← Сира

Сира · id 9824

الرسول القائد

محمود شيت خطاب

Полный текст (477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ل- من بني عمرو بن مالك بن النجار: ٤٢- أوس بن ثابت بن المنذر (أخو حسان بن ثابت) . م- من بني عدي بن النجار: ٤٣- أنس بن النّضر بن ضمضم (عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ . ن- من بني مازن بن النجار: ٤٤- قيس بن مخلد. ٤٥- كيسان (عبد لهم) . س- من بني دينار بن النجار: ٤٦- سليم بن الحارث. ٤٧- نعمان بن عبد عمرو. ع- من بني الحارث بن الخزرج: ٤٨- خارجة بن زيد بن أبي زهير. ٤٩- أوس بن أرقم بن زيد. ٥٠- سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير. ف- من بني الأبجر وهم بنو خدرة: ٥١- مالك بن سنان (والد أبي سعيد الخدري) . ٥٢- سعيد بن سويد بن قيس. ٥٣- عتبة بن ربيع بن رافع. ص- من بني ساعدة بن كعب بن الخزرج: ٥٤- ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد. ٥٥- ثقف بن فروة بن البدن.

стр. 177

ق- من بني طريف رهط سعد بن عبادة: ٥٦- عبد الله بن عمرو بن وهب. ٥٧- ضمرة (حليف لهم من جهينة) . ر- من بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم ثم من بني مالك بن العجلان: ٥٨- نوفل بن عبد الله. ٥٩- عباس بن عبادة بن نضلة. ٦٠- نعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر. ٦١- المجذرّ بن زياد البلوي (حليف لهم) . ٦٢- عبادة بن الحسحاس. ش- من بني سلمة ثم من بني حرام: ٦٣- عبد الله بن عمرو بن حرام (والد جابر بن عبد الله) . ٦٤- عمرو بن الجموح. ٦٥- خلّاد بن عمرو بن الجموح. ٦٦- أبو أيمن (مولى عمر بن الجموح) . ت- من بني سواد بن غنم: ٦٧- سليم بن عمرو بن حديدة. ٦٨- عنترة (مولى سليم بن عمرو) . ٦٩- سهل بن قيس بن أبي كعب. ث- من بني زريق بن عامر: ٧٠- ذكوان بن عبد قيس. ٧١- عبيد بن المعلّى بن لوذان من بني حبيب.

стр. 178

إعادة النظام (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . (القرآن الكريم)

стр. 179

التطهير بعد أحد الموقف العام ١- المسلمون: كان لا بدّ للمسلمين من أن يقوموا بالتطهير العام في المدينة المنورة وخارجها، حتى يستعيدوا سمعتهم المتميزة بين العرب. لقد استطاعوا أن يجعلوا من المدينة المنورة (قاعدة أمينة) للإسلام قبل غزوة (أحد) ، ولكنّ هذه الغزوة سبّبت لهم مشاكل داخلية وخارجية: مشاكل داخلية من يهود الذين هم أشد عداوة للذين آمنوا في السراء والضراء، وإن كانت السراء تضطرهم إلى إخفاء نيّاتهم، بينما يعلنون هذه النيات صريحة في الضراء. وداخلية أيضا من المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، فانكشفت طوايا نفوسهم قبيل معركة (أحد) وبعدها عندما رأوا الخطر محدقا بالمسلمين! ومشاكل خارجية من قريش بالدرجة الأولى، إذ أخذت تشنّ حربا دعائية ضد المسلمين، لتظهر نتائج غزوة (أحد) بمظهر يرفع من قيمتها ويحطّ من قيمة المسلمين. وخارجية أيضا من القبائل المجاورة، أولئك الأعراب الذين يستخذون للأقوياء، فيظهرون بمظهر المسالم الوادع، ويبطشون بالضعفاء بطشا لا هوادة فيه ولا رحمة. لقد كان على المسلمين أن يعيدوا الكرّة للقيام بالتطهير العام، حتى يعيدوا النظام إلى صفوفهم، وحتى يستعيدوا السيطرة الكاملة على المدينة المنورة وما حولها من القبائل، وحتى يعيدوا هيبتهم على المشركين من قريش والقبائل الأخرى الموالية لها.

стр. 180

٢- المشركون: فرحت قريش فرحا شديدا بنتائج (أحد) على الرغم من أن نتائجها البعيدة لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارا (تعبويا) ، بينما كانت نتائجها إخفاقا (سوقيّا) عليهم، أي أنّ انتصارهم كان ظاهريا فقط بينما كانت حقيقته إخفاقا لهم. ولكنهم لم يقدّروا حقيقة هذه النتيجة، فراحوا يتباهون بنصرهم، ويعلنونه للعرب في كل مكان. وكما لم تقدّر قريش نتيجة (أحد) حق قدرها، فان القبائل البدوية المجاورة للمدينة لم تقدر نتيجة (أحد) حق قدرها أيضا، فطمعوا في المسلمين وظنوا أنهم أصبحوا في متناول أيديهم غنيمة باردة. ٣- يهود: صن يهود أن المسلمين أصبحوا ضعفاء بعد (أحد) ، فلا بدّ من انتهاز الفرصة لأخذ ثارات إخوانهم بني قينقاع وثأر كعب بن الأشرف ... وأخذوا يبثّون الفزع ويخلقون المشاكل للمسلمين. أهداف الطرفين ١- المسلمون: الكفاح ضد تدخل يهود والمشركين في حرية نشر عقيدتهم، والدفاع عن أنفسهم وأموالهم ضد المعتدين. ٢- المشركون ويهود: القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم.

стр. 181

سير الحوادث راجع الملحق (و) ١- سرية أبي سلمة: أ- قوّات الطرفين: أولا- المسلمون: دورية قتال بقوة مائة وخمسين راكبا وراجلا من المهاجرين والأنصار بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي. ثانيا- المشركون: قبيلة بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد. ب- الهدف: منع بني أسد من الهجوم على المسلمين في المدينة المنورة. ج- الحوادث: بلغ النبي ﷺ بعد شهرين من غزوة (أحد) ، أنّ طليحة وسلمة ابني خويلد يحرضان قومهما بني أسد بن خزيمة لغزو المدينة المنورة لنهب أموال المسلمين فيها. قرر النبي ﷺ إرسال دورية قتال بقوة مائة وخمسين مسلما من المهاجرين والأنصار بين راكب وراجل، فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص بقيادة سلمة بن عبد الأسد للقضاء على بني أسد قبل قيامهم بغزو المدينة، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروقة حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم، فيباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه.

