الله (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: ٣٤] .
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) " [لقمان: ٣٤] (١) .
стр. 107
الحكمة من وراء إخفاء وقت وقوعها
قد يتساءل البشر قائلين: ما الحكمة من وراء إخفاء الوقت الذي تحل فيه الساعة، وتقوم فيه القيامة؟ والجواب أن إخفاءها له تعلق بصلاح النفس الإنسانية، فوقوعها غيب، والأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه، ولكنه لا يدري متى يفجؤه، ويحل فيه بساحه - يجعل المرء مترقباً له باستمرار.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: " والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بدَّ من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفاً لهم، وهم بهذه الفطرة - لوقف نشاطهم - وأسنت حياتهم، فوراء المجهول يجرون، فيحذرون، ويأملون، ويجربون، ويتعلمون. ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم، وعلى استعداد دائم، ذلك لمن صحت فطرته واستقام، فأما من فسدت فطرته واتبع هواه ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى " (١) .
стр. 108
لا يجوز الاشتغال في تحديد وقتها
تساءل الناس عن وقت الساعة كثيراً، ووجهوا أسئلتهم للرسول ﷺ ، وجاء الجواب من منزل الكتاب، إن الساعة غيب، ومعرفة الزمن الذي تقع فيه من خصائص علم الله، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: ٦٣] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا - إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٢-٤٥] .
إن هذا العلم لم يطلع الله عليه ملكاً مقربا ً، ولا نبياً مرسلاً، ولذلك قال الرسول ﷺ لجبريل حينما سأله عن الساعة " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ".
فالبحث في هذا الأمر، والزعم أن الساعة ستقع في عام بعينه تَقَوُّل على الله بغير علم، والخائضون في ذلك مخالفون للمنهج القرآني النبوي الذي وجه الناس إلى ترك البحث في هذا الموضوع، ودعاهم إلى الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح.
والذين يبحثون في هذا المجال يظنون أنه يمكنهم أن يعلموا ما لم يعلمه الرسول ﷺ وجبريل ﵇، وكفى بذلك واعظاً ورادعاً لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ونحن نقول لهم: ينبغي أن يسعكم ما وسع الرسول
стр. 109
صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة هذه الأمة على مدار التاريخ.
ولو كان في معرفة الوقت صلاح وخير للبشر، لأخبر الله به البشر، ولكنه حجب ذلك عنهم، وفي ذلك صلاحهم.
وينبغي للاحقين أن يتعظوا بحال السابقين، فبعض السابقين خاض في هذا الأمر، وحدد للساعة أو بعض أشراطها القريبة من وقوعها أجلاً، وجاء الأجل الذي ضربه، ولم يحدث شيء من ذلك، لا الساعة ولا أشراطها المحددة، فمن هؤلاء الطبري ﵀ وغفر له، فإنه استظهر من بعض النصوص أن فناء الدنيا يكون بعد خمسمائة عام من البعثة المحمدية (١) ، وها هو قد مرّ أكثر من تسعمائة عام على الأجل الذي ضربه، ولم يصدق ظنه.
ومن هؤلاء العلامة السيوطي عفا الله عنه، فإنه استظهر في جزء سماه " الكشف " أن الساعة ستقوم على رأس المائة الخامسة بعد الألف من البعثة النبوية (٢) ، وعلى ذلك فإنه بقي على قيام الساعة بضع عشرات من السنين، مع أن كثيراً من الآيات الصغرى لم يقع بعد، أما الكبرى فلم يقع منها شيء.
وجمع السهيلي الحروف المقطعة في أوائل السور، وحذف المكرر منها، وأخذ عددها بحسب الجمل، وحدد بناء على ذلك أجلاً لا يبلغ بضع مئات من السنين (٣) .
وقد تَقَوَّل كثير من الناس في هذا وخبطوا خبطاً لا دليل عليه، وإنما هي ظنون وتخرصات، وأخر ما اطلعت عليه في ذلك ما كتبه دكتور بهائي مدعياً أن
стр. 110
الساعة ستقع في عام (١٧١٠) ، وقد زعم أنه استقى ذلك من الأرقام العددية للحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن، ونحن نقول: إن هذا النهج قد ثبت خطؤه، وقد اعتمد بعض من سبق على هذا النهج، وحددوا أجلاً غير أجله، فوافقوه في النهج، وخالفوه في تحديد الأجل، وثبت كذب ما ذهبوا إليه.
وقد تعرض الشيخ العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأجزل له المثوبة للذين بحثوا في هذا الأمر وخاضوا فيه، وحددوا في ذلك أجلاً، فقال: " ومن تكلم في وقتها المعين مثل الذي صنف كتاباً " سماه " " الدر المنظم في معرفة الأعظم " وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من حروف المعجم، والذي تكلم في " عنقاء مُغْرب " (١) ، وأمثال هؤلاء، فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند اتباعهم، فغالبهم كاذبون مفترون (٢) ، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم، وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: ٣٣] (٣) . ولا شك أن دعوى معرفة وقتها المحدد قول بلا علم.
