← Сира

Сира · id 9825

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عيون غربية منصفة

حسين حسينى معدى

Полный текст (275 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

«يقول برنابا: «سيأتى مسيا (أى الرسول) المرسل من الله لكل العالم، وحينئذ يسجد لله فى كل العالم وتنال الرحمة..» «١» ..» «٢» . « ... كلمة إنجيل كلمة يونانية تعنى بشارة، ولعل هذا هو الذى نستفيده من سيرة سيدنا عيسى ﵇، أنه كن بشرى من الله للرحمة، وبشرى بتبشيره عن المسيا الذى سيأتى للعالمين هدى ورحمة، ألا وهو الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ » «٣» . «يقول عيسى- ﵇ كما جاء فى إنجيل برنابا: «لأن الله سيصعّدنى من الأرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إيّاى. ومع ذلك فإنه حين يموت شر ميتة أمكث لنا فى ذلك العار زمنا طويلا فى العالم ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عنى هذه الوصمة» «٤» ..» «٥» .

стр. 107

آرنولد وهيا معا لنسمع شهادات أخرى معترفة بالحق « ... لعله من المتوقع، بطبيعة الحال، أن تكون حياة مؤسس الإسلام ومنشيء الدعوة الإسلامية- ﷺ ، هى الصورة الحقة لنشاط الدعوة إلى هذا الدين. وإذا كانت حياة النبى- ﷺ هى مقياس سلوك عامة المؤمنين، فإنها كذلك بالنسبة إلى سائر دعاة الإسلام. لذلك نرجو من دراسة هذا المثل أن نعرف شيئا عن الروح التى دفعت الذين عملوا على الاقتداء به، وعن الوسائل التى ينتظر أن يتخذوها. ذلك أن روح الدعوة إلى الإسلام لم تجىء فى تاريخ الدعوة متأخرة بعد أناة وتفكر، وإنما هى قديمة قدم العقيدة ذاتها. وفى هذا الوصف الموجز سنبين كيف حدث ذلك وكيف كان النبى محمد ﷺ يعد نموذجا للداعى إلى الإسلام ... » «١» . «.. من الخطأ أن نفترض أن محمدا- ﷺ فى المدينة قد طرح مهمة الداعى إلى الإسلام والمبلغ لتعاليمه، أو أنه عندما سيطر على جيش كبير يأتمر بأمره، انقطع عن دعوة المشركين إلى اعتناق الدين..» «٢» . « ... إن المعاملة الحسنة التى تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبى- ﷺ واهتمامه بالنظر فى شكاياتهم، والحكمة التى كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التى أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف فى جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفا لديهم، كما جعل صيته ذائعا فى كافة أنحاء شبه الجزيرة سيدا عظيما ورجلا كريما. وكثيرا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبى- ﷺ بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيا إلى الإسلام جادا فى تحويل إخوانه إليه..» «٣» .

стр. 108

واشنجتون إيرفنج «كان محمد- ﷺ خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله» «١» . «كانت تصرفات الرسول- ﷺ فى «أعقاب فتح» مكة تدل على أنه نبى مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح فى مركز قوى. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو» «٢» . «لقى الرسول- ﷺ من أجل نشر الإسلام كثيرا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير فى صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحا كبيرا، وتعرض خلال إبلاغ الوحى إلى الإهانات والاعتداآت والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعى وراء الثراء من أجل نشر العقيدة» «٣» . «برغم انتصارات الرسول- ﷺ العسكرية لم تثر هذه الانتصارات كبرياءه أو غروره، فقد كان يحارب من أجل الإسلام لا من أجل مصلحة شخصية، وحتى فى أوج مجده حافظ الرسول- ﷺ على بساطته وتواضعه، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة أن يقوموا له أو يبالغوا فى الترحيب به وإن كان قد هدف إلى تكوين دولة عظيمة، فإنها كانت دولة الإسلام، وقد حكم فيها بالعدل، ولم يفكر أن يجعل الحكم فيها وراثيا لأسرته» «٤» . «كان الرسول- ﷺ ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع فى يديه من غنائم فى سبيل انتصار الإسلام، وفى معاونه فقراء المسلمين، وكثيرا ما كان ينفق فى سبيل ذلك آخر درهم فى بيت المال ... وهو لم يخلف وراءه دينارا أو درهما أو رقيقا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض فى الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة» «٥» .

стр. 109

بارت «١» «كان من بين ممثلى حركة التنوير من رأوا فى النبى العربى- ﷺ أدلة الله، ومشرعا حكيما، ورسولا للفضيلة، وناطقا بكلمة الدين الفطرى، مبشرا به» «٢» . «كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة فى بوادى وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فسادا. حتى أتى محمد- ﷺ ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم فى كيان واحد متجانس» «٣» . بروى «٤» «جاء محمد بن عبد الله- ﷺ ، النبى العربى وخاتم النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة (فى دعوته) لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد أعداء المسلمين ... ونشر الدين الحنيف.. وعندما قبض النبى العربى- ﷺ ، عام ٦٣٢ م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعى يسمو كثيرا فوق النظام القبلى الذى كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم فى وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل ... » «٥» .

стр. 110

بلاشير « ... إن معجزة النبى- ﵊ الحقيقة والوحيدة هى إبلاغه الناس رسالة ذات روعة أدبية لا مثيل لها، فمن هو ذلك الرجل المكلّف بالمهام الثقيلة العبء وهى حمل النور إلى عرب الحجاز فى أوائل القرن السابع؟ إن محمدا- ﵊ لا يبدو فى القرآن إطلاقا، منعما عليه بمواهب تنزهه عن الصفات الإنسانية، فهو لا يستطيع فى نظر معاصريه المشركين أن يفخر بالاستغناء عن حاجات هى حاجاتهم، وهو يصرّح بفخر أنه لم يكن سوى مخلوق فان: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (الكهف: ١١٠) . وهو لم يتلق أى قدرة على صنع المعجزات، ولكنه انتخب ليكون منذرا ومبشرا للكافرين. إن نجاح رسالته مرتبط إذن فى قيمتها الإحيائية وإلى شكلها المنقطع النظير. ولم يكن محمد- ﵊ رغم ذلك، صاحب بيان ولا شاعرا، فإن الأخبار التى روت سيرته لم تحسن الاحتفاظ بذكرى مفاخراته الشخصية، وثمة عوامل تحملنا على الشك فيما إذا كان عرف استعمال السجع، أو أنه تلقى من السماء فنّ ارتجال الشعر. وعندما قال عنه المكّيّون المشركون إنه شاعر، أو حين عرّضوا بأن مصدر الوحى جنّى معروف أزال الله عنه هذه التهمة: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (يس ٦٩: ٧٠) ، وهكذا يطرح هذا الوحى البالغ جماله حد الإعجاز، الواثق بحمل الناس بقوة بيانه على الهداية، كظاهرة لا علاقة لها بالفصاحة ولا الشعر» «٢» . (١) تاريخ الأدب العربى، ٢/ ١٤- ١٥.

