فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ .
فقال: رب إني أجد أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة بمثلها، وإن عملها ضعفت عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة مثلها فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ .
فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، فلا أجد أحد منهم إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ﷺ .
فقال: رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم، يلبسون ثياب أهل الجنة، يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار أحد منهم أبد، إلا من رمي الحساب مثل ما يرمي الحجر من وراء الشجر فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه.
فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمداً ﷺ وأمته قال: ياليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات: ?يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي? إلى قوله: ?دَارَ الفَاسِقِينَ? [الأعراف: ١٤٤، ١٥٤] ?وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ? [الأعراف: ١٥٩] قال: فرضي موسى كل الرضا.
لطيفة: وهي خاتمة قال في نزهة المجالس: جاء في الخبر: أنه يؤتى يوم القيامة برجل من أمتي له ذنوب كعدد رمل عالج، فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول له: انطلقوا به الى النار، فيلتفت فيقول الله: مالك تلتفت؟ فيقول: يارب خرجت من الدنيا، وما انقطع رجائي منك، وأمرت بي إلى النار رجائي منك، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالي ما كان هذا ظن عبدي بي، ولكن هذه دعوة دعاها علي أشهدكم يا ملائكتي أني قد قبلت دعوته وغفرت له.
* * *
стр. 702
المجلس الأربعون
في ذكر ما في حديث ابن عباس من الفوائد، وذكر بعض فضل قيام الليل،
وذكر بعض فضل ميمونة أم المؤمنين
الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بنور الدين وفضائله، وتفضل على الغارقين في معصيته برأفته ورحمته وعواطفه، وأشغل العارفين بخدمته وأمنهم من مخاوفه، وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له شهادة عابد لربه وعارفه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله نبي قام الليالي حتى تورمت قدماه، ودعاه ربه الى حضرته وأدناه، ﷺ أبداً، وعلى إله وأصحابه بحار الندى، ومفاتيح الهدى.
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ التَخفِيفِ فِي الوضُوءِ
حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ –أي حتى غط- ثُمَّ صَلَّى -وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ- ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءاً خَفِيفاً - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّى فَتَوَضَّأْتُ نَحْواً مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِى فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاساً يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْىٌ، ثُمَّ قَرَأَ ?إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ? [الصافات: ١٠٢] (١) .
стр. 703
«ميمونة» هي أم المؤمنين ببت الحارث ﵂، كان اسمها «برة» فسماها النبي ﷺ «ميمونة» تزوجها النبي ﷺ بعد خيبر، لما توجه الى مكة معتمراً سنة سبع.
قال المحب الطبري لما خطبها النبي ﷺ جعلت أمرها الى العباس ﵁ زوج أختها لبابة الكبرى أم الفضل، فزوجها إياه وهو محرم، فلما رجع عليها قبل وصوله ﷺ -
стр. 704
تزوجها وهو حلال.
وحمل الطبرى رواية: «وهو محرم» على أنه تزوجها وهو داخل الحرم أي: لا في الإحرام، لأن العقد في الإحرام لا يصح فلابد من تأويله بذلك.
واعترض عليه بأنه كان من خصائصه ﷺ أن نكاحه ينعقد في الإحرام كما قال في الروضة، بخلاف غيره من أمته.
وكانت قبل رسول الله ﷺ متزوجة بإبراهيم بن عبد العزى.
ماتت بمكان بين مكة والمدينة يقال له «سرف» وهو الموضع الذي دخل عليها فيه رسول الله ﷺ سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها هو وعبد الله بن شداد وكل منهما ابن أختها، وهي آخر أمراة تزوجها رسول الله ﷺ .
قال القرطبي: والحاصل أن ابن عباس قال: «بت عند خالتى ميمونه ليلة فنام النبي ﷺ من الليل، فلما كان من بعض الليل» .
وجاء في رواية: «في بعض الليل» .
وحينئذ يحتمل أن تكون «كان» هنا ناقصة واسمها مستتر فيها، راجع الى النبي ﷺ وخبرها قوله: «في بعض الليل» ، ويحتمل أن تكون تامة وفاعلها المستتر فيها العائد إلى النبي ﷺ أما على رواية: «من بعض الليل» فتكون «من» زائدة «وبعض الليل» هو الفاعل «بكان» .
«قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شن معلق» أي: قربة عتيقة معلقة، وقال: «معلق» بالتذكير دون التأنيث بتأويل الجلد أو السقاء أو الوعاء.
وجاء في رواية: «معلقة» بالتأنيث باعتبار القربة.
فائده: هذه القربة التي توضأ منها رسول الله ﷺ وابن عباس أصلها من جلدة شاة ميمونة زوجة النبي ﷺ فإن شاتها لما ماتت قال رسول الله ﷺ : «هلا انتفعهم بأهابها» (١) .
ثم دبغ أهابها بعد ذلك وجعل منه شناً، فكان رسول الله ﷺ يتوضأ منه. (ذكر
стр. 705
هذه الفائدة أبو بكر بن العربي) .
«وضوءاً خفيفاً -يخففه عمر ويقلله- وقام يصلي فتوضأت نحو ما توضأ» وإنما قال: «نحو ما توضأ» ولم يقل: «مثل مما توضأ» لأن حقيقة مماثلثه ﷺ لا يقدر عليه غيره.
«ثم جئت فقمت عن يساره، وربما قال سفيان: عن شماله. فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلنا لعمرو: إن ناساً يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه؟ قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ ?إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ? [الصافات: ١٠٢] » .
قوله: «وضوءاً خفيفاً -يخففه عمرو ويقلله-» هذا إدراج بين ألفاظ ابن عباس من سفيان بن عيينة، والمعنى: أن عمرو بن دينار وصف وضوء رسول الله ﷺ الذي توضأ هذه الليلة حين نام بالتخفيف والتقليل.
سؤال: فإن قيل: ما الفرق بين التخفيف والتقليل؟
جوابه: أن التخفيف من باب الكيف ويقابله الثقيل من باب الكم، ويقابله التكثير وإيضاًحه: أراد بالتخفيف أن كيفية وضوءه ﷺ أنه كان مخففاً أي: اقتصر فيه على تمام غسل الأعضاء دون إمرار اليد عليها، ولو أمر يده عليها لم يكن مخففاً بل مكثراً.
وأراد بالتقليل أن كمية غسل كل عضو مرة مع أنه كان ﷺ يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً للفضل، والمرة الواحدة بالنسبة الى الثلاث تقليل.
واعلم أن هذا حديث جليل مشتمل على فوائد كثيرة:
منها: أن فيه دلالة على أن نومه ﷺ مضطجعاً لا ينقض وضوءه، وكذلك سائر الأنبياء، لأن يقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث، لأنهم كانوا تنام أعينهم، وقلوبهم لا تنام، وإنما كانت قلوبهم لا تنام لأن الوحي قد ينزل عليهم في المنام فأيقظ الله قلوبهم لذلك ليفهموا الوحي.
واستشكل العلماء ذلك بنومه ﷺ في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس، فلو كان قلبه مستيقظاً لما نام حتى خرج الوقت.
وأجاب عنه العلماء: بأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب، فلهذا لم يحس بطلوعهما لأن عينه التي يدرك بها كانت نائمة.
стр. 706
وأما الجواب عنه: بأن قلبه كان ينام في بعض الأوقات فنام في ذلك الوقت، قال ابن الملقن: لكن قال القاضي زكريا في شرح الروض حكاه الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا قال كان للنبي ﷺ نومان أحدهما: ينام قلبه وعينه، والثاني: عينه دون قبله، فكان نوم الوادي من النوع الأول ولم يستبعده.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يجوز نوم الرجل مع امرأته بغير جماع بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميزاً كما نام رسول الله ﷺ مع ميمونه بحضرة ابن أختها عبد الله بن عباس.
وجاء في بعض الروايات أنها كانت حائضاً، ولم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة فيها حاجة لرسول الله ﷺ إلى الجماع.
ومنها: أن فيه دلالة على صلة الرحم، وعلى فضل ابن عباس وحذقه على صغر سنة، حيث قام بالليل واقتدى برسول الله ﷺ وفعل كفعله، وكان عمره آنذاك عشر سنوات.
ومنها: أن فيه دلالة على صحة الاقتداء في النافلة وصحة الجماعة فيها، فإن ابن عباس اقتدى به في صلاة الليل.
ومنها: أن فيه دلالة على أن الجماعة تصلى بإمام ومأموم.
ومنها: أن فيه دلالة على صحة صلاة الصبي المميز.
ومنها: أن فيه دلالة على موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وهذه المسألة مختلف فيها.