стр. 111
إشكالات تتعلق بتحديد وقت الساعة
بينا فيما سبق أن وقت القيامة غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن يشكل على هذا أحاديث ظن بعض الناس أنها تحدد موعدها، وهذه الأحاديث بعضها غير صحيح فلا يلتفت إليها، ولا يجوز أن تعارض بها النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة، ومنها أحاديث صحيحة، ولكن دلالتها على تحديد يوم القيامة غير صريحة.
فمن الأحاديث الباطلة المكذوبة المخالفة لصريح القرآن - كما يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى - حديث مقدار الدنيا " وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة ".
يقول ابن القيم: " وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحاً لكان كل أحد عالماً أنه قد بقي من وقتنا هذا مئتان وواحد وخمسون سنة " أي في الوقت الذي كان يكتب فيه الشيخ ابن القيم مؤلفه " والله تعالى يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ) [الأعراف: ١٨٧] (١) .
стр. 112
أقول: ومما يدل على كذب هذا الحديث قطعاً أن الألف السابعة هذه مضت وانقضت منذ أربعمائة سنة، وكثير من أشراط الساعة لم يقع بعد.
ومن الأحاديث الصحيحة التي لا تدل على تحديد يوم القيامة ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قبل أن يموت بشهر: " تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ " (١) .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة العشاء في آخر حياته، فلما سلَّم قال: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " (٢) .
إن التأمل في هذين الحديثين يدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ لم يرد في أقواله هذه قيام الساعة، وإنما أراد انقضاء القرن الذي هو فيه، أي أنه بعد مائة عام يموت كل من كان حياً عندما قال الرسول ﷺ ما قال، وقد فقه هذا المعنى ابن عمر ﵁، وفقَّه الناس به عندما ذهبوا مذاهب شتى في فهم معنى قول الرسول ﷺ ، ففي سنن الترمذي وسنن أبي داود بعد سياق عبد الله بن عمر لحديث الرسول ﷺ السابق، قال: " فوهل الناس (٣) في مقالة الرسول ﷺ تلك، فيما يتحدثونه بهذه الأحاديث: نحو مائة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : " لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، يريد بذلك: أن ينخرم القرن " (٤) .
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عائشة، قالت: " كان الأعراب
стр. 113
إذا قدموا على رسول الله ﷺ ، سألوه عن الساعة، متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم، فيقول: إن يعش هذا، إن يدركه الهرم، حتى قامت عليكم الساعة " قال هشام: يعني موتهم (١) .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁، " أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أَزْد شَنُوءَة، فقال: إن عُمِّر هذا الغلام، لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: وذلك الغلام من أترابي يومئذ " (٢) . ومراد الرسول ﷺ في هذين الحديثين ساعة المخاطبين، كما فسر ذلك هشام أحد رواة الحديث الأول: يعني موتهم، فإن ساعة كل إنسان موته، وهذا الجواب من الرسول ﷺ يعرف بجواب الحكيم، فإنه أرشدهم إلى الاستعداد للموت والتأهب له، والموت قريب قريب.
стр. 114
تعريف الأشراط والآيات
إذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده، فإنه أعلمهم بأمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها.
وقد سمى القرآن هذه الأمارات بأشراط الساعة، قال تعالى: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا) [محمد: ١٨] .
و (الشَرَط) بفتحتين: العلامة، وأشراطها: علاماتها (١) . وفي فتح الباري: " المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة " (٢) .
وقد أطلق بعض العلماء على هذه الأشراط اسم: " الآيات ".
و" الآيات "هي الأمارات الدالة على الشيء، كالأمارات التي تنصب في الصحراء دالة على الطريق، أو العلامات التي ترفع على شواطئ البحر، تهدي السفن التي تمخص عباب الماء، أو تلك التي توضع قريباً من المدن لتدل المسافر على قرب وصوله إلى الديار التي وضعت بقربها.
يقول الطيبي: " الآيات: إمارات للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها. فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس " (٣) .
стр. 115
فائدة البحث في الأشراط والمغيبات المستقبلة
قد يقول قائل: لقد أتعبتم أنفسكم في النظر في أمور فائدتها قليلة، والأولى بكم أن تهتموا بأمور المسلمين ومشكلاتهم، بدلاً من قضاء الأوقات الطوال في البحث عما يجري في مقبل الأزمان من الوقائع والحادثات. وقالوا: إنكم تهربون من الواقع الذي تعيشون فيه إلى عالم آخر تأملون أن تعيشوا فيه، أو تخشوا أن يأتي عليكم، وهذا هروب من مواجهة الحقائق والصعاب.
ونحن نقول لهم: ليس لنا خيار في دراسة الغيوب المستقبلة أو إهمالها، فالأمر ليس لنا، فالاطلاع على هذه الغيوب والتصديق بها من صميم الدين الذي جاء به رسولنا ﷺ ، أخبر ببعض منها القرآن، وبعضها جاءت به السنة النبوية، وعِلِم ذلك كله الصحابة، وشغلوا به أنفسهم، واهتموا به اهتماماً كبيراً، وكان الإيمان بالغيب أول صفة مدح الله بها المتقين المهتدين الفائزين (الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة: ١-٣] صحيح أن كثيراً من المسلمين شغلوا أنفسهم بالأخبار الغيبية التي لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة، وأغرق في ذلك بعض الذين نسبوا إلى العلم، ولكن الاشتغال بالنصوص الصحيحة هو جزء من هذا الدين الذي أنزله العليم الخبير.
