← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حديث قيس بن أبي حازم فيكون تساهل البخاري كتشدد البعض من المحدثين، وهذا منتهى الإتقان. ٣- ... إن الحديث موقوف على بلال وليس مرفوعًا من كلام المصطفى ﷺ ، ولا ريب أن مقام الأحاديث المرفوعة ومنزلتها من الدين توجب إيلاءها قدرًا من العناية والاحتياط يفوق ما عداها، فلكل قدره كما قال تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾ (١) . الحديث السادس: ومن الأحاديث التي صححها البخاري، وفي ثبوت اللقاء بين بعض رواتها نظر. حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفلان ﵁ عن النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٢) وفيه قال سعد بن عبيدة - راوي الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي -: (وأقرأ أبوعبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) (٣) . ولم أجد بعد التفتيش الشديد تصريح لأبي عبد الرحمن من طريق صحيح بأنه سمع أو التقى عثمان بن عفان ﵁، إلا ما جاء في "الكامل" (٤) لابن عدي من تصريح أبي عبد الرحمن بالسماع من عثمان، ولكن السند إلى أبي عبد الرحمن ضعيف جدًا فيه عبد الله ابن أبي مريم قال فيه ابن عدي: (يحدث بالبواطيل) وقال أيضًا: (إما يكون مغفلاً أو متعمدًا) . بل ثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال: (لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان) (٥) ، وأقر الإمام أحمد بن حنبل قوله (٦) ، وجزم يحيى بن معين أيضًا

стр. 142

بعدم سماع أبي عبد الرحمن من عثمان (١) ، وسئل أبوحاتم الرازي عن سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فقال: (روى عنه، ولا يذكر سماعًا) (٢) . وكلام هؤلاء الأئمة الأعلام يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر في سبب تصحيح الإمام البخاري لهذا الحديث فقد قال: (ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصلة، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان ﵁، ولاسيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان (٣) ، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه) (٤) . ويدل كلام الحافظ ابن حجر هنا على أنه يرجح أن البخاري اعتمد في تصحيح هذا الحديث على قوة القرائن الدالة على احتمال لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان ﵁ لا على ثبوت ذلك بنص صريح يدل على السماع أو اللقاء. وهناك نص كنت أدخلته هنا في هذا الفصل ثم اتضح لي عدم صلاحيته لثبوت السماع فيه، ولكني آثرت ذكره مع التنبيه عليه حتى لا يستدرك علي. فقد قال البخاري: (لا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من سعيد بن جبير) (٥) . وقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: (سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ

стр. 143

مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (١) . وأبوإسحاق السبيعي معروف بالتدليس، حتى أن الحافظ ابن حجر عده في الطبقة الثالثة من المدلسين (٢) ، وليس في صحيح البخاري التصريح بسماع أبي إسحاق، كما أن الحديث ليس في "الصحيح" من رواية شعبة عن أبي إسحاق. ولكن وجدت تصريح أبي إسحاق بسماعه من سعيد بن جبير خارج "صحيح البخاري"، عند البخاري في "تاريخه الصغير" (٣) ، وعند الإمام أحمد في "السند" (٤) ، والحاكم في "المستدرك" (٥) . وهو أيضًا برواية شعبة (٦) الذي قال: (كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة) (٧) . وبهذا يعلم أن البخاري قال قولاً ثم تبين له أن الصواب في خلافه فأثبت في صحيحه ما رآه صوابًا، وهذه الحالة تشبه ما قاله البخاري عندما قوى حديثًا لعثمان بن محمد الأخنس قال: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري) (٨) . ومما يحسن التنبيه عليه قبل أن أختم هذا الفصل لغفلة بعض الناس عنه أن البخاري يخرج في صحيحه متابعات لا يتوفر فيها ثبوت اللقاء، وليس ذلك لأن البخاري يستجيز الاحتجاج بإمكان اللقاء كمسلم، وإنما لأن أمر المتابعات مبني

стр. 144

على المسامحة فيجوز إيراد ما كان ضعيفًا في المتابعات مادام هذا الضعف مما ينجبر. قال ابن الصلاح: (ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد) (١) . وقال الحافظ ابن حجر: (والبخاري يرى الانقطاع علة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم) (٢) . فلا ينبغي والأمر كذلك أن يحتج على البخاري بحديث علقه (٣) أو ذكره متابعة بأنه خالف مذهبه في اشتراط اللقاء لإيراده لهذا الحديث الذي لم يدخله في أصل كتابه الصحيح، وإنما يحتج عليه بالأحاديث التي أخرجها مسندة في صحيحه. والذي حملني على هذا التنبيه أني رأيت الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة ذكر حديثًا أخرجه البخاري بقوله: (حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو (٤) عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه. وتابعه ومعمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو قال: رأيت النبي ﷺ ) (٥) . ثم نقل كلامًا لابن حجر في شرح صنيع البخاري السابق، قال ابن حجر: (وقال الأصيلي: متابعة معمر مرسلة، لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سن ستين، وأبومسلمة مدني، ولم يوصف بالتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو) (٦) .

