← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الكلبية، فإذا تنجس وجه الإنسان مثلاً نجاسة كلبيه فغسله خمس مرات، ثم أراد أن يتوضأ فيشترط لصحة الوضوء أن يغسله مرة أخرى لتصير سادسة، فإن السادسة كالتي قبلها لا تصح لإزالة الحدث، إذ لا يزال الخبث باق اتفاقاً بخلاف السابعة بعد الترتيب فإنها صالحة لإزالتها، أفاد هذا الشرط الجوهري وغيره. ومنها: أن لا يكون على أعضاء الوضوء شيء مانع من وصول الماء إليه، يسمى «بالمانع الحببي» كشمع ونحوه، فإذا يجعل الإنسان في شقوق رجليه دهن شمع ووضع على يده أو رجليه حناء أو نحو ذلك وجب عليه في الوضوء أو الغسل إزالة عينه، فإن لم يزله لم يصح وضوءه ولا غسله حتى يغسل ذلك المحل، ويغسل ما بعده في الوضوء، نعم لا يضر بقاء لون الحناء فإنه ليس بحائل، ولو كان على عضوه دهن مائع فجرى عليه الماء فلم يثبت بل قطع صح وضوءه، وأما الوسخ الذي تحت الأظافر فقال جمهور العلماء: إنه مانع من صحة الوضوء والغسل، وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي: لا يمنع من صحته لمشقة الاحتراز عنه، وما أحسنها من رخصة فإنه قل من سلم من وسخ تحت أظافره خصوصاً أرباب الصنائع والحرف. سؤال: فإن قيل: أي شيء على أعضاء الوضوء أو الغسل مانع من وصول الماء إلى ذلك العضو لا يضر. جوابه: الوسخ الذي نشوءه من البدن، فإذا تجمد من عرق الإنسان وسخ، فإنه ليس بمانع من صحة الوضوء ولا الغسل، وإن منع من وصول الماء إلى العضو، لأنه جزء من البدن، أما إذا تجمد الوسخ من الغبار فإنه يضر، لأنه ليس جزءاً منه. ومنها: معرفة كيفيته. ومنها: أنه لا يميز بين فرض الوضوء ونفله، فمن اعتقد أن جميع أفعال الوضوء سنة لا يصح وضوءه، كما أنه لو اعتقد أن جميع أفعال الصلاة سنة، فإن صلاته لا تصح، ولو اعتقد بعض أفعال الوضوء ولم يميز بين الفرض والسنة لم يصح أيضاً وضوءه، كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها لا تصح، وإن كان بعضها سنة. وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض، فإنه لا يصح، كما قال الغزالي: العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط: أن لا يقصد النفل بما هو فرض، أما لو اعتقد أن جميع أفعال الوضوء فرض فإنه يصح، وإن كان بعضها سنة كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها تصح، وإن كان بعضها سنة، وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض وذلك لا يضر.

стр. 667

ومنها: استحباب النية حكماً، فمن نوى قطع الوضوء في أثنائه بطلب نيته بالنسبة إلى بقية الأعضاء فيجب استئنافها، وأما ما مضى فهو صحيح كما تقدم. ومنها: جريان الماء على العضو المغسول، فلا يكفي إيصال الماء إلى العضو المغسول من غير جريان، فكم من إنسان عند غسل الوجه مثلاً يمسح وجهه بالماء مسحاً من غير أن يسيل عليه الماء، فهذا وضوء باطل، لأن الواجب في الوجه واليدين الغسل لا المسح، ولا يتميز الغسل عن المسح إلا يجريان الماء. ومنها: استيعاب العضو للمغسول بالغسل، فلا يكفي غسل بعضه قال ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (١) . ومنها: أن يغسل مع المغسول جزءاً يتصل به من غيره، فإذا غسل وجهه فلابد أن يغسل شيئاً من الرأس والرقبة ليتقين أنه استوعبه، وإذا غسل يديه فلابد أن يغسل معهما شيئاً من الساقين لما تقرر في علم الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب. ومنها: أن لا يقترن بمانع شرعي، فمن وضأته امرأة أجنبية وكانت تلمس أعضاءه فإن وضوءه لا يصح عندنا، وكذلك من توضأ وريحه أو بوله خارج منه لاقترانه بمانع شرعي، نعم لنا شخص توضأ وبوله يسيل منه ووضوءه صحيح، وصورته: فيمن به سلس البون مثلاً إذا تعذر عليه حبسه فإن وضوءه صحيح وصلاته أيضاً وإن قطر بوله على الحصير، ويشترط في صحة وضوء صاحب الضرورة أيضاً دخول الوقت، وأن يحشو فرجه بقنطه وغيرها، وأن يقدم الاستنجاء على الوضوء، وأن يتوضأ لكل فريضة، فمن حدثه دائم كمن به سلس البول لا يصح وضوءه إلا بعد دخول الوقت كالمتيمم، ولا يصح وضوءه إلا بعد حشو فرجه والاستنجاء، وإذا توضأ لكل فرض

стр. 668

يجب عليه أن يدخل قطنته في إحليله فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذكر. فائدة: من به سلس المني يغتسل لكل فرض. وأما فضائل الوضوء فكثيرة: منها: أن المتوضئ يحبه الله كما يحب التائب قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ? [البقرة: ٢٢٢] بالماء من الأحداث والنجاسات. وقال تعالى: ?فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ? [التوبة: ١٠٨] . ومنها: أن النبي ﷺ جعل الطهارة نصف الإيمان أو نصف الصلاة، فقد روينا في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «الطهور شطر الإيمان» (١) . واختلف بالمراد بالإيمان في هذا الحديث: فقيل: المراد به الصلاة، فإن الإيمان يطلق عليها قال الله تعالى: ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. وقيل: المراد به معناه الحقيقي وهو المقابل للكفر، وعلى المعنيين فيه دلالة على فضل الوضوء، بل على فضل مطلق الطهارة، أما على الأول فإنها جعلت نصف الصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية. وهنا سؤال وهو: الطهارة بعض شرائط الصلاة، فكيف جعلت نصف الصلاة؟ جوابه: أن الطهارة أقوى شرائط الصلاة فجعلت كأنها الشرط كله، فأطلق عليها الشطر بهذا الاعتبار. وأما على الثاني فإنها جعلت نصف الإيمان الحقيقي باعتبار أنها طهارة عن الشرك، وأنها طهارة عن الأحداث، فهما طهارتان إحداهما تختص بالباطن، والأخرى بالظاهر، فما أعظمها من فضيلة حيث جعلت نصف الإيمان الذي هو السبب في سعادة الدارين.

стр. 669

ومنها: أنه مفتاح الصلاة، قال ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور» (١) . ومنها: أنه سبب للنظافة التي بُني الدين عليها، قال ﷺ : «بني الدين على النظافة» (٢) . ومنها: أنه مكفر للذنوب والخطايا ورفع الدرجات، روينا في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (٣) . ومعنى «إسباغ الوضوء على المكاره» إتمامه في شدة البرد. فائدة: ذكر أهل العلم في معنى قوله: «فذلكم الرباط» وجهين: أحدهما: أنه شبه الذي يتوضأ في شدة البرد، ويكثر الذهاب إلى المسجد، وينتظر الصلاة بعد الصلاة في الأجر بالمرابط في سبيل الله قبالة أعدائه. والثاني: أنه رباط صاحبه عن إثم الخطيئة، فكأنه عقله عنها بفعله. وروينا في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (٤) .

стр. 670

وروينا أيضاً في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل يديه خرج كل خطيئة بطشها يداه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب» ، وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: هذا حديث حسن صحيح (١) . رواه النسائي وزاد فيه: «وإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافله له» (٢) . ومنها: كما قاله في نزهة المجالس: إن العبد إذا غسل وجهه صار في الآخرة كوجه يوسف، وإذا غسل يديه أخذ كتابه بيمينه، كما أخذ موسى الألواح بيمينه، وإذا مسح رأسه يوضع عليه تاج العز، كما وضع على سليمان، وإذا غسل رجليه ركب النجائب، كما ركب محمد ﷺ البراق. ومنها: أنه ينجو من عذاب القبر، ويدل على ذلك الحديث الطويل الذي رواه الطبراني في الكبير والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والأصبهاني في الترغيب وهو حديث كثير الفوائد وسنذكره في المجالس الآتية فإنه ذكر فيه أنه ﷺ قال: «رأيت رجلاً من أمتي قد سلط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه منه» (٣) . فائدة: إذا أراد العبد العاصي أن يتوب إلى الله تعالى فينبغي له أن يتوضأ قبلها، ويأتي بأركان التوبة، ويصلي ركعتين، فقد نص علماؤنا الشافعية على استحباب ركعتين عند التوبة لخبر رواه الترمذي وحسنه: «ليس عبد يذنب ذنباً فيقوم فيتوضأ