ويمكننا أن نلوم الذين قعد بهم العمل من المسلمين انتظاراً لحدوث الواقعات التي أخبر بها الرسول ﷺ كالذين يتركون الجهاد انتظاراً لخروج المهدي، ولكن هذا
стр. 116
خطأ يحتاج إلى تقويم، ولا يوجب ترك النصوص الصحيحة، فإن سلفنا الصالح مع إيمانهم بالغيب الصادق، لم يقعدوا عن الجهاد، ولم يتركوا العمل.
ويمكن أن يوجه لوم شديد للذين ينزلون ما أخبر به الرسول ﷺ من الغيوب على غير وقائعها، فيحملون النصوص ما لا تحتمل، ويدعون دعاوي يضلون بها العباد، كالذين ادعوا المهدية على مدار التاريخ، إلا أن هذا خطأ هؤلاء، والخطأ يقوَّم، ولا يدفعنا هذا الخطأ إلى إنكار ما صحت به النصوص، فالحق حق، والباطل باطل، ولا ندفع الباطل بإنكار الحق.
والذين ينكرون علينا اشتغالنا بهذه النصوص الصحيحة في هذا الجانب نُوجِّه أنظارهم إلى الجهود الهائلة التي يبذلها العلماء المعاصرون للكشف عن الغيب المجهول في الماضي البعيد، والغيب المجهول في الحادثات المقبلة، والغيب المجهول في الفضاء الذي يحيط بنا، ولذلك نراهم يبحثون في آثار الماضين، وما أبقوه من كتابات وصنائع وخرائب، ونراهم يهتمون بما يقوله المتنبئون والكهان والعرافون، وما يقوله هؤلاء كذب لا تكاد تجد فيه للحقيقة مكان، ونراهم يصنعون المناظر المكبرة، والمراصد الهائلة، بل ويرسلون الأقمار الصناعية لريادة الفضاء، كي يعلموا ما لا يعلمون، فإذا كان هذا هو حال البشر، يرغبون دائماً في التعرف على ما لا يعرفون، ومعرفة الماضي والآتي، ومعرفة الكون من حولهم، أفلا يكون الإطلاع على حقائق الأمور من الجهة التي لا تكذب أبداً أولى وأحرى!! إن المعلومات التي جاءت بها النصوص في هذا المجال معلومات قيمة لا تقدر بثمن، ولكن البشرية تكابر كثيراً عندما ترفض الأخذ بخبر الوحي الصادق، وتخسر كثيراً عندما تعرض عن هذه العلوم الطيبة، ثم إن أقواماً يريدوننا أن نبتعد عن دارسة هذا المجال من خلال نصوص الوحي، بينما - هم - يلهثون وراء الأخبار التي يأتيهم بها علماء الغرب في هذا المجال، وإن كان فيها خلط كثير، وكذب كثير.
стр. 117
ويمكننا أن نوجز الفوائد التي نحصل عليها من وراء دراسة الأخبار التي تحدث بأشراط الساعة والمغيبات المستقبلة في الأمور التالية:
١- الإيمان بهذه الأخبار - إذا تحققنا صدقها - هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما!! (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢-٣] .
٢- وقوع تلك المغيبات على النحو الذي حدثت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، فالمسلمون في كل عصر يشاهدون وقوع أحداث مطابقة لما أخبرت به النصوص الصادقة، فقد شاهد الصحابة انتصار الروم على الفرس، ثم انتصر المسلمون على الفرس والروم، وظهر الإسلام على جميع الأديان، وشاهدوا فرقة الأمة في العام الذي حدده الرسول ﷺ ، وشاهدوا كثيراً من الأحداث على النحو الذي أخبرت به النصوص، وكذلك الحال في كل عصر، يشاهد المسلمون وقائع وأحداثاً جاءت بها الأخبار، ولا شك أن هذا له أثر كبير في تثبيت المؤمن على إيمانه، وقد يكون ذلك مدخلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا.
٣- تثبيت الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله، والإيمان به إحدى دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة. فالكل من عند الله ﵎.
٤- بعث الله رسوله دالاً على الخير محذراً من الشر، وقد دل الرسول ﷺ أصحابه على المنهج الأمثل الذي ينبغي أن يسلكوه في الوقائع التي وقعت في عصره.
стр. 118
وفي إخباره بالمغيبات المقبلة توجيه للذين جاؤوا من بعده من أمته كيف يتصرفون حيال الأحداث التي قد يخفى عليهم وجه الحق فيها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من يَنْتَضِل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة، فَيُرقِّق بعضها بعضاً، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء الآخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر " رواه مسلم والسياق له والنسائي وابن ماجة وأحمد (١) .
ومن هذه التوجيهات التي كان لها أثر كبير في توجيه المسلمين إلى الحق تبشيره عثمان ﵁ بالجنة على بلوى تصيبه، وإخباره بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأمره أبا ذر بأن يعتزل الفتنة، وأن لا يقاتل ولو قتل. ويمكن أن يستفاد هذا المعنى من حديث حذيفة حيث كان يسأل الرسول ﷺ عن الشر مخافة أن يدركه، بينما أصحابه كانوا يسألون الرسول ﷺ عن الخير، ومن هذا نهى الرسول ﷺ المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي ينحسر عنه الفرات في آخر الزمان، وإخباره عن حقيقة الدجال، وبيان ما يأتي به
стр. 119
من الشبهات، وغير ذلك من الكائنات التي يبصر الرسول ﷺ أمته بالتصرف الأمثل حيالها.