стр. 145

ثم عقب الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة على ذلك بقوله: (فهذا إسناد فيه عنعنة الثقة غير المدلس عمن لم يثبت لقاؤه له، وإنما يمكن لقاؤه له، فهذا مذهب مسلم، وقد سار عليه البخاري هنا في كتابه وفي ذكره هذه المتابعة) (١) . وهذا الاستنباط غريب جدًا لاسيما وأن الأستاذ أبوغدة ذكره بعد قول الحافظ ابن حجر: (وإنما يتم لمسلم النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه) (٢) مشعرًا بصنيعه أنه قد رأى في صحيح البخاري ذلك. والحقيقة أن ما قاله الأستاذ أبوغدة محل نظر لما يلي: ١- لم يسند البخاري حديث معمر السابق وإنما ذكره تعليقًا ونوه إلى أنه ذكره متابعة فهو لم يدخله في صلب الصحيح حتى يقال أن البخاري احتج به، ولو فعل ذلك لاستقام للأستاذ قوله، ولكن البخاري ذكر حديث معمر متابعة، وباب المتابعات كما ذكرت فيه تقدم يجوز فيه إيراد ما ليس بصحيح من الأسانيد. قهل يصح أن نحكم على مذهب البخاري في الحديث المعنعن بما يخرجه في المتابعات؟ !. ٢- أن المحفوظ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة هو ذكر جعفر بن عمرو بن أمية بين أبي سلمة وعمرو بن أمية، هكذا روى أربعة من الثقات هذا الحديث عن يحيى وهم شيبان (٣) والأوزاعي (٤) وحرب بن شداد (٥) وأبان بن يزيد

стр. 146

العطار (١) والبخاري في صحيحه أخرج الحديث من طريق شيبان والأوزاعي فدل صنيعه أنه احتج بالحديث المتصل الذي فيه ذكر جعفر بن عمرو، فهل من العدل أن نهمل ما أخرجه في الأصول ونحتج عليه بما ذكره للمتابعة؟! ٣- ورد في بعض الطرق التصريح بسماع أبي سلمة من عمرو بن أمية الضمري فقد قال الحافظ ابن حجر: (وجزم ابن حزم (٢) بأن أبا سلمة هذا الحديث من جعفر بن عمرو عن أبيه، ومن أبيه أيضًا، واستند في ذلك إلى ما أخرجه من طريق مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة حدثني عمرو) (٣) . أليس من الممكن أن يكون الإمام البخاري اطلع على هذا ورجح سماع أبي سلمة من عمرو بن أمية؟ فيكون لقاء أبي سلمة لعمرو ليس محتملاًٍ وإنما متحققًا، وبهذا يعلم أن مقولة إن البخاري سار على مذهب مسلم في هذا الحديث مقولة باطلة، وحجتها واهية. وفي ختام هذا الفصل يجدر بي أن ألفت الأنظار إلى حقيقتين بالغتي الأهمية: الأولى: الأصل عند الإمام البخاري هو اشتراط اللقاء في السند المعنعن، وهذا هو الذي مشى عليه فيما صححه وقواه من أحاديث سواء في صحيحه أو خارجه، ولكن ثبت لنا أن البخاري - وإن كان ذلك نادرًا - قد قوى بعض الأحاديث مما لم يثبت فيها اللقاء إذا اجتمع فيها أمران: ١- أن يكون احتمال اللقاء قويًا وظاهرًا مع السلامة مما يمنع اللقاء، وقد مر معنا في الأحاديث السابقة كيف أن احتمال اللقاء كان قويًا جدًا بدرجة ظاهرة تجعل التوقف في شأن اللقاء أمر مستبعد وغير وجيه. ٢- انتفاء التفرد بوجود عدد من الشواهد، أو يكون الحديث متعلقًا بباب

стр. 147

من أبواب يجيز أهل الحديث تخفيف شروط القبول في مثلها كأبواب المغازي والمناقب والترغيب والترهيب. ومع قلة ما قواه من أحاديث لا يثبت فيها اللقاء نصًا إلا أن هذا يؤكد على أنه ﵀ نظر إلى مسألة اشتراط اللقاء في السند المعنعن على أنها وسيلة وليست غاية، إذ الغاية هي أن لا يدخل في حديث رسول الله ﷺ ما ليس منه، وما اشتراط اللقاء إلا وسيلة للكشف عن الأسانيد التي فيها شبهة انقطاع خشية أنيكون فيها من لا يحتج بحديثه، فإذا غلب على الظن - بعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة - أن اللقاء محتمل احتمالاً قويًا جدًا فما الذي يمنع من تقوية السند بعد ذلك؟!. ومن هنا يظهر أنه ﵀ لم يتعامل مع المسألة بجمود وحرفية بل أعطى للقرائن حقها من النظر ولم يهملها - فلله دره من إمام قل نظيره-. الثانية: يختلف موقف البخاري عن مسلم في نقطة احتمال اللقاء، أن مسلمًا يكتفي بمجرد الاحتمال، وأما البخاري فيزيد على ذلك - في الأحاديث التي قواها ولم يثبت فقيها اللقاء نصًا - بأن يكون الاحتمال قويًا وظاهرًا. فتكون المسألة على ثلاث مراتب: ١- ما ثبت فيه اللقاء. وكل الأحاديث التي قواها البخاري - إلا القليل النادر - اللقاء فيها ثابت. ٢- ما لم يثبت فيه اللقاء ولكن احتمال اللقاء راجح لقوته وظهوره، وقد قوى البخاري بعض الأحاديث القليلة من هذه المرتبة. ٣- ما لم يثبت فيه اللقاء مع وجود إمكانيته واحتماله فهذا لا يقبله البخاري، وأما مسلم فيحتج بالمراتب الثلاث كلها. وسيأتي - إن شاء الله - مزيد بيان لهذه النقطة في الباب الرابع.