стр. 111

مارسيل بوازار «سبق أن كتب كل شيء عن نبى الإسلام- ﷺ ، فأنوار التاريخ تسطع على حياته التى نعرفها فى أدق تفاصيلها. والصورة التى خلفها محمد- ﷺ عن نفسه تبدو، حتى وإن عمد إلى تشويهها، علمية فى الحدود التى تكشف فيها وهى تندمج فى ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الدينى وتتيح إدراك عظمته الحقيقية ... » «١» . «لم يكن محمد- ﷺ على الصعيد التاريخى مبشرا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت فى تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق ... » «٢» . «منذ استقر النبى محمد- ﷺ فى المدينة، غدت حياته جزآ لا ينفصل من التاريخ الإسلامى. فقد نقلت إلينا أفعاله وتصرفاته فى أدق تفاصيلها.. ولما كان منظما شديد الحيوية، فقد أثبت نضالية فى الدفاع عن المجتمع الإسلامى الجنينى، وفى بث الدعوة ... وبالرغم من قتاليته ومنافحته، فقد كان يعفو عند المقدرة، لكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين. ويبدو أن مزايا النبى الثلاث، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت المجتمع الإسلامى فى إبان قيامه وجسّدت المناخ الروحى للإسلام ... وكما يظهر التاريخ الرسول- ﷺ قائدا عظيما ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحا قوى الشكيمة له سياسته الحكيمة التى تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطى كل صاحب حق حقه. ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع الاعتراف بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات فى الوقت الذى كان

стр. 112

النصر العسكرى قد بدأ يحالفه. وإذا تذكرنا أخيرا على الصعيد النفسانى هشاشة السلطان الذى كان يتمتع به زعيم من زعماء العرب، والفضائل التى كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلى بها، استطعنا أن نستخلص أنه لا بدّ أن يكون محمد- ﷺ الذى عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنسانا فوق مستوى البشر حقا، وأنه لابد أن يكون نبيا حقيقيا من أنبياء الله» «١» . « ... لقد كان محمد- ﷺ نبيا لا مصلحا اجتماعيا. وأحدثت رسالته فى المجتمع العربى القائم آنذاك تغييرات أساسية لا تزال آثارها ماثلة فى المجتمع الإسلامى المعاصر..» «٢» . « ... مما لا ريب فيه أن محمدا- ﷺ قد اعتبر، بل كان فى الواقع، ثائرا فى النطاق الذى كان فيه كل نبى ثائرا بوصفه نبيا، أى بمحاولته تغيير المحيط الذى يعيش فيه..» «٣» .

стр. 113

توينبى «١» «لقد كرّس محمد- ﷺ حياته لتحقيق رسالته فى كفالة هذين المظهرين فى البيئة الاجتماعية العربية (وهما الوحدانية فى الفكرة الدينية، والقانون والنظام فى الحكم) . وتم ذلك فعلا بفضل نظام الإسلام الشامل الذى ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة، بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم بأسره من سواحل الأطلسى إلى شواطئ السهب الأوراسى ... » «٢» . « ... لقد أخذت سيرة الرسول العربى- ﷺ بألباب أتباعه، وسمت شخصيته لديهم إلى أعلى علّيين، فامنوا برسالته إيمانا جعلهم يتقبلون ما أوحى به إليه وأفعاله كما سجّلتها السنة، مصدرا للقانون، لا يقتصر على تنظيم حياة الجماعة الإسلامية وحدها، بل يرتب كذلك علاقات المسلمين الفاتحين برعاياهم غير المسلمين الذين كانوا فى بداية الأمر يفوقونهم عددا» «٣» .

стр. 114

فيليب حتى «إن اللغة العربية هى لغة القرآن التى كانت الأساس الذى قامت عليه أمة جديدة أخرجت للناس، أمة جاءت بها بعثة محمد- ﷺ من قبائل متنافرة متنازعة لم يقدّر لها من قبل أن تجتمع على رأى واحد. وهكذا استطاع رسول الإسلام- ﷺ أن يضيف حدا جديدا (رابعا) إلى المأثرة الحضارية ذات الحدود الثلاثة من الدين والدولة والثقافة، ذلك الحد الرابع الجديد كان (إيجاد أمة ذات لغة فوق اللغات) ... » «١» . «إن إقامة الأخوة فى الإسلام مكان العصبية الجاهلية (القائمة على الدم والقرابة) للبناء الاجتماعى كان فى الحقيقة عملا جريئا جديدا قام به النبى العربى- ﷺ ..» «٢» . «فى الكتاب المعاصرين لنا نفر يحاولون أن يكتشفوا الأعمال الباهرة «التى حققها محمد- ﷺ ) أو أن يعالجوا حياته الزوجية على أساس من التحليل النفسى، فلا يزيدون على أن يضيفوا إلى أوجه التحامل وإلى الآراء الهوائية أحكاما من زيف العلم..» «٣» . «صفات محمد- ﷺ مثبتة فى القرآن بدقة بالغة فوق ما نجد فى كل مصدر آخر. إن المعارك التى خاضها والأحكام التى أبرمها والأعمال التى قام بها لا تترك مجالا للريب فى الشخصية القوية والإيمان الوطيد والإخلاص