٥- قد تمر بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، ولو ترك المسلمون إلى اجتهادهم - فإنهم يقد يختلفون، وقد لا يهتدون إلى الصواب، بل قد يكون بيان الحكم الشرعي في تلك الأحداث واجب لا بدَّ منه، وعدم البيان يكون نقصاً تنزه الشريعة عنه. فمن ذلك أن الرسول ﷺ أخبر أن الدجال يمكن في الأرض أربعين يوماً، يوم من أيامه كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا، وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ عن تلك الأيام الطويلة أتكفي في الواحد منها صلاة يوم، قال الرسول ﷺ : لا، اقدروا له قدره، ولو وكل العباد إلى اجتهادهم لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام. وأخبر الرسول ﷺ أن عيسى بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان، وهذا البيان من الرسول ﷺ ضروري، لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبول الجزية ممن بذلها إلى حين نزول عيسى ابن مريم وحين ذاك توضع الجزية، ويقتل كل من رفض الإيمان، ولو بذل الجزية.
٦- التطلع إلى ما يحدث في المستقبل أمر فطري فالإنسان يجد في نفسه رغبة شديدة إلى معرفة الوقائع والكائنات التي قد تحدث للجنس الإنساني، أو تحدث للأمة التي هو منها، أو قد تحدث له، ولذلك فإن الزعماء والرؤساء، بل والأفراد يلجؤون في معرفة ذلك إلى السحرة والكهان والمنجمين، فجاءهم الله بالحق الذي يغني ويكفي ويشفي في هذا الجانب.
وقد تعرض ابن خلدون لهذه الفائدة في مقدمة تاريخه، فقال:
стр. 120
" اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوُّف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموتٍ وخيرٍ وشر، سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها، والتطلع إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها. ولذلك نجد الكثير من الناس يتشوفون إلى الوقوف على ذلك في المنام.
والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة، ولقد نجد في المدن صنفاً من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه، فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه، فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها، وكثير من ضعفاء العقول، يستكشفون عواقب أمورهم، في الكسب والجاه والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك، ما بين خط في الرمل ويسمونه المنجم، وطرق بالحصى والحبوب ويسمونه الحاسب، ونظر في المرايا والمياه ويسمونه ضارب المندل، وهو من المنكرات الفاشية في الأمصار، لما تقرر في الشريعة من ذلك، وأن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله عليه من عنده في نومٍ أو ولاية.
وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم، ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه. وكل أمةٍ من الأمم يوجد لهم كلامٌ من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها، وما يحدث لهم من الحرب والملاحم، ومدة بقاء الدولة، وعدد الملوك فيها، والتعرض لأسمائهم، ويسمى مثل ذلك الحدثان.
وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك، وقد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك والدولة، كما وقع لشق، وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة ابن نصر من ملوك اليمن، أخبرهم بِمُلْكِ الحبشة بلادهم، ثم رجوعها إليهم، ثم ظهور الملك والدولة للعرب من بعد ذلك.
وكذا تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حين
стр. 121
بعث إليه كسرى بها مع عبد المسيح، وأخبرهم بظهور دولة العرب. وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يِفْرَنْ، ويقال من غمرة، وله كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم، وفيها حدثان كثير، ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب، وهي متداولة بين أهل الجبل، وهم يزعمون تارة أنه ولي، وتارة أنه كاهن، وقد يزعم بعض مزاعمهم أنه كان نبياً، لأن تاريخه عندهم قبل الهجرة بكثير. والله أعلم " (١) .
стр. 122
أقسام علامات الساعة
وردت أحاديث كثيرة عدد فيها الرسول ﷺ جملة من أشراط الساعة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يُهِمَّ رَبَّ المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين (لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [الأنعام: ١٥٨] (١) .
وفي صحيح البخاري عن عوف بن مالك ﵁، قال: " أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم، فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتى، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقُعاص الغنم (٢) ، ثم
стр. 123
استفاضة المال، حتى يعطَى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (١) ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً " (٢) .
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أشراط الساعة الفُحش، والتَّقَحُش، وقطعية الرحم، وتخوين الأمين، وائتمان الخائن " رواه البزار، ورواه الطبراني في الأوسط عن أنس، ورواه أحمد والبزار عن ابن عمرو (٣) . وعن عبد الله بن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ : " من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد، لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف " (٤) رواه الطبراني.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد " رواه أبو داود، وأحمد في مسنده، والدارمي، وابن خزيمة (٥) .
وهذه الأشراط التي ذكرها الرسول ﷺ في هذه الأحاديث وفي أحاديث أخرى كثيرة قسمها أهل العلم إلى قسمين:
стр. 124
علامات صغرى، وعلامات كبرى.