стр. 148

الفصل الرابع ما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء لم يخلف الإمام البخاري ﵀ أي نص يوضح فيه حججه على مذهبه القاضي باشتراط اللقاء في السند المعنعن، ولكن أمكن جمع بعض الحجج التي تؤيد مذهب مشترطي اللقاء بشكل عام، وأغلب الظن أن حجج الإمام البخاري تتوافق معها. أولاً: أن اشتراط اللقاء هو الأحوط والأسلم لمن استعمله من أن تدخل عليه الأسانيد المرسلة والمنقطعة، فقد كثر استخدام الرواة للفظة "عن" في الأسانيد غير المتصلة فكان من الواجب على الناقد أن يحتاط، كما قال عبد الرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن، الحكم والحديث) (١) . وقال الخطيب البغدادي: (وقول المحدث ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان إذ كانت "عن" مستعملة كثيرًا في التدليس وما ليس بسماع" (٢) . ثانيًا: أن الأسانيد غير المتصلة قد تفشت في أوساط الرواة حتى أن شعبة ابن الحجاج قال: (لو أتيت محدثًا عنده خمس أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها) (٣) . وقال: (ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا وهو يدلس إلا ابن عون وعمرو بن مرة) (٤) . وقال ابن عبد البر - في حديث الرجل عمن لم يلقه-: (فإن كان هذا

стр. 149

تدليسًا فما أعلم من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة ويحيى بن سعيد القطان) (١) . وقال مسلم: (وإ، هو ادعى فيما زعم دليلاً يحتج به قيل له: وما ذاك الدليل؟ فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يعاينه، ولا سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن رواية، فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد. فإذا عزب عني معرفة ذلك، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) (٢) . وقال ابن حجر: (والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال) (٣) . ثالثًا: يقع كثيرًا أن يكون المحدث معاصرًا لآخر، ولا يحمل عنه شيئًا، لذا لا يلزم من وجود المعاصرة وجود السماع ولا حتى ترجح احتمال السماع لأنه يبقى احتمال عدم السماع قائمًا، مما يجعلنا لا نكتفي بمجرد المعاصرة للحكم على الحديث المعنعن بالاتصال بل لابد من ثبوت اللقاء ولو مرة. ومن ذلك أن الذهبي قال في ترجمة أيوب السختياني: (وقد رأى أنس بن مالك وما وجدنا له عنه رواية مع كونه معه في البلد، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة) (٤) . وقال أبوحاتم الرازي: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه، منهم ابن عون) (٥) .

стр. 150

وأسند ابن أبي حاتم: (عن عاصم قال: قلت لأبي الغالية: من أكثر من رأيت؟ قال: أبوأيوب غير أني لم أخذ منه) (١) . وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: (ولقد كان يمكنه السماع من جابر وسهل بن سعد وأنس وسعيد بن المسيب فما تهيأ له عنهم رواية) (٢) . وقد أدرك هشام من حياةأنس ما يقارب الثلاثين سنة، وقد كان يعيش في المدينة التي هي بلد جابر وسهل وابن المسيب. أفلا يكون من المحتمل أن المتعاصرين لا يلتقيان ولا يسمع أحدهما من الآخر؟! ولا يمكن دفع احتمال عدم السماع بالمعاصرة، فكان من الضروري اشتراط ثبوت اللقاء بين المتعاصرين ولو لمرة حتى يترجح احتمال السماع بدليل بين على احتمال عدم السماع. قال النووي: (إذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه، أو ضعفه بل للشك في حاله) (٣) . رابعًا: أن الرواي غير المدلس إذا ثبت لقيه لمن روى عنه يصبح احتمال أن يكون لم يسمع بضع ما رواه عن شيخه احتمالاً بعيدًا. لأننا لو فرضنا وجود ذلك لكان الراوي مدلسًا، والأصل في الرواة السلامة من التدليس، وأما من اكتفى بالمعاصرة فإن احتمال عدم سماع المتعاصرين من بعضهما قائم لا يدفعه ثبوت المعاصرة وإمكان اللقاء لكثرة الإرسال بين الرواة - كما تقدم -. لذا قال ابن الصلاح: (والجواب عما احتج به مسلم: أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس، لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكن بإطلاقه الرواية عنه مدلسًا، والظاهر سلامته من

стр. 151

وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلم تلاقيهما) (١) . وقال ابن حجر: (والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسًا، وحدث عن بعض من عاصره لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع الإرسال بينهم، فاشترط أن يثبت أنه لقيه وسمع منه ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلسًا، والغرض السلامة من التدليس) (٢) . وزاد السخاوي على كلام شيخه ابن حجر بقوله: (ويؤيده قول أبي حاتم (٣) في ترجمة أبي قلابة الجرمي أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، لكنه عاصرهم كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال في ذلك أنه "لا يعرف له تدليس"، ولذا قال شيخنا عقب حكايته في ترجمة أبي قلابة من تهذيبه (٤) : "إن هذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة) (٥) . خامسًا: أن القول باشتراط اللقاء هو مذهب كبار أئمة النقد أمثال شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم (٦) ، بل قيل هذا محل إجماع. قال علي بن المديني: (سمعت يحيى بن سعيد يقول: كلما حدث به شعبة

стр. 152

عن رجل فقد كفاك أمره فلا تحتاج أن تقول لذلك الرجل سمع ممن حدث عنه؟) (١) . وكما ترى فليس النص يخص من عرف بالتدليس ولكنه عام، فدل هذا على أن منهج شعبة ويحيى بن سعيد هو البحث عن سماع الرواة. وأنهما لم يجعلا الإدراك أو المعاصرة مع إمكانية اللقاء كافيًا للاحتجاج بالحديث المعنعن. وقد حكى الإجماع على اشتراط اللقاء في الحديث المعنعن ابن عبد البر فقد قال: (اعلم - وفقك الله - أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة وهي: ١- عدالة المحدثين في أحوالهم. ٢- ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة. ٣- وأن يكونوا براء من التدليس) (٢) . وقال: (وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم) (٣) . وقال ابن رجب بعد أن نقل أقوالاً لبعض الأئمة تؤيد مذهب البخاري: (بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم) ، و (ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة، ويحيى، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم، التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحد منهم قط: لم يعاصره،

стр. 153

وإذا قال بعضهم: لم يدركه فمرادهم الاستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك) (١) . وقال ابن رشيد في نقض هو بالغ القوة والحسن لما ذكره الإمام مسلم من انعقاد الإجماع على مذهبه: (وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك، بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا. فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن من غير المدلس إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه، وكأنك لما استشعرت توجه المطالبة عدلت على النقض باشتراط السماع في كل حديث. وتبين الآن أنا قائلون بمحل الإجماع، وأنا لم نزد شرطًا بل أنت نقصته) (٢) . فهذا أهم ما يمكن أن يحتج به لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء.

