وكذا يحرم التخلي عند القبر المحترم.
قال الأذرعي في «التوسط» : والظاهر أن البول إلى جداره كالبول عليه إذا مسته النجاسة.
ومنها: أن لا يبول بقرب جدار المسجد احتراماً له، فإن بال بقربه كره له ذلك.
فائدة: البول في المسجد في إناء من غير ضرورة حرام، وأما البول في رحبة المسجد وهو كل ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه، فإن جعلناها من المسجد حرم وإلا فلا.
قال الأذرعي في «التوسط» : ويحتمل أن يقال بالتحريم مطلقاً، وإن لم يجعلها من المسجد. قال: ويجب الجزم به إذا كانت متروكة.
فائدة أخرى: قال صاحب الذخائر: يستحب للمرء أن يتخذ إناء يبول فيه بالليل لحديث ورد فيه (١) .
ولأن دخول الحشوش بالليل يخشى منه.
ومنها: أن لا يبول في ماء راكد ولو كان كثيراً أي: يكره له ذلك لخبر مسلم: «أنه ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد» (٢) .
والكراهة في القليل الراكد أشد لتنجيسه.
وكذا يكره في جارٍ قليل، وأما الجاري الكثير فلا يكره فيه ذلك، لكن الأولى اجتنابه.
وكذا يكره البول بقربه، والبول فيه بالليل أشد كراهة، لما قيل: إن الماء بالليل للجن، فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفاً من آفة تصيب من جهتهم، والتغوط أشد كراهة من البول.
ومنها: أنه لا يبول تحت شجرة مثمرة أي: يكره له قضاء الحاجة تحتها.
قال الأذرعي: قال الأصحاب: يكره التغوط والبول في مساقط الثمار مملوكة كانت الشجرة أو مباحة.
قال: وأما غير المثمرة فإن كانت ظلاً ونحوه فعلى ما سبق، وإلا فلا تحريم ولا كراهة.
ولا يكره قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة ولو في غير وقت الثمرة.
стр. 737
ومنها: أن لا يتخلى في مستحم وهو المغتسل، مأخوذ من الحميم، وهو: الماء الحار، أي: يكره له ذلك، لأنه ﷺ نهى عن أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسلة وقال: «لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه» رواهما أبو داود وغيره (١) .
ومحل الكراهة إذا لم يكن له منفذ ينفذ منه البول أو الماء، وإلا فلا يكره.
ومنها: أنه يستحب له أن يرفع ثوبه عن عورته بلا قعود لقضاء الحاجة شيئاً فشيئاً، نعم إن خاف تنجس ثوبه رفع قدر حاجته، وبسبله أيضاً شيئاً فشيئاً إذا قام قبل انتصابه.
ومنها: أن لا يبول في مكان صلب لئلا يترشرش بالبول فقد رود: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢) .
فإن لم يجده مكاناً غيره دقة بحجر أو نحوه حتى يلين.
فائدة: كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى الخلاء يحمل أنس بن مالك معه «العنزة» والعنزة عليها عصا زج.
وقال الكرمانى: «العنزة» بفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفي طرفها «زج» كزج الرمح، «والزج» الحديدة التي في أسفل الرمح يعنى السنان.
وقال ابن رجب: كانت هذه «العنزة» تحمل مع النبي ﷺ في الأسفار، وفي يوم العيدين يصلي إليها حيث لم يكن هناك جدار ليستتر به.
وجاء في الصحيحين عن ابن عمر: «كان النبي ﷺ إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر» (٣) .
قال ابن رجب: والذي كان يحمل العنزة مع رسول الله ﷺ غالباً عبد الله بن
стр. 738
مسعود، فإنه كان خادم نعليه فيلبسه النعلين ثم يمشى بالعصا أمامه، حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ .
والحكمة في حملها معه ليحفر بها الأرض، ويلين التراب ليبول في موضع لين لئلا يصيبه الرشاش، وهذه العنزة أهداها النجاشى للنبى ﷺ .
قال الحليمى: وقال ابن سيد الناس: كانت للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة فأخذها من رسول الله ﷺ وقد بقي من هذه «العنزة» قطعة موجودة بمصر في الآثار الشريفة.
ومنها: أن لا يبول في ثقب وهو النجش المستدير في الأرض، ولا في سرب وهو الشق في الأرض والبول فيهما مكروه، لأن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، لأنها مساكن الجن.
فائدة: وقع لسعد بن عبادة ﵁ أنه سافر من المدينة بعد موت رسول الله ﷺ لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر إلى أن وصل إلى مدينة حوران، فنزل بها وأقام فجلس يوماً ليبول في ثقب في الأرض فضربه الجن فوقع ميتاً، وذلك سنة خمس عشرة فغسل ودفن بحوران، ولم يعلم أهل المدينة بموته حتى سمعوا قائلاً من الجن في بئر يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة، رميناه بسهمين فلم يخطئ فؤاده، فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه (١) .
ومنها: أن لا يبول في مهب ريح أي: موضع هبوبها. أي: يكره له استقباله بالبول كما قاله النووي في المجموع لئلا يعود عليه رشاش البول، بل يستدبرها كما في المجموع.
قال الأذرعي في «التوسط» : وجاء في الحديث: «أنه كان ﷺ يتمخر الريح» (٢) .
أي: ينظر أين مجراها فلا يستقبلها لئلا ترد عليه البول ولكن يستدبرها، ولا فرق في كراهة استقبال مهبة الريح بين حال هبوبها، وحال سكونها إذ هي تهب بعد شروعه في البول فترد الرشاش عليه، أفاد ذلك ابن شهبة.
ومنها: أن لا يبول قائماً بل يكره البول قائماً لما رواه الترمذي وغيره عن عائشة أنها قالت: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلا
стр. 739
قاعداً» (١) .
نعم يجوز البول قائماً لعذر بلا كراهة ولا خلاف الأولى، فقد ورد في الصحيحين: «أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً» (٢) .
واختلف العلماء في سببه:
فقيل: كان به وجع في صلبة والعرب كانت تستشفى بالبول قائماً لوجع الصلب.
وقيل: لأنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود.
وقيل: كان بباطن ركبتيه علة فما قدر يجلس فبال قائماً.
قال النووي: ويجوز أن يكون فعل ذلك بياناً للجواز.
سؤال: فإن قيل: كيف بال رسول الله ﷺ في سباطة القوم بغير إذنهم مع أنه لا يجوز لأحد أن يستجمر في حائط غيره بغير أذنه؟
جوابه: إما أنه ﷺ علم رضاهم بذلك وأذنوا له، أو أنها لم تكن مختصة بهم، بل عامة أضيفت إلى القوم لقربها منهم.
ومنها: أن يستبرئ من البول عند انقطاعه وقبل قيامه إن كان قاعداً، لئلا يقطر عليه، ويحصل بتنحنح ونثر ذكر ثلاث مرات.
وكيفية النثر: أن يمسح بيسراه العروق من دبره إلى رأس الذكر وينثره بلطف، ليخرج ما بقي إن كان، ويكون ذلك بالابهام والمسبحة، ويحصل أيضاً بالمشي خطوات أكثرها سبعون خطوة.
قال النووي: ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يحصل له الاستبراء بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرره، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا، المقصود أن يظن الإنسان أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه.
والاستبراء مستحب فلو تركه الإنسان فاستنجاؤه صحيح ووضوءه كامل، وإنما لم يجب لأن الظاهر من انقطاع البول عدم عودة.
قال الأذرعي: نعم إذا تحقق أن في المجرى شيئاً يخرج منه، أو غلب على ظنه
стр. 740
بمقتضى عادته أنه يخرج منه شيء، وجب أن يستبرئ بعده، ووافقه ابن البرزي على ذلك.
ويكره لغير حاجة أن يحشو ذكره بقطن أو نحوه، أما لحاجة فإنه لا يكره، بل يجب كمن به سلس البول.
وينبغي لكل أحد في الاستبراء أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة فإنها مذمومة، والناس مختلفون في الوسواس.
فمنهم من يوسوس في الاستنجاء والوضوء والغسل، فيؤديه ذلك إلى الإسراف في الماء.
ومنهم من يوسوس في الصلاة فيؤدية ذلك إلى عدم جزم النية، وتكرير لفظ نويت نويت أصلي أصلي ونحو ذلك، وهذا نقص في العقل وحيل من الشيطان.
فقد روى ابن ماجة أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال له: «لا تسرف» فقال له: يا رسول الله أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار» (١) .
وقال رسول الله ﷺ : «أن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» (٢) رواه الترمذي.
قال ابن العماد: معناه أنه يشككه في خلاء الوضوء، أو بعد الفراغ منه في أنه نوى أو ما نوى، أو في أنه لم يستوعب غسل الوجه في المرات الثلاث ونحو ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: «شيطان الوضوء يدعى الولهان ويضحك بالناس في الوضوء» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: «أول ما يبدأ الوسواس من الوضوء» (٣) .
وقال رسول الله ﷺ : «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٤) .
