? [المجادلة: ٢٢] . وكذلك الروح التي أيدها الله روح المسيح ابن مريم كما قال تعالى: ?إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ? [المائدة: ١١٠] . وكذا الروح التي يلقيها على من يشاء من عباده غير الروح التي في البدن. قال: وأما القوى التي في البدن فإنها تسمى أيضاً أرواحاً فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشاهد، فهذه الأرواح قوى موزعة في البدن، وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهي قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيدها أهل ولايته وطاعته، ولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ما فيه روح قصبة فارغة فالعمل روح، وللأجساد روح، وللإخلاص روح، وللمحبة روح، وللتوكل روح، والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت، فمنهم من تغلب هذه الأرواح عليه فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها، أو أكثرها فيصير أرضياً والله المستعان (١) .

стр. 645

الفائدة الثامنة عشر: هل النفس واحدة أم أكثر؟ وقع كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، وأن من الناس من يغلب عليه واحدة من الثلاث، واستدل القائل بالثلاث بذكر الله لها في كتابة العزيز بقوله تعالى: ?يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ? [الفجر: ٢٨] . وقوله: ?لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ? [القيامة ١، ٢] . وقوله: ?إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ? [يوسف: ٥٣] . قال ابن القيم: والتحقيق أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات فتسمى باعتبار كل صفة باسم. فتسمى مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته، والإنابة إليه والتوكل عليه، والرضا به والسكون إليه (١) . ولله در القائل فيها: إلا يا نفس ويحك ساعديني ... بسعي منك في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك العوالي وتسمى لوامة إما لأنها كثيرة التقلب والتلون، تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلاً عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة أي: تحب وتكره، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتسخط وتطيع، وتعصي وتتقي، وغير ذلك في كل وقت، وإما لأنها توقع الإنسان في الذنب ثم تلومه عليه، وهذا اللوم لا يكون إلا من السعيد، بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه عن ذنب، بل يلومها وتلومه في فواته. وقالت طائفة: إن هذا اللوم يقع من النوعين السعيد والشقي، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها، وإما لأن كان واحد يلوم نفسه يوم القيامة إن كان مسيئاً يلوم نفسه على إساءته، وإن كان محسناً يلوم على تقصيره. قال ابن القيم: وهذه الأقوال والأوجه كلها حق، فإن النفس موصوفة بهذا كله، باعتباره سميت لوامة ملومة، ولوامة غير ملومة، أما اللوامة الملومة: فهي النفس الجاهلة الظالمة التي تلوم صاحبها في تقصيره في معصية الله، أما الغير ملومة: فهي التي تلومه في تقصيره في طاعة الله مع بذله جهده، فهذه غير ملومة.

стр. 646

وأشرف الأنفس من لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت لوم اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه تخلصت من لوم الله لها (١) . والنفس اللوامه بهذا الاعتبار محمودة ولهذا أقسم الله بها في قوله ?وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ? [القيامة: ٢] . وتسمى أمارة باعتبار أنها تأمر بكل شيء، فلا يلوح لها طمع إلا تعرضت له، ولا يبدو لها شهوة إلا اتبعتها، فهي مذمومة، فما تخلص أحد من شرها إلا من ﵀ ووفقه وثبته. قال تعالى في حقها حاكيا عن امرأة العزيز: ?وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [يوسف: ٥٣] فما يسلم من شرها إلا من ﵀ ووفقه وثبته وأعانه. كما قال تعالى: ?وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً? [النور: ٢١] . فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه خطبة الحاجة وهي: «الحمد لله نستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» (٢) . قال الإمام حجة الإسلام الغزالي: أما النفس فحسبك ما تشاهد من حالاتها، ورداءة إرادتها، وسوء اختيارها، ففي حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفلاً، وفي حال النعمة تراها فرعوناً، وفي حال الجوع تراها مجنوناً، وفي حال الشبع تراها مختلاً، إن أشبعتها بطرت ومرحت، وإن جوعتها صاحت

стр. 647

وجزعت. كما قال فيها بعضهم: كحمار السوء إن أقضمته ... رمح الناس وإن جاع نهق ولقد صدق بعض الصالحين حيث قال: إن هذه النفس الخبيثة إذا همت بمعصيته أو انبعثت بشهوة، لو تشفعت إليها بالله ، ثم برسوله ﷺ وبجميع أنبيائه ﵈، وبكتابة، وبجميع السلف الصالح من عباده، ويعرض عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار، لا تعطي القياد ولا تترك الشهوة، نعم إذا استقبلتها بمنع رغيف تسكن وتترك شهوتها، وتعلم حسنتها وجهلها، فإياك أيها الرجل تغفل عنها، فإنها كما قال خالقها العالم بها ﷻ الأمارة بالسوء، فكفى بقوله لمن غفل، ولقد صدق القائل: توق نفسك لا تأمن غوائلها ... فالنفس أخبث من سبعين شيطاناً فتنبه رحمك الله لهذه الخداعة الأمارة بالسوء، ووطِّن على مخالفتها بكل حال تصب وتسلم إن شاء الله تعالى، فإنه لا يقدر أحد على قهرها إلا بمخالفتها. لطيفة: عن إبراهيم الخواص (١) ﵁ قال: لقيت غلاماً في التيه كأنه سبيكة فضة قلت: إلى أين يا غلام؟ قال: إلى مكة، قلت: بلا زاد ولا راحلة؟ فقال: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا زاد ولا راحلة، فلما دخلت مكة فإذا هو بالطواف يقول: يا نفس سبحي أبداً، ولا تحبي أحداً، إلا الخليل الصمدا، يا نفس موتى كمداً، فلما رآني قال: يا شيخ أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين. ولقد أحسن من قال: يا نفس كم بخفي اللطف عاملني ... وقد رآني على ما ليس يرضاه يا نفس كم ذلة ذلت بها قدمي ... وما أقال عثاري ثم إلا هو يا نفس توبي إلى مولاك واجتهدي ... عسى تنالي رضاه عند لقياه إخواني: إذا كان صفاء المواعظ لا يؤثر في قلوبكم الكدرة، ومعاول التخويف لا تقطع في نفوسكم المتجبرة، فهذا كلام ربكم يتلى عليكم في آياية المطهرة ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ? [الزلزلة ٧، ٨] ويا غافلاً عما نهاه وأمره، يا مضيعاً في البطالة عمره، إلى متى تلهو وذنوبك مكتوبة

