يعدّ قائدا لجماعته، وكان هؤلاء النبلاء يمنحون الأراضي والعقارات الشاسعة لإعاشة أتباعهم. وقد أدى ذلك إلى حدوث حروب داخلية، وبخاصة عندما تضعف الحكومة المركزية في القسطنطينية، فقد كان كل نبيل يطمع في توسيع ملكه وسلطته على حساب غيره من النبلاء، بل كان قسم من النبلاء ينتقضون حتى على الحكومة المركزية في بعض الأحيان.
واعتمد الرومان على الغساسنة والقبائل العربية الأخرى لحماية حدودهم الجنوبية التي تحد الجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الشرقية التي تحد فارس.
وقد اشتدت الاختلافات بين طوائف المسيحيين قبل الإسلام، حتى شملت العامة والخاصة على حد سواء، وحتى اشتغل الناس بالجدل فيها أكثر من اشتغالهم بكل عمل آخر، وشمل هذا الجدل طبقات الناس كافة في مختلف الأماكن والأوقات.
إن المسيطر على الجيش الروماني حينذاك هو الارتزاق، وكثيرا ما كانت أعطيات الجند تتأخر عن مواعيدها لارتباك الحالة المالية للدولة، فيتذمر الجنود، ولم يكن للجيش هدف معيّن يوحّد صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق.
وهكذا كان جيش الروم جيشا مرتزقا يقوده قادة من النبلاء يتولون مناصبهم غالبا بالوراثة لا بالكفاية والمقدرة.
٣- الفرس «١» :
كانت القوات العسكرية للفرس مشابهة للقوات العسكرية عند الروم، فكان المرازبة والدهاقين يتولون قيادة الجيوش ويتحكمون في الأراضي الشاسعة والعقارات الكبيرة.
стр. 72
كما اعتمدوا على المناذرة لحماية حدودهم الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الغربية المتاخمة للروم.
وكانت العقيدة المجوسية مسيطرة على الفرس وأكثر أتباعهم، ولم يكن للجيش هدف يوحّذ صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق أيضا ... كما كانت قيادته غالبا وراثية وقادته يعتمدون على حسبهم ونسبهم وحظوتهم لدى الأكاسرة لا على قابلياتهم العسكرية وكفاياتهم في القتال.
٤- النتائج:
على الرغم من كثرة القبائل العربية قبل الإسلام، فانها كانت متفرقة لا تخضع إلا لسيطرة رؤسائها الذين تسيطر عليهم أهواؤهم ورغباتهم الشخصية.
كما أن النظام العسكري في كل من الامبراطوريتين الفارسية والرومية كان فاسدا.
ولم يكن لكل من هؤلاء العرب والفرس والروم أهداف يؤمنون بها ويضحون في سبيل تحقيقها.
لقد كانوا أعدادا ضخمة ولكن بلا نظام، وكان المسلمون قليلين ولكنهم منظمون.
مناقشة الموقف العسكري للطرفين
أصبح واضحا من دراسة الموقف العسكري للطرفين، أن المسلمين- على قلتهم- كانوا أقوى من أعدائهم المشركين والروم والفرس- على كثرتهم- ذلك لأن المسلمين يتميزون على أعدائهم بعقيدتهم الراسخة وإيمانهم العميق بأهدافهم، وبذلهم عن طيبة خاطر كل ما يملكونه في سبيل تحقيق تلك الأهداف.
стр. 73
لقد رأينا في الحرب العالمية الثانية وفي كل الحروب القديمة والحديثة، كيف أن المتحاربين يحاولون بشتى الطرق إقناع جيوشهم بعدالة قضيّتهم، ليدفعوا تلك الجيوش الى التضحية في سبيل تلك القضية.
بذل كل من الحلفاء ودول المحور في الحرب العالمية الثانية أقصى جهودهم لإقناع أممهم والشعوب الأخرى بسموّ أهدافهم التي يحاربون من أجلها.
لقد فعل الحلفاء والمحور كل ذلك لغرض واحد: هو جعل جنودهم يقاتلون في سبيل هدف معين، وجعل شعوبهم والشعوب الأخرى تؤمن بهذا الهدف؛ وبهذا وحده يمكن أن يضحّي الجندي بنفسه في ساحات القتال مقبلا غير مدبر وتضحي الأمة بما تملكه ماديا ومعنويا في سبيل تحقيق تلك الأهداف.
إنّ كل جيش يحارب (بعقيدد) لتحقيق هدف (معيّن) لا بد أن (يستقتل) في سبيل عقيدته وهدفه، وبذلك يصعب قهره إذا لم يكن قهره مستحيلا. وقد يخفق في معركة محدودة، ولكن النتيجة مضمونة له على كل حال.
أما الجيش الذي لا عقيدة له ولا هدف، فما أسهل أن تتحطم معنوياته عند الخطر ... إذا كانت لديه معنويات!!
وما أصدق نابليون حين يقول: (إن العامل المعنوي في الحرب أكثر أهمية من العامل المادي بنسبة ثلاثة الى واحد) ...
إنّ الموقف العسكري كان بجانب المسلمين نتيجة للاستعدادات الدقيقة المتميزة التي أنجزها الرسول ﷺ . وقد كان الوقت في صالح المسلمين أيضا، لأنه كلما مرّت الأيام ازداد المسلمون عددا وقوة وازداد إيمانهم بعقيدتهم وتفانيهم في سبيلها.
стр. 74
إنّ قضية تغلّب المسلمين القليلين على أعدائهم الكثيرين، كانت متوقعة النتائج من الوجهة العسكرية قبل نشوب القتال، نظرا لإعداد قوات المسلمين على نظام رصين مكين، ونظرا لأن نظام أعدائهم كان فاسدا من كل الوجوه.
ولعل في توضيح الموقف العسكري للطرفين ما يعطي بعض الجواب للمؤرخين وللمفكرين العسكريين عن تساؤلهم: كيف تم الفتح الاسلامي بمثل تلك السرعة، فاستطاع المسلمون في خلال ثلاثين سنة فقط من ظهور دعوتهم، أن يكونّوا دولة تمتد من الصين شرقا الى حدود فرنسا غربا والى سبريا شمالا والى المحيط الهندي جنوبا؟ ...
