لقد أخذ الرسول ﷺ بفكرة حفر الخندق من سلمان الفارسي، لذلك قال فيه كلمته الخالدة: (سلمان منّا أهل البيت) ، ليشجّع على التفكير المفيد ويشيد بالعاملين للمصلحة العامة ويقطع دابر العصبيّات.
٣- الحرب خدعة:
رأينا أثر الإشاعات التي بثّها نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب، ولا يمكن نجاح الأحزاب أو غيرهم إلا بجمع الكلمة، فلما تفرّقت كلمتهم، كان نصيبهم الإخفاق.
إن الحرب الحديثة تعتمد على بثّ الإشاعات المثيرة لتصديع الصفوف وبلبلة الافكار، وقسم بث الإشاعات من أهم أقسام شعب الاستخبارات في تشكيلات الجيوش، وهي أسلوب من أشد أساليب الحرب النفسية فتكا.
وبقدر ما كانت الإشاعة تعمل عملها في صفوف الأحزاب، فإن الإشاعة لم يكن لها أي أثر في صفوف المسلمين.
حاول المنافقون أن يبثّوا سموم إشاعاتهم لتحطيم معنويات المسلمين، ولكنّ محاولتهم فشلت.
وعندما أرسل الرسول ﷺ أصحابه لمعرفة موقف بني قريظة، وعاد هؤلاء إليه بعد أن تأكدوا من صحة إشاعة نكث بني قريظة بعهودها، حرصوا على أن يخبروا الرسول ﷺ بهذا الخبر باسلوب من الكلام لا يفهمه غير الرسول ﷺ نفسه، فقد أخبروه بالرمز دون الافصاح حتى لا يؤثر هذا الخبر في معنويات المسلمين.
لقد عرف المسلمون أثر الإشاعة في المعنويات قبل أربعة عشر قرنا.
стр. 212
٤- المبادأة «١» :
غزوة (الخندق) هي المعركة الحاسمة الثانية بعد معركة (بدر) الكبرى، فلو نجح المشركون ويهود في هذه المعركة لتغيرت وجهة التاريخ الاسلامي.
لقد استطاع يهود أن يجمعوا الأحزاب حول المدينة المنورة، وعاونهم يهود بني قريظة بعد وصولهم الى المدينة، للقضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، وهذا التجمع فرصة لا تعود أبدا خاصة إذا أخفقت هذه الأحزاب.
إن معنى إخفاق الأحزاب ويهود بعد هذا التجمع الهائل، أنهم لن يجتمعوا مرة أخرى، وأنهم لا يستطيعون القضاء على المسلمين بعد ذلك منفردين بعد أن عجزوا عن القضاء عليهم مجتمعين، ولهذه النتيجة أثر حاسم في انتشار الاسلام فيما بعد.
لقد انتقل المسلمون من دور الدفاع «٢» الى دور الهجوم «٣» في اليوم الذي انتهت به غزوة الخندق، لذلك قال الرسول ﷺ لأصحابه بعد انسحاب الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) .
وانتقلت المبادأة الى يد المسلمين بعد هذه الغزوة، ولم يتركوها حتى شمل الإسلام شبه الجزيرة العربية كلها، وارتفعت راية الاسلام شرقا وغربا فوق كل راية: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) «٤»
محاسبة الغادرين
الموقف العام
١- المسلمون:
إستطاع المسلمون الثبات أمام الأحزاب ويهود في ظروف قاسية جدا ضد قوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا، فثبتوا تجاه الخطر الداهم الذي هدّدهم من خارج المدينة ومن داخلها.
وهذا الصمود والثبات جعل معنويات المسلمين في وضع متميز لم يسبق له مثيل من قبل.
لقد تخلّصوا من الأحزاب، وبقي أمامهم بنو (قريظة) جيرانهم في المدينة الذين لم يرعوا للجار حقا ولم يحافظوا على العهد، وخانوا المسلمين في أخطر أوقات محنتهم، فلا بدّ من تصفية الحساب معهم.
٢- المشركون:
انسحب الأحزاب وقريش الى ديارهم يحملون معهم كلّ معاني الإخفاق، فلم تستطع قريش القضاء على المسلمين، ولم تستطع القبائل الأخرى نهب أموال المسلمين، ولم يعودوا بأية فائدة يمكن أن تخفف عنهم ما بذلوه من جهد في السفر والحصار أيام الشتاء، ومن مال صرفوه لتزويد قواتهم بالمواد الادارية والأرزاق قبل المعركة وأثناءها وبعدها.
لقد أثّر ذلك في معنويات المشركين ويهود، وجعلهم يخافون المسلمين كل الخوف، ويخشونهم كل الخشية.
стр. 215
٣- يهود:
بقي يهود من بني قريظة وحدهم أمام المسلمين بعد انسحاب الأحزاب، وبقيت معهم غدرتهم الشنيعة التي فضحت طواياهم، فأصبحوا كالمجرم الذي ثبتت إدانته فهو يرقب القصاص العادل.
لقد كانت معنوياتهم منحطة للغاية، إذ كانوا يتوقّعون هجوم المسلمين عليهم ويعرفون نتيجة هذا الهجوم.
الهدف الحيوي
محاسبة الغادرين من يهود على غدرهم بالمسلمين في أشد أوقاتهم حرجا، ومحاسبة القبائل التي غدرت بدعاة المسلمين.
غزوة بني قريظة
١- أسباب الغزوة:
نكث بني قريظة لعهدهم مع المسلمين عند تجمع الأحزاب حول المدينة المنورة.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ثلاثة آلاف بقيادة الرسول ﷺ معهم ستة وثلاثون فارسا.
ب- بنو قريظة:
ستمائة مقاتل الى سبعمائة مقاتل بقيادة كعب بن أسد يعاونه حييّ بن أخطب رأس يهود الذين حشدوا الأحزاب وجمعوها حول المدينة المنورة.
стр. 216
٣- الهدف:
القضاء على بني قريظة لنكثها عهودها التي قطعها على نفسها مع المسلمين، مما جعل المسلمين مهددين بالإبادة والفناء.
٤- الحوادث:
عاد الرسول ﷺ الى المدينة المنورة صباح الليلة التي انسحب الاحزاب فيها الى ديارهم، وأمر أصحابه ظهر ذلك اليوم بالحركة الى بني (قريظة) والإسراع بالإطباق على حصونهم بحيث لا يصلي المسلمون صلاة العصر إلا منطقة (قريظة) .
وعلى الرغم من تعب المسلمين الشديد لبقائهم مدة طويلة محاصرين، وعلى الرغم من برودة الطقس، فقد أسرع المسلمون لتنفيذ أمر الرسول ﷺ ، وأنجزوا تجمعهم حول حصون بني قريظة قبل أن يحل الظلام من ذلك اليوم!
واستمرّ الحصار خمسا وعشرين ليلة لم يقع خلالها إلا بعض المناوشات الطفيفة بالنبل والحجارة، كان من أثرها استشهاد أحد المسلمين مصابا برحى رمته بها امرأة يهودية من فوق سطح منزلها «١» .
لم يجرؤ بنو (قريظة) على الخروج من حصونهم طيلة مدة الحصار، وكانوا مترددين لا يستقر رأيهم على شيء من شدّة الخوف.
طلب منهم قائدهم أن يعتنقوا الاسلام، فرفضوا وطلب منهم الخروج للقتال، فرفضوا أيضا، وبقوا في حصونهم لا يفعلون شيئا.