стр. 115

البالغ وغير ذلك من الصفات التى خلقت الرجال القادة فى التاريخ. ومع أنه كان فى دور من أدوار حياته يتيما فقيرا، فقد كان فى قلبه دائما سعة لمواساة المحرومين فى الحياة» «١» . «إذا نحن نظرنا إلى محمد- ﷺ من خلال الأعمال التى حققها، فإن محمدا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحدا من أقدر الرجال فى جميع أحقاب التاريخ، لقد نشر دينا هو الإسلام، وأسس دولة هى الخلافة، ووضع أساس حضارة هى الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هى الأمة العربية. وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة فى حياة الملايين من البشر» «٢» . جورج حنا «.. كان محمد- ﷺ يخرج من سويعات (لقائه مع جبريل ﵇ بايات تنطق بالحكمة، داعيا قومه إلى الرجوع من غيّهم، والإيمان بالإله الواحد الكلّى القدرة، صابّا النقمة على الآلهة الصنمية، التى كان القوم يعبدونها فكان طبيعيا أن يحقد عليه أشراف العرب ويضمروا له الشر، لما كان فى دعوته من خطر على زعامتهم، وهى ما كانت قائمة إلا على التعبد للأصنام التى جاء هذا الرجل يدعو إلى تحطيمها. لكن محمدا- ﷺ لم يكن يهادن فى بث دعوته، ولم يكن يسكت عن اضطهاد أشراف قريش له، بل كان يتحداهم، فيزدادون حقدا عليه وتامرا على حياته. فلم تلبث دعوته حتى تحولت من دعوة

стр. 116

سلمية إلى دعوة نضالية. إنه لم يرض بأن يحوّل خدّه الأيسر لمن يضربه على خدّه الأيمن.. بل مشى فى طريقه غير هيّاب، فى يده الواحدة رسالة هداية، يهدى بها من سالموه، وفى يده الثانية سيف يحارب به من يحاربوه. لقد آمن به نفر قليل فى بداية الدعوة، وكان نصيب هذا النفر مثل نصيبه من الاضطهاد والتكفير ... كان هؤلاء باكورة الديانة الإسلامية، والشعلة التى انطلقت منها رسالة محمد- ﷺ «١» . «كان محمد- ﷺ فى المدينة أكثر اطمئنانا على نفسه وعلى أتباعه ورسالته مما كان فى مكة.. كانت يثرب مدينة العامة التابعة، لا مدينة الخاصة المتبوعة. والعامة دائما أقرب إلى اقتباس كلمة الحق من الخاصة، لاسيما إذا كانت كلمة الحق هذه، تحررها من عبوديتها للخاصة» «٢» . «محمد بن عبد الله- ﷺ كان ثائرا، عندما أبى أن يماشى أهل الصحراء فى عبادة الأصنام وفى عاداتهم الهمجية وفى مجتمعهم البربرى. فأضرمها حربا لا هوادة فيها على جاهلية المشركين وأسيادهم وآلهتهم. فكفره قومه واضطهدوه وأضمروا له الموت. فهاجر تحت جنح الليل مع نفر من أتباعه، وما تخلى عن النضال فى نشر دعوته، وما أحجم عن تجريد السيف من أجلها. فأخرج من جاهلية الصحراء عقيدة دينية واجتماعية تجمع بين مئات الملايين من البشر فى أقطار المعمورة» «٣» .

стр. 117

أميل درمنغم «.. إذا كانت كل نفس بشرية تنطوى على عبرة وإذا كان كل موجود يشتمل على عظة فما أعظم ما تثيره فينا من الأثر الخاص العميق المحرك الخصيب حياة رجل يؤمن برسالته فريق كبير من بنى الإنسان!» «١» . « ... ولد لمحمد- ﷺ ، من مارية القبطية ابنه إبراهيم فمات طفلا، فحزن عليه كثيرا ولحده بيده وبكاه، ووافق موته كسوف الشمس فقال المسلمون: إنها انكسفت لموته، ولكن محمدا- ﷺ كان من سموّ النفس ما رأى به ردّ ذلك فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ... » فقول مثل هذا مما لا يصدر عن كاذب دجال ... » «٢» . « ... تجلت بهذه الرحلة (حجة الوداع) ما وصلت إليه من العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبى الذى أنهكه اضطهاد عشر سنين وحروب عشر سنين أخرى بلا انقطاع، وهو النبى الذى جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة ... » «٣» . «إن محمدا- ﷺ الذى خلق للقيادة لم يطالب معاصريه بغير ما يفرض عليهم من الطاعة لرجل يبلّغهم رسالات الله، فهو بذلك واسطة بين الله رب العالمين والناس أجمعين.. وكان ينهى من عدّه ملكا ... ولقد نال السلطان والثراء والمجد، ولكنه لم يغتر بشيء من هذا كله فكان يفضل إسلام رجل على أعظم

стр. 118

الغنائم، ومما كان يمضه عجز كثير من الناس عن إدراك كنه رسالته..» «١» . « ... الحق أن النبى- ﷺ لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحى إليه فى غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت فى رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطى. وليس لدينا ما نعرف به أن محمدا- ﷺ أبصر، حين أفاض من جبل عرفات، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحسّ ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية» «٢» .

стр. 119

درّانى «١» «أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل فى نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد- ﷺ لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام فهو القدوة الطيبة التى أرسلها الله رحمة لنا وحبا بنا حتى نقتفى أثره» «٢» . « ... وأخيرا أخذت أدرس حياة النبى محمد- ﷺ فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الربانى الذى أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التى لم تنجب رجلا عظيما واحدا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفا من النفوس الكريمة التى انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد» «٣» . « ... تحمل- ﷺ ثلاثة عشر عاما كاملة من المتاعب (فى مكة) دون انقطاع، وثمانى سنوات «٤» (فى المدينة) دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدا، رابط الجأش، صلبا فى أهدافه

стр. 120

وموقفه. عرضت عليه أمته أن تنصبه ملكا عليها وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراآت كلها فاختار بدلا من ذلك أن يعانى من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء؟ لابدّ أن يفكر المرء فى ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه» «١» . «هل بوسع المرء أن يتصور مثالا للتضحية بالنفس وحب الغير والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال حيث نجد رجلا يقضى على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم ويبذل أقصى جهده فى سبيل ذلك يقومون برميه بالحجارة والإساءة إليه ونفيه وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى فى منفاه، وأنه رغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أى مدخول غير مخلص ... أن يبدى هذا الثبات والتصميم على مبدئه والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التى يمكن تصورها وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده؟» «٢» . «إن هذه الإيمان وهذا السعى وهذا التصميم والعزم الذى قاد به محمد- ﷺ حركته حتى النصر النهائى، إنما هو برهان بليغ على صدقه المطلق فى دعوته. إذ لو كانت فى نفسه أدنى لمسة من شك أو اضطراب لما استطاع أبدا أن يصمد أمام العاصفة التى استمرّ أوارها أكثر من عشرين عاما كاملة، هل بعد هذا من برهان على صدق كامل فى الهدف واستقامة فى الخلق وسموّ فى النفس كل هذه العوامل تؤدى لا محالة إلى الاستنتاج الذى لا مفر منه وهو أن هذا الرجل هو رسول الله حقا. هذا هو نبينا محمد- ﷺ إذ كان آية فى

