قال: " يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك "، وذكر في منع الروم ذلك بالشام مثله، وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود، وقيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان، فيمنعون ما لديهم من الزكاة وغيرها، وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج، وغير ذلك " (١) ، وكل هذه التعليلات لسبب منع تلك الإيرادات لخزينة الدولة الإسلامية التي ذكرها النووي وجدت، علاوة على انهيار الدولة الإسلامية التي كانت تقيم اقتصادها على الشريعة الإسلامية فإلى الله المشتكى.
стр. 142
العَلامَات التي وقعت، وهي مستمرة، أو وقعت مَرة وَيمكن أن يتكرّر وقوعَها
المبحَث الأول
الفتوحَات والحروب
أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد سار حملة هذا الدين مشرقين، ومغربين يفتحون البلاد وينشرون الإسلام، وقد هزموا الدول الكبرى في ذلك الزمان، وأزالوها من الوجود، ولم يزل هذا دأب المسلمين على مَرِّ العصور، وسيبقى إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال.
وقد كان الرسول ﷺ يخبر الصحابة بما سيكون من الفتوحات والانتصارات التي سيجريها الله على أيديهم أو على أيدي من بعدهم، قال لهم ذلك في الوقت الذي كانوا فيه مستضعفين في مكة، أو محاصرين في المدينة يعيشون في خوف مستمر من اجتياح الأعداء، فقد روى لنا البخاري عن خباب بن الأرت قال: " شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن
стр. 143
دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب (١) ، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون " (٢) .
لقد كان الأمن منعدماً في الجزيرة العربية، وكان القانون السائد فيها شريعة الغاب، وقد كثر في الأحاديث الإخبار باستتباب الأمن في الجزيرة بسبب ظهور الإسلام فيها، كما أخبرنا الرسول ﷺ أن الإسلام سيتعدى حدود الجزيرة العربية، وأنه سيعصف بالدول الكبرى في ذلك الوقت، مثل ملك كسرى وقيصر، ففي صحيح مسلم عن نافع بن عتبة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله " (٣) .
وروى البخاري عن عَدِيّ بن حاتم، قال: " بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بكَ حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي، فأين دُعَّار طيِّء الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كنوز بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله
стр. 144
منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم.
قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة ".
قال عدي: " فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ ، يخرج ملء كفه ... " (١) .
وقد أخبر الرسول ﷺ في حديث آخر أن المسلمين سيزيلون ملك كسرى وقيصر، وسينفقون كنوزهما في سبيل الله، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (٢) .
وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض " (٣) وقد وقع الأمر كما أخبر الرسول ﷺ ، فقد بلغ ملك هذه الأمة بمقدار ما جمع له من الأرض، وكان معظم امتداد ملك هذه الأمة في جهتي الشرق والغرب، وأما في جهة الشمال والجنوب فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب.
стр. 145
وأخبرنا رسولنا ﷺ أننا سنغزو الهند، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇ " (١) .
وبشرنا الرسول ﷺ بفتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، كما أخبرنا بفتح روما مقر الفاتيكان، ففي الحديث الصحيح عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله: أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني القسطنطينية " (٢) .
وقد فتحت فارس والروم وزال ملك كسرى وقيصر، وغزا المسلمون الهند، وفتحوا القسطنطينية، وسيكون للمسلمين في مقبل الزمان ملك عظيم ينتشر فيه الإسلام ويذل الشرك، وتفتح روما مصداقاً لحديث الرسول ﷺ القائل: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزّاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر " (٣) .
стр. 146
وقد أخبر الرسول ﷺ بأننا سنقاتل الترك والتتار، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : " إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المُطْرقة ".
وفي رواية لهما عن أبي هريرة: " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر " واللفظ للبخاري (١) .
وقد وقع الأمر كما أخبر الرسول ﷺ فقد قاتل المسلمون الترك أكثر من مرة، يقول النووي في التتار الذين اجتاحوا العالم الإسلامي: " وقد وجدوا في زماننا، أي الترك الذين تحدث عنهم الرسول ﷺ هكذا.. بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ : صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الوجوه، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم والحماية، وصلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " (٢) .