стр. 648

متسطرة، كيف حياتك في سفرك وطريقك خطرة، وشاهدت ميزانك الذي يرجح بالذره الحقرة ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ? ويا غافلاً فالموت يقفو أثره، كيف بك إذا شاهدت السماء منفطرة، وحافظاك قد أحصيا عليك ما عملت من خير وشر وحصره، وقد تركت عليك الحجة وتعذرت المعذرة، فهنا يجد كل إنسان من الإحسان والعصيان ما أحضره ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ?. ولقد أحسن في وعظ النفس من قال: يا نفس توبي عن فعال منكرة ... واسعي إلى دار البقاء مستبشرة يا نفس فاز القوم من رب العلا ... بالعفو عن زلاتهم والمغفرة يا نفس قد قطعوا النهار لربهم ... بصيامهم وقيامهم ما أكثره يا نفس ويحك للمتاب فبادري ... من قبل تأتيك الذنوب مسطرة يا نفس إن القوم زادوا خيفة ... من مكروه وقلوبهم متذكرة يا نفس جدي في التقى وتزودي ... عجلاً وكوني للقاء مستشعرة يا نفس كم قوم على الدنيا احتووا ... ظلماً ومالهم إذاً من آخرة يا نفس كم أمم تفانوا في البلى ... وعظامهم ضحت عظاماً ناخرة يا نفس توبي اليوم من قبل الردى ... فعسى تكوني في غد مستبشرة يا نفس آه من ذنوب كلها ... يوم القيامة في الكتاب محررة يا نفس ما ينجيك في يوم اللقاء ... من عظم أهوال الحساب المحضرة إلا شفاعة أحمد الهادي الذي ... يرجى لديه العفو عند المقدرة فهو النبي الهاشمي المصطفى ... والمحبتى من خلقه إذ طهره يا نفس جدي في المسير لقبره ... واسعي إلى أبوابه مستصغرة وتمتعي بجماله ووصاله ... كيلا تكوني في الوري منحسرة وإذا وصلت إلى رباه فعظمي ... تلك المواقف ادخلي متوقرة

стр. 649

فعسى تنالي الفوز من رب العلا ... وتعود زلات الذنوب مكفرة وتشاهدي ذاك الضريح وقد ... أنواره للكائنات منورة هو صفوة الرحمن من كل الورى ... وبأحسن التكوين حقاً صوره صلى عليه الله ربي دائماً ... ما أشرقت شمس ولاحت مسفرة * * *

стр. 650

المجلس السابع والثلاثون في بيان فضائل الوضوء وأركانه وشرائطه وفي بيان فوائد كثيرة متعلقة بذلك وأحببت أن أفتحه بخطبة ذكرها الغزالي في أول كتاب أسرار الطهارات من كتابه أحياء علوم الدين وهي: الحمد لله الذي تلطف بعباده فتعبدهم بالنظافة، وأفاض على قلوبهم تزكية لسرائرهم أنواره وإلطافه، وأعد لظواهرهم تطهيراً لها الماء المخصوص بالرقة واللطافة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المستغرق بنور الهدي أطراف العالم وأكنافه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين صلاة تحمينا بركاتها يوم المخافة، وتنتصب جنة بيننا وبين كل آفة (١) . قَالَ البُخَارِي: كِتَابُ الوُضُوءِ قال البلقيني: وإنما ذكر البخاري كتاب الوضوء بعد كتاب العلم وقبل كتاب الصلاة، لأن بعد العلم يكون العمل، وأفضل الأعمال البدنية الصلاة، ولا يتوصل إليها إلا بالطهارة. «الوضوء» بضم الواو اسم للفعل أعني: غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به هذا هو المشهور فيهما، ومثله «الطهور والطهور» سمي هذا الفعل «وضوء» لحصول النظافة والنضارة به، فإنه مشتق من الوضاءة بالمد، وهو النظافة والنضارة، فإذا غسل المتوضئ هذه الأعضاء صار وضيئاً أي: نظيفا ذا ضياء وحسن.

стр. 651

باب مَا جَاءَ فِي قَولِ اللهِ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ ? [المائدة: ٦] (١) استدل البخاري بهذه الآية على وجوب الوضوء.

стр. 652

سؤال: فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن الوضوء يجب لكل صلاة، سواء كان الإنسان محدثاً أو متوضأ، مع إنه لا يجب عليه إذا كان متوضأ وأراد الصلاة أن يتوضأ؟ فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه لابد من تقدير في الآية، وهو أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين كذا قال الجمهور. الثاني: لا حاجة إلى التقدير فإن الوضوء كان في أول الإسلام يجب لكل صلاة فرض عملاً بظاهر الآية، ثم نسخ هذا الحكم يوم فتح مكة، حيث صلى رسول الله ﷺ ذلك اليوم الصلوات الخمس بوضوء واحد، فوجوب الوضوء لكل فرض المستفاد من الآية كان في أول الإسلام ثم نسخ، لكن ضعف هذا النووي في شرح مسلم. الثالث: أن الأمر بوجوب الوضوء لكل صلاة محمول في حق المتوضئ على الندب، وفي حق المحدث على الوجوب، وإن تجديده لكل صلاة مندوب إليه، فالحاصل: أنه يجوز للإنسان أن يصلي الصلوات الخمس وما شاء من الفوائت والنوافل بوضوء واحد، ودليله أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله قال: «ياعمر فعلته عمداً» أي: لبيان الجواز رواه مسلم (١) . لكن الأفضل والمستحب أن يتوضأ لكل صلاة وإن كان على طهارة. فقد روى أحمد بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء» (٢) . وروي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» (٣) .

стр. 653

وقال: «الوضوء على الوضوء نور على نور» قاله الغزالي قال العراقي في تخريج الأحياء ولم أجد له أصلاً (١) . قال العلماء: وإنما يستحب تجديد الوضوء بالأول صلاة ما فرضاً كانت أو نفلاً، وإلا فلا يستحب. سؤال: فإن قيل: إن هذه الآية مدنية بإجماع العلماء، والوضوء فرضه الله تعالى بمكة مع فرض الصلاة؟ قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصل منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، فكيف استدل البخاري وغيره من العلماء على وجوب الوضوء بهذه الآية وهي مدنية؟ فالجواب: أن هذه الآية من الآيات التي تأخر نزولها عن حكمها. قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي ﵀: من القرآن ما تأخر حكمه عن نزوله، ومنه ما تأخر نزوله عن حكمه. يعني: أن النزول قد يكون سابقاً على الحكم كقوله: ?قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى? [الأعلى: ١٤، ١٥] فإنها نزلت في زكاة الفطر، وكان نزولها بمكة وزكاة الفطر فرضها الله تعالى في المدينة في السنة الثانية من الهجرة، لأنه لم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم، فقد تأخر الحكم فيها عن النزول، وإن الحكم قد يكون سابقاً على النزول، ومثل له بآية الوضوء قال: والحكمة في نزول آية الوضوء بالمدينة بعد تقدمة العمل به وفرضه بمكة، ليكون فرضه متلواً في التنزيل. فائدة: اختلف العلماء في الوضوء متى يجب؟ فقيل: يجب بالحدث وجوباً موسعاً. وقيل: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة، والأصح أنه يجب بهما أي: بالحدث وإرادة القيام إلى الصلاة، فعلى هذا لا يجب قبل دخول الوقت لكن يستحب، بل هو أفضل