فمذهب إمامنا الشافعي أن السنة أن يقف الذكر بالغاً كان أو صبياً عن يمين الإمام، ولو وقف عن يساره وخلفه لم تبطل صلاته، لكن يستحب للإمام إذا اقتدى به واحد ووقف عن يساره يحوله إلى يمينه، كما حول النبي ﷺ ابن عباس إلى يمينه.
فائدة: ذكر الشيخ برهان الدين المحدث أن المحولين من اليسار إلى اليمين في الصلاة ثلاثة عبد الله، وهو في الصحيحين (١) .
وجابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم (٢) .
стр. 707
وجبار بن صخر كما في مسند أحمد (١) .
وزاد الشيخ أبو ذر رابعاً وهو حذيفه بن اليمان، وقال: إنه في معجم الطبرانى الأوسط (٢) .
وذهب أبو حنيفة إلى أن موقف المأموم الواحد خلف الإمام لا عن يمينه وهذا الحديث يرد عليه.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أن المأموم الواحد إذا وقف عن يسار الإمام تبطل صلاته وهذا الحديث يرد عليه.
لكن عند الشافعي إذا أردت المرأة أن تقتدي بالرجل فالسنة أن تقف خلفه لا عن يمينه، ولو وقفت عن يمينه جاز لكنه خلاف السنة.
قال العلماء: وإذا اقتدى بالإمام ووقف عن يمينه ثم جاء آخر وقف عن يساره، وحينئذ يستحب أن يتقدم الإمام أو يتأخر ليصيروا وراءه صفاً، وتأخرهما أفضل، هذا إذا لحق الثاني الإمام في القيام أما إذا لحقه في التشهد أو السجود فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا.
نعم لنا شخص لا يستحب له الوقوف عن يمين الإمام ولا عن يساره ولا خلفه، بل يؤمر بالوقوف في جهة أخرى، والحال أن كلاً من الإمام والمأموم يصلي في أرض مستوية خارجة عن مكة شرفها الله تعالى، وصورته: فيما إذا اقتدى الإنسان بإمام عجز عن الصلاة قائماً وقاعداً فصلى مضطجعاً على جنبه، فلا يأتي للمأموم أن يقف عن يمينه أو يساره لأن يمين الإمام إلى جهة الأرض، ويساره إلى السماء، أو بالعكس ولا خلف الإمام لأن الانفراد مكروه، فتعين أن يقف إما عند رجلي إمامه، وإما عند رأسه وهو الأولى.
ومنها: أن فيه دلالة على أن يستحب للإمام أن يعلم المأموم إذا قصر في شيء من السنن وإن كان في الصلاة، كما علم رسول الله ﷺ ابن عباس في الصلاة لما وقف عن يساره وحوله إلى يمينه.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يستحب للمؤذن أن يعلم الإمام بقرب إقامة
стр. 708
الصلاة، وأن الإمام إذا أعلمه المؤذن بذلك يستحب له أن يقوم معه، هذا إذا لم يكن الإمام حاضراً في المسجد، أما إذا كان في المسجد فالسنة أن لا يقيم المؤذن الصلاة إلا بإذنه.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصلي بالوضوء الواحد فرضاً ونوافل، وهذا لا شك في جوازه، بل يجوز أن يصلي فروضاً عديدة ونوافل بوضوء واحد.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يجوز أن يصلي الفريضه بوضوء النافلة، كما إذا توضأ الإنسان لصلاة الضحى مثلاً فله أن يصلي به فرضاً، بل فروضاً ونوافل، بل يجوز لمن توضأ لمس المصحف أن يصلي به الفرض والنفل وغير ذلك.
نعم لنا شخص توضأ لنافلة أو صلاة جنازة أو مس مصحف ولا يجوز له أن يصلي به الفرض، وصورته: في دائم الحدث كمن به سلس البول إذا نوى بوضؤه استباحة الفرض استباحه، واستباح معه النفل استباحه دون الفرض، لأن الأقوى لا يتبع الأضعف، لكن يباح له أن يصلى به صلاة الجنازة، لأنها كالنفل في جواز الترك، وأن يمس به المصحف، أما إذا نوى استباحة مس المصحف فإنه لا يباح له به الفرض ولا النفل، ولا صلاة الجنازة، وإنما يباح له به مس المصحف، وإن دائم الحدث كالمتيمم في ذلك كله.
ومنها: أن فيه دلالة على أن النوم الخفيف لا ينقض الوضوء، وهو المسمى بالنعاس كما قدمنا ذلك، وقد قدمنا أن من طرأ عليه النوم إن سمع كلام الحاضرين إذ لو كانوا عنده فهو نعاس لا ينتقض به الوضوء، وإلا فهو نوم ينقض.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يستحب للمتهجد أن يضطجع على جنبه بعد التهجد.
ومنها: أن فيه دلالة على أن المأموم إذا تقدم على الإمام تبطل صلاته، قال العلماء: والعبرة في التقدم والتأخر في حق القائم بالعقب، فإذا تقدم بالعقب المأموم على عقب الإمام بطلت صلاته، ولو وقف المأموم بجانب الإمام وشك في التقدم عليه صحت صلاته، لأن الأصل عدم التقدم.
نعم لنا شخص تقدم على الإمام بعقبية، ومع ذلك تصح صلاته وصورته: أن يصلي الإمام قاعداً لمرض، وكذلك المأموم فإن الإعفاء بالتقدم والتأخر في المصلي قاعداً بمحل القعود، وهو الإلية فإذا ساوى محل قعود المأموم محل قعود الإمام صحت
стр. 709
الصلاة، وإن قدم المأموم رجليه على الإمام.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه يستحب المبيت عند العالم ليراقب أفعاله فيقتدي به وينقلها.
ومنها: أن فيه دلالة على أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام فيها.
ومنها: أن فيه دلالة على أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل.
ومنها: أن فيه دلالة على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة بخلاف الكثير، فالفعل القليل كالضربتين والخطوتين، والكثير كثلاث ضربات وثلاث خطوات.
نعم لنا شخص خطى في صلاته خطوة واحدة بل بعض خطوة بطلت صلاته، ولنا آخر خطى عشرين خطوة بل ألف خطوة وأكثر لم تبطل.
وصورة الأولى: إذا نوى أن يخطو ثلاث خطوات متواليات فخطى منها خطوة بطلت صلاته، وكذا لو شرع فيها عملاً بنيته.
وصورة الثانية: إذا خطى في صلاته خطوتين مثلاً ووقف ثم خطوتين ووقف وهكذا إلى مائة خطوة وأكثر لا تبطل لأن الثلاثة تبطل إذا توالت، وإن تفرقت فلا.
من القليل الإشارة برد السلام، واللبس الخفيف كلبس خاتم أو نعل، وقتل قمله فلا تبطل الصلاة بشيء من ذلك، ودم القملة معفو عنه بخلاف جلدها فلا يعفى عنه.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه ينبغي للمعلم أن يفتل أذن المتعلم كما فعل رسول الله ﷺ بابن عباس لما أداره وحوَّلة إلى جهة يمينه، كما جاء في بعض الروايات أنه ﷺ أخذ بأذنه اليمنى ففتلها (١) .
وإنما فتل النبي ﷺ أذنه ليحرضه على الفهم، ولينفي عنه النوم، فإنه أعجبه قيامه معه مع صغر سنه.
ويقال: إن المعلم إذا تعهد فتل أذن المتعلم كان أذكى لفهمه.
قال الربيع تلميذ الشافعي: ركب الشافعي يوماً فمشيت بركابه، ولصقت بسرجه، فجعل يفتل شحمة أذني فاستعظمت ذلك منه حتى وقفت على أن النبي ﷺ فعله مع ابن عباس، فعلمت أنه فعله عن أصل.
стр. 710
ومنها: أن فيه دلالة على استحباب قيام الليل، وكان واجبا عليه ﷺ بقوله تعالى: ?وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً? [الإسراء: ٧٩] ثم نسخ على الأصح.
وقد جاءت أخبار وآثار عن السلف الصالح في فضل قيام الليل:
قال بعض العارفين: ليس في الدنيا شيء يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجات، فحلاوة المناجات ثواب عاجل لأهل الليل (١) .
قال أبو سليمان ﵀: أهل الليل في ليلتهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا (٢) .
وقال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (٣) .
وقال بعضهم: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇ كذب من ادعى محبتي وإذا جن ليله نام عني.
وقال الفضيل ﵁: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم إنك محروم
стр. 711
قد كثرت خطيئتك (١) .