стр. 182

وسار أبو سلمة حتى وصل الى ديار بني أسد في (قطن) «١» دون أن يعرفوا عن حركته إليهم شيئا فأحاط بهم فجرا فلم يستطع المشركون الثبات وولوا الأدبار. وبعث أبو سلمة مفرزتين من قواته لمطاردتهم، فرجعتا بالغنائم. وعاد أبو سلمة بقوته إلى المدينة المنورة بعد أن أنجز مهمته. ٢- دورية عبد الله بن أنيس: أ- قوّات الطرفين: أولا- المسلمون: دورية استطلاعية بقوة مسلم واحد هو عبد الله بن أنيس. ثانيا- المشركون: بنو لحيان من هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي. ب- الهدف: منع الأعراب من غزو المسلمين في المدينة المنورة قبل إنجاز تجمعهم وقيامهم بالغزو. ج- الحوادث: علم النبي ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد قوة كبيرة من الأعراب ب (عرنة) «٢» لغزو المدينة المنورة، حتى ينال شيئا من غنائمها وخيراتها، فبعث عبد الله بن أنيس ليستطلع له خبر خالد ويتأكد من صحة المعلومات التي سمعها الرسول ﷺ عن نياته العدوانية.

стр. 183

سار عبد الله فصادف خالدا بعيدا عن قومه ومعه بعض النساء، فسأله خالد: (من الرجل) ؟ فأجابه: (أنا رجل من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد، فجاءك لذلك! ..) . لم يخف خالد نياته، ولما رآه عبد الله في عزلة عن الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة، استدرجه للمسير معه، وعندما سنحت له الفرصة حمل عليه بالسيف، فقتله ... وعاد عبد الله الى المدينة المنورة بعد أن تفرّقت جموع الأعراب التي حشدها خالد في (عرنة) لغزو المسلمين، لأنها فقدت قائدها فماتت نياته العدوانية معه. ٣- غزوة بني النضير «١» : أ- قوات الطرفين: أولا- المسلمون: مسلمو المدينة المنورة بقيادة النبي ﷺ . ثانيا- يهود: بنو النضير الذين كانت منازلهم بناحية (الغرس) «٢» وما والاها في ضواحي المدينة المنورة. ب- الهدف: التخلص من بني النضير لتآمرهم على اغتيال النبي ﷺ .

стр. 184

ج- سير الحوادث: ذهب النبي ﷺ الى منازل بني النضير في ضواحي المدينة المنورة، ليستعين بهم في دية قتيلين معاهدين للمسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ دون أن يعلم بعهدهما «١» . فلما فاوضهم النبي ﷺ ، أظهروا الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم مع عشرة من أصحابه بينهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃. وفي أثناء تبسّط بعضهم معه في الحديث، رأى أن بعضهم يأتمرون به، فيذهب أحدهم الى ناحية، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب بن الأشرف، ثم يدخل أحدهم وهو عمرو بن جحاش البيت الذي كان النبي ﷺ مستندا إلى جداره. حينذاك رابه أمرهم وزاده ريبة ما كان يبلغه سابقا من حديثهم عنه وائتمارهم به، فترك موضعه بالقرب من الجدار، وقفل راجعا إلى المدينة وحده. ولما استبطأه أصحابه، قاموا للتفتيش عنه، فرأوا رجلا مقبلا من المدينة المنورة، فأخبرهم أن النبي ﷺ هناك، فأسرعوا يلحقون به. فلما ذكر ما رابه من أمر يهود ومن اعتزامهم الغدر به، تنبّهوا الى حركات يهود التي تدل على مؤامرتهم للقضاء على حياة النبي ﷺ . وقد عرف- بعد- أن عمرو بن جحاش هو الذي أراد قتل النبي ﷺ بإلقاء حجر الرحى عليه من عليه من فوق سطح الجدار الذي كان النبي ﷺ تحته. واستدعى النبي ﷺ محمد بن مسلمة ﵁ وقال له: (اذهب الى

стр. 185

يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي! لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه) ... لم يجد يهود مناصا من الخروج، فأخذوا يتجهّزون للرحيل، إلا أن منافقي المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ أرسلوا إليهم: (أن اثبتوا ونحن ننصركم على محمد وصحبه) ... عند ذاك عادت لليهود ثقتهم بأنفسهم، واستقرّ رأيهم على القتال، وبعثوا للنبي ﷺ من يقول له: (لن نخرج، فافعل ما بدا لك) ! ... ثم احتموا بحصونهم ونقلوا الحجارة الى شوارعهم وأقاموا منها متاريس وخنادق للاحتماء وراءها في القتال، وكدّسوا أرزاقا تكفيهم لمدة سنة في حالة حصارهم؛ وكان الماء متيسرا لديهم باستمرار. تحرّك المسلمون بقيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام الى ديار بني النضير، فحاصروهم عشرين ليلة، كانوا أثناءها يحتلون شارعا بعد شارع ودارا بعد دار نتيجة لقتال الشوارع والمدن. ولما رأى الرسول ﷺ إصرار يهود على القتال مستفيدين من حصونهم القوية، أمر أصحابه أن يقطعوا نخل يهود وأن يحرقوه «١» ، حتى لا تبقى يهود حريصة على القتال طمعا في المحافظة على أموالها.

стр. 186

وجزع يهود وانتظروا عبثا إسراع عبد الله بن أبيّ أو القبائل الأخرى المعادية للمسلمين لنجدتهم، فسألوا محمدا ﷺ أن يؤمّنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم، حتى يخرجوا من المدينة المنورة. وافق الرسول ﷺ على مصالحتهم بشرط أن يخرجوا من المدينة، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب ليس لهم غيره؛ فخرج بعضهم إلى (خيبر) «١» وبعضهم الى ضواحي الشام، وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من سلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا، وغلالا عظيمة، كما أصبحت أرضهم للمسلمين. ٤- غزوات ذات الرقاع «٢» : أ- قوات الطرفين: أولا- المسلمون: أربعمائة راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ . ثانيا- المشركون: بنو ثعلبة وبنو محارب من غطفان.