стр. 147
خروج الدجّالين أدعيَاء النبوَّة
أخبر الرسول ﷺ أنه سيخرج في هذه الأمة دجالون يدعون النبوة، وقد أخبر الرسول ﷺ أن عددهم قريب من ثلاثين، وحددهم في بعض الأحاديث بسبعة وعشرين، والمراد بأدعياء النبوة هؤلاء الذين يثيرون فتنة ويتبعهم الناس، ويغترون بباطلهم، أما الذين ادعوها ولم يأبه الناس لهم فكثير.
ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كل يزعم أنه رسول الله " (١) .
وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي " (٢) .
وفي مسند أحمد، ومشكل الآثار للطحاوي، ومعجم الطبراني الكبير والأوسط بإسناد صحيح عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: " في أمتي كذابون، ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربعة نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي " (٣) .
وقد خرج من هؤلاء عدد كبير في الماضي، ففي عهد الصحابة خرج مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح الكاهنة، وفي عصر التابعين خرج المختار
стр. 148
الثقفي مدعياً النبوة، ومنذ أكثر من قرن قام حسين بن علي ابن الميرزا عباس في إيران مدعياً النبوة (١) ، ولقب ببهاء الله وأتباعه البهائية، وآخر من سمعنا عنه دعوى النبوة محمود محمد طه السوداني الذي أضل كثيراً من الناس بكتاباته ومقالاته، وقد أعدم في طليعة هذا العام (٢) ، أعدمته حكومة السودان بسبب ضلاله وكفره وردته، فلعنة الله على الظالمين. إلا أن الدجال الكبير هو ذلك الذي يخرج آخر الزمان، وينزل الله عيسى ابن مريم للقضاء على فتنته.
стр. 149
الفِتن
المطلب الأول
التحذير من الفتن
الإنسان الصالح هو المسلم المستقيم على الدين الذي أنزله ﵎، والأمة الصالحة هي الأمة التي تأخذ هذا الدين وتستقيم عليه، ثم إن الفرد المسلم، والأمة المسلمة كلهم يبتلى بشتى أنواع البلاء، وقد يثور البلاء من داخل الأمة بسبب الأهواء والفرقة والخصام، وقد يتمثل في عدو حاقد على هذه الأمة يجتاحها ويستذلها، وقد يصل البلاء النابع من الفرقة والخصام إلى حد أن يسل بعضها على بعض السيوف، فتزهق الأرواح، وتسيل الدماء، وتنتهك الحرمات، وتسلب الأموال.
وقد أطلع الله رسوله ﵇ على كثير من البلايا والفتن التي ستبتلى بها الأمة الإسلامية في مقبل الزمان، ولذلك فإن الرسول ﷺ أطال في تحديث الصحابة عن تلك الفتن، وبيان المخرج منها، يقول أبو زيد عمرو بن أخطب، صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن، فأعْلَمُنا أحفَظُنا " (١) .
стр. 150
ولعل هذا المقام هو الذي ذكره حذيفة بن اليمان، فقد ثبت عنه أنه قال: " قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل قد غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه " (١) .
وبعض هذه الفتن شديدة مظلمة ومنها خفيف، ففي حديث حذيفة في صحيح مسلم عن الفتن: " منهن (أي من الفتن) ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار " (٢) .
ويبلغ من شدة هذه الفتن أن تخرج المسلم عن دينه، ففي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح المرء مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أحدكم دينه بعرض قليل من الدنيا " رواه أحمد ومسلم والترمذي (٣) .
وفي حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا " أخرجه الترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح (٤) .
стр. 151
ويبلغ ثقل هذه الفتن وشدتها على المسلم أن يتمنى الموت ويرجوه كي يتخلص من البلاء، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني كنت مكانه " رواه البخاري ومسلم (١) ، وفي رواية عند مسلم: " والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، فيقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدَّين إلا البلاء " (٢) .