стр. 654

من فعله بعد دخول الوقت، وإن كان فعله بعد دخول الوقت واجباً فهذه سنة أفضل من فرض، وهي أحد المسائل الثلاث التي السنة فيها أفضل من الفرض. الثانية: ابتداء السلام فإن رده فرض، والابتداء أفضل من الرد. الثالثة: إبراء المعسر من كل الدين أو بعضه فإنه سنة، وهو أفضل من الصبر عليه إلى ميسرة وهو فرض، وقد ورد في فضل من انظر معسراً وإبراءه من الدين كله أو بعضه عنه ﷺ أنه قال: «من أنظر معسراً ووضع له أظلم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل لا ظله» رواه الترمذي (١) . وفي ذلك أيضاً نفع لمن عليه الدين وتنفيس كربه، وقد قال ﷺ : «من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة» (٢) . وقال: «الخلق كلهم عيالاً لله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (٣) . وقال: «من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وسبعين حسنة، واحدة يصلح بها آخرته ودنياه، والباقي في الدرجات» (٤) . وقد نظمها شيخنا العلامة السيوطي فقال: الفرض أفضل من تطوع عابد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر إلا الله التطهر قبل وقت وابتداء ... للسلام كذاك إبراء المعتسر لطيفة في المعنى: قال في نزهة المجالس: إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة. فتأتي أول زمرة وجوهم كالشمس فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلاة، قالوا: كيف محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الوقت. ثم تأتي زمرة أخرى وجوههم كالبدر فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن

стр. 655

المحافظون على الصلاة، قالوا: كيف كانت محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الوقت. ثم تأتي زمرة أخرى وجوههم كالكوب فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلوات، قالوا: كيف كانت محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ بعد الأذان. فقد تبين لك من هذا أن الوضوء قبل الوقت أفضل، إذ الزمرة التي كانت تتوضأ قبل الوقت جاءت وجوهها كالقمر ليلة البدر، والتي كانت تتوضأ بعد الوقت جاءت وجوهها كالكوكب، ولا شك في تفضيل القمر على سائر الكواكب، فالذي جاء على صورته كذلك، وأفضل من الزمرتين المذكورتين الزمرة الأولى، وهى التي جاءت وجوههم على صورة الشمس، فإن هذه الزمرة كانت تتوضأ قبل الوقت وتذهب إلى المسجد وتنتظر الأذان، فلهذا سبقت الزمر كلها، وجاءت على صورة الكوكب الأعظم وهو الشمس. لكن لنا وضوء لا يصح إلا بعد دخول الوقت وهو: وضوء صاحب الضرورة كما سنذكره. واعلم أن الوضوء له فرائض وشرائط وفضائل وسنن وآداب: أما فرائضه: فقد اختلف أرباب المذاهب: فعند أبي حنيفة فرائض الوضوء أربعة: غسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح بعض ربع الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين. وعند إمامنا الشافعي إمام الأئمة -قدس الله سره ونور ضريحه- فرائض الوضوء ستة: الفرض الأول: النية في الوضوء لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١) . وعند أبي حنيفة لا تجب النية في الوضوء ولا في الغسل، ويصحان عنده بدونها،

стр. 656

ويحتاج إلى الجواب عن الحديث. نعم عند علمائنا الشافعية وضوء وغسل لا يحتاج كل منهما إلى النية وهو وضوء الميت وغسله فإنهما يصحان بلا نية من الغاسل. بل لنا وضوء آخر مستقل، وغسل آخر مستقل غير وضوء الميت وغسله فيهما النية، بل يصح الوضوء وحده بدونهما، وكذا الغسل وصورته في الوضوء، والغسل من ماء السيل فإن العلماء قالوا: يستحب إذا سال الماء في الوادي أن يغتسل منه وأن يتوضأ، فإن لم يجمعهما وأراد الاقتصار على أحدهما فالاقتصار على الغسل أفضل وبعده الوضوء. قال الأسنوي: وهل هما عبادتان يشترط فيهما النية أو لا؟ المتجه الثاني أي عدم اشتراط النية فيهما فهذا وضوء لا يجب فيه النية وغسل كذلك، وقد نظمت هذا السؤال فقلت: يا عالما قد حاز كل الفضل ... بين لنا ما صورة في الغسل خالية عن نية معتبرة ... في غير غسل ميت مصورة وفي وضوء مستقل مثله ... فأنت بمن شاع فينا فضله أبقاك ربي دائماً مفيدا ... مؤيداً على العدا فريدا ومحل النية: القلب، ويكفي الاقتصار عليه ولو نوى بلسانه وقلبه غافل لا يكفيه ذلك، نعم الأكمل أن ينوي بقلبه ويتلفظ بلسانه، والنية في الوضوء لها ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى: أن يقول المتوضئ: نويت رفع الحدث. قال فقهاؤنا: ولو كان على الإنسان أحداث كأن بال ولمس ونام ونوى رفع أحديهما بأن قال: نويت رفع حدث النوم مثلاً كفته هذه النية وارتفع حدثه، قال: وإن نوى غير ما عليه كأن نوى رفع حدث النوم مع أنه لم ينم وإنما بال فهل يصح وضوءه بهذه النية وهل يرتفع حدثه؟ فيه تفصيل وهو أن يقال: إن فعل ذلك عمداً لم يصح وضوءه، وإن فعله غلطاً صح. الكيفية الثانية: أن ينوي استباحة شيء مفتقراً إلى طهر، والشيء المفتقر إلى الطهر الصلاة واستباحة الطواف أو استباحة مس المصحف أو نحو ذلك صح وضوءه. سؤال: فإن قيل: إذا نوى استباحة شيء مفتقراً إلى طهر، ولكن يتعذر فعله بذلك الوضوء في ذلك الوقت، كمن نوى استباحة الطواف وهو «بحلب» مثلاً، أو استباحة صلاة العيد وهو في «رجب أو شعبان» مثلاً فهل يصح وضوءه أم لا؟