стр. 154

الفصل الخامس منهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء المبحث الأول: وصف لطريقة نقد البخار لسماعات الرواة. المبحث الثاني: فرز النصوص النقدية. المبحث الثالث: معالم في النصوص النقدية. توطئة لهذا الفصل: هذا الفصل قوامه وعماده على النصوص النقدية للبخاري المتعلقة باشتراط اللقاء في السند المعنعن. وقد جمعت نصوص البخاري ﵀ من كتبه النقدية وهي: "التاريخ الكبير"، "التاريخ الصغير"، "الضعفاء الصغير"، "جزء القراءة خلف الإمام"، "جزء رفع اليدين"، "خلق أفعال العباد". والنصوص التي جمعتها كل نص له علاقة مباشرة باشتراط البخاري للسماع أو اللقاء مثل قوله: "لا يعرف سماع فلان من فلان" أو مثل قوله: "لا أدري أسمع فلان من فلان أم لا؟ " ونحو ذلك. أما النصوص التي لها علاقة بالانقطاع، والتدليس، وما شابه ذلك فلم أدخلها في دراستي هنا لعدم علاقتها المباشرة بموضوع البحث وهو مسألة اشتراط السماع أو اللقاء في السند المعنعن. وعدد النصوص التي جمعتها مما له صلة بموقف البخاري من هذه المسألة من الكتب السابقة، واحد ومائة نص من غير المكرر إذ قد يتكرر النص في "التاريخ الكبير"، "والتاريخ الصغير" أحيانًا. وبعض هذه النصوص يجيء فيها نقد سماع راويين فأكثر في نص واحد

стр. 155

وعدد ذلك عشرة نصوص من إجمالي كل النصوص، وأحيانًا ينتقد البخاري سماع سند بأكمله دون تحديد لأسماء رواته الموجه لهم النقد وعدد ذلك أحد عشر نصًا من إجمالي كل النصوص. وبعد جمع النصوص نظرت في أسلوب البخاري في نقده للسماعات، وألفاظه وتراكيبه التي استخدمها، ومضمون ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل. ثم قمت بدراسة لنصوص البخاري، ثم فرزت تلك النصوص على أساس أسئلة طرحتها في بداية المبحث الثاني، وفي آخر هذا المبحث ذكرت ما خرجت به من نتائج هي ثمرة الإجابة على تلك الأسئلة. ثم ذكرت في المبحث الثالث المعالم الأساسية لمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء في السند المعنعن. المبحث الأول وصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة أولاً: يذكر نقده أحيانًا في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد: ١- فمثلاً أخرج في ترجمة "أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبي الحسن الحراني" (١) حديثًا يرويه من طريق عثمان الطويل عن أنس بن مالك، ثم قال بعده: (ولا يعرف لعثمان سماع من أنس) (٢) . ٢- وأخرج أيضًا في ترجمة "جعفر بن ميمون أبي علي البصري بياع الأنماط" (٣) حديثًا من طريق عمرو (٤) عن ابن مسعود، ثم أتبعه بقوله: (ولا

стр. 156

يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود) (١) . وفي نفس الترجمة أيضًا أخرج حديثًا من طريق طلحة بن عبيد الله بن عمرو عن ابن لعبد الله بن مسعود، ثم قال بعده: (ولا يعرف لطلحة سماع من ابن عبد الله) (٢) . وفي كلا الطريقين لم يكن اسم جعفر بن ميمون موجودًا. ٣- وأخرج في ترجمة "حرملة بن إياس الشيباني" (٣) حديثًا من طريق عبد الله بن معبد عن أبي قتادة ولا أثر لاسم حرملة في سنده، ثم قال: (ولا يعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة) (٤) . ٤- وأخرج في ترجمة "سلم بن جعفر" (١) من طريق سلم نفسه عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام حديثًا ثم أتبعه بقوله: (ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (٥) . وذكر النقد في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد إنما يكون أحيانًا - كما ذكرت آنفًا -، والغالب أن النقد يكون في نفس الترجمة الخاصة بالراوي المنتقد، ويظهر لي أن نقد البخاري لسماع بعض الرواة في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد راجع لأحد سببين هما: ١- أن يكون صاحب الترجمة أحد رواة السند الذي فيه الراوي المنتقد، ووقع هذا في المثال الأول والرابع. ٢- أن يكون الراوي المنتقد يروي حديثًا يشهد لحديث آخر رواه صاحب الترجمة، ووقع هذا في المثال الثاني والثالث. ثانيًا: يذكر نقده غالبًا بعد ذكر سند الحديث: في الغالب أن البخاري يتكلم على سماعات بعض الرواة بعد إخراجه لسند

стр. 157

حديث ومتنه، أو لسند حديث فقط، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا (١) ، فمن ذلك: ١- قوله: (شعيب بن كيسان، أراه السمان، نا إسحاق أنا عمر بن عبيد الطنافسي عن شعيب بن كيسان عن أنس بن مالك قال النبي ﷺ : فمن استغفر للمؤمنين رد الله عليه من آدم فما دونه"، ولا يعرف له سماع من أنس، ولا يتابع عليه) (٢) . ٢- قوله: (عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لم يكن نبي بعد نوح إلا أنذر الدجال قومه"، قاله موسى عن حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة، لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (٣) . ٣- وقوله: (وروى غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي ﷺ ، ولا يعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة) (٤) . وفي بعض الأحيان يتكلم البخاري على سماعات بعض الرواة دون أن يسوق حديثًا أو سندًا للراوي الذي وجه له النقد، ومن الأمثلة (٥) على ذلك: ١- قال البخاري: (البراء بن ناجية الكاهلي قال لي ابن أبي شيبة عن قبيصة: هو المحاربي، وقال ابن عيينة: الكاهلي، عن ابن مسعود ولم يذكر سماعًا من ابن مسعود) (٦) . ٢- وقال: (الحسن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي

стр. 158

المدني، عن ابن عمرو، روى عنه يزيد بن أبي زياد، لا أدري سمع من ابن عمر أم لا؟) (١) . ٣- وقال: (محمد بن نافع عن عائشة، ولم يذكر سماعًا منها، عنه الوصافي) (٢) . والأمثلة متعددة على ذلك (٣) . ثالثًا: يوجه نقده غالبًا لراو واحد: في الغالبية العظمى من نصوص البخاري النقدية حول سماعات الرواة تكون موجهة لراو واحد، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها: ١- قال البخاري: (الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل، ولم يذكر سماعًا منه) (٤) . ٢- قال البخاري: (ولا يعرف سماع الحسن من دغفل) (٥) . ٣- وقال في محمد بن صفوان الجمحي الذي يروي عن سعيد بن المسيب: (لم يذكر سماعًا من سعيد فلا أدري أسمع منه أم لا؟) (٦) . وفي بعض الأحيان نجد الإمام البخاري يوجه نقده لسند ما، أو إلى أكثر من راو، ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 159

١- قال البخاري: (محمد بن ركانة القرشي، إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (١) . ٢- وقال البخاري: (وهذا إسناد لا يعرف سماع يزيد من محمد، ولا محمد بن كعب من ابن خثيم ولا ابن خثيم من عمار) (٢) . ٣- ... وقال في ترجمة حمران بن أبان: (ومن روى عنه فلم يذكر سماعًا، مسلم بن كيسان، وابن المنكدر، وزيد بن أسلم، وبكير، والمطلب بن حنطب، وابن أبي المخارق، وعبد الملك بن عبيد، وعثمان بن موهب) (٣) . وهذا النص هو الوحيد الذي انتقد فيه البخاري سماع ثمانية من الرواة في موضع واحد (٤) . رابعًا: لم يستخدم غير لفظ "السماع" في نصوصه النقدية: جميع النصوص النقدية التي جمعتها للبخاري لم يستخدم فيها لفظ اللقاء كأن يقول: "لا أدري فلان لقي فلانًا أم لا؟ " أو "لا يعرف لقاء فلان لفلان" ونحو ذلك من العبارات بل لم يستخدم غير لفظ "السماع" في نقده، ومن ذلك: ١- قوله: (ولا يعرف لخثيم سماع من أبي هريرة) (٥) .

стр. 160

٢- وقوله في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) (١) . ٣- وقوله: (ولا نعلم لسمعان من سمرة، ولا للشعبي من سمعان) (٢) . وأغلب الظن أن الإمام البخاري اختار لفظ "السماع" مع أنه يرى أن مجرد اللقاء كافيًا لإثبات اتصال السند المعنعن - كما تقدم تحقيقه في هذه الرسالة - بسبب أن إثبات اللقاء في الغالب الأعم يكون بوجود التحديث والتصريح بالسماع في الأسانيد، فيكون اختيار لفظ "السماع" من باب الاعتماد على الغالب والأكثر، ولأن إثبات السماع يثبت اللقاء لزومًا لكن إثبات اللقاء لا يثبت السماع دائمًا فإثبات السماع أقوى في إثبات اتصال السند. خامسًا: تنوع عباراته النقدية: استخدم البخاري في نقده لسماعات الرواة عدة عبارات، ترجع في جملتها إلى ست عبارات هي: ١- "لا يعرف لفلان سماع من فلان"، مثل قوله: (لا يعرف لزهير سماع من علقمة) (٣) . وهي أكثر العبارات استخدامًا (٤) . ويندرج تحتها عبارة أخرى مبدوءة بـ "لا

стр. 161

أعرف" مثل قول البخاري: (لا أعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح) (١) . ومن العبارات التي تندرج تحتها أيضًا عبارة مبدوءة بـ "لا نعرف" مثل قول البخاري: (ولا نعرف لمحمد سماعًا من عائشة) (٢) ، وعبارة مبدوءة بـ "غير معروف" وردت مرة واحدة في قول البخاري: (ويزيد هذا غير معروف سماعه من عبد العزيز) (٣) . ٢- "لا أدري سمع من فلان أم لا؟ " مثل قوله في عثمان بن شبرمة: "لا أدري سمع من عاصم أم لا؟) (٤) . ويندرج تحت هذه العبارة عبارة مشابهة لها يبدأها البخاري بكلمة "لا يدري" بدل "لا أدري"، ومثال على ذلك قول البخاري: (ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير؟) (٥) . ووردت عبارة أخرى هي "لا ندري" في قول البخاري: (ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا) (٦) . ولم ترد إلا مرة واحدة فقط.

стр. 162

٣- "لم يذكر سماعًا من فلان" مثال على هذه العبارة من كلام البخاري قوله في عبيد بن الخشخاش: (لم يذكر سماعًا من أبي ذر) (١) ، ووردت عبارة مشابهة لهذه العبارة وهي قول البخاري في عمرو بن أبي عمرو: (ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع من عكرمة) (٢) . ٤- "لا نعلم لفلان سماعًا من فلان" مثال على هذه العبارة من كلام البخاري قوله: (لا نعلم لمحمد بن كعب سماعًا من شبث) (٣) . وجاءت مرة "لا يعلم" بدل "لا نعلم" وذلك في قول البخاري: (ولا يعلم لمحمد - بن قنفذ - سماع من أبي هريرة) (٤) . ٥- "لم يتبين سماع فلان من فلان" مثال على هذه العبارة من كلام البخاري قوله: (ولم يتبين سماع وهب من الحكم) (٥) . ٦- "في سماعه من فلان نظر" كما قال البخاري في أبي الزبير: (إن في سماعه من عائشة نظرًا) (٦) . وهذه العبارة هي أقل العبارات ورودًا.