стр. 741
قال الشيخ موفق الدين ابن قدامه رحمة الله: إن رسول الله ﷺ وأصحابه ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة فضيلة لادخرها الله لرسوله وأصحابه، وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله ﷺ الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم أحد من الصحابة لبدعهم.
قيل: إن بعض الصوفية جلس ليلة يتوضأ لصلاة العتمة، فصار يصب الماء عليه حتى مضى شطر الليل فلم تطب نفسه، ولم يذهب الوسواس من قلبه، فبكى وقال: يارب العفو، فسمع هاتفاً يقول له: اترك ما أنت فيه، واستعلم العلم.
ومن آدابه أن لا يأكل ولا يشرب في الخلاء، كما قاله القاضي زكريا عن المحب الطبري.
ومنها: أنه لا يستاك، فقد نقل عن ابن عباس: أنه يورث النسيان، ونقل عنه أيضاً أنه قال: «من فعل ذلك فذهب بصره فلا يلومن إلا نفسه» .
ومنها: أن لا يمسك البول بعد ما أخذه فإن ذلك يضر بالمثانة قاله الغزالي.
ويقال: إن حبس البول يفسد من الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه.
ومنها كما قال الغزالي في الإحياء: أن يقول عند الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش (١) .
خاتمة: قال الترمذي الحكيم: إذا أتيت الخلاء فاعلم أنك تقصد الشيطان فاحذر من كيده، وأقل من إتيانه بقلة الطعام، وكن رجلاً مستحيياً من خالقك، مستحقراً لنفسك.
فقد قال الفضيل بن عياض: إني لأمقت نفسي من كثرة ترددي إلى الخلاء.
وغط نفسك حياءً من ربك، وامش متواضعاً متفكراً في نعم الله عليك، حين أطعمك وأسقاك، وأخرجه عنك حين أذاك، وقف على باب الخلاء وقل: اللهم اجعل دخولي عبرة، وأمط الأذى عني رحمة ترحمني بها، فعن أنس: «إن الشيطان يتباعد إذ ذاك» .
قال: ولا تبصق في بولك ولا على ما يخرج منك من العذرة، فقد روي أنه من فعل ذلك يبتلى بالوسوسة وصفرة الأسنان.
стр. 742
وعن عطاء أنه قال: «من بصق على ما يخرج منه بلي بالدم هو وأولاده أو أحد عقبه.
ولا يتمخط فعن أنس: «أنه يورث الصمم» .
ولا تقلب خاتمك مرة بعد أخرى فقد روي: أنه من فعل ذلك يأوي إليه الشيطان.
قال: وينبغي أن تقوم مولِّيا عما يخرج منك فقد روي: «أنه فيه شفاء من تسعة وتسعين داء، أدناها البرص والجذام» .
قال: واجتهد أن تجعل بينك وبين السماء سترة.
فعن الضحاك: «أن من فعل ذلك أمطرت عليه الرحمة من عنان السماء» .
قال: ولا تقتل قملة بل ادفنها.
فقد روى محمد بن أبي طالب أنه قال: «من قتل القمل وهو على رأس خلائه بات معه في شعاره شيطان، ينسيه ذكر الله تعالى أربعين صباحاً» .
قال: ولا تلقي ما تستنجي به على رأس ما يخرج منك من بول وعذر؟
فعن مكحول: «أنه من فعل ذلك تدودت أسنانه، وغلبت عليه الرياح» .
ولا تقم حتى تشد سراويلك فعن قتادة: «أن من داوم على ذلك» أي: من قام قبل أن يشد سراويله «غلب الدم عليه حتى يكون موته منه» .
قال: ولا تغمض عينيك، فإن ذلك يورث النفاق في القلب، كما قاله الحسن.
قال: ولا تحمل الماء معك إلى الخلاء بيسارك.
فعن كعب: «أن ذلك فعل الشيطان ويفقد ثواب وضوءه» .
قال: ولا تضع يديك على صدغك، وتجعل رأسك بينهما.
فعن أويس القرني: «أن ذلك يورث قساوة القلب والبرص، ويذهب الرحمة والحياء» .
قال: ولا تسنده إلى حائط وغيره كفعل الجبابرة والشيطان، فإنه يذهب ماء الوجه وينفح البطن.
стр. 743
قَالَ البُخَارِي:
بَابٌ: لا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ إِلا عِنْدَ البِنَاءِ: جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ ... »
في هذا الإسناد من اللطائف أن رجاله كلهم مدنيون، وأبو أيوب الأنصاري صحابي جليل، واسمه: خالد بن زيد، ولكن غلبت عليه كنيته، وهو خزرجي أنصاري مدني، ثم شامي، شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
ومن فضائله: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نزل عليه شهراً، حتى بنت مساكنه ومسجده ﷺ .
وقدم مرة إلى البصرة وكان فيها ابن عباس ففرح به وقال له: إني أخرج من مسكني لك، كما خرجت لرسول الله ﷺ عن مسكنك، ولما رحل منها أعطاه عشرين ألفاً وأربعين عبد.
هو من نجباء الصحابة ومناقبه جمة، وكان مع علي في حروبه.
ومن فضائله: أنه خرج مرة للغزاة بالقسطنطينية فمرض فلما ثقل قال لأصحابه: احملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت أرجلكم.
قال ابن الملقن: قال الكرماني قال لأصحابه: إذا مت فاحملوني فإن صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا فقبره قريب من سور بالقسطنطينية، معروف إلى اليوم وهم هناك يستقون به فيسقون، مات سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، روي له من الأحاديث عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثاً، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث.
« ... عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (١) .
стр. 744
في هذا الحديث دلالة على أنه يحرم على الإنسان أن يستقبل لقبلة ببول أو غائط أو يستدبرها، فإن قوله: «فلا يستقبل القبلة» نهي، وكذا قوله: «ولا يولها ظهره» نهي أيضاً.
والأصل في النهي أن يكون للتحريم وهذا المسألة فيها أربعة مذاهب للعلماء:
الأول: التحريم مطلقاً في البنيان والصحراء وهو قول أبي أيوب الأنصارى، راوي الحديث، وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي على العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضعها للصلاة وللدعاء والبر والخير.
الثاني: الجواز مطلقاً.
الثالث: تحريم الاستقبال دون تحريم الاستدبار.
الرابع: وهو قول إمامنا الشافعي وبه قال مالك وجمهور العلماء: أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان.
سؤال: فإن قيل: قوله في هذا الحديث: «فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره» يقتضي التحريم في الصحراء والبنيان؟
جوابه: أن إمامنا الشافعي حمله على الصحراء، وحمل غيره من الأحاديث الدالة على الجواز مطلقاً على البنيان، جمعاً بين الأخبار.
فائدة: إنما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان بشرطين:
أحدهما: أن يستتر بشيء بينه وبين القبلة مرتفع قدر ثلثي ذراع فأكثر، كجدار أو حجر أو تراب أو إرخاء ذيل أو نحوه.
الثاني: أن يقرب منه على ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي، فإن كان الساتر أقل من ثلثي ذراع أو كان أكثر، ولكن بعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع فيحرمان حينئذ كالصحراء.
نعم إذا كان في الأخلية المعدة لقضاء الحاجة وإن بعد الساتر عنه، أو قصر من ثلثي ذراع فأكثر وقربه منه، لا حرمة فيه ولا كراهة ولا خلاف الأولى قاله النووي.
لأن الضرورة قد تدعو إلى توسيعه لوضع أواني الماء ونحوها، وإنما يحرمان بالصحراء إذا لم يكن بينها وبينه ساتر، فإذا استتر بمرتفع قدر ثلثى ذراع فأكثر، وقرب
стр. 745
منه على ثلاثة أذرع فأقل لم يحرم.
فائدة أخرى: إذا جاز للإنسان استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط بالشروط المذكورة في غير الأخلية المعدة لذلك فهل هو جائز مع الكراهة أو بلا كراهة؟
جزم الرافعي تبعاً للمتولي أن الكراهة موجودة.
واختار النووي أن الكراهة منتفية قال: لكن الأدب والأفضل الميل عن القبلة إذا أمكن بلا مشقة احتراماً لها.
فائدة أخرى: إذا قلنا بتحريم الاستقبال والاستدبار لفقد الشروط المذكورة، فيجب على قاضي الحاجة حينئذ إما أن يتوجه إلى ناحية الشرق، وإما إلى ناحية الغرب كما أشار إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: «شرقوا أو غربوا» .
فإن معنى شرقوا الالتفات إلى ناحية الشرق، وغربوا الالتفات إلى ناحية الغرب، ولقد أحسن من قال:
سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب
وينبغي أن يعلم أن وجوب التشريق والتغريب في حق من ليست قبلته في ناحية المشرق أو المغرب كأهل المدينة الشريفة وأهل الشام وغيرهما.
ويعلم ذلك من قوله في الحديث: «شرقوا أو غربوا» فإنه خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، أما من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.
فائدة أخرى: لو كانت الريح تهب عن يمين القبلة ويسارها، ولو بال لغير القبلة لرد الريح عليه البول جاز له في هذه الحالة أن يستقبل القبلة بالبول أو يستدبرها للضرورة قاله القفال.