стр. 657

فالجواب: أنه يصح وضوءه بهذه النية، ويصلي بها جميع الصلوات لأنه نوى ما لا يستباح إلا بالوضوء، وإذا قال: نويت استباحة قراءة القرآن، ودخول المسجد لم يصح وضوءه بهذه النية، فإن قرأته للقران من غير مس المصحف تباح بدون وضوء، وكذلك دخول المسجد يباح بدون الوضوء، نعم يستحب الوضوء لقراءة القرآن ولداخل المسجد، وسنذكر في المجالس الآتية أن الوضوء يستحب في أكثر من أربعين صورة. الكيفية الثالثة: أن يقول: إني نويت أداء فرض الوضوء، ويكفي أن يقول: «إني نويت أداء الوضوء» بإسقاط لفظه «الفرض» ، ويكفي أن يقول: «نويت فرض الوضوء» بإسقاط لفظه «أداء» ، بل يكفي أن يقول: «نويت الوضوء» . سؤال: فإن قيل: كيف يصح الوضوء بقول الإنسان: «نويت فرض الوضوء» إذا توضأ قبل دخول الوقت، مع أن وقت الوضوء قبل دخول الوقت سنة وليس بفرض؟ وسؤال آخر وهو: أن يقال: كيف يصح وضوء الصبي بقوله: «نويت فرض الوضوء» والوضوء في حقه ليس بفرض؟ فالجواب عن السؤالين: أنه ليس المراد بالفرض هنا: لزوم الإتيان به، وإلا لامتنع وضوء الصبي بهذه النية بل المراد كونه شرط للصلاة، وشرط الشيء يسمى فرضاً. هذه الكيفيات الثلاث هي المشهورة، ولنا كيفية أخرى يصح الوضوء بها وهي أن يقول: «نويت الطهارة عن الحدث» ، أو «نويت الطهارة للصلاة» . فإن قال: «نويت الطهارة» ولم يزد على ذلك، قيل: لا يصح وضوءه لأن الطهارة تكون عن خبث وعن حدث فلا يحصل التميز بقوله: «نويت الطهارة» إلا إذا قال عن الحدث أو للصلاة، ورجحه صاحب الروض. وقيل: يصح وهو ظاهر كلام الرافعي وقواه النووي في المجموع. وهذه الكيفيات يتخير فيها السليم وهو من سلم من سلس البول ونحوه، وأما الضرورة كمن حدثه دائم أي: كمن به سلس البول والمستحاضة فلا يكفيه أن يقول: «نويت رفع الحدث» لأن حدثه لا يرتفع بل يكفيه أن يقول: «نويت استباحة الصلاة» مثلاً، أو يقول: «نويت أداء الوضوء» كما صرح في الحاوي الصغير، وحكمه حكم المتيمم، فإذا نوى استباحة الفرض استباحه واستباح النفل، وإن نوى استباحة النفل استباح النفل فقط ولا يصلي به الفرض. فائدة: يصح الوضوء والصلاة وغيرهما من العبادات بالنية من غير إضافة إلى الله تعالى، فإن العبادة لله تعالى وإن لم يضفها إليه.

стр. 658

قال العلماء: ويجب أن تكون النية عند أول مغسول من الوجه لتقترن بأول الفرض كنية الصلاة، وإذا نوى عند غسل الوجه ولم ينو قبل ذلك لم يحصل له ثواب السنن السابقة على الصحيح، فينبغي أن ينوي في ابتداء الوضوء عند غسل كفية ليثاب على السنن السابقة فيقول: «نويت الطهارة للصلاة» فإذا وصل إلى غسل الوجه ينوي رفع الحدث، أو أداء فروض الوضوء، واستباحة الصلاة كما تقدم. ولو نوى عند المضمضة مثلاً رفع الحدث، فإن استصحب هذه النية إلى غسل الوجه جاز بل هو الأفضل ليثاب، على السنن السابقة، وإن كانت قبل غسل الوجه فلا تكفيه هذه النية، بل لابد من إعادتها عند غسل الوجه، ولا يجب على المتوضئ أن ينوي عند كل عضو، بل تكفي هذه النية عند غسل الوجه عن الكل، نعم لو فرقها على أعضائه جاز، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه بأن يقول عند غسل الوجه: نويت رفع حدث الوجه، وعند اليدين: نويت رفع حدث اليدين، وهكذا. الفرض الثاني: غسل الوجه، سمي «وجهاً» لحصول المواجهة به، وله طول وعرض، فحده طولاً من منابت شعر رأسه غالباً إلى منتهي لحييه، وحده عرضاً من الأذن إلى الأذن، وإذا أنبت على جبهته شعر يسمى «الغمم» يجب غسله مع الوجه، كما يجب غسل الحاجب معه، وسمي «حاجباً» لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس، ويجب مع غسل الوجه غسل «الهدب» بالدال المهملة وهو: الشعر النابت على جفن العين، وغسل «الشارب» وهو الشعر النابت على الشفة العليا، وسمي شارباً: لملاقاته فم الإنسان عند الشرب، وغسل «العنفقة» : وهو الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وغسل «العذار» وهو: ما حاذى الأذن بين الصدع والعارضين. وغسل هذه الشعور مع بشرتها واجب، سواء أخفت أم كثفت. وأما «اللحية» فإن كانت خفيفة وجب غسل ظاهرها وباطنها، وإن كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها فقط ولا يجب غسل باطنها، لأنه ﷺ غسل وجه بغرفة واحدة كما رواه البخاري، وكانت لحيته الشريفة كثيفة، وبعضهم عبر: بعظيمة، وبعضهم: بغزيرة. والكثة: هي التي لا ترى بشرتها في مجلس التخاطب، بخلاف الخفيفة، ولو كان بعض اللحية خفيفاً وبعضها كثيفاً أو تميزا فلكل حكمه، وإن لم يتميزا وجب غسل الكل ظاهراً وباطنا، نعم لنا لحية كثة يجب غسل ظاهرها وباطنها وهي: ما إذا أنبت للمرأة والخنثى المشكل لحية كثة لندرتهما أو ندرة كثافتها، ولأنه يندب للمرأة إزالتها