وأخيرا أرسل يهود يعرضون الخروج الى (أذرعات) «٢» تاركين وراءهم ما يملكونه؛ فأبى الرسول ﷺ إلا أن يستسلموا بدون قيد أو شرط.
стр. 217
وعاد يهود يطلبون الاستسلام على أن يحكم سعد بن معاذ في مصيرهم، وقد اختاروه لأنه سيد الأوس حلفائهم في الجاهلية، لعلّ الرسول ﷺ يقبل من حلفاء الأوس ما قبل من يهود بني قينقاع حلفاء الخزرج.
ورضي الرسول ﷺ بنزولهم على حكم سعد، وقبل سعد أن يقوم بالتحكيم بين المسلمين من جهة ويهود من جهة أخرى بعد أن أخذ المواثيق على الطرفين أن يرضى كلاهما بقضائه، فلما أعطوه المواثيق، أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح، ففعلوا ...
وكان حكم سعد فيهم: (أن يقتل المقاتلون، وتقسّم الأموال وتسبى الذراري والنساء) ، لأن سعدا ذكر أن الأحزاب لو انتصروا بخيانة بني قريظة على المسلمين، لكان مصير المسلمين الإبادة، فجزاهم سعد بمثل ما عرّضوا المسلمين له.
لم تكن حرب بني قريظة حرب ميدان، إنما كانت حرب أعصاب، فلم يستطع يهود أن يتحمّلوا الحصار على الرغم من توفّر المواد الغذائية لديهم وتوفر المياه والآبار ومناعة حصونهم وصعوبة اقتحامها، فآثروا الاستسلام على مكابدة الحصار.
والحق أن الموقف العسكري كان الى جانب يهود لتلك الأسباب كلها، ولشدة تعب المسلمين، ولبرودة الطقس، ولكنّ معنوياتهم انهارت، فلم يقاوموا طويلا كما كان المتوقع منهم.
وقتل مقاتلو بني قريظة جميعا ومعهم حييّ بن أخطب الذي تزعّم حركة تجميع الأحزاب ضد المسلمين، إلا ثلاثة رجال من يهود أسلموا «١» ، ولم يقتل من
стр. 218
الأطفال والنساء أحد عدا المرأة التي قتلت الشهيد المسلم برحاها، فقتلت بجرمها هذا.
سرية عبد الله بن عتيك
١- الهدف:
قتل أبي رافع سلّام بن أبي الحقيق اليهودي الذي حرّض الأحزاب مع حييّ بن أخطب، ثم فر الى يهود (خيبر) ليتخلّص من القصاص العادل.
٢- الحوادث:
بعد القضاء على بني قريظة، خرج من المدينة المنورة خمسة من الخزرج «١» الى خيبر، للقضاء على أبي رافع بن أبي الحقيق وإلقاء الرعب في قلوب يهود خيبر، حتى لا يعيدوا الدور الذي قام به يهود الآخرون، وقد كانت هذه المفرزة بقيادة عبد الله بن عتيك.
وصل المسلمون الى (خيبر) ليلا، فأمر عبد الله بن عتيك أصحابه بالبقاء.
قريبا من الحصن حتى يستطلع لهم موضع ابن أبي الحقيق، فلما وصل الى حصنه استطاع دخوله وكمن في اسطبل الحيوانات.
وعندما آوى ابن أبي الحقيق الى فراشه وهدأت الأصوات والحركة، خرج عبد الله وأخذ مفاتيح الحصن من موضعها الذي كانت فيه، ثم قصد غرفة ابن أبي الحقيق، فناداه ليعرف مكانه من صوته، لأن الظلام كان مخيما على الغرفة التي
стр. 219
كان بها ابن أبي الحقيق، ثم هجم بالسيف عليه حتى قضى عليه، وانسحب الى أصحابه بعد أن سقط من الدرج وانكسرت رجله «١» .
وعاد المسلمون الى المدينة وقد أزالوا عن طريق الدعوة عدوا لدودا.
وتسامع الناس بعاقبة من يؤلب الناس على المسلمين، مما زاد هيبة المسلمين في النفوس وجعلهم يسيطرون سيطرة تامة على المدينة، فلم يبق فيها أي صوت يهود أو المنافقين.
غزوة بني لحيان
١- الهدف:
أ- عقاب بني لحيان الذين غدروا بدعاة المسلمين عند ماء (الرجيع) قبل عامين خلوا وهم ستة من كبار الصحابة: اغتالوا أربعة منهم وباعوا الإثنين الباقيين لقريش، فضربت قريش عنق أحدهما وصلبت الثاني.
ب- التأثير في معنويات قريش والقبائل الأخرى، وإطلاعهم (عمليا) على عاقبة الذين يغدرون بالمسلمين.
٢- الحوادث:
علم الرسول ﷺ بمحاولة قريش التجمع مع حلفائها لغزو المسلمين، ففكّر في الحركة إليهم للتأثير في معنويات قريش والقبائل الأخرى والتعرّض ببني لحيان الذين غدروا بدعاة المسلمين عند ماء (الرجيع) .
стр. 220
وأظهر الرسول ﷺ أنه يريد الشام، حتى يستطيع مباغتة بني لحيان دون أن يعرفوا بحركته اليهم، فتحرك بقواته شمالا، فلما اطمأن الى انتشار أخبار حركته الى الشمال باتجاه الشام، عاد راجعا باتجاه مكة مسرعا في حركته حتى بلغ منازل بني لحيان ب (غرّان) «١» ، ولكن بني لحيان فروا الى رؤوس الجبال، واستطاعوا النجاة بأرواحهم وأموالهم.
عند ذاك ترك الرسول ﷺ القسم الأكبر من قواته في (غران) وسار على رأس مائتي راكب باتجاه مكة حتى وصل (عسفان) «٢» شمال مكة للتأثير في معنويات قريش، فلم تخرج قريش للقائه. ثم عاد المسلمون الى المدينة متحملين شدة الحر، بعد أن أثروا في معنويات القبائل وجعلوهم يخافون المسلمون أشد الخوف.
غزوة ذي قرد «٣»
١- الهدف:
مطاردة عيينة بن حصن وجماعة من غطفان لإعادة إبل المسلمين التي انتهبها المشركون.
٢- الحوادث:
أغار عيينة بن حصن الفزاري على أطراف المدينة، فوجد هناك بعض اللقاح «٤» ترعى بحراسة مسلم وامرأته، فقتل عيينة وأصحابه الرجل وهو ابن أبي ذر الغفاري، وساقوا الإبل واحتملوا المرأة.
стр. 221
ولكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي بصر بالقوم وقد اقتادوا الإبل، فأنذر المسلمين فنادى: الفزع الفزع. فنودي: يا خيل الله اركبي! وكان أول ما نودي بها! وقام سلمة بمطاردة غيينة وأصحابه وحده، حتى لحق به المسلمون الذين استطاعوا تخليص الإبل والمرأة المسلمة بعد أن وصلوا بمطاردتهم ماء (بذي قرد) .
وجاء من يخبر المسلمين أن عيينة وأصحابه وصلوا موضعا بعيدا عن (ذي قرد) فنحروا لهم جزورا، فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا، فتركوا جزورهم في محلها وهربوا بسرعة، لأنهم ظنوا أن المسلمين اقتربوا من مواضعهم.