وإن من أعظم الأسباب التي توقع في الفتن والبلاء قلة العلم، وكثرة الجهل، وترك الإسلام، وارتكاب الذنوب والمعاصي، وانتهاك الحرمات، فعن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : " إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع العلم، ويكثر الهرج، والهرج: القتل " أخرجه البخاري ومسلم (٣) .
وعن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد " وفي رواية: " يقل العلم، ويظهر الجهل " متفق عليه (٤) .
والسبب في قلة الرجال وكثرة النساء كما جاء ذلك مبنياً في بعض الأحاديث - الحروب التي تقع في ذلك الزمان، وقد كثر في الأحاديث إخبار الرسول ﷺ بكثرة
стр. 152
القتل في آخر الزمان، وليس المراد به قتل المسلمين للكفار، وإنما هو قتل بعض المسلمين لبعض، وفي كثير من الأحيان لا تعرف أسباب ذلك القتل ولا أهدافه، ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: " إن بين يدي الساعة الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضاً، [حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه] ، قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس؟ يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء " (١) .
وروى أبو هريرة عن الرسول ﷺ أنه قال: " والذي نفسي بيده، ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتَل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتِل " (٢) .
стр. 153
المطلب الثاني
نماذج من الفتن
أولاً: مقتل الخليفة الراشد عثمان وافتراق الأمة
من أعظم الفتن التي أخبر بها الرسول ﷺ تلك الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان وفرقة الأمة الإسلامية، ومن ثم جعل بأسها بينها، فقد سل بعضها السيوف على بعض، وسالت الدماء الطاهرة الطيبة من الفريقين المسلمين المتخاصمين، وأصدق وصف لتلك الفتنة أنها كانت تموج كموج البحر.
ففي حديث حذيفة أنه كان جالساً عند عمر بن الخطاب، إذ قال: " أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجارِهِ يكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال عمر: أيكسر أم يفتح؟ قال: بل يكسر، قال عمر: إذاً لا يغلق أبداً، قلت: أجل. قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب: قال: نعم، كما أعلم أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله عن الباب، فأمرنا مسروقاً فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر " (١) .
стр. 154
وقد حدد الرسول ﷺ العام الذي تقع فيه الفتنة، ففي حديث عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " تدور رحى الإسلام بعد خمس وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم - يقم لهم سبعين عاماً، قلت: (وفي رواية قال عمر: يا نبي الله) : مما بقي، أو مما مضى؟ قال: مما مضى " (١) . وقد سماها رحى الإسلام تشبيهاً للحرب بالرحى، لأنها تطحن المقاتلين، كما يطحن الرحى الحب، وأشار الرسول ﷺ في بقية الحديث إلى مدة حكم بني أمية، فقد كانت مدته سبعين عاماً.
وقد صرح في بعض الروايات بما يكون من حال الأمة في تلك الفتنة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة " (٢) .
ثانياً: فتنة الخوارج
من آثار الفتن الفرقة والاختلاف، وقد أخبرنا الرسول ﷺ عن خروج أقوام في آخر الزمان، لهم دور كبير في فرقة الأمة الإسلامية، إذ يدعي هؤلاء العلم، ويجهدون أنفسهم في العبادة، ويدعون إلى كتاب الله، ولكنهم جهلاء، أحكامهم جائرة، وآراؤهم قاصرة، يسفكون دماء مخالفيهم من المسلمين، ويجهلون الصحابة والعلماء، ففي الحديث المتفق عليه عن علي بن أبي طالب قال: قال
стр. 155
رسول الله ﷺ : " سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة " (١) .
وفي سنن أبي داود وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى فُوقه، هم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، سيماهم التحالق " (٢) .
وقد خرجت هذه الفرقة في عهد الصحابة، وكفرت الصحابة، واستباحت دماء المسلمين، وأحدثت في الأمة بلاء كبيراً.