стр. 659

لأنها مثله في حقها. فالحاصل: أنه يجب غسل باطن شعور الوجه كما يجب غسل ظاهر باطن اللحية الكثة، إلا إذا كانت من المرأة والخنثى، هذا إذا كانت في حد الوجه، وأما الشعور الخارجة عن حده كشعر اللحية النازل وشعر العذار والسبال فإن كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها فقط، وإن كانت خفيفة وجب غسل الظاهر والباطن منها. أما النزعتان وهما بياضان يكتنفا الناصية والصدغين، وهما فوق الأذنين متصلان بالعذرين فليسا من الوجه. فائدة: لو خلق للإنسان وجهان وجب غسلهما، ولو خلق للإنسان رأسان كفاه المسح على بعض أحديهما، والفرق أن الواجب في الوجه غسل جميعه فيجب غسلهما، لحصول المواجهة بهما، والواجب في الرأس مسح بعض ما يسمى رأساً، وذلك يحصل ببعض أحدهما. الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين. فائدة: في المرفقين لغتان: أحدهما: كسر الميم وفتح الفاء، والثانية: فتح الميم وكسر الفاء. سؤال: فإن قيل: ما الدليل على وجوب غسل المرفقين مع اليدين؟ فالجواب: الدليل على ذلك قوله تعالى: ?وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ? [المائدة: ٦] والإجماع، وفعل النبي ﷺ المبين للوضوء المأمور به، فإنه ﷺ توضأ فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد. فإن قيل: لا دليل في الآية على وجوب غسل المرفقين مع اليدين، لأن «إلى» لنهاية الغاية، والغاية لا تدخل في المغيا؟ فالجواب: أن اليد حقيقة من رؤوس الأصابع إلى المنكب على الأصح، فإما أن تجعل اليد في الآية مجازاً إلى المرفق، وتدخل الغاية في المغيا هنا بقرنيتي الإجماع والاحتياط للعبادة، وإما أن تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب، وتجعل حينئذ غاية الغسل وتدخل الغاية في المغيا أيضاً لما تقدم كما قال بذلك جماعة، أو تجعل «إلى» حينئذ للترك المقدر، وتخرج الغاية حينئذ عن المغيا كما قال به كما قال جماعة أخرى، والمعنى على الأول: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني: اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق. وأوضح من هذا الجواب أن يقال: إن «إلى» في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى ?

стр. 660

مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ? [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، وفي قوله تعالى: ?وَلاَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ? [المائدة: ٢] أي: مع أموالكم. قال العلماء: فإن قطع شيء من يد الإنسان وجب غسل ما بقي لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) وإن قطعت من مرفقه وجب غسل رأس عظم العضد لأنه من المرفق، وإن قطعت من فوق المرفق سقط هذا الفرض، وندب غسل باقي عضده، لئلا يخلو العضو عن طهارة. سؤال: فإن قيل: من القواعد المشهورة أن التابع يسقط بسقوط المتبوع، كسقوط رواتب الفرائض عن المجنون تبعاً للفرائض، فلأي شيء قالوا هنا يستحب غسل باقي عضده مع سقوط غسل اليد عنه؟ فالجواب: أن سقوط المتبوع عن المجنون رخصته فالتابع أولى به، وسقوطه هنا ليس رخصته بل لتعذره، فحسن الإتيان بالتابع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، ولأن التابع للفرائض شرع تكملة لنقصها، فإذا لم يكن متبوع فلا تكملة، وهنا لم يشرع تكملة للمتبوع، لأنه كامل بالمشاهدة، فتعين أن يكون مطلوباً لنفسه. ويجب غسل اليدين ما عليهما من شعر، وغسل يد زائدة إن نبت بمحل الفرض، وإن نبت بغير محل الفرض غسل ما حاذى منها محل الفرض، لوقوع اسم اليد عليه، ولو خلق له يدان أصليتان أو أحدهما أصلية والأخرى زائدة ولم تتميز وجب غسلهما، أما إذا تميزت الزائدة بفحش قصر ونقص أصابع وضعف بطش ونحوه فلا يجب غسلها إذا كانت في غير محل الفرض. سؤال: فإن قيل: قالوا في السرقة إذا خلق له يدان أصليتان يقطع إحداهما فقط فلأي شيء قالوا هنا إذا خلق له يدان يجب غسلهما؟ فالجواب: أن الوضوء مبناه على الاحتياط لأنه عبادة، وأما السرقة فإنه حد والحد مبناه على الدرء لأنه عقوبة. قال الفقهاء: ولو كشطت جلدة العضد ونزلت منه لم يجب غسلها مع غسل اليدين ولا غيره، لأن اسم اليد لا يقع عليها، ولو كشطت جلدة الذراع منه وجب غسلها لأنها من اليد سواء المحاذي وغيره، إلا إذا التصقت بعد كشطها من أحدهما

стр. 661

بالآخر فإنه يجب غسل المحاذي للفرض دون غيره، وإن تجافت بعد أن التصقت عن محل الفرض لزمه غسل ما تحتها أيضاً لندرته، ولو كشطت جلدة أحدهما وانتهى كشطها إلى الآخر ثم تدلت منه، فالاعتبار بما تدلت منه، فإذا بلغ كشطها من العضد إلى الذراع وجب غسلها معه، لأنها صارت جزءاً من محل الفرض، وإذا انتهى كشطها من الذراع إلى العضد فلا يجب، لأنها صارت جزءاً من غير محل الفرض. الفرض الرابع: بعض الرأس سواء أمسح على بشرته أو على شعره الذي لا يخرج عن حده ولو قدر رأس أبرة، حتى لو أخذ أبرة وغمسها في الماء ووضعها على رأسه كفاه عند علمائنا الشافعية. أما إذا مسح على الشعر الذي يخرج عن حد الرأس بالمد من جهة سفله فإنه لا يكفي، ولو قطر الماء على رأسه كفى. قال في الأنوار: ولو قطرت على خمارها ووصلت رطوبتها إلى شعرها حصل الفرض، ولو وقف تحت المطر فنزل على رأسه كفى، ولو غسل رأسه بدل مسحه كفاه ولم يكره ولم يستحب، بخلاف ما لو غسل الخف بعد لمسه فإنه يكره، لأنه يعيبه، ولو مسح رأسه ببرد وثلج لا يذوبان كفى لحصول المقصود به، ولو كان عنده ثلج أو برد فذاب فتوضأ به واغتسل كفاه، بل يجب استعماله إن لم يجد غيره، واختلف الروايات عن أبي حنيفة في مسح الرأس، ففي رواية: أنه يجزئ قدر ربع الرأس، وهو الراجح عندهم، وفي رواية أخرى: مقدار الناصية، وفي رواية أخرى: قدر ثلاث أصابع، ومذهب الإمام أحمد والإمام مالك وجوب استيعاب الرأس فلا يجزئ سواه، واكتفى الشافعي بمسح البعض، لأن المفهوم من المسح عند إطلاقه، والله تعالى قال ?وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ? [النائدة: ٦] وأطلق فدل على الاكتفاء بالبعض، وأيضاً الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض، أو على غيره كما في قوله تعالى: ?وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ? [الحج: ٢٩] تكون للإلصاق. سؤال: فإن قيل: لأي شيء وجب تعميم مسح الوجه واليدين في التيمم ولم يجب تعميم الرأس في الوضوء مع أن آية التيمم وهي: ?فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ? [النساء: ٤٣] كآية مسح الرأس؟ فالجواب: إنما وجب الإستيعاب في التيمم لثبوت ذلك بالسنة، ولأنه يدل عن الوضوء فاعتبر مبدله، ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. فإن قيل: لأي شيء لم يجب تعميم مسح الخف بالماء مع أنه بدل عن غسل