فائدة أخرى: إذا قلنا لا يكره استقبال القبلة ولا استدبارها حال الاستنجاء ولا حال الجماع ولا حال إخراج الريح، فإن النهي عنهما إنما ورد في البول والغائط، وهذا لم يفعله.
стр. 746
فائدة أخرى: يكره استقبال الشمس والقمر وبيت المقدس واستدبارها ببول أو غائط في الصحراء والبنيان إكراماً لها قاله صاحب الروض تبعاً للرافعى.
لكن نقل النووي في الروضة عن الجمهور: أن الكراهة في الشمس والقمر مخصوصة بالاستقبال فقط.
وقال في المجموع: هو الصحيح المشهور.
وأفاد بعض العلماء: أن استقبال القمر لا يكره إلا في وقت سلطنته وهو الليل، أما النهار فلا.
ثم سأل وقال: فإن قيل: ينبغي أن يكره استقباله مطلقاً لأن في حافتيه ملكاً؟
ثم أجاب: بأنا لو نظرنا إلى هذا لكره أن يستقبل زوجته، فإن معها الحفظة ولم يقل أحد به.
* * *
стр. 747
المجلس الثالث والأربعون
في بيان عنزة النبي ﷺ وحكم حملها معه وبيان عصا موسى
وبيان توبة سحرة فرعون وعددهم وفوائد كثيرة
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاَءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلاَمٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجِى بِالْمَاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ. الْعَنَزَةُ عَصاً عَلَيْهِ زُجٌّ (١) .
معنى الحديث أن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أخبر هذا الحديث أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدخل الخلاء ليقضي حاجته فيه أنه كان يحمل هو وغلام الإداوة
стр. 748
التي فيها الماء والعنزة لأجل أن يستنجي رسول الله ﷺ .
قال العلماء: «الإداوة» بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطحية ونحوها، وتجمع على «أداوى» والمراد بالغلام في هذا الحديث ونحوه: أبو هريرة قاله بعض العلماء.
وفيه أشكال وهو: أن الغلام الذي كان يحمل الإداوة مع رسول الله ﷺ من الأنصار، بدليل ما جاء في بعض الروايات: فانطلقت أنا وغلام من الأنصار، فإن الأنصار كما تقدم لقب على الأوس والخزرج، وأبو هريرة ليس من القبيلتين بل هو دوسي يماني.
وجواب هذا الإشكال: أنه أطلق عليه أنصاري مجازاً كما قاله ابن حجر، فإن الأنصار حقيقة من كان من الأوس والخزرج، فإطلاقه على من ليس منهما مجازاً.
وهكذا يجاب عن كل من أطلق عليه بأنه من الأنصار وليس من القبيلتين كأبي بكر الصديق.
فإنه ورد في هذا الحديث الصحيح أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: «من؟» قال رجل: من الأنصار (١) .
قال العراقى: الضارب في هذا الحديث «أبو بكر» ، والمضروب «فيحاص بن عاذوراء» مع أن أبا بكر من المهاجرين لا من الأنصار، لكنه أطلق عليه بأنه منهم مجازاً كما قاله ابن حجر لوجود معنى النصر فيه، وأي ناصر من الصحابة كأبي بكر.
وقال شيخنا العلامة الشيخ محمد البازلي الكردي (٢) : وجه تسمية أبي هريرة بأنه أنصاري لأنه نصر سيد الخلق بكثرة رواية الحديث.
قال: وأي نصرة أقوى من حمل الحديث وإظهاره على رؤوس الأشهاد، فهو نصر رسول الله ﷺ بلسانه بسبب كثرة الأحاديث التي رواها عنه، فإنه أكثر الصحابة رواية.
ويدل على أن ذلك يسمى نصرة وجهاد قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ? [التوبة: ٧٣] أي: جاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بإظهار الحجة، وبيان المحجة باللسان، فإنه ﷺ قط ما جاهد منافقاً بالسيف بل باللسان.
стр. 749
وها هنا إشكال آخر وهو: كيف أطلق أنس على أبي هريرة أنه غلام، والغلام يسمى به الصبي إلى بلوغه، وأبو هريرة لما أسلم كان عمره ثمان عشرة، أو تسع عشرة سنة.
وجواب هذا الإشكال أيضاً: أن الغلام يطلق على معان:
يطلق على الولد من حين يولد إلى أن يبلغ وليس مراداً هنا.
ويطلق على الذي طرَّ شاربه أي: نبت.
ويطلق على الكهل، كما قال ذلك صاحب القاموس وقال: إنه من الأضداد، أي: يطلق على الكبير والصغير.
وحينئذ يقال: إنما أطلق أنس الغلام على أبي هريرة لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشر سنة، وذلك زمن ينبت فيه الشارب، غالباً ومن طر شاربه يسمى غلاماً كما تقدم.
ومما يدل على جواز إطلاق الغلام على من جاوز البلوغ، بل على الرجل الكامل المسن بما ورد في حديث المعراج أن موسى ﷺ أطلق لفظ الغلام على نبينا ﷺ فإنه لما مر على موسى بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمتة أكثر ممن أن دخلها من أمتي (١) .
وسنذكر في موضعه حكمة إطلاق الغلام على نبينا ﷺ .
«والعنزة» التي كانت تحمل مع رسول الله ﷺ إلى الخلاء وغيره: عصا في أسفلها زج كزج الرمح، و «الزج» الحديد التي في أسفل الرمح، يعني السنان.
واختلف فيها هل كانت قصيرة أو طويلة؟
فقيل: إنها عصا مثل نصف الرمح.
وقيل: هو أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيها زج.
قال الداودي (٢) : «العنزة» : العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها، يكون في أسفلها زج أو قرن.
فائدة: قال ابن الملقن: هذه العنزة أهداها النجاشى ﷺ له.
وقال ابن سيد الناس: كانت للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة، فأخذها منه رسول الله ﷺ وكانت تحمل معه إلى الخلاء، ويستصحبها رسول الله ﷺ في السفر
стр. 750
وغيره.
فائدة أخرى: قد بقي من هذه العنزة قطعة في مكان في مصر يقال له: «الآثار» سمي بذلك لأن فيه شيئاً من آثار النبي ﷺ .
قال الشيخ برهان الدين المحدث: زرت الآثار مراراً، ورأيت فيه قطعة من هذه العنزة، ومعه المرود الذي كان يكتحل به ﷺ والمخصف، وقطعة من القصعة، ومنقاشاً صغيراً وكأنه لإخراج الشوك من الرجل وغيرها، قال: واكتحلت بالمرود، وشربت من ماء وضعت فيه القطعة من العنزة، فهنيئاً لمن رأى آثار رسول الله ﷺ متبركاً به، فإن من رأها فكأنه رأى النبي ﷺ .
ولقد أحسن من قال:
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونآت مرابعه وشط فراره
فلك الهنا فلقد ظفرت بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره
فائدة أخرى: الحكمة في استصحابة ﷺ هذه العنزة إلى الخلاء هي: أنه ﷺ كان قد يأتي إلى أرض صلبة فيحفر بها تلك الأرض، ويلين ترابها ليبول في موضع لين كيلا يصيبه الرشاش.
وإنما كانت تحمل معه في السفر وغيره لأجل أن يصلي إليها في الفضاء، ويتقي بها الكافرين واليهود، فإنهم كانوا يريدون قتله واغتياله بكل حالة.
قال ابن رجب: هذه العنزة كانت تحمل مع النبي ﷺ في الأسفار وفي يومي العيدين، يصلي إليها حيث لم يكن هناك جدار يستتر به.
وجاء في الصحيحين عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، وكان يحمل هذه ويمشي بها أمامه عبد الله بن مسعود (١) .
قال ابن رجب: كان عبد الله بن مسعود يلبس رسول الله ﷺ نعليه ثم يمشي بالعصا أمامه، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه ثم مشى بالعصا أمامه، حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ ومن أجل هذا اتخذ الأمراء من يمشي أمامهم قاله ابن الملقن.
стр. 751
وذكر بعض العلماء للعصا فوائد كثيرة:
منها: دفع العدو.
ومنها: إتقاء السبع.
ومنها: نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشاش.
ومنها: تعليق الأمتعة بها.
ومنها: التوكؤ عليه خصوصاً لمن كبر سنه وضعفت قوته.
ولله در القائل:
تقوس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوسي
فامشى والعصا تمشي أمامي ... كأن قومها وترًا لقوسي
ومنها: السترة بها في الصلاة.
قال الله حكاية عن موسى ﵇: ?وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى? [طه: ١٨] .
وقيل للإمام الشافعي: مالك تدمن إمساك العصا؟ قال: حتى أتذكر أني مسافر.
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء، وكان النبي ﷺ يتوكأ عليها ويأمر بالاتكاء عليها.
وجاء في حديث: «حمل العصا علامة المؤمن وسنة الأنبياء» (١) .
ومن خرج في سفر ومعه عصا من لوازمه: أمنه الله من كل سبع ضار، ولص عاد، ومن كل ذات حمة حتى يرجع إلى أهله ومنزله، وكان معه سبعة وسبعون من المعقبات، يستغفرون له حتى يرجع ويضعها قاله العلامي في تفسيره.