стр. 75
الدفاع عن العقيدة
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) .
(القرآن الكريم)
стр. 76
دوريات القتال والاستطلاع الاولى «١»
الموقف العام
١- المسلمون:
استقرّ المهاجرون في المدينة المنورة، وآخى الرسول ﷺ بينهم وبين الأنصار، فأصبحوا إخوانا في الله.
ومعنى الإخاء أن تذوب العصبيّات الجاهلية، فلا حميّة إلا للإسلام؛ وأن تذهب فوارق النسب واللون والوطن. وقد ظلت عقود الإخاء هذه مقدمة على حقوق القرابة حتى في توارث التركات الى موقعة بدر، إذ بقي بعدها الإخاء المعنوي وانفصم الإخاء المادي في المواريث.
٢- المشركون ويهود:
أ- المشركون:
يتربّص الأعراب المجاورون للمدينة الدوائر بالمسلمين، ويحاولون انتهاز فرصة سانحة للإيقاع بهم.
стр. 77
وتحاول قريش جهدها القضاء على المسلمين في موطنهم الجديد، بعد أن أحفقت في القضاء عليهم بمكة، كما يتمنى مشركو المدينة ومنافقوها أن يتخلصوا من المسلمين الدخلاء الذين استجابوا لله وللرسول ﷺ .
ب- يهود:
طمع يهود أول وصول النبي ﷺ الى المدينة المنورة أن يضمّوه إليهم، فوادعوه وعاهدوه على حرية نشر الدعوة للدين الجديد.
ولكنهم لم يلبثوا حين رأوا أمر المسلمين يستقر ويسمو ويشتد، أن بدأوا يقلبون للمسلمين ظهر المجن ويعملون للوقيعة بينهم؛ فلم يتركوا وسيلة للدس وإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار ولإيقاظ الأحقاد الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم (بعاث) ورواية ما قيل فيه من الشعر ... إلا استغلوها أشنع استغلال.
الهدف الحيوي للدوريات
إشعار المشركين ويهود والمنافقين بقوة المسلمين، لكي يتركوا أحرارا في نشر دعوتهم والدفاع عن عقيدتهم ضد المعتدين.
سير الحوادث (راجع الملحق أ)
سرية حمزة
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من ثلاثين راكبا من المهاجرين بقيادة حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي ﷺ .
стр. 78
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة راكب بقيادة أبي جهل بن هشام.
٢- الهدف:
الوصول الى (العيص) «١» على ساحل البحر الأحمر، لتهديد طريق تجارة قريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى ساحل البحر الأحمر ناحية (العيص) على الطريق التجارية الحيوية بين مكة والشام، وهددت قافلة قريش التجارية فعلا، إلا أن (مجدي بن عمرو الجهني) حجز بين الطرفين، فعاد المسلمون دون قتال.
سرية عبيدة بن الحارث «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال بقوة ستين رجلا من المهاجرين بقيادة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف.
стр. 79
ب- المشركون:
أكثر من مائتي راكب وراجل بقيادة أبي سفيان بن حرب، وفي رواية أنه كان على القوم عكرمة بن أبي جهل.
٢- الهدف:
الوصول الى (وادي رابغ) «١» لتهديد تجاره قريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (وادي رابغ) على الطريق التجارية لقريش بين الشام ومكة، وكان بين المسلمين والمشركين مناوشة، ورمى سعد بن أبي وقاص يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به في الإسلام.
وعاد الطرفان دون قتال، بعد أن أظهر المسلمون للمشركين قوّتهم.
سرية سعد بن أبي وقاص «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من عشرين رجلا من المهاجرين بقيادة سعد بن أبي وقاص.
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش بحماية عدد غير معروف من رجالهم.
стр. 80
٢- الهدف:
الوصول الى (الخرّار) «١» لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام.
٣- النتائج:
لم يستطع سعد بن أبي وقاص اللحاق بالقافلة، ففاتته، لأن عيون قريش علمت بخروج المسلمين إليهم، فأسرعوا بالحركة قبل أن يداهمهم الخطر.
غزوة ودّان «٢» (وهي غزوة الأبواء)
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتكون من مائتي راكب وراجل بقياده الرسول ﷺ .
ب- المشركون:
قوة من قريش ومن بني ضمرة.
٢- الهدف:
الوصول الى (ودّان) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام والعمل على التحالف مع القبائل المسيطرة على هذه الطريق.
стр. 81
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (ودّان) إلا أنها لم تصطدم بقريش، بل لاقت بني ضمرة وعلى رأسهم مخشيّ بن عمرو الضمري وكان سيد بني ضمرة، فوادعه الرسول ﷺ على ألّا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جمعا ولا ولا يعينوا عدوا، وكتب بذلك بينه وبينهم كتابا.
غزوة بواط «١»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال من مائتي راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ .
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش بحماية مائة راكب وراجل يقودهم أمية بن خلف الجمحي.
٢- الهدف:
الوصول الى (بواط) من ناحية جبل (رضوى) على الطريق التجارية لقريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (بواط) ، ولكن عيون قريش علمت بخروج
стр. 82
تلك القوات، فأسرعت قافلتهم بحركتها، وسلكت طريقا غير طريق القوافل المعبّدة، ففاتت القافلة على المسلمين، فرجع الرسول ﷺ ولم يلق كيدا.
وقد بقي المسلمون في (بواط) ما يقارب الشهر الواحد.
غزوة ذي العشيرة «١»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال من مائتي راجل وراكب بقيادة الرسول ﷺ .
ب- المشركون:
بنو (مدلج) وأحلافهم من بني ضمرة وقافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان ابن حرب.
٢- الهدف:
الوصول الى موضع (العشيرة) في منطقة (ينبع) «٢» على الطريق التجارية لقريش بين مكة والشام، للتفاهم مع القبائل وإظهار قوة المسلمين للمشركين.
٣- النتائج:
أقام المسلمون شهرا في (العشيرة) ، فوادعوا بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ... أما قافلة قريش فتملّصت من المرور (بالعشيرة) .
وعاد المسلمون دون قتال.