стр. 662

الرجلين؟ فالجواب: أن التعميم يفسده، مع أن مسحه مبني على التخفيف لجوازه مع القدرة على الغسل، بخلاف التعميم. الفرض الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين من كل رجل، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ولا يجب غسل الرجلين في حق لابس الخفين عيناً، بل هو مخير بين الغسل وهو أفضل لأصالته، ولمواظبة النبي ﷺ غالباً، وبين المسح، وذهبت الشيعة إلى أن الواجب في الرجلين في الوضوء المسح لا الغسل، واستدلوا على ذلك بقرأة من قرأ ?وَأَرْجِلِكُم? بالجر وقالوا أنه معطوف على ?بِرُءُوسِكُمْ? فوجب فيهما المسح كوجوبه في المعطوف عليه. واستدل أهل السنة على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: ?وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ? [المائدة: ٦] على قراة النصب والجر، أما على قراءة النصب فإنه معطوف على ?وُجُوهَكُمْ? لفظاً، وأما قراءة الجر فإنه معطوف أيضاً على ?وُجُوهَكُمْ? لمجاورته لرؤوسكم، ويسمى جر الجوار فهو كقوله تعالى: ?عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ? [هود: ٢٦] والأليم صفة للعذاب وإنما جر بالمجاورة، وكقولهم: «حجر ضب خرب» فهو وإن كان مجرور لفظاً فهو منصوب معنى عطفاً على ?وُجُوهَكُمْ? والمعطوف على المغسول مغسول، فبطل ما قاله الشيعة من أنه معطوف على الممسوح فوجب مسحه. الفرض السادس: الترتيب في أفعاله خلافاً لأبي حنيفة دليلنا عليه فعله ﷺ المبين للوضوء المأمور به قال الإمام الرازي: إنما أوجب الشافعي الترتيب في الوضوء لوجوه عديدة مستنبطة من الآية وساقها وذكر منها: أن الترتيب لو لم يكن واجباً لكان مقتضى البلاغة أن يبدأ الله تعالى في الآية بالرأس ويختم بالرجلين، فلما بدأ بالوجه وختم بهما دل على وجوبه. وأيضاً: لو لم يكن الترتيب واجباً لكان مقتضى البلاغة أن يميز الممسوح من المغسول فلما ذكر سبحانه ممسوحاً بين مغسولات، وتفريق للتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة، وفائدته هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في قوله: ?فَاغْسِلُوا? وإنما بدأ الله دل على وجوبه. ها هنا فوائد: الأولى: بين القفَّال في كتابه محاسن الشريعة حكمة ترتيب هذه الأعضاء فقال: قدم الوجه لشرفه ثم اليدين لأنهما بارزتان، ويعمل بهما غالباً بخلاف الرأس والرجلين،

стр. 663

ثم الرأس. الثانية: قيل الحكمة في وجوب غسل هذه الأعضاء ومسح الرأس: أن آدم مشى إلى الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها برجليه، ونظر إليها بعينه متوجهاً إليها بواجهة وأخذ منها بيديه، ولمس رأسه ورقها. وكان ابن عباس يقول بوجوب غسل باطن العين في الوضوء والغسل، والصحيح أنه لا يجب غسل باطن العين بل لا يستحب بل يكره. وقيل: الحكمة في اختصاص هذه الأعضاء أن أكثر معاصي ابن آدم من هذه الأعضاء الأربعة. الثالثة: لو توضأ الإنسان منكوساً أربع مرات أجزأه لحصول غسل كل عضو في مرة. الرابعة: لو اغتسل محدث بنية رفع الحدث أو نحوه أجزأه عن الوضوء، ولو لم يمكث في الانغماس زمناً يمكن فيه الترتيب، لأن الغسل يكفي للأكبر فالأصغر، ولأن الترتيب يقدر في لحظات. سؤال: فإن قيل: لو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء في هذا الغسل هل يكفي هذا الغسل عن وضوءه أم لا؟ قال القاضي حسين: لا يكفي. ولو اغتسل المتوضئ ونوى رفع الجناية أو نحوها هل يكفيه عن وضوءه أم لا؟ جوابه: إن نوى ذلك غالطاً ورتب كفاه وإلا فلا. الخامسة: لنا وضوء صحيح خال عن غسل الرجلين أو عن غسل اليدين، وصورته: ما إذا اغتسل جنب إلا يديه أو إلا رجليه مثلاً، ثم أحدث ثم غسلهما عن الجنابة توضأ، ولا تجب عليه إعادة غسلهما لارتفاع حدثهما بغسلهما عن الجنابة، فهذا وضوء خال عن غسل الرجلين أو اليدين، وهما مكشوفان بلا علة. وزعم ابن القاضي أنه خال عن الترتيب أيضاً، وغلطه الأصحاب بأنه غير خال عنه بل لم يجب فيه الغسل الرجلين أو اليدين. السادسة: لنا وضوء خال عن الترتيب، وصورته: ما إذا غسل الجنب بدنه إلا أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها أفاده القاضي زكريا في شرح الروض. السابعة: لو نوى بعد الفراغ من الوضوء قطعه لم يبطل، ولو نوى في أثنائه قطعة لم يبطل ما مضى له من الوضوء، ولكن انقطعت نيته فيعيدها للباقي.