стр. 163

ولا ريب أن اختلاف عبارات البخاري النقدية في هذه المسألة لا يعد اختلاف تضاد وتناقض بل من قبيل اختلاف التنوع والعبارة لأن المعنى في كل تلك العبارات واحد لا يختلف من عبارة إلى أخرى. سادسًا: أحيانًا يعطف نقده للسماع على ألفاظ نقدية أخرى: في بعض الأحيان نرى الإمام البخاري ينتقد سماع بعض الرواة في إحدى الأسانيد ويضيف إلى ذلك علة أخرى في السند كالجهالة أو النكارة أو غير ذلك من ألفاظ نقدية. وقد وجدت في حصر تلك الألفاظ أهمية بالغة إذ تساعدنا على فهم منهج البخاري في هذه المسألة وأنه استخدم مسألة اشتراط اللقاء السند المعنعن لتأكيد ضعف السند أو لتعضيد علة أخرى وذلك في بعض الأحيان. وهذه الألفاظ النقدية هي: ١- التدليس: ورد في كلام للبخاري على سند يرويه سعيد بن أبي عروبة عن الأعمش فقال فيه: (ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش وهو يدلس ويروي عنه) (١) . ٢- الاضطراب: قال البخاري: (وحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب لما وصفنا ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا؟) (٢) . ٣- الجهالة: قال البخاري: (وأبومعان لا يعرف له سماع من ابن سيرين وهو مجهول) (٣) وقال في حديث مصارعة ركانة لرسول الله ﷺ : (إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٤) .

стр. 164

٤- عدم المتابعة: قال البخاري: (لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع سليمان من معاذة) (١) . وقال في شعيب بن كيسان: (لا يعرف له سماع من أنس، ولا يتابع عليه) . ٥- النكارة: قال البخاري في أبي سورة: (عنده مناكير، ولا يعرف له سماع من أبي أيوب) (٢) وقال في عمر بن غياث: (منكر الحديث، ولم يذكر سماعًا من عاصم) (٣) . المبحث الثاني فرز النصوص النقدية عندما قمت بدراسة النصوص التي انتقد فيها البخاري سماعات بعض الرواة حددت منطلق دراستي من هذا السؤال: هل الأسانيد المنتقدة لا علة فيها إلا عدم توفر اللقاء؟ وكان قصدي من وراء هذا المنطلق التساؤلي الإجابة عن فرضية تخدم بحثي جدًا، وهذه الفرضية هي: لو طبقت الشروط التي ذكرها مسلم في "الاكتفاء بالمعاصرة" على نصوص البخاري تلك، هل سأجد شروط مسلم مستوفاة في تلك النصوص؟ أم أني سأجدها غير مستوفاة ولا تنطبق على تلك النصوص؟ وفي هذه الحالة الأخيرة تكون نصوص البخاري النقدية أو بعضها موضع ضعف باتفاق الإمامين البخاري ومسلم.

стр. 165

وقد أقمت دراستي للنصوص التي انتقد فيها بعض سماعات الرواة تحديدًا على ثلاثة أسئلة: ١- هل الأسانيد المنتقدة إنما تنتقد بعدم توفر اللقاء فقد أم هناك مطاعن أخرى في اتصالها؟ ٢- هل المعاصرة متحققة في كل الأسانيد المنتقدة؟ ٣- هل الرواة المنتقد سماعهم كلهم ثقات؟ وقد أظهرت دراستي بعض السمات الأساسية في النصوص النقدية مما أمكن من تحليلها إلى مجموعات تنضوي تحت قسمين: القسم الأول: سمات راجعة إلى اتصال السند. القسم الثاني: سماع راجعة إلى عدالة الرواة. ويندرج تحت كل قسم ثلاث سمات رئيسة هي: القسم الأول: ١- السمة الأولى: عنعنة المدلس. ٢- السمة الثانية: العنعنة ممن يرسل. ٣- السمة الثالثة: الشك في اتصال السند لوجود قرينة. القسم الثاني: ١- السمة الأولى: المجهولون. ٢- السمة الثانية: الضعفاء. ٣- السمة الثالثة: الموثقون. وعلى هذا الأساس تم فرز النصوص، وسأتناول فيما يلي تفصيل ذلك - إن شاء الله -. القسم الأول: سمات راجعة إلى اتصال السند: ١- السمة الأولى: عنعنة المدلس. تكلم البخاري في سماع بعض الرواة، وهم موصوفون بالتدليس - وإن كان عندي نظر في ثبوت ذلك في بعضهم - وهؤلاء هم: ١- جابر الجعفي. قال البخاري: (ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير) (١) . وجابر موصوف بالتدليس مع ضعفه (٢) .

стр. 166

٢- الحجاج بن أرطاة. سأل الترمذي البخاري: (الحجاج بن أرطاة سمع من عمرو بن دينار؟) (لا أعلمه) (١) . وهو موصوف بالتدليس ذكره الحافظ في المرتبة الرابعة (٢) . وفي نص آخر قال البخاري: (لا يعرف لحجاج سماع من عامر) (٣) . ٣- الحسن البصري. قال البخاري: (ولا يعرف سماع الحسن من دغفل) (٤) . وقال: (والحسن لا يعرف له سماع من أسامة) (٥) . وهو موصوف بالتدليس ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٦) . ٤- الحكم بن عتيبة. قال البخاري في سند يرويه الحكم عن زياد بن مالك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄: (ولا يعرف لزياد سماع من علي وعبد الله، ولا للحكم من زياد) (٧) . وقال البخاري: (ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا؟) (٨) . وهو موصوف بالتدليس ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٩) . ٥- سعيد بن أبي عروبة. قال البخاري: (ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس ويروي عنه) (١٠) . وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (١١) .