وقد أشار إلى هذا بعضهم بقوله:
أرانى بعيد الدار لا أقرب الحمى ... وقد نصبت الساهرين خيام
علامة طردي طول ليلي نائم ... وغيري يرى أن المنام حرام
وقيل: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء أن لي عباداً يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إلي وأشتاق لهم، ويذكروني وأذكرهم، وينظرون لي وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عن ذلك مقتك، قال: يارب ما علامتهم؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى وكارها، فإذا جنهم الليل أي: سترهم، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلي أقدامهم، وافترشوا إلي وجوههم، وناجوني بكلامي وتلهفوا لي بإنعامي، فمنهم صارخ وباكي، ومنهم متأوه وشاكي، ومنهم قائم وقاعد، ومنهم راكع وساجد، فأول ما أعطيهم ثلاث خصال، الأولى: أن أقذف في قلوبهم من نوري، الثانية: أقبل بوجهي الكريم عليهم، أفترى من أقبلت عليه بوجهي أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه، الثالثة: لو كانت الأرض والسماوات في موازينهم لاستقللتها لهم (٢) .
ولله در القائل:
فإن لم يكن جفني ووجهي على الثرى ... بأبوابكم لا كان وجهي ولا جفني
ونقل عن بعض الصالحين أنه كان يقوم الليل فنام ليلة فقيل: قم فصل أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل فهم خزانها.
ونقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: نمت ليلة وإذا بجارية أيقظتني وقالت لى: تنام وأنا أراك في الجنة منذ خمسين عاماً.
ومن كلامه ﵁ كن نجماً فإن لم تستطع فشمساً.
قيل: معناه إن قدرت أن تقوم الليل كله فافعل كالنجم فإنه يطلع في الليل كله، فإن لم تستطع فصل بعض الليل كالقمر يطلع بعض الليل، فإن لم تستطع فكن كالشمس تطلع نهاراً أي: فلا تعص الله في النهار.
ونقل اليافعي عن بعض الصالحين أنه كان يحيي الليل فنام ليلة عن ورده، فرأى في
стр. 712
منامه حوراً قد دخلن عليه من محرابه وهن حسان وفيهن جارية سوداء قبيحة المنظر فسألهن من أنتن؟ فقلن: نحن لياليك الماضية في العبادة، وهذه السوداء هي الليلة التي نمت فيها.
ويروى عن أم سليمان نبي الله صلوات الله وسلامة عليه قالت: له يا بني لا تكثر من النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامة.
لطيفة: قال في الروض الفائق دخل أبو زيد البسطامي رحمه الكتاب وهو صغير فلما وصل إلى قوله تعالى ?يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً? [المزمل: ١، ٢] فقال لأبيه طيفور بن عيسى يا أبت من ذا الذي يقول له الحق هذا الخطاب فقال: يا بني ذلك محمد ﷺ ثم خفف عنه في سورة طه، فلما قرأ ووصل إلى قوله تعالى: ?إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ? [المزمل: ٢٠] قال: يأبت إني أسمع أن طائفة كانو يقومون من الليل، قال أبوه: نعم أولئك أصحابه ﵊، قال: يا أبت فأي خير في ترك شيء فعله رسول الله ﷺ وأصحابه، فكان أبوه بعد ذلك يقوم الليل كله، فانتبه أبو يزيد ليلة فقال: يا أبت علمني أصلي معك فقال: يا بني أرقد فإنك صغير بعد، فقال: يا أبت إذا كان يوم يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم، وقال لي ربي ما فعلت؟ أقول لربي: قلت لأبي: علمني أصلي معك قال: أرقد فإنك صغير بعد، فقال أبوه: لا والله ما أريد أن تقول ذلك، ثم علمه يصلي معه وكان بعد ذلك يقوم الليل ويصلي عامته.
ولله در القائل:
أيها القائمون في سندس الليل ... وقد أسبلت ذيول الظلام
قد وصلتم إلى الوصال فطيبوا ... وانزلوا وأبشروا بمرام
هذه دارنا ونحن كرام ... ربحت عندنا ضيوف الكرام
إن طلبتم قرباً وجدتم لدينا ... كل ما تشتهي نفوس الأنام
قد رفعنا حجابنا فاشهدونا ... وادخلوا خلوة الرضا بسلام
ولقد أحسن إمامنا الأعظم الإمام الشافعي حيث قال:
إذا هجع النوم أسبلت عبرتي ... وأنشدت بيتاً وهو من أعظم الشعر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمرى
стр. 713
المجلس الحادي والأربعون
في الكلام على باب التسمية على كل حال، وفي ذكر فوائد كثيرة متعلقة بالتسمية والجماع وغير ذلك
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ومنَّ عليه بنطق اللسان، وحفظه بأسمائه الحسان ليطرد عنه كيد الشيطان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وربيعة وقحطان، وعلى آله وأصحابه الشجعان الفرسان.
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ التَّسْمِيةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ
أي باب في بيان استحباب التسمية على كل حال أي: في الوضوء والغسل والتيمم والذبح وغير ذلك، حتى عند الوقاع، واستدل البخاري على عموم استحباب التسمية حتى عند الوقاع بالحديث الآتي.
سؤال: أفاده الكرماني وغيره وهو: فإن قيل: لأي شيء لم يذكر البخاري هذا الباب قبل ابتداء الوضوء الذي هو محله فإن التسمية أي: قول بسم الله إنما تستحب في الوضوء قبل غسل الوجه لا بعده، فكيف ذكرها بعد باب غسل الوجه؟
جوابه: أن البخاري لا يقصد حسن الترتيب بين الأبواب، ولهذا ذكر باب ما يقوله عند الخلاء بين أبواب الوضوء، ولو كان قصده المناسبة وحسن الترتيب لذكره قبل كتاب الوضوء، بل قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير، ونعم المقصد.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ» (١) .
стр. 714
في إسناد هذا الحديث ثلاثة من التابعين، وقال ابن الملقن: رواته ما بين مكي ومدني وكوفي ورازي وبصري.
قوله: «يبلغ به النبي ﷺ » كلام كريب أي: تقبل ابن عباس بالحديث النبي ﷺ ، ومقصود كريب وغرضه: أن هذا الحديث ليس موقوفاً على ابن عباس، بل مسند إلى النبي ﷺ إما بواسطة بأن سمعه من صحابي من الرسول، وإما بدونها ولما لم يكن قاطعاً بأحدهما ولم يرد بيانه ذكره بهذه العبارة.
стр. 715
وقوله: «إلى أهله» كناية عن الجماع أي: جماع حلاله، زوجته أو أمته.
وقوله: «ما رزقتنا» مفعول ثاني «لجنب» والعائد على الموصول محذوف، وهو ضمير مفعول الثاني للرزق، والمراد به الولد، وإن كان اللفظ أعم من ذلك أي: احفظ الولد الذي رزقناه من الشيطان.
وقوله: «فقضي بينهما» ضمير راجع إلى الأحد والأهل والقضاء يأتي لمعانٍ ذكر العسكرى أنه أتى منها في القرآن اثنى عشر معنى، والمناسب من معاينة هنا التقدير أو الحكم، فمعنى: «فقضي بينهما ولد» أي: فحكم أو فقدر.
وقوله: «لم يضره» جواب «لو» وهو بضم الراء على الأفصح والضمير المستتر راجع إلى الشيطان، والبارز إلى الولد أي: لو ثبت قول أحدكم «بسم الله» عند إتيان الأهل لم يضر الشيطان ذلك الولد أي: لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه ، ويكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ?إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ? [الحجر: ٤٢] .
وقيل: معنى «لم يضره» لم يصرعه وهو بعيد.
وقيل: معناه لم يطعن فيه الشيطان عند ولادته، وهو بعيد أيضاً، لأنه لم يسلم من طعنة الشيطان عند الولادة أحد سوى مريم بنت عمران وولدها عيسى ﵉، كما يفيد ذلك ظاهر قوله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان إلا مريم وابنها» (١) .
قال النووي: ظاهر هذا الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، لكن أشار القاضي عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركونهما فيها.
وقيل: معناه لم يضره في بدنه ويحتمل وفي دينه، ورد بأنه غير معصوم.
وقيل: معنى «لم يضره» لم يفتنه بالكفر.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة بعضها متعلق بالتسمية، وبعضها متعلق بالجماع، وبعضها متعلق بالولد، وبعضها متعلق بالشيطان لا بأس من ذكرها وذكر فوائد أخرى معها مناسبة:
الأولى: في الحديث دلالة على استحباب التسمية والوضوء والدعاء في ابتداء
стр. 716
الجماع بأن يقول لمن يريد الجماع قبله: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا.
قال الغزالي: وينبغي أن يقرأ بعد بسم الله سورة الإخلاص ويكبر ويهلل ويقول: بسم الله العلي العظيم اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولداً يخرج من صلبي، ثم بعد ذلك يجامع (١) .
قال: فإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً (٢) .
الثانية: قال النووي: لا يكره للإنسان أن يجامع مستقبل القبلة، ولا يستدبرها، لا في البنيان ولا في الصحراء.