стр. 671

يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له» (١) ثم فراغه يتوسل إلى الله في قبول توبته، فقد قيل: إن الله لما أراد أن يتوب على آدم، أمره جبريل أن يتوضأ ويتوسل إلى الله تعالى. كما نقل عن ابن عباس أنه قال: «لما أصاب آدم الزلة أهبط على الأرض إلى جبل «سرنديب» وهو يبكي، فلما طال بكاؤه وهبط إليه جبريل فقال: يا آدم كم هذا البكاء ألم تعلم أن الله تعالى جعل الماء طهوراً، والإيمان نوراً؟ فقال: نعم، قال: قم واغسل الأعضاء التي قصدت بها الزلة، وتوجه إليه، وتوكل عليه، فقام آدم وتوضأ وصلي وجعل يقول: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فتقبل منه وغفر له» . وقيل: إن آدم في مدة بكائه كان واضعاً وجهه على الأرض لله وهو يبكي حتى نبت العشب حول وجهه من دموعه وغطى رأسه، وكلما ذكر زلته يتأوه ويصيح فيخرج من فمه نفس يُسوِّد العشب، فلما أراد أن يتوب عليه ناداه يا آدم يا صفوتي فلم يجب ربه، فناداه ثانيا فلم يجبه، فناداه ثالثاً فلم يجبه، فارتعدت الملائكة من الخوف وقالوا: أهلكنا فإن آدم لم يجب ربه، فنزل جبريل وقال: يا آدم ألم تسمع نداء ربك؟ قال آدم: نعم أسمع نداءه وهو يقول: يا صفوتي، فكيف أكون صفياً وأنا قد عصيت، وظننت أنه خلق غيري وهو يناديه، فإن كان النداء لي فلبيك اللهم لبيك، فنودي وهو على تلك الحال: يا آدم ما كنت تقول في قلبك قبل ندائي لك وأنا علام الغيوب؟ قال: يارب كنت أقول: ومن يغفر الذنوب إلا الله، وكلما تذكرت ذنبي انكسر قلبي، فقال الله تعالى: يا آدم ألم تعلم أني عند المنكسرين من أجلي إذا لم يقطع عبدي الرجاء. في صحيح مسلم في حديث مطول عنه ﷺ أنه قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا

стр. 672

غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» (١) . وقال الغزالي في الإحياء قال النبي ﷺ : «إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض خرجت الخطايا من فمه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفاره، ثم كان مشية إلى المسجد وصلاته نافلة له» (٢) . ويروى: «إن الطاهر كالصائم» (٣) . وقال عمر ﵁: «إن الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان» (٤) . * * *

стр. 673

المجلس الثامن والثلاثون في بيان أسباب الحدث قَالَ البُخَارِي: بَابُ لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ هذه الترجمة هي لفظ حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن عمر بزيادة: «ولا صدقة من غلول» (١) والغلول: الخيانة في المغنم. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ (٢) .

стр. 674

هذا الرجل الذي سأل أبا هريرة لا يعرف اسمه، وجاء أنه أعرابي. قوله: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» القبول يطلق شرعاً ويراد به حصول الثواب، ولا يلزم في بقية نفي الصحة، بل نفي الثواب مع حصول الصحة، بدليل صحة صلاة العبد الآبق وصلاة شارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة عند الشافعية، فلا ثواب لواحد منهم. ويطلق ويراد به وقوع الفعل صحيحاً، وحينئذ يلزم من نفيه نفي الصحة، وهذا المعنى هو المراد هنا بقرينة الإجماع، فمعنى الحديث: لا تصح صلاة من أحدث حتى يتوضأ، وإذا لم يكن صحيحه فلا ثواب لها. سؤال: فإن قيل: تقبل الصلاة وتصح بالتيمم أيضاً فكيف قال: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ فقط؟ فالجواب: أن المراد حتى يتوضأ أو ما يقوم مقامه كالتيمم، واقتصر على الوضوء لأنه الأصل، والوضوء يطلق على التيمم بدليل أن النبي ﷺ قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (١) . فقوله: «حتى يتوضأ» أي: بالماء والتراب. والحدث ينقسم إلى حدث أصغر وهو ما أوجب الوضوء، وإلى أكبر وهو ما أوجب الغسل كالجنابة ونحوها. وقال بعض العلماء: الحدث ينقسم إلى حدث أصغر وكبير وأكبر، فالأصغر: ما أوجب الوضوء، والكبير ما أوجب الغسل كالجنابة والجماع، والأكبر ما أوجبه لحيض ونفاس. والمراد «بالحدث» في الحديث أي: الخارج من أحد السبيلين فيمنع من صحة الصلاة، وله أربعة أسباب.

стр. 675

فإن قيل: لأي شيء اقتصر أبو هريرة حين سأله الرجل عن الحدث على بعض الأسباب وقال له في الجواب: «فساء أو ضراط» مع أن الحدث يحصل بغيرها كما ستسمعه؟ فالجواب: أن أبا هريرة إنما اقتصر على ذلك لأنه الذي كان يجهله هذا الرجل الأسباب فعلمه ما يجهله منها أو أنه أجابه عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو أنه عما يقع من الأسباب في الصلاة غالباً، ولم يذكر غيرها كالبول مثلاً لأنه لا يعهد وقوعه فيها، بدليل قوله في الحديث الآخر الآتي: لما سئل عن الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء أي الحركة التي يظن بها أنها حدث، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفتل ولا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (١) أي لا يخرج من صلاته حتى يعلم وجود أحدهما يقيناً بالسماع وبالشم. والانفتال: بمعنى الانصراف. وقوله: «لا ينفتل» بالرفع على أنه نفي، وبالجزم على أنه نهي. «أو لا ينصرف» شك من الراوي وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. السبب الأول (٢) : خروج شيء من قبله أو دبره ولا فرق بين أن يكون صوتاً أو ريحاً، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، ولا فرق بين أن يكون الخارج طاهراً كالحصاة أو نجساً، ولا بين أن يكون معتاداً كالبول والغائط، أو نادراً كالدم، ولا فرق في الخارج من قبل المرأة بين أن يكون من مخرج أو من غيره كمدخل الذكر، ولو أخرجت دودة رأسها من فرجها ثم رجعت انتقض الوضوء، ودبر الخنثي المشكل ينتقض الخارج منه كغيره والخارج من قبليه جميعاً، أما الخارج من أحدهما فإنه لا ينتقض. ومن خلق له ذكران فإن كان يبول منهما انتقض الوضوء بالخارج من أحدهما، وإن كان يبول من أحدهما فالحكم له أي: ينقض الخارج منه فقط، والآخر زائد لا يتعلق به نقض قاله الأسنوي وغيره.

стр. 676

قال القاضي زكريا: الحكم في الحقيقة منوط بالأصالة لا البول، حتى لو كانا أصليين ويبول بأحدهما ويطأ بالآخر نقض كل منهما، أو كان أحدهما أصلياً والآخر زائداً نقض الأصلي فقط وإن كان يبول بهما، إلا إذا كان الزائد على سنن (١) الأصلي فإن الوضوء ينتقض بالبول منه، قال: وإن التبس الأصلي بالزائد فالظاهر أن النقض منوط بهما معاً لا بأحدهما. ولو خلق للمرأة فرجان فبالت وحاضت بهما انتقض الوضوء بالخارج من كل منهما فإن بالت وحاضت بأحدهما اختص الحكم به، ولو بالت بأحدهما وحاضت بالآخر فالوجه تعلق الحكم بكل منهما. ويستثني من الخارج «المني» فإنه لا ينقض الوضوء ولكن يوجب الغسل، ويتصور خروجه من غير جماع بما إذ نام وهو قاعد على وضوء ممكن مقعده من الأرض، أو نزل بفكر أو نظر، وإنما لم ينقض لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوصه أي: بخصوص كونه منياً. ولنا مني ينقض الوضوء ولا يوجب الغسل، وصورته: فيما إذا استدخلت المرأة منيها أو مني غيرها بعد انفصاله، ثم توضأت ثم خرج منها فإنه ينقض وضوءها ولا يوجب الغسل. سؤال: فإن قيل: لأي شيء نقض الحيض الوضوء، مع أنه أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، فما الفرق بينه وبين المني؟ جوابه: أنهم فرقوا بينهما من وجوه: الأول: أن الحيض مانع من صحة الوضوء في الاستدامة، فلا يبقى معه في الابتداء بخلاف الجنابة فإنها لا تمنع صحة الوضوء في الاستدامة، ولا يمتنع بقائه في الابتداء. الثاني: أن المني خارج طاهر ودم الحيض خارج نجس، فلا يصح إيراده نقضاً لعدم المساواة وقيام الفرق. الثالث: أن الحيض وخروج المني يختلف أحكامها في التغليظ والتخفيف، فلا يلزم من كون الحيض ناقضاً أن يكون المني ناقضاً قياساً عليه، لأن حدث الحيض استغلظ من حدث الجنابة، لأنه يحرم به أشياء لا تحرم بالمني، وقد ذكر علماء الأصول: أن شرط القياس أن لا يختلف المقيس والمقيس عليه في التغليظ والتخفيف، وحيئنذ فلا يرد