стр. 156
المطلب الثالث
كيفية الخلاص من الفتن
اجتهد كثير من الصحابة في التعرف على الفتن التي ستعصف بالأمة وتبين طريق النجاة والخلاص منها، ومن هؤلاء بل في مقدمتهم حذيفة بن اليمان فقد صح عنه أنه قال: " إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة، فيما بيني وبين الساعة " (١) .
وقد كان حذيفة يكثر من سؤال الرسول ﷺ عن الفتن حتى لا يقع فيها، ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: ما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (٢) .
стр. 157
وفي حديث العرباض بن سارية أمر الرسول ﷺ بالتمسك بالإسلام، وطاعة الإمام، والتزام سنة الرسول ﷺ وسنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده، فقد روى عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول: " وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: " تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد ينقاد " (١) .
كيف يتصرف المسلم في الحروب التي تثور بين المسلمين:
أرشد الرسول ﷺ أمته إلى كيفية التصرف في مثل هذه الفتن التي تثور بين المسلمين، حيث يخفى الحق، وتضطرب الأمور، فقد دعا الرسول ﷺ إلى اجتناب الصراع والقتال في مثل هذه الحال، والاعتزال في مكان ناء، يرعى الرجل الغنم في قمم الجبال، أو يجاهد الأعداء على حدود الدولة المسلمة، فإن وصلت إليه سيوف المتحاربين، فقد أمر بأن يمتنع عن الدفاع عن نفسه، ولو كان في هذا هلاكه، فقد روى لنا أبو بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إنها ستكون فتن، ألا ثَمَّ ستكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان
стр. 158
له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إلى إحدى الفئتين؟ فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار " (١) .
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن " رواه البخاري (٢) .
وفي حديث أبي هريرة عند الحاكم أن رسول الله ﷺ قال: " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم، أنجى الناس منها صاحب شاهقة، يأكل من رسل غنمه، أو رجل من وراء الدروب، آخذ بعنان فرسه، يأكل من فيء رمحه " (٣) .
وقد بين الرسول ﷺ لأبي ذر كيف يتصرف في الفتنة، فقال له: " أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء (٤) ، كيف تصنع؟ قال: اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك؟ قال: فأت من كنت معه، فكن فيهم. قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذاً تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق من طرف ردائك على وجهك، كي يبوء
стр. 159
بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار " (١) .
وقد احتج بالأحاديث التي سقناها وما أشبهها من لم ير القتال في الفتنة من الصحابة، " وهم كل من ترك القتال مع علي بن أبي طالب في حروبه، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وغيرهم، وقالوا: يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه، وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف على القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق " (٢) .
وقال الطبري: " الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها " (٣) .
ولا شك أن تبين الحق والصواب في مثل هذه الظروف التي تقع فيها الفتن، وتظهر فيها الأهواء صعب جداً، والأقرب إلى السلامة هو البعد والاعتزال، كيلا يصيب المسلمُ دماً حراماً، ولا يؤذي مسلماً، والله أعلم بالصواب.
стр. 160
المطلب الرابع
بؤرة الفتن ومصدرها
أخبرنا الرسول ﷺ بالجهة التي تهب منها رياح الفتن على الديار الإسلامية، ففي صحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم " (١) .
وعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر، فقال: " الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال: قرن الشمس ". رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم عن عائشة: " رأس الكفر هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان " (٢) ، وفي حديث آخر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان " (٣) .
وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق، ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة،
стр. 161
وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة (١) .
ولا شك أن العراق في جهة المشرق، وأنها تعد بالنسبة للمدينة نجداً، وهذا ما فقهه سال بن عبد الله بن عمر، فعندما كان أهل العراق يرتكبون العظائم ويسألون عن التوافه من الأمور، قال لهم سالم: " يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الفتنة تجيء من هاهنا " وأومأ بيده نحو المشرق: " من حيث يطلع قرنا الشيطان "، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض (٢) .
