← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١- سأل الترمذي الإمام البخاري: (محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال نعم روى مخزمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر قال: سمعت عائشة) (١) . ٢- ساق الإمام البخاري حديثاً من طريق الحسن البصري وفيه: (فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكر يقول: رأيت رسول الله صلى الله علهي وسلم على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه - وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن أبني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظمتين من المسلمين". قال أبو عبد الله: قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث" (٢) . فالبخاري اقر ورضي قول شيخه علي بن المديني في أن تصريح الحسن بالسماع من ابي بكرة في هذا الحديث هو الذي أثبت سماعه منه. والأمثلة على هذا كثير، ولكن لوضوح الأمر واشتهاره أكتفي بهذين المثاليين. ثانياً: ثبوت اللقاء في قصة أو حادثة مرورية: يحدث أحياناً أن راوياً يحدث عن شيخ بعدة أحاديث ولا يوجد في أسانيده ما يدل على سماعه في الشيخ، ولكن يأتي في خبر ما إثبات لحصول الالتقاء بينهما، ويكون هذا من خلال قصة أو حادثة تروى، فتحصل الفائدة بأنهما قد ألتقيا لذا يحتاج بما ورد من طريقهما من أحاديث معنعنة، والإمام البخاري - رحمه الله تعالى - كما قد تقرر في المبحث السابق يثبت الاتصال عنده إمام بالسماع أو اللقاء، ومن الأمثلة على الاعتماد البخاري على وسيلة الإثبات هذه ما يلي: ١- أخرج البخاري من طريق (عبد الله بن عثمان بن خثيم المكي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه: أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا ... مع أبي.

стр. 107

قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه. وحديث ابن خثيم أولى عندي) (١) . يشير الإمام البخاري هنا إلى أن ما في حديث ابن خيثم من أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قد ذكر أنه حضر تلك الحادثة مع أبيه مثبت لسماعه من أبيه - عند البخاري-، ومقدم على قول شعبة من أن عبد الرحم لم يسمع من أبيه. والمتأمل في هذا النص لا يقف فيه على سماع عبد الرحمن من أبيه عبد الله بن مسعود، ولكن يجد فيه أنه حضر مع والده تلك الواقع، واحتاج البخاري على سماع عبد الرحمن من أبيه بهذا الحديث. ٢- سأل الترمذي الإمام البخاري: (أبو الزبير سمع عائشة وابن عباس؟ قال: أما ابن عباس فنعم؟ وإن في سماعه في عائشة نظرا) (٢) . وأبو الزبير المكي روى عن ابن عباس مباشرة أحاديث قليلة جداً وليس فيها سماع، وإنما ثبت سماعه من ابن عباس في حديث يرويه أبو الزبير عن ابي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري والحديث كما ورد: (عن أبي الزبير الملكي قال: سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي بالدينار بالدينارين، فقال ابو أسيد وأغلظ له في القول، فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحداً يعرف قرابتي من رسول الله يقول ليمثل هذا يا ابا أسيد.. الحديث) (٣) . والبخاري إنما أثبت سماع أبي الزبير من ابن عباس لهذا الحديث الذي شهد فيه أبو الزبير هذه المناظرة رغم أنه لم يأت سماع صحيح من أبي الزبير فيما يرويه عن ابن عباس من أحاديث، ولعل هذا ما جعل سفيان بن عيينة يقول: (يقولون أبو

стр. 108

الزبير المكي لم يسمع من ابن عباس) (١) ، وأبو حاتم الرازي يقول: (أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية) (١) . وقد تقدم في المبحث الأول من هذا الفصل عدة شواهد تندرج تحت وسلة الإثبات الثانية المعنونة بإثبات اللقاء في قصة أو حادثة مرورية، فأغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا. وقد ذكر مسلم - رحمه الله تعالى - الوسيلتين السابقتين أثناء عرضه لقول مخالفه إذا قال: (إن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعداً، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما مرة من دهرهما، فما فوقها) (٢) . وبقي وسيلة لم يذكر مسلم، وليس ذلك إلا لندرتها، ولكون الوسلة الأولى، والثانية أكثر في الاستخدام والتطبيق منها، وسنتحدث عنها الآن. ثالثاً: ألفاظ غير صرحية في اللقاء ولكنها قرائن قوية على وقوعه: وجدت في بعض الأحايين أحاديث صححها البخاري، ولم يثبت لبعض رواتها السماع من البعض الآخر، ولا يوجد للبخاري كلام في ثبوت السماع لرواة تلك الأحاديث، ولا حتى كلام في تفسير ما صنع، ولكن التأمل في هذه الأحاديث يقودنا إلى الاستنباط إلى أن البخاري إنما صحح تلك الأحاديث لوجود قرائن قوية تدل على وقوع اللقاء بين بعض رواة السند من بعضهم الآخر، ولا أدعي أن الشواهد التي سأسوقها هي محل اتفاق، فالأمر اجتهادي ولا يخرج عن حدود الاستنباط، ولم ينم إلى علمي أن احداً ذكر هذه الوسيلة ضمن وسائل إثبات اللقاء عند البخاري أو علي بن المدين، مما جعلني أتردد وأفكر في إلغاء هذا الجزء من مبحث وسائل إثبات اللقاء، ولكن رأيت أن الإقدام خير من الإحجام، وأن المصلحة في كتابة هذا الجزء راجحة مع ما قد يستعرض له من نقد، وفيما يلي شواهد على هذه الوسلة: ١- أخرج البخاري في صحيحه من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن

стр. 109

عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ("خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، قال (١) : وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عُثمان حتى كان الحجاج، قال (٢) : وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا) (٣) . وثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال (لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان) (٤) ، وكذا قال يحيى بن معين (٥) ، ولم يُنكر الإمام أحمد قول شعبة (٦) ، وأما أبو حاتم فأجاب على من سأله (سمع من عثمان بن عفان؟ قال: روى عنه ولا يذكر سماعاً) (٧) . فلماذا صحَّح البخاري الحديث إذا كان يخالف شرطه في الاحتجاج بالسند المعنعن؟ . قل يُقال لعل البخاري وقف على طريقٍ للحديث نفسه فيه تصريح أبي عبد الرحمن السلمي بالسماع من عثمان ﵁، ولكن الواقع أن الحافظ ابن حجر ذكر في شرحه على صحيح البخاري أنه لم يجد التصريح بالحديث عن طريقٍ يعتمد عليه وذلك خلال مناقشته لقول شعبة السابق، فقد قال (قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عدي (٨) في ترجمة عبد الله بن محمد بن محمد بن أبي مريم من طريق

стр. 110

ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي عبد الرحمن حدثني عثمان، وفي إسناده مقال) (١) . إذن على ماذا استند الإمام البخاري في تصحيحه لاتصال هذا الحديث؟ أجاب الحافظ ابن حجر في قوله: (ظهري لي أن البخاري اعتمد في وصله، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان ﵁، ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره (٢) ، فكان هذا أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه) (٣) . وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن البخاري اعتمد في تصحيحه لهذا الحديث على لفظٍ غير صحيح في إثبات اللقاء، ولكنه قرينة قوية، بالإضافة إلى قرينة أخرى هي ما اشتهر عند القراء من أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ القرآن على عثمان، وإن كان في أسانيد أخبار قراءة السلمي على عثمان ضعف ووهن (٤) والمحفوظ عن عاصم بن أبي النجود أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ على علي ﵁، بل سند عاصم في القراءة هكذا: (عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن

стр. 111

أبي طالب عن رسول الله ﷺ (١) فلو كان لعاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي طريق وسند في القراءة عن عثمان ﵁ لشهر ذلك وأظهره لأنه كان عثمانياً ويُقدم عثمان على علي في الأفضلية (٢) على عكس ما هو مشهور عن أكثر الكوفيين. وأغلب الظن أن البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ لم يأخذ بقول شعبة هذا لأن القرينة قوية جداً كما يتضح من كلام ابن حجر السابق، وهذا مما يؤكد أن البخاري لا يطبق شرطه في الحديث المعنعن تطبيقاً جامداً بل ينظر للقرائن القوية ولا يُهملها، فلله دره من إمام واسع الأفق لا تسجنه الألفاظ، ولا تأسره العبارات. ٢- سأل الترمذي البخاري عن حديث يرويه (حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم فيقرأ بهما. فقال البخاري: هو حديث صحيح (٣) . والإمام البخاري عندما ترجم لحبيب بن سالم قال: (حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير الأنصاري، عن النعمان، روى عنه أبوبشير وبشير بن ثابت ومحمد بن المنتشر وخالد بن عرقطة وإبراهيم بن مهاجر، وهو كاتب النعمان، فيه نظر (٤)) (٥) . وفي قوله: "عن النعمان" مما يدل على أن سماع حبيب عن النعمان لم يثبت بيقين عند البخاري وإلا لقال - كما هي عادته - "سمع النعمان". لاسيما وقد

стр. 112

ذكر أن حبيبًا أدخل بينه وبين النعمان واسطة في بعض ما حدث (١) ، ففي هذين الأمرين ما يدعو للشك في ثبوت سماعه من النعمان - عند البخاري -. ويظهر لي أن الإمام البخاري إنما صحح حديث حبيب بن سالم عن النعمان. للفظ يتضمن قرينة قوية على وقوع النعمان"، والظن الغالب أن الكاتب عند أمير أو قاض (٢) يكون قد التقى سيده، يضاف إلى ذلك قرينة أخرى وهي أن حبيبًا مولى النعمان بن بشير، فيكون تصحيح البخاري للحديث مع عدم ثبوت السماع أو اللقاء لقوة القرائن الدالة على وقوع اللقاء. ٣- حكم البخاري على حديث يرويه عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في صلاة الخوف أنه حديث حسن (٣) . وقد رجعت إلى التاريخ الكبير لأرى هل نص البخاري على سماع عبد الله بن شقيق من أبي هريرة؟، فوجدته نص على سماعه من عائشة ولم ينص على سماعه من أبي هريرة، ولكن نقل قولاً لعبد الله بن شقيق فيه قرينة قوية جدًا على لقائه لأبي هريرة! إذ قال: (جاورت أبا هريرة سنة) (٤) . فلعل البخاري قوى حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة معتمدًا على هذه الكلمة التي هي قرينة على وقوع اللقاء، بل لعلها أقوى من حيث احتمال اللقاء والتصريح بمدة الملازمة من مجرد ورود لفظ "سمعت"، أو "حدثنا" مرة واحدة. وربما أن البخاري اختار هذه الكلمة وفضلها على أن يقول "سمع أبا هريرة" لما في هذه الكلمة من زيادة على مجرد السماع. وأخيرًا يجب أن نقرر أنه ليس هناك قاعدة مطردة فيما يصلح، وما لا يصلح

стр. 113

من الألفاظ التي هي قرائن على قوة احتمال وقوع اللقيا، والعمدة في هذا الباب على القرائن، ومدى قوتها. المبحث الثالث شروط الاحتجاج بوسائل اللقاء يشترط للاحتجاج بوسائل اللقاء أمران: ١- صحة السند. ٢- السلام مما يمنع ثبوت اللقاء. ١- صحة السند: إذا روي ما يدل على لقاء راو بشيخ في خبر من الأخبار، ولكن من طريق ضعيف فلا يعتد بذلك حتى يجيء من طريق صحيح، فصحة السند شرط للأخذ بوسيلة اللقاء. قال البخاري: (قال: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (١) . وقال: (وسماع الحسن من سمرة من جندب صحيح) (٢) . ومعنى هذا أن سماع الحسن من هذين الصحابين ثبت بسند صحيح، وقد تكلم الإمام البخاري في سماعات بعض الرواة لأنها لم ترد من طرق يعتمد عليها، فقال في ترجمة عبد الله بن عكيم: (لا يعرف له سماع صحيح) (٣) ، وقال في موضع آخر: (قال عباد بن ميسرة حدثنا الحسن قال ثنا أبوهريرة عن النبي ﷺ قال أبوعبد الله: ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة في هذا) (٤) .

стр. 114

ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - لا يبالغ في التشدد إزاء رجال سند الخير الذي يتضمن ثبوت اللقاء أو السماع فمن ذلك: قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، وقلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال: نعم. روى مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر قال: سمعت عائشة) (١) . ومخرمة بن بكير متكلم في سماعه من أبيه فقد قال مخرمة: (هذه كتب أبي لم أسمع منها شيئًا) (٢) ، وقد تكلم ابن معين وعلي بن المديني وأبوداود وابن حبان في سماع مخرمة من أبيه (٣) ، وقيل إنه سمع منه بعض الشيء قال ابن المديني: (لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه سمعت أبي) (٤) . فهذا السند فيه انقطاع، ولكن لعل البخاري احتج بخبر مخرمة بن بكير عن أبيه لأن التدليس كان نادرًا جدًا في المدينة، والسند الذي هو محمد بن المنكدر عن عائشة سند مدني لذا ساغ التساهل فيه، ولعل هناك قرائن أخرى أملت على الإمام البخاري الأخذ بهذا السند، وتساهل البخاري هو في اعتماده هنا على الوجادة، وقد احتج بالوجادة بعض أهل العلم. ٢- السلامة مما يمنع من ثبوت اللقاء: أ - موانع قادحة: ١- وجود ما يمنع ثبوت اللقاء تاريخيًا: إذا جاء في خبر أن فلانًا اجتمع مع فلان إلا أن التاريخ لا يسمح بحدوث ذلك لكون أحدهما مات قبل مجيء الآخر، أو رجل عن بلدة قبل دخول الآخر