стр. 677

السؤال لعدم المساواة بينهما في العلة. قال العلماء: ولو انسد مخرج الإنسان وانفتح له مخرج بدله تحت معدته أي: تحت سرته، فخرج منه شيء انتقض وضوءه، إذ لابد للإنسان من مخرج فأقيم هذا مقامه، أما إذا انفتح له مخرج تحت المعدة، والأصلي منفتح أو فوقها أي: فوق المعدة، بأن انفتح في السرة فما فوقها، والأصلي من محاذيها يشبه القيء، والقيء لا ينقض، وما انفتح تحت المعدة والأصلي منفتح لا ضرورة إلى جعله مخرجاً مع انفتاح الأصلي، هذا إذا طرأ الانسداد على الأصلي، أما لو خلق الإنسان منسداً ففي أي: موضع انفتح له مخرج ينقض الخارج منه سواء فوق المعدة أو تحتها. فائدة: حيث جعلنا الأصلي المنفتح كالأصلي في النقض بخروج الخارج منه فلا نجعله مثله في أجزاء الحجر فيه عند الاستنجاء، ولا في نفض الوضوء بمسه، ولا في وجوب الغسل وغيره من أحكام الوطئ بالإيلاج فيه، ولا في حرمة النظر إليه حيث كان فوق العورة، وأما الأصلي فأحكامه باقية إذا طرأ عيله الانسداد، أما إذا كان منسداً أصالة كعضو زائد من الخنثي لا يجب بمسه وضوءه إلا بإيلاجه والإيلاج فيه غسل. السبب الثاني: زوال العقل وزوال التمييز بجنون أو إغماء أو سكر أو نوم أو غير ذلك، فإذا نام المتوضئ أو جن أو أغمي عليه أو سكر أو نحو ذلك انتقض وضوءه، وإنما انتقض الوضوء بالنوم لقوله ﷺ : «العينان وكاء السَّة فمن نام فليتوضأ» (١) رواه أبو داود وابن السكن في صحاحه. كني ﷺ «بالعينين» عن اليقظة. «الوكاء» بكسر الواو بالمد الخيط الذي يربط به الشيء، والمراد الحفاظ. «والسة» : الدبر. والمعنى: أن اليقظة هي الحافظة لما يخرج، والنائم قد يخرج منه الشيء ولا يشعر، وإذا ثبت النقض بالنوم ثبت بالجنون والاغماء والسكر ونحوها، لأنها أبلغ منه في الذهول الذي هو مظنة لخروج شيء من دبره، لأن النوم يستر العقل، والجنون يزيله، والإغماء يغمره، ولا ينقض النعاس المسمى «بالسنة» ، ولا حديث النفس، ولا أوائل

стр. 678

نشوة السكر، لعدم زوال الشعور. ويحصل الفرق بين النوم والنعاس بسماع كلام الحاضرين، وإن لم يفهمه وبالرؤيا، فإن سمع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه فذلك نعاس لا ينقض، وإن رأى رؤيا ذلك نوم ناقض، ولو شك هل نام أو نعس لم ينتقض وضوءه. وللنوم أربع علامات سنذكرها في محلها إن شاء الله تعالى. ويستثنى ما إذا نام ممكناً مقعده من مقره فإن وضوءه لا ينتقض ولو كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، وكذا لو نام محتبياً أي: جالساً على إليته رافعاَ ركبتيه محتوياً عليهما بيديه أو غيرهما. والذي يدل على أن من نام قاعداً ممكناً مقعده من مقرة لا ينتقض وضوءه ما ورد في صحيح مسلم عن أنس: «أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون» (١) . وهو محمول على أنهم كانوا ينامون ممكنين مقعدهم من مقرهم، جمعاً بينه وبين ما رواه أبو داود والترمذي أنه ﷺ قال: «لا وضوء على من نام قاعداً إنما الوضوء على من نام مضجعاً» (٢) فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله. سؤال: فإن قيل: يحتمل أن يخرج ممن نام ممكنا مقعده من الأرض من مقره الريح من قبله، فلم قلتم لا ينتقض وضوءه مطلقاً؟ فالجواب: أن خروج الريح من القبل نادر فلم يرتفع به أصل الطهارة، نعم يستحب لمن نام قاعداً ممكناً مقعده أن يتوضأ للخروج من الخلاف قاله في الروضة. قال العلماء: وإذا نام ممكناً مقعده من الأرض فمال في نومه حتى زالت إحدي إليتيه عن الأرض هل ينتقض وضوءه أم لا؟ فيه تفصيل وهو أن يقال: إن زالت قبل انتباهه انتقض، وإن لم تقع يده على الأرض لمضي لحظه وهو نائم غير ممكن، وإن زالت مع انتباهه أو بعد أو شك هل زالت قبل انتباهه أو بعده فلا ينتقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة، ولو تيقن النوم وشك هل كان ممكن أم لا؟ يجب عليه الوضوء، ولو نام على قفاه ملصقاً مقعده من

стр. 679

الأرض انتقض وضوءه، لأنه غير ممكن مقعده منها، نعم لنا شخص نام قاعداً ممكناً مقعده من الأرض وانتقض وضوءه، ولنا آخر نام على جنبيه أو قفاه ولم ينتقض وضوءه، أما الأول فهو الهزيل النحيف فإنه وإن اجتهد في مقعده من مقره لابد وأن يبقى بينهما بعض تجاف يخرج منه شيء من دبره هكذا قاله المارودي وأقره الرافعي، وقال الأذرعي: إنه الحق، لكن قال النووي في الروضة وغيرها: أنه لا ينتقض. وقال ابن الرفعة: إنه المذهب. وأما الثاني فهو النبي ﷺ . السبب الثالث من أسباب الحدث: التقاء بشرتي الرجل والمراة، فإذا وقعت ملامسة بين الرجل والمراة انتقض وضوء الملامس والملموس، ولو كان الرجل خصيا أو عينياً أو ممسوحا لقوله تعالى: ?أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ? [النساء: ٤٣] هذا مذهب إمامنا الشافعي. وعند أبي حنيفة لا ينتقض بلمس الرجل والمرأة لا وضوء للملامس ولا الملموس، وأجاب عن قوله تعالى: ?أَوْ لامَسْتُمُ? بأن المراد: جامعتم. وقال إمامنا الشافعي حمل ?أَوْ لامَسْتُمُ? على جامعتم خلاف الظاهر، بدليل قراءة الآخر «أو لمستم» واللمس الجس باليد وبغيرها، أو الجس باليد وألحق غيرها بها. ومما يدل على أن اللمس لا يختص بالجماع قوله تعالى: ?فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ? [الأنعام: ٧] . والمعنى في انتقاض الوضوء بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة: أن الالتقاء مظنة التلذذ المثير للشهوة، وينتقض عندنا الوضوء بالملامسة سواء أوقعت عمداً وسهواً بشهوة أو بغيرها بإكراه أو بغيره، بعضو أصلي أو زائد بعضو سليم، أو أشل بأعضاء الوضوء أو غيرها، هذا إذا وقعت الملامسة بين بشرتي الرجل والمرأة أي: من غير حائل. والبشرة: ظاهر الجلد، ومنها: اللسان واللثة فإذا لمس لسانها أو لحم أسنانها أو لمست هي ذلك انتقض الوضوء، أما إذا وقعت الملامسة مع الحائل فإنها لا تنقض، ولو كان رقيقاً. نعم لنا شيء حائل بين اللامس والملموس وينقض، وصورته: فيما إذا كثر الوسخ على البشرة من العرق فإنه حائل مع أن لمسه ينقض لأنه صار كالجزء من البدن، بخلاف ما إذا كان من غبار. قال العلماء: ولا نقض بين التقاء بشرتي رجلين، ولا امرأتين، ولا خنثتين، ولا

стр. 680

خنثى ورجل، ولا خنثى وامرأة لاحتمال التوافق في الخنثتين، والخنثى مع الرجل أو المرأة، وتنقض ميتة، وذكر ميت، وعجوز، وهرم، وتستثنى من النساء المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فإذا لمس الإنسان محارمه كأمه وعمته وخالته لا ينتقض وضؤه، ولو لمسها بشهوة لأنها ليست في مظنة الشهوة وهو بالنسبة إليه كالرجل. وضابط المحارم التي لا ينقض الوضوء بلمسها ويجوز النظر إليها والخلوة والمسافرة بها: كل امرأة حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وخالتها فإنه لا يحرم نكاحهن على التأبيد، بل إلى أن يفارق الزوجة فلسن بمحارم له فينقضن الوضوء، وخرج أيضاً: المرتدة والمجوسية والوثنية فإنهن لا يحرم نكاحهن على التأبيد، لأنهن إذا أسلمن حل نكاحهن. والمراد بالسبب المباح: العقد والدخول وخرج به ما إذا وطئ امرأة بشبهة كوطئ من ظنها زوجته فإن أمهاتها وبناتها وإن حرمن عليه على التأبيد لا تثبت الحرمة لهن فلمسهن ينقض الوضوء، لأن سبب التحريم ليس مباحاً، لأن وطئ الشبهة في الفاعل لا يوصف بالإباحة ولا بالتحريم، نعم إذا تزوج تلك الموطوءة بشبهة ودخل بها تثبت المحرمية في أصولها وفي فروعها ولا ينقض لمسهن الوضوء. قال الأسنوي: وترد هذه على الضابط، إذ السبب المباح وهو العقد والدخول لم يحرمهن لسبق تحريمهن بوطئ الشبهة، ويستحيل تحصيل الحاصل. وخرج بقوله في الضابط لحرمتها: الملاعنة فإن تحريمها على التأبيد لحرمتها لا لمحرميتها، ولا تنقض أم الزوجة ولا بنتها لصدق الحد عليهما. ولو شك هل لمس محرمة أم أجنبية؟ لم ينقض إذ الأصل بقاء الطهارة. ولا تنقض صغيرة لا تشتهى، لأنها ليست محلاً للشهوة، ومثلها الصغير الذي لا يشتهى. ولا ينقض شعر ولا سن ولا ظفر لأنها ليست مظنة للشهوة. ولا ينقض وضوء الرجل بلمس الأمرد الحسن ولو كان بشهوة، لأنه لم يدخل في قوله: ?أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ? [النساء: ٤٣] . نعم قال في الإفصاح: قال الإمام مالك: ينقض، وبه قال الأصطخري من الشافعية، فالأفضل المستحب في حق من لمسه أن يتوضأ خروجاً من الخلاف. ولا ينقض العضو المبان أي المقطوع فإذا قطعت يد المرأة مثلاً فلمسها الرجل، أو يد الرجل مثلاً فلمستها المرأة فلا ينتقض الوضوء، لأن العضو المقطوع لا يسمى امرأة