والعلامات الصغرى يمكن تقسيمها إلى قسمين: قسم وقع، وقسم لم يقع بعد. والذي وقع قد يكون مضى وانقضى، وقد يكون ظهوره ليس مرة واحدة، بل يبدو شيئاً فشيئاً، وقد يتكرر وقوعه وحصوله، وقد يقع منه في المستقبل أكثر مما وقع في الماضي.
ولذلك سنعقد لعلامات الساعة أربعة فصول:
الأول: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت.
الثاني: العلامات الصغرى التي وقعت، ولا تزال مستمرة، وقد يتكرر وقوعها.
الثالث: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد.
الرابع: العلامات الكبرى.
стр. 125
علامات الساعة التي وقعت
ونعني بها العلامات التي وقعت وانقضت ولن يتكرر وقوعها، وهي كثيرة وسنذكر بعضاً منها.
المبحث الأول
بعثة الرسول ﷺ ووفاته
من أشراط الساعة بعثة الرسول ﷺ ووفاته، ففي الحديث عند البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: " رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا، الوسطى والتي تلي الإبهام. وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين ".
وفي رواية قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بإِصبعيه، يمدهما " (١) . وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " بعثت أنا والساعة كهاتين، كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السبابة والوسطى " (٢) .
стр. 126
وفي كتب السيرة أن اليهود كانوا يحدثون عن الرسول ﷺ أنه يبعث مع الساعة.
وقد مضى قريباً حديث عوف بن مالك عند البخاري الذي قال له الرسول ﷺ فيه: " اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي ... ".
وقد روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي جبيرة عن رسول الله ﷺ قال: " بعثت في نسم الساعة " (١) .
" ونسم الساعة " كما يقول ابن الأثير: هو من النسيم أول هبوب الريح الضعيفة، أي: بعثت في أول أشراط الساعة وضعف مجيئها.
стр. 127
انشقاق القمر
اتفق العلماء على أن القمر قد انشق في عهد الرسول ﷺ ، وأن انشقاقه إحدى المعجزات الباهرات (١) ، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر: ١-٢] .
قال النووي: " قال القاضي: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ ، وقد رواها عدة من الصحابة ﵃، مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها، لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكورّه في آخر أمره.. " (٢) .
وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في انشاق القمر في تفسير سورة القمر، وهي أحاديث صحيحة كثيرة (٣) ، وقد ساقها مسلم في صحيحه، ومنها حديث أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر
стр. 128
مرتين (١) ، ومنها حديث عبد الله بن مسعود قال: " انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقين، فقال رسول الله ﷺ : " اشهدوا، اشهدوا " وفي رواية أخرى عنه، قال: " بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : اشهدوا " (٢) .
стр. 129
نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة، حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى " (١) .
وهذه الآية العظيمة التي أخبر الصادق المصدوق بوقوعها في مقبل الزمان وقعت على الصورة التي أخبر بها الرسول ﷺ ، وقد كان خروجها في سنة (٦٥٤) للهجرة النبوية.
وقد تحدث العلامة المؤرخ ابن كثير في أحداث سنة (٦٥٤) عن هذه النار فقال:
فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه ((الذيل وشرحه)) ، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار
стр. 130
التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها.
وملخص ما أورده أبو شامة (١) أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال:
" بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله ﷺ ، فيها شرح أمر عظيم حدث بها تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأن في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله ".
قال أبو شامة: وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها:
" لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكورة، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد سدت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيراناً، وقد سدت الحرة
стр. 131
طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة، فوقفت بعدما أشفقنا أن تجيء إلينا، ورجعت تسيل في الشرق، فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ - كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات: ٣٢- ٣٣] .
وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج. وأما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شيء يتم بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار ".
قال أبو شامة: " وفي كتاب آخر: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، ووقع في شرق المدينة المشرفة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم: انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت وعادت إلى الساعة، ولا ندري ماذا نفعل، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم ﵊ مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة ".
قال: " وفي كتاب آخر: لما كان يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي كنا نسمعه زلازل، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست
стр. 132
الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله ﷺ ، وهي برأي العين من المدينة، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى، وهي بموضع يقال له أجيلين. وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربع فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك. فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها ".
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: " ومن كتاب شمس الدين بن سنان ابن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة إلى بعض أصحابه: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة بالثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات، والله لقد زلزلت مرة ونحن حول حجرة رسول الله ﷺ اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه إذ سمعنا صوتاً للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، وتمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة في رأس أجيلين نار عظيمة مثل المدينة العظيمة، وما بانت لنا إلا ليلة السبت، وأشفقنا منها وخفنا خوفاً عظيماً، وطلعت إلى الأمير كلمته وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى، فأعتق كل مماليكه، ورد على جماعة أموالهم، فلما فعل ذلك قلت: اهبط الساعة معنا إلى النبي ﷺ ، فهبط وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم، وما بقي أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند النبي ﷺ ، ثم سال منها نهر من نار، وأخذ في وادي أجيلين وسد الطريق، ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو بحر نار يجري، وفوقه جمر يسير إلى أن
стр. 133
قطعت الوادي وادي الشظا، وما عاد يجيء في الوادي سيل قط لأنها حصرته نحو قامتين وثلث علوها.