стр. 664

الثامنة: إذا بطل وضوءه في أثنائه بحدث أو غيره يثاب على الماضي أم لا؟ قيل: أن يثاب كما في الصلاة، ويحتمل أن يقال: إن بطل باختباره فلا، أو بغيره فنعم. قال النووي عن الماوردي: ومن أصحابنا من قال: لا ثواب له بحال، لأنه لا يراد لغيره بخلاف الصلاة. التاسعة: لو توضأ فقطعت يده أو تثقب لم يجب غسل ما ظهر، لأن ذلك ليس ببدل عما تحته، إلا إذا أحدث بعده ونظيره ما لو خلق رأسه بعد مسحه فإنه لا يعيد المسح. العاشرة: إذا كان الإنسان متوضئاً أو أراد تجديد الوضوء ماذا ينوي، لا يستقيم أن ينوي رفع الحدث لأن حدثه مرتفع، ولا استباحة الصلاة لأنه مستبيح لها بوضوءه الأول، ولا فرض لأنه ليس بفرض عليه، قال الأسنوي قد يقال: يكتفى بنية الرفع أو الاستباحة كالصلاة المعادة، ثم قال غيره: إن ذلك مشكل خارج عن القواعد، لكن قال ابن العماد: وتخريجه على الصلاة ليس ببعيد، لأن قضيته التجديد أن يعيد الشيء بصفته الأولى، وإلا لم يكن تجديداً. الحادية عشر: أي عضو من أعضاء الوضوء يجب غسله في بعض الأزمان دون بعض، وليس عليه جبيرة ولا خف وقد نظم هذا السؤال بعضهم فقال: يا إماماً قد فاق أهل الزمان ... بفنون من العلوم حسان ما الذي أنت قائل في سؤال ... هو من فنك الكثير المعاني أي عضو من الوضوء يغسل ... في زمان قد خص دون زمان لم يكن موضع الجبائر والخف ... ولكنه خفي المكان فأتنا بالجواب عما سألناك ... سريعاً فيه بغير ثوان وصورته في موضع اللحية الكثيفة، فإنه قبل نبات الشعر عليه يجب غسله بعد كثافته مع نباته لا يجب غسله، وإذا خف بعد كثافته وجب غسله، وقد أجاب السائل عنه نظماً فقال: خد جواباً عما سألت سريعاً ... حسن اللفظ في بديع المعاني إن هذا المكان يعرف منا ... بمحل اللحى من الأذقان شعر الوجه إن تكاثف فيه ... لم يجب غسله على الإنسان

стр. 665

وهو قبل الإنبات يغسل أو ... أخف نبات من فوق هذا المكان هاك درراً بأعلى الدر في ... النظم إذا كان من نحور الغوان وأما شرائط الوضوء: فقد اختلف العلماء في عددها، فمنهم من جعلها عشرة، ومنهم من زاد على ذلك، ومنهم من نقص عن ذلك، ومنهم من وصلها إلى مائة وست وخمسين شرطاً، ثم رد الجميع إلى شرط واحد، وهو لا يقترن بمانع. قال العلماء: معرفة شروط العبادات واجبة على كل مخاطب، لتوقف العبادات على معرفتها والإتيان بها على الوجه المشروع، إذ لا يغتفر فيها الجهل ولا النسيان، فمن توضأ مع الجهل بكيفية الوضوء لم يصح. فمن شروط الوضوء: الإسلام، فلا يصح وضوء الكافر. ومنها: الماء الطهور، فلا يصح الوضوء بل ولا الغسل ولا إزالة النجاسة بغير الطهور، كالماء المستعمل ولو كان المستعمل له صبياً أو من لا يرى وجوب النية في الوضوء والغسل وهو الحنفي، وإنما يصح بالطهور وهو الماء المطلق، والمطلق ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد، أما إذا تقيد الماء كأن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر مخالط تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه فإنه لا يصح الوضوء منه، ولا الغسل ولا إزالة النجاسة، كما إذا وقع في الماء زعفران فغير لونه، أو صابون أدخل فغير لونه، أو مسك فغير رائحته، وإنما كان غير طهور لأنه: لا يسمى ماء، ولهذا لو حلف أن لا يشرب الماء فشرب هذا المتغير بطاهر لا يحنث، خلافاً لأبي حنيفة فإنه جوز الوضوء بالماء المتغير بالزعفران أو نحوه. ولنا شخص توضأ بماء متغير لا يقع عليه اسم الماء، ولا هو باق على أصل خلقته ويصح وضوءه، وصورته: في الماء المتغير بما في مقره أو ممره أو بمجاوره كعود أو دهن أو نحو ذلك. ومنها: العلم بأنه طهور، فإذا لم يعلم من أراد الوضوء من ماء أنه طهور لا يصح الوضوء منه. ومنها: التمييز، فلا يصح وضوء غير المميز كالمجنون والصبي الذي لا يميز. ولنا شخص غير مميز ويصح وضوءه، وصورته: فيما إذا حج الإنسان ومعه صبي غير مميز أو مجنون فإن الولي يحرم عنه بالحج لينال أجر الحج، وعند الطواف يوضئه وينوي عنه ويصح وضوءه في هذه الصورة. ومنها: طهارة المحل عن الخبث إن لم يصلح الغسل لإزالة الحدث، كالسادسة في

стр. 666

الكلبية، فإذا تنجس وجه الإنسان مثلاً نجاسة كلبيه فغسله خمس مرات، ثم أراد أن يتوضأ فيشترط لصحة الوضوء أن يغسله مرة أخرى لتصير سادسة، فإن السادسة كالتي قبلها لا تصح لإزالة الحدث، إذ لا يزال الخبث باق اتفاقاً بخلاف السابعة بعد الترتيب فإنها صالحة لإزالتها، أفاد هذا الشرط الجوهري وغيره. ومنها: أن لا يكون على أعضاء الوضوء شيء مانع من وصول الماء إليه، يسمى «بالمانع الحببي» كشمع ونحوه، فإذا يجعل الإنسان في شقوق رجليه دهن شمع ووضع على يده أو رجليه حناء أو نحو ذلك وجب عليه في الوضوء أو الغسل إزالة عينه، فإن لم يزله لم يصح وضوءه ولا غسله حتى يغسل ذلك المحل، ويغسل ما بعده في الوضوء، نعم لا يضر بقاء لون الحناء فإنه ليس بحائل، ولو كان على عضوه دهن مائع فجرى عليه الماء فلم يثبت بل قطع صح وضوءه، وأما الوسخ الذي تحت الأظافر فقال جمهور العلماء: إنه مانع من صحة الوضوء والغسل، وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي: لا يمنع من صحته لمشقة الاحتراز عنه، وما أحسنها من رخصة فإنه قل من سلم من وسخ تحت أظافره خصوصاً أرباب الصنائع والحرف. سؤال: فإن قيل: أي شيء على أعضاء الوضوء أو الغسل مانع من وصول الماء إلى ذلك العضو لا يضر. جوابه: الوسخ الذي نشوءه من البدن، فإذا تجمد من عرق الإنسان وسخ، فإنه ليس بمانع من صحة الوضوء ولا الغسل، وإن منع من وصول الماء إلى العضو، لأنه جزء من البدن، أما إذا تجمد الوسخ من الغبار فإنه يضر، لأنه ليس جزءاً منه. ومنها: معرفة كيفيته. ومنها: أنه لا يميز بين فرض الوضوء ونفله، فمن اعتقد أن جميع أفعال الوضوء سنة لا يصح وضوءه، كما أنه لو اعتقد أن جميع أفعال الصلاة سنة، فإن صلاته لا تصح، ولو اعتقد بعض أفعال الوضوء ولم يميز بين الفرض والسنة لم يصح أيضاً وضوءه، كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها لا تصح، وإن كان بعضها سنة. وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض، فإنه لا يصح، كما قال الغزالي: العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط: أن لا يقصد النفل بما هو فرض، أما لو اعتقد أن جميع أفعال الوضوء فرض فإنه يصح، وإن كان بعضها سنة كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها تصح، وإن كان بعضها سنة، وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض وذلك لا يضر.