لكن قال الغزالي: ينبغي أن لا يستقبل القبلة به إكراماً لها وإن يتغطيا بثوب، وأن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص على حسب حاجتهما في التحصين فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء (٣) .
قال: ويكره الوطء في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي، ويقال: إنه يجامع (٤) .
قال: وإذا قضى وطره فيمهل عليها حتى تقضى وطرها، ويكره الجماع أول الليل لئلا ينام على غير طهارة (٥) .
كما استدل البخاري بالحديث المذكور على استحباب التسمية في كل حال فلهذا قال في الترجمة: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع.
سؤال: فإن قيل: الحديث يدل على استحبابها عند الجماع فقط، فمن أين يستفاد العموم من كلامه حتى يصح استدلاله للترجمة به؟
جوابه: أن العموم وإن لم يكن ظاهر من الحديث لكنه يستفاد من باب أولى، لأنها إذا شرعت في حالة الجماع وهي حالة يؤمر فيها الإنسان بالصمت، فشروعها في غيرها أولى، وظاهر الحديث يقتضي شروعها واستحبابها في كل حال أمر الشرع به
стр. 717
كوضوء وغسل وتيمم وذبح مناسك وأكل وشرب وجماع وصلاة وأذان.
أو نهى الشرع عنها كشرب خمر وأكل مغصوب وغيره، وليس كذلك بل هو محمول على استحبابها في حال لم ينه الشرع عنها، وفي حال أمر الشرع بها لا في جميع أفعال الطاعة.
قال ابن عبد السلام: أفعال العبد على ثلاثة أقسام: قسم يسن فيه التسمية، وقسم لا تسن فيه، وقسم تكره فيه.
فالقسم الذي تسن فيه التسمية: كالغسل والوضوء والتيمم وذبح المناسك وقراءة القرآن والأكل والشرب والجماع.
والذي لا تسن فيه كالصلاة والأذان والحج والعمرة والأذكار والدعوات.
والذي تكره فيه كالمحرمات لأن الغرض من التسمية التبرك في الفعل المسمي عليه، والحرام لا تراد بركته وكثرته، وكذلك المكروه أيضاً لا يسمى عليه.
وقد اختلف علماؤنا فيمن قرأ القرآن على ضرب الدف هل يكفر بذلك أم لا؟
فقال في الأنوار: يكفر.
وتبعه الحصني (١) في كتابه قمع النفوس.
لكن صوَّب النووي أنه لا يكفر، هذا في ضرب الدف.
أما من سمى أو قرأ القرآن على الطنبور أو شرب الخمر أو الزنا أو نحو ذلك، فقد قال الشيخ سعد الدين في شرح العقائد: لإنه يكفر، وهو مذهب أبي حنيفه.
وعند علمائنا الشافعية يكفر به إذا كان على وجه الاستخفاف، كما قال الرافعي والنووي.
وقال بعضهم: فائدة التسمية حالة الأكل والشرب والجماع واللبس وغيرها طرد الشيطان عن هذه الأشياء، فإنه يستحلها ويشارك الإنسان فيها إذا لم يسم الله تعالى.
ذكر الغزالي في الإحياء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر، فإذا بشيطان الكافر سمين دهين كاس، وإذا شيطان المؤمن مهزول أشعث عار، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: ما لك؟ قال: أنا مع رجل إذا أكل سمى فأظل جائعاً، وإذا شرب سمى فأظل عطشاناً، وإذا أدهن سمى فأظل أشعث، وإذا لبس سمى فأظل عرياناً. قال شيطان الكافر: لكنى مع رجل لا يصنع شيئاً من ذلك فأنا أشاركه
стр. 718
في طعامه وشرابه ولباسه (١) .
وروى عن جعفر بن محمد في قوله تعالى: ?وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ? [الإسراء: ٦٤] أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل، فإذا لم يقل: «بسم الله» أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل.
الثالثة: وكيفية التسمية على الذبح أن يقول الذابح: «بسم الله» ولا يقل: «الرحمن الرحيم» لأن المقام لا يناسبه الرحمة.
قال بعض العلماء: وكذا إذا سمى عند الأكل يقول: «بسم الله» ولا يقل: «الرحمن الرحيم» قال: لأن الطعام يستهلك، والرحمة لا تذكر على مستهلك.
قال ابن العماد في الذريعة: وما قاله لا دليل عليه بل في الحديث ما يخالفه.
روي عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «كلوا بسم الله الرحمن الرحيم» .
وروي أن عيسى ﵇ لما نزلت المائدة قال لأصحابة: كلو بسم الله خير الرازقين.
واختلف العلماء في التسمية في الوضوء هل هي سنة أو واجبة؟
فذهب إمامنا الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه إلى أنها سنة.
وذهب أهل الظاهر إلى أنها واجبه، واستدلوا عليه بقوله ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢) .
وأجاب إمامنا الشافعي والجمهور عنه بأجوبة أحسنها: أنه ضعيف. الثاني: أنه مقدر بنفي الكمال أي: لا وضوء كاملاً كقوله في الحديث الآخر: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٣) .
стр. 719
الثالث: أن المراد بالذكر فيه: النية أي: لا وضوء صحيح لمن لم ينو فيه.
قال علماؤنا: والتسمية في الوضوء سنة مؤكدة، فلو نسيها في ابتدائه أتى بها متى ذكرها في الوضوء، ولو عند غسل الرجلين ويقول: «بسم الله على أوله وآخره» ، كما إذا ترك الإنسان التسمية في أول الأكل يأتي بها في آخره، ولو تركها في ابتدائه عمداً فهل يشرع له تداركها في أثنائه فيه خلاف، والراحج: نعم.
جاء في حديث لكنه ضعيف: «من توضأ وذكر اسم الله كان طهوراً لجميع بدنه، وإن لم يذكر اسم الله كان طهوراً لأعضاء وضوءه» رواه الدارقطنى والبيهقى وضعفه من جميع طرقه (١) .
فائدة: قال ابن العماد في الذريعة: عدد زبانية جهنم تسعة عشر قال الله تعالى: ?عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ? [المدثر: ٣٠] وهؤلاء خزنة النار مالك ومعه ثمانية عشر ذكره البغوي في تفسيره (٢) .
قال: وجاء في الأثر أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيدميهم حيث شاء من جهنم، وهؤلاء رؤسائهم الزبانية، وإلا فلهم أتباع غير محصورين، بدليل قوله تعالى: ?وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ? [المدثر: ٣١] ، وقوله: ?وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا? [المدثر: ٣١] .
لطيفه: قال في نزهة المجالس: قال النسفي: تأخذ الزبانية يوم القيامة عبد فيقال لهم: ردوه فينظر إلى أعضاءه فلا يوجد فيها خير، فيقال له: أخرج لسانك فإذا عليه بخط أبيض «بسم الله الرحمن الرحيم» فيقال له: اذهب فقد غفرت لك.
فائدة أخرى: قال ابن مسعود: «من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» لأن حروفها تسعة عشر حرفاً» (٣) .
стр. 720
وقال غيره: كلماتها أربعة والذنوب أربعة: ذنوب الليل والنهار والسر والعلانية، فمن قالها كفر الله عنه الذنوب الأربع.
لطيفة: كان بمكة رجل صائم لم يره أحد يأكل ولا يشرب، غير أنه يخرج من جيبه ورقة فينظر فيها عند إفطاره، فلما مات أخرجها الغاسل من جيبه فوجد فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم» فتعجب من ذلك، فهتف به هاتف لا تعجب فإنا بالتسمية ربيناه، وبالرحمانية وفقناه، وبالرحيمية غفرنا له.
الرابعة: وهي مشتملة على فوائد متعلقة بالجماع.
قال العلماء: الجماع في الأصل وضع لثلاثة أمور وهي مقاصده الأصلية:
أحدها: حفظ النسل ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتفاظه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة بخلاف الفائدتين الأوليتين.
فإنه لا تناسل في الجنة على خلاف في ذلك يأتي، ولا احتباس للمني فيها ولا احتقان حتى يحتاج إلى استخراجه بالإنزال.
وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة، وإذا ثبت فضل المني فلا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضاً ردية منها: الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك.
وإخراج المني يبرئ من هذه الأمراض.
ومن منافع الجماع: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في ديناه وأخراه، وينفع المرأة.
ولذلك كان النبي ﷺ يتعاهده ويحبه ويقول: «حبب إلي من ديناكم النساء والطيب» (١) .
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد في الحديث زيادة لطيفة وهي: «أصبر عن
стр. 721
الطعام والشراب ولا أصبر عنهن» (١) .
قال العلماء: ويسن أن يقدم الإنسان قبل الجماع مداعبة المرأة وتقبيلها، ومص لسانها فقد كان ﷺ يداعب أهله ويقبلها.