стр. 167

٦- سليمان التيمي. قال البخاري في ترجمة ربيع بن أنس البكري: (وروى عنه سليمان التيمي، قال أبوعبد الله: فلا أدري سمعه أم لا؟) (١) . وهو موصوف بالتدليس وذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٢) . ٧- سليمان بن مهران الأعمش: قال البخاري في ترجمة عبد الله بن مليل: (ولا يعرف سمع منه الأعمش أم لا؟) (٣) . والأعمش مشهور بالتدليس وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٤) . ٨- عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. قال البخاري: (لا أعرف لابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف له سماعًا منه) (٥) . وابن جريج مشهور بالتدليس وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة (٦) . ٩- عمرو بن عبد الله أبوإسحاق السبيعي. قال البخاري في ترجمة أرقم بن شرحبيل: (ولم يذكر أبو إسحاق سماعًا منه) (٧) . وقال: (ولا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من خالد بن عرفطة) (٨) . وقال أيضًا: (ولا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من سعيد بن جبير) (٩) . وأبو إسحاق

стр. 168

السبعي مشهور بالتدليس معروف به، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة (١) . ١٠- قتادة بن دعامة السدوسي. قال البخاري: (لا أعرف لقتادة سماعًا من زهدم الجرمي) (٢) وقال: (ولم يذكر قتادة سماعه من أيمن) (٣) . وقتادة من المشهورين بالتدليس عند أهل الحديث وعلمائه، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة (٤) . وفي نص آخر قال البخاري: (ولا يعرف سماع قتادة من ابن بريدة) (٥) . ١١- محمد بن مسلم أبو الزبير المكي. قال البخاري وقد سأله الترمذي: (أبوالزبير سمع من عبد الله بن عمر؟) : (قد روى عنه، ولا أعرف له سماعًا منه) (٦) وقال: (إن في سماعه من عائشة نظرًا) (٧) . وأبوالزبير قد وصف بالتدليس، وذكره الحافظ في المرتبة الثالثة (٨) . ١٢- يونس بن عبيد. قال البخاري: (لا أعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح) (٩) . ويونس موصوف بالتدليس، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (١٠) . ١٣- أبوخالد الدالاني. قال البخاري: (ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة) (١١) . وقد وصف أبوخالد بالتدليس، وذكره الحافظ في المرتبة

стр. 169

الثالثة (١) . ٢- السمة الثانية: العنعنة ممن يرسل (٢) : تكلم البخاري في سماع بعض الرواة، وقد وصفوا بالإرسال - أي رواية الأسانيد غير المتصلة - وهؤلاء هم: ١- سالم بن أبي الجعد ذكر البخاري بأنه: لا يعرف لسالم سماع من جابان ولا من نبيط (٣) وسالم مشهور بالإرسال فقد قال العلائي: (كثير الإرسال عن كبار الصحابة كعمر وعلي وعائشة وابن مسعود وغيرهم ﵃ (٤) . وقال الحافظ: (كان يرسل كثيرًا) (٥) . ٢- عامر بن شراحيل الشعبي. روى حديثًا عن سمعان بن مشنج عن سمرة بن جندب ﵁، فقال البخاري: (ولا نعلم لسمعان سماعًا من سمرة، ولا للشعبي من سمعان) (٦) . والشعبي يرسل كثيرًا (٧) ؛ فقد بلغ عدد الذين أرسل عنهم ثلاثة عشر راويًا. ٣- مجاهد بن جبر. قال البخاري: (روى عن أم هانيء، ولا أعرف له سماعًا منها) (٨) .

стр. 170

ومجاهد يرسل كثيرًا (١) ؛ فقد بلغ عدد الذين أرسل عنهم ستة عشر راويًا. ٤- المطلب بن عبد الله بن حنطب. قال البخاري: (ولا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة) (٢) ، وقال: (لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحد من أصحاب النبي ﷺ سماعًا إلا أنه يقول: حدثني من شهد النبي ﷺ ) (٣) ، وذكر البخاري المطلب من ضمن من روى عن حمران بن أبان ولم يذكروا سماعًا (٤) . وقد قال أبوحاتم الرازي في المطلب: (عامة أحاديثه مراسيل) (٥) ، وقال الحافظ ابن حجر: (كثير التدليس والإرسال) (٦) . والذي أراه أن من حدث بما لم يسمع - على جهة الإرسال - فأكثر من ذلك يجب أن يعامل معاملة المدلس من حيث عدم الاكتفاء بمجرد المعاصرة - على مذهب الإمام مسلم - بل لابد من ثبوت سماعه عمن حدث عنه هذا ما يوجبه علينا الاحتياط، والقياس الصحيح، وسيأتي بيان لهذه النقطة في ضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم - إن شاء الله -. ٣- السمة الثالثة: الشك في اتصال السند لوجود قرينة: ترد أحيانًا قرائن تبعث الشك في نفس الناقد حول اتصال السند الذي حفت به القرينة فيحمله هذا الشك على التوقف وطلب المرجحات إما لإثبات الاتصال أو لإثبات الانقطاع. وأهم القرائن الباعثة للشك في اتصال السند: ١- وجود قرينة مشككة في تحقق الإدراك بين الراويين.