стр. 681

ولا رجل. السبب الرابع من أسباب الحدث: مس جزء من فرج الآدمي بجزء من بطن الكف بلا حائل سواء كان الفرج الممسوس قبلاً أو دبراً من نفسه أو غيره عمداً أو سهواً لقوله ﷺ : «من مس ذكره فليتوضأ» رواه الأربعة وصححه الترمذي (١) . والمراد: المس ببطن الكف لقوله ﷺ : «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» رواه ابن حبان وغيره (٢) . والإفضاء لغة: المس ببطن الكف. فإن قيل: الحديث الأول والثاني يدلان على أن من مس فرجه ينقض دون فرج غيره؟ فالجواب: أن من مس فرج غيره ينقض قياساً على مس فرجه لأن مسه أفحش من فرجه لهتكه حرمة غيره، ولهذا لا يتعدى النقض إليه. والمراد ببطن الكف الراحة مع بطون الأصابع، فلو مس بظهر الكف لم ينقض وكل ما يستر عند وضع اليدين على الأخرى بتحامل يسير فهو بطن الكف. وينقض المس ببطن أصبع زائدة إن كانت على استواء الأصابع وإلا فلا، وقبل المرأة الناقض ملتقى شفريها، فإن مست ما وراء الشفر لم ينتقض بلا خلاف. ومس الذكر المنفصل كالمتصل لبقاء اسم الذكر عليه بعد الإبانة، بخلاف فرج المرأة إذا قطع فإنه لا ينقض لأنها جلدة لا تتميز غالباً، فلا يصدق عليها اسم الفرج، وإذا قطع بعض الذكر فلمسه انتقض وضؤه، وقلفة الصبي وهي الجلدة التي تقطع في الختان ينقض مسها قبل القطع لا بعده، ولو خلق للإنسان كفان فإن اتفقا في العمل وعدمه نقضا، وإن كانت إحداهما عاملة والأخرى غير عاملة فإن كانتا على معصم

стр. 682

واحد نقضت الزائدة كالأصلية، بشرط أن تكون الزائدة كالأصلية كالأصبع الزائدة، وإن كانتا على معصمين نقضت الأصيلة فقط، ولا تنقض الزائدة، ولو خلق له ذكران فإن اتفقا في العمل وعدمه نقضا، وإن كان أحدهما عاملاً دون الآخر نقض مس العامل، وغير العامل إن كان على سنن العامل نقض مسه وإلا فلا. والمراد بالدبر الناقض ملتقى المنفذ دون ما ورأه. قال العلماء: فلا ينقض الوضوء بمس العانة ولا بمس الانثيين ولا بمس الإليين ولا بمس ما بين القبل والدبر، لأنه لا يسمى فرجاً. ولا ينتقض الوضوء بمس الذكر، برأس الأصابع وبما بينهما. ولا ينقض بمس فرج البهيمة، كما لا يجب ستره ولا يحرم النظر إليه. ولا ينتقض بقهقهة مصل ويدل عليه ما أخرجه ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «ليس من ضحك في الصلاة إعاده وضوء» (١) وإنما كان ذلك لهم حين ضحكوا خلف رسول الله ﷺ . وما روي من أنها تنتقض ضعيف، ولهذا قال علماؤنا: ولو افتصد الإنسان في صلاته فخرج منه الدم ولم يلوث بشرته لم تبطل صلاته لعدم بطلان طهارته، وعند أبي حنيفة ﵁ ينتقض الوضوء بالقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، لا في صلاة جنازة، ولا ينتقض الوضوء بالنجاسة الخارجة من غير الفرج كدم الرعاف من جميع المأكول. وأما ما ورد في مسلم من إيجاب الوضوء مما مست النار (٢) فمنسوخ أيضاً بالخبر

стр. 683

الصحيح في أبي داود عن جابر ﵁ كان آخر الأمرين من رسول الله ﵁ ترك الوضوء مما غيرت النار (١) . فائدة: في قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» دليل على بطلان الصلاة مع الحدث، وفيه دليل على أنه يحرم على المحدث حدثاً أصغر الصلاة ولو كانت نفلا أًو صلاة جنازة، هذا في غير فاقد الطهورين، ودائم الحدث، ويحرم عليه خطبة الجمعة والطواف ولو نفلاً لقوله ﷺ : «الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله تعالى قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم (٢) . ويحرم عليه سجود التلاوة أو الشكر لأنه في معنى الصلاة. قال ابن الصلاح: وأما ما يفعله عوام الفقراء من السجود بين يدي المشايخ محدثين فهو من العظائم، ولو كان بطهارة إلى القبلة قال: وأخشى أن يكون كفراً. وأما قوله تعالى: ?وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً? [يوسف: ١٠٠] فهو منسوخ أو مؤول، ويحرم عليه مس المصحف ولو كان بغير أعضاء الوضوء، ولا فرق بين مس كتابته وورقه وحواشيه وما بين سطوره، لأن اسم المصحف يقع على الجميع وقوعاً واحداً، وكذلك يحرم مسه من وراء ثوبه أو ثوب غيره، وكذا يحرم مسه على فاقد الطهورين، ودليل تحريم مسه قوله تعالى ?لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ? [الواقعة: ٧٩] أي: إلا المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي، ولو كان باقياً على أصله من الخبرية لزم الخلف في كلامه تعالى، لأن غير المتطهر يمسه. فإن قيل: ما المانع من جعله نهياً لا خبراً بمعناه؟ فالجواب: أنه لو كان نهياً لزم منه وقوع الطلب صفة وهو ممتنع. وأما مس جلد المصحف فإن كان متصلاً به حرم مسه لأنه كالجزء منه، ولهذا يتبعه في البيع، وإن كان منفصلاً عنه حرم مسه.

стр. 684

فقال الأسنوي: يحل مسه، ونقل الزركشي عن الغزالي: أنه يحرم مسه أيضاً ولم ينقل ما يخالفه، وقال ابن العماد: إنه الأصح إبقاءً لحرمته قبل انفصاله. قال العلامة القاضي زكريا: محل تحريم مسه إذا لم تنقطع نسبته عن المصحف، فإن انقطعت كأن جعلت جلد كتاب لم يحرم مسه قطعاً، وكما يحرم مسه يحرم حمله لأنه أبلغ من مسه سواء حمله وحده أو في غلافه أو بعلاقته، هذا مذهب إمامنا الشافعي والإمام مالك. وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث حلمه بعلاقته أو في علاقته، نعم يجوز لنا حمله في أمتعة أو متاع واحد إذا لم يكن مقصوداً بالحمل، لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ أما إذا كان مقصوداً بالحمل ولو مع الأمتعة فإنه يحرم حمله. ولا تحرم كتابة القرآن على المحدث من غير مس ولا حمل، بأن يضع الورقة مثلا بين يديه ويكتب فيها، ولا يحرم عليه قلب ورق المصحف بعود، لأنه ليس بحمل ولا مس، ويجوز مس التوراة والإنجيل وحملها، ويجوز مس وحمل ما نسخت تلاوته وإن لم ينسخ حكمه لزوال حرمته بالنسخ، كزوال حرمة التوراة والإنجيل بالتبديل، أما ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته فيحرم مسه وحمله، ويحرم على بالغ مس وحمل ما كتب بلوح ونحوه، ولو بعض آية لدراسة، بخلاف الصبي فإنه إذا كان مميزاً لا يجب على وليه ومعلمه مع الحدث الأصغر أن يمنعه من مس وحمل المصحف أو اللوح الذي يتعلم منه، لأنه يحتاج إلى الدراسة والتعلم، وتكليفه استصحاب الطهارة مما تعظم فيه المشقة، هذا إذا حمله لأجل الدراسة والتعلم، أما إذا لم يكن له غرض في حمله أو حمله بغرض آخر فإنه يجب على معلمه ووليه منعه من ذلك، وإذا كان البالغ محدثاً فقال للصبي: انقل هذا المصحف من هذا المكان إلى مكان آخر أو احمله معك فإنه حرام يأثم ببذلك البالغ، لأن الصبي يمنع من حمله ومسه إلا لحاجة التعلم، كما يمنع المجنون وهذا يقع فيه كثير من الناس الجهال خوفاً من مسه مع الحدث. وإذا كان الصبي جنباً وأراد حمل المصحف ومسه للدراسة هل يمنع من ذلك أم لا؟ قال النووي: لا يمنع، وجزم به ابن السبكي، لكن قال الأسنوي: القياس المنع لأنها نادرة، وحكمها أغلظ، واستحسن كلامه كثير من المتأخرين. قال العلماء: وإن أبيح للصبي المميز مع الحدث مس المصحف وحمله أو اللوح الذي فيه شيء من القرآن لأجل، الدراسة فيندب لوليه ومعلمه منعه منه، وأمره بالوضوء، ويجوز مع الكراهة مس وحمل كتب التفسير مع الحدث، إلا إذا كان القرآن