وروى أبو داود في سننه أنه ﷺ كان يقبل عائشة ويمص لسانها (٢) .
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول ﷺ عن المواقعة قبل الملاعبة (٣) .
وأنفع الجماع ما حصل بعد الهضم، وعند اعتدال البدن في حره وبرده، ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه، وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه.
وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكرة في صورة ولا نظر متتابع.
ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها، ويحمل نفسه عليها، وليبادر به إذا هاج به كثرة المني.
والإكثار منه يسقط القوة، ويضر بالعصب، ويضعف البصر، وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزية، ويوسع المجاري.
وأنفع أوقاته ما كان بعد إنهضام الغذاء من المعدة، وفي زمان معتدل على جوع فإنه يضعف، ولا على شبع فإنه يوجب أمراضاً، ولا على تعب، ولا أثر حمام، ولا بعد استفراغ كفصد حجامة، ولا بعد غم وحزن، وشده فرح.
قالوا: وجماع المرأة المحبوبه في النفس يقل إضعاف البدن مع كثرة استفراغ المني، وجماع البغيضة ينحل البدن، ويوهن القوى مع قلة استفراغه.
وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشاً لها بعد الملاعبة والقبلة،
стр. 722
وبهذا سميت المرأة فراشاً، كما قال ﷺ : «الولد للفراش» (١) .
وهذا مأخوذ من قوله تعالى ?هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ? [البقرة: ١٨٧] .
وأشار إلى ذلك بعض الشعراء فقال:
إذا رممتها كانت فراشا يقلني ... وعند فراغي خادم تملق
وأردأ أشكاله: أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره، وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة، وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله، فربما بقي في العضو منه بقية فيتعفن ويفسد ويضر.
وسنذكر في كتاب الغسل فوائد أخرى متعلقة بالجماع.
الخامسة: وهي مشتملة على فوائد متعلقة بالولد:
الفائدة الأولى: دل قوله ﷺ : «وجنب الشيطان ما رزقتنا» على أن الولد معدود من رزق الإنسان، وأن الرزق ليس مخصوصاً بالغد (٢) .
الفائدة الثانية: قال النسفي: جاء في الخبر إذا أرادت المرأة الولادة أرسل الله إليها ملكين عن يمنيها وشمالها، فإذا أراد صاحب اليمين إخراجه زاغ إلى جهة الشمال، وإذا أراد صاحب الشمال إخراجه زاغ إلى جهة اليمين، فتتوجع المرأة فيخاف الملكان ويقولان: ربنا عجزنا عن إخراجه فيتجلى الله تعالى فيقول: يا عبدي من أنا؟ فيقول الولد: أنت الله الذي لا إله إلا أنت ويسجد، فيخرج في سجوده على رأسه.
وقيل: ينزل عليه ملك مكتوب في يده الله الله، فإذا رأى الولد ذلك خرج سريعاً.
стр. 723
ونظير هذا ما أفاده النسفى أيضاً قال: إذا احتضر العارف نزل عليه ملك الموت قبل وجهه فيدفعه الذكر، فيأتي من قبل يديه فتدفعه الصدقة، فيأتي من قبل رجليه فتدفعه الصلاة، فيقول: يارب قد حيل بيني وبينه، فيقول: أكتب إسمي على كفك وأره إياه، فيكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا رأته روح المؤمن طارت شوقاً إلى ربها.
وفي رواية: تقول الروح لملك الموت: أأنت أسكنتني في هذا الجسد؟ فيقول: لا. فتقول: لا يخرجني إلا الذي أسكتني. فيقول: أنا رسول. فيقول: آتني بعلامة؟ فيقول الله: خذ تفاحة من الجنة فيأخذ تفاحة عليها: «بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا رأتها روحه طارت شوقاً إلى الجنة.
الفائدة الثالثة: قال العلامة ابن القيم: لبكاء الصبي حال خروجه إلى هذه الدار سببان أحدهما: باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء، والثانى: ظاهر.
فأما السبب الباطن فهو: أن الله اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من أولاد آدم شيطاناً، فشيطان المولود قبل انفصاله محبوس عنه، ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به، فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعن في خاصرته تغيظاً عليه، واستقبالاً له بالعداوة التي كانت بينه وبين الأبوين قديماً فيبكي المولود من تلك الطعنة.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان» (١) .
والسبب الظاهر: مفارقته للمألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب، فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد، ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقه وطنه ومألفه.
وقيل: سبب بكائه انتقاله إلى دار يلقى فيها الشدائد والآلام، والمخاوف والأسقام كما أشار إلى ذلك بعضهم بقوله:
ويبكي بها المولود حتى كأنه ... بكل الذي يلقاه فيها يهدد
وإلا فما يبكيه فيها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
الفائدة الرابعة: الحكمة في قبض المولود كفه عند خروجه إلى الدنيا، الإشارة إلى
стр. 724
أنه خرج إليها مركباً على الحرص والجمع، والحكمة في فتح كفه عند خروجه منها الإشارة إلى أنه فارق الدنيا صفر اليدين منها، ونظم بعضهم هذا فقال:
وفي قبض كف المرء عند ولادة ... دليل على الحرص الذي هو مالكه
وفي فتحها عند الممات إشارة ... إلى فرقة المال الذي هو تاركه
الفائدة الخامسة: سأل بعضهم فقال: كيف يكون للوالدين على الولد إنعام وإحسان ويستحقان ميراثه، وقد طلبا اللذة بالجماع لأنفسهما، فلزم منه دخول الولد في دار الهموم والأحزان والآفات والتبعات.
قيل للإسكندر: أستاذك أعظم منه عليك أم والدك فقال: الأستاذ أعظم منةً لأنه تحمل عني أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي، فأوقعني في نور العلم، وأما الوالد فإنه طلب اللذة فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.
وأجيب عن السؤال: بأن العاقل لا يقدم على الوقاع لأجل اللذة في أول الأمر، إلا أنه إذا حصل الولد اهتم به بإيصال الخيرات، ودفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه فقد استحق الميراث، وانقطعت هذه الشبهات، وثبت له عليه الفضل والإحسان.
الفائدة السادسة: أكثر العلماء على أن الجنة فيها جماع ولا يولد فيها لأحد ولد، واستدل على ذلك بدلائل منها:
قوله تعالى: ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ? [البقرة: ٢٥] قال عطاء: المعنى مطهرة من الولد والحيض والغائط والبول.
ومنها: أن الله جعل الحمل والولاة مع الحيض والمني، فلو كان النساء يحملن لم ينقطع عنهن الحيض والإتزال.
ومنها: أن الله تعالى قدر التناسل في الدنيا لأنه قدَّر الموت وإخراجهم إلى هذه الدار قرنا بعد قرن، وجعل لهم أمد ينتهون إليه، ولولا التناسل لبطل النوع الإنساني.
ولهذا الملائكة لا يتناسلون فإنهم لا يموتون كما يموت الإنس والجن، فإذا كان يوم القيامة أخرجهم الله كلهم من الأرض وأنشأهم للبقاء لا للموت فلا يحتاجون إلى تناسل لحفظ النوع الإنساني، إذ هو منشأ للبقاء الدوام، فلا أهل الجنة يتناسلون ولا أهل النار.
وذهب بعض العلماء إلى أن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة واستدل على ذلك بحديث خرَّجه الترمذي وابن ماجه وقال
стр. 725
الترمذي: إنه حسن غريب (١) لكن رد أكثر العلماء هذا القول وقالوا: بأنهم لا يشتهون ذلك.
الفائدة السابعة: وهي مشتمله على فوائد متعلقة بالشيطان:
الأولى: قوله: «وجنب الشيطان» دل على أن الشيطان ملازم لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، أعاذنا الله تعالى منه فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم أعاذنا الله.
الثانية: دل الحديث أيضاً على أن التسمية والدعاء المذكور سبب للاعتصام من الشيطان، وسبب لدفع ضرره عن المولود، بل دل على أن ذكر الله مطلقاً سبب عظيم لطرد الشيطان وكف شره.
قال قتادة في تفسيره قوله تعالى: ? الخَنَّاسِ ? [الناس: ٤] ما نصه: «الخناس» : الشيطان له خرطوم كخرطوم الكاتب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس.
ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا لم يذكر رجع ووضع رأسه فذلك معنى قوله تعالى: ?الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ? [الناس: ٥، ٦] .
أي: بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع.
وروي عن عمر بن عبد العزيز: أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان على صورة ضفدع قاعدة على منكبه الأيسر بين منكبه، وأذنه خرطوم طويل دقيق قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له إليه، فإذا ذكر الله تعالى خنس (٢) .