ومن استقرأ التاريخ علم أن الفتن كانت تهب على الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي من جهة المشرق، فمنها ثارت الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الراشد عثمان، ومنها خرجت فرقة الحرورية المارقة: الخوارج، وبقيت رياح الخوارج تعصف بالأمة في العهد الأموي، وبها قامت ثورة الزنج في عام ٢٥٥هـ بالبصرة، وفي عام ٢٧٨هـ انبعثت منها حركة القرامطة، ومن اطلع على ما أحدثه الزنج والقرامطة في الأمة الإسلامية يذهل مما ارتكبوه من فظائع.
وليس المشرق قصراً على العراق، فمن الشرق هبت رياح التتار، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن تأتي رايات الدجال، من خراسان كما أخبر الرسول ﷺ .
ولا تعارضُ هذه الأحاديث - التي تحدد البؤرة التي تنبعث منها الفتن على الأمة الإسلامية - حديث الرسول ﷺ الذي يرويه عنه أسامة بن زيد ﵄،
стр. 162
قال: " أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر " (١) رواه البخاري (٢) .
يقول ابن حجر في شرح الحديث: " اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان ﵁ كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب مقتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك، أو عن شيء تولد عنه، ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليه لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بين حديث الباب، وبين الحديث الآتي أن الفتنة من جهة المشرق " (٣) .
стр. 163
إسناد الأمر إلى غيَر أهله
وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أحد القواعد الهامة التي لا تصلح حياة البشر بدونها، ولذلك فإن الفترات التي تولى فيها الحكم أصحاب الكفاءات العالية من أصحاب الصلاح والتقى فترات مضيئة مشرقة في تاريخ الأمة الإسلامية، وأكبر مقتل يفسد نظام الحياة أن يتولى الحكم والولايات والمناصب أقوام غير أكفاء يقودون الحياة بأهوائهم، ويترك الأخيار القادرون على تسيير الأمور على النحو الأمثل والأفضل.
وقد أخبر الرسول ﷺ أن من أشراط الساعة أن يوسَّد الأمر إلى من لا يستحقه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: " بينما رسول الله ﷺ في مجلس - يُحَدّث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قاله، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه: قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " (١) .
وروى الطحاوي في ((مشكل الآثار)) عن رسول الله ﷺ : " يوشك أن يغلب على الدنيا لكع ابن لكع، وأفضل الناس مؤمن بين كريمين " (٢) .
стр. 164
ومن نظر في تاريخ الأمة الإسلامية علم أن هذا المرض الذي أشار إليه الرسول ﷺ هو أحد البلايا الكبار التي أصابت المسلمين إصابات كبيرة، لقد تولى أمر هذه الأمة رجال مستبدون، لا يطيقون سماع رأي مخالف لما يرونه، ففي الحديث عن معاوية أن الرسول ﷺ قال: " ستكون أئمة من بعدي، يقولون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة " رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو يعلى (١) .
وبعض هؤلاء الحكام تشغلهم الشهوات والمتع عن رعاية أمور المسلمين، وبعضهم لا يعرف الحق، فإذا به يحمل الناس على مالا يعرفون، وينشر بينهم البدع والمنكرات، كما في الحديث الذي يرويه عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ : " ستكون أمراء تشغلهم أشياء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً " (٢) رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة بإسناد صحيح.
وفي حديث أم سلمة عند مسلم وأبي داود: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع لم يبرأ " (٣) .
وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني وسنن ابن ماجة عن ابن مسعود عن الرسول ﷺ قال: " سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ويحدثون البدع، قال ابن مسعود: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله " (٤) .
ونلاحظ أن الرسول ﷺ لم يأذن بالخروج على عصاة الحكام، لما يترتب على
стр. 165
الخروج عليهم من الفتن وسفك الدماء، هذا إذا كانوا آخذين بشريعة الله على وجه العموم.
ففي سنن النسائي ومسند ابن حبان بإسناد صحيح عن عرفجه " ستكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد كائناً من كان فاقتلوه، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض " (١) .