стр. 115

إليها، فإن الراجح أخذ ما جاء في التاريخ إلا أن يكون هناك ما يطعن في صحة النقل التاريخي أو يشكك في صدقه. ساق البخاري حديثًا من طريق: (محمد بن عبد الله عن المطلب عن أبي هريرة: "دخلت على رقية بنت رسول الله ﷺ امرأة عثمان وفي يدها مشط") (١) . ثم عقب عليه منتقدًا بقول: (لا أدري حفظ؟!، لأن رقية بنت النبي ﷺ ماتت أيام بدر، وأبوهريرة هاجر بعد ذلك بنحو من خمس سنين أيام خيبر، ولا تقوم به الحجة) (٢) . فرفض البخاري الحديث ولم يحتج بما ذكر فيه من لقاء أبي هريرة لرقية بنت النبي ﷺ لمعارضة ذلك لحقائق التاريخ. ٢- ... تصريح الراوي بنفسه أنه لم يسمع ممن روى عنه: إذ صرح الراوي بنفسه أنه لم يسمع من فلان الذي روى عنه كان ذلك التصريح أقوى من غيره إذا كان سند النص المصرح فيه بعدم السماع صحيحًا، ومن ذلك: جاء في بعض الأسانيد أن جميل بن زيد قال حدثنا ابن عمر (٣) ، وقد قال جميل بن زيد نفسه: (هذه أحاديث ابن عمر بما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا لي: اكتب أحاديث ابن عمر فقدمت المدينة فكتبتها) (٤) . ٣- دخول التحديث خطأ في الإسناد: يحدث أحيانًا أن يروى سند فيه التصريح بالسماع بين راو وشيخه، ولكن يكون ذلك خطأ وليس صوابًا، فلا يحتج بالتصريح بالسماع لمجرد وروده في سند حتى يتأكد من أنه ليس بخطأ، وقد نبه البخاري على بعض من ذلك:

стр. 116

قال البخاري: (قال لي ابن حجر: ولد عبد الجبار (١) بعد موت أبيه بستة أشهر، وقال فطر عن أبي إسحاق عن عبد الجبار سمعت أبي، ولا يصح) (٢) . وقال البخاري في سند روي فيه تصريح الحسن البصري بسماعه من أبي هريرة: (ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة) (٣) . وقال البخاري: (أبولقمان سمع أبا هريرة، قال ابن مهدي، وابن صالح نا أبولقمان عن عبد الله عن أبي هريرة، وهذا أصح) (٤) . يعني بينه وبين أبي هريرة رجل، ومقتضى هذا أن السماع دخل خطأ. ولابن رجب كلام طيب حول هذه النقطة، فقد قال: (وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ، يعني ذكر السماع: قال في رواية هدية عن حماد عن قتادة نا خلاد الجهني: "هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا، وذكروا لأحمد قول من قال: عن عراك بن مالك سمعت عائشة فقال: "هذا خطأ" وأنكره، وقال: عراك أين سمع من عائشة؟ إنما يروي عن عروة عن عائشة". وكذلك ذكر أبوحاتم الرازي: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه، ولا يضبطون ذلك. وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا. وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم أنا منصور بن زاذان، قال أحمد: "ولم يسمعه هشيم من منصور") (٥) .

стр. 117

ب - موانع غير قادحة: ١- معارضة أحد الأئمة المتقدمين: في بعض الأحيان نجد تعارضًا في بعض الأقوال بين البخاري وأحد الأئمة المتقدمين عليه في العمر، فذلك الإمام يقول: فلان لم يسمع من فلان، والبخاري: يقول سمع، وفي هذا ما يدل على أن الإمام البخاري لم يجعل أحكام الأئمة من قبله إذا عارضها الدليل مانعًا تسوغه حجة: لعله بلغهم ما لم يبلغني، ومن الشواهد على ذلك: أثبت البخاري لمجاهد السماع من علي بن أبي طالب ﵁ (١) ، بينما أنكر ابن معين ذلك (٢) . وأخرج البخاري في صحيحه (٣) لمجاهد عن عائشة عدة أحاديث مثبتًا بذلك سماع مجاهد عن عائشة، وقد قال شعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن معين، أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة (٤) . وأثبت البخاري سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، ونفي ذلك شعبة، قال البخاري: (قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي) (٥) . وهذه الأقوال تثبت إمامة البخاري ومكانته الاجتهادية في العلم. ٢- عدم صحة ما ينفي اللقاء تاريخيًا: إذا جاء في سند صحيح ما يثبت اللقاء، ولكن هناك ما يعارضه من أقوال المؤرخين غير المعتمدين فإن ما في السند الصحيح يقدم على قول أهل التاريخ

стр. 118

الذين فيهم نظر، وهذا ما فعله البخاري في حديث مسروق عن أم رومان الذي أخرجه في صحيحه (١) ، فقد قال: (وروى علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ ، وفيه نظر، وحديث مسروق أسند) (٢) ، ويعني البخاري أن تصريح مسروق بلقائه لأم رومان أصح سندًا من قول القاسم أنها ماتت في زمن النبي ﷺ لأن قول القاسم من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وقد طعن غير واحد في حديث مسروق عن أم رومان الذي أخرجه البخاري في صحيحه، ومن هؤلاء ابن السكن، والخطيب البغدادي، والقاضي عياض، والسهيلي، وابن سيد الناس، والمزي، والذهبي (٣) ، والعلائي (٤) ، وحجتهم في ذلك ما ذكره ابن كثير عنهم بقوله: (وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ ) (٥) . وممن أيد البخاري ونصره ابن القيم (٦) ، وكذلك الحافظ ابن حجر الذي قال: (والذي ظهر لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري، لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم الاعتماد على قول من قال: إن أم رومان ماتت في حياة النبي ﷺ سنة أربع وقيل سنة خمس، وقيل ستة ست، وهو شيء ذكره الواقدي، ولا يتعقب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، وذكره الزبير بن بكار بسند منقطع فيه ضعف أن أم رومان ماتت سنة ماتت سنة ست في ذي الحجة، وقد أشار البخاري إلى رد ذلك في تاريخه الأوسط والصغير، فقال بعد أن ذكر أم رومان في فصل من مات في خلافة عثمان: روى علي بن زيد عن القاسم قال ماتت أم رومان في زمن

стр. 119

النبي ﷺ سنة ست، قال البخاري: وفيه نظر، وحديث مسروق أسند أي أقوى إسنادًا وأبين اتصالاً) (١) . ٣- دخول واسطة في السند بين من ثبت لهما اللقاء: معنى الواسطة في السند أن يدخل في سند بين راو وآخر رجل مثل أن يروي عراك بن مالك عن عائشة، ثم يجيء في سند آخر بينهما واسطة فيكون السند هكذا: عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة، وهذه المسألة لا تخرج عن حالتين: الحالة الأولى: دخول واسطة في السند بين من ثبت لهما اللقاء. الحالة الثانية: دخول واسطة في السند بين من لم يثبت لهما لقاء. ولكل حالة من هاتين الحالتين حكم سأذكره مع الأمثلة من نصوص الإمام البخاري فيما يلي: الحالة الأولى: دخول واسطة في السند بين من ثبت لهما اللقاء: دل صنيع البخاري وأقواله على أنه لا يعد دخول الواسطة بين من ثبت لهما اللقاء من الموانع القادحة التي يحتج بها على نفي ثبوت اللقاء، ورد النص المنقول الذي ثبت فيه اللقاء، والشواهد على ذلك من كلامه عديدة، وسأكتفي بذكر الآتي: أثبت البخاري سماع عبد الله البهي من عائشة (٢) ﵂، وقد ثبت أنه حدث عن عروة بن الزبير عن عائشة (٣) ، ,قد أجاب الإمام أحمد بن حنبل لما سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟ بقوله: (ما أرى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة، وقال في حديث زائدة عن السدي عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة: وكان عبد الرحمن قد