стр. 83
غزوة بدر الأولى
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من حوالي مائتي راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ .
ب- المشركون:
قوات خفيفة سريعة أغارت على مراعي ضواحي المدينة المنورة واستاقت قسما من إبل وأغنام المسلمين.
٢- الهدف:
مطاردة قوات المشركين واستعادة الغنم والإبل المنتهبة من المسلمين.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (وادي سفوان) «١» قريبا من (بدر) فلم تدرك قوات المشركين، فعادت أدراجها بدون قتال.
سرية عبد الله بن جحش الأسدي «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية استطلاعية بقوة قوامها اثنا عشر رجلا من المهاجرين بقيادة عبد الله
стр. 84
ابن جحش. تحركت الدورية في شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجرة رسول الله ﷺ «١» ، ومع قائدها رسالة (مكتومة) أمره الرسول ﷺ ألا يفتحها إلا بعد يومين من مسيره فإذا فتحها وفهم ما فيها، مضى في تنفيذها غير مستكره أحدا من أفراد قوته على مرافقته! ...
كان مضمون الرسالة: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل (نخلة) بين مكة والطائف، (فترصّد) بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم) .
أطلع عبد الله رجاله على كتاب الرسول ﷺ ، وأخبرهم أن الرسول ﷺ نهاه ألا يستكره أحدا منهم على مرافقته ... فلم يتخلف منهم واحد.
ومضى عبد الله بقوته هذه عدا سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان اللذين ذهبا يطلبان بعيرا لهما ضلّ، فأسرتهما قريش، حتى نزل أرض (نخلة) فمرّت قافلة قريش، فهاجمها المسلمون، فقتل في هذه المعركة من المشركين عمرو بن الحضرمي وأسر المسلمون رجلين «٢» من قريش وفرّ الرابع الى قريش.
وعاد عبد الله بالقافلة والأسيرين الى المدينة المنورة.
ب- المشركون:
قافلة تجارية بحماية أربعة رجال من قريش بقيادة عمرو بن الحضرمي.
٢- الهدف:
الوصول الى (نخلة) واستطلاع أخبار قريش والحصول على المعلومات عنها، كما نصّ ذلك كتاب الرسول ﷺ ، ولم يكن الهدف قتال قريش.
٣- النتائج:
أ- أدى (اندفاع) عبد الله بن جحش الى القتال في الشهر الحرام، مما
стр. 85
يخالف تقاليد العرب حينذاك، الى انتهاز قريش فرصة سانحة للدعاية ضد المسلمين.
ولم يكن الرسول ﷺ يريد (قتالا) ، بل كان يريد (استطلاعا) .
ب- وقع في هذه الغزوة أول قتيل من المشركين وأول غنيمة وأول أسيرين، وقد فادى الرسول ﷺ هذين الأسيرين فأسلم أحدهما «١» وعاد الثاني أدراجه الى مكة المكرمة.
دروس من الدوريات
١- الاستطلاع:
استطاع المسلمون التعرّف على الطرق المحطية بالمدينة المنورة والمؤدية الى مكة المكرمة خاصة الطريق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما استطاعوا التعرف على قبائل المنطقة وموادعة بعضها.
٢- القتال:
أثبت المسلمون أنهم أقوياء يستطيعون الدفاع عن أنفسهم تجاه المشركين من قريش والقبائل المجاورة وأهل المدينة غير الموالين للمسلمين، وتجاه يهود.
وأن بإمكانهم الدفاع عن عقيدتهم عند الحاجة.
وقد أراد المسلمون من ذلك أن تترك لهم الحرية الكاملة لنشر دعوتهم دون تدخل أعدائهم.
وقد تحالف المسلمون مع قسم من القبائل العربية المجاورة للمدينة المنورة والتي تقطن حول طريق مكة- الشام التجارية.
стр. 86
٣- الكتمان:
ابتكر الرسول ﷺ أسلوب (الرسائل المكتومة) للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين، والكتمان أهم عامل من عوامل مبدأ (المباغتة) «١» وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب. وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق (للكتمان) قبل أن يفطن إليه الألمان ويستعملوه في الحرب العالمية الثانية «٢» .
٤- الحصار الاقتصادي:
هدّد المسلمون أهم طريق تجارية بين مكة والشام، فأصبحت قوافل قريش غير آمنة حين تسلك هذه الطريق، مما أثّر أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وهدّد مكة بالحصار الاقتصادي بمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة- الشام بأمان.
стр. 87
الصراع الحاسم بين عقيدتين
(اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني) .
(اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) .
(محمد رسول الله)
стр. 88
غزوة بدر الكبرى المعركة الحاسمة الأولى للإسلام
الموقف العام
١- المسلمون:
ازداد عدد المسلمين في المدينة المنورة وازدادوا قوة وتماسكا، ولكنّ حالتهم الاقتصادية كانت متردية، لأن أكثر المهاجرين فرّوا بأنفسهم وعقيدتهم من مكة المكرمة، وتركوا أموالهم هناك، ولأن الأنصار شاركوا المهاجرين في أرزاقهم القليلة، فلا عجب إذا رأينا المسلمين يفكرون جدّيا في استخلاص أموالهم من قريش.
٢- المشركون ويهود:
أصبح للمشركين ثأر عند المسلمين في قتل عمرو بن الحضرمي، فلا بدّ من الأخذ بهذا الثأر حتى تعود لقريش وحلفائها كرامتهم وهيبتهم عند العرب.
كما أن الطريق التجارية الحيوية بين الشام ومكة أصبحت تحت رحمة المسلمين وحلفائهم، ومعنى ذلك موت تجارة قريش وتردّي مركزها الاقتصادي؛ كما أن انتشار نفوذ المسلمين وازدياد قوتهم يوما بعد يوم، لا يتفق مع احتكار قريش للسيادة على العرب.
تلك هي العوامل المهمة التي جعلت قريشا تفكر جديا في انتهاز اول فرصة للقضاء على الدين الجديد، وكان يهود في المدينة يثيرون الحرب الباردة ضد المسلمين ويحاولون خلق المشاكل لهم ويقومون بواجب (الرتل الخامس) لقريش على المسلمين، ويحرضون أعداء المسلمين على المسلمين.