стр. 121

صفاته النادرة ونموذجا كاملا للفضيلة والخير، ورمزا للصدق والإخلاخص ... (إن) حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته، كل ذلك براهين فريدة على نبوته. فأى إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقا من عند الله، وأن القرآن الذى جاء به للناس هو كتاب الله حقا، وكل مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة لابدّ أن يصل إلى هذا الحكم» «١» . سانتيلانا «٢» «ما كان من محمد- ﷺ إلا أن تناول المجتمع العربى هدما من أصوله وجذوره وشاد صرحا اجتماعيا جديدا ... هذا العمل الباهر لم تخطئه عين (ابن خالدون) النفاذة الثاقبة. إن محمدا- ﷺ هدم شكل القبيلة والأسرة المعروفين آنذاك، ومحا منه الشخصية الفردية Gentes والموالاة والجماعة المتحالفة. من يعتنق دين الإسلام عليه أن ينسى روابطه كلها ومنها رابطة قرباه وأسرته، إلا إذا كانوا يعتنقون دينه (إخوته فى الإيمان) . فما داموا هم على دينهم القديم فإنه يقول لهم كما قال إبراهيم- ﵇ لأهله ما معناه: «لقد تقطعت بيننا الأسباب ... » «٣» . «كان محمد- ﷺ رسول الله إلى الشعوب الآخرى، كما كان رسول الله إلى العرب» «٤» .

стр. 122

هنرى دى فاسترى «إن أشد ما نتطلع إليه بالنظر إلى الديانة الإسلامية ما اختص منها بشخص النبى- ﷺ ولذلك قصدت أن يكون بحثى أولا فى تحقيق شخصيته وتقرير حقيقته الأدبية علّنى أجد فى هذا البحث دليلا جديدا على صدقه وأمانته المتفق تقريبا عليها بين جميع مؤرخى الديانات وأكبر المتشيعين للدين المسيحى» «١» . «ثبت إذن أن محمدا- ﷺ لم يقرأ كتابا مقدسا ولم يسترشد فى دينه بمذهب متقدم عليه..» «٢» . «.. ولقد نعلم أن محمدا- ﷺ مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلاما نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكى يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذى ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة فى جسمه- ﷺ ولعمرى فيم كان يفكر ذلك الرجل الذى بلغ الأربعين وهو فى ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا فى العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك ... إلا أن يقول مرارا ويعيد تكرارا هذه الكلمات (الله أحد الله أحد) . كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد..» «٣» . «.. لو رجعنا إلى ما وضحه الحكماء عن النبوة ولم يقبل المتكلمون من المسيحيين لأمكننا الوقوف على حالة مشيد دعائم الإسلام وجزمنا بأنه لم يكن من المبتدعين.. ومن الصعب أن تقف على حقيقة سماعه لصوت جبريل- ﵇

стр. 123

- ... إلا أن معرفة هذه الحقيقة لا تغير موضوع المسألة لأن الصدق حاصل فى كل حال» «١» . «لا يمكن أن ننكر أن محمدا- ﷺ فى الدور الأول من حياته فى كمال إيمانه وإخلاص صدقه، فأما الإيمان فلن يتزعزع مثقال ذرة من قلبه الدور الثانى (الدور المدنى) وما أوتيه من نصر كان من شأنه أن يقويه على الإيمان لولا أن الاعتقاد كله قد بلغ منه مبلغا لا محل للزيادة فيه.. وما كان يميل إلى الزخارف ولم يكن شحيحا.. وكان قنوعا خرج من (الدنيا) ولم يشبع من خبز الشعير مرة فى حياته.. تجرد من الطمع وتمكن من نوال المقام الأعلى فى بلاد العرب ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم يكن له حاشية ولم يتخذ وزيرا ولا حشما، وقد احتقر المال ... » «٢» .

стр. 124

اينين ديتيه «إن الشخصية التى حملها محمد- ﷺ بين برديه كانت خارقة للعادة وكانت ذات أثر عظيم جدا حتى إنها طبعت شريعته بطابع قوى جعل لها روح الإبداع وأعطاها صفة الشيء الجديد ... » «١» . «إن نبى الإسلام هو الوحيد من بين أصحاب الديانات الذى لم يعتمد فى إتمام رسالته على المعجزات وليست عمدته الكبرى إلا بلاغه التنزيل الحكيم» ..» «٢» . «.. إن سنة الرسول الغرّاء- ﷺ باقية إلى يومنا هذا، يجلوها أعظم إخلاص دينى تفيض به نفوس (مئات الملايين) من أتباع سنته منتشرين على سطح الكرة «٣» . «كان النبى- ﷺ يعنى بنفسه عناية تامة، إلى حد أن عرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال، وكان ينظر نفسه فى المرآة.. ليمتشط أو ليسوى طيات عماماته.. وهو فى كل ذلك يريد من حسن منظره البشرى أن يروق الخالق ..» «٤» . «لقد دعا عيسى- ﵇ إلى المساواة والأخوة، أما محمد- ﷺ فوفق إلى (تحقيق) المساواة والأخوة بين المؤمنين أثناء حياته» «٥» .

стр. 125

ول يورانت «يبدو أن أحدا لم يعن بتعليم محمد- ﷺ القراءة والكتابة.. ولم يعرف عنه أنه كتب شيئا بنفسه ... ولكن هذا لم يحل بينه وبين قدرته على ما تعرف شؤون الناس تعرفا قلّما يصل إليه أرقى الناس تعليما» «١» . «كان النبى- ﷺ من مهرة القواد.. ولكنه كان إلى هذا سياسيا محنكا، يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم» «٢» . «إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر فى الناس قلنا إن محمدا- ﷺ كان من أعظم عظاماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحى، والأخلاقى لشعب ألقت به فى دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح فى تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أى مصلح آخر فى التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانا غيره حقق ما كان يحلم به.. ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب فى أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذى سلكوه.. وكانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان قليل عددها، متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية، ودين بلاده القديم، دينا سهلا واضحا قويا، وصرحا خلقيا قوامه البسالة والعزة القومية. واستطاع فى جيل واحد أن ينتصر فى مائة معركة، وفى قرن واحد أن ينشيء دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم فى نصف العالم» «٣» .