стр. 166
فسَاد المسلمين
إنما يتحقق للأمة الرقي والسؤدد بمقدار ما يكون فيها من أفراد صالحين يتمثلون في أنفسهم القيم الفاضلة، والأخلاق الحميدة، ساعين إلى إقامة العدل في عالم الواقع، وتقويم المعوج، وإصلاح الفاسد، وهؤلاء هم الذين حملوا الأمانة التي أبت السماوات والأرض حملها، وأشفقت من ذلك: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: ٧٢] .
والأمانة ما ائتمن الله عليه العباد من الإيمان والتكاليف، ومن ذلك أداء ما للعباد من مال وحقوق، وقد أخبر الرسول ﷺ أن هذه الأمانة سترفع، وهذا الرفع تدريجي، ففي زمن حذيفة لاحظ شيئاً منه، ولكنه في زمننا هذا كثير، وسيأتي زمان يكون أكثر مما نحن فيه.
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، قال حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر " حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلُّ أثرها مِثلَ الوَكْت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مِثلَ المَجْل كجَمْرٍ دحرجه على رجلك، فَنَفِط، فتراه مُنْتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصىً فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً
стр. 167
أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان "
يقول حذيفة: " ولقد أتى عليَّ زمان، ولا أبالي أيكم بايعتُ، لئن كان مسلماً ليردنه عليَّ دينُه، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً " (١) .
ومراد الرسول ﷺ أنها نزلت في جذر قلوب الرجال، أي: في أصلها وأعماقها، ثم إن الأمانة تنزع ويبقى أثرها فحسب، والوَكْت: هو اللون الباهت الذي يخلف اللون الأصلي، ومراده بالمَجْل: هو أثر التنفيط، والنفط الذي تحدثه النار إذا دحرجته على رجل الإنسان كما في الحديث.
стр. 168
ولادَة الأمّة ربتها، وَتطاول الحفَاة العراة
رعَاة الشاة في البنيان
روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁ في مجيء جبريل إلى الرسول ﷺ في صورة رجل يلبس الملابس البيضاء الناصعة، له شعر شديد السواد، وسأل الرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وأجابه الرسول ﷺ ، ثم سأله عن الساعة، فقال الرسول ﷺ : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البنيان " (١) .
وروى ابن عباس إجابة الرسول ﷺ عن السؤال بقوله: " إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها، ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها ". قال: يا رسول الله، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: العرب (٢) .
قال ابن رجب في تعليقه على الحديث: " مضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن
стр. 169
سأله عن الساعة: " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة "، فإذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا ... " (١) .
والمراد بقوله: " أن تلد الأمة ربتها "، أي: سيدتها ومالكتها، قال العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال.
وقيل: معناه أن يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته (٢) ، وكل هذا وقع، فقد كثر تسري الأحرار من الإماء بملك اليمين، ومن المعلوم شرعاً أن الأبناء الذين يأتون من السراري يكونون أحراراً، وبذلك ولدت الأمة ربتها، وقد وصل بعض هؤلاء إلى الملك.
стр. 170
تداعي الأمم عَلى الأمَّة الإسلاميَّة
من علامات الساعة تكالب أمم الكفر على هذه الأمة، ففي الحديث عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " يُوشِك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوَهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت " (١) .
وقد وقع هذا عبر التاريخ أكثر من مرة، عندما تداعت الأمم الصليبية إلى غزوة هذه الأمة، ومرة أخرى عند اجتياح التتار العالم الإسلامي، ولكن هذه النبوءة تحققت في القرن الأخير بصورة أوضح فقد اتفق الصليبيون واليهود والملاحدة على هدم الخلافة الإسلامية، ثم جزؤوا الديار التي كانت تحكمها، وتقاسموا ديار المسلمين فيما بينهم، وأعطوا فلسطين لليهود، وأصبح المسلمون أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، ولا تزال قوى الشر إلى اليوم متداعية لتدمير هذه الأمة وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، وإذلال رجالها، والأمة الإسلامية خانعة ذليلة، لم تغن عنها كثرتها، غثاء كغثاء السيل، وعلتها كما أخبر الرسول ﷺ : الوَهْن: حب الدنيا، وكراهية الموت.