стр. 685

أكثر منه، فإنه حينئذ في معنى المصحف، ويجوز حمل الدراهم والدنانير والثياب التي كتب عليها شيء من القرآن، لأن هذه الأشياء لا يقصد بإثباب القرآن فيها قراءته، فلا يجري عليها أحكام القرآن، وسنذكر حكم الحروز في الكلام على آداب داخل الخلاف. وفي قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» أيضاً دلالة على رفع الشك والعمل باليقين، فإذا تيقن الإنسان أنه متوضئ وشك في الحدث بعده، عمل بيقينه وطرح الشك وصلى بوضوئه وصلاته صحيحة، وإذا تيقن أنه محدث وشك في أنه توضأ بعده عمل بيقينه أيضاً على الراجح وطرح الشك وتوضأ وصلى، وإن تيقن أنه وقع منه طهر وحدث وجهل السابق منهما نظر فيهما، فيما قبلهما فإن كان محدثاً فهو الآن متطهر، وإن كان متطهراً فهو الآن محدث إن اعتاد تجديد الوضوء وإن لم يعتد تجديده فهو الآن متطهر. ويتضح ذلك بالمثال فإذا وقع من الإنسان بعد طلوع الشمس مثلاً طهر وحدث ولم يعرف أسبقهما فلينظر فيما قبل طلوعها فإن تذكر أنه كان حينئذ محدثاً فهو الآن متطهر، وإن تذكر أنه كان متطهراً فإن كان له عادة بتجديد الوضوء فهو الآن متطهر وإن لم يتذكر ما قبلهما وجب الوضوء، وتعليل هذه المسائل مقررة في كتب الفقه فلا نطول بذكرها. * * *

стр. 686

المجلس التاسع والثلاثون في ذكر شيء من فضائل أمة محمد ﷺ وشيء من خصائصها، وخصائص نبينا ﷺ وذكر اختلاف العلماء في الوضوء هل هو من خصائص هذه الأمة أم لا؟ الحمد لله الذي أتقن كل شيء بحكمته فاحتبك، وبعث حبيبه محمد ﷺ فأنار به كل حلك، وآتاه من المعجزات والخصائص ما لم يؤته نبي ولا ملك، وجعل جنده الملائكة تسير معه حيث سلك، ﷺ وعلى آله وأصحابه ما سار ملك ودار فلك. باب فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء جاء في أكثر الروايات والغر المحجلين بالرفع ووجِّه بأوجه: الأول: مبتدأ وخبره محذوف، وهو مفضلون فكأنه قال: والغر المحجلون مفضلون على غيرهم، أو لهم فضل ونحوه. الثاني: أن يكون «الغر» مبتدأ أيضاً وخبره من آثار الوضوء، ومعناه: من الغر المحجلون منشأهم آثار الوضوء. الثالث: أن «الغر» مرفوع على سبيل الحكاية فقد ورد في بعض طرق الحديث: «أنتم الغر المحجلون» (١) . قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلاَلٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢) .

стр. 687

في إسناد هذا الحديث لطيفتان: إحداهما: أن جميع رجاله رجال من فرسان الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه. الثانية: أن النصف الأول من إسناده مصريون، والنصف الثاني مدنيون. قال ابن الملقن: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان ﵃. قوله: «رقيت» بكسر القاف بمعنى صعدت، وحكي فتحها مع الهمز ودونه. وقوله ﷺ : «إن أمتي» قال الكرماني: «الأمة» : الجماعة، وهو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع. قال العلماء: أمة محمد تطلق على أمة الدعوة، وهم جميع من أرسل إليهم من مسلم وكافر على اختلاف أنواعه، فإنه ﷺ دعى الجميع إلى كلمة التوحيد، فلا إنكار على من قال في حق يهودي معين أو نصراني وغيره أنه من أمة محمد ﷺ لأنه من أمة

стр. 688

الدعوة، وتطلق أمة محمد ﷺ على أمة الإجابة إلى قسمين إلى أمة الطاعة وهم: من أسلم وأطاع، وإلى أمة المعصية وهم: من أسلم وعصى، والمراد بالأمة في هذا الحديث: أمة الإجابة بقسميها كما قاله ابن حجر لا أمة الدعوة. وقوله: «يدعون» إما من الدعاء بمعنى النداء، وإما من الدعاء بمعنى التسمية، والمعنى على الأول: إن أمتي ينادون يوم القيامة، وعلى الثاني: يسمون يوم القيامة. وأصل القيامة: «القوامة» قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقوله: «غراً محجلين» إذا قلنا منصوبان إما على الحال من ضمير «يدعون» إن كان بمعنى النداء، ويعدى «يدعون» بإلى، وإما على المفعولية إن كان بمعنى التسمية. سؤال: فإن قيل: إلى أين ينادون يوم القيامة إذا قلنا أن «يدعون» بمعنى ينادون؟ جوابه: أنهم ينادون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك، حال كونهم على هذا الوصف فيقال لهم: يا أمة محمد أقبلوا إلى الحساب أو الميزان أو إلى الصراط أو إلى الحوض أو إلى الجنة أو غير ذلك. فيأتون وهم غر محجلون أي: على جباههم وأيديهم وأرجلهم نور ساطع كالغرة البيضاء في جبهة الفرس، والتحجيل الذي في يديها ورجليها، فإن «الغرة» في اللغة: بياض في جبهة الفرس، «والتحجيل» بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غراً وتحجيلاً تشبيها بذلك. وأما إذا كان «يدعون» بمعنى يسمون فمعنى الحديث: أن الملائكة تسمي أمة محمد ﷺ بهذا الاسم تشريفاً لهم وتكريماً من بين سائر الأمم، فيقولون لهم: يا غر المحجلين أو يا أصحاب الغرة والتحجيل، حين يرون عليهم هذا النور الحاصل لهم من الوضوء. وقوله: «من آثار الوضوء» يجوز قراءته بضم الواو، فإن النور حصل من هذا الفعل، ويجوز قراءته بفتح الواو بناء على أن هذا النور حصل من آثار الماء المستعمل في الوضوء. والحاصل: أن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة: منها: أن فيه دلالة على استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، والمراد بإطالة الغرة عند العلماء غسل ما فوق الواجب من جميع جوانب الوجه، وغايته أن يغسل صفحة العنق من مقدمات الرأس، والمراد بإطالة التحجيل غسل ما فوق الواجب من

стр. 689

جميع جوانب الرجلين واليدين، وغايته استيعاب العضدين والساقين أي: غسل اليدين إلى المنكبين والرجلين إلى الركبتين. وكان أبو هريرة ﵁ يستوعب في وضوءه العضدين والساقين حتى يوصل الماء إلى إبطيه. وهكذا نقل عن عبد الله بن عمر عملاً بظاهر قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» . واقتصر على ذكر الغرة في قوله «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته» ولم يقل وتحجيله لدلالتها عليه كما في قوله تعالى: ?سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ? [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد لدلالة الحر عليه. سؤال: فإن قيل: لأي شيء لم يقتصر ﷺ بذكر التحجيل عن ذكر الغرة لأنه مذكر وهي مؤنثة والمذكر أشرف من المؤنث؟ جوابه: أنه ﷺ إنما اقتصر بذكر الغرة عن ذكر التحجيل دون العكس لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. ومنها: أن فيه دلالة على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: الأول: أنه من خصائص هذه الأمة، وبهذا القول جزم الحليمي في منهاجه، واستدل على ذلك بهذا الحديث. الثاني: أنه ليس من خصائص هذه الأمة بل كان مشروعاً في سائر الأمم، والذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن حجر وقال أنه الظاهر قال: ويؤيده ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لكم سيما -أي علامة- ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء» (١) . الثالث: أنه من خصائص هذه الأمة ولم يشاركها فيه إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول لهذه الأمة شرف عظيم حيث استوو مع الأنبياء في هذه الخصوصية وامتازوا عنهم بالغرة والتحجيل ولقد أحسن من قال في المعنى:

стр. 690

ستأتي الناس في العرصات سكرى ... بلا أثر يكون لهم مزيننا وتتأتي أمة المختار غدا ... بآثار الوضوء محجلينا لأيديهم وأرجلهم وميض ... فوجههم تروق الناظرينا فكونوا يا عباد الله قوماً ... مدى أعماركم متطهرينا تفوزوا بالطهارة ما حييتم ... وفي غدكم تفوقوا العالمينا وهل هذا النور الذي في أعضاء الوضوء المعبر عنه بالغرة والتحجيل ثابت لكل واحد من هذه الأمة يوم القيامة، سواء توضأ في الدنيا أم لم يتوضأ، أو يكون لمن يتوضأ في الدنيا؟ قال ابن الملقن في شرحه على هذا الصحيح: ظاهر الأحاديث يقتضي أن ذلك خاص بمن توضأ منهم، فقد ورد في صحيح ابن حبان: يا رسول الله كيف تعرف من يرد من أمتك؟ قال: «غر محجلون بلق من آثار الوضوء» (١) . وأما ما نقل عن بعض المالكية أنه نقل عن العلماء: أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، وأن أهل القبلة كل من آمن من أمته سواء صلى أم لم يصلي، فهو كما قاله ابن الملقن نقل غريب. ومنها: أن فيه دلالة على استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة. ومنها: أن فيه دلالة على ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. ومنها: أن فيه دلالة على جواز الوضوء على ظهر المسجد، وإذا جاز على ظهره جاز فيه، فإن حرمة أعلاه وظاهره كحرمة داخلة، وعلى هذا أكثر العلماء. وكره جماعة الوضوء فيه تنزيها له كما ينزه عن البصاق والنخامة، وممن كره الوضوء ابن سيرين، ونقل عن الإمام مالك وعن سحنون. قال ابن الملقن: وقد صرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وإن الأولى أن يكون في إناء.

стр. 691

وأما رش المسجد بالماء المستعمل فقد اختاره النووي في شرح المهذب أنه جائر كما يجوز الوضوء فيه، وتبعه على اختياره الأسنوي، والشيخ إسماعيل بن المقرئ في «روضه» فإنه قال فيه: ويجوز نضحه بمستعمل. لكن قال البغوي: إنه لا يجوز لأن النفس إنما تعافه، وتبعه على ذلك الخوارزمي وصاحب الأنوار في كتاب الاعتكاف، وضعف النووي قوله، ورد تعليله بأن النفس إنما تعاف شربه ونحوه لا نضحه في المسجد. قال الزركشي والبغوي وغيره: إن يفرقوا بين جواز الوضوء فيه وبين نضحه بالماء بأن المتوضئ إنما يفعل ذلك لحاجته إليه، بخلاف النضح فإنه يقع قصداً، والشيء يغتفر ضمناً ما لا يغتفر قصداً، وبأن ماء الوضوء بعضه غير مستعمل بخلاف ماء النضح، وظاهر قول القاضي زكريا في شرح الروض يقتضي ترجيح قول البغوي فلينظر في كلامه أي: في شروط الصلاة في بحث المسجد. ومنها: أن فيه دلالة على كمال فضل نبينا ﷺ أطلعه الله تعالى على أمور من المغيبات مستقبلة من أمور الآخرة، وما يقع فيها لم يطلع عليه نبياً غيره، فأخبر بها في الدنيا أمته، وستقع كما أخبر فإنه صادق مصدوق، لاينطق عن الهوى، فمن ما أخبر به من أمور الآخرة ما ذكره في هذا الحديث أن أمته تأتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وكأنك بهذا وقد وقع، وكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل. وأما ما أخبر به ﷺ عن أمور مغيبة مستقبلة من أمور الدنيا فكثير وهو معجزة من معجزاته الباهرة وآية من آياته الظاهرة. ونقل عن حذيفة ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً فما ترك شيئاً يقوم في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وما أخبر به ﷺ من ذلك فهو مما أعلمه الله به (١) . قال العلماء: النبي لا يعلم من المغيبات إلا ما أعلمه الله تعالى به، ويدل عليه قوله تعالى: ?عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ? [الجن: ٢٧] . قال شيخنا العلامة الشيخ كمال الدين بن أبي شريف في شرح المسايرة: ذكر

стр. 692

الحنفية في فروعهم تصريحاً بتكفير من اعتقد أن النبي ﷺ يعلم الغيب، لمعارضته قوله تعالى: ?قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ? [النمل: ٦٥] وقد وقع كثير مما أخبر به ﷺ من المغيبات المستقبلة، فإن أردت تحقيق ذلك لديك فاستمع وتوجه إلى ما نتلو عليك فنقول: مما أخبر به ﷺ ووقع أنه أخبر قبل فتح مكة أن أصحابه تظهر على أهل مكة وتفتح لهم مكة وقد وقع ذلك. ومنه: أنه أخبر عن أمته أنها تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة الناجية منها واحدة وقد وقع ذلك. ومنه: ما رواه عبد الله بن عباس قال كنت قاعداً عند رسول الله ﷺ إذ أقبل عثمان فلما دنى منه قال: «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة، تقع قطرة من دمك على فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم» (١) وقد وقع ذلك. ومنه: أنه قال لفاطمة ﵂: «إنك أول بيتي لاحقة بي» فقالت: ونعم السلف أنا لك فكانت أول من مات بعده من أهل بيته (٢) . ومنه: أنه قال ﷺ : «إن عماراً تقتله الفئة الباغية» (٣) فقتله أصحاب معاوية. ومنه: أنه خرج يوماً إلى أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وعمار وأبو ذر ﵃ وهو يبكي فقيل: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، فجاءني بهذه التربة، وأخبرني أن فيها مضجعه» (٤) . ومنه: أن أبي ابن خلف كان يلقي ﷺ بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليها، فيقول ﵊: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فحصل لهذا الملعون في عنقه خدش غير كبير، فاحتقن الدم فلما رجع إلى

стр. 693

قريش قال: والله قتلني محمد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس قال: إنه قد كان قال لي: والله أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات «بسرف» وهم قافلون به إلى مكة (١) . ومنه: أن عمه العباس لما خرج من مكة مع الكفار في غزوة بدر لأجل قتال رسول الله ﷺ قال لزوجته أم الفضل: إن أصبت -أي: قتلت- فهذا المال إعط منه للفضل كذا ولقثم كذا ولعبد الله كذا، وقسمه على أولاده ولم يطلع على هذا المال أحد غيرها وغيره، ولم يعلم به أحداً إلا الله، فلما أسر العباس مع الأسارى قال له رسول الله ﷺ : «يا عم أفد نفسك» فقال: ليس لي مال فقال له رسول الله ﷺ : «أين المال الذي دفعته بمكة لأم الفضل وقلت لها: إعط لولدي الفلاني كذا، ولولدي فلان كذا» فقال العباس: من أعلمك بهذا وما علم به أحد غيري وغيرها؟ أشهد أنك رسول الله حقاً (٢) . وأما ما أخبر به عن أمور مغيبة مستقبلة في الدنيا ولم تقع إلى الآن فكثيرة: منها: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ وغير ذلك، وستقع كما أخبر. وفي الحديث دليل على فضل أمة محمد زادها الله شرفاً وتعظيماً. قال العلماء: خص الله تعالى هذه الأمة ونبيها بخصائص كثيرة منها: الوضوء على أحد الأقوال كما تقدم. ومنها: التيمم. ومنها: المسح على الخف. ومنها: جعل الماء مزيلا للنجاسة. ومنها: تحية السلام وهي تحية الملائكة وأهل الجنة في الجنة. ومنها: صلاة الجمعة. ومنها: صلاة الجماعة. ومنها: أن إجتماعهم حجة واختلافهم رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذاباً. ومنها: أن الطاعون لهم شهادة ورحمة، وكان على الأمم قبلهم عذاباً. ومنها: أن ما دعوا به استجيب لهم.

стр. 694

ومنها: أنه يغفر لهم الذنب بالوضوء. ومنها: أنهم يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويثابون عليها. ومنها: أنه يعجل لهم الثواب في الدنيا مع ادخاره في الآخرة. ومنها: أن الجبال والأشجار تتباشر بمرورهم عليها لتسبيحهم وتقديسهم. ومنها: أن أبواب السماء تفتح لأعمالهم وأرواحهم وتتباشر بهم الملائكة. ومنها: أن الله وملائكته يصلون عليهم. قال سفيان بن عيينه: أكرم الله أمة محمد فصلى عليهم كما صلى على الأنبياء فقال: ?هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ? [الأحزاب: ٤٣] . ومنها: أن المائدة توضع بين أيديهم فما يرفعونها حتى يغفر لهم. ومنها: أنه لا تزال طائفة منهم على الحق حتى يأتي أمر الله. ومنها: أن فيهم أقطاباً وأوتاداً ونجباءً وأبدالاً. قال الحسن: لولا الأبدال لخسفت الأرض بما فيها، ولولا الصالحون لفسدت الأرض، ولولا العلماء لصارت الناس مثل البهائم، ولولا الصالحون لفسدت الأرض، ولولا العلماء لصارت الناس مثل البهائم، ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا، ولولا الحمقى لخربت الأرض، ولولا الريح لأنتن ما بين السماء والأرض. ومنها: أن علماءهم كأنبياء بني إسرائيل فقد قال ﷺ : «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (١) . وقال ﷺ : «العالم في قومه كالنبي في أمته» (٢) . ومنها: أن الملائكة تسمع في السماء آذانهم وتلبيتهم.