стр. 126

«.. لسنا نجد فى التاريخ كله مصلحا فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم محمد- ﷺ لإعانة الفقراء..» «١» . «تدل الأحاديث النبوية على أن النبى- ﷺ كان يحث على طلب العلم ويعجب به، فهو من هذه الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين..» «٢» . ردونسن «٣» «.. بظهور عدد من المؤرخين الأوروبيين المستنيرين فى القرن الثامن عشر) بدأت تتكمل معالم صورة هى صورة محمد- ﷺ الحاكم المتسامح والحكيم والمشرع» «٤» .

стр. 127

فرانز روزنثال «إن أفكار الرسول- ﷺ التى تلقاها وحيا أو التى أدى إليها اجتهاده نشّطت دراسة التاريخ نشاطا لا مزيد عليه، فقد أصبحت أعمال الأفراد وأحداث الماضى وحوادث كافة شعوب الأرض أمورا ذات أهمية دينية، كما أن شخصية الرسول- ﷺ كانت خطا فاصلا واضحا فى كل مجرى التاريخ، ولم يتخط علم التاريخ الإسلامى هذا الخط قط..» «١» . «تبقى حقيقة، هى أن الرسول- ﷺ نفسه وضع البذور التى نجنى منها اهتماما واسعا بالتاريخ.. لقد كان التاريخ يملأ تفكير الرسول- ﷺ لدرجة كبيرة، وقد ساعد عمله من حيث العموم فى تقديم نمو التاريخ الإسلامى فى المستقبل، رغم أن الرسول- ﷺ لم يتنبأ بالنمو الهائل للمعرفة والعلم الذى سيتم باسم دينه» «٢» . جاك ريسلر «القرآن يكمله الحديث الذى يعد سلسلة من الأقول بأعمال النبى- ﷺ وإرشاداته. وفى الحديث يجد المرء ما كان يدور بخلد النبى- ﷺ ، العنصر الأساسى من سلوكه أمام الحقائق المتغيرة فى الحياة، هذه الأقوال، أو هذه الأحاديث التى يشكل مجموعها السنة دونت مما روى عن الصحابة- رضى الله عنهم- أو نقل مع التمحيص الشديد فى اختيارها وهكذا جمع عدد كبير من الأحاديث ... والسنة هى المبينة للقرآن التى لا غنى عنها للقرآن..» «٣» .

стр. 128

«.. كان لزاما على محمد- ﷺ أن يبرز فى أقصر وقت ممكن تفوّق الشعب العربى عندما أنعم الله عليه بدين سام فى بساطته ووضوحه، وكذلك بمذهبه الصارم فى التوحيد فى مواجهة التردد الدائم للعقائد الدينية. وإذا ما عرفنا أن هذا العمل العظيم أدرك وحقق فى أقصر أجل أعظم أمل لحياة إنسانية فإنه يجب أن نعترف أن محمدا- ﷺ يظل فى عداد أعظم الرجال الذين شرف بهم تاريخ الشعوب والأديان» «١» . جورج سارتون «صدع الرسول- ﷺ بالدعوة نحو عام ٦١٠ م وعمره يوم ذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين- ﵈ ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهدا وفقيها ومشرعا ورجلا عمليّا..» «٢» . «إنه لم يتح لنبى من قبل ... أن ينتصر انتصارا تاما كانتصار محمد- ﷺ ... » «٣» . «.. لم يكن محمد- ﷺ نبى الإسلام فحسب، بل نبى اللغة العربية والثقافة العربية، على اختلاف أجناس المتكلمين بها وأديانهم» «٤» .

стр. 129

نصرى سلهب «فى مكة.. أبصر النور طفل لم يمرّ ببال أمه، ساعة ولادته، أنه سيكون أحد أعظم الرجال فى العالم بل فى التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقا..» «١» . «هنا عظمة محمد- ﷺ . لقد استطاع، خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن، أن يحدث شريعة خلقية وروحية واجتماعية لم يستطعها أحد فى التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة» «٢» . «.. هذا الرجل الذى ما عرف الهدوء ولا الراحة ولا الاستقرار، استطاع وسط ذلك الخضم الهائج، أن يرسى قواعد دولة، وأن يشرّع قوانين ويسنّ أنظمة، ويجود بالتفسير والاجتهادات ... ولم ينس أنه أب وجد لأولاد وأحفاد، فلم يحرمهم عطفه وحنانه، فكان بشخصيته الفذة الغنية بالقيم والمعطيات والمؤهلات، المتعددة الأبعاد والجوانب، الفريدة بما أسبغ الله عليها من نعم وصفات، وبما حباها من إمكانات، كل بذلك كله، عالما قائما بنفسه» «٣» . «تراثك يا ابن عبد الله ينبغى أن يحيا، لا فى النفوس والقلوب فحسب، بل فى واقع الحياة، فيما يعانى البشر من أزمات وما يعترضهم من عقبات. تراثك مدرسة يلقى على منابرها كل يوم عظة ودرس. كل سؤال له عندك جواب. كل مشكلة مهما استعصت وتعقدت، نجد لها فى آثارك حلّا» «٤» . «.. لم يكن النبى- ﷺ رسولا وحسب، يهدى الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيما وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد» «٥» .

стр. 130

أحمد سوسة «.. أى غاية أسمى وأقرب إلى الإنسانية ودين الله من تلكم الغاية التى كان يرمى إليها الرسول- ﷺ فى توحيد القلوب وإظهار الحقيقة؟ لنتصور محمدا- ﷺ وهو يملى على أهل الكتاب وحى الله قائلا: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران: ٦٤) ..» «١» . «إن نبى الإسلام شخصية تاريخية مبجلة. ما حياة الرسول- ﷺ سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة المرمى يتجلى فيها مقامه السامى من الحلقة الإنسانية..» «٢» . «.. كان محمد- ﷺ أنموذجا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة. بل مثالا كاملا للأمانة والاستقامة وإن تضحياته فى سبيل بث الإلهية خير دليل على سموّ ذاته ونبل مقصده، وعظمة شخصيته وقدسية نبوته» «٣» . «إن التاريخ ينبئنا أن محمدا- ﷺ ضحّى بكل شيء من أجل رسالته إذ أتيحت له مرات فرصة الاختيار بين أمرين أولهما حياة راحة وهناء وغنى على أن ينبذ (دعوته) وثانيهما حياة عسر واضطهاد مقرونة بنشر رسالته، وقد فضل الأمر الثانى لأن إيمانه برسالته كان قويا وكان قد أوحى إليه بأنه قد اختاره ربه لبث هذه الرسالة على الإنسانية جمعاء فكان ما أراد الله له» «٤» .