وقال كعب الأحبار: ذكر الله تعالى في جنب الشيطان كالأكله في جنب ابن آدم.
وقال أيضاً: حصون المؤمن من الشيطان ثلاثة: ذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والمسجد.
وكان يحيى بن معاذ يقول: اللهم إن إبليس لك عدو ولنا عدو، وإنك لا تعظه
стр. 726
بشيء نكالا له، فاعف عنا يا أرحم الراحمين.
وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح: اللهم إنك سلطت علينا عدواً بصيراً بعيوبنا، مطلعاً على عوراتنا، يرانا هو وقبيلة من حيث لا نراهم، اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطة منا كما قنطة من عفوك، وأبعد بيننا وبينه كما أبعدت بينه وبين جنتك إنك على كل شيء قدير.
قال: فتمثل له اللعين يوماً في طريق المسجد فقال له: يا ابن واسع هل تعرفني؟ قال له: ومن أنت؟ قال: أنا اللعين. قال: وما تريد؟ قال: أريد أن لا تعلم أحداً هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك أبداً. فقال له ابن واسع: والله لا أمنعها من أرادها فاصنع الآن ما شئت.
ومن دعاء بعضهم: اللهم إنك خلقتني وخلقته، وسلطته علي فلا يقدر علي إلا بتقديرك، ولا أقدر عليه إلا بإعانتك، فأعني عليه يا عزيز يا جبار بعزتك وجبروتك.
الثالثة: المراد بالشيطان في الحديث شيطان الجن فقط، فإنه هو الذي يتعرض للمولود عند ولادته، لا شيطان الإنس.
وقد دلت الأخبار من الكتاب والسنة على وجود شيطان الإنس والجن قال الله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً? [الأنعام: ١١٢] .
قال قتادة ومجاهد والحسن: دلت الآية على أن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين.
«والشيطان» : العاتي المتمرد من كل شيء.
قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز عن أغوائة ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس، فأغواه بالمؤمن ليفتنه، يدل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس» قلت: يا رسول الله
стр. 727
وهل للأنس من شياطين؟ قال: «نعم شر من شياطين الجن» (١) .
وقال مالك بن دينار: شياطين الإنس أشر عليَّ من شياطين الجن، وذلك أني إن تعوذت بالله ذهبت عني شياطين الجن، وشياطين الإنس تجيئني وتجرني إلى المعاصي (٢) .
* * *
стр. 728
المجلس الثاني الأربعون
في آداب داخل الخلاء ومستحباته
قَالَ البُخَارِي:
بَابَ مَا يَقُول عِنْدَ الخَلاء
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» . تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلاَءَ. وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ (١) .
قوله: «كان النبي ﷺ » قال العلماء: «كان» في هذا التركيب تفيد تكرار ذلك الفعل، وبيان كونه عادة له أي: كان كلما دخل يقول الدعاء المذكور.
وقوله: «إذا دخل» أي: إذا أراد أن يدخل لأن اسم الله مستحب الترك بعد
стр. 729
الدخول.
وجاءت رواية أخرى مصرحة بفعل الإرادة، وهذا مثل قوله تعالى: ?فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ? [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة.
وقوله: «الخلاء» قال العلماء: «الخلاء» بفتح الخاء المعجمة وبالمد موضع قضاء الحاجة، سمى بذلك لخلائة في غير أوقات قضاء الحاجة.
وقال الحكيم الترمذي سمى الخلاء خلاء باسم شيطان موكل بذلك الموضع اسمه خلاء، وأورد فيه حديثاً مرفوعاً من رواية بريدة.
ويقال للخلاء: «الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض» .
وأما «الخلاء» بالقصر فيطلق على معنيين على الحشيش الرطب، وعلى الكلام الحسن.
وأما «الخلاء» بكسر الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل.
وقوله: «اللهم» أصل «اللهم» يا الله على الأصح فحذف حرف النداء، وعوض عن الميم.
وقوله: «إني أعوذ بك» معناه: استجير واعتصم بك.
وقوله: «من الخبث والخبائث» جمع خبيثة.
قال العلماء: «الخبث» بضم الخاء والباء ويجوز إسكان الباء جمع خبيث، وهم ذكور الشياطين، والخبائث إناثهم، فكأن الداعي بهذا عند دخوله الخلاء استعاذ من ذكور الشياطين وإناثهم.
وخص ﷺ الاستعاذة منهم بيوت الخلاء لأنها مأواهم ويحضرونها، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله فقدم لها الاستعاذة احترازاً منهم.
ومما يدل على أن الشيطان يحضر الأخلية قول النبي ﷺ : «إن هذه الحشوش محتضرة -أي: تحضرها الشياطين- وإذا دخل أحدكم الخلاء فليتعوذ بالله» (١) .
قال ابن الملقن: الظاهر أن سيدنا رسول الله ﷺ كان يقول هذا الدعاء إظهاراً للعبودية وتعليماً للأمة، وإلا فهو ﵊ محفوظ من الجن والإنس، بدليل
стр. 730
أنه ربط عفريتاً على سارية من سواري المسجد (١) .
وفي الحديث دليل على مراقبته ﷺ لربه ومحافظته على ضبط أوقاته وحالاته، واستعاذاته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه عندما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده.
وفيه دليل على استحباب الدعاء المذكور لكل متخل سواء تخلى في البنيان أم في الصحراء، لأن مكان قضاء الحاجة في الصحراء يصير مأوى لهم.
وقد ذكر علماؤنا أنه يستحب أن يقول قبله: «بسم الله» ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
سؤال: فإن قيل: لأي شيء قدمت التسمية هنا على التعوذ، وفي قراءة القرآن يستحب تقديم التعوذ على التسمية؟
جوابه: أن التعوذ عند قراءة القرآن لأجل القراءة، والبسملة من القرآن، فقدم التعوذ عليها، بخلافة هنا فقدمت البسملة عليه.
فإن دخل قبل أن يتعوذ ناسياً، تعوذ بقلبه كما يحمد العاطس، ويستحب عقب الخروج أن يقول: غفرانك الحمد لله الذي أذهب عنى الأذى وعافاني، وأن يكرر غفرانك ثلاث مرات، وهو منصوب بفعل مقدر تقديره: أسالك غفرانك.
سؤال: فإن قيل: أي ذنب وقع من داخل الخلاء حال قضاء الحاجة حتى يطلب من ربه غفرانه عند خروجه منه؟
وجوابه من وجوه:
الأول: لم يقع منه ذنب، ولكن لما ترك ذكر الله تعالى فسأل الله تعالى أن يسامحه عليه (٢) .
الثاني: إنما دخل الغفران لأنه لما رأى نعم الله تعالى عليه التي أنعمها عليه حيث أطعمه ثم هضمه ثم يسهل خروجه، رأى شكره قاصراً عن بلوغ حقه هذه النعم عد ذلك ذنباً فتداركه بالاستغفار.
الثالث: ليس طلب المغفرة لذنب وقع في حال قضاء الحاجة، بل طلبها لذنوبه الصادرة منه قبل ذلك، فكأنه لما تخلص مما يثقل البدن، سأل التخلص مما يثقل القلب وهو الذنب لتكمل الراحة.
стр. 731
فائدة: في مسند عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن نوحاً ﵊ كان يقول أي: إذا فرغ من قضاء الحاجة وخرج من الخلاء: «الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عنى أذاه» (١) .
وعند الحنفية يستحب أن يقول إذا دخل الخلاء: «اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم» ، وإذا خرج يقول: «الحمد لله الذي أذهب عنى ما يؤذينى، وأمسك عني ما ينفعنى» .
وقد ذكر العلماء رضى الله عنهم أداباً كثيرة لقضاء الحاجة:
منها: أنه يبعد عن الناس في الصحراء أو نحوها إن كان هناك غيره إلى مكان لا يسمع للخارج منه شيء، ولا يشم له ريح، فإن تعذر عليه الإبعاد عنهم لمرض ونحوه استحب لهم الإبعاد عنه إلى مكان لا يسمعون.
ومنها: أن يستتر عن أعينهم بشيء مرتفع قدر ثلثي ذراع فأكثر، ويكون بينه وبينه ثلاثة أذرع بذراع الآدمي المعتدل فأقل، هذا إن كان بصحراء أو بناء لا يمكن تسقيفه، كأن جلس في وسط مكان واسع كبستان، فإن كان ببناء مسقف أو يمكن تسقيفه حصل الستر به، ولو تستر في الصحراء ونحوها براحلته وأرخى ذيله أو نحو ذلك كفى.
قال القاضي زكريا: ولو تعارض التستر والإبعاد فالظاهر رعاية التستر، يعني لو أبعد عن العيون لم يستتر، ولو لم يبعد لاستتر فالستر أولى وإن لم يبعد.