ولم يكد هؤلاء الأعراب يصدقون أنهم يستطيعون النجاة بأنفسهم!!!
سرايا توطيد الأمن وتشديد الحصار الاقتصادي
راجع الملحق (ز)
١- الهدف:
تأمين المدينة المنورة التي هي القاعدة الأمينة للإسلام، وفرض سيطرة المسلمين على القبائل التي حولها، وتشديد وطأة الحصار الاقتصادي على قريش وحلفائها.
٢- الحوادث:
أ- سرية عكاشة بن محصن الأسدي الى الغمر «١» :
وجّه رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن الأسدي في شهر ربيع الأول سنة
стр. 222
ست الهجرية الى (الغمر) في أربعين رجلا، فخرج سريعا يغذّ السير، ولكن الأعراب علموا بمسيره إليهم فهربوا وتركوا ديارهم خالية، فاستاق المسلمون مائتي بعير وعادوا الى المدينة دون أن يلقوا كيدا.
ب- سرية محمد بن مسلمة الى (ذي القصّة) «١» :
بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة وهم (بذي القصة) في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا؛ ولكنّ الأعراب وهم مائة رجل استطاعوا قتل أصحاب محمد بن مسلمة وجرحه فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا الى مصارع المسلمين فلم يجدوا أحدا ووجدوا نعما وشاء فساقه أبو عبيدة ورجع الى المدينة المنورة.
ج- سرية أبي عبيدة بن الجراح الى ذي القصّة:
بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا في شهر ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى (ذي القصّة) الى بني محارب الذين أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى ب (هيفا) «٢» ، فمشوا إليهم بعد صلاة المغرب حتى وافوا (ذا القصة) في عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فهرب الأعراب، وأصاب أبو عبيدة رجلا واحدا فأسلم وتركه وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه كما أخذ متاعهم وقدم بذلك المدينة المنورة.
стр. 223
د- سرية زيد بن حارثة الى سليم بالجموم «١» :
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في شهر ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى بني سليم، فسار حتى ورد (الجموم) ، فأصاب نعما وشاء وأسرى، ثم عاد بأصحابه الى المدينة المنورة.
هـ- سرية زيد بن حارثة الى العيص «٢» :
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الأولى سنة ست الهجرية يتعرض لعير قريش في طريق عودتها من الشام الى مكة، فأخذ المسلمون العير وما فيها وأسروا ناسا ممن كان في العير وعادوا الى المدينة المنورة.
وسرية زيد بن حارثة الى الطرف «٣» :
بعث رسول الله س زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الآخرة سنة ست الهجرية الى الطرف، فخرج الى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء وهربت الأعراب، وصبّح زيد بالنعم المدينة المنورة بعد أن غاب أربع ليال دون أن يلقى كيدا.
стр. 224
ز- سرية زيد بن حارثة الى حسمي «١» :
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الآخرة سنة ست الهجرية الى (حسمي) في خمسمائة رجل، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بني عذرة، فلما وصل (حسمي) هجم على القوم مع الصبح فقتلوا فيهم فأوجعوا وأغاروا على ما شيتهم فأخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاة خمسة آلاف شاة ومن السبي مائة من النساء والصبيان.
ولكنّ زيد بن رفاعة الجذامي رحل في نفر من قومه الى رسول الله ﷺ فدفع إليه كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم، فبعث علي ابن أبي طالب ﵁ الى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين أموالهم وحرمهم.
وكان سبب هذه الغزوة، أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل مرة عند قيصر في طريق عودته الى المدينة، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمي، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فقدم دحية على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فبعث زيدا لإعطاء درس قاس لجذام حتى لا يعودوا لمثلها أبدا.
ح- سرية عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل:
بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف في شعبان سنة ست الهجرية الى بني كلب في (دومة الجندل) ، وقبل أن يبعثه دعاه فأقعده بين يديه وعمّمه بيده وقال: (أغز باسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله! لا تغلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدا) !
стр. 225
سار عبد الرحمن حتى قدم (دومة الجندل) فمكث فيها ثلاثة أيام يدعوهم الى الإسلام، فأسلم الأصبع بن عمرو الكلبي وكان نصرانيا وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية.
ط- سرية علي بن أبي طالب الى بني سعد بن بكر ب (فدك) «١» :
بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من بني سعد بن بكر يريدون أن يمدّوا يهود خيبر، فبعث إليهم علي بن أبي طالب ﵁ في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى الى (الهجح) «٢» ، فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني. فأمنوه، فدلهم، فأغاروا عليهم، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد.
وقدم على المدينة ولم يلق كيدا.
ي- سرية زيد بن حارثة الى أم قرفة بوادي القرى «٣» :
خرج زيد بن حارثة في تجارة الى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ ، فلما كان دون (وادي القرى) لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم.
وعاد زيد الى المدينة المنورة فبعثه رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ست
стр. 226
الهجرية إليهم، فكمنوا النهار وساروا الليل. وعلم بنو بدر بحركة المسلمين إليهم ولكن زيدا وأصحابه صبّحوهم وأخذوا منهم أسرى.
وعاد زيد الى المدينة وبشّر رسول الله ﷺ بنصر الله.
ك- سرية عبد الله بن رواحة الى أسير بن زارم.
لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمّرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب المسلمين.
وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فوجّه عبد الله بن رواحة على رأس ثلاثة نفر من المسلمين في شهر رمضان سنة ست الهجرية سرا فسأل عن خبر أسير فأخبر بأنه يحرّض غطفان وغيرها من القبائل على حرب المسلمين.
وقدم ابن رواحة على النبي ﷺ وأخبره خبر أسير، فندب الناس فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا على أسير وقالوا:
(إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك) ، فطمع في ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين حتى إذا كانوا ب (قرقرة ثبار) «١» ، ندم أسير وأراد الغدر بالمسلمين، ولكنّ المسلمين حملوا عليهم فقتلوا أصحابه جزاء غدرهم.
وعادوا الى المدينة فأخبروا رسول الله ﷺ بغدر يهود، فقال: (نجاكم الله من القوم الظالمين) .
ل- سرية كرز بن جابر الفهري الى العرانيين:
قدم نفر من (عرينة) «٢» ثمانية على رسول الله ﷺ فأسلموا، فأمر بهم الى
стр. 227
لقاحه وكانت ترعى في منطقة (قباء) على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحّوا وسمنوا فغدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار مولى رسول الله ﷺ ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات.
وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركوهم وأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم ثم أردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقتلوا.
م- سرية عمرو بن أمية الضّمري:
قال أبو سفيان بن حرب لنفر من قريش: (ألا أحد يغتال محمدا، فإنه يمشي في الأسواق) ؟ فأتاه رجل من الأعراب متطوعا لقتل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، فأعطاه أبو سفيان بعيرا ونفقة وقال: (إطو أمرك) ؛ فخرج ليلا حتى قدم المدينة بعد خمسة أيام.
ولما رأى رسول الله ﷺ هذا الأعرابي رابه أمره فقال: (إن هذا ليريد غدرا) ...
وحاول الأعرابي اغتيال رسول الله ﷺ ، فجذبه أسيد بن الحضير فأسره من إزاره فوجد خنجرا لديه، فقال له رسول الله ﷺ : (اصدقني ما أنت) ؟
قال: (وأنا آمن) ؟ قال: (نعم) . فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلّى عنه.
وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بن حرب وقال: (إن أصبتما منه غرّة فاقتلوه) ! فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه.
стр. 228
وهرب عمرو وسلمة، وقتل عمرو في طريق عودته الى المدينة المنورة رجلين مشركين.
دروس من غزوات محاسبة الغادرين والسرايا
١- الوقت:
انسحبت الأحزاب عن المدينة، وعاد المسلمون الى ديارهم صباح ليلة الإنسحاب، وأصدر الرسول ﷺ أمره الإنذاري للحركة الى بني قريظة ظهر ذلك اليوم نفسه، على ألّا يصلي المسلمون العصر إلا في ديار بني قريظة.
لقد أدرك الرسول ﷺ بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال، فلو أنّ الرسول ﷺ أبطأ بحركته هذه، لاستفاد يهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم أو إقناع يهود الآخرين بمعاونتهم، أو التشبّث بالحصول على قوات من القبائل لتساند قواتهم، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية التي يحتاجون إليها في القتال، حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة.
ولكنّ إسراع الرسول ﷺ بتحريك قواته لتطويقهم، حالت بين يهود وبين كل ذلك، إذ لم يكن يهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كل متطلبات القتال المتوقع ضدّ المسلمين.
بل إنّ حركة المسلمين السريعة لم تترك الوقت الكافي لليهود لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم، كما لم تترك الوقت الكافي لليهود لتنظيم أي خطة عسكرية على الاطلاق يقابلون بها المسلمين، فقد ظهر لنا من سير حوادث غزوة بني قريظة أنهم لم يفعلوا شيئا، وكانوا مترددين في كل شيء. وأكثر من ذلك فإن حركة المسلمين المبكرة شلّت معنويات يهود وقضت على روح المقاومة فيهم، فلم يستطيعوا أن يستفيدوا من المحسنات العسكرية التي كانت بجانبهم والتي كان
стр. 229
بإمكانهم- لو أحسنوا التصرّف- الاستفادة من تلك المحسنات لكي يقاوموا المسلمين وقتا غير قصير.
حصونهم قوية منيعة، وعددهم كبير، وسلاحهم وفير، والأرزاق والماء لديهم متيسران، كل ذلك يساعدهم على الصمود. ولكنّ هذه المحسنّات العسكرية التي بجانب يهود لا تفيد شيئا ما دامت معنوياتهم منحطة تماما، ولولا استفادة الرسول ﷺ من الوقت لتحسّنت معنويات يهود ولا استطاعوا أن يقوموا بدور أكثر حزما من الدور الذي قاموا به (فعلا) أثناء حصارهم.
ومما يزيد من قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت، أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب.
لقد كانوا منهو كي القوى لسهرهم الطويل على حراسة مواضعهم حوالي شهرا في موقف عصيب يحطم أعصاب أشجع الشجعان.
وكان الطقس باردا، وقد تحمّلوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم، فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة.
وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه.
إنّ عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو الى الاعجاب والتقدير.
٢- المباغتة:
تكون المباغتة بالوقت والمكان والأسلوب.
المباغتة بالمكان، أن تقوم بحركة من مكان لا يتوقعه العدو. والمباغتة بالزمان أن تقوم بحركة في وقت لا يتوقعه العدو. والمباغتة بالأسلوب أن تقوم بالقتال بأسلوب جديد أو بسلاح جديد.
стр. 230
والقائد العبقري هو الذي يحاول أن يباغت خصمه حتى يقضي عليه ماديا ومعنويا، لأن المباغتة الناجحة تشلّ حركة العدو وتقضي عليه كليا.
لقد طبّق الرسول ﷺ كل أساليب المباغتة؛ فقد رأينا كيف باغت الأحزاب بأسلوب جديد في القتال هو حفر الخندق، كما رأينا كيف أنه باغت قريشا بالقتال بأسلوب الصفوف في غزوة (بدر) الحاسمة.
وفي غزوة بني قريظة باغت يهودا بالزمان في حركته بسرعة ما كانوا ليتوقعوها، فشلّ معنوياتهم واحتفظ بالمبادأة بيده حتى نهاية المعركة.
وفي غزوة بني لحيان تحرك شمالا باتجاه الشام حتى لا يعرف بنو لحيان وقريش اتجاه حركته الحقيقية، وبذلك باغتهم بالمكان.
إنّ المباغتة أهم مبادىء الحرب قديما وحديثا، وقد حرص المسلمون على تطبيق هذا المبدأ في أكثر غزواتهم، مما ساعدهم على النصر.
٣- القصاص:
القصاص العادل الذي أصاب بني قريظة بعد استسلامهم، يقرّه كلّ إنسان واقعي سليم التفكير منصفا.
لقد طعن يهود المسلمين في أحرج وقت من أوقات محنتهم، ولو لم يكن هناك عهد بينهم وبين المسلمين لهان الخطب ولوجدنا بعض العذر لهم، ولكنّ أي عذر لهم وقد خانوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين في مثل تلك الظروف العصيبة؟ وأحب أن أتساءل: لو نجح الأحزاب في غزوة الخندق، فماذا كانوا يفعلون بالمسلمين؟ ألم تكن عاقبة المسلمين الإبادة والتمثيل؟ فلماذا لا يبيدون الذين حاولوا معاونة أعدائهم على إبادتهم؟ لقد أفسح المسلمون المجال أمام بني قينقاع وبني النضير من يهود للجلاء الى (خيبر) والى ضواحي الشام، فماذا كانت النتيجة؟ أثار يهود الذي عفا عنهم النبي ﷺ الأحزاب وحشدوهم أمام خندق المدينة للقضاء على المسلمين.
стр. 231
ومع ذلك فالموقف جدّ مختلف بين موقف يهود الذين خانوا عهودهم في غزوة الخندق وبين يهود بني قريظة، إذ أن خيانة هؤلاء ونكثهم عهودهم كان في أحرج الأوقات وأشدها خطورة على مستقبل الاسلام والمسلمين ...
فهل يبقي المسلمون سلما على بني قريظة أيضا ليقوموا بدور أسلافهم بني قينقاع وبني النضير؟
لقد كان بإمكان يهود بني قريظة ان يتخلصوا من القتل لو أعلنوا إسلامهم كما فعل ثلاثة رجال منهم، فنجوا بحياتهم وأموالهم.
ولم يقض المسلمون بالقتل إلا على الرجال الذين قاتلوهم (فعلا) بعد أن خانوا عهودهم وعرّضوا المسلمين للإبادة، أما الأطفال والنساء فلم يصابوا بأذى، كما أن الذين ثبتوا على عهودهم من يهود لم يصابوا بسوء.
والمرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة هي التي قتلت مسلما بقذفه بالرحى من فوق سطحها، وإنما كان قتلها على جريمتها هذه لا بسبب آخر.