стр. 131

لويس سيديو «لقد حل الوقت الذى توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التى كانت مجهولة الأمر فى زاوية من آسية فارتقت إلى أعلى مقام فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون. ومصدر هذه المعجزة هو رجل واحد، هو محمد- ﷺ ..» «١» . «.. لم يعد محمد- ﷺ نفسه غير خاتم لأنبياء الله- ﵈ وهو قد أعلن أن عيسى ابن مريم كان ذا موهبة فى الإتيان بالمعجزات، مع أن محمدا- ﷺ لم يعط مثل هذه الموهبة، وما أكثر ما كان يعترض محتجا على بعض ما يعزوه إليه أشد أتباعه حماسة من الأعمال الخارقة للعادة!» «٢» . «.. إن محمدا- ﷺ أثبت خلود الروح.. وهو مبدأ من أقوم مبادئ الأخلاق. ومن مفاخر محمد- ﷺ أن أظهره قويا أكثر مما أظهره أى مشرّع آخر ... » «٣» . «.. ما أكثر ما عرض محمد- ﷺ حياته للخطر انتصارا لدعوته فى عهده الأول بمكة، وهو لم ينفك عن القتال فى واقعة أحد حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه.. وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله فى معركة حنين، ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيى قوة إرادته ومتانة خلقه.. وبساطته، ومن يجهل أنه لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية

стр. 132

على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض ... وكان- ﷺ حليما معتدلا، وكان يأتى بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع ما يودّون سؤاله، فيسحر كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلا فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحى فى كل مرة باحترام القول له.. ودلّ- ﷺ على أنه سياسى محنّك..» «١» . «بدت فى بلاد العرب أيام محمد- ﷺ حركة غير مألوفة من قبل، فقد خضعت لسلطان واحد قبائل العرب الغيرى على استقلالها والفخورة بحياتها الفردية، وانضم بعض هذه القبائل إلى بعض فتألفت أمة واحدة» «٢» .

стр. 133

هنرى سيروى «ومحمد- ﷺ لم يغرس فى نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضا المدنية والأدب» «١» . «محمد- ﷺ شخصية تاريخية حقة، فلولاه ما استطاع الإسلام أن يمتد ويزداد، ولم يتوان فى ترديد أنه بشر مثل الآخرين ماله الموت، وبأنه يطلب العفو والمغفرة من الله . وقبل مماته أراد أن يطهر ضميره من كل هفوة أتاها فوقف على المنبر مخاطبا: أيها المسلمون، إذا كنت قد ضربت أحدا فهاكم ظهرى ليأخذ ثأره، أو سلبته مالا فمالى ملكه. فوقف رجل معلنا أنه يدينه بثلاثة دراهم، فردّ الرسول- ﷺ قائلا: أن يشعر الإنسان بالخجل فى دنياه خير من آخرته. ودفع للرجل دينه فى التو. وهذا التذوق والإحساس البالغ لفهم محمد- ﷺ لدوره كنبى يرينا بأن (رينان) كان على غير حق فى نعته العرب قبل الإسلام بأنها أمة كانت تحيا بين براثين الجهل والخرفات» «٢» . «إن المحاولة الإسلامية فى التاريخ ذات أثر كبير، والعبقرية العربية تجد فى محمد- ﷺ منشئا لحضارة التوحيد التى تعتبر ذات أهمية كبيرة، إذا فكرنا فى القيامة الفلسفية للتوحيد، وفى تفوقها الكبير الذى جعل كل الشعوب الآرية تمارس أفكار تلكم الفلسفة. وهذه الثروة الروحية الغزيرة فى الأمة العربية، راجعة إلى الغريزة النبوية والتى تعد واضحة لدى الشعوب السامية، فاليهود الذين يستطيعون الفخر بأنبيائهم الكبار، يقرون بأن روح النبوة قد اختفت لديهم بعد هدم معبدهم الثانى، وهذا ما يفسر بمعنى أكيد العداوة العنيفة والكثيرة التكرار فى القرآن بالنسبة إليهم» «٣» . «.. إن الحضارة الفكرية الذهنية الحقيقية لم تظهر وتوجد- لدى العرب- إلا لدى وصول محمد- ﷺ » «٤» .

стр. 134

لورافيشيا فاغليرى «.. كانت حملة كبيرة على سوريا.. رهن الإعداد، عندما أسكت الموت إلى الأبد صوت النبى- ﷺ الذى كان قد أحدث هذه الهزة العميقة فى تلك القلوب كلها، والذى كان مقدرا له أن يستهوى عما قريب شعوبا أخرى تقيم فى مواطن أكثر إمعانا فى البعد.. وكان فى السنة الحادية عشرة من الهجرة» «١» . «كان محمد- ﷺ المتمسك دائما بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعا الأناة دائما اعتقادا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشرى» «٢» . «حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبى الله- ﷺ ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد- ﷺ على تهديد الكاذبين والمرائين، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك (وحاشاه) رجلا كاذبا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه، وهو الرجل

стр. 135

ذو الفطرة البسيطة حثا موصولا؟ كيف استطاع أن يستهل صراعا كان يبدو يائسا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، فى مكة، فى نجاح قليل جدا، وفى أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنا إيمانا عميقا يصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا فى الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالى إلى مجتمع مؤلف فى كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا فى كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا فى حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد- ﷺ كان عميقا وأكيدا» «١» . «دعا الرسول العربى- ﷺ بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان، وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعا مكشوفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التى تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى ... » «٢» . «.. إن محمدا- ﷺ طوال سنين الشباب التى تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش فى مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هى خديجة- رضى الله عنها- التى كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زيجاته هذه سبب اجتماعى أو سياسى، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتى تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقة زوجية مع بعض العشائر والقبائل الآخرى ابتغاء

стр. 136

طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشة- رضى الله عنها- ليس غير، تزوج محمد ﷺ من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلا لا إلها. وقد تكون الرغبة فى الولد هى التى دفعته أيضا إلى الزواج من جديد، لأن الأبناء الذين أنجبتهم خديجة- رضى الله عنها- له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائما سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أى منهن. لقد تصرف متأسّيا بسنة الأنبياء القدامى- ﵈، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد- ﷺ العائلية؟» «١» .