стр. 695

ومنها: أنه ليس منهم أحد إلا مرحوماً. ومنها: أنهم يلبسون ثياب أهل الجنة. ومنها: أن الملائكة تحضرهم إذا قاتلوا. ومنها: أنهم نودوا في القرآن بيا أيها الذين آمنوا، ونوديت الأمم في كتبها بيا أيها المساكين، وشتان ما بين الخطابين. ومنها: أنهم يكونون على كوم عال في الموقف يوم القيامة، ولهم نور كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد، وأما النبي ﷺ فله من كل شعرة من رأسه نور، ووجهه نور، وليس للأنبياء إلا نوران. ومنها: أن لهم سيما في وجوههم من أثر السجود. ومنها: أن ذريتهم تسعى بين أيديهم. ومنها: أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. ومنها: أنهم يمرون على الصراط كالبرق الخاطف والريح العاصف. ومنها: أنهم يشفع محسنهم في مسيئهم. ومنها: أن الله عجل لهم عذابها في الدنيا وفي البرزخ لتأتي يوم القيامة بلا ذنوب. ومنها: أنها تدخل قبورها بذنوبها وتخرج منها بلا ذنوب، يمحص الله عنها باستغفار المؤمنين. ومنها: أن أطفالهم كلهم في الجنة، وليس ذلك لسائر الأمم في أحد الاحتمالين للسبكي في تفسيره. ومنها: أن الله يتجلى على هذه الأمة فيرونه ويسجدون له بإجماع أهل السنة، وفي الأمم السابقة احتمالان لابن حمزة. ومنها: أنه يدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بلا حساب. ومنها: أنهم جمعت لهم الصلوات الخمس ولم تجمع لأحد من الأنبياء، وبأنهن كفارات ما بينهن. ومنها: أنه اشتق لهم اسمان من أسماء الله تعالى المسلمون والمؤمنون، وسمى دينهم الإسلام ولم يوصف بهذا الوصف إلا الأنبياء. وخفف الله عن هذه الأمة ما لم يخففه عن غيرها من الأمم. ومنها: أنه وضع عنها قتل النفس في التوبة، وكانت توبة الأمم السابقة بقتل أنفسهم كما نطق الله به في القرآن. ومنها: فقأ العين من النظر إلى ما لا يحل.

стр. 696

ومنها: قرض موضع النجاسة ولا يطهرها الماء. ومنها: ربع المال في الزكاة. ومنها: أنه كان من عمل من اليهود شغلاً يوم السبت يصلب، ولم يجعل علينا يوم الجمعة مثل ذلك. ومنها: أنه كان من سرق استرق عبداً. ومنها: أنه كان من قتل نفسه حرمت عليه الجنة، وليس هذا في هذه الأمة. ومنها: أن جميع الأمم افتضحت عند هذه الأمة ولم يفضحوا عند أمة من الأمم، وهكذا يستر الله على هذه الأمة يوم القيامة ولا يفضحها ورد في مسند الفردوس للديلمي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «سئلت ربي أن يجعل حساب أمتي إلي لئلا تفتضح عند الأمم، فأوحى الله إلي يا محمد بل أنا أحسابهم فإن كان منهم زلة سترناها عليك، حتى لا يفتضح عبدي عندك، ولا يحزن لأجلهم قلبك» (١) . ومنها: أنه ستر على من لم يتقبل عمله منهم، وكان من قبلهم يفتضح إذا لم تأكل النار قربانهم، وغفر لهم الذنوب بالاستغفار، والندم توبة لهم. قال رزين: روي أن آدم قال: إن الله أعطى أمة محمد ﷺ أربع كرامات لم يعطينها كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان، وسلبت ثوبي حين عصيت وهم لا يسلبون، وفرق بيني وبين زوجتي، وأخرجت من الجنة. قال: وكان بني إسرائيل إذا أخطأ أحدهم حرم عليه طيب الطعام، وتصبح أخطائه مكتوبة على باب داره (٢) . ومنها: أنهم لا يعذبون بعذاب عذب به من قبلهم. ومنها: إذا شهد الاثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة، وكانت الأمم السابقة إذا شهد منهم مائة لعبد بخير وجبت له الجنة. ومنها: أنهم أقل الأمم عملاً وأكثرهم أجراً وأقصرهم أعماراً، وكان الرجل من الأمم السابقة أعبد منهم بثلاثين ضعفاً وهم خير منه بثلاثين ضعفاً. ومن فضائلهم وخصائصهم: أنهم نزلوا منزلة العدول من الحكام فيشهدون على الأمم يوم القيامة أن رسلهم بلغوهم الرسالة، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ

стр. 697

شَهِيداً? [البقرة: ١٤٣] . معنى قوله ?أُمَّةً وَسَطاً? عدول خيار. وقال ابن الملقن: أنا أرى أن وسطاً في هذا الموضع بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل: وسط الدار، وأرى أن الله تعالى إنما وضعهم بذلك لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه كالنصارى، ولا أهل تقصير فيه كاليهود، ومعنى قوله: ?لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ? أي: على الأمم أن رسلهم بلغوهم الرسالة، ومعنى: ?وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً? أي: ويكون النبي ﷺ معدلاً ومزكياً لكم، وذلك أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: كذبوا فقد بلغناهم، فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وأنهم أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولاً وأنزلت إلينا كتاباً أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمتهم فيزكيهم ويشهد بصدقهم. ومن فضائل هذه الأمة: أن الله تعالى سماها صالحين فقال: ?وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ? [الأنبياء: ١٠٥] أي: كتبنا في الكتب المنزلة من بعد اللوح المحفوظ أن الأرض أي: أرض الجنة، وقيل: الأرض التي فتحها المسلمون كالحجاز والعراق وغيرها، يرثها عبادي الصالحون أي: أمة محمد، فسماهم صالحين كما في الآية الأخرى: ?وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ? [المائدة: ٨٤] . ومن فضائلها: أنه وصفها بالفلاح فقال تعالى: ?قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ? [المؤمنون: ١] . ووصفها بالخير فقال: ?كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ? [آل عمران: ١١٠] وقيل: معناه كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ. قال بعض المفسرين: معنى الآية: أنتم خير أمة أخرجت للناس لأنكم تأمرونهم بالمعروف وتنهوهم عن المنكر، وتردونهم إلى الإسلام، وتدخلوا إلى الجنة وتمنعوهم دخول النار. ومن فضائلها: أنه يعطى كل منهم يهودياً أو نصرانياً فيقال له: يا مسلم هذا

стр. 698

فداؤك من النار، ويدل عليه ما رواه ابن ماجه في سننه (١) عنه ﷺ أنه قال: «إن أمتي أمة مرحومة فإذا كان يوم القيامة يدفع إلى كل رجل رجل من أهل الشرك، فقيل: هذا فداؤك من النار» (٢) . قال القرطبي: قال علماؤنا: ظاهر هذا الحديث وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى الإطلاق والعموم، وليست كذلك وإنها هى في ناس مذنبين تفضل الله عليهم بمغفرته ورحمته، فأعطى كلا منهم فكاكاً من النار من الكفار. واستدلوا على هذا بحديث مسلم أن النبي ﷺ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» (٣) . قالوا: ومعنى قوله ﷺ : «فيغفرها لهم» أنه يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا، ومعنى وضعها على اليهود والنصارى أنه يضاعف عليهم عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين، أو أخذوا بذلك وإلا فالله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره كما قال تعالى: ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الأعراف: ١٦٤] وله سبحانه أن يضاعف لمن يشاء العذاب ويخفف عن من يشاء بحكم إرادته ومشيئته، إذ لا يسأل عما يفعل. فائدة: جميع الأمم سبعون أمة وهذه الأمة هي خاتمتها وأفضلها، كما ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» (٤) . وروى الطبراني في المعجم الأوسط وحسنه الهيثمي (٥) عن النبي ﷺ أنه قال: «إن

стр. 699

الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» (١) . فائدة: أمة محمد في الجنة أكثر من نصف أهل الجنة، ويدل عليه ما رواه الترمذي عن بريدة مرفوعاً وحسنه: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون منها من سائر الأمم» (٢) . أفاد هذا الحديث أنهم أكثر من النصف، وأنهم ثلثا أهل الجنة. سؤال: فإن قيل: جاء في الصحيحين ما يدل على أن هذه الأمة شطر أهل الجنة فقط، ونص الحديث فيهما عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبرنا ثم قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبرنا ثم قال: «أما ترضون أنم تكونوا شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك، ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة سوداء في ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في ثور أسود» (٣) فما الجمع بين هذا الحديث والحديث الذي رواه الترمذي، فإنهما متنافيان في الظاهر. فالجواب: كما قاله البرماوي وغيره: أنه ﷺ طمع أن تكون أمته شطر أهل الجنة فأعطاه الله تعالى ذلك، فأخبر أمته ثم زاده على الشطر وأخبره به، فأخبر أمته ثانيا، فاندفع الثاني وزال الإشكال والحمد لله على كل حال. وإنما قال لهم رسول الله ﷺ أول مرة: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة»