أما قتل أبي رافع بن أبي الحقيق، فلأنه أحد رؤوس يهود الذين حرّضوا الأحزاب، وقتله كان عبرة لغيره من الذين يحاولون محاولته في المستقبل؛ وحتى قوانين الحرب الدولية الحديثة تجيز القتل في مثل هذا الموقف، فهذا اليهودي كان من بني النضير الذين أرادوا اغتيال الرسول ﷺ ، فحاصرهم وتغلّب عليهم واضطرهم على الاستسلام، ثم سمح لهم بالرحيل بعيدا عن المدينة على ألا يعودوا الى قتاله أو التحريض عليه، فإذا نكث هذا بالعهد وحرّض الأحزاب على تطويق المدينة، وحرّض بني قريظة على نكث عهدهم مع المسلمين. إذا كانت هذه أعماله بعد أن أطلقه الرسول ﷺ مع قومه بعد استسلامهم، فمن حق المسلمين أن يقتلوه كمجرم حرب لا كمحارب شريف «١» .
стр. 232
وما يقال عن ذلك يقال عن سرايا القصاص التي بعثها الرسول ﷺ لمحاسبة الغادرين الآخرين.
لقد كان قصاص المسلمين من يهود ومن غيرهم ضروريا عادلا.
٤- العقيدة:
ظهر لنا في هذه الفترة من جهاد النبي ﷺ ، أثر العقيدة في توحيد الصفوف للعمل للمصلحة العامة وحدها، وأثرها في اندفاع المسلمين كل يسابق أخاه الى الشهادة، وأثرها في جعل المسلم يحاسب نفسه على ما اقترفه من ذنب لا يعلم به أحد غيره من الناس.
طلبت بنو قريظة من المسلمين حضور أبي لبابة بن عبد المنذر ليستشيروه، وقد كان أبو لبابة حليفا لهم في الجاهلية وصديقا شريفا لا يشكون في إخلاصه، فبعثه الرسول ﷺ إليهم؛ فاستقبله الرجال والنساء والأطفال بالبكاء والعويل، فأثر ذلك في نفسه انسانا. واستشاره يهود: أينزلون على حكم محمد؟ .. فقال لهم: (نعم) . وأشار الى حلقه كأنه ينبّههم الى أن مصيرهم الذبح.
ولكنّ أبا لبابة أدرك لفوره أنه خان النبي ﷺ ب (إشارته) تلك، وأنه خضع لشعوره العاطفي لا لعقيدته الملتزم بها فيما وقع منه، فمضى هائما على وجهه نادما حتى وصل مسجد المدينة، فربط نفسه الى سارية فيه، وحلف: لا يفكّ نفسه حتى يتوب الله عليه.
وبقي على حاله هذا متشفعا بالرسول ﷺ حتى تاب الله عليه.
لم يعرف أحد ب (إشارة) أبي لبابة الى حلقه حين استشاره يهود في الاستسلام، ولم تكن إشارته هذه نتيجة تدّبر وتفكير، ومع ذلك لم يستر أبو لبابة فعلته هذه وأعلنها للناس جميعا وعاقب نفسه بنفسه عقابا صارما، مما يدّل على عقيدته الراسخة وإيمانه العميق.
стр. 233
وحكم سعد بن معاذ على بني قريظة بأن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال يدلّ على عقيدته الراسخة أيضا.
لقد كان سعد سيد الأوس حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقّع يهود أن تنفعهم هذه الصلة القوية عند الحكم عليهم، كما توقّع الأوس أيضا أن يتساهل سعد مع أصدقائهم وأصدقائه الأقدمين، بل استقبله الأوس حين قدومه للحكم هاتفين: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك.
وقد أحسنت الخزرج قبل ذلك في مواليها من يهود عندما استسلموا للمسلمين، فلماذا لا يحسن الأوس الى مواليهم مثلما أحسن الخزرج؟
ولكنّ سعدا صاح بقومه وقد أكثروا عليه الرجاء: (قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم) ...
وأصدر سعد حكمه العادل غير متأثر بالأهواء بل بعقيدته الراسخة فقط وإيمانه العظيم.
وماذا يعني دخول عبد الله بن عتيك وحده الحصن الذي يسكنه اليهودي أبو رافع بن أبي الحقيق في وسط أهله وعشيرته، وتعريض عبد الله نفسه للخطر الداهم، بينما أبقى أصحابه خارج الحصن في أمان؟
هل يعني هذا العمل إلا استئثار القائد لنفسه بالخطر دون أصحابه طمعا في الشهادة، وقد كان بإمكانه أن يبعث أحد أصحابه لينهض بهذا الواجب، ولكنه آثر أن ينهض بنفسه بهذا العمل كله، فنجح في القضاء على ابن أبي الحقيق، والتحق بأصحابه ليلا بعد أن كسرت رجله أثناء نزوله من سطح الحصن ...
هذه الأمثلة التي ظهرت لنا في هذه الفترة من حياة المسلمين ومثلها كثير، تدلّ بوضوح على رسوخ العقيدة في نفوسهم، مما جعلهم يستهينون بكل شيء في سبيل عقيدتهم.
стр. 234
٥- القضايا الادارية:
أ- الغنائم:
قسّمت غنائم بني قريظة على المسلمين: سهم للراجل وثلاثة أسهم للفارس منها سهمان للفرس، وذلك تشجيعا للإكثار من الخيل لفائدتها الكبيرة في القتال، وبقي الخمس للرسول ﷺ لتوزيعه على المحتاجين، ولتأمين إعاشة وركوب وسلاح المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقونه على أنفسهم في الجهاد.
لقد تحسّنت الحالة الاقتصادية للمسلمين بهذه الغنيمة، فاستطاعوا الاستغناء عن بعضها لشراء الخيل والأسلحة من نجد استعدادا للعمليات الحربية المقبلة.
ب- الماء:
عندما وصل المسلمون الى حصون بني قريظة، سيطروا على بئر تعود لبني قريظة بسرعة خاطفة للاستفادة من مائها في أيام الحصار.
ولولا سرعة المسلمين في الاستيلاء على هذه البئر، لكان من المؤكدة أن تقوم قريظة بتغويرها حتى تحرم المسلمين من مياهها الضرورية لهم للصبر على القتال.
غزوة الحديبية «١»
الموقف العام
١- المسلمون:
في السنة الأولى من الهجرية عدل النبي ﷺ بقبلته عن المسجد الأقصى في مدينة القدس من فلسطين الى المسجد الحرام، فجعل المسلمون وجهتهم في الصلاة بيت الله الحرام بمكة المكرمة.
وكان العرب يتّجهون الى المسجد الحرام منذ مئات السنين: يحجّون إليه في الأشهر الحرم، ويقدّسونه ويعبدون أصنامه؛ ولكنّ المسلمين كفروا بالأصنام بعد إيمانهم بالله، إلا أنهم لم يكفروا بالبيت العتيق.
فلماذا لا يقصد المسلمون المسجد الحرام زائرين له معظمين حرمته، ليرى العرب المجتمعون بمكة المكرّمة قوّتهم وليتحدّثوا عن مكانة البيت الحرام الرفيعة في نفوسهم المؤمنة؟
إنّ ذلك سيزيد في قوّة المسلمين قوّة، وسيجعل قلوب المشركين تهوى إليهم، وسيشعرون بأنهم يظلمون المسلمين عند ما يمنعونهم من حج البيت والعمرة، وسيخفف كل ذلك من حقدهم على المسلمين وبغضائهم لهم، فلا تجتمع قلوبهم على حرب المسلمين أبدا.