стр. 137

ليوبولد فايس «.. إن العمل بسنة رسول الله- ﷺ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وأنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء، كأنه بيت من ورق؟» «١» . «.. إن السنة هى المثال الذى أقامه لنا الرسول- ﷺ من أعماله وأقواله. إن حياته العجيبة كانت تمثيلا حيّا وتفسيرا لما جاء فى القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذى قد بلّغ الوحى» «٢» . «.. إنه على الرغم من جميع الجهود التى بذلت فى سبيل تحدى الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفى الخالص بنتائج من البحث العلمى. وأنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك، لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصا الإمامين البخارى ومسلم قد قاموا بكل ما فى طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضا أشد كثيرا من ذلك الذى يلجأ إليه المؤرخون الأوربيون عادة عند النظر فى مصادر التاريخ القديم» «٣» . «.. إن رفض الأحاديث الصحيحة، جملة واحدة أو أقساما، ليس حتى اليوم.. إلا قضية ذوق، قضية قصرت عن أن تجعل من نفسها بحثا علميا خالصا من الأهواء..» «٤» . «.. إن العمل بالسنة (يجعل) كل شيء فى حياتنا اليومية مبنيّا على الاقتداء بما فعله الرسول- ﷺ وهكذا نكون دائما، إذا فعلنا أو تركنا ذلك، مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه وعلى هذا تصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد فى منهاج حياتنا اليومية نفسه، ويكون نفوذه الروحى قد أصبح العامل الحقيقى الذى يعتادنا طوال الحياة..» «٥» .

стр. 138

كارلايل «١» «هل رأيتم قط.. أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجبا.. إنه لا يقدر أن يا بنى بيتا من الطوب! فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذى يبنيه بيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإنى لأعلم أن على المرء أن يسير فى جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقا.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبا وأمما بهذه الأضاليل..» «٢» . «.. إن محمدا- ﷺ لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا وكانت صناعة الخطّ حديثة العهد آنذاك فى بلاد العرب، ويظهر لى أن الحقيقة هى أن محمدا- ﷺ لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية. أنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه فى ظلمات صحراء العرب، ولم يضره.. أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيّا عن كل ذلك. ولم يقتبس محمد- ﷺ من نور أى إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يك فى جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء- أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية فى ظلمات الدهور- من كان بين محمد- ﷺ وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش

стр. 139

وحده فى أحشاء الصحراء.. بين الطبيعة وبين أفكاره» «١» . «لوحظ على محمد- ﷺ منذ «صباه» أنه كان شابا مفكرا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين- رجل الصدق والوفاء- الصدق فى أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإنى لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهمة كريما برّا رؤوفا تقيّا فاضلا حرّا، رجلا شديد الجدّ مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضىء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق.. وكان ذكى اللب، شهم الفؤاد.. عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غنى عن ذلك.. فأدى عمله فى الحياة وحده فى أعماق الصحراء» «٢» . «.. ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدا- ﷺ لم يكن صادقا فى رسالته.. أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه فى تلك العيشة الهادئة المطمئنة مع خديجة- رضى الله عنها- لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا درى، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة.. ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب أن فار بصدره ذلك البركان الذى كان هاجعا وثار يريد أمرا جليلا وشأنا عظيما» «٣» . « ... لقد كان فى فؤاد ذلك الرجل الكبير- ﷺ ابن القفار والفلوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوى، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ نرى محمدا- ﷺ لم يرض أن يتلفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردا

стр. 140

بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هأنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهى مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية. وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء..» «١» . «إنى لأحب محمدا- ﷺ لبراءة طبعه من الرأى والتصنّع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلا مستقل الرأى لا يعول إلا على نفسه ولا يدعى ما ليس فيه ولم يكن متكبرا ولكنه لم يكن ذليلا، فهو قائم فى ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها.. وكان رجلا ماضى العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد..» «٢» .

стр. 141

كاهن «١» «اصطبغت شخصية محمد- ﷺ بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أى مؤسس آخر من مؤسسى الديانات الكبرى» «٢» . «يبدو للمؤرخ المنصف أن محمدا- ﷺ كان فى عداد الشخصيات النبيلة السامية التى سعت فى كثير من الحماس والإخلاص إلى النهوض بالبيئة التى عاش فيها أخلاقيا وفكريا، كما استطاع فى الوقت نفسه أن يكيف رسالته حسب طباع الناس وتقاليدهم بمزيد من الفهم والتنظيم بحيث كفل البقاء والخلود للرسالة التى بشر بها. وحتم علينا أن نلقى محمدا- ﷺ بعواطف الإجلال والاحترام لما تحلى به من سمو الإلهام ومن قدرة على تذليل العقبات الإنسانية عامة والتغلب على مصاعبه الشخصية خاصة. وربما أثارت فينا بعض جوانب حياته شيئا من الارتباك تبعا لعقليتنا المعاصرة. فقد أكدت المهاترات على شهوات الرسول- ﷺ الدنيوية وألمحت إلى زوجاته التسع اللائى اتخذهن بعد وفاة خديجة. لكن الثابت أن معظم هذه الصلات الزوجية قد طبعت بطابع سياسى، وأنها استهدفت الحصول على ولاء بعض الأشراف وبعض الأفخاذ. ثم إن العقلية العربية تقرّ الإنسان إذا استخدم طبيعته على نحو ما خلقها الله» «٣» .