стр. 187

ب- الهدف: القضاء على بني ثعلبة وبني محارب المحتشدين لغزو المدينة المنورة أولا، ولأخذ ثأر شهداء المسلمين في بئر معونة «١» ثانيا. ج- الحوادث: إتّصل بالنبي ﷺ أن جماعة من غطفان بنجد يحتشدون لغزو المدينة المنورة، لذلك خرج بأربعمائة راكب وراجل حتى نزل (نخلا) «٢» حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان. وعلى الرغم من ضخامة عدد هؤلاء الأعراب، إلا أن مباغتة النبي ﷺ لهم أربكتهم، فتفرقوا تاركين وراءهم نساءهم وأموالهم.

стр. 188

احتمل المسلمون ما استطاعوا من غنائم، وعادوا بها أدراجهم الى المدينة المنورة؛ ولكنهم كانوا في طريق عودتهم حذرين من قيام المشركين بهجوم مضاد عليهم، فتناوبوا الحراسة ليلا وبقوا حذرين نهارا، ولكنّ المشركين لم يقوموا بعمل ما! وعاد الرسول ﷺ بصحابته الى المدينة المنورة بعد غياب خمسة عشر يوما. ٥- غزوة بدر الآخرة: أ- قوات الطرفين: أولا- المسلمون: ألف راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ . ثانيا- المشركون: أكثر من ألفي رجل من قريش بقيادة أبي سفان بن حرب. ب- الهدف: كسر معنويات قريش والتغلّب عليها لإظهار قوة المسلمين للمشركين ويهود. ج- الحوادث: خرج الرسول ﷺ بعد أن مضى عام كامل على يوم (أحد) مع أصحابه الى موضع (بدر) ليلاقي قريشا هناك، كما وعد أبا سفيان بن حرب بعد غزوة (أحد) ، حين سمعه يقول: (يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر) . كان العام عام جدب، وكان أبو سفيان بن حرب يودّ لو يؤجل لقاء المسلمين الى عام آخر، فبعث رجلا الى المدينة يقول للمسلمين: (إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعد ما تمّ ب (أحد) الى جانبه شيئا) . لكن الرسول ﷺ لم يكترث بهذا الوعيد وأصرّ على الخروج.

стр. 189

وصل المسلمون (بدرا) وانتظروا قريشا هناك، ولكنّ المشركين الذين خرج بهم أبو سفيان من مكة تردّدوا بين الإقدام والإحجام، فآثروا السلامة وعادوا أدراجهم الى مكة بعد أن قطعوا مسيرة مرحلتين منها. وعاد المسلمون الى المدينة بعد أن طال انتظارهم للمشركين ثمانية أيام ب (بدر) ، وقد محت غزوة بدر الآخرة كل أثر سيء لمعركة (أحد) داخل المدينة المنورة وخارجها على حد سواء. ٦- غزوة دومة الجندل «١» : أ- قوات الطرفين: أولا- المسلمون: ألف راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ . ثانيا- المشركون: القبائل البدوية التي تقطن منطقة (دومة الجندل) . ب- الهدف: منع القبائل القاطنة منطقة (دومة الجندل) من قطع الطرق ونهب القوافل والقضاء على حشودها لمهاجمة المدينة المنورة. ج- الحوادث: خرج النبي ﷺ بألف من المسلمين، يكمن بهم نهارا ويسير ليلا، حتى يباغت قبائل (دومة الجندل) في وقت لا يتوقعونه.

стр. 190

تقع دومة الجندل على الحدود بين الحجاز والشام، وقد قطع المسلمون المسافة بين المدينة وبينها بخمس عشرة مرحلة، فلما وصلها الرسول ﷺ فرّت القبائل المحتشدة فيها خوفا من لقاء المسلمين، كما فرّ أهل (دومة الجندل) فلم يجد المسلمون أحدا منهم، فأرسلوا دوريات قتال واستطلاع للحصول على (التّماس) «١» بالمشركين وللحصول على المعلومات عنهم، حتى يقوم المسلمون بمطاردتهم، ولكن ذهبت جهود هذه الدوريات أدراج الرياح، لأن القبائل وأهل (دومة الجندل) فروا بعيدا واختفوا عن الأنظار. وعاد المسلمون الى المدينة المنورة بعد أن أقاموا في (دومة الجندل) بضعة أيام. ٧- غزوة بني المصطلق: أ- قوات الطرفين: أولا- المسلمون: قواتهم تقدّر بألف مسلم بين راكب وراجل معهم ثلاثون فرسا بقيادة النبي ﷺ . ثانيا- المشركون: بنو المصطلق من خزاعة، وهم من حلفاء بني مدلج بقيادة الحارث بن أبي ضرار الخزاعي. ب- الهدف: القضاء على حشود بني المصطلق قبل تعرضهم بالمدينة المنورة.

стр. 191

ج- الحوادث: بلغ النبي ﷺ أن بني المصطلق وهم فرع من خزاعة يحشدون جموعهم في منطقة (المريسيع) «١» قرب مكة للهجوم على المدينة وقتل النبي ﷺ ، لذلك أسرع النبي ﷺ بالخروج ليأخذهم على غرّة. جعل لواء المهاجرين لأبي بكر الصديق ﵁، ولواء الأنصار لسعد ابن عبادة ﵁، ونزل المسلمون على ماء قريب من بني (المصطلق) يقال له: (المريسيع) ، ثم أحاطوا ببني (المصطلق) ، ففرّ من جاء لنصرتهم من القبائل الموالية لهم وقتل من بني المصطلق عشرة ومن المسلمين رجل واحد ... ثم استسلم بنو المصطلق، فأخذوا أسرى. وكان لعمر بن الخطاب ﵁ في الجيش أجير يقود فرسه، فازدحم بعد انتهاء المعركة مع أحد رجال الخزرج على الماء، فاقتتلا ... فصاح الخزرجي: يا معشر الأنصار! ... ونادى أجير عمر: يا معشر المهاجرين! وسمع عبد الله بن أبي النداء، وكان قد خرج على رأس المنافقين مع المسلمين في هذه الغزوة متظاهرا بالإسلام، فانتهزها فرصة ليشعلها فتنة عمياء بين المهاجرين والأنصار. ولما علم النبي ﷺ بالحادث، قرّر الرحيل فورا قبل أن يستفحل الأمر. وانطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مسّت جنوبهم الأرض أن ناموا من فرط تعبهم.