стр. 89
قوات الطرفين
١- المسلمون:
بلغت قوة المسلمين (٣٠٥) رجلا من المهاجرين والأنصار «١» بقيادة الرسول ﷺ انظر الملحق بأسمائهم- وكان معهم فرسان فقط وسبعون بعيرا يتعاقب الرجلان والثلاثة والأربعة على البعير الواحد.
٢- المشركون:
بلغت قوة المشركين (٩٥٠) رجلا أكثرهم من قريش، معهم مائتا فرس يقودونها وعدد كبير من الإبل لركوبهم وحمل أمتعتهم، وكانت هذه القوة بقيادة عدد من رجالات قريش.
أهداف الطرفين
١- المسلمون:
أ- الاستيلاء على القافلة «٢» التجارية لقريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، التي كان يحميها حرس بين ثلاثين الى أربعين رجلا.
стр. 90
ب- البقاء في (بدر) بعد إفلات القافلة حتى يتسامع المشركون بقوة المسلمين فيها بوهم ويتركوا لهم حرية نشر الدعوة لدينهم.
٢- المشركون:
أ- حماية القافلة التجارية القادمة من الشام.
ب- عند إفلات القافلة تضاربت الآراء في قتال المسلمين أو العودة، فتغلّب رأي القائلين بالقتال، للأخذ بثأر عمرو بن الحضرمي، وللقضاء على قوات المسلمين، ولتعرف العرب قوة قريش وسطوتها، ولتضع حدا لتهديد المسلمين طريق الشام- مكة التجارية.
قبل المعركة
١- المسلمون:
أ- خرج أبو سفيان بن حرب أوائل الخريف من السنة الثانية الهجرية في تجارة كبيرة الى الشام، وقد أراد المسلمون اعتراضها في غزوة (العشيرة) عند ذهابها الى الشام، ولكنها تملّصت منهم.
وتحيّن المسلمون عودتها من الشام، فبعث الرسول ﷺ طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ينتظرانها، حتى إذا وصلا (الحوراء) «١» على طريق الشام- مكة مكثا هناك، فلما مرّت القافلة بهم، أسرعا الى المسلمين يخبر ان النبي ﷺ بأمرها.
ندب الرسول ﷺ المسلمين للخروج، وقال لهم: (هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها) .
стр. 91
وخفّ قسم من الناس وثقل قسم منهم، لأنهم لم يظنوا أن الرسول ﷺ سيخوض معركة حاسمة ضد المشركين، بل ظنوا أن الغزوة ستكون عبارة عن مناوشات طفيفة، كما حدث في السرايا والغزوات السابقة. وأراد جماعة لم يسلموا أن يضموا الى المسلمين طمعا في الغنيمة، فأبى النبي ﷺ عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله.
ب- تحركت قوات المسلمين من المدينة المنورة لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية الهجرية بالترتيبات التالية:
أولا: دورية استطلاعية أمامية للحصول على المعلومات عن اتجاهات القافلة التجارية ونيات قريش.
ثانيا: القسم الأكبر «١» مؤلف من كتيبتين: كتيبة المهاجرين ورايتها مع علي بن أبي طالب وعمير بن هاشم، وكتيبة الأنصار ورايتها مع سعد بن معاذ، وهاتان الرايتان سوداوان.
ثالثا: مؤخرة بإمرة قيس بن أبي صعصعة.
رابعا: راية المسلمين العامة بيضاء مع مصعب بن عمير بن هاشم.
ج- سلكت قوات المسلمين طريق القوافل بين المدينة وبدر البالغ طوله حوالي (١٦٠) كيلومترا، وقد قسّم الرسول ﷺ الإبل المتيسرة وعددها سبعون بعيرا على أصحابه، وكان من نصيبه مع علي بن أبي طالب ومرثد ابن أبي مرثد الغنوي بعير واحد يتعاقبونه، تماما كما يفعل أي فرد من قواته.
قال شريكا الرسول ﷺ في البعير: (نحن نمشي عنك) . فقال: (ما أنتما
стр. 92
بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) . وأراد بذلك المساواة مع أي فرد من قواته.
د- انطلق المسلمون مسرعين خوفا من إفلات قافلة أبي سفيان بن حرب منهم، وبثوا عيونهم يتعرفون الأخبار، فلما وصلوا قريبا من (الصفراء) «١» بعث الرسول ﷺ دورية استطلاعية قوتها رجلان الى (بدر) للحصول على المعلومات عن قريش وقافلتها، فلما وصل المسلمون (وادي ذفران) «٢» جاءهم الخبر بخروج قريش من مكة لنجدة قافلتهم.
هـ- أخبر الرسول ﷺ أصحابه بما بلغه من أمر قريش طالبا مشورتهم، فأدلى أبو بكر وعمرو برأييهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربك فقاتلا إناها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى (برك الغماد) «٣» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه) .
فسكت الناس فقال الرسول ﷺ : (أشيروا عليّ أيها الناس) ، وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم (العقبة) على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على صد اعتداء خارج مدينتهم، فكان الرسول ﷺ يخشى ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن يهاجمه في المدينة المنورة.
стр. 93
فلما أحس الأنصار أن الرسول ﷺ يريد سماع رأيهم، قام سعد بن معاذ وقال: (لكأنك تريدنا يا رسول الله) ؟ فقال: (أجل) !
قال سعد: (لقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا: إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسربنا على بركة الله) .
وارتحلوا جميعا حتى إذا كانوا على مقربة من (بدر) انطلق الرسول ﷺ أمام قواته وبصحبته أبو بكر، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، قال الشيخ: (لا أخبركما حتى تخبراني: ممن أنتما) ؟
قال النبي ﷺ : (إذا أخبرتنا أخبرناك) .
علم الرسول ﷺ من شيخ العرب، أن غير قريش قريبة منه، فقال لشيخ العرب: (نحن من ماء) . ثم انصرف وصاحبه عنه والشيخ يقول: (ما من ماء؟ أمن ماء العراق) ؟ وهكذا لم يخبره الرسول ﷺ عن هويته حتى لا تعلم قريش بمواضع المسلمين.