والمراد «بالمعقبات» : الملائكة.
و «بذات حمة» بضم المهملة: ذات السم كالحية والعقرب نقله البرماوي.
ونقل عن الحسن البصرى وغيره أنه قال: «في العكاز خمسة: سنة الأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على الأعداء، وعون الضعفاء، ويهرب من صاحبها، ويخشع منه الفاجر، وتكون لصاحبها قبلة إذا صلى، وقوة إذا تعب» .
وورد في حديث أنه قال: «من بلغ أربعين سنة ولم يأخذ العصا عُدَّ له من الكبر
стр. 752
والعجب» (١) .
فائدة: قال في الروض الفائق: قال بعض الصالحين: كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي شخصاً، فسارعت حتى أدركته، فإذا هي امرأة بيدها عكاز، وهي تمشى على الهوينى، فظننت أنها أعييت، فأدخلت يدي في جيبي وأخرجت عشرين درهماً، فقلت: خذيها وامكثى حتى تلحقك القافلة فتكتري بها. ثم أتيني الليلة حتى أصلح أمرك، فقالت: بيدها في الهواء هكذا فإذا في كفها دنانير من الغيب فقالت: أنت أخذت الدراهم من الجيب، وأنا أخذت الدنانير من الغيب، ثم أخذت تقول:
كم نعمة لك في العبادة ومنة ... موجودة في ذاتها لا تعدم
كم آية لك في الخلائق والنهى ... مشهورة أسرارها لا تفهم
كم حالة حولتها فتحولت ... فينا بنا عما تريد فترحم
فائدة أخرى في بيان عصا موسى وما فيها من المآرب وما اتفق له فيها من المعجزات والعجائب:
قال العلماء من المفسرين وغيرهم: لما تزوج موسى بابنة شعيب وصار يرعى له الأغنام، أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصا الأنبياء عنده فوقع في يدها عصا آدم، فأمرها بردها وأخذ غيرها، ففعلت ذلك سبع مرات وما يقع في يدها إلا هذه العصا، فعلم أن لها شأناً عظيماً، وكانت من الجنة على قول أكثر العلماء، وكان طولها عشرة أذرع على طول موسى، حملها آدم معه من آس الجنة إلى الأرض، فتوارثها صاغر عن كابر إلى أن وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى.
واختلف العلماء في اسمها، فقيل: ماسا، وقيل: نفعة، وقيل: غياث، وقيل: عليق.
وأما صفتها: فقيل: كانت لها شعبتان ومحجن في أسفل الشعبتين وسنان حديد في أسفلها.
وأما المآرب التي كانت فيها فقد ذكر علماء التفسير وغيرهم:
أن موسى صلوات وسلامة عليه كان إذا دخل مغارة ليلاً ومعه العصا ولم يكن قمر تضيئ شعبتاها كالشعلتين من نار تضيئان له مد البصر في رأسها.
وكان إذا أعوزه الماء دلاها في البئر، فتمتد على قدر البئر ويصير في رأسها شبه
стр. 753
الدلو فيستقي بها.
وكان إذا احتاج إلى الطعام ضرب الأرض بها فتخرج ما يأكل يومه.
وكان إذا اشتهى فاكهة من الفواكه غرسها في الأرض فتخرج أغصان تلك الشجرة التي اشتهى موسى فاكهتها وأثمرت له من ساعتها.
وكان إذا قاتل عدوه يظهر على شعبتيها تنينان عظيمان.
وكان يضرب بها على الجبل الوعر المرتقى على الحمر وعلى الحجر والشوك فينفرج له.
وكان إذا أراد عبور نهر من الأنهار بلا سفينة، ضرب عليه بها فانفلق وصار له طريقاً يمر عليه.
وكان يشرب أحياناً من إحدى شعبتها العسل، ومن الآخر اللبن.
وكان إذا تعب في طريقه يركبها فتحمله إلى أي موضع شاء من غير ركض ولا تحريك رجل.
وكانت تدله على الطريق إذا أخطأ الطريق، وتقاتل أعداءه عنه.
وكان إذا احتاج موسى إلى الطيب يفوح منها الطيب حتى يتطيب ويطيب ثوبه.
وكان إذا مشى في طريق فيه لصوص يخاف الناس منهم كلمته العصا وتقول له: اذهب في طريق كذا ولا تذهب في طريق كذا.
وكان يهش بها على غنمه أي: يخبط بها ورق الشجر على غنمه فتأكله.
وكان يدفع بها السباع والحيات والحشرات.
وكان إذا سافر وضعها على عاتقه، وعلق عليها جهازه ومتاعه ومخلاته ومقلاعه وكساؤه وطعامه وشرابه.
وروي أن شعيباً قال لموسى: حين زوجه ابنته وسلم إليه أغنامه ليرعاها: اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك، وإن كان الكلأ بها أكثر فإن هناك تنيناً عظيماً أخاف عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق فأخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على ردها وصرفها ذات الشمال فلم تطعه، فطاوعها موسى ثم نام والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى وحاربت التنين فقتلته، ورجعت فاستلقت إلى جنب موسى وهي دامية، فلما استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولاً فعلم أن تلك العصا قوة وعزاً وإن لها شاناً.
стр. 754
فهذه مآرب موسى في العصا إذا كانت بيده.
وأما إذا ألقاها فيروى: أنها كانت تنقلب حية كأعظم ما يكون من الثعابين سوداء مدلهمة تدب على أربع قوائم، فتصير شعبتاها فماً، فيه اثنتى عشر ناباً وضرساً، قيل: كان بين لحييها أربعون ذراعاً، لها صريف وصرير، يخرج منها لهب النار، وعيناها تلمعان كما يلمع البرق، يهب من فمها ريح السموم، لا تصيب شيئاً إلا أحرقته، تمر بالصخرة فتبتلعها، وتمر بالشجرة فتحطمها بأنيابها وتبتلعها، وتتلمظ وتتبرم كأنها تطلب شيئاً تأكله، وكانت في عظم الثعبان، وخفة الجان، ولين الحية، لذلك ذكرت في القرآن في مواضع قال تعالى: ?فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى? [طه: ٢٠] .
وقال تعالى: ?فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ? [الشعراء: ٣٢] .
وقال تعالى: ?كَأَنَّهَا جَانٌّ? [النمل: ١٠] .
قال الإمام فخر الدين الرازى في تفسيره الكبير في تفسير قوله تعالى: ?فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ? [الشعراء: ٣٢] ما نصه: والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة، ثم قال في وصف ذلك الثعبان يكون مبيناً وجوه:
الأول: تمييز ذلك عما جاء السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء عن الحيل والتمويهات.
الثاني: المراد أنهم شاهدوا كونه حية ولم يشبه الأمر عليهم.
الثالث: المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب.
ومعنى الآية: أن فرعون لما طلب من موسى آية أي معجزة تدل على نبوته كما قال تعالى حكاية عنه: ?قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ? [الأعراف: ١٠٦] .
فالقى موسى عصاه في تلك الساعة فانقلبت ثعباناً عظيماً كما قال تعالى: ?فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ? [الشعراء: ٣٢] .
أي: حية عظيمة فاتحة فاها ما بين لحيها ثمانون ذراعاً ثم قامت على ذنبها، وشدت على فرعون لتبتلعه، فوثب فرعون عن سريره هارباً.
وقيل: إنها وضعت لحيها الأسفل على الأرض، والأعلى على سطح القصر الذي فيه فرعون فوثب فرعون هارباً وأحدث أي: أخذه الإسهال في ذلك اليوم أربعمائه مرة، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى خذها فأومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا.
стр. 755
وأظهر لهم موسى معجزة أخرى وهي أنه أخرج يده من جيب جبته الصوف فغدا لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض، ويغلب نورها شعاع الشمس كما قال تعالى حكاية عنه: ?وَنَزَعَ يَدَهُ? [الأعراف: ١٠٨] أي: أخرجها، ?فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ? [الأعراف: ١٠٨] .
أي: فإذا هي بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن الاعادة تجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع للنظر في العجائب.
قال الرازى: ولما كان البياض كالعيب بين تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء.
سؤال: فإن قيل: إن المعجزة الواحدة كانت كافية فما الحكمة في الجمع بينهما؟
جوابه: أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك.
قال الرازى: فلما أظهر موسى هذين النوعين من المعجزات قال قوم فرعون له: إن هذا يعنى موسى لساحر عليم بالسحر.
قال الرازى: وكان السحر غالباً في ذلك الزمان، وكانت مراتب السحرة متفاضلة متفاوتة، ومنهم من وصل فيه إلى غاية الكمال في ذلك العلم، فزعموا وظنوا أن موسى من السحرة، وأنه وصل إلى غاية الكمال من علم السحر، وأنه إنما أتى بذلك لكونه طالباً للملك والرياسة، وأنه يريد أن يخرجهم من أرضهم كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: ?إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ? [الأعراف: ١٠٩، ١١٠] .