стр. 700

وثانياً: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة» وثالثاً: «أما رضيتم أن تكونوا شطر أهل الجنة» لأن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم، فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به، وأيضاً له حكمة أخرى وهو أنهم في كل مرة كانوا يشكرون الله ويكبرونه ويحمدونه على إعطائهم ذلك، كما يدل عليه قوله: «فكبرنا» أي: عظمنا ذلك أي قلنا: الله أكبر، ففي التكرار رحمة بهم على تحديد شكر الله وتكبيره وحمده على كثرة نعمه. ومن فضائلها ما ذكره الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال موسى ﵇ يارب هل خلقت أمة أكرم عليك من أمتي؟ قال الله: يا موسى إن فضل أمة محمد ﷺ على سائر الخلق كفضلي على جميع خلقي. قال: يارب ليتني رأيتهم. قال: يا موسى إنك لن تراهم، ولو أردت أن تسمع كلامهم أسمعتك. قال: يارب فإني أريد أن أسمع كلامهم. قال الله : يا أمة أحمد، فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا وأرحام أمهاتنا، لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة أحمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقابي، وقد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وقد غفرت لكم قبل أن تعصوني، من جاء في يوم القيامة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسولي وعبدي جعلت الجنة مأواه، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر» . وذكر الثعلبي أيضاً عن كعب الأحبار: أن موسى ﵊ نظر في التوراة فقال: إنى أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب أجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ يا موسى. فقال رب إني أجد أمة هي الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا: نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ . فقال: ربي إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون والمستجاب لهم، الشافعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ . فقال: إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شِرف كبر الله، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهر، والأرض لهم مسجد، حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء

стр. 701

فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ . فقال: رب إني أجد أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة بمثلها، وإن عملها ضعفت عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة مثلها فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ . فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، فلا أجد أحد منهم إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ . فقال: رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم، يلبسون ثياب أهل الجنة، يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار أحد منهم أبد، إلا من رمي الحساب مثل ما يرمي الحجر من وراء الشجر فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه. فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمداً ﷺ وأمته قال: ياليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات: ?يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي? إلى قوله: ?دَارَ الفَاسِقِينَ? [الأعراف: ١٤٤، ١٥٤] ?وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ? [الأعراف: ١٥٩] قال: فرضي موسى كل الرضا. لطيفة: وهي خاتمة قال في نزهة المجالس: جاء في الخبر: أنه يؤتى يوم القيامة برجل من أمتي له ذنوب كعدد رمل عالج، فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول له: انطلقوا به الى النار، فيلتفت فيقول الله: مالك تلتفت؟ فيقول: يارب خرجت من الدنيا، وما انقطع رجائي منك، وأمرت بي إلى النار رجائي منك، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالي ما كان هذا ظن عبدي بي، ولكن هذه دعوة دعاها علي أشهدكم يا ملائكتي أني قد قبلت دعوته وغفرت له. * * *

стр. 702

المجلس الأربعون في ذكر ما في حديث ابن عباس من الفوائد، وذكر بعض فضل قيام الليل، وذكر بعض فضل ميمونة أم المؤمنين الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بنور الدين وفضائله، وتفضل على الغارقين في معصيته برأفته ورحمته وعواطفه، وأشغل العارفين بخدمته وأمنهم من مخاوفه، وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له شهادة عابد لربه وعارفه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله نبي قام الليالي حتى تورمت قدماه، ودعاه ربه الى حضرته وأدناه، ﷺ أبداً، وعلى إله وأصحابه بحار الندى، ومفاتيح الهدى. قَالَ البُخَارِي: بَابُ التَخفِيفِ فِي الوضُوءِ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ –أي حتى غط- ثُمَّ صَلَّى -وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ- ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءاً خَفِيفاً - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّى فَتَوَضَّأْتُ نَحْواً مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِى فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاساً يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْىٌ، ثُمَّ قَرَأَ ?إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ? [الصافات: ١٠٢] (١) .

стр. 703

«ميمونة» هي أم المؤمنين ببت الحارث ﵂، كان اسمها «برة» فسماها النبي ﷺ «ميمونة» تزوجها النبي ﷺ بعد خيبر، لما توجه الى مكة معتمراً سنة سبع. قال المحب الطبري لما خطبها النبي ﷺ جعلت أمرها الى العباس ﵁ زوج أختها لبابة الكبرى أم الفضل، فزوجها إياه وهو محرم، فلما رجع عليها قبل وصوله ﷺ -

стр. 704

تزوجها وهو حلال. وحمل الطبرى رواية: «وهو محرم» على أنه تزوجها وهو داخل الحرم أي: لا في الإحرام، لأن العقد في الإحرام لا يصح فلابد من تأويله بذلك. واعترض عليه بأنه كان من خصائصه ﷺ أن نكاحه ينعقد في الإحرام كما قال في الروضة، بخلاف غيره من أمته. وكانت قبل رسول الله ﷺ متزوجة بإبراهيم بن عبد العزى. ماتت بمكان بين مكة والمدينة يقال له «سرف» وهو الموضع الذي دخل عليها فيه رسول الله ﷺ سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها هو وعبد الله بن شداد وكل منهما ابن أختها، وهي آخر أمراة تزوجها رسول الله ﷺ . قال القرطبي: والحاصل أن ابن عباس قال: «بت عند خالتى ميمونه ليلة فنام النبي ﷺ من الليل، فلما كان من بعض الليل» . وجاء في رواية: «في بعض الليل» . وحينئذ يحتمل أن تكون «كان» هنا ناقصة واسمها مستتر فيها، راجع الى النبي ﷺ وخبرها قوله: «في بعض الليل» ، ويحتمل أن تكون تامة وفاعلها المستتر فيها العائد إلى النبي ﷺ أما على رواية: «من بعض الليل» فتكون «من» زائدة «وبعض الليل» هو الفاعل «بكان» . «قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شن معلق» أي: قربة عتيقة معلقة، وقال: «معلق» بالتذكير دون التأنيث بتأويل الجلد أو السقاء أو الوعاء. وجاء في رواية: «معلقة» بالتأنيث باعتبار القربة. فائده: هذه القربة التي توضأ منها رسول الله ﷺ وابن عباس أصلها من جلدة شاة ميمونة زوجة النبي ﷺ فإن شاتها لما ماتت قال رسول الله ﷺ : «هلا انتفعهم بأهابها» (١) . ثم دبغ أهابها بعد ذلك وجعل منه شناً، فكان رسول الله ﷺ يتوضأ منه. (ذكر

стр. 705

هذه الفائدة أبو بكر بن العربي) . «وضوءاً خفيفاً -يخففه عمر ويقلله- وقام يصلي فتوضأت نحو ما توضأ» وإنما قال: «نحو ما توضأ» ولم يقل: «مثل مما توضأ» لأن حقيقة مماثلثه ﷺ لا يقدر عليه غيره. «ثم جئت فقمت عن يساره، وربما قال سفيان: عن شماله. فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلنا لعمرو: إن ناساً يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه؟ قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ ?إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ? [الصافات: ١٠٢] » . قوله: «وضوءاً خفيفاً -يخففه عمرو ويقلله-» هذا إدراج بين ألفاظ ابن عباس من سفيان بن عيينة، والمعنى: أن عمرو بن دينار وصف وضوء رسول الله ﷺ الذي توضأ هذه الليلة حين نام بالتخفيف والتقليل. سؤال: فإن قيل: ما الفرق بين التخفيف والتقليل؟ جوابه: أن التخفيف من باب الكيف ويقابله الثقيل من باب الكم، ويقابله التكثير وإيضاًحه: أراد بالتخفيف أن كيفية وضوءه ﷺ أنه كان مخففاً أي: اقتصر فيه على تمام غسل الأعضاء دون إمرار اليد عليها، ولو أمر يده عليها لم يكن مخففاً بل مكثراً. وأراد بالتقليل أن كمية غسل كل عضو مرة مع أنه كان ﷺ يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً للفضل، والمرة الواحدة بالنسبة الى الثلاث تقليل. واعلم أن هذا حديث جليل مشتمل على فوائد كثيرة: منها: أن فيه دلالة على أن نومه ﷺ مضطجعاً لا ينقض وضوءه، وكذلك سائر الأنبياء، لأن يقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث، لأنهم كانوا تنام أعينهم، وقلوبهم لا تنام، وإنما كانت قلوبهم لا تنام لأن الوحي قد ينزل عليهم في المنام فأيقظ الله قلوبهم لذلك ليفهموا الوحي. واستشكل العلماء ذلك بنومه ﷺ في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس، فلو كان قلبه مستيقظاً لما نام حتى خرج الوقت. وأجاب عنه العلماء: بأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب، فلهذا لم يحس بطلوعهما لأن عينه التي يدرك بها كانت نائمة.
следующие страницы →