стр. 120

سمعه من زائدة، فكان يدع فيه "حدثتني عائشة" وينكره) (١) . وأثبت البخاري سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه (٢) ، وقد ثبت أن عبد الرحمن حدث عن مسروق عن عبد الله بن مسعود (٣) ، وقد ذهب شعبة، وابن معين في رواية عنه، والحاكم إلى أن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه (٤) ، ولعل حجتهم في ذلك أن عبد الرحمن كان صغيرًا عند وفاة والده، ولأنه أدخل في بعض حديثه عن أبيه واسطة. وأثبت البخاري سماع أبي الزبير من ابن عباس (٥) ، وقد ثبت أن أبا الزبير روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٦) ، وروى عن طاووس عن ابن عباس (٧) ، وروى عن مجاهد عن ابن عباس (٨) ، ورى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس (٩) ، وعن عكرمة عن ابن عباس (١٠) ، وقد تكلم ابن عيينة، وأبوحاتم الرازي في سماع أبي الزبير من ابن عباس (١١) ، ولعل مستندهم أن أكثر حديث أبي الزبير عن ابن عباس جاء بواسطة. وفي كل الأمثلة السابقة رأينا أن البخاري أثبت سماع أولئك الرواة عن شيوخهم رغم أنهم يدخلون في بعض ما رووه عن أولئك واسطة، وذلك لأن البخاري ﵀ ثبت عنده لقاء أولئك الرواة بيقين. ولعله يحمل دخول

стр. 121

الواسطة على تنوع مصادر الرواية، ولا يحمله على تناقض الراوي، والاستدلال بذلك على عدم سماعه من شيخه. الحالة الثانية: دخول واسطة في السند بين من لم يثبت لهما لقاء: يختلف موقف الإمام البخاري، وحكمه على هذه الحالة عن حكمه على الحالة الأولى، وقد ثبت لدي أنه يستدل على دخول الواسطة بين من لم يثبت لهما اللقاء على عدم السماع، ومن الشواهد التي تثبت هذا: قال البخاري: (مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل عن عنبسة عن أم خبيبة "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة") (١) . وقال: (لم يسمع الحسن من سلمة بينهما قبيصة بن حريث) (٢) . وقال: (ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد عن ابن نافع عن أبيه حديثًا) (٣) . وقال: (عمرو بن دينار لم يسمع من البراء، وبينهما عندي رجل) (٤) . وبما سبق يتأكد أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - يفرق بين دخول الواسطة في سند ثبت اللقاء بين رواته، ودخول الواسطة في سند لم يثبت اللقاء بين رواته. فبينما يستدل في الحالة الثانية على عدم سماع الراوي، نجده في الحالة الأولى لا يستدل بذلك لأن اللقيا بين الراوي وشيخه صحيحة، ومن الجائز أن يروي الراوي عن شيخ سمع منه، ثم يحدث عن رجل عن ذلك الشيخ الذي ثبت سماعه منه، وبهذا يتقرر حكم البخاري في دخول الواسطة في السند.

стр. 122

المبحث الرابع كم يكفي لإثبات اللقاء ؟ يكتفي الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بثبوت اللقاء أو السماع مرة واحدة بين الراوي وشيخه ليحكم بالاتصال على كل ما جاء بذلك السند معنعنا. قال مسلم - رحمه الله تعالى - عارضًا لرأي مخالفه: (إن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما فما فوقها) (١) . وقد ذكر غير واحد من العلماء أن البخاري يكتفي لإثبات اللقاء بمرة واحدة، من هؤلاء العلماء: أبوعمرو بن الصلاح (٢) ، وابن رشيد (٣) ، والعلائي (٤) ، وابن حجر العسقلاني (٥) ، وغيرهم كثير. ومن الأمثلة من كلام البخاري على أنه يكتفي في إثبات اللقاء أو السماع بمرة واحدة. قول البخاري: (وسماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح) (٦) ، وقد ذهب عدد من العلماء إلى أن الحسن لا يصح له السماع من سمرة إلا في حديث واحد (٧) ، والظاهر من صنيع البخاري أنه اكتفى بهذا الحديث الواحد في إثباته لسماع الحسن من سمرة، لاسيما وأنه لا يعرف للحسن عن سمرة سماع في غير

стр. 123

حديث العقيقة. قال الإمام البيهقي: (أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن البصري من سمرة في غير حديث العقيقة) (١) . وقول البخاري: (قال علي: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (٢) . وقوله لما سئل عن محمد بن المنكدر هل سمع عائشة؟: (نعم. وروى مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر وقال: سمعت عائشة) (٣) . المبحث الخامس ما يقوم مقام اللقاء لقد احتج الإمام البخاري بالمكاتبة وهي أن يقول أحد رواة الحديث الثقات: "كتب إلى فلان" فيذكر حديثًا أو أحاديث، ولكن هل تنزل المكاتبة منزلة اللقاء من حيث الاحتجاج بالحديث المعنعن؟ للإجابة على هذا السؤال سأتناول أولاً احتجاج البخاري بالمكاتبة، ثم سأحاول الإجابة على السؤال ثانيًا. أولاً: احتجاج البخاري بالمكاتبة: قال البخاري: (باب "ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزًا، واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ

стр. 124

مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ ) (١) . ثم ساق البخاري حديثين فيهما أن النبي ﷺ استخدم الكتابة في تبليغ الدعوة ليؤكد أن المكاتبة تقوم بها الحجة. والاحتجاج بالمكانية هو مذهب أئمة الحديث، قال القاضي عياض: (وقد استمر عمل السلف ومن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: كتب إلي فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في الأسانيد كثير) (٢) . ومن الأمثلة على احتجاج البخاري عمليًا بالمكاتبة في صحيحه: أخرج حديث أبي عثمان النهدي قال: (أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام) (٣) . وأخرج حديث سالم أبي النصر مولى عمر بن عبيد الله قال: (كنت كاتبًا له - يعني لعمر بن عبيد الله -، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه: إن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: لا تمنوا لقاء العدو وسلو الله