стр. 192

وأنسى التعب المسلمين فتنة ابن أبي، وعادوا الى المدينة المنورة ومعهم الأسرى «١» والغنائم. وظن المسلمون أن النبي ﷺ سيعاقب عبد الله بن أبي، الذي قال يومها: (لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، فجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي يطلب من النبي ﷺ أن يتولى هو قتل أبيه! ... ولكنّ النبي ﷺ عفا عنه قائلا لولده المؤمن الصادق الأمين: (إنا لا نقتله، بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) . لقد غاب رسول الله ﷺ في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال شهر رمضان المبارك. دروس من غزوات التطهير ١- المسير الليلي: تحرك الرسول ﷺ ليلا «٢» في أكثر هذه الغزوات، حتى يحول دون انكشاف نياته واتجاه حركة قواته، فيأمن بذلك مباغتة أعدائه مباغتة تامة بالمكان والزمان. لقد كانت القبائل التي غزاها النبي ﷺ قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء.

стр. 193

ولكنّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النبي ﷺ بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويلقي الرعب في نفوسها ونفوس القبائل الأخرى التي سمعت بانتصار المسلمين. إن الضربة الأولى، لها أثر حاسم على نفسية الأعراب، فإذا أمكن التغلب عليهم في المعركة الأولى تشتت شملهم، وإلا فما أصعب القضاء عليهم! ... لقد عرف الرسول ﷺ نفسية القبائل هذه، فحاول القضاء على معنوياتها بضربة مباغتة بالمسير الليلي الذي أدى الى تطبيق مبدأ: المباغتة، أهم مبادىء الحرب على الاطلاق. ٢- الهجوم فجرا: استطاعت سرية أبي سلمة القيام بهجوم فجري على بني (أسد) ، فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار. إن الهجوم فجرأ يؤمّن المباغتة، لأن العدو يكون بين نائم لا يفيد في القتال أو مستيقظ غير متهيىء له، وهؤلاء جميعا غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب. ولكنّ الهجوم فجرا يحتاج الى قوة مدرّبة تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك الى خسائر في الأرواح دون مبرر، مما يدل على تدريب المسلمين تدريبا متميزا على فنون القتال. كما يحتاج الهجوم فجرا الى قيادة مسيطرة والى ضبط شديد لتنفيذ الأوامر. إن نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم الى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهم عناصر الجيش القوي الرصين.

стр. 194

٣- قتال المدن والشوارع: نقل بنو (النضير) الحجارة الى الشوارع، وجعلوا منها متاريس للقتال وراءها، كما دافعوا عن الشوارع والدور دفاعا مستميتا. وقام المسلمون بتطهير الشوارع والدور والانتقال من شارع الى آخر ومن دار الى أخرى، حتى ضيّقوا الحصار على يهود، وأجبروهم على الاستسلام. إن قتال المدن والشوارع سهل على المدافع، لأنه يعرف الطرقات ومداخل البيوت ومخارجها، كما أن الشوارع والدور تقدم حماية للمدافعين، لذلك فإن مهمة قتال المدن والشوارع ليست سهلة على المهاجم وتحتاج الى قيادة مسيطرة وضبط متين وتدريب جيد. إن نجاح المسلمين في قتال المدن والشوارع ضد يهود، يدل بوضوح على أن مستوى قيادتهم وضبطهم وتدريبهم كان رفيعا جدا. ٤- الابداع «١» : الإبداع هنا، معناه: سرعة الخاطر في إعطاء القرار الجازم الصحيح في المواقف الحرجة، مع تحمّل مسؤولية ذلك القرار مهما تكن النتائج. وقد كان عمل عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان الهذلي الذي حشد بني لحيان لمهاجمة المدينة إبداعا متميزا أدى الى تشتيت قبيلته، وبذلك قام

стр. 195

عبد الله بن أنيس وحده مقام قوة كبيرة كان عليها أن تتحرك لمهاجمة بني لحيان، فتبذل جهودا ووقتا ومالا في معركة غير معروفة النتائج. وكان عمل النبي ﷺ في تحريكه قواته بعد غزوة بني (المصطلق) عندما علم بمحاولة عبد الله بن أبي إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، واستمرار المسير الشاق لمدة ثلاثين ساعة ... كان عمل الرسول ﷺ هذا إبداعا متميزا، إذ لولا مسارعته الى الحركة بقواته حتى أنهكها التعب لما استبعدنا بتاتا نجاح عبد الله بن أبي في فتنته. إن مزية الإبداع من أعظم مزايا القائد القدير. ٥- المعنويات: حاول المشركون والمنافقون أن ينالوا بدعاياتهم الضارة من معنويات المسلمين بعد أن عجزوا عن أن ينالوا منهم في ساحات القتال. لقد حاول المشركون أن يؤثروا في معنويات المسلمين، كي لا يطمئنوا الى إرسال دعاتهم خارج المدينة المنورة، وبذلك يجعلون الدعوة تنحصر في محيط ضيّق لا يتسع لآمالها القريبة والبعيدة. غدر بنو عضل والقارة بمعاونة هذيل بستة من الدعاة في (الرجيع) «١» ، وكان بنو عضل والقارة هم الذين طلبوا من الرسول ﷺ إرسال قسم من

стр. 196

دعاته إليهم ليعلموهم الإسلام «١» . وغدر عامر بن الطفيل من بني عامر مع قسم من الأعراب بأربعين داعيا من دعاة الإسلام في (بئر معونة) بنجد وقضى عليهم إلا رجلا واحدا عاد الى المدينة المنورة يحمل أخبار الشهداء. فهل أثرت هذه الخسائر في معنويات المسلمين وفي ما هم عليه من صبر وإيمان؟

стр. 197

إن استشهاد الدّعاة لم يؤثر في معنويات المسلمين، لأنهم استمرّوا على إرسال دعاتهم وخرجوا لأخذ ثارات هؤلاء الدعاة، حتى لا يعود المشركون الى الغدر بالمسلمين مرة أخرى. وحاول المنافقون التأثير في معنويات المسلمين بأسلوب آخر، هو أسلوب اختلاق الأخبار الكاذبة، فاختلقوا حديث الإفك بعد غزوة بني المصطلق. ولم يؤثر هذا الأسلوب أيضا في معنويات المسلمين؛ فلم يبق أمام المشركين ويهود والمنافقين إلا أن يحشدوا كل قواتهم في صعيد واحد لمحاولة القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، كما سنرى ذلك في غزوة الخندق.