стр. 142

«.. الحق أننا نتجاوز النقد العلمى الصحيح إذا نحن أنكرنا على كل حديث صحته أو قدمه. ولقد باشر العلماء بمثل هذا التمحيص منذ عهد بعيد فوجدوا أن التحريف أو التلفيق قد لا يعمّان على نسق واحد واستندوا فى ذلك إلى بعض الأحاديث التى يمكن اعتبارها سابقة أو حجة يعتد بها. بمعنى أن الموقف النقدى مفروض على الباحث المنصف. وفقهاء المسلمين أنفسهم هم قدوة لنا فى هذا المضمار لأنهم- على طريقتهم- قد التزموا بذلك الموقف منذ العصر الوسيط» «١» . هاملتون كب «.. اقتضى الأمر نشوء علم جديد غايته جمع الحديث ونقده وتصنيفه وتنسيقه والحصول فى النهاية- بقدر الإمكان- على مجموعة متفق عليها يتقبلها الجميع. وقد استأثرت هذه المهمة بالكثير من طاقات الفقهاء والعلماء فى القرن الثالث، ولكن القائمين عليها أحرزوا نجاحا حتى أصبح حديث الرسول- ﷺ يعتبر مرجعا ثانيا معتمدا للفقه والعقيدة» «٢» . «.. يكاد يكون من المؤكد أن الآراء التى تعبر عنها الأحاديث (التى تم جمعها فى القرن الثالث) تمثل تعاليم القرآن ومبادئه الخلقيّة تمثيلا صادقا «٣» . «إن بدايات التاريخ العلمى بالعربية تقترن بدراسة سيرة الرسول- ﷺ ودراسة أعماله. وعليه فإننا نجد مصدر هذه الدراسة فى جمع الحديث النبوى وبخاصة الأحاديث المتعلقة بمغازى الرسول- ﷺ . وكان موطن هذه الدراسة هو المدينة.. ويفسر لنا ارتباط المغازى بالحديث، هذا الارتباط الذى ترك طابعا لا يمحى فى المنهج التاريخى باستخدام هذا المنهج للإسناد، ما طرأ من تغير هائل ظهر منذ هذه اللحظة فى طبيعة الأخبار التاريخية عند العرب،

стр. 143

ودقتها المؤسسة على النقد. ويمكننا أن نشعر لأول مرة بأننا نستند إلى أساس تاريخى قويم حتى وإن اعترفنا بوجود بعض العناصر المشكوك فيها فى أخبار الفترتين، المدنية والمكية، من حياة الرسول- ﷺ » «١» . «ومهما نقل فى قوة النزعة الإسلامية نحو محمد- ﷺ وفى آثارها فإننا لا نوصف بالغلو. فقد كان إجلال الرسول- ﷺ شعورا طبيعيا محتوما فى عصره وفيها بعده، غير أن ما نومئ إليه شيء يتجاوز الإجلال. فإن العلاقات الشخصية من الإعجاب والحب اللذين بعثهما فى نفوس صحابته ظل صداها يتردد خلال القرآن، والفضل فى ذلك يعود إلى الوسائل التى أقرتها الأمة لتستنير بهما مجددين فى كل جيل» «٢» . «.. لولا الحديث لأصبح لمحمد- ﷺ فى أقل تقدير صورة معممة- إن لم نقل بعيدة- فى أصولها التاريخية والدينية. أما الحديث فقد صور وجوده الإنسانى فى مجموعة وفيرة من التفصيلات الحية المحسوسة، وبذلك قدم للمسلمين حين ربط بين المسلمين وبين نبيهم بنفسه الروابط الذاتية الوثيقة التى كانت تصله بأصحابه الأولين، وهى روابط نمت على مر القرون وكانت أقوى من أن تصاب بالضعف. ولم يصبح شخص محمد- ﷺ أبدا ذا صبغة مرسومة مقررة، ويكاد لا يكن من الغلو أن نقول إن حرارة ذلك الشعور الشخصى نحو الرسول الحبيب- ﷺ كانت أبدا أقوى عنصر حيوى فى دين الجماهير الإسلامية أو كانت كذلك بين أهل السنة، على الأقل» «٣» . «.. لا تزال الاحتفالات العائلية تختم بأدعية وأناشيد فى تمجيد الرسول- ﷺ وكل الأمة تراعيها وتنشدها بحماسة فى ذلك اليوم المجيد، يوم مولد النبى- ﷺ فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول. هنالك ترى المجددين والمقلدين والصوفية والسلفية والعلماء وأفراد الجمهور يلتقون جميعا معا على بقعة واحدة، وقد يكون بين نزعاتهم العقلية تنوع واسع متباين، ولكنهم جميعا وحدة متالفة فى إخلاصهم وحبهم محمدا- ﷺ » «٤» .

стр. 144

ايفلين كوبولد «.. هذه هى مدينة الرسول- ﷺ .. تعيد إلى نفسى ذكرى جهوده فى سبيل لا إله إلا الله، وتلقى فى روعى صبره على المكاره واحتماله للأذى فى سبيل الوحدانية الإلهية» «١» . «كان العرب قبل محمد- ﷺ أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد- ﷺ بعث هذه الأمة بعثا جديدا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالا وآجالا..» «٢» . «.. لعمرى، ليجدن المرء فى نفسه، ما تقدم إلى قبر الرسول- ﷺ روعة ما يستطيع لها تفسيرا، وهى روعة تملأ النفس اضطرابا وذهولا ورجاء وخوفا وأملا، ذلك أنه أمام نبى مرسل وعبقرى عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحى بكل شيء فى الحياة فى سبيل الإنسانية وخير البشرية» «٣» . «لقد استطاع النبى- ﷺ القيام بالمعجزات والعجائب، لمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية.. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقا جديدا ونقلهم من الظلمات إلى النور» «٤» . «مع أن محمدا- ﷺ كان سيد الجزيرة العربية.. فإنه لم يفكر فى الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريما بارا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان فى أكثر الأحايين قليلا لا يكاد يكفيه» «٥» .

стр. 145

كولد تسيهر «١» «.. إن محمدا قد بشر بمذهبه للمرة الأولى بحماس لم يفتر ولم تعوزه المثابرة، وبعقيدة ثابتة بأن هذا المذهب يحقق صالح الجماعة الخاصة، وقد كان فى ذلك كله مظهرا لإنكار الذات برغم سخرية الجمهور» «٢» . «.. الحق، أن محمدا- ﷺ كان بلا شك أول مصلح حقيقى فى الشعب العربى من الجهة التاريخية» «٣» . «فى هذا العصر نرى النبى- ﷺ يستخدم حنكته المفكرة ورويته الدقيقة وتبصره العالى، فى مقاومة خصومه الذين شرعوا فى معارضة مقاصده وغاياته فى داخل موطنه وخارجه» «٤» .
следующие страницы →