стр. 125

العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ... الحديث) (١) . وأكثر من ذلك أن البخاري عد المكاتبة سماعًا، فقال في ترجمة عبيد الله بن أبي جعفر: (سمع منه الليث) (٢) ، وقد صرح الليث بأنه لم يسمع من عبيد الله فقد قال: (لم أسمع من عبيدا لله بن أبي جعفر إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضها عليه) (٣) ، وقد احتج البخاري في صحيحه بعدة أحاديث من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر (٤) . ثانيًا: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟ إذا جاء في حديث أن فلانًا بحديث واحد أو بأحاديث معينة، ثم وردت أسانيد من هذا الطريق بالعنعنة، وليست من ضمن المكاتبة، ولم يثبت اللقاء، فهل تقوم المكاتبة مقام ثبوت اللقاء في الاحتجاج بما جاء عنهما معنعنًا؟ لا يخلوا الأمر من حالتين: ١- ثبوت ما يدل على أن أحد الرواة كاتب آخر بجملة من الأحاديث - ويكون الأمر على الإبهام دون تحديد لماهية الأحاديث - فما ورد في هذه الحالة معنعنًا يحمل على أنه من ضمن المكاتبة إلا أن يقوم ما يدل على خلاف ذلك من أن ما روى ليس من المكاتبة. ٢- أن تثبت المكاتبة بين راويين في حديث واحد، ولكن يرد عنهما أسانيد معنعنة، فلا يدري هل ثبت بينهما لقاء أم لا؟ أو هل كاتب أحدهما الآخر بأكثر من حديث أم لا؟ فالحكم في هذه الحالة أن المكاتبة كافية لإثبات اتصال الحديث الذي رويت

стр. 126

به فقط، أما أن تكون مجرد المكاتبة ولو لمرة كثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، فلا. ففي هذه الحالة تكون المكاتبة حالة خاصة لا عموم لها لا يثبت بها اتصال في الأسانيد المعنعنة مطلقًا كما هي الحال في اللقاء، وإنما يحتج بالمكاتبة - من حيث اتصال السند - في نفس الحديث الذي كتب وبعث به للملتقى أو الراوي الآخر. وخلاصة الجواب على سؤال: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟ أن يقال: من حيث الخصوص نعم، ومن حيث العموم لا، فالمكاتبة كثبوت اللقاء فيما علم أن المكاتبة وقعت به من أحاديث معينة ومحددة، وليست المكاتبة كثبوت اللقاء من حيث أن مجرد العلم بوقوع المكاتبة بين راويين ولو في حديث واحد يكفي لإثبات الاتصال في الأسانيد المعنعنة المروية عنهما، بل يجب البحث عن اللقاء فيما روي عن هذين الراويين معنعنًا مع ثبوت وقوع المكاتبة بينهما في حديث بعينه.

стр. 127

الفصل الثالث هل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري ؟ المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة ؟ المبحث الثاني: هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع؟ المبحث الأول هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - يشترط ثبوت اللقاء فيما يعتبر أعلى درجات الصحة من الأحاديث فقط، أما أن يكون ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة إذا انتفى وجوده لا يعد الحديث صحيحًا فليس هذا مذهب البخاري. وأول من قال بهذا الطريق - فيما بلغه علمي - الحافظ ابن كثير الذي قال في معرض تحديد اسم من عناه الإمام مسلم بالرد في مقدمة صحيحه: (قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في اصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح") (١) .

стр. 128

وقال الإمام البلقيني مثل قول ابن كثير: (قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه، ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة) (١) . وقد أيد الشيخ عبد الفتاح أبوغدة كلام ابن كثير والبلقيني بقوله: (وبهذا التعليل والتمييز بين مذهب البخاري وشيخه علي بن المديني، يخرج البخاري من أن يكون المعني بقول مسلم وإنكاره الشديد، لأنه توسط بين مذهب ابن المديني ومذهب مسلم في المسألة، واستوثق لكتابه "الصحيح" أكثر من مسلم رحمهما الله تعالى، ويكون مذهب الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى التشدد أقرب، فتكون غضبة مسلم وشدته موجهة إليه) (٢) . ولم يسق أصحاب هذا القول أي شاهد من كلام البخاري أو من أحكامه النقدية التطبقية ما يدل على رأيهم من أن البخاري لا يشترط ثبوت اللقاء في أصل صحة الحديث، مما يجعل قولهم من السهل نقضه والرد عليه. وقد خالف القول السابق بعض العلماء الذين ذهبوا إلى أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري، وليس كما يقول أصحاب الرأي الأول أنه شرط في أعلى درجات الصحة. فقد قال الحافظ ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (٣) . وقال أيضًا وهو يتكلم على مذهب ابن المديني والبخاري: (فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء) (٤) . فيفهم من كلام ابن رجب أن مذهب البخاري هو عين مذهب ابن المديني،

стр. 129

ولا فرق بينهما، وأن المذهب الذي أنكره مسلم هو مذهبهما الذي مقتضاه أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة. وقد قال الحافظ ابن حجر: (ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك) (١) . وقال السخاوي: (وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني والبخاري وجعلاه شرطًا في أصل الصحة) (٢) . وقال المعلمي: (وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرجه في "صحيحه" لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه "كجزء القراءة" وغيره ما يدفع هذا) (٣) . والحجة التي يستند إليها أصحاب هذا القول هي أن البخاري تكلم على أحاديث "في تاريخه الكبير"، و"جزء القراءة خلف الإمام"، وغيرهما من مصنفاته، وعللها بعدم ثبوت السماع أو اللقاء. والذي أراه أن القول الثاني هو الصواب لما يلي: ١- لم يأت أصحاب القول الأول بأي دليل أو شاهد يدل على رأيهم، مما جعل قولهم يفتقر إلى الأساس الذي يحتاج إليه في مثل هذا الموطن. ٢- إن الحجة التي استند إليها أصحاب القول الثاني وجيهة جدًا، وهي: كيف لا يكون ثبوت اللقاء شرطًًا في أصل الصحة عند البخاري، وقد علل أحاديث كثيرة بسبب عدم ثبوت اللقاء في مصنفاته كـ "التاريخ الكبير" و"القراءة خلف الإمام"؟! وفي نصوص عديدة وجدنا البخاري يحكم على أسانيد بعدم الصحة بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض رواة السند، فيقرن عدم الصحة بعدم ثبوت السماع، مما يدل على أن البخاري يشترط ثبوت اللقاء أو السماع في أصل الصحة، وإلا لما

стр. 130

ضعف تلك الأحاديث بسبب عدم السماع ومن هذه النصوص: قول البخاري: (لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت) (١) . وقوله: (ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من ابن عمر) (٢) . وقد قال في حديث طويل أخرجه: (فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض) (٣) . وقد قال أيضًا: (وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، ولا يعرف بهذا الإسناد سماع بعض من بعض ولا يصح مثله) (٤) . وقال في سند يرويه عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس ﵄: (لا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض) (٥) . وقال في ترجمة عبد الله بن نافع: (لم يصح حديثه) (٦) . والنصوص السابقة يظهر فيها بجلاء أن الإمام البخاري يضعف جملة من الأحاديث معللاً عدم تصحيحه لها لكون السماع بين بعض رواتها لم يثبت، ولهذا ذهبت إلى ترجيح القول الثاني لقوة حجته وظهور دليله. وأود أن أشير هنا أنني خلال مرحلة جمع المعلومات قد قمت بجمع ما وقع