لطيفه: ذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فنظر فلم يجد شيئاً يستتر به، فإذا بشجرتين في شاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادى معي بإذن الله تعالى» فانقادت معه حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادي معي بإذن الله تعالى» فانقادت معه حتى إذا كانت بالنصف مما بينهما لأم بينهما فقال: «إلتئما علي بإذن الله تعالى» فلتأمتا ثم بعد قضاء حاجته افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق (٢) .
وقال فيه أيضاً: وروي عن أسامة بن زيد قال: قال لي رسول الله ﷺ في بعض مغازيه: «هل ترى لي مكاناً لحاجة رسول الله ﷺ » فقلت: إن الوادي ما فيه موضع بالناس، فقال: «هل ترى من نخل أو حجارة؟» فقلت: أرى نخلات متقاربات قال: «انطلق فقل لهن إن رسول الله ﷺ يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله ﷺ وقل
стр. 732
للحجارة مثل ذلك» فقلت ذلك لهن فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاماً خلفهن، فلما قضى حاجته قال: «قل لهن يفترقن» فوالذي نفسي بيده لقد رأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن (١) .
ومنها: أن يصحب معه ثلاثة أحجار إن أراد الاستنجاء بها، ويصحب معه الماء إن أراد الاستنجاء به.
ومنها: أن يقدم رجله اليسرى في دخوله واليمنى في خروجه، كما يفعل ذلك في الحمام، عكس المسجد لأن كل ما كان للتكريم يبدأ فيه باليمين وخلافه باليسار، روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء أُبتلي بالفقر» .
ومنها: أن لا يدخل حافياً ولا مكشوف الرأس فقد صرح جماعة بكراهتهما قاله في الوسيط.
وروى البيهقي في ذلك حديثاً مرسلاً (٢) .
واتفق العلماء على أن الحديث الضعيف والمرسل والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال ويعمل بمقتضاه.
قال النووي في المجموع: نعم يكفي ستر رأسه بكمه.
ومنها: أن لا يحمل شيئاً مكتوباً عليه قرآن أو اسم الله أو اسم نبي أو اسم معظم، سواء كان مكتوباً على ورقه أو درهم أو فلس أو غير ذلك، أي: يستحب له أن لا يحمل شيئاً من ذلك عند قضاء حاجته، فإن حمله كره له ذلك.
فقد كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه كما رواه الترمذي وغيره وصححوه (٣) .
وكان نقش خاتمة كما تقدم: «محمد رسول الله» .
فائدة: لو كان اسم الإنسان كاسم نبي من الأنبياء كمحمد أو موسى ونقشه على خاتمه وأراد به نفسه لا ذلك النبي لم يكره استصحابه.
стр. 733
فائدة أخرى: لو كان معه شيء مكتوب عليه اسم الله تعالى كخاتم فدخل به الخلاء ناسياً أو عامداً حتى قعد لقضاء حاجته ضم كفه عليه أو وضعه في عمامته أو غيرها.
فائده أخرى: قال الأذرعي: والمتجه تحريم إدخال المصحف ونحوه الخلاء من غير ضرورة إجلالاً له وتكريماً.
فائدة أخرى: ولو تختم في يسراه بما عليه ذكر الله تعالى أو اسم الرسول حوَّله في الاستنجاء تنزيهاً له عن تنجيسه قاله القفال.
فإن تركه حتى تنجس إثم بذلك قاله الأسنوي.
ومنها: أن لا يتكلم بذكر ولا غيره، أي: يكره له ذلك.
قال أبو الليث: يكره الكلام في خمسة مواضع: خلف الجنازة، وعند قراءة القرآن، وعند الخطبة، وفي الخلاء، وعند الجماع.
وجاء في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك» (١) رواه الحاكم وصححه.
ومعنى: «يضربان الغائط» يأتيان.
«وكاشفين» منصوب على الحال، وروى: «كاشفان» بالألف مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هما كاشفان.
«والمقت» البغض، وقيل: هو أشد البغض.
والمقت وإن كان على المجموع من كشف العورة والتحدث، فبعض موجباته مكروه، نعم لا يكره الكلام لضرورة كأن رأى أعمى قد دنا من قرب بئر فأنذره حتى لا يقع فيه، أو رأى حية أو غيرها تقصد إنساناً أو غيره من الحيوانات المحترمة فأنذره من ذلك، بل يجب الإنذار في هذه.
سؤال: فإن قيل: قراءة القرآن في الخلاء مكروهة أو حرام؟
جوابة: أن ظاهر قول الفقهاء: «يكره التكلم في الخلاء» أنها مكروهة.
стр. 734
لكن صرح ابن كج (١) بأنها حرام.
قال الأذرعي: والتحريم حال قضاء الحاجة ظاهر، أما بعده وقبله فمحتمل، واللائق بالتعظيم المنع.
فائدة أخرى: إذا عطس عند قضاء الحاجة والجماع حمد الله بقلبه، ولا يحرك لسانه.
فائدة أخرى: إذا سلم عليه أحد وهو في الخلاء يكره رد السلام عليه، وقد ذكر العلماء مواضع لا يستحق فيها المسلم الرد، وسيأتي في الكلام على الحمام.
فائدة: قال أبو الليث: روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان إذا أراد الدخول في الكنيف بسط رداءه ويقول: «أيها الملكان الحافظان علي اجلسا هاهنا فإني قد عاهدت الله تعالى أن لا اتكلم على الخلاء» .
ومنها: أن يعتمد على رجله اليسرى وينصب اليمن بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع باقيها فإن، ذلك أسهل لخروج الخارج سواء قضى حاجته قائماً أو قاعداً.
ومنها: أن لا ينظر إلى فرجه بلا حاجة ولا إلى الخارج منه، نعم قال بعض المالكية: يندب أن ينظر إلى ما يخرج منه اعتبار بمآل الدنيا.
قال الأذرعي: ولا يعبث بيده ولا يلتفت يمنياً وشمالاً.
ومنها: أن لا يطيل المكث في المحل بل تكره الإطالة لما روي عن لقمان أنه قال: إن ذلك يتولد منه الباسور أو يورث وجعاً في الكبد.
ومنها: أن لا يتخلى في طريق الناس لما ورد في صحيح مسلم: «اتقو اللعانين» قالوا: وما اللعنان؟ قال: «الذي يتخلى في طريق أو في ظلهم» (٢) .
стр. 735
وفي رواية لابن مندة: «في طريق المسلمين ومجالسهم» (١) .
«واللعنان» بالتشديد أصله اللاعنان فحول للمبالغة، وإنما إطلق على الذي يتخلى في الطريق والذي يتخلى في الظل لعنانان لأنهما تسببا بذلك في لعن الناس لهما كثيراً عادة، فأضيف الفعل اليهما بصيغة المبالغة، والمعنى: احذروا سبب اللعن المذكور.
قال الخطابى: وقد يكون اللاعن بمعنى المعلون أي: اتقوا الملعونين فاعلمهما.
فائدة: التخلي في طريق الناس ببول أو غائط مكروه كراهة تنزيه كما قال أصحاب الشافعي.
لكن قال النووي: ينبغي تحريمه للأخبار الصحيحة ولإيذاء المسلمين.
وقال الأذرعي في «التوسط» : يجب الجزم بأن التخلي فيها حرام، وهو الصواب مذهباً ودليلاً، قال: ويتعين من إطلاق الكراهة أي: في كلام الأصحاب على التحريم.
وقال صاحب العدة: إن التغوط في الطريق حرام نقله الشيخان عنه في كتاب الشهادة وأقراه فأُفهم كلامهم أن البول فيها ليس بحرام، لأن الغائط أغلظ منه.
وجاء في حديث رواه البيهقي: «من سل سخيمته على طريق عامر من طريق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٢)
«والسخيمة» بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة هي الغائط.
ومنها: أن لا يتخلى في متحدث الناس، «والمتحدث» بفتح الدال مكان الاجتماع للحديث، ويسمى النادى، أي: يكره التخلي فيه، وفي معناه كل موضع يقصد كظل شمس أو لمعيشة أو لمقيل مسافر ونحوها، وينبغي على قول النووي أن يحرَّم التخلى فيه لإيذاء الناس.
ومنها: أن لا يتخلى عند قبر محترم احتراماً له، أي: يكره له ذلك، وتشتد الكراهة عند قبور الأولياء والشهداء، وأما قبور الأنبياء فالتخلي عندها حرام كما قال الأذرعي.
وكذلك يحرم التخلي بين القبور المتكرر نبشها لاختلاط ترتبها بأجزاء الميت،
стр. 736
وكذا يحرم التخلي عند القبر المحترم.
قال الأذرعي في «التوسط» : والظاهر أن البول إلى جداره كالبول عليه إذا مسته النجاسة.