قرّر الرسول ﷺ الخروج الى مكة في شهر ذي القعدة الحرام من السنة السادسة الهجرية، وأوفد رسله الى القبائل من غير المسلمين يدعوهم للاشتراك
стр. 237
للخروج الى الكعبة مع المسلمين لزيارتها وتعظيمها لا للقتال، حتى تعلم العرب كلها بأنه خرج في الشهر الحرام حاجا لا غازيا، فان أصرّت قريش على مقاتلته في الشهر الحرام ومنعته من أداء شعائر الحج والعمرة أسوة بالعرب الآخرين، لم تجد من العرب من يؤيدها في موقفها هذا، ولا من يعينها على قتال المسلمين، فتبقى وحدها وتفقد عطف حلفائها عليها، فلا تقوى على صدّ المسلمين وحدها ما لم يعاونها حلفاؤها من القبائل الأخرى.
٢- المشركون ويهود:
لم يبق من المشركين أية قبيلة تستطيع الصمود وحدها أمام قوات المسلمين، فليس أمام القبائل إلا حشد كل قواتها لتستطيع المقاومة في معركة غير مضمونة النتائج.
ولا يمكن اجتماع قوات المشركين في صعيد واحد، إلا إذا استثيرت بحوافز حاسمة جدا: كالاعتداء على مقدساتها أو التعرّض بأموالها وذراريها؛ فقد اقتنعت هذه القبائل بأنّ المسلمين أصبحوا أمنع من أن يصيبوهم أو يصيبوا أموالهم بسوء.
ولم يبق من يهود إلا يهود خيبر، وهؤلاء لا يقدمون على عمل ضد المسلمين إلا بعد أن يفكروا كثيرا، لئلا يكون مصيرهم مصير قريظة وبني النضير وقينقاع.
قوات الطرفين
١- المسلمون:
ستمائة وألف «١» مسلم بقيادة النبي ﷺ ، معهم سبعون من القرابين، وسلاحهم السيوف بأغمادها.
стр. 238
٢- المشركون:
قريش وقسم من حلفائها المتردّدين، لأنهم لم يشاطروا قريشا رأيها في صدّ المسلمين عن البيت الحرام بعد أن جاءوا لتعظيمه لا للقتال.
أهداف الطرفين
١- المسلمون:
أ- إظهار قوة المسلمين لقريش وللقبائل المجتمعة للحج وسدة ضبطهم وطاعتهم للرسول ﷺ وتعلقهم بالدعوة وحرصهم على الدفاع عنها وحماية حرية نشرها لتكون كلمة الله هي العليا.
ب- إظهار تعظيم المسلمين للبيت الحرام عمليا، حتى تتأكد العرب من ذلك عن يقين لا يتطرّق إليه الشك.
٢- قريش:
صدّ المسلمين عن البيت الحرام، حتى لا تتحدث العرب عن دخول المسلمين إليه عنوة، مما يقلّل من هيبة قريش واعتبارها المرموق بين القبائل العربية.
الأعمال التمهيدية
١- الحصول على المعلومات:
أ- المسلمون:
لما وصل الرسول ﷺ الى (ذي الحليفة) «١» قلّد الهدي وأشعره «٢» وأحرم بالعمرة.
стр. 239
وأرسل رجلا من خذاعة ليستطلع له أمر قريش، فلما وصل (عسفان) «١» على بعد مرحلتين من شمال مكة عاد الخزاعي وأخبر المسلمين أنّ قريشا وقسما من حلفائها قد أجمعوا أمرهم على قتالهم ليصدوهم عن زيارة البيت الحرام.
استشار النبي ﷺ أصحابه، فكان القرار النهائي: أن هدفهم من غزوتهم هذه هو زيارة البيت، ولن يقاتلوا إلا إذا صدتهم قريش عن هدفهم بالقوّة.
ولكنهم رأوا خيل المشركين على مرمى النظر قريبا من (عسفان) ، فأمر الرسول ﷺ أصحابه بالحركة على طريق فرعية غربي الطريق العام، وكانت طريقا وعرة قطعها المسلمون بصعوبة، فتخلصوا بذلك من الاصطدام بالمشركين، حتى وصلوا (الحديبية) على بعد ثلاثة أميال شمال مكة، وعسكروا هناك.
ب- المشركون:
بلغ قريشا أمر حركة المسلمين، فخافوا أن يكون إدعاء المسلمين بأنهم جاءوا معتمرين لا مقاتلين حيلة حربية يقصد المسلمون من ورائها مباغتتهم والقضاء عليهم، فعقدوا لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على مائتي فارس مع قسم من المشاة، وتقدّم هذا الجيش ليحول بين الرسول ﷺ ومكة، ولكنّ فرسان قريش بوغتوا بانحراف المسلمين الى الطريق الفرعية وتملّصهم من الاصطدام بهم، فعادت قوات المشركين أدراجها لتدافع عن مكة قبل أن يصلها المسلمون.
وجاء بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة الى قريش وأخبرهم أن محمدا جاء زائرا ولا يريد حربا، ولكنّ قريشا أجابت: (إن كان جاء لا يريد قتالا، فو الله لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدّث بذلك عنا العرب) ...
стр. 240
٢- المناوشات:
حاول قسم من متعصبي قريش أن يهاجموا معسكر المسلمين، وفعلا هجم ما يقرب من خمسين مشركا على المسلمين، ولكنّ المسلمين استطاعوا أسرهم جميعا، فأطلقهم الرسول ﷺ حتى يثبت نياته السلمية عمليا ولا يترك حجّة لقريش تتشبث بها لتجميع العرب ضد المسلمين.
٣- المفاوضات الابتدائية:
أ- المشركون:
أرسلت قريش مكرز بن حفص ليرى موقف المسلمين، فعاد إليهم ليخبرهم أن محمدا لم يأت مقاتلا، وإنما جاء زائرا لهذا البيت.
وأرسلوا بعده الحليس بن علقمة سيد الأحابيش «١» ، فلما رآه الرسول ﷺ قال: (إن هذا من قوم يتألهون (أي إنه متدين) فابعثوا الهدي أمامه ليراه) .
رأى الحليس الهدي في الوادي فعاد الى قريش قبل أن يصل الى الرسول ﷺ إعظاما لما شاهد، وأخبرهم بما رأى، فأجابوه: (اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك) . فاستشاط الحليس غضبا وصاح: (يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلّن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد) ... فرجته قريش أن يكفّ عنها حتى تفكر في الأمر!
ورأت قريش أن توفد عروة بن مسعود، وهو من سادات ثقيف وهو رجل
стр. 241
متزن حكيم، فكره عروة أن يعود من مفاوضة النبي ﷺ ، فيسمعه رجال قريش ما يسوءه؛ فاعتذرت له قريش مؤكدة أنه عندهم غير متّهم، وأنها تطمئن الى حكمته وحسن رأيه؛ فخرج الى محمد ﷺ وذكر له أن مكة المكرمة بلده الحبيب وأن بها قومه وعشيرته، فلا يصح له مهاجمتها بمن جمع من أوشاب «١» الناس الذين سينكشفون عنه منهزمين إذا اشتد الخطب. فأجابه أبو بكر الصديق ﵁: (أنحن ننكشف عنه) ؟!
وعاد عروة الى حديثه مع الرسول ﷺ وجعل يمسّ لحية النبي ﷺ وهو يكلّمه، فقرع المغيرة بن شعبة الثقفي «٢» يد عروة وهو يقول: (أكفف يدك عن وجه رسول الله قبل ألا تصل إليك) ...
وردّ النبي ﷺ على عروة بما يقطع لجاجته وينفي كل شبهة: (إنه لا يريد حربا وإنما يريد أن يزور البيت كما يزوره غيره) ...