ولم يظهر لهم أنه أمر إلهي، ثم قالوا له: اجمع السحرة من مدائن ملكك ليعارضوه في سحرة ويعطلوا سحره.
فائدة: قال الإمام الرازى: جعل الله تعالى معجزة كل نبي من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان.
فلما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى كانت معجزته شبيهة بالسحر، وإن كانت مخالفة للسحر في الحقيقة.
ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى كانت معجزته من جنس الطب.
ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد ﷺ لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة.
ثم أرسل فرعون وجمع السحرة من مدائن الصعيد، وكانت سبع مدائن فاجتمعوا
стр. 756
عنده بالأسكندرية.
فائدة: اختلف العلماء في عدد السحرة:
فقيل: كانوا ثمانين ألفاً.
وقيل: سبعين ألفاً.
وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً، وكانوا صفوفاً.
فقد ذكر بعضهم في تفسير قوله تعالى: ?ثُمَّ ائْتُوا صَفاًّ? [طه: ٦٤] أنهم كانوا صفوفاً كل صف ألف.
فعلى القول الأول: كانوا ثمانين صفاً.
وعلى الثاني: سبعين صفاً.
وعلى الثالث: بضعة وثلاثين.
وكان متقدمهم شمعون أبو حنة فلما اجتمعوا قالوا لفرعون: أتجعل لنا جُعْلاً إن غلبنا موسى؟ فقال لهم: نعم لكم علي جُعْل وتصيرون عندي من المقربين في مجلسي، وأول من يدخل علي وآخر من يخرج، هذا معنى قوله تعالى: ?وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المُقَرَّبِينَ? [الشعراء: ٤١، ٤٢] .
فلما أرادوا إلقاء سحرهم وإظهاره راعوا حسن الأدب مع سيدنا موسى، حيث لم يتقدموا عليه بل قالوا له كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ?إِمَّا أَن تُلْقِيَ? [الأعراف: ١١٥] أي: عصاك ?وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ? [الأعراف: ١١٥] أي: ما معنا من الحبال والعصي، وكان مع كل واحد منهم حبل وعصا.
قال أهل التصوف: لما راعوا هذا الأدب رزقهم الله الإيمان.
وقال لهم موسى عليه ﵇: ألقوا ما أنتم ملقون.
وهنا سؤال: وهو كيف أمرهم موسى بإلقاء حبالهم وعصيهم، وفي الإلقاء معارضة للمعجزة بالسحر، وذلك كفر والأمر بالكفر كفر.
وجوابه: أنه ﵇ كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر، وإبطاله ما كان ليمكن إلا بإقدامهم على إظهاره، فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ويمكنه الإقدام على إبطاله قاله الرازى.
فلما ألقوا أي: حبالهم وعصيهم وكانت حبالاً غلاظاً، وخشباً طوالاً سحروا أعين
стр. 757
الناس واسترهبوهم أي: قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.
وقيل: إنهم لطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصا، أثر تسخين الشمس فيها تحركت وصارت حيات كأمثال الجبال، فملأت الوادي، وركب بعضها بعضاً.
قيل: ملأت ميلاً في ميل من الأرض.
وأفاد الإمام الرازى: أن تلك الحبال والعصا كانت حمل ثلاثمائه بعير.
ووصف الله سحرهم بأنه عظيم كما قال الله تعالى: ?وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ? [الأعراف: ١١٦] .
قال الرازى: روي أن السحرة قالوا: لقد علمنا سحر لا يطيق سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون من أهل السماء، فإنه لاطاقة لنا به، وحصل للعوام من تلك الحيات خوف عظيم.
ثم أوحى الله تعالى إلى موسى أن ألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة، حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً، وصارت تبتلع حبالهم وعصيهم واحداً بعد واحد حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا، فوقع الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألف، ثم أخذها موسى فصارت عصا.
فقالت السحرة: لو كان ما يصنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا، فلما نفدت علموا أن ذلك من أمر الله كما قال تعالى: ?فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ? [الأعراف: ١١٧] أي: تبتلع ما يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزدرونه.
?فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون? [الأعراف: ١١٨] .
سؤال: فإن قيل: تلك الحبال والعصي أين ذهبت؟
جوابه: يحتمل أن الله أعدمها، ويحتمل أن الله تعالى فرق بينها بين تلك الأجزاء وجعلها ذات غير محسوسة، وأذابها في الهواء، وعلى كلا الاحتمالين فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا الله .
وقال بعض العلماء: كان كبير السحرة رجلاً أعمى فقال لهم: أرى موسى يقدم علينا مع كثرتنا، وما ذاك بقوته وأخاف أن يكون الأمر سماوياً، فاحترموه وعظموه، فإن غلبناه فلا يضر بنا ذلك، وإن غلبنا فنكون قد قدمنا للصلح مقدمة فيكون شفيعاً لنا عند ربه، قالوا: وكيف نحترمه قال: نستأذنه ونقول له: إما أن نلقي وإما أن تكون أول من ألقى، فلما قالوا له ذلك وأحسنوا معه الأدب، كان سببا لسعادتهم، فضحك
стр. 758
موسى فقال له هارون: أتضحك مع كثرتهم، فقال: شممت منهم رائحة الإيمان، فلما قالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى سمع قائلاً يقول: ألقوا يا أولياء الله فعند ذلك أوجس في نفسه خيفته موسى، لأن أولياء الله لا يغلبهم أحد فلما غلبهم موسى سجدوا لربهم، وقالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهرون فرأوا في سجودهم منازلهم في الجنة، ثم إن السحرة لما تحققوا أن ما فعلته عصا موسى خارج عن السحر، وأنه أمر إلهي، فإنهم وصلوا إلى منتهى السحر، ورأوا معجزة موسى ليست من السحر بل من عند إله قادر قاهر، خروا سجداً لله تعالى كما قال تعالى: ?وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ? [الأعراف: ١٢٠، ١٢١، ١٢٢] .
وإنما قالوا: ?رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ? لأنهم لما سجدوا وقالوا: آمنا برب العالمين. قال لهم فرعون: إياي تعنون؟ فقالوا: رب موسى وهارون. ?قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ? [الأعراف: ١٢٣ - ١٢٦] .
قال الرازى: واختلفوا في أنه هل قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم أم لا؟
فنقل عن ابن عباس أنه فعل ذلك قال: وهو الأظهر.
ونقل عن آخرين: أنه لم يقع من فرعون ذلك بل استجاب الله لهم الدعاء في قولهم: ?وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ? [الأعراف: ١٢٦] لأنهم سألوه تعالى أن تكون وفاتهم من جهته لا لهذا القتل والقطع.
وقال الكلبى: إن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم، ومعنى القطع من خلاف أنه قطع من كل شق عضواً خلاف ما قطعة من الآخر، كاليد اليمنى والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى والرجل اليمنى، وهو أول من قطع من خلاف وصلب.
فهؤلاء السحرة خلقهم الله تعالى لجنته لا لخدمته، فإنهم عاشوا في الدنيا كفاراً ثم ختم لهم بالإيمان.
كانوا أول النهار يحلفون بعزة فرعون أنهم غالبون، ثم بعد ساعة يحلفون بالله تعالى
стр. 759
ويقولون: ?وَالَّذِي فَطَرَنَا? [طه: ٧٢] .
كانوا يطلبون الجزاء من فرعون ويقولون ?إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ? [الأعراف: ١١٣] ثم بعد ساعة يقولون: ?لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ? الدالة على صدق موسى ?وَالَّذِي فَطَرَنَا? أي: وحق الذي خلقنا ?فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا? [طه: ٧٢] أي: اصنع بنا ما قلته من القطع والصلب في هذه الدنيا فإنما تصنع شيئاً في الدنيا وستجازى عليه في الآخرة ?إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا? [طه: ٧٣] أي: الإشراك وغيره، ويغفر لنا ?وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? [طه: ٧٣] أي: خير منك ثواباً إذا أطيع، وأبقى منك عذابا إذا عصي.
واستدل العلماء بحمل أنس ﵁ والغلام الذي معه الإدواة التي فيها الماء والعنزة مع رسول الله ﷺ على أنه يستحب للإنسان خدمه الصالحين، وأهل الفضل، والتبرك بذلك، وتفقد حاجاتهم، خصوصاً المتعلق بالطهارة.
وعلى أنه يجوز للرجل الفاضل أن يستخدم بعض أتباعه الأحرار ويستعين بهم فيما يتعلق بالطهارة وغيرها، خصوصاً إذا علم منهم أنهم يرصدون بذلك ويتمنونه، وأنهم يحصل لهم الشرف بذلك.
وقد اختلف العلماء في مسألة مناسبة لهذا وهي: أنه هل يجوز للإنسان أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه؟
فقال الروياني من الشافعية: يجوز ذلك، وقيل: لا يجوز لأن ذلك هبة لمنافعه وذلك لا يجوز، كما لا يجوز إعارة ماله.
وحمل النووي قوله على خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان لا يقابل بها فالظاهر والذي يقتضيه أفعال السلف جوازه، إذا لم يضر بالصبي.