стр. 198

هازم الاحزاب (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً) . (القرآن الكريم)

стр. 199

غزوة الخندق الموقف العام ١- المسلمون: نجح المسلمون في إعادة النظام الى صفوفهم بعد (أحد) ، وتخلصوا من يهود بني النضير، وبذلك قوي مركزهم في المدينة قاعدتهم الأمينة، كما أثّروا على معنويات قريش كل القبائل التي كانت تطمع في مهاجمة المدينة. لقد استعادوا في هذه الفترة سمعتهم، وأصبح سلطانهم مهيبا في المدينة المنورة وخارجها على حد سواء. ٢- المشركون ويهود: لم تستطع قريش لقاء المسلمين في (بدر) الصغرى، لأنها قدّرت أن قوة المسلمين أكبر من أن تستطيع القضاء عليها وحدها. كما لم تستطع القبائل أن تهاجم المدينة تنفيذا لمطامعها، إذ هاجمها المسلمون على انفراد في عقر دارها وتغلبوا عليها بالتعاقب. وكان يهود أضعف من أن يفكروا في التعرض وحدهم بالمسلمين، ولكنهم كانوا يترقبون الفرص. وكان لا بدّ من تجمّع قوى قريش والقبائل الاخرى ويهود في صعيد واحد للقضاء على المسلمين، إذ أصبح المسلمون بدرجة من القوة يصعب معها القضاء عليهم بدون تحشد أعداؤهم كل قواهم المادية والمعنوية كافة؛ وفعلا قام الموتورون من يهود بني النضير بمهمة تجميع قوات المشركين ويهود حول المدينة، ونجحوا في

стр. 200

حشد أكبر قوة معادية للمسلمين متفوقة عليهم فواقا ساحقا للقضاء على الدين الجديد ... قوات الطرفين ١- المسلمون: ثلاثة آلاف رجل بقيادة النبي ﷺ . ٢- المشركون: عشرة آلاف عدا قوات يهود من بني قريظة، منهم أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من بني سليم وأسد وفزارة وأشجع وغطفان. كانت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب بن أمية. وكانت غطفان بقيادة عيينة بن حصن والحارث بن عوف. وكانت أشجع بقيادة مسعود بن رخيلة وهم أربعمائة. وكانت سليم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية. وكانت بنو أسد بقيادة طلحة بن خويلد الأسدي. أهداف الطرفين ١- المسلمون: الدفاع عن الإسلام. ٢- المشركون واليهود: القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم وذراريهم.

стр. 201

التوقيت كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة الهجرية واستمر حصار المدينة المنورة حوالي شهرا واحدا. قبل المعركة ١- المسلمون: أ- قرر المسلمون البقاء في المدينة المنورة وحفروا (خندقا) عميقا يحيط بشمال المدينة ويقع بين حرّة المدينة وجبل (سلع) «١» ، لأن هذه المنطقة هي المنطقة الوحيدة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة؛ إذ أن جهات المدينة الأخرى محاطة بالبساتين الكثيفة والعوارض الطبيعية الأخرى، وذلك يحول دون إمكان إجراء القتال بقوات كبيرة في أطراف المدينة عدا الشمالية منها، حيث إنها مكشوفة كما أسلفنا؛ لذلك أشار سلمان الفارسي «٢» بحفر (الخندق) في هذه المنطقة، ولم يكن حفر الخنادق للأغراض الدفاعية معروفا عند العرب من قبل. وقسّم النبي ﷺ منطقة حفر الخندق على أصحابه: لكل عشرة منهم

стр. 202

أربعون ذراعا، واشتغل هو بالحفر أيضا، كأي فرد منهم، بل كان المسلمون يستعينون به عندما يصادفون بعض المصاعب والعقبات أثناء الحفر، كظهور الصخور، فيحضر بنفسه لتفتيتها. وكان العمل يستمر طيلة النهار، ثم يأوى المسلمون ليلا الى دورهم ليأخذوا قسطا من الراحة، وقد سيطر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بنفسه على العمل، فلا يعود مسلم من عمله في الحفر إلا بموافقته شخصيا. ب- عسكر المسلمون الى سفح (سلع) وجعلوا (سلعا) خلف ظهرهم. ج- جمع الرسول ﷺ النساء والأطفال في بيوت قوية البنيان في منطقة أمينة داخل المدينة للإفادة من مناعتها في حمايتهم، وهجروا البيوت الواهنة التي لا تساعد على الحماية والدفاع. د- بعد إنجاز حفر (الخندق) ، احتلّ المسلمون مواضعهم خلف (الخندق) واستفادوا من مناعة جبل (سلع) لحماية ظهورهم وجناحهم الأيسر من التفات الأحزاب من ذلك الاتجاه لقطع خط رجعتهم الى المدينة المنورة وضربهم من الخلف وتطويقهم. ٢- المشركون ويهود: أ- قصد نفر من يهود قريشا في مكة منهم سلّام بن أبي الحقيق وحييّ بن أخطب، فدعوهم الى حرب النبي ﷺ ، ووعدوهم أنهم سيكونون معهم في قتال المسلمين. فلما وافقت قريش على قتال المسلمين، قصد يهود غطفان وغيرها من القبائل ودعوهم ألى حرب النبي ﷺ أيضا، وأخبروهم أن قريشا معهم على ذلك، فوافقت غطفان والقبائل الأخرى. ب- لما وصلت قريش وغطفان والقبائل الأخرى الى ضواحي المدينة