عاد عروة من اجتماعه بالرسول ﷺ الى قريش، وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضّأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه؛ فرجع الى قريش ليقول: (يا معشر قريش! إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه؛ ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم) .
عادت كل سفراء قريش إليها دون أن يتعرّض بهم أحد من المسلمين، وقد اطمأنوا جميعا الى نيّات المسلمين السلمية، مما جعل حلفاء قريش يقاومون فكرة القتال، بل كادت تنشب حرب أهلية بين متعصبي قريش ومنصفيها.
стр. 242
ب- المسلمون:
بعث الرسول ﷺ خراش بن أمية الخزاعي الى أشراف قريش ليبلغهم عنه بما جاء له، فعقرت قريش ناقته وأرادت قتله، لولا حماية الأحابيش له، فخلّوا سبيله على مضض.
وبعث الرسول ﷺ عثمان بن عفان ﵁ الى قريش، فخرج برسالة النبي ﷺ ، فلقيه أول ما دخل مكة إبان بن سعيد فأجار عثمان حتى يفرغ من تبليغ رسالته. وبلّغ عثمان ما جاء به لقريش. قالت قريش: (يا عثمان إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل) ...
قال عثمان: (ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله، إنما جئنا لنزور البيت العتيق ولنعظّم حرمته ولنؤدي فرض العبادة عنده، وقد جئنا بالهدي معنا، فإذا نحرنا رجعنا بسلام) ...
وأجابت قريش: بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة.
وطال الحديث وطال احتباس عثمان بن عفّان ﵁ عن المسلمين، وترامى إليهم أن قريشا قتلته غيلة وغدرا.
وحين بلغت هذه (الإشاعة) مسامع النبي ﷺ قال: (لا نبرح حتى نناجز القوم) .
ودعا النبي ﷺ الناس الى مبايعته، فبايعه المسلمون على الموت تحت الشجرة بيعة الرضوان؛ فلما أتمّ المسلمون البيعة ضرب الرسول ﷺ بإحدى يديه على الأخرى بيعة لعثمان بن عفّان ﵁ كأنه حاضر معهم.
على أن عثمان بن عفان ﵁ لم يطل احتباسه، فان قريشا جزعت أن تصيبه بأذى وهو من سراتها بمكان، فعاد وأبلغ رسول الله ﷺ بأن قريشا لم تبق عندهم ريبة في أنه وأصحابه جاءوا معظمين للبيت، ولكنهم لا يتركون
стр. 243
المسلمين يدخلون مكة هذا العام عنوة، حتى لا تتحدّث العرب بأنهم هزموا أمام تهديد المسلمين وضغطهم.
٤- المفاوضات النهائية:
أرسلت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي ﷺ ، على أن يتفق معه على رجوع المسلمين هذا العام عن مكة، فاستقبله الرسول ﷺ وهو أرغب ما يكون في موادعة القوم.
وتكلّم سهيل فأطال، والمسلمون من حول النبي ﷺ يسمعون أمر هذه المحادثات ويضيق قسم منهم بأمرها صبرا، ولولا ثقة المسلمين بالنبي ﷺ ثقة لا حدود لها وإيمانهم العميق به لرفضوا الاتفاق مع قريش ولقاتلوهم حتى يدخلوا مكة عنوة؛ ولكنّ الرسول ﷺ بقي مسيطرا على أعصابه مالكا هدوءه؛ ولما رأى عمر بن الخطاب ﵁ مغيظا من سير المفاوضات قال له: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني) ...
ومما أثار حفيظة المسلمين صبر الرسول ﷺ أثناء كتابة العهد بين المسلمين وقريش، فقد دعا الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وقال له:
(أكتب بسم الله الرحمن الرحيم) .
فقال سهيل: (أمسك! لا أعرف الرحمن الرحيم، بل اكتب باسمك اللهم) .
قال الرسول ﷺ : (اكتب باسمك اللهم) . ثم قال:
(اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو) .
قال سهيل: (أمسك! لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك) ...
قال الرسول ﷺ : (اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله) ...
стр. 244
الهدنة «١»
١- نص وثيقة الهدنة:
(باسمك اللهم!
(هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع
стр. 245
الحرب عن الناس عشر سنين؛ يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه إليه.
(وأن بيننا عيبة مكفوفة «١» ، وأنه لا إسلال «٢» ولا إغلال «٣» ، وأنه من أراد أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
(وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه اذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا: معك سلاح الراكب؛ السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها) .
٢- أهم بنود الهدنة:
أ- اعتراف قريش بالمسلمين طرفا مساويا لها.
ب- فتح المجال للرسول ﷺ لعقد محالفات مع القبائل التي لم تكن تطمئن لمحالفته: لقوة قريش، بوجود الكعبة في مكة المكرمة. وخير دليل على ذلك إعلان خزاعة حلفها للرسول ﷺ بعد هذا الصلح مباشرة.
ج- تيسر الوقت للمسلمين لنشر دعوتهم بأمان «٤» .
د- السماح للمسلمين بزيارة البيت الحرام بعد عام والبقاء بمكة ثلاثة أيام.
هـ- إنها لوثيقة تجلّت فيها روح الحكمة من رسول موهوب، وقائد عظيم، ولئن كانت قريش قد أحسّت بها بعض اللين من جانب الرسول ﷺ فقد فاتهم ان هذا اللين هو إرهاص ليوم فتح قريب.
стр. 246
دروس من الحديبية
١- توخّي الهدف:
توخي الهدف مبدأ من مبادىء الحرب المهمة، وهو أن نعرف هدفنا تماما ونفكر بأقوم الطرق لتحقيقه، ثم نقرّر خطة مناسبة للحصول عليه وننفذ تلك الخطة جاعلين هدفنا الرئيس وحده نصب أعيننا دون أن تعيقنا أو تغيّر من خطتنا الأهداف الثانوية الأخرى.
وقد برز مبدأ توخي الهدف لدى الرسول ﷺ في غزوة الحديبية بأجلى مظاهره حتى يمكن أن تكون دروس هذه الغزوة من أروع الأمثلة المفيدة للذين يريدون أن يفهموا معنى توخي الهدف.
قرّر الرسول ﷺ منذ مغادرته المدينة ألا يحارب قريشا، بل يبذل كل جهده للتفاهم معها، إلا اذا لم يجد مناصا من القتال ...
ووضع هذا الهدف نصب عينيه دائما.
خرج محرما، واستصحب أسلحة الراكب وهي السيوف في القرب؛ فلما علم من دوريات استطلاعه اعتزام قريش على قتاله، أصرّ على (السلم) ، فخرج عن الطريق العام الى طريق فرعية وعرة شديدة الوعورة، مما جعل أصحابه يكابدون المشقات عند قطعها؛ ولم يكن الرسول ﷺ يهدف من الخروج عن الطريق العام إلا التملص من اصطدام أكيد بطلائع قريش، لأن المكوث في موضع (عسفان) الذي وصله المسلمون، يؤدي الى اصطدام الفريقين، لاندفاع خيالة قريش أمام قواتها الأصلية واقترابها من مواضع المسلمين. ولو انسحبت قوات المسلمين إلى الخلف باتجاه المدينة، لطاردتهم قوات قريش أيضا، وفي هاتين الحالتين سيحصل الاصطدام الذي لا يريده الرسول صلوات الله وتسليمه عليه.