وقال بعض المتأخرين: إنما يتمتع إعارة الصبي ليمنع غيره ليخدم من يتعلم به منه إذا انتفت المصلحة، أما إذا وجدت كما لو قال لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا ليتمرن على التواضع ومكارم الأخلاق فلا مانع منه، قال ابن الملقن: وهذا حسن بالغ (انتهى) .
* * *
أي: مشيت خلفه، ويجوز «اتبعته» أي: لحقته.
قال في المحكم: «تبع واتبع وأتبع» بمعنى واحد.
قال في التنزيل: ?أَتْبَعَ سَبَباً? [الكهف: ٨٩] أي: تبع.
قوله: «فدنوت منه فقال: ابغني أحجاراً» أي: قال أبو هريرة فدنوت من النبي ﷺ أي: لأستأنس به وانظر حاجته.
وجاء في رواية: فدنوت منه استأنس وأتتنحنح فقال: «من هذا؟» فقلت: أبو هريرة، فقال: «ابغني أحجار استنفض بها» .
أفاد الكرمانى: أنه يجوز أن تكون همزة «أبغني» همزة وصل، والفعل ثلاثي مجرد، والمعنى: اطلب لي أحجار أستنفض بها أي: أستنظف بها أي: انظف نفسي بها من الحدث.
وأن تكون همزة قطع والفعل مزيد ومعناه: أعني على الطلب.
واعلم أن ها هنا فوائد نافعة متعلقة بالاستنجاء مستفاداً بعضها من هذا الحديث:
الأولى: اختلف العلماء رضى الله عنهم في الاستنجاء هل هو واجب أو مستحب؟
стр. 762
فذهب الإمام مالك والكوفيون إلى أنه سنة.
وذهب إمامنا الشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور العلماء إلى أنه واجب وشرط لصحة الصلاة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن النجاسة إن كانت أقل من الدرهم فالاستنجاء يكون سنة، وإن كانت مقدار الدرهم فالاستنجاء يكون واجباً، وإن كانت أكثر من قدر الدرهم فالاستنجاء يكون فريضة.
الثانية: الاستطابة والاستنجاء والاستجمار بمعنى إزالة الأذى أي: الخارج.
لكن الاستجمار لا يكون إلا بالأحجار مأخوذ من الجمار، وهي: الأحجار الصغار.
والاستنجاء والاستطابة يكونان بالماء والحجر، وسمى الاستنجاء بالاستطابة لطيب نفس المستنجي بخروج الخارج عنه.
و «الاستنجاء» مأخوذ من نجوت الشجرة إذا قطعتها، فقيل لهذا الفعل استنجاء لحصول قطع الذي عنه به، وقيل لغير ذلك.
الثالثة: يحوز الاستنجاء قبل الوضوء وبعده، وإذا استنجأ بعده لف على يده خرقة لئلا ينتقض وضوءه ونظف المحل وصلى، بخلاف التيمم، فإنه لابد من تقديم الاستنجاء عليه، ولا يصح قبله لأنه طهارة ضرورة، بل لا يصح التيمم وعلى البدن نجاسة في أي موضع كانت حتى يزيلها.
نعم لنا وضوء لا يصح تقديمه على الاستنجاء، وبعبارة أخرى وهي المناسبة لنا استنجاء لابد من تقديمه على الوضوء وصورته في وضوء دائم الحدث.
الرابعة: الاستنجاء واجب عند إرادة القيام إلى الصلاة لا على الفور، كما أفاد القاضي زكريا في شرح الروض تبعاً للأسنوى وغيره، وإنما يجب بخروج الخارج الملوث سواء كان معتاداً كالبول والغائط، أو نادراً كالدم والمذي والودي.
فلا يجب بخروج دود ونحوه، ولا بخروج بعر لا يلوث لعدم النجاسة، نعم يستحب الاستنجاء من ذلك خروجاً من خلاف من أوجبه.
ولا يجب من خروج ريح بالإجماع ولو كان المحل رطباً، بل لا يستحب بل هو مكروه بل بدعة يأثم فاعله كما قال النووي.
فائدة: يستثنى من الملوث المني فإنه لا يوجب الاستنجاء لعدم نجاسته، ولا يجب أيضاً من الاستيقاظ من النوم، فإذا نام الإنسان مستنجياً ثم استيقظ لا يجب عليه إعادة
стр. 763
الاستنجاء، وبعض العوام يعتقد وجوبه وهو خطأ.
الخامسة: يجزئ الاستنجاء بالماء وحده وبثلاثة أحجار وحدها.
أما إجزاءه بالماء فلأنه الأصل في إزالة النجاسة.
وأما إجزاءه بثلاثة أحجار وحدها فلأنه ﷺ فعله كما رواه البخاري في هذا الحديث، وأمر بفعله بقوله فيما رواه الشافعي وغيره: «ويستنج بثلاثة أحجار» (١) وعدها.
وفيما رواه أبو داود وغيره: «إذا ذهب أحدكم إلى لغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإن يجزئ عنه» (٢) .
فائدة: أفاد بعض العلماء أن النبي ﷺ لم يستنج بالماء إلا مرتين أو ثلاثة مرات، بل كان يستنجي غالباً بالأحجار.
فائدة أخرى: يجزئ الاستنجاء بماء زمزم ولكن مع الكراهة.
وكذا يجزئ الاستنجاء بحجارة الذهب والفضة والجوهر على الأصح.
وأما حجارة الحرم فإنه لا يجوز الاستنجاء بها لحرمتها، فإن استنجأ بها أساء وأجزأ.
وكذا المطبوع من الذهب والفضة قاله الماوردي والروياني.
قال العلماء: وإذا أراد استعمال الأحجار وحدها، فالواجب عليه أن يمسح ثلاث مسحات إما بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة أطراف، ولا يكفي أقل من ثلاث مسحات، ولو حصل الإنقاء بمسحة واحدة لخبر مسلم عن سلمان ﵁ «نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاث أحجار» (٣) وفي معناها ثلاثة أطراف لحجر.
قالوا: ولو مسح ذكره مرتين ثم خرجت منه قطرة وجب أن يأتي بثلاث، لبطلان
стр. 764
المسح الأول بخروج القطرة، فإن لم يحصل الإنقاء بثلاث وجب الزيادة عليها إلى أن يحصل الإنقاء، فإن نقي برابعة يسن له أن يزيد أخرى لتصير خمسة، فإن الإيتار (١) سنة وإن انقى بسادسة يستحب سابعة.
قال النبي: «من استجمر فليوتر» متفق عليه (٢) .
فائدة: إذا استعمل حجراً ثم غسله وجف جاز له استعماله ثانياً، ولو استعمل حجراً في المرة الثانية ولم يتلوث جاز استعماله أيضاً بلا كراهة، بخلاف ما إذا رمى حجراً في الجمار ثم أخذه ورمى به ثانياً وهكذا إلى السابع، فإنه وإن جاز لكن مع الكراهة، فإنه ورد: «أن ما تقبل من الحصيات رفع وما لا ترك» .
السادسة: قال العلماء: لا يتعين الحجر للاستنجاء بغير الماء، بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم كالخشب والخزف والحشيش لحصول الغرض به كالحجر.
سؤال: فإن قيل: الوارد في الحديث إنما هو ذكر الحجارة لا غيرها، فكيف يقوم غيرها مقامها؟
جوابة: أنه إنما جرى ذكر الحجارة في الأحاديث ونسب الحكم إليها كقوله: «فليستنج بثلاثة أحجار» كما تقدم لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجأ بها وجوداً وأقربها تناولاً، لأنها كانت تتناول بلا مشقة فيها ولا كلفة في تحصلها.
فقولهم في ضابط ما يقوم مقام الحجر: «كل جامد» احترزوا به عن المائع غير الماء الطهور كماء الورد ونحوه، فلو استنجأ بماء الورد مثلاً لم يكف وتعين استعمال الماء بعده ولا يكفي الحجر.
واحترزوا «بالجامد» أيضاً: عن الحجر المبلول، فإنه لا يصح الاستنجاء به، لأن البلل الذي عليه يتنجس بملاقاة النجاسة إياه، ويعود بعضه إلى المحل فيحصل عليه نجاسة أجنبية.
стр. 765
واحترزوا «بطاهر» عن النجس والمتنجس كالروث الجامد والحجر المتنجس ونحوهما فلا يكفي الاستنجاء بذلك.
واحترزوا «بقالع» عما لا يقلع النجاسة لملاسته كالقصب والزجاج، أو للزوجته أو لتناثر أجزائه كالفحم الرخو أو التراب المتناثر فلا يكفي الاستنجاء به، أما إذا كان الفحم والتراب صلبين فإنه يكفي الاستنجاء بها.
واحترزوا «بغير محترم» عن الجامد المحترم كأوراق كتب العلم، سواء كان شرعياً كالفقة والحديث أم لم يكن، كالنجوم والعروض فالاستنجاء بها حرام ولا يجزئه، بخلاف أوراق علم المنطق والفلسفة والإنجيل المبدل فإنها إذا لم يكن اسم الله تعالى فيها فهي غير محترمة فيجوز الاستنجاء بها ويجزئه.