وأرسل الرسول ﷺ دوريتي استطلاع غرضهما الحصول على معلومات عن قوة قريش ومواضعها.
الدورية الأولى مؤلفة من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، استطاعت الوصول الى ماء بدر، وعادت ومعها
стр. 94
غلامان لقريش، فاستنطقهما الرسول ﷺ ، وعلم منهما أن قريشا وراء الكثيب (بالعدوة القصوى) ولما أجابا: (بأنهما لا يعرفان عدد رجال قريش) .
سألهما: (كم ينحرون يوميا) ؟ فأجابا: (يوما تسعا ويوما عشرا) ، فاستنبط الرسول ﷺ من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف، وعرف من الغلامين كذلك أن أشرف قريش جميعا خرجوا لمنعه.
والدورية الثانية مؤلفة من رجلين من المسلمين وصلا ماء بدر، فسمع جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تجيبها: (إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك) ، فعاد الرجلان فأخبرا الرسول ﷺ بما سمعا.
ز- تأهّب المسلمون لخوض المعركة وعسكروا في أدنى ماء من بدر فجاء الحباب بن المنذر «١» الى رسول الله ﷺ ، فقال: (أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة) ؟
стр. 95
قال: (بل هو الحرب والرأي والمكيدة) .
قال الحباب: (يا رسول الله. فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فنعسكر فيه، ثم نعوّر «١» ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون) .
أنفذ الرسول ﷺ هذا الرأي، فما حلّ نصف الليل حتى تحول المسلمون الى معسكرهم الجديد، وامتلكوا مواقع الماء، وأعلن الرسول ﷺ لأصحابه:
(أنه بشر مثلهم، وأن الرأي شورى بينهم، وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة الى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم) ...
وأنجزوا بناء الحوض وملأوه ماء، ثم غوّروا المياه الأخرى، وتم كل ذلك ليلا، ثم أخذوا قسطهم من الراحة بقية الليل، ليكونوا أقوياء في الصراع الوشيك.
٢- المشركون:
علم أبو سفيان بن حرب بخروج الرسول ﷺ لاعتراض قافلته حين رحلته الى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين عودته.
لقد كانت القافلة حوالي ألف بعير موفرة بالأموال، إذ لم يبق أحد من قريش رجالا ونساء لم يساهم فيها بحظ حسب امكاناته الاقتصادية، حتى قوّم ما تحمله القافلة بخمسين ألفا من الدنانير.
ولما تأكد أبو سفيان بن حرب من خروج الرسول ﷺ وأصحابه للتعرض
стр. 96
لقافلته العزلاء إلا من ثلاثين أو أربعين رجلا، استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه مسرعا الى مكة ليستنفر قريشا الى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه.
وصل ضمضم الى مكة، فقطع أذن بعيره، وجدع أنفه وحول رحله، ووقف هو عليه وقد شقّ قميصه من قبل ومن دبر، وجعل يصيح: (يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة «١» ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ... لا أرى أن تدركرها. الغوث الغوث ... ) .
ولم تكن قريش في حاجة الى من يستنفرها، فقد كان لكل فرد منها في العير نصيب.
ولما فرغت قريش من جهازها وأجمعت المسير، ذكرت ما كان بينها وبين بني (كنانة) من الحرب والحزازات، فخشوا أن تضربهم (كنانة) من الخلف، وكاد هذا المحذور يقعدهم عن الخروج لولا أن جاء مالك بن جشعم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: (أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه) ...
إذ ذاك قررت قريش الخروج خاضعة لرأي دعاة الحرب وعلى رأسهم أبو جهل، أشد الناس عداوة للمسلمين، وعامر بن الحضرمي أخو عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون في (نخلة) والذي يحرص على الأخذ بثأره.
ولم يتخلّف من أشراف قريش غير أبي لهب الذي أرسل مكانه رجلا آخر، كما حشد هؤلاء كل القادرين على حمل السلاح من قريش وحلفائهم.
وسبق أبو سفيان بن حرب قافلته للحصول على المعلومات عن قوة المسلمين
стр. 97
ومواضعهم فلما ورد ماء (بدر) وجد عليه مجدي بن عمرو، فسأله: (هل رأى أحدا من المسلمين) ؟ فأجاب مجدي: (لم أر إلا راكبين أناخا الى هذا التل) ، وأشار الى حيث أناخ الرجلان من المسلمين.
فحص أبو سفيان بن حرب مناخهما، فوجد في روث بعيريهما نوى عرفه في علائف يثرب، فأدرك أن الرجلين من أصحاب النبي ﷺ ، وأن جيشه منه قريب، فرجع الى القافلة ليغيّر طريقها نحو الساحل، تاركا (بدرا) الى يساره، وأسرع في مسيره حتى بعدت المسافة بين القافلة وبين قوات المسلمين، وأرسل أبو سفيان الى قريش يطلب منهم أن يعودوا أدراجهم الى مكة لنجاة قافلتهم من المسلمين.
وأرسلت قريش عمير بن وهب الجمحي ليستطلع لهم قوة المسلمين، فرجع إليهم ليخبرهم أنهم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولا كمين لهم ولا مدد، ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، فلا يموت منهم رجل قبل أن يقتل رجلا مثله.
وتضاربت آراء قريش، منهم من يريد الرجوع ومن هؤلاء بنو زهرة الذين رجعوا فعلا، ومنهم من يريد البقاء، ومعنى ذلك الاصطدام بالمسلمين.
قال أبو جهل زعيم الذين أرادوا البقاء لقتال المسلمين: (والله لا نرجع حتى نرد (بدرا) ، فنقيم عليه ثلاثة ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها) .
وقصد حكيم بن حزام عتبة بن ربيعة فقال: (يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها. هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير الى آخر الدهر) ؟
стр. 98
قال عتبة: (وماذا يا حكيم) ؟
قال حكيم: (ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي) .
قال عتبة: (قد فعلت. أنت عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله «١» وما أصيب من ماله؛ فأت ابن الخنظلية- يقصد أبا جهل- فإني لا أخشى أن يشجر- أي يخالف بين الناس ويحملهم على عدم الوفاق- أمر الناس غيره) .