стр. 247
ولكن خروجه عن الطريق العام الى طريق فرعية باتجاه مكة، جعل طلائع قريش تضطر الى الاسراع في العودة أدراجها للدفاع عن مكة، لأن المسلمين هدّدوها تهديدا مباشرا وأصبحوا قريبين منها. ولم تكن حركة المسلمين على هذه الطريق خوفا من قوات قريش، لأن الذي يخاف عدوه لا يقترب من قاعدته «١» الأصلية وهي مركز قواته، بل يحاول الابتعاد عن قاعدة العدو الأصلية حتى يطيل خطوط مواصلات «٢» العدو، ويذلك يزيد من صعوباته ومشاكله ويجعل فرصة النصر أمامه أقلّ من حالة الاقتراب من قاعدته الأصلية.
وعندما وصل الرسول ﷺ (الحديبية) بقي مصرا على هدفه (السلام) الذي لم ينسه قط: أفسح المجال لمفاوضي قريش بالقدوم الى معسكر المسلمين في كل وقت للتأكد من نيات المسلمين السلمية، وأرسل مفاوضين من المسلمين ليؤكدوا للمشركين صدق نياتهم السلمية.
وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر المسلمين ورموهم بالنبل، حاول المسلمون حينذاك أن يلقوا القبض على المهاجمين دون أن يوقعوا بهم خسائر بالأرواح أو بالأموال؛ فاستطاعوا فعلا تطويقهم والقبض عليهم، ثم أطلقوا سراحهم وأعادوهم الى قريش دون أن يلحقوا بهم أي أذى.
ألا يدل ذلك على إصرار الرسول ﷺ على التفاهم مع قريش وإحلال السلم بين الطرفين؟
لقد لاحظنا في هذه الغزوة دون غزوات الرسول ﷺ الأخرى، أنه لم يستشر أصحابه في عقد الهدنة واستقلّ هو برأيه، وسبب هذا الإصرار على
стр. 248
الرأي واضح جدا، فقد كان قرار الرسول ﷺ في التشبث بالتفاهم مع قريش نهائيا وحاسما، ولا يحتاج مثل هذا القرار الى استشارة أحد.
إن الرسول ﷺ كان يتوخى من التفاهم مع قريش أهدافا بعيدة جدا ليس من مصلحة الدعوة ولا من مصلحة المسلمين الإخبار عنها، وقد ظهرت أهدافه فيما بعد.
كانت قوات المسلمين في الحديبية ستمائة وألف رجل، فأصبحت قواتهم يوم فتح مكة بعد عامين عشرة آلاف رجل ... وشتان بين العددين ... وهذا بعض ما في صلح الحديبية من فوائد للمسلمين.
فهل كان بامكان الإسلام أن ينتشر بهذه السرعة في مثل تلك الظروف، لو لم تضع الحرب أوزارها بعض الوقت ويتهادن الطرفان؟
٢- الضبط «١» :
لا أكاد أقرأ تفاصيل غزوة (الحديبية كما ترويها كتب السيرة، إلا وأهتف من صميم نفسي: ما أعظم الضبط الذي كان يتحلى به الرسول ﷺ وأصحابه حينذاك!
لم يكن موقف الرسول ﷺ والمسلمين سهلا أثناء مفاوضات الهدنة وبعدها حتى عودتهم الى المدينة المنورة، فقد كان الرسول ﷺ يعرف أهدافه القريبة والبعيدة ويعمل لتحقيقها بصبر وأناة وإصرار، ولكنّ كيف السبيل الى إفهام كل تلك الأهداف للمسلمين في مثل تلك الظروف؟
стр. 249
أما المسلمون، فما أصعب موقفهم! ...
لم يكن أحد منهم يشك في دخول مكة، فانهارت آمالهم أثناء المفاوضات.
ولم يكن أحد يفهم ما يبرّر الهدنة، فشاهدوا هذه الهدنة تصبح أمرا مفروغا منه.
وكانت عقيدتهم تطغى على كل شيء سواها، فوجدوا إخوانهم المستضعفين من المسلمين يردّون الى المشركين ليفتنوهم عن دينهم.
ولو كان المسلمون ضعفاء أو يشعرون بالضعف لهان الخطب، ولكنهم كانوا أقوياء ماديا ومعنويا، فكيف يقتنعون بالهدنة في شكلها وأسلوبها الذي كان؟
بينما كان الرسول ﷺ يكتب عقد الهدنة، جاء الى المسلمين أبو جندل- وهو ابن سهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضات- يرسف في الحديد، فقد اعتنق الإسلام فلقي العذاب من أهله المشركين. فلما رأى سهيل ابنه ضرب وجهه وجعل يجرّه ليرده الى قريش، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته: (يا معشر المسلمين، أأردّ الى المشركين يفتنونني عن ديني) ؟!
ليس من السهل احتمال المسلمين لمثل هذا الموقف حينذاك. ولكنهم احتملوه صابرين، على الرغم من بعض التذمر الخافت الذي كان يخالج بعض نفوس المسلمين، والذي كان يثيره حرصهم الشديد على عزة الإسلام.
إن ضبط الرسول ﷺ أعصابه أثناء المفاوضات وبعدها على الرغم من تذمر بعض المسلمين. وضبط المسلمين أعصابهم في مثل ذلك الموقف على الرغم من حنق بعضهم على المفاوضات والهدنة، كل ذلك يدل على تحلي المسلمين حينذاك بالضبط المتين بشكل يدعو الى الإعجاب الشديد.
стр. 250
٣- الحياد المسلح «١» :
ما كاد عهد (الحديبية) يبرم حتى حالفت خزاعة محمدا ﷺ وحالفت بنو بكر قريشا؛ فربح المسلمون حليفا قويا له أهمية خاصة لقرب دياره من قريش.
لقد كانت خزاعة تميل قلبيا الى المسلمين قبل اليوم، وكان الاسلام قد انتشر بين أفرادها، ولكنها لم تستطع أن تحالف المسلمين قبل هذه الهدنة، لأن ذلك يهدّد مصالحها الدينية لوجود البيت الحرام بمكة التي تسيطر عليها قريش، هذا بالإضافة الى تهديد مصالحها الأخرى.
والهدنة حرمت يهود (خيبر) من الأمل في معاونة قريش لها، وقريش هي ألد أعداء المسلمين وذلك حين يأتي موعد محاسبة المسلمين ليهود.
والهدنة جعلت المنطقة الجنوبية (جنوب المدينة) أمينة بالنسبة للمسلمين، وكانت هذه المنطقة أخطر ما يهدد الدعوة، لأن فيها قبائل قوية ذات حضارة وعقيدة، بينما كانت قبائل الشمال حتى حدود العراق والشام بدوية ممعنة في البداوة.
فإذا أمّنت هذه الهدنة الاستقرار الذي جعل الإسلام ينتشر بسرعة فائقة، وأمنت القوة والمنعة للمسلمين، فماذا أمنت لقريش؟
توخت قريش أهدافا سطحية دفعتها اليها العصبية الجاهلية: هي ردّ المسلمين عن زيارة البيت الحرام هذا العام ليعودوا لزيارته في العام المقبل، وردّ الذين يسلمون من قريش بدون رضى أوليائهم، حتى لا يكثر عدد المسلمين؛