стр. 171
السِّر في هذا التداعي:
إن اعتصام هذه الأمة بدينها ووحدتها حاجز يقف دون مطامع أعدائها، فمهما كان مكر الأعداء وقوتهم فإنهم لن ينالوا من هذه الأمة نيلاً إذا كانت متحدة، وفي الحديث الذي يرويه ثوبان أن الرسول ﷺ قال: " وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بِسَنَةٍ عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنَّ ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً " (١) .
وواضح من الحديث أن وحدة الأمة عصمة لها من أعدائها، فإذا أصبح بأسها بينها، ووقعت الفرقة والاختصام فيما بينها سلط الله عليها أعداءها، وتلك نتيجة حتمية لأن قوتها في هذه الحال لا تتجه إلى الأعداء، بل إلى نفسها فتدمر نفسها بنفسها، مما يطمع أعداءها فيها.
стр. 172
الخسف والقذف وَالمسخ الذي يعَاقب
اللَّه به أقواماً من هَذه الأمّة
يقع في هذه الأمة من أنواع البلاء الخسف والقذف والمسخ بسبب تعاطيها للذنوب والمعاصي واستعلان ذلك فيها، كشرب الخمر ولبس الرجال الحرير، وتعاطي الزنا، وأكل الربا، ونحو ذلك من الفساد الذي يصل درجة استحلال الحرام.
ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح عن سهل بن سعد أن الرسول ﷺ قال: " سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر " (١) .
ورواه ابن ماجة عن عبد الله بلفظ " بين يدي الساعة مسخ، وخسف، وقذف " ولهذا الحديث شواهد كثيرة تشهد بصحته، منها حديث عائشة عند الترمذي: " يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا ظهر الخبث ".
ومنها حديث عمران، وهو قريب من حديث عائشة إلا أنه قال: " فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات
стр. 173
والمعازف، وشربت الخمور " أخرجه الترمذي (١) .
وروى أبو نعيم في أخبار أصبهان بإسناده إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " ليبيتن أقوام من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو، فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير " (٢) .
وروى البخاري تعليقاً عن أبي عامر أو أبي مالك أن النبي ﷺ ، قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَمٍ، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة " وقد وصل الحديث الطبراني والبيهقي وابن عساكر وغيرهم، وإسناده صحيح، وقد أخطأ ابن حزم في تضعيفه للحديث (٣) .
ومن الخسوف الكبيرة التي تكون قرب قيام الساعة، الخسف بجيش كامل في آخر الزمان، كما في الحديث الذي يرويه أحمد والحميدي عن بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي، قالت: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: " يا هؤلاء، إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريباً، فقد أظلت الساعة " (٤) .
ولعل هذا الجيش الذي يخسف به قرب المدينة، ويدل على هذا قوله: " قريباً ".
стр. 174
وقد أخبرنا الرسول ﷺ ببعض المواضع التي يقع فيها الخسف والقذف والمسخ، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " يا أنس، إن الناس يمصرون أمصاراً. فإن مصراً يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير " (١) .
стр. 175
استفاضة المَال
من علامات الساعة كثرة المال، حتى إن الرجل يعطى المائة دينار من الذهب فيراها قليلة، ويبحث صاحب المال عن رجل فقير يقبل منه صدقة ماله فلا يجد، فقد قال الرسول ﷺ لعوف بن مالك، وكان آن ذاك في غزوة خيبر: " اعدد ستاً بين يدي الساعة " فذكرها، ومنها: استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً " (١) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يُهِم ربُّ المال من يقبل منه صدقة، ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا أرَبَ لي فيه " (٢) .
والمراد بقوله: " يُهِم ربُّ المال " أي: يحزنه، لأنه لا يوجد المحتاج الذي يبذل له المال، وقوله: " لا أرَبَ لي فيه " أي: لا حاجة لي به.