стр. 203

المنورة، استطاع حييّ بن أخطب التأثير على يهود بني قريظة، فنكثوا عهدهم مع المسلمين وانضموا الى الأحزاب. ج- كانت مواضع قتال الأحزاب في ضواحي المدينة كما يلي: (راجع المخطط) . أولا- قريش في موضع (مجمع الأسيال) من دومة بين الجرف وزغابة. ثانيا- غطفان وقبائل نجد في موضع (ذنب نقمى) الى جانب (أحد) . ثالثا- بنو قريظة في حصونهم في ضواحي المدينة المنورة. سير القتال ١- تحرّج موقف المسلمين كثيرا، خاصة بعد انضمام بني قريظة للأحزاب، فقد كان بإمكان هؤلاء يهود التسلل الى داخل المدينة والتعرض بالنساء والأطفال، خاصة وأنهم يعرفون تفاصيل مسالك المدينة لأنهم من أهلها، مما يؤثّر في معنويات المسلمين الذين يقاتلون في ساحة المعركة، لأنهم أصبحوا غير مطمئنين على مصير عوائلهم وذراريهم وأموالهم. كما كان بامكان يهود القيام بحركة جريئة لقطع خط رجعة المسلمين الى داخل المدينة، وبذلك يفسحون المجال للأحزاب لاقتحام (الخندق) دون مقاومة تذكر ... لذلك كان وقع نكث بني قريظة لعهدهم شديدا على نفوس المسلمين. ٢- بعث يهود رجلا منهم الى داخل المدينة، فاستطاع التسلل الى الدور التي تجمّع فيها النساء والأطفال، ولكنّ هذا اليهودي لم يعد الى قومه ليخبرهم عن مواضع النساء والأطفال، وعن درجة مناعتها وحمايتها، لأن امرأة

стр. 204

مسلمة «١» رأته يحوم حول تلك الدور ليستطلع ما فيها ومن فيها ودرجة قوتها ومقدار حماتها من المسلمين، فاستطاعت قتله مستفيدة من عمود خشبي. إنّ هذا اليهودي كان دورية استطلاع للحصول على المعلومات عن مواضع النساء والأطفال، حتى يمهد بما يحصل عليه من معلومات لقيام يهود بهجوم مباغت عليهم بعد التأكد من عدم تيسر الحماية الكافية لهم، ليضطر المسلمون الى الانسحاب من مواضعهم الأصلية لنجدة أهليهم وإنقاذ أموالهم. إنّ قتل هذا اليهودي أنفذ المسلمين من خطر داهم، إذ جعل يهود يفكرون أن في داخل المدينة حرّاسا أشداء من المسلمين، وليس من السهل التغلب على هذه الحراسة الشديدة، لذلك قبع يهود في حصونهم لا يفكرون في الخروج «٢» . ٢- تحرّكت مفرزة من فرسان قريش فيهم عمرو بن عبدودّ وعكرمة ابن أبي جهل، ومرّوا ببني كنانة واستثاروا حميتهم للقتال، فلما وصلت هذه المفرزة الى الخندق استطلعوا منطقة ضيقة فيه، وعبروها بخيولهم، فخرج علي ابن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين للقائهم، واتجهوا فورا الى الثغرة التي عبر المشركون منها لقطع خط رجعة المشركين أولا ولمنع الأمدادات من الأحزاب إليهم ثانيا؛ ثم نازل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدودّ فقتله، كما قتل المسلمون رجلين من المشركين، وعادت بقية فرسان قريش هاربة الى قواعدها. ٣- قامت مفرزة من المشركين بالهجوم على المسلمين باتجاه دار النبي ﷺ ، فقاتلهم المسلمون النهار كله حتى الليل، فلما حانت صلاة العصر تحرّج موقف

стр. 205

المسلمين لاقتراب المشركين من منزل النبي ﷺ ، حتى لم يستطع المسلمون أن يصلوا، ولكنهم استطاعوا مع الليل صدّ مفرزة المشركين خائبة على أعقابها. ٤- حاول الرسول ﷺ أن يرد قسما من الأحزاب عن المدينة لقاء ثلث الثمار، وكاد أن يصل في مفاوضاته مع قادة غطفان الى هذا الاتفاق، ولكن سادات الأوس والخزرج اقترحوا ألا يعطوا المشركين شيئا من ثمارهم، فوافق الرسول ﷺ على اقتراحهم هذا. ٥- أثّر بقاء الأعراب مدة طويلة حول المدينة في معنوياتهم خاصة وأن الموسم كان شتاء، وأن الأعراب لا يطيقون الصبر طويلا على الحصار المديد ولا على قتال لمدة طويلة بصورة عامة، لذلك أخذوا يبدون تذمرهم من بقائهم مدة طويلة دون جدوى. ٦- جاء نعيم بن مسعود الغطفاني الى النبي ﷺ وأخبره أنه أسلم ولا يعلم قومه بإسلامه، فقال له النبي ﷺ : (إنما أنت رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فان الحرب خدعة) «١» . خرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: (عرفتم ودي إياكم، وقد ظاهرتم قريشا وغطفان على حرب محمد، وليسوا كأنتم: البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون أن تتحوّلوا منه،

стр. 206

وإنّ قريشا وغطفان إن رأوا نهزة «١» وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم حتى تناجزوا محمدا) . قالت بنو قريظة (أشرت بالنصح ولست عندنا بمنّهم) . ثم خرج نعيم الى قريش، فقال لهم: (بلغني أن قريظة ندموا، وقد أرسلوا الى محمد: هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأجابهم: أن نعم. فإن طلبت قريظة منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا لهم رجلا واحدا) ... وجاء نعيم غطفان فقال لهم: (أنتم أهلي وعشيرتي) ، وقال لهم مثل ما قال لقريش ... وحذّرهم!!. أرسل أبو سفيان وسادة غطفان الى قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان في ليلة سبت، وطلبوا منهم الاستعداد للهجوم نهار السبت، ولكنّ قريظة اعتذروا بأنهم لا يقاتلون يوم السبت، ثم طلبت قريظة رهائن من قريش وغطفان قبل أن تشرع بأي هجوم! قالت قريش وغطفان: لقد صدق نعيم!! ولما رفض طلب قريظة بإعطائها رهائن من قريش وغطفان قالت: لقد صدق نعيم! وتفرّقت قلوب الأحزاب وزالت الثقة بينهم. ٧- أرسل الرسول ﷺ حذيفة بن اليمان ليلا ليستطلع أخبار الأحزاب،