والله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة والمدينة قد تاب جميع أهلها، ولا بقي يسمع فيها رباب ولا دف ولا شرب، وتمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طريق الحاج وبعض بحرة الحاج، وجاء في الوادي إلينا منهم يسير، وخفنا أنه يجيئنا فاجتمع الناس ودخلوا على النبي ﷺ وتابوا عنده جميعهم ليلة الجمعة، وأما قتيرها الذي مما يلينا فقد طفئ بقدرة الله، وأنها إلى الساعة وما نقصت إلا ترى مثل الجمال حجارة، ولها دوي، ما يدعنا نرقد، ولا نأكل، ولا نشرب، وما أقدر أصف لك عظمها ولا ما فيها من الأهوال.
وأبصرها أهل ينبع وندبوا قاضيهم ابن أسعد وجاء وعدا إليها، وما أصبح يقدر يصفها من عظمها، وكتب الكتاب يوم خامس رجب، وهي على حالها، والناس منها خائفون، والشمس والقمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين، فنسأل الله العافية ".
قال أبو شامة: وبان عندنا بدمش أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، وكنا حيارى من ذلك إيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار.
قلت: وكان أبو شامة قد أرخ قبل مجيء الكتب بأمر هذه النار، فقال: وفيها من ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، وكان شديد الحمرة ثم انجلى، وكسفت الشمس، وفي غده احمرت وقت طلوعها وغروبها، وبقيت كذلك أياماً متغيرة اللون ضعيفة النور، والله على كل شيء قدير، ثم قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النجامة.
стр. 134
ثم قال أبو شامة: " ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا في جمادى الآخرة نجابة من العراق وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم، حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد إليها، وغرق كثير منها، ودخل الماء دار الخلافة وسط البلد، وانهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون داراً، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك من خزانة السلاح شيء كثير، وأشرف الناس على الهلاك، وعادت السفن تدخل إلى وسط البلدة، وتخترق أزقة بغداد.
قال: وأما نحن فإنه جرى عندنا أمر عظيم: لما كان بتاريخ ليلة الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة ومن قبلها بيومين، عاد الناس يسمعون صوتاً مثل صوت الرعد، فانزعج لها الناس كلهم، وانتبهوا من مراقدهم وضج الناس بالاستغفار إلى الله تعالى، وفزعوا إلى المسجد وصلوا فيه، وتمت ترجف بالناس ساعة بعد ساعة إلى الصبح، وذلك اليوم كله يوم الأربعاء وليلة الخميس كلها وليلة الجمعة، وصبح يوم الجمعة ارتجت الأرض رجة قوية إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم، وأشفق الناس من ذنوبهم، وسكنت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة إلى قبل الظهر.
ثم ظهرت عندنا بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نار عظيمة تنفجر من الأرض، فارتاع لها الناس روعة عظيمة، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس من يوم الجمعة، ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، وعظمت وفزع الناس إلى المسجد النبوي وإلى الحجرة الشريفة، واستجار الناس بها وأحاطوا بالحجرة، وكشفوا رؤوسهم، وأقروا بذنوبهم، وابتهلوا إلى الله تعالى، واستجاروا بنبيه ﵊، وأتى
стр. 135
الناس إلى المسجد من كل فج ومن النخل، وخرج النساء من البيوت والصبيان، واجتمعوا كلهم وأخلصوا إلى الله، وغطت حمرة الناس السماء كلها، حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر، وبقيت السماء كالعلقة، وأيقن الناس بالهلاك أو العذاب، وبات الناس تلك الليلة بين مصل وتال للقرآن وراكع وساجد، وداع إلى الله ، ومتنصل من ذنوبه ومستغفر وتائب، ولزمت النار مكانها وتناقص تضاعفها ذلك ولهيبها.
وصعد الفقيه والقاضي إلى الأمير يعظونه، فطرح المكس وأعتق مماليكه كلهم وعبيده، ورد علينا كل مالنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت تلك النار على حالها تلتهب التهاباً، وهي كالجبل العظيم ارتفاعاً، وكالمدينة عرضاً، يخرج منها حصى يصعد في السماء، ويهوي فيها، ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمي كالرعد. وبقيت كذلك أياماً ثم سالت سيلاناً إلى وادي أجيلين تنحدر مع الوادي إلى الشظا، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج، والحجارة معها تتحرك وتسير حتى كادت تقارب حرة العريض، ثم سكنت ووقفت أياماً، ثم عادت ترمي بحجارة خلفها وأمامها، حتى بنت لها جبلين، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياماً، ثم إنها عظمت وسناءها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوت عظيم في آخر الليل إلى ضحوة، ولها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، وإنما هذا طرف يكفي، والشمس والقمر كأنهما منكسفان إلى الآن. وكتب هذا الكتاب ولها شهر وهي في مكانها ما تتقدم ولا تتأخر ".