стр. 131

تحت يدي من الأحاديث التي قواها البخاري خارج صحيحه لأتحقق مما قاله الإمام ابن كثير ومن تبعه، فجمعت كل الأحاديث التي قال فيها البخاري أنها صحيحة أو حسنة أو قواها بلفظ آخر، فوجدت أن معظمها السماع فيها ظاهر في أسانيدها، والبعض الآخر يعرف سماع رواة السند بالرجوع إلى التاريخ الكبير أو الصغير، والبعض الآخر منها يعرف سماع رواة السند من طرق أخرى. ولكن استوقفتني أحاديث قواها البخاري، وفي الوقت نفسه قد تكلم في ثبوت لقاء بعض رواتها من بعض أو لمح بعدم ثبوت السماع. وفيما يلي مناقشة لهذه الأحاديث في المبحث التالي. المبحث الثاني هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع ؟ قبل البدء في مناقشة الأحاديث الآتية أرى أنه من المناسب جدًا أن أنبه على خاصية مهمة في منهج البخاري في علم الحديث بشكل عام. وهي أن هذا الإمام يعتمد على "القرائن" كثيرًا، ولا يتعامل مع القضايا والأمور المتعلقة بعلم الحديث بسطحية وجمود على الكلمات والشعارات. وتجد في تحقيقات الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" و "فتح الباري" ما يدل على ذلك وسأقتطف فيما يلي بعضًا من هذا: قال الحافظ ابن حجر وهو يرد على الدارقطني في انتقاده على البخاري حديثًا بدعوى أن نافعًا لم يدرك عمر: (في سياق الخبر ما يدل على أن نافعًا حمله عن عبد الله بن عمر، فقد قدمنا مرارًا أن البخاري يعتمد مثل ذلك إذا ترجح بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السياق) (١) . وقال في حديث أختلف فيه على هاشم بن هاشم هل هو عن عامر بن سعد عن أبيه أم عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص؟: (والظاهر أن البخاري

стр. 132

أخرجه على الاحتمال لقرينة معرفة عامر بن سعد بحديث أبيه، وصحة سماع هاشم منه ومن سعيد جميعًا) (١) . كما أن البخاري ينتقي من أحاديث المتكلم فيهم، ولا يدعها مطلقًا، فقد انتقى من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس، وأخرج في صحيحه عن إسماعيل ما اعتقد فيه أنه من صحيح حديثه (٢) . وأسلوب "الانتقاء" ركيزة هامة في منهج البخاري، لذا قال ابن حجر في أحاديث سعيد بن أبي عروبة التي أخرجها البخاري، والتي حدث بها سعيد بن أبي عروبة بعد اختلاطه: (فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه) (٣) . وقال عن ذكر البخاري لأحاديث عبد الله بن صالح كاتب الليث في صحيحه: (إن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده قد انتقاه من حديثه) (٤) . وقال قال البخاري: (كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه، ولا أكتب حديثه) (٥) . فالانتقاء والقرائن من أهم ما يعتمده البخاري في منهجه. إذا تقرر هذا، فسأشرع الآن في مناقشة الأحاديث التي قواها البخاري، وفيها نظر من حديث ثبوت السماع بين بعض رواتها: الحديث الأول: قال البخاري في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) (٦) .

стр. 133

ومع ذلك فإن البخاري قال: (وحديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة (١) عن أبيه في المواقيت هو حديث حسن) (٢) . فالبخاري ينص على أن سليمان بن بريدة لم يذكر في شيء من أحاديثه عن أبيه أنه قال سمعت أبي أو حدثني أبي أو قال لي، ونحو ذلك من عبارات الاتصال وثبوت اللقاء، ولكنه حكم على حديث يرويه سليمان بن بريدة عن أبيه بأنه حسن (٣) ، فلماذا صنع ذلك؟ يظهر من الحديث السابق أن البخاري يناقض نفسه، وقد يقول البعض: إن هذا ما يؤيد رأي ابن كثير ومن تبعه بأن البخاري ثبوت اللقاء في أعلى الصحة وليس في أصل الصحة، ولكن أقول: ظهر لي أن البخاري قوى حديث سليمان عن أبيه، مع كلامه الدال على أن سليمان بن بريدة لم يذكر سماعًا من أبيه لقرائن من أهمها: ١- إن السماع بين سليمان ووالده أقوى بكثير من عدم السماع لما يلي: أ - أن بريدة بن الحصيب ﵁ هو والد سليمان. ب - أن سليمان أدرك من حياة أبيه أكثر من أربعين سنة، فقد ولد سنة ١٥ للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ومات سنة ١٠٥هـ وله ن العمر تسعون سنة (٤) . وأما بريدة بن الحصيب ﵁ والد سليمان فقد مات سنة ٦٣هـ (٥) ، فيكون سليمان أدرك من حياة والده ثماني وأربعين سنة.

стр. 134

فالظن الغالب أن يكون سليمان قد سمع من أبيه لاسيما وقد أدرك من حياته عمرًا طويلاً، ويبعد جدًا أن يكون الابن يمكث في الحياة أكثر من أربعين سنة ولا يرى أباه ويجتمع به هذا بعيد الحدوث جدًا، ولو وقع ذلك أو حدث لبين علماء الحديث ورواته هذا الأمر ولاشتهر لاسيما وأن أحاديث سليمان عن أبيه ليست قليلة وهي مشهورة ومتداولة بكثرة بين رواة الحديث ونقاده (١) . ٢- ... إن الحديث له شواهد عديدة تدل على أنه صحيح، وأن سليمان بن بريدة لم ينفرد بهذا الحديث. وحديث سليمان عن أبيه هو أن رجلاً أتى النبي ﷺ فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "اشهد معنا الصلاة" فأمر بلالاً فأذن بغلس (٢) .. الحديث. ويشهد له حديث أبي موسى (٣) ، وحديث جابر (٤) ، وحديث أبي هريرة (٥) . فالإمام البخاري إنما قوى حديث سليمان بن بريدة هذا لما يعضده من شواهد صحيحة وقرائن قوية تدل على أن احتمال السماع أقوى من عدمه. الحديث الثاني: قال البخاري: (حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن

стр. 135

محمد بن عقيل أم لا؟، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح) (١) . فالبخاري يحسن (٢) الحديث، مع تشككه في سماع عبد الله بن محمد بن عقيل من إبراهيم بن محمد بن طلحة، ويظهر لي أن بعض القرائن هي التي حملت البخاري على تحسين هذا الحديث، وأهمها ما يلي: ١- إن احتمال السماع أقوى من عدم السماع، وذلك يظهر بمعرفة وفاة إبراهيم بن محمد بن طلحة فقد مات كما قال علي بن المديني وغيره سنة ١١٠هـ (٣) ، وقد ثبت أن ابن عقيل سمع ممن هو أقدم وأكبر سنًا من إبراهيم بن محمد، فقد قال البخاري في ترجمة ابن عقيل: (سمع ابن عمر، وجابرًا، والطفيل بن أبي) (٤) فإذا عرفنا أن ابن عمر مات سنة ٧٣هـ، وفرضنا أن ابن عقيل سمع منه وعمره ثمان سنوات - مع بعد هذا الاحتمال - فتكون ولادة ابن عقيل ٦٥هـ، ويكون أدرك من حياة محمد بن إبراهيم بن طلحة ما يقارب الخمس والأربعين سنة وهو معه في نفس البلد. وأظن أن البخاري أعطى اعتبارًا عندما حسن هذا الحديث لكون السند مدنيًا فإن الحديث أهل المدينة وضعية تختلف عن أحاديث البلدان الأخرى، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة) (٥) ، ولم يكن التدليس في المدينة معروفًا. قال الحاكم:

стр. 136

(أهل الحجاز والحرمين، ومصر والعوالي ليس التدليس مذهبهم) (١) . ٢- تصحيح الإمام أحمد بن حنبل لهذا الحديث، ولا يخفى ما للإمام أحمد من مكانة في علم الحديث، يعطي إشارة إلى أن الحديث يحتج به. ٣- وجود شواهد لأكثر فقرات هذا الحديث الذي يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: (كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش ... فقال النبي ﷺ : "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، في علم الله ثم اغتسلي ... " الحديث) (٢) . ويشهد لهذا الحديث حديث عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش (٣) ، وحديث عائشة في شأن حبيبة (٤) ، وحديث عائشة عن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ (٥) . فالبخاري إنما حسن هذا الحديث مع اطلاعه على أن ابن عقيل لم يرد ما يثبت سماعه أو لقاءه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لأن احتمال السماع أقوى من عدمه، ولأن شيخ البخاري الإمام أحمد قد صحح الحديث، ولأن للحديث شواهد صحيحة. الحديث الثالث: سأل الترمذي الإمام البخاري عن حديث يرويه عطاء بن يسار عن أبي واقد

стр. 137

الليثي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) (١) . فقال: "أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم) (٢) . فالبخاري هنا أقر بأن الحديث محفوظ، ولم يتطرق إلى ثبوت سماع عطاء من أبي واقد الليثي لأن عطاءًا قديم. فلماذا اكتفى بمجرد الإدراك لتقوية هذا الحديث؟ وقيل الإجابة لا يفوتني أن أذكر أنني لم أقف على ما يثبت سماع عطاء من أبي واقد، ولا ما ينفيه. فبقي الأمر على الاحتمال، والمؤكد أن عطاء بن يسار أدرك أبا واقد الليثي. وللإجابة على السؤال السابق. أقول ظهر لي أن الإمام البخاري قوى حديث أبي واقد مع أن اللقاء بين عطاء وأبي واقد لم يثبت لأمرين هما: ١- أن اللقاء أقوى احتمالاً من عدمه، فأبو واقد الليثي توفي سنة ٦٨هـ (٣) ، وعطاء بن يسار ولد سنة ١٩هـ (٤) فيكون أدرك من حياة أبي واقد ما يقارب الخمسين سنة، وهما من نفس البلد فكلاهما مدني، فيبعد أن لا يلتقيا خلال هذه المدة الطويلة من الزمن وهما في نفس البلد، مع توفر دواعي الالتقاء وانتفاء موانعه. فاحتمال اللقاء بينهما قوي جدًا. ٢- ورد للحديث شاهد من رواية أبي سعيد الخدري (٥) مرفوعًا، مما يقوي الظن بأن الحديث محفوظ وينفي التفرد عن حديث أبي واقد الليثي.

стр. 138

الحديث الرابع: قال البخاري: (عبد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي قاضي مرو عن أبيه، سمع سمرة وعمران بن الحصين) (١) . ذكرت فيما سبق أن قول البخاري "عن" بدل سمع فيما يرويه صاحب الترجمة عن شيوخه تدل على أن البخاري لم يثبت عنده سماع صاحب الترجمة ممن روى عنه وإلا لقال: "سمع" بدل "عن" (٢) . وهنا أشار الإمام البخاري أن عبد الله بن بريدة روى عن أبيه بالعنعنة مما يدل على أن البخاري لم يقف على ما يثبت سماع عبد الله من أبيه، ورغم هذا فقد أخرج البخاري في صحيحه لعبد الله بن بريدة حديثين ليس فيهما ما يثبت السماع أو اللقاء بينهما وهما: أ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "بعث النبي ﷺ عليًا إلى خالد ليقبض الخمس ... " (٣) . ب - عن ابن بريدة عن أبيه قال: "غزا رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" (٤) . فعلى أي شيء اعتمد البخاري في تصحيحه لهذين الحديثين؟ يبدو أن البخاري أخرج هذين الحديثين لعبد الله بن بريدة عن أبيه مع عدم ثبوت سماع من أبيه لأمرين: ١- أن احتمال سماع عبد الله من أبيه أقوى بكثير من احتمال عدم السماع فقد أدرك عبد الله بن بريدة من حياة والده ما يقارب الثماني والأربعين سنة، فقد ولد عبد الله سنة ١٥هـ (٥) ، وتوفي بريدة سنة ٦٣هـ (٦) ، ثم إن بريدة هو والد

стр. 139

عبد الله، فمدة الإدراك طويلة، وموانع الالتقاء والاجتماع بين عبد الله وأبيه معدومة، فكونه سمع من أبيه أرجح من عدم سماعه منه (١) . ٢- أن البخاري لم يعتمد على الحديث الأول أو الثاني في بابهما، فالحديث الأول أورده البخاري في باب "بعث علي وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع" وقد خرج في هذا الباب خمسة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب. والحديث الثاني أورده في باب "كم غزا النبي ﷺ ؟ " وقد خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عنه أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب كذلك. ثم إن هذين الحديثين مما يجوز فيهما التساهل لإخراج البخاري لهما في كتاب المغازي فلا ينبني عليهما كبير أثر في أحكام الشرع. الحديث الخامس: قال علي بن المديني في قيس بن أبي حازم: (وروى عن بلال ولم يلقه) (٢) . وقد أخرجه البخاري في صحيحه عن قيس أن بلالاً قال لأبي بكر: "إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله" (٣) .

стр. 140

وقد بحثت في مصنفات البخاري فلم أقف له على رأي حول سماع قيس من بلال، ولم أجد ما يثبت لقاء قيس بن أبي حازم لبلال ﵁، فلماذا صحح البخاري هذا الحديث مع أن الغالب أنه قد اطلع على كلام شيخه؟ يحتمل أن البخاري أخرج الحديث السابق اعتمادًا على ثبوت سماع قيس من أبي بكر (١) ، وله نظائر في صحيحه (٢) على ذلك، ولكن العبارة برمتها لبلال وليس لأبي بكر ﵁ فيها كلمة واحدة. وأكبر ظني أن الإمام البخاري اعتمد في إخراج الحديث السابق على ما يلي: ١- ... أن احتمال سماع قيس بن أبي حازم من بلال أقوى بكثير من عدمه، فإن قيسًا أدرك الجاهلية وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه فوجده قد توفي (٣) . وقد ثبت سماعه من أبي بكر وعمر (٤) وغيرهما من كبار الصحابة (٥) ، فدخل المدينة في أول خلافة أبي بكر ﵁ والصحابة بها متوافرون. وأما بلال ﵁ قد مات سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر للهجرة (٦) ، فاحتمال لقاء قيس لبلال أرجح وأقوى من احتمال عدم لقائهما، ولعل هذا الذي جعل العلائي يرد على ابن المديني بقوله: (في هذا القول نظر فإن قيسًا لم يكن مدلسًا، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي ﷺ والصحابة بها مجتمعون فإذا روى عن أحد الظاهر سماعه منه) (٧) . ٢- ... الحديث في باب المناقب، وقد جوز عدد من أهل الحديث وعلمائه التساهل في هذا الباب فلا ضير على البخاري أنه أورد في المناقب حديثًا مثل