قال حكيم: (فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته نثل درعا- أي أخرج درعه- من جرابها، يهنئها- أي يتفقدها ويعدها للقتال- فقلت: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا) ...
قال أبو جهل: (انتفخ والله سحره «٢» - يقصد أن عتبة جبن- حين رأى محمدا ﷺ وأصحابه- كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور؛ وفيهم ابنه تخوّفكم عليه) ...
وبعث أبو جهل الى عامر بن الحضرمي فقال: (هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك) «٣» . فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف، ثم صرخ: (واعمراه!! واعمراه!!) .
ولما علم عتبة بقول أبي جهل: (انتفخ والله سحره) قال: (سيعلم مصفّر أسته- أي الجبان- من انتفخ سحره، أنا أم هو) ؟
ولم يبق مفر ولا مهرب من القتال.
стр. 99
سير القتال
١- أنجز المسلمون قبل بدء القتال ما يلي:
أ- انتخب الرسول ﷺ موضعا مشرفا على منطقة القتال في (بدر) وبنى فيه مقرّه- العريش- وأمّن حراسة هذا المقر.
ب- جرى ترتيب المقاتلين في صفوف، وساوى الرسول ﷺ بين الصفوف بعد أن شجّع أصحابه وحرّضهم على الصبر في القتال.
وأمر الرسول ﷺ أصحابه أن يصدّوا هجمات المشركين وهم مرابطون في مواقعهم وقال لهم: (إذا اكتنفكم القوم، فانضحوهم بالنبل، ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا) ...
ج- كانت كلمة التعارف بين المسلمين وشعارهم في القتال: أحد ... أحد.
٢- دخل المسلمون المعركة بالأسلوب الآنف الذكر: مقر قيادة كامل، وسيطرة لقائد واحد، وأسلوب جديد في القتال لم تعرفه العرب من قبل، هو أسلوب الصف.
٣- أما المشركون فقد مارسوا أسلوب قتال (الكر والفر) بدون قيادة منظمة ولا سيطرة، بحيت جرى قتالهم كأفراد لا كمجموعة موحّدة.
٤- بدأ المشركون الهجوم أولا، إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون قائلا: (أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه) ، فتصدّى له حمزة بن عبد المطلب ﵁ فضربه بالسيف ضربة أطارت نصف ساقه، ومع ذلك حبا الى الحوض لاقتحامه، وتبعه حمزة يقاتله حتى قتله فيه.
стр. 100
٥- برز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فخرج إليهم فتية من الأنصار، ولكنّ الرسول ﷺ أعادهم وطلب خروج عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، لأنهم من أهله فهو يؤثرهم بالخطر على غيرهم، ولأن شجاعتهم وممارستهم للقتال معروفة، لذلك فإن نجاحهم مضمون على رجالات قريش، مما يرفع معنويات المسلمين ويضعضع معنويات المشركين.
بارز عبيدة عتبة، وبارز عليّ الوليذ، وبارز حمزة شيبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وكذلك فعل علي، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر، فكرّ علي وحمزة بأسيافهما على عتبة، فأجهزا عليه واحتملا صاحبهما.
٦- استشاط المشركون غضبا لهذه البداية السيئة، فأمطروا المسلمين وابلا من سهامهم وهاجمتهم فرسانهم، إلا أن صفوف المسلمين بقيت صامدة في مواضعها، تصوّب نبالها على المشركين متوخية إصابة ساداتهم بالدرجة الأولى؛ ولم يفطن المشركون لأسلوب المسلمين الجديد في القتال، مما جعل رجالات المشركين تتهاوى بوابل نبال المسلمين المصوّبة تصويبا دقيقا والمسيطر عليها.
٧- ونزل الرسول ﷺ بنفسه يقود صفوف المسلمين، وأخذت هذه الصفوف تقترب رويدا رويدا من فلول المشركين التي فقدت قادتها ... حتى تبعثرت قوات المشركين.
وحينذاك فقط أصدر الرسول ﷺ أمره لقواته: (شدّوا) ، ومعنى ذلك القيام بالمطاردة.
وبدأت مطاردة المسلمين لفلول المشركين، وأخذوا يجمعون الغنائم والأسرى.
стр. 101
٨- ابتدأت معركة (بدر) صباح يوم الجمعة ١٧ رمضان من السنة الثانية الهجرية، وانتهت مساءه، وبقي المسلمون ثلاثة أيام في (بدر) بعد المعركة ...
ثم غادروها عائدين الى المدينة المنورة.
خسائر الطرفين
١- المسلمون:
استشهد أربعة عشر مسلما: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
(انظر الملحق ج) .
٢- المشركون:
قتل سبعون رجلا «١» وأسر سبعون أيضا «٢» .
أسباب انتصار المسلمين
١- قيادة موحدة:
كان الرسول ﷺ هو القائد العام للمسلمين في معركة (بدر) ، وكان
стр. 102
المسلمون يعملون يدا واحدة تحت قيادته: يوجّههم في الوقت الحاسم للمحل الحاسم للقيام بعمل حاسم، وهذا هو واجب القائد الكفء.
وكان ضبط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم مثالا رائعا للضبط الحقيقي المتين، وإذا كان الضبط أساس الجندية، وإذا كان الجيش المتميّز هو الذي يتحلى بضبط متميّز، فقد كان جيش المسلمين جيشا متميّزا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان.
إنّ معنى الضبط، هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وإخلاص وعن طيبة خاطر.
وقد كان المسلمون ينفذون أوامر قائدهم بحرص شديد وأمانة نادرة وإخلاص عجيب وبشوق وطيبة خاطر عظيمين، ومن حقهم أن يفعلوا ذلك، لأن قائدهم يتحلى بصفات القائد المثالي.
صبر في الشدائد، وشجاعة نادرة في المواقف الحرجة، ومساواة لنفسه بأصحابه، واستشارتهم في كل عمل حاسم وأخذه بالمشورة وتطبيقها.
رأى الخطر محدقا بأصحابه قبل المعركة، لأنهم قليلون وقريش تفوقهم عددا وعددا ... فقابل ذلك بالصبر والتوكل على الله وشجّع أصحابه على الصبر في القتال.