ومن المحترم الذي لا يجوز الاستنجاء به ولا يجزئه مطعوم الآدمي كالخبز، ومطعوم الجن كالعظم.
وقد دل قوله ﷺ لأبي هريرة ﵁ في هذا الحديث الذي ساقه البخاري هنا: «أبغني أحجاراً ولا تأتني بعظم ولا روث» على أن الاستنجاء بالروث وبالعظم لا يجوز.
أما العظم فالحكمة في النهي عن الاستنجاء به أنه زاد إخواننا من الجن.
وأما الروث فقيل: نهى عنه إما لأنه نجس لا يزيل النجاسة بل يزيدها، وفي المثل: «ليت الفحل يهضم نفسه» ، وإما لأنه طعام دوآب الجن.
قال الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة: «إن الجن سألوه هدية منه ﷺ فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوآبهم» .
فإذًا لا يستنجى بهما، وإما لأنه طعام الجن أنفسهم فإن الجن يأكلون ويشربون ويتناكحون كما يفعل الإنسان.
وقال بعضهم: إن صنفاً منهم يأكلون ويشربون، وصنفاً لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قول ساقط.
وقال بعضهم: أكلهم وشربهم عبارة عن شم واستنشاق رائحة لا مضغ ولا بلع، وإلى هذا القول ذهب الغزالي، وهذا قول لا دليل عليه.
وأكثر العلماء على أن أكلهم وشربهم كالإنسان مضغ وبلع، وقد دلت الأخبار على ذلك منها قوله ﷺ في هذا الحديث لأبى هريرة: «ولا تأتني بعظم ولا روث» .
وجاء في رواية في هذا الصحيح أن أبا هريرة قال للنبى ﷺ : ما بال الروث والعظم؟ قال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن،
стр. 766
فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً» (١) .
وروى أبو عبد الله الحاكم في الدلائل أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ليلة ذهابه لجن نصيبين: «الجن أولئك جن نصيبين جاؤني فسألوني الزاد فمتعتهم بالعظم والروث» فقال: وما يغني منهم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان فيه يوم أكله» (٢) .
ونبه ﷺ بذكر العظم على أنه لا يجوز الاستنجاء بجميع المطعومات، ولا بجميع المحترمات قاله ابن الملقن.
نعم لنا شيء محترم ويجوز الاستنجاء به وهو ماء زمزم، فإنه محترم ولو استنجأ به أجزأ.
فائدة: لو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم ففي جواز الاستنجاء به وجهان:
أحدهما: يجوز لأن النار أحالته.
والثاني: لا يجوز.
وأصحهما: أنه لا يجوز لعموم النهي عن أرمة وهي العظم البالي، فإنه لا فرق في البلى بين أن يكون بالنار أو بمرور الزمان قاله ابن الملقن في شرح هذا الحديث، والقاضى زكريا في شرح الروض.
ثم قال القاضي: وإنما لم يجز إذا أحرق كالجلد إذا دبغ لأنه بالإحراق لم يخرج عن كونه مطعوماً بخلاف الجلد إذا دبغ.
فائدة أخرى: قال الأذرعي في «الوسيط» : يحرم أن يبول على ما يحرم الاستنجاء به كعظم المذكى ونحوه، وتبعه القاضي في شرح الروض.
السابعة: يشترط لإجزاء الاستنجاء بالحجر ونحوه شروط:
الأول: أن لا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء، لأنه إذا جف لا يزيله
стр. 767
الحجر.
الثاني: أنه لا ينتقل النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج واستقر فيه، فإن انتقل تعين الماء، وإن لم يجاوز صفحته وحشفته، كان المحل قد طرأ عليه نجاسة لا بسبب الخروج.
الثالث: أن لا يطرأ على المحل المتنجس بالخارج نجس أجنبي، فإن طرأ عليه نجس أجنبي، كما لو استنجى بنجس أو عاد على المحل شيء من رشاش بوله الخارج منه تعين الماء.
الرابع: أن لا ينقطع النجس الخارج، فإن انقطع بعد خروجه متصلاً تعين الماء في المتقطع، وإن كان في باطن الإليتين، والمتصل بالمخرج يكفي فيه الحجر.
الخامس: أن لا يجاوز الخارج النجس حشفته وصفحته، فإن جاوزهما متصلاً تعين الماء في المتقطع الداخل والخارج، فإن تقطع أي: صار بعضه باطن الإلية وبعضه خارجها تعين الماء في المتقطع، وكفى الحجر في غيره.
فائدة: لنا صورة جف فيها الخارج النجس ويكفي فيها الحجر، وهي ما إذا جف بوله الخارج ثم بال ثانياً، فوصل بوله إلى ما وصل إليه بوله الأول، فيكفي فيه الحجر، قاله القاضي والقفال، وكذا في الغائط إن كان مائعاً.
الثامنة: في مسائل شتى تستحب في الاستنجاء بين الماء والحجر:
المسألة الأولى: قال النووي وغيره: يستحب أن يجمع في الاستنجاء بين الماء والحجر بأن يقدم الحجر أولاً ثم الماء بعده، لأن الحجر يزيل العين والماء يزيل الأثر، فإن قدم الماء لم يستحب الحجر بعده، فإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه يزيل العين والأثر.
المسألة الثانية: قال النووي والحليمى: يستحب في الاستنجاء بالماء أن يبدأ بقبله قبل دبره، وفي الاستنجاء بالحجر أن يبدأ بدبره قبل قبله، والحكمة في تقديم الدبر بالحجر أن النجس الأغلظ أهم والبدأة بالأهم أولى، أو أنه قد ينزل منه بول فلا يحتاج إلى إعادة الاستنجاء منه إذا بدأ بالدبر.
لكن أطلق ابن الملقن في الروض القول باستحباب تقديم القبل.
قال المحب الطبرى: ويسن النظر إلى الحجر المستنجى به قبل رميه ليعلم هل قلع أم لا.
المسألة الثالثة: في كيفية الاستنجاء بالحجر في الدبر.
стр. 768
قال العلماء: المستحب والأفضل أن يضع الحجر أولاً على مقدم الصفحة اليمنى، على محل طاهر قرب النجاسة، ثم يمرره على المحل ويديره قليلاً حتى يرفع كل جزء منه جزءاً منها، إلى أن يصل إلى المبدأ، وأن يضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى مثل ما تقدم، وأن يمر الثالث على الصفحتين والمسربة.
وقيل: الأفضل أن يجعل واحد للصفحة اليمنى وآخر لليسرى والثالث للوسط.
وقيل: الأفضل واحد للوسط مقبلاً وآخر له مدبراً ويحلق بالثالث.
ولابد في كل قول أن يعم بكل مسحة جميع المحل ليصدق أنه مسح جميع المحل ثلاث مسحات.
المسألة الرابعة: يستحب أن يستنجي بيساره، سواء استنجى بالماء أو بالحجر أو بهما، لأنها الأليق بذلك، ولأنه ورد في خبر لأبي داود عن عائشة رضى الله عنها: «كانت اليد اليمنى لرسول الله ﷺ لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى» (١) .
وقد ورد النهي عن الاستنجاء باليمين.
وقال جمع: لا يجوز باليمين لصريح النهي وأولَّه النووي على أنه ليس مباحاً مستوى الطرفين بل مكروه.
ويستحب أن يحمل أحجار الاستنجاء بيساره، وإذا استنجى بالماء يغسل باليسرى ويصب باليمنى.
ويستحب إذا أراد مسح الذكر من البول على جدار أو حجر عظيم أو نحوهما أن يمسك ذكره بيساره، وأن يمسحه على ثلاثة مواضع قاله في الروضة.
وقال المتولى في كيفية المسح على الجدار أو نحوه: طريقته أن يقرب ذكره منه ويضعه عليها وضعاً من غير مسح، حتى تنتقل الرطوبة إليه، قال: لأن المسح ينشر البول على المحل، ثم يضع ذلك ثانياً ثم يمسح الذكر في الثالثة، قلت: فلا يخشى انتشارها.
قال الأذرعي: وهو حسن وإن لم يتعرض له الجمهور، لأنه لا كلفة فيه بخلاف الأول.
وإذا أراد أن يستنجي بحجر صغير فالسنة أن يجعله بين عقبيه أو بين إبهامي رجليه
стр. 769
أو يتحامل عليه إن أمكنه، ويكون الذكر في يساره ويمسح بها، فإن لم يتمكن من شيء من ذلك واضطر إلى إمساك الحجر بيده أمسكه باليمنى، وأخذ الذكر باليسرى وحرك اليسار وحدها فإن حرك اليمين أو حركهما جميعاً كره، لأنه يكون مستنجياً باليمنى.
وإنما لم يضع الحجر في يساره والذكر في يمينه لأن مس الذكر بها مكروه، ولخبر الصحيحين: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه» (١) .
ويستحب للمستنجي بماء أن يدلك يده بالأرض أو نحوها بعد الاستنجاء ثم يغسلها.
وأن ينضح بعده أيضاً فرجه وإزاره من داخله دفعاً للوسواس.