ومنها: أن لا يبول بقرب جدار المسجد احتراماً له، فإن بال بقربه كره له ذلك.
فائدة: البول في المسجد في إناء من غير ضرورة حرام، وأما البول في رحبة المسجد وهو كل ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه، فإن جعلناها من المسجد حرم وإلا فلا.
قال الأذرعي في «التوسط» : ويحتمل أن يقال بالتحريم مطلقاً، وإن لم يجعلها من المسجد. قال: ويجب الجزم به إذا كانت متروكة.
فائدة أخرى: قال صاحب الذخائر: يستحب للمرء أن يتخذ إناء يبول فيه بالليل لحديث ورد فيه (١) .
ولأن دخول الحشوش بالليل يخشى منه.
ومنها: أن لا يبول في ماء راكد ولو كان كثيراً أي: يكره له ذلك لخبر مسلم: «أنه ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد» (٢) .
والكراهة في القليل الراكد أشد لتنجيسه.
وكذا يكره في جارٍ قليل، وأما الجاري الكثير فلا يكره فيه ذلك، لكن الأولى اجتنابه.
وكذا يكره البول بقربه، والبول فيه بالليل أشد كراهة، لما قيل: إن الماء بالليل للجن، فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفاً من آفة تصيب من جهتهم، والتغوط أشد كراهة من البول.
ومنها: أنه لا يبول تحت شجرة مثمرة أي: يكره له قضاء الحاجة تحتها.
قال الأذرعي: قال الأصحاب: يكره التغوط والبول في مساقط الثمار مملوكة كانت الشجرة أو مباحة.
قال: وأما غير المثمرة فإن كانت ظلاً ونحوه فعلى ما سبق، وإلا فلا تحريم ولا كراهة.
ولا يكره قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة ولو في غير وقت الثمرة.
стр. 737
ومنها: أن لا يتخلى في مستحم وهو المغتسل، مأخوذ من الحميم، وهو: الماء الحار، أي: يكره له ذلك، لأنه ﷺ نهى عن أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسلة وقال: «لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه» رواهما أبو داود وغيره (١) .
ومحل الكراهة إذا لم يكن له منفذ ينفذ منه البول أو الماء، وإلا فلا يكره.
ومنها: أنه يستحب له أن يرفع ثوبه عن عورته بلا قعود لقضاء الحاجة شيئاً فشيئاً، نعم إن خاف تنجس ثوبه رفع قدر حاجته، وبسبله أيضاً شيئاً فشيئاً إذا قام قبل انتصابه.
ومنها: أن لا يبول في مكان صلب لئلا يترشرش بالبول فقد رود: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢) .
فإن لم يجده مكاناً غيره دقة بحجر أو نحوه حتى يلين.
فائدة: كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى الخلاء يحمل أنس بن مالك معه «العنزة» والعنزة عليها عصا زج.
وقال الكرمانى: «العنزة» بفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفي طرفها «زج» كزج الرمح، «والزج» الحديدة التي في أسفل الرمح يعنى السنان.
وقال ابن رجب: كانت هذه «العنزة» تحمل مع النبي ﷺ في الأسفار، وفي يوم العيدين يصلي إليها حيث لم يكن هناك جدار ليستتر به.
وجاء في الصحيحين عن ابن عمر: «كان النبي ﷺ إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر» (٣) .
قال ابن رجب: والذي كان يحمل العنزة مع رسول الله ﷺ غالباً عبد الله بن
стр. 738
مسعود، فإنه كان خادم نعليه فيلبسه النعلين ثم يمشى بالعصا أمامه، حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ .
والحكمة في حملها معه ليحفر بها الأرض، ويلين التراب ليبول في موضع لين لئلا يصيبه الرشاش، وهذه العنزة أهداها النجاشى للنبى ﷺ .
قال الحليمى: وقال ابن سيد الناس: كانت للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة فأخذها من رسول الله ﷺ وقد بقي من هذه «العنزة» قطعة موجودة بمصر في الآثار الشريفة.
ومنها: أن لا يبول في ثقب وهو النجش المستدير في الأرض، ولا في سرب وهو الشق في الأرض والبول فيهما مكروه، لأن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، لأنها مساكن الجن.
فائدة: وقع لسعد بن عبادة ﵁ أنه سافر من المدينة بعد موت رسول الله ﷺ لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر إلى أن وصل إلى مدينة حوران، فنزل بها وأقام فجلس يوماً ليبول في ثقب في الأرض فضربه الجن فوقع ميتاً، وذلك سنة خمس عشرة فغسل ودفن بحوران، ولم يعلم أهل المدينة بموته حتى سمعوا قائلاً من الجن في بئر يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة، رميناه بسهمين فلم يخطئ فؤاده، فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه (١) .
ومنها: أن لا يبول في مهب ريح أي: موضع هبوبها. أي: يكره له استقباله بالبول كما قاله النووي في المجموع لئلا يعود عليه رشاش البول، بل يستدبرها كما في المجموع.
قال الأذرعي في «التوسط» : وجاء في الحديث: «أنه كان ﷺ يتمخر الريح» (٢) .
أي: ينظر أين مجراها فلا يستقبلها لئلا ترد عليه البول ولكن يستدبرها، ولا فرق في كراهة استقبال مهبة الريح بين حال هبوبها، وحال سكونها إذ هي تهب بعد شروعه في البول فترد الرشاش عليه، أفاد ذلك ابن شهبة.
ومنها: أن لا يبول قائماً بل يكره البول قائماً لما رواه الترمذي وغيره عن عائشة أنها قالت: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلا
стр. 739
قاعداً» (١) .
نعم يجوز البول قائماً لعذر بلا كراهة ولا خلاف الأولى، فقد ورد في الصحيحين: «أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً» (٢) .
واختلف العلماء في سببه:
فقيل: كان به وجع في صلبة والعرب كانت تستشفى بالبول قائماً لوجع الصلب.
وقيل: لأنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود.
وقيل: كان بباطن ركبتيه علة فما قدر يجلس فبال قائماً.
قال النووي: ويجوز أن يكون فعل ذلك بياناً للجواز.
سؤال: فإن قيل: كيف بال رسول الله ﷺ في سباطة القوم بغير إذنهم مع أنه لا يجوز لأحد أن يستجمر في حائط غيره بغير أذنه؟
جوابه: إما أنه ﷺ علم رضاهم بذلك وأذنوا له، أو أنها لم تكن مختصة بهم، بل عامة أضيفت إلى القوم لقربها منهم.
ومنها: أن يستبرئ من البول عند انقطاعه وقبل قيامه إن كان قاعداً، لئلا يقطر عليه، ويحصل بتنحنح ونثر ذكر ثلاث مرات.
وكيفية النثر: أن يمسح بيسراه العروق من دبره إلى رأس الذكر وينثره بلطف، ليخرج ما بقي إن كان، ويكون ذلك بالابهام والمسبحة، ويحصل أيضاً بالمشي خطوات أكثرها سبعون خطوة.
قال النووي: ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يحصل له الاستبراء بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرره، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا، المقصود أن يظن الإنسان أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه.
والاستبراء مستحب فلو تركه الإنسان فاستنجاؤه صحيح ووضوءه كامل، وإنما لم يجب لأن الظاهر من انقطاع البول عدم عودة.
قال الأذرعي: نعم إذا تحقق أن في المجرى شيئاً يخرج منه، أو غلب على ظنه
стр. 740
بمقتضى عادته أنه يخرج منه شيء، وجب أن يستبرئ بعده، ووافقه ابن البرزي على ذلك.
ويكره لغير حاجة أن يحشو ذكره بقطن أو نحوه، أما لحاجة فإنه لا يكره، بل يجب كمن به سلس البول.
وينبغي لكل أحد في الاستبراء أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة فإنها مذمومة، والناس مختلفون في الوسواس.
فمنهم من يوسوس في الاستنجاء والوضوء والغسل، فيؤديه ذلك إلى الإسراف في الماء.
ومنهم من يوسوس في الصلاة فيؤدية ذلك إلى عدم جزم النية، وتكرير لفظ نويت نويت أصلي أصلي ونحو ذلك، وهذا نقص في العقل وحيل من الشيطان.
فقد روى ابن ماجة أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال له: «لا تسرف» فقال له: يا رسول الله أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «أن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» (٢) رواه الترمذي.
قال ابن العماد: معناه أنه يشككه في خلاء الوضوء، أو بعد الفراغ منه في أنه نوى أو ما نوى، أو في أنه لم يستوعب غسل الوجه في المرات الثلاث ونحو ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: «شيطان الوضوء يدعى الولهان ويضحك بالناس في الوضوء» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: «أول ما يبدأ الوسواس من الوضوء» (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٤) .