وعندما اشتدت المعركة نزل يخوضها بنفسه، وحسبك شهادة علي بن أبي طالب سيد الشجعان حيث يقول: (إنا كنا إذا اشتد الخطب واحمرّت الحدق، اتّقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب الى العدو منه، ولقد رأيتني يوم (بدر) ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا الى العدو) .
стр. 103
ولم يؤثر نفسه بمال أو راحة على أصحابه، وقد رأيت كيف ساوى نفسه مع أصحابه حتى في اعتقاب الإبل والمشي على الأقدام.
وشاور أصحابه حين بلغه خبر خروج قريش، وسمع رأي المهاجرين والأنصار في لقاء المشركين وقبل مشورة أحد أصحابه في تبديل معسكره في (بدر) حين نزل بأدنى ماء منها، فانتقل بالمسلمين الى حيث أشار الحباب، وغوّر القلب وبنى حوضا على القليب الذي أتاه؛ واستشار المسلمين في أمر الأسرى بعد المعركة، وعمل بالرأي الذي أبداه أبو بكر الصديق ﵁ ومشايعوه.
تلك مزايا القائد المثالي في كل زمان ومكان.
ولا بدّ للقائد من مقرّ يسيطر منه على المعركة، فبنى العريش فوق رابية مشرفة على ساحة المعركة، وكان لمقره حرس بإمرة آمر مسئول.
كل ذلك جعل المسلمين يقاتلون كرجل واحد، لغاية واحدة، بقيادة قائد واحد ... وهذا عامل مهم من عوامل النصر في كل حرب: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) «١» .
أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام: كان أكثر سراة قريش مع قوات المشركين، ولكنّ البارزين من هؤلاء على ما يظهر هما رجلان: عتبة بن ربيعة وأبو جهل، وقد رأيت كيف أنهما لم يكونا على رأي واحد ولم يكن لهما هدف واحد، بل إنهما كانا أقرب الى العداوة منهما الى الإخاء.
لذلك فقد طغت الأثرة الفردية على المصلحة العامة أثناء القتال، وحاول كل رجل من رجالات قريش أن يظهر نفسه بطلا لتتحدث العرب عنه، دون أن يكترث بأثر ذلك على نتائج المعركة.
стр. 104
٢- تعبئة جديدة:
طبّق الرسول ﷺ في (مسير الاقتراب) «١» من المدينة المنورة الى (بدر) تشكيلا لا يختلف بتاتا عن التعبثة الحديثة في حرب الصحراء.
كانت له مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الصحيحة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء حتى في العصر الحاضر.
أما في المعركة، فقد قاتل المسلمون بأسلوب: (الصفوف) ، بينما قاتل المشركون بأسلوب: (الكرّ والفر) .
ولا بد لنا من بيان الفرق بين الأسلوبين، لمعرفة عامل من أهم عوامل انتصار المسلمين.
القتال بأسلوب: (الكرّ والفر) ، هو أن يهجم المقاتلون بكل قوّتهم على العدو: النشابة منهم والذين يقاتلون بالسيوف ويطعنون بالرماح، مشاة وفرسانا، فإن صمد لهم العدو أو أحسّوا بالضعف نكصوا، ثم أعادوا تنظيمهم وكرّوا، وهكذا يكرّون ويفرّون حتى يكتب لهم النصر أو الفشل.
والقتال بأسلوب: (الصفوف) ، يكون بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة صفوف أو أكثر على حسب عددهم، وتكون الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف المتعاقبة الأخرى من المسلحين بالنبال لتسديدها على المهاجمين من الأعداء.
стр. 105
وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها، الى أن يفقد زخم المهاجمين بالكرّ والفر شدّته ... عند ذاك تتقدم الصفوف متعاقبة للزحف على العدو.
يظهر من ذلك أن أسلوب (الصفوف) يتميز على أسلوب (الكرّ والفر) بأنه يؤمّن ترتيب القوات بالعمق، فتبقى دائما بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجوما مضادا للعدو، أو يضرب كمينا لم يتوقعه، أو أن يحمي الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته، ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة.
إن أسلوب (الصفوف) يؤمّن السيطرة عنى القوة بكاملها، ويؤمّن احتياطا للطوارىء، ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد؛ أما أسلوب (الكر والفر) فيجعل القائد يفقد السيطرة على قواته ولا يؤمّن له أي احتياط للطوارىء.
إن تطبيق الرسول ﷺ لأسلوب (الصفوف) في معركة (بدر) ، عامل مهم من عوامل انتصاره على المشركين؛ والتاريخ العسكري يحدثيا بأن سر انتصار القادة العظام كالإسكندر وهنيبال قديما ونابليون ومولتكه ورومل ورونشتد حديثا، هو أنهم طبقوا أسلوبا جديدا في القتال غير معروف أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة.
استعرض الرسول ﷺ أصحابه قبل القتال، فعندما رآهم يتزاحمون ويدنو بعضهم من بعض جعلهم صفوفا وأخذ يعدل صفوفه.
وبعد ذلك خطبهم حاثا لهم على الجهاد، وأمرهم أن يصدوا هجوم العدو وهم مرابطون في مواقعهم، وذلك بتسديد النبال الى صدور العدو، كما أمرهم ألّا يحملوا إلا بأمر منه.
стр. 106
فلما تهاوت رجال قريش وضعف زخم هجومهم، أصدر الى المسلمين أمره بالهجوم؛ ثم بالمطاردة بعد انهزام المشركين.
لقد سيطر الرسول ﷺ على (الصفوف) في دفاعها وهجومها ومطاردتها، حتى لم يتقدم أحد للمبارزة إلا بأمر منه، ولم يقم المسلمون بأي عمل حربي إلا بأمر منه أيضا.
وبذلك أمّن السيطرة على قواته والاحتياط اللازم لها ... تماما كما في الحرب الحديثة.
لقد طبق الرسول ﷺ في (بدر) أسلوبا جديدا في القتال، فانتصر ...
٣- عقيدة راسخة:
رأيت كيف كان جواب المهاجرين والأنصار للرسول ﷺ حين استشارهم في قتال قريش.