وروى حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تَصدّقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بالأمس قبلتها، فأما الآن، فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها " (٣) .
стр. 176
ويبدو أن هذا يقع في أكثر من زمان، فقد وقع في عصر عمر بن عبد العزيز ﵁، فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: " لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم، فلا يجد فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس " (١) .
وسيأتي عند ذكر المهدي إيراد الأحاديث التي تذكر أنه سيكون خليفة يحثو المال حثواً، وسيأتي عند ذكر عيسى ذكر الأحاديث التي تذكر استفاضة المال في وقته، حتى لا يقبله أحد.
стр. 177
تسليم الخاصَّة، وفشو التجَارة، وقطع الأرحََام
روى أحمد في مسنده بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم " (١) .
ومراده بتسليم الخاصة أن لا يسلم المسلم إلا على من يعرفه، كما في الحديث الآخر الذي يرويه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أيضاً، عن النبي ﷺ قال: " إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة " وفي رواية: " أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة " (٢) .
وهذا الذي أخبرنا به الرسول ﷺ قد وقع كله من قبل، وهو ظاهر مشاهد في زماننا، وهو في كثرة بإطراد وازدياد، والله المستعان.
стр. 178
اختلال المقاييس
أخبرنا الرسول ﷺ أن المقاييس التي يُقَوَّم بها الرجال تختل قبل قيام الساعة، فيقبل قول الكذبة ويصدق، ويرد على الصادق خبره، ويؤتمن الخونة على الأموال والأعراض، ويخون الأمناء ويتهمون، ويتكلم التافهون من الرجال في القضايا التي تهم عامة الناس، فلا يقدمون إلا الآراء الفجّة، ولا يهدون إلا للأمور المُعْوجة، فقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة ". قيل: وما الرويبضة ". قال: " الرجل التافه، يتكلم في أمر العامة " (١) .
ومن تأمل في أحوال عالمنا اليوم وجد أننا نعيش هذا العصر الذي أخبر الرسول ﷺ عنه، فالكذبة من الكفار والمشركين الذين يملكون وكالات الأنباء والإذاعات ومن على طريقهم يصدَّقون، وأهل الصدق والعدل يكذَّبون، والأمة الإسلامية تضع أموالها في أيدي الخونة الكفرة، ويؤتمنون على ذلك، ويخون المسلمون ولا يؤتمنون على شيء من ذلك، وقد تكلم في شؤون العالم التافهون من الرجال، وقادوه قيادة هوجاء توشك أن تدمر البشرية جمعاء.
стр. 179
شرطة آخر الزمَان الذين يجلدون الناس
يكثر الظلم في آخر الزمان، حتى إن الرجال الذين يوكل إليهم القيام على الأمن وردع الظالمين يفسدون، فإذا بهم يتحولون إلى ظلمة يجلدون ظهور العباد بسياطهم، وهذا كثير مشاهد في ديار الإسلام اليوم.
روى أحمد والحاكم والطبراني في ((الكبير)) بإسناد صحيح عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " يكون في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه " (١) .
وخبر هؤلاء ومصيرهم مذكور في صحيح مسلم، فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسمنة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " (٢) .
стр. 180
العلامَات التي لم تقع بَعد
المَبحَث الأول
عودَة جزيرة العَرب جنَّات وَأنهاراً
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله، فلا يجد أحداً يقبلها، وحتى تعود أرض العرب جنات وأنهاراً " رواه مسلم (١) .
وعودتها جنات وأنهاراً إما بسبب ما يقوم أهلها به من حفر الآبار، وزراعة الأرض ونحو ذلك مما هو حاصل في زماننا، وإما بسبب تغير المناخ، فيتحول مناخها الحار إلى جو لطيف جميل، ويفجر خالقها فيها من الأنهار والعيون ما يحول جدبها خصباً، ويحيل سهولها الجرداء إلى سهول مخضرة فيحاء، وهذا هو الأظهر، فإنه يحكي حالة ترجع فيها الجزيرة إلى ما كانت عليه من قبل.