وقد قال فيها بعضهم أبياتاًَ:
يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنا ××× لقد أحاطت بنا يا ربُّ بأساء
نشكو إليك خطوباً لا نطيقُ لها ××× حملاً ونحن بها حقاً أحقاء
стр. 136
زلازل تخشعُ الصُّم الصلابُ لها ××× وكيف يقوى على الزلزالِ شماءُ
أقامَ سبعاً يرج الأرض فانصدعت ××× عن منظرٍ منه عينُ الشمسِ عشواءُ
بحرٌ من النار تجري فوقهُ سفنٌ ××× من الهضاب لها في الأرض أرساءُ
كأنما فوقهُ الأجبال طافيةٌ ××× موجٌ عليه لفرط البهج وعثاءُ
ترمي لها شرراً كالقصر طائشةً ××× كأنها ديمةٌ تنصب هطلاءُ
تنشقُ منها قلوبُ الصخر إن زفرت ××× رعباً وترعدُ مثلُ السعفِ أضواءُ
منها تكاثف في الجو الدخان إلى ××× أن عادت الشمسُ منه وهي دهماءُ
قد أثرت سفعةٌ في البدرِ لفحتها ××× فليلةُ التم بعد النور ليلاءُ
تحدث النيراتُ السبع ألسنها ××× بما يلاقي بها تحت الثرى الماءُ
وقد أحاط لظاها بالبروج إلى ××× أن كادَ يلحقها بالأرض إهواءُ
فيالها آيةٌ من معجزاتِ رسو ××× ل الله يعقلها القومُ الألباءُ
فباسمكَ الأعظمِ المكنون إن عظمت ××× منا الذنوب وساءَ القلبُ أسواءُ
فاسمح وهب وتفضل وامحُ واعفُ وجدْ ××× واصفحْ فكل لفرطِ الجهل خطاءُ
فقومُ يونسَ لم آمنوا كشف الـ ××× ـعذابَ عنهم وعمَّ القوم نعماءُ
ونحنُ أمةُ هذا المصطفى ولنا ××× منه إلى عفوك المرجوِ دعاءُ
هذا الرسولُ الذي لولاه ما سلكت ××× محجةٌ في سبيل الله بيضاءُ
فارحم وصَلِّ على المختارِ ما خطبت ××× على علا منبر الأوراق ورقاءُ
قلت: والحديث الوارد في أمر هذه النار مخرج في الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى " وهذا لفظ البخاري.
стр. 137
وقد وقع هذا في هذه السنة - أعني سنة أربع وخمسين وستمائة - كما ذكرنا، وقد أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، وجرى ذكر هذا الحديث وما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال: سمعت رجلاً من الأعراب يخبر والدي بِبُصْرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز.
قلت: وكان مولده في سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وكان والده مدرساً للحنفية ببصرى، وكذلك كان جده، وهو قد درس بها أيضاً ثم انتقل إلى دمشق فدرس بالصادرية وبالمعدمية، ثم ولى قضاء القضاة الحنفية، وكان مشكور السيرة في الأحكام، وقد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتا عشرة سنة، ومثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي، وصلوات الله وسلامه على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ومما نظمه بعض الشعراء في هذه النار الحجازية، وغرق بغداد قوله:
سبحان من أصبحت مشيئته ××× جاريةً في الورى بمقدار
أغرق بغدادَ بالمياه كما ××× أحرق أرض الحجازِ بالنارِ
قال أبو شامة: والصواب أن يقال:
في سنةِ أغرقَ العراقَ وقد ××× أحرقَ أرضَ الحجازَ بالنارِ
وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة: في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة - كنت جالساً بين يدي الوزير، فورد عليه كتاب من مدينة الرسول ﷺ ، صحبة قاصد يعرف بقيماز العلوي الحسني المدني، فناوله الكتاب فقرأه، وهو يتضمن أن مدينة الرسول ﷺ زلزلت يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي، وسمع صرير الحديد، وتحركت
стр. 138
السلاسل، وظهرت نار على مسيرة أربع فراسخ من المدينة، وكانت ترمي بزبد كأنه رؤوس الجبال، ودامت خمسة عشر يوماً.
قال القاصد: وجئت ولم تنقطع بعد، بل كانت على حالها، وسأله إلى أي الجهات ترمي؟ فقال: إلى جهة الشرق، واجتزت عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفة فلم تحرقها، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها. وأخرج قيماز المذكور شيئاً من الصخر المحترق وهو كالفحم لوناً وخفة.
قال وذكر في الكتاب وكان بخط قاضي المدينة أنهم لم زلزلوا دخلوا الحرم، وكشفوا رؤوسهم واستغفروا، وأن نائب المدينة أعتق جميع مماليكه، وخرج من جميع المظالم، ولم يزالوا مستغفرين حتى سكنت الزلزلة، إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع. وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يوماً وإلى الآن.
قال ابن الساعي: وقرأت بخط العدل محمود بن يوسف الأمعاني شيخ حرم المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، يقول: إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة، وإشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة، فالسعيد من انتهز الفرصة قبل الموت، وتدارك أمره بإصلاح حاله مع الله قبل الموت. وهذه النار في أرض ذات حجر لا شجر فيها ولا نبت، وهي تأكل بعضها بعضاً إن لم تجد ما تأكله، وهي تحرق الحجارة وتذيبها، حتى تعود كالطين المبلول، ثم يضربه الهواء حتى يعود كخبث الحديد الذي يخرج من الكير، فالله يجعلها عبرة للمسلمين ورحمة للعالمين، بمحمدٍ وآله الطاهرين. انتهى ما ذكره ابن كثير (١) .