لقد علم المسلمون بأن قريشا تفوقهم في العدد والعدد، وأن عدد قوات قريش ثلاثة أمثال عدد المسلمين، ومع ذلك عزموا على الصمود الى النهاية. كما علموا أن قافلة قريش فاتتهم، فلم يبق هناك كسب مادي يرجونه، ومع ذلك صمّموا على القتال.
لقد كانت للمسلمين أهداف معينة يعرفونها ويؤمنون بها، هي أن تترك الحرية الكاملة لهم لنشر دعوتهم وحمايتها، حتى تكون كلمة الله هي العليا.
فما هي أهداف قريش من حربها، إلا أن تنحر الجزور وتطعم الطعام وتشرب الخمر وتعزف القيان، فتسمع العرب بمسيرها، فيها بونها أبدا بعدها، كما قال أحد زعمائهم وهو أبو جهل!!
стр. 107
وهل نستطيع تسمية ذلك أهدافا، أم ذلك طيش وغرور وعصبية جاهلية؟
في هذه المعركة التقى الآباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة ...
خالفت بينهم المبادىء، ففصلت بينهم السيوف.
كان أبو بكر الصديق ﵁ مع المسلمين. وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين. وكان عتبة بن ربيعة مع قريش، وكان ولده أبو حذيفة مع المسلمين.
وعندما استشار الرسول ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في مصير الأسرى، قال عمر: (أرى أن تمكّني من فلان- قريب عمر- فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم) .
فما الذي يدفع لمثل هذا القول إلا عقيدة راسخة وإيمان عظيم، وهل يستطيع الذين لا عقيدة لهم، ولا تحمل صدورهم إلا أهواء الجاهلية، وعصبية الأنانية، وحب الظهور، أن يقاتلوا ببسالة وشجاعة كما يقاتل أمثال هؤلاء من أصحاب اليقين الثابت، والعقيدة الراسخة؟
٤- معنويات عالية:
شجع الرسول ﷺ أصحابه قبل القتال وأثناءه، وقوّى عزائمهم ومعنوياتهم، حتى لا يكترثوا بتفوق قريش عليهم بالعدد والعدد؛ ولم تكن معنويات الكبار الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين هي العالية فحسب، إنما كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربا ولا قتالا عالية أيضا.
стр. 108
قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: (إني لفي الصف يوم (بدر) ، إذا التفتّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل. فقلت:
يا ابن أخي، ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه) ...
(وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصقرين: فضرباه حتى قتلاه) ، وقد استشهد هذان البطلان في (بدر) ، وهما ابنا عفراء: عوف بن الحارث الخزرجي الأنصاري «١» ومعوّذ بن الحارث الخزرجي الأنصاري «٢» .
فإذا كانت معنويات الفتيان الأحداث بهذا المستوى الرفيع، فكيف تكون معنويات الرجال؟
لقد أثبتت كل الحروب في كل أدوار التاريخ، أن التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحلّ المقاتلون بالمعنويات العالية.
стр. 109
لقد كان تنظيم وتسليح الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية متميزين، كما كان عددهم ضخما؛ فلم يغن عنهم كل ذلك، لأن معنوياتهم كانت منهارة!
لذلك كانوا عبئا ثقيلا على حلفائهم الألمان في كل معركة اشتركوا فيها معهم.
بل كان الحلفاء يعتبرون المناطق التي تشغلها القوات الايطالية فراغا عسكريا لا يكترث به!!
إن المعنويات العالية التي كان يتحلى بها المسلمون في (بدر) ، من أهم أسباب نصرهم في تلك المعركة الحاسمة.
لقد كانت معركة بدر صراعا حاسما بين عقيدتين ... فانتصرت العقيدة التي تستحق البقاء على العقيدة التي تستحق الفناء ...
دروس من بدر
١- الاستطلاع:
استفاد الطرفان من دوريات الاستطلاع في الحصول على المعلومات، ليحولوا دون مباغتتهم، وكان حصول الطرفين على المعلومات عن القوات ومواقعها عن الأرض جيدا مفيدا.
وقد ظهرت لنا فائدة استنطاق الأسرى الذي أجراه الرسول ﷺ مع غلامي قريش قبل المعركة في معرفة عدد قوات قريش، كما كان استنتاج أبي سفيان بن حرب من فحصه روث ركائب المسلمين اللذين استطلعا موقع (بدر) ومعرفته هويتهما رائعا حقا.
إن تشبّث الطرفين بالحصول على المعلومات، حرم الطرفين من: (مبدأ المباغتة) في الزمان والمكان، فلم يستفد أحد الطرفين من هذا المبدأ الحيوي في هاتين الناحيتين أو في إحداهما على الأقل في هذه المعركة.
стр. 110
٢- القيادة:
برزت مزايا الرسول ﷺ في القيادة بمعركة (بدر) : الشجاعة، وضبط الأعصاب، وعقد المؤتمرات الحربية قبل وأثناء وبعد المعركة، ومساواة أصحابه مع نفسه بكل شيء، كما طبّق الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام لأول مرة شروط انتخاب المقر الملائم للمعركة وأمّن حراسته.
٣- الضبط والمعنويات والعقيدة:
ظهر بوضوح أثر الضبط المتين والمعنويات العالية والعقيدة الراسخة في انتصار المسلمين على قريش، وستبقى هذه المزايا حيوية لكل انتصار في كل حرب.
٤- القضايا التعبوية:
أ- في مسير الاقتراب:
كانت ترتيبات المسلمين في مسير الاقتراب ملائمة جدا: مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، وراية لكل من المهاجرين والأنصار، وراية عامة للقوات كلها.
كما كانت دوريات الاستطلاع أمام رتل المسلمين تحول دون مباغتتهم وهي تزوّدهم بالمعلومات عن قريش.
إن ترتيبات المسلمين التعبوية في مسير الاقتراب تشابه تماما ترتيبات القوات النظامية الحديثة في مسير الاقتراب في حرب الصحراء.
ب- في القتال:
استخدم المسلمون لأول مرة (أسلوب الصف) في قتالهم ضدّ قريش، بينما