стр. 141

حديث قيس بن أبي حازم فيكون تساهل البخاري كتشدد البعض من المحدثين، وهذا منتهى الإتقان. ٣- ... إن الحديث موقوف على بلال وليس مرفوعًا من كلام المصطفى ﷺ ، ولا ريب أن مقام الأحاديث المرفوعة ومنزلتها من الدين توجب إيلاءها قدرًا من العناية والاحتياط يفوق ما عداها، فلكل قدره كما قال تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾ (١) . الحديث السادس: ومن الأحاديث التي صححها البخاري، وفي ثبوت اللقاء بين بعض رواتها نظر. حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفلان ﵁ عن النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٢) وفيه قال سعد بن عبيدة - راوي الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي -: (وأقرأ أبوعبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) (٣) . ولم أجد بعد التفتيش الشديد تصريح لأبي عبد الرحمن من طريق صحيح بأنه سمع أو التقى عثمان بن عفان ﵁، إلا ما جاء في "الكامل" (٤) لابن عدي من تصريح أبي عبد الرحمن بالسماع من عثمان، ولكن السند إلى أبي عبد الرحمن ضعيف جدًا فيه عبد الله ابن أبي مريم قال فيه ابن عدي: (يحدث بالبواطيل) وقال أيضًا: (إما يكون مغفلاً أو متعمدًا) . بل ثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال: (لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان) (٥) ، وأقر الإمام أحمد بن حنبل قوله (٦) ، وجزم يحيى بن معين أيضًا

стр. 142

بعدم سماع أبي عبد الرحمن من عثمان (١) ، وسئل أبوحاتم الرازي عن سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فقال: (روى عنه، ولا يذكر سماعًا) (٢) . وكلام هؤلاء الأئمة الأعلام يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر في سبب تصحيح الإمام البخاري لهذا الحديث فقد قال: (ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصلة، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان ﵁، ولاسيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان (٣) ، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه) (٤) . ويدل كلام الحافظ ابن حجر هنا على أنه يرجح أن البخاري اعتمد في تصحيح هذا الحديث على قوة القرائن الدالة على احتمال لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان ﵁ لا على ثبوت ذلك بنص صريح يدل على السماع أو اللقاء. وهناك نص كنت أدخلته هنا في هذا الفصل ثم اتضح لي عدم صلاحيته لثبوت السماع فيه، ولكني آثرت ذكره مع التنبيه عليه حتى لا يستدرك علي. فقد قال البخاري: (لا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من سعيد بن جبير) (٥) . وقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: (سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ

стр. 143

مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (١) . وأبوإسحاق السبيعي معروف بالتدليس، حتى أن الحافظ ابن حجر عده في الطبقة الثالثة من المدلسين (٢) ، وليس في صحيح البخاري التصريح بسماع أبي إسحاق، كما أن الحديث ليس في "الصحيح" من رواية شعبة عن أبي إسحاق. ولكن وجدت تصريح أبي إسحاق بسماعه من سعيد بن جبير خارج "صحيح البخاري"، عند البخاري في "تاريخه الصغير" (٣) ، وعند الإمام أحمد في "السند" (٤) ، والحاكم في "المستدرك" (٥) . وهو أيضًا برواية شعبة (٦) الذي قال: (كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة) (٧) . وبهذا يعلم أن البخاري قال قولاً ثم تبين له أن الصواب في خلافه فأثبت في صحيحه ما رآه صوابًا، وهذه الحالة تشبه ما قاله البخاري عندما قوى حديثًا لعثمان بن محمد الأخنس قال: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري) (٨) . ومما يحسن التنبيه عليه قبل أن أختم هذا الفصل لغفلة بعض الناس عنه أن البخاري يخرج في صحيحه متابعات لا يتوفر فيها ثبوت اللقاء، وليس ذلك لأن البخاري يستجيز الاحتجاج بإمكان اللقاء كمسلم، وإنما لأن أمر المتابعات مبني

стр. 144

على المسامحة فيجوز إيراد ما كان ضعيفًا في المتابعات مادام هذا الضعف مما ينجبر. قال ابن الصلاح: (ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد) (١) . وقال الحافظ ابن حجر: (والبخاري يرى الانقطاع علة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم) (٢) . فلا ينبغي والأمر كذلك أن يحتج على البخاري بحديث علقه (٣) أو ذكره متابعة بأنه خالف مذهبه في اشتراط اللقاء لإيراده لهذا الحديث الذي لم يدخله في أصل كتابه الصحيح، وإنما يحتج عليه بالأحاديث التي أخرجها مسندة في صحيحه. والذي حملني على هذا التنبيه أني رأيت الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة ذكر حديثًا أخرجه البخاري بقوله: (حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو (٤) عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه. وتابعه ومعمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو قال: رأيت النبي ﷺ ) (٥) . ثم نقل كلامًا لابن حجر في شرح صنيع البخاري السابق، قال ابن حجر: (وقال الأصيلي: متابعة معمر مرسلة، لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سن ستين، وأبومسلمة مدني، ولم يوصف بالتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو) (٦) .

стр. 145

ثم عقب الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة على ذلك بقوله: (فهذا إسناد فيه عنعنة الثقة غير المدلس عمن لم يثبت لقاؤه له، وإنما يمكن لقاؤه له، فهذا مذهب مسلم، وقد سار عليه البخاري هنا في كتابه وفي ذكره هذه المتابعة) (١) . وهذا الاستنباط غريب جدًا لاسيما وأن الأستاذ أبوغدة ذكره بعد قول الحافظ ابن حجر: (وإنما يتم لمسلم النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه) (٢) مشعرًا بصنيعه أنه قد رأى في صحيح البخاري ذلك. والحقيقة أن ما قاله الأستاذ أبوغدة محل نظر لما يلي: ١- لم يسند البخاري حديث معمر السابق وإنما ذكره تعليقًا ونوه إلى أنه ذكره متابعة فهو لم يدخله في صلب الصحيح حتى يقال أن البخاري احتج به، ولو فعل ذلك لاستقام للأستاذ قوله، ولكن البخاري ذكر حديث معمر متابعة، وباب المتابعات كما ذكرت فيه تقدم يجوز فيه إيراد ما ليس بصحيح من الأسانيد. قهل يصح أن نحكم على مذهب البخاري في الحديث المعنعن بما يخرجه في المتابعات؟ !. ٢- أن المحفوظ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة هو ذكر جعفر بن عمرو بن أمية بين أبي سلمة وعمرو بن أمية، هكذا روى أربعة من الثقات هذا الحديث عن يحيى وهم شيبان (٣) والأوزاعي (٤) وحرب بن شداد (٥) وأبان بن يزيد
следующие страницы →