ومن العلماء الكبار الذين كانوا أحياء عند خروج هذه النار الإمام النووي
стр. 139
رحمه الله تعالى، وقد ذكرها في شرحه لصحيح مسلم فقال: " وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة جداً من جنب المدينة الشرقي، وراء الحرة، تواتر العلم بخروجها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة " (١) . وواضح من وصف المشاهدين لهذه النار أنها كانت بركاناً هائلاً، صاحبه زلازل عظيمة، والشاهد أن هذه النار خرجت على النحو الذي أخبرنا به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 140
توقف الجزيَة والخراج
كانت الجزية التي يدفعها أهل الذمة في الدولة الإسلامية، والخراج الذي يدفعه من يستغل الأراضي التي فتحت في الدولة الإسلامية من أهم مصادر بيت مال المسلمين، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سيتوقف، وسيفقد المسلمون بسبب ذلك مورداً إسلامياً مهماً، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم "، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (١) .
والقفيز والمد والإردب مكاييل لأهل ذلك الزمان في تلك البلاد، وبعضها لا يزال معروفاً إلى أيامنا، والدرهم والدينار أسماء للعملات المعروفة في ذلك الوقت، ومنع تلك البلاد للمذكورات في الحديث بسبب استيلاء الكفار على تلك الديار في بعض الأزمنة، فقد استولى الروم، ثم التتار على كثير من البلاد الإسلامية، وفي عصرنا احتل الكفار ديار الإسلام، وأذهبوا دولة الخلافة الإسلامية، وأبعدوا الشريعة الإسلامية عن الحكم. قال النووي في تعليقه على الحديث: " الأشهر في معناه أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين، وقد روى مسلم هذا بعد ذاك بورقات عن جابر
стр. 141
قال: " يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك "، وذكر في منع الروم ذلك بالشام مثله، وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود، وقيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان، فيمنعون ما لديهم من الزكاة وغيرها، وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج، وغير ذلك " (١) ، وكل هذه التعليلات لسبب منع تلك الإيرادات لخزينة الدولة الإسلامية التي ذكرها النووي وجدت، علاوة على انهيار الدولة الإسلامية التي كانت تقيم اقتصادها على الشريعة الإسلامية فإلى الله المشتكى.
стр. 142
العَلامَات التي وقعت، وهي مستمرة، أو وقعت مَرة وَيمكن أن يتكرّر وقوعَها
المبحَث الأول
الفتوحَات والحروب
أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد سار حملة هذا الدين مشرقين، ومغربين يفتحون البلاد وينشرون الإسلام، وقد هزموا الدول الكبرى في ذلك الزمان، وأزالوها من الوجود، ولم يزل هذا دأب المسلمين على مَرِّ العصور، وسيبقى إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال.
وقد كان الرسول ﷺ يخبر الصحابة بما سيكون من الفتوحات والانتصارات التي سيجريها الله على أيديهم أو على أيدي من بعدهم، قال لهم ذلك في الوقت الذي كانوا فيه مستضعفين في مكة، أو محاصرين في المدينة يعيشون في خوف مستمر من اجتياح الأعداء، فقد روى لنا البخاري عن خباب بن الأرت قال: " شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن
стр. 143
دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب (١) ، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون " (٢) .
لقد كان الأمن منعدماً في الجزيرة العربية، وكان القانون السائد فيها شريعة الغاب، وقد كثر في الأحاديث الإخبار باستتباب الأمن في الجزيرة بسبب ظهور الإسلام فيها، كما أخبرنا الرسول ﷺ أن الإسلام سيتعدى حدود الجزيرة العربية، وأنه سيعصف بالدول الكبرى في ذلك الوقت، مثل ملك كسرى وقيصر، ففي صحيح مسلم عن نافع بن عتبة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله " (٣) .
وروى البخاري عن عَدِيّ بن حاتم، قال: " بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بكَ حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي، فأين دُعَّار طيِّء الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كنوز بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله
стр. 144
منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم.
قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة ".
قال عدي: " فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ ، يخرج ملء كفه ... " (١) .
وقد أخبر الرسول ﷺ في حديث آخر أن المسلمين سيزيلون ملك كسرى وقيصر، وسينفقون كنوزهما في سبيل الله، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (٢) .
وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض " (٣) وقد وقع الأمر كما أخبر الرسول ﷺ ، فقد بلغ ملك هذه الأمة بمقدار ما جمع له من الأرض، وكان معظم امتداد ملك هذه الأمة في جهتي الشرق والغرب، وأما في جهة الشمال والجنوب فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب.
стр. 145
وأخبرنا رسولنا ﷺ أننا سنغزو الهند، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇ " (١) .
وبشرنا الرسول ﷺ بفتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، كما أخبرنا بفتح روما مقر الفاتيكان، ففي الحديث الصحيح عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله: أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني القسطنطينية " (٢) .
وقد فتحت فارس والروم وزال ملك كسرى وقيصر، وغزا المسلمون الهند، وفتحوا القسطنطينية، وسيكون للمسلمين في مقبل الزمان ملك عظيم ينتشر فيه الإسلام ويذل الشرك، وتفتح روما مصداقاً لحديث الرسول ﷺ القائل: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزّاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر " (٣) .