стр. 207

فرأى قريشا تشدّ رحالها متجهة الى مكة، فلما علمت غطفان بارتحال قريش دون علمها، عادت أدراجها مع القبائل الأخرى الى مواطنها. وحينذاك علم الرسول ﷺ ببصيرته النافذة أن المشركين فقدوا فرصتهم الثمينة، وأن مثل هذه الفرصة لن تعود إليهم مرة أخرى. وإذا لم يستطع المشركون بعد تجمّعهم الضخم هذا أن يقضوا على المسلمين، فكيف يستطيعون القضاء عليهم بعد تفرّقهم؟ خسائر الطرفين ١- المسلمون: ستة شهداء «١» . ٢- المشركون: ثلاثة قتلى. أسباب فشل الأحزاب ١- قيادة غير موحدة: لم تكن للأحزاب قيادة موحّدة تستطيع السيطرة على جميع القوات المتجمعة وتوجيهها للعمل الحاسم في الوقت الحاسم. كان لكل قبيلة قائد بل عدّة قواد، ولم يستطع هؤلاء القادة تنظيم خطة موحدة للهجوم على المسلمين.

стр. 208

وقد كان من المستحيل اتفاقهم على قائد منهم ليسيطر على الجميع، لأن هذا القائد سينال شرفا عظيما يتميّز به على الآخرين، ولا يمكن للآخرين أن يرضوا بهذا الامتياز. لقد كانت النعرة الجاهلية لا الهدف المشترك هي التي تسيطر على القيادة، ولا يمكن أن تنجح مثل هذه القيادة في أي موقف بأي معركة حتى ولو كانت لها كل الظروف المؤاتية لها كما كانت الظروف في غزوة الخندق بالنسبة للأحزاب ويهود. ٢- المباغتة بالخندق: لقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب لاجتياز الخندق والتغلب على المدافعين عنه. لذلك بقي القتال (مستكّنا) «١» طول مدة الحصار، عدا محاولات قليلة قام بها المشركون لمحاولة اجتياز الخندق باءت كلها بالفشل الذريع. ٣- الطقس: كان موسم القتال شتاء، وكان الأعراب في العراء يعيشون في غير مواطنهم التي يستفيدون فيها من موادهم المتيسرة للتدفئة وللإعاشة وللسكنى ... لذلك لم يستطيعوا البقاء لحصار المدينة مدة طويلة.

стр. 209

٤- انعدام الثقة: كانت الثقة بين الأحزاب أنفسهم من جهة وبينهم وبين يهود من جهة أخرى واهنة جدا، بل لم تكن هناك ثقة بينهم على الإطلاق. قريش تريد القضاء على المسلمين بالإفادة من جهود القبائل الأخرى ويهود. والقبائل الأخرى تريد الأسلاب بالدرجة الأولى من أي مصدر كان، ولو وقعت أموال أحلافهم بني قريظة بيدهم لأخذوها أيضا. ويهود لا يثقون في الجميع ويريدون القضاء على المسلمين بدماء قريش والقبائل الأخرى. وهكذا انعدمت الثقة بينهم لتفرق الأهداف والمقاصد والمصالح والرغبات. ٥- الصبر على الحصار: يحتاج الصبر على الحصار المديد الى قوات مدربة لها أهداف معلومة وقيادة مسيطرة. أما القبائل فلا صبر لها على الحصار المديد، لأنها اعتادت التنقل بين فترة وأخرى، كما أنها لا تطيق صبرا على فراق وطنها وأهلها مدة طويلة. لذلك تذمّر الأعراب من طول مدّة الحصار- على قصرها- وآثروا الارتحال على البقاء. دروس من غزوة الخندق ١- القيادة: عالجنا أسلوب القيادة المرتبك عند الأحزاب ويهود، مما كان له أسوأ الأثر في نتيجة معركتهم. وبقدر ما كانت قيادة الأحزاب واهنة، كانت قيادة المسلمين قوية حازمة رشيدة.

стр. 210

قرّر الرسول ﷺ البقاء في المدينة المنورة، وأمر بحفر الخندق، وانتخب منطقة الحفر في السهول الكائنة شمال المدينة، ووزّع أعمال الحفر بالتساوي بين أصحابه، وسيطر على العمل، فلا يستطيع أحد ترك واجبه إلا بأمر منه، حتى أنجز أعمال حفر الخندق قبل وصول المشركين الى المدينة المنورة. واشتغل هو بنفسه بالحفر كبقية أصحابه تماما، بل استأثر دونهم بالأماكن الصلبة في منطقة حفر الخندق التي لم يستطع أصحابه التغلّب عليها، كفلق الصخور القاسية!! ثم قسّم واجبات احتلال الموضع بين أصحابه، بحيث لا يغفل أحد عن شبر من الخندق ليلا ونهارا، على الرغم من برودة الطقس؛ وقد كان هو بنفسه لا يترك مقرّه إلا ليقوم بتفتيش الحرّاس والمواضع الدفاعية وليحرض المؤمنين على القتال ويرفع من معنوياتهم. وأمّن حرسا قويا للذراري الذين تركهم في دور المدينة. وأهم من ذلك كله سيطرته على أصحابه عندما تأزّم الموقف حين وصلت الأحزاب الى ضواحي المدينة بقوات متفوقة على المسلمين، وحين نكثت قريظة عهدها، فأصبح الخطر يهدّد المسلمين من داخل المدينة وخارجها. ٢- تعبئة جديدة: استفاد المسلمون من حفر الخندق للدفاع عن المدينة المنورة، وهذا الأسلوب الجديد من أساليب القتال يدخل في أساليب العرب الحربية لأول مرة في التاريخ. إنّ القائد العبقري هو الذي يستخدم أسلوبا جديدا أو سلاحا جديدا في القتال، والخندق هو الأسلوب الجديد الثاني الذي استخدمه الرسول ﷺ في القتال، بعد أن استخدم أسلوب الصفوف في معركة (بدر) كما رأينا.