стр. 667

ومنها: استحباب النية حكماً، فمن نوى قطع الوضوء في أثنائه بطلب نيته بالنسبة إلى بقية الأعضاء فيجب استئنافها، وأما ما مضى فهو صحيح كما تقدم. ومنها: جريان الماء على العضو المغسول، فلا يكفي إيصال الماء إلى العضو المغسول من غير جريان، فكم من إنسان عند غسل الوجه مثلاً يمسح وجهه بالماء مسحاً من غير أن يسيل عليه الماء، فهذا وضوء باطل، لأن الواجب في الوجه واليدين الغسل لا المسح، ولا يتميز الغسل عن المسح إلا يجريان الماء. ومنها: استيعاب العضو للمغسول بالغسل، فلا يكفي غسل بعضه قال ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (١) . ومنها: أن يغسل مع المغسول جزءاً يتصل به من غيره، فإذا غسل وجهه فلابد أن يغسل شيئاً من الرأس والرقبة ليتقين أنه استوعبه، وإذا غسل يديه فلابد أن يغسل معهما شيئاً من الساقين لما تقرر في علم الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب. ومنها: أن لا يقترن بمانع شرعي، فمن وضأته امرأة أجنبية وكانت تلمس أعضاءه فإن وضوءه لا يصح عندنا، وكذلك من توضأ وريحه أو بوله خارج منه لاقترانه بمانع شرعي، نعم لنا شخص توضأ وبوله يسيل منه ووضوءه صحيح، وصورته: فيمن به سلس البون مثلاً إذا تعذر عليه حبسه فإن وضوءه صحيح وصلاته أيضاً وإن قطر بوله على الحصير، ويشترط في صحة وضوء صاحب الضرورة أيضاً دخول الوقت، وأن يحشو فرجه بقنطه وغيرها، وأن يقدم الاستنجاء على الوضوء، وأن يتوضأ لكل فريضة، فمن حدثه دائم كمن به سلس البول لا يصح وضوءه إلا بعد دخول الوقت كالمتيمم، ولا يصح وضوءه إلا بعد حشو فرجه والاستنجاء، وإذا توضأ لكل فرض

стр. 668

يجب عليه أن يدخل قطنته في إحليله فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذكر. فائدة: من به سلس المني يغتسل لكل فرض. وأما فضائل الوضوء فكثيرة: منها: أن المتوضئ يحبه الله كما يحب التائب قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ? [البقرة: ٢٢٢] بالماء من الأحداث والنجاسات. وقال تعالى: ?فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ? [التوبة: ١٠٨] . ومنها: أن النبي ﷺ جعل الطهارة نصف الإيمان أو نصف الصلاة، فقد روينا في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «الطهور شطر الإيمان» (١) . واختلف بالمراد بالإيمان في هذا الحديث: فقيل: المراد به الصلاة، فإن الإيمان يطلق عليها قال الله تعالى: ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. وقيل: المراد به معناه الحقيقي وهو المقابل للكفر، وعلى المعنيين فيه دلالة على فضل الوضوء، بل على فضل مطلق الطهارة، أما على الأول فإنها جعلت نصف الصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية. وهنا سؤال وهو: الطهارة بعض شرائط الصلاة، فكيف جعلت نصف الصلاة؟ جوابه: أن الطهارة أقوى شرائط الصلاة فجعلت كأنها الشرط كله، فأطلق عليها الشطر بهذا الاعتبار. وأما على الثاني فإنها جعلت نصف الإيمان الحقيقي باعتبار أنها طهارة عن الشرك، وأنها طهارة عن الأحداث، فهما طهارتان إحداهما تختص بالباطن، والأخرى بالظاهر، فما أعظمها من فضيلة حيث جعلت نصف الإيمان الذي هو السبب في سعادة الدارين.

стр. 669

ومنها: أنه مفتاح الصلاة، قال ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور» (١) . ومنها: أنه سبب للنظافة التي بُني الدين عليها، قال ﷺ : «بني الدين على النظافة» (٢) . ومنها: أنه مكفر للذنوب والخطايا ورفع الدرجات، روينا في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (٣) . ومعنى «إسباغ الوضوء على المكاره» إتمامه في شدة البرد. فائدة: ذكر أهل العلم في معنى قوله: «فذلكم الرباط» وجهين: أحدهما: أنه شبه الذي يتوضأ في شدة البرد، ويكثر الذهاب إلى المسجد، وينتظر الصلاة بعد الصلاة في الأجر بالمرابط في سبيل الله قبالة أعدائه. والثاني: أنه رباط صاحبه عن إثم الخطيئة، فكأنه عقله عنها بفعله. وروينا في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (٤) .

стр. 670

وروينا أيضاً في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل يديه خرج كل خطيئة بطشها يداه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب» ، وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: هذا حديث حسن صحيح (١) . رواه النسائي وزاد فيه: «وإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافله له» (٢) . ومنها: كما قاله في نزهة المجالس: إن العبد إذا غسل وجهه صار في الآخرة كوجه يوسف، وإذا غسل يديه أخذ كتابه بيمينه، كما أخذ موسى الألواح بيمينه، وإذا مسح رأسه يوضع عليه تاج العز، كما وضع على سليمان، وإذا غسل رجليه ركب النجائب، كما ركب محمد ﷺ البراق. ومنها: أنه ينجو من عذاب القبر، ويدل على ذلك الحديث الطويل الذي رواه الطبراني في الكبير والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والأصبهاني في الترغيب وهو حديث كثير الفوائد وسنذكره في المجالس الآتية فإنه ذكر فيه أنه ﷺ قال: «رأيت رجلاً من أمتي قد سلط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه منه» (٣) . فائدة: إذا أراد العبد العاصي أن يتوب إلى الله تعالى فينبغي له أن يتوضأ قبلها، ويأتي بأركان التوبة، ويصلي ركعتين، فقد نص علماؤنا الشافعية على استحباب ركعتين عند التوبة لخبر رواه الترمذي وحسنه: «ليس عبد يذنب ذنباً فيقوم فيتوضأ
следующие страницы →