وأن يعتمد على غسل الدبر على أصبعه الوسطى من يسراه إن أمكن، ولا يتعرض للباطن لأنه منبع الوسواس، فإن استعمل الماء فغلب على ظنه زوال النجاسة كفى ذلك في إزالتها، ولا يضر شم ريحها من يده بعد ذلك، فإن ذلك لا يدل على بقائها على المحل وإن حكمنا على يده بالنجاسة وعلته: أن المحل قد خفف فيه في الاستنجاء بالحجر، فخفف فيه هنا.
وقول أبي هريرة: «اتبعت النبي ﷺ وخرج لحاجته فكان لا يلتفت» أي: من عادته ﷺ إذا مشى لا يلتفت، وهذا يدل على أمنه ﷺ وعدم خوفه من أحد من خلق الله، لأن الله تعالى عصمه وكفاه شر من أراده بسوء، وقد نطق بذلك القرآن الكريم والحديث.
قال الله تعالى: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا? [الطور: ٤٨] .
وقال: ?أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ? [الزمو: ٣٦] أي: بكاف محمداً أعداءه المشركين.
وقال: ?إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ? [الحجر: ٩٥] .
وقال: ?وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ? [المائدة: ٦٧] .
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية:
стр. 770
فقيل: إنه ﷺ كان لا ينام إلا بحرس، حتى نزلت هذه الآية، فأخرج ﷺ رأسه من القبة فقال لهم: «أيها الناس انصرفوا عني فقد عصمنى ربي » (١) .
وقيل: سبب نزولها ما روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابى أي: بعد ما نام تحت الشجرة فاخترط سيفه قال: من يمنعك مني؟ فقال: «الله» فارتعدت يد الأعرابى، وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سأل دماغه فنزلت هذه الآية (٢) .
وهذا الأعرابي اسمه: «غورث بن الحارث» كما ورد في ذلك الصحيح، وعفا عنه رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس.
وقيل: كان رسول الله ﷺ يخاف قريشاً فلما نزلت هذه الآية استلقى ثم قال: «من شاء فليخذلني» (٣) .
وروي أنه ﷺ في غزوة غطفان نزل تحت شجرة فأتاه رجل اسمه: «دعثور بن الحارث» فاخترط سيفه فقال: من يمنعك مني؟ فقال: «الله» ، فسقط السيف من يده، فأسلم فلما رجع إلى قومه وكان سيدهم وأشجعهم فقالوا: أين ما كنت تقول إن أمكنني وقد أمكنك، فقال: إني نظرت إلى رجلٍ أبيضٍ دفع في صدري، فوقعت لظهري وسقط السيف، فعرفت أنه ملك فأسلمت، ونزل في ذلك كما قيل: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ? [المائدة: ١١] (٤) .
ومما يدل على عصمته وحفظه من أعداءه ما ذكره عبد بن حميد قال: كانت حمالة الحطب وهي زوجة أبي لهب تضع «الغضاة» وهي جمر النار على طريق رسول الله ﷺ فكان يطاؤها ولا يصيبه شيء.
وذكر ابن اسحاق عنها أنها لما بلغها ?تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ? [المسد: ١]
стр. 771
وذكرها بما ذكره الله مع زوجها من الذم، أتت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من الحجارة فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر، وأخذ الله ببصرها عن نبيه ﷺ فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر فاه (١) .
فمن عصمه من الأعرابى والسيف في يده، ومن ضرر جمر النار، ومن الفهر الذي في يد حمالة الحطب إلا الله، فلهذا كان لا يلتفت في مشيه ﷺ .
ومما ورد في عصمته ما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن أبا جهل أتاه بصخرة وهو ساجد وقريش ينظرون لطرحها، فلزقت بيده ويبست يداه في عنقه، وأقبل يرجع بهذا الفهر إلى خلفه، ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه.
وكان قد تواعد مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدمغنه، فسألوه عن شأنه فقالوا له لأي شيء رجعت القهقرى بعد أن حلفت أنك إن رأيته لتدمعنه، فذكر أنه عرض له دونه فحل ما رأيت مثله قط همَّ بي أن يأكلني.
فقال النبي ﷺ : «ذلك جبريل لو دنا لأخذه» (٢) .
وقريب من هذا ما ذكره أهل التفسير عن أبي هريرة: أن أبا جهل وعد قريشاً لئن رأى محمد يصلي ليطأن رقبته فلما صلى النبي ﷺ أعلموه فأقبل، فلما قرب منه ولي هارباً ناكصاً على عقبيه متقياً بيده، فسئل فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوءٍ من نار كدت أهوي فيه، وأبصرت هولاً عظيماً وخفق أجنحة قد ملأت الأرض، فقال ﷺ : «تلك الملائكة لو دنا لاختطفته عضواً عضواً» (٣) .
ثم أنزل الله تعالى على النبي ﷺ بسبب ذلك: ?كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى? إلى آخر السورة [العلق ٦ - ١٩] .
стр. 772
ومن عصمته أيضاً ما ذكره السمرقندى: أن رجلاً من بني المغيرة أتى النبي ﷺ ليقتله فطمس الله على بصره فلم ير النبي ﷺ وسمع قوله فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه.
وفي هذا أنزل الله تعالى: ?إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ? [يس: ٨، ٩] .
ومن عصمته هداية الله تعالى من أراد قتله للإسلام ما روي: أن رجلاً يعرف بشبيبة بن عثمان أدرك النبي ﷺ يوم حنين، وكان حمزة قد قتل أباه وعمه، فقصد النبي ﷺ فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفه ليصيبه علَيْه، قال: فلما دنوت منه ارتفع إلي شواظ من نار أسرع من البرق، فوليت هارباً، وأحس بي النبي ﷺ فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلي، فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي، وقال لي: «ادن فقاتل» فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، وأقيه بنفسي ولو لاقيت أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه (١) .
فانظر كيف عصمه الله من هذا وهداه بسببه للإسلام، وصار أحب الخلق إليه.
ونظير هذا ما ورد عن فضالة بن عمرو قال: أردت قتل النبي ﷺ عام الفتح، وهو يطوف بالبيت فلما دنوت منه قال: يا فضالة قلت: نعم، قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شيء، فضحك واستغفر لي ووضع يده على صدري، فسكن قلبي، فوالله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه (٢) .
فائدة: دانيال عصمه الله أيضاً من أعداءه من الآدميين والسباع وغيرهم وكان دانيال في أيام بخت نضر، وكان الله أعطاه النبوة والحكمة واتفق له غرائب في حال صغره وحال كبره.
فمما اتفق له في حال الصغر ما روى ابن أبي الدنيا: أن الملك الذي كان دينال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا وكذا غلام
стр. 773
يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه فنجاه الله تعالى بذلك.
فانظر ما أعظم هذه العصمة.
ومما وقع له في الكبر ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال طرح في جب وألقيت عليه السباع تلحسه ويتبصبصن إليه فأتاه رسول فناداه فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول ربك إليك أرسلني بطعام فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره (١) .
والذي ألقاه في الجب وألقى عليه السباع بخت نصر.
فقد روى ابن أبي الدنيا أن بخت نصر أمسك أسدين وألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فمكث ما شاء الله له، ثم إنه اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام أن يذهب إلى دانيال بطعام وهو بأرض العراق، فذهب إليه حتى وقف على الجب، وقال: دانيال، دانيال. فقال: من هذا؟ قال: أرميا، قال: ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً وغفراناً، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاءنا حين تنقطع الحيل عنا.
ثم أخرجه بخت نصر من الجب بسبب رؤيا رآها عجز الناس عن تفسيرها، ففسرها دانيال فأعجبه وأكرمه ونقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك.
وقبره بنهر السوس ووجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم قَبَرَه في نهر السوس، وأجرى عليه الماء فأخذ خاتمه ولبسه في يده قاله الدميرى.
فائدة: روى عن ابن السني في عمل اليوم والليلة من حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل: أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد» .
قال الدميرى: لما ابتلى دانيال أولاً وآخراً بالسباع، جعل الله الاستعاذة به في ذلك تمنع الذي لا يستطاع.
* * *
قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ»
قال العلماء: «حمران» اسم أبيه «أبان» وهو مدني قرشي، سباه خالد بن الوليد من عين التمر، فوجده غلاماًَ كيساً، فوجهه إلى عثمان فأعتقه، وكان كاتب سيدنا عثمان وحاجبه، ولِي نيسابور من الحجاج، وغرمه الحجاج بسبب هذه الولاية مائة ألف، ثم ردها عليه بشفاعة عبد الملك، وهو تابعي وكذا الاثنان قبله.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه اشتمل على ثلاثة تابعين يروي بعضهم عن بعض، وكانت وفاة حمران خمس وسبعين.
«أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁» هذا هو ثالث الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين أبو عبد الله بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس ين عبد مناف الأموي القرشي، أسلم في أول الإسلام على يد الصديق، روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، أخرج البخاري منها إحدى عشر.
استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وفي خلافته صارت الأموال والأرزاق في أيدي الناس كثيرة، وربحت الناس ربحاً كثيراً، حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم، وكل ذلك بحسن قصده لرعيته ولنفسه، ولم يزل