стр. 211

لقد أخذ الرسول ﷺ بفكرة حفر الخندق من سلمان الفارسي، لذلك قال فيه كلمته الخالدة: (سلمان منّا أهل البيت) ، ليشجّع على التفكير المفيد ويشيد بالعاملين للمصلحة العامة ويقطع دابر العصبيّات. ٣- الحرب خدعة: رأينا أثر الإشاعات التي بثّها نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب، ولا يمكن نجاح الأحزاب أو غيرهم إلا بجمع الكلمة، فلما تفرّقت كلمتهم، كان نصيبهم الإخفاق. إن الحرب الحديثة تعتمد على بثّ الإشاعات المثيرة لتصديع الصفوف وبلبلة الافكار، وقسم بث الإشاعات من أهم أقسام شعب الاستخبارات في تشكيلات الجيوش، وهي أسلوب من أشد أساليب الحرب النفسية فتكا. وبقدر ما كانت الإشاعة تعمل عملها في صفوف الأحزاب، فإن الإشاعة لم يكن لها أي أثر في صفوف المسلمين. حاول المنافقون أن يبثّوا سموم إشاعاتهم لتحطيم معنويات المسلمين، ولكنّ محاولتهم فشلت. وعندما أرسل الرسول ﷺ أصحابه لمعرفة موقف بني قريظة، وعاد هؤلاء إليه بعد أن تأكدوا من صحة إشاعة نكث بني قريظة بعهودها، حرصوا على أن يخبروا الرسول ﷺ بهذا الخبر باسلوب من الكلام لا يفهمه غير الرسول ﷺ نفسه، فقد أخبروه بالرمز دون الافصاح حتى لا يؤثر هذا الخبر في معنويات المسلمين. لقد عرف المسلمون أثر الإشاعة في المعنويات قبل أربعة عشر قرنا.

стр. 212

٤- المبادأة «١» : غزوة (الخندق) هي المعركة الحاسمة الثانية بعد معركة (بدر) الكبرى، فلو نجح المشركون ويهود في هذه المعركة لتغيرت وجهة التاريخ الاسلامي. لقد استطاع يهود أن يجمعوا الأحزاب حول المدينة المنورة، وعاونهم يهود بني قريظة بعد وصولهم الى المدينة، للقضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، وهذا التجمع فرصة لا تعود أبدا خاصة إذا أخفقت هذه الأحزاب. إن معنى إخفاق الأحزاب ويهود بعد هذا التجمع الهائل، أنهم لن يجتمعوا مرة أخرى، وأنهم لا يستطيعون القضاء على المسلمين بعد ذلك منفردين بعد أن عجزوا عن القضاء عليهم مجتمعين، ولهذه النتيجة أثر حاسم في انتشار الاسلام فيما بعد. لقد انتقل المسلمون من دور الدفاع «٢» الى دور الهجوم «٣» في اليوم الذي انتهت به غزوة الخندق، لذلك قال الرسول ﷺ لأصحابه بعد انسحاب الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) . وانتقلت المبادأة الى يد المسلمين بعد هذه الغزوة، ولم يتركوها حتى شمل الإسلام شبه الجزيرة العربية كلها، وارتفعت راية الاسلام شرقا وغربا فوق كل راية: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) «٤»

стр. 213

القصاص العادل (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) . (القرآن الكريم)

стр. 214

محاسبة الغادرين الموقف العام ١- المسلمون: إستطاع المسلمون الثبات أمام الأحزاب ويهود في ظروف قاسية جدا ضد قوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا، فثبتوا تجاه الخطر الداهم الذي هدّدهم من خارج المدينة ومن داخلها. وهذا الصمود والثبات جعل معنويات المسلمين في وضع متميز لم يسبق له مثيل من قبل. لقد تخلّصوا من الأحزاب، وبقي أمامهم بنو (قريظة) جيرانهم في المدينة الذين لم يرعوا للجار حقا ولم يحافظوا على العهد، وخانوا المسلمين في أخطر أوقات محنتهم، فلا بدّ من تصفية الحساب معهم. ٢- المشركون: انسحب الأحزاب وقريش الى ديارهم يحملون معهم كلّ معاني الإخفاق، فلم تستطع قريش القضاء على المسلمين، ولم تستطع القبائل الأخرى نهب أموال المسلمين، ولم يعودوا بأية فائدة يمكن أن تخفف عنهم ما بذلوه من جهد في السفر والحصار أيام الشتاء، ومن مال صرفوه لتزويد قواتهم بالمواد الادارية والأرزاق قبل المعركة وأثناءها وبعدها. لقد أثّر ذلك في معنويات المشركين ويهود، وجعلهم يخافون المسلمين كل الخوف، ويخشونهم كل الخشية.

стр. 215

٣- يهود: بقي يهود من بني قريظة وحدهم أمام المسلمين بعد انسحاب الأحزاب، وبقيت معهم غدرتهم الشنيعة التي فضحت طواياهم، فأصبحوا كالمجرم الذي ثبتت إدانته فهو يرقب القصاص العادل. لقد كانت معنوياتهم منحطة للغاية، إذ كانوا يتوقّعون هجوم المسلمين عليهم ويعرفون نتيجة هذا الهجوم. الهدف الحيوي محاسبة الغادرين من يهود على غدرهم بالمسلمين في أشد أوقاتهم حرجا، ومحاسبة القبائل التي غدرت بدعاة المسلمين. غزوة بني قريظة ١- أسباب الغزوة: نكث بني قريظة لعهدهم مع المسلمين عند تجمع الأحزاب حول المدينة المنورة. ٢- قوات الطرفين: أ- المسلمون: ثلاثة آلاف بقيادة الرسول ﷺ معهم ستة وثلاثون فارسا. ب- بنو قريظة: ستمائة مقاتل الى سبعمائة مقاتل بقيادة كعب بن أسد يعاونه حييّ بن أخطب رأس يهود الذين حشدوا الأحزاب وجمعوها حول المدينة المنورة.
следующие страницы →