стр. 171

٢- زيادة رجل في السند بين الراوي ومن يروي عنه. وقد وجدت في بعض النصوص التي تكلم البخاري في سماعات رواتها توفر هذه القرائن الباعثة للشك في اتصال السند. ١- وجود قرينة مشككة في تحقق الإدراك بين الراويين: ١- أخرج البخاري في تاريخه (١) حديثًا من طريق إسماعيل بن إبراهيم المخزومي عن أبيه عن جده عبد الله بن أبي ربيعة. ثم أتبعه بقوله: (إبراهيم لا أدري سمع من أبيه أم لا؟) . إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة (٢) ، ولا أعلم لمولده أو وفاته تاريخًا، أما جده عبد الله بن أبي ربيعة فهو صحابي وقد مات في آخر خلافة عثمان ﵁ (٣) . والقرينة التي تشكك في إدراك إبراهيم لجده هي أن أم إبراهيم هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁، ولم تولد أم كلثوم إلا بعد وفاة أبيها (٤) ، وقد تزوجت من طلحة بن عبيد الله ﵁، ومن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، وقال البخاري: (وكانت أم كلثوم تحت طلحة، فكأن عبد الرحمن تزوجها) (٥) . يشير بهذا إلى أن عبد الرحمن تزوجها بعد طلحة، ولكن البخاري لم يجزم بذلك. ومن المعلوم أن طلحة ﵁ قتل في موقعة الجمل سنة ست وثلاثين (٦) ، وليس هناك ما يثبت أن عبد الرحمن لم يتزوج أم كلثوم إلا بعد مقتل

стр. 172

طلحة إلا ما جاء عن الواقدي (١) في ذلك، ولكن ليس الواقدي بثقة ليقبل قوله، ولو ثبت ذلك لكان في هذا نص قاطع على أن إبراهيم بن عبد الرحمن لم يدرك جده عبد الله بن أبي ربيعة لأنه سيكون ولد بعد وفاة جده. ولوجود هذه القرينة التاريخية المشككة في إدراك إبراهيم لجده يصبح من الضروري إثبات السماع حتى يزول الشك، وهذا حتى على مذهب مسلم أيضًا. ٢- أخرج البخاري في تاريخه حديثًا من طريق الجريري عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام ﵁، ثم قال البخاري بعده: (ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (٢) . لم أجد في كتب الرجال من يسمى سيف السدوسي، وأظن أن في اسمه تصحيفًا لأني لم أجد في ترجمة الجريري (٣) راويًا اسمه سيف إلا سيفًا أبا عائذ السعدي. فغلب على ظني أن كلمة السعدي تصحفت إلى السدوسي وهذا ما أميل إليه أن تصحيفًا قد وقع في اسم سيف هذا. بناء على ما تقدم من ترجيح فإن كتب التراجم لم تذكر لسيف السعدي تاريخ ولادة أو وفاة، وإنما ذكر البخاري في تاريخه - ولم يزد أحد بعده على ما قال - في ترجمة سيف ما يلي: (سيف أبوعائذ السعدي سماه ابن علية عن الجريري وأثنى عليه خيرًا، سمع يزيد بن البراء قال البراء: تعالوا أعلمكم وضوء النبي ﷺ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا) (٤) . ومن المعلوم أن عبد الله بن سلام ﵁ متوفي سنة ٤٣هـ (٥) ،

стр. 173

وسيف هذا مقل الرواية إذا لم يذكر له العلماء غير روايته عن يزيد بن البراء عن البراء، ومعلوم أن البراء بن عازب ﵁ متوفي سنة ٧٢هـ (١) . فإذا كان سيف يروي عن البراء بواسطة وهو متأخر الوفاة بنحو ثلاثين سنة عن ابن سلام فإن ذلك يشكك في إدراكه لعبد الله بن سلام، وإن كان من المحتمل أن يكون مدركًا له إلا أن القرينة السابقة مع عدم وجود ما يدل على السماع يقوي الظن بأن حديثه عن عبد الله بن سلام غير متصل. ٣- أخرج البخاري في تاريخه حديثًا من طريق محمد بن قنفذ عن أبي هريرة ﵁، ثم قال: (ولا يعلم لمحمد سماع من أبي هريرة) (٢) . ومحمد بن قنفذ ثقة (٣) ، ولم يذكر في ترجمته تاريخ لولادته أو وفاته إلا أن جل روايته عن التابعين (٤) ، وقد رأى ابن عمر رؤية (٥) ، وروى عن بعض الصحابة ممن تأخرت وفاتهم كعمير مولى أبي اللحم المتوفي سنة ٧٠هـ تقريبًا (٦) ، وعبد الله بن عامر العنزي المتوفي سنة بضع وثمانين (٧) ، وقد روى عن أمه (٨) أم حرام عن أم سلمة ﵂، وأم سلمة ماتت سنة ٦٢هـ (٩) . ومن المعلوم أن أبا هريرة ﵁ مات سنة ٥٧هـ وقيل ٥٨هـ وقيل ٥٩هـ (١٠) . فيظهر مما سبق أن إدراكه لأبي هريرة محل شك وتردد لاسيما أن قرينة إكثاره من الرواية عن التابعين، وأن أقدم صحابي روى عنه هو عمير مولى

стр. 174

أبي اللحم المتوفي سنة ٧٠هـ تقريبًا تجعل حديثه عن أبي هريرة فيه نظر من جهة اتصال السند. ٤- قال البخاري في حديث يرويه وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي عن عمر بن الخطاب ﵁: (ولم يتبين سماع وهب من الحكم) (١) . والحكم بن مسعود ذكره الحافظ في "الإصابة" (٢) من ضمن من ثبتت له صحبة - وفي هذا نظر إذ لم يذكره أحد ممن صنف في الصحابة من القدماء - وذكر البلاذري (٣) أن الحكم قتل في موقعة الجسر مع أخيه أبي عبيد بن مسعود الثقفي وموقعة الجسر كانت سنة أربع عشرة (٤) . وقول البلاذري إنما هو قول إخباري لا يدري عن مصدر معلوماته حول هذه القضية فلا نقطع بما قال. وأما وهب بن منبه فقد ذكر أن ولادته كانت سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان (٥) . فهو على هذا لم يدرك الحكم بن مسعود - إن صح ما قاله البلاذري -، وبما أن قول البلاذري يحتمل الصحة فهو يصلح أن يكون قرينة تشكك في إدراك وهب للحكم بن مسعود، فيكون الاحتكام إلى سماع وهب من الحكم ثبت أم لا؟، وكما قال البخاري في هذا السند من أن سماع وهب من الحكم لم يتبين. ٢- زيادة رجل في السند بين الراوي ومن يروي عنه: يقع في بعض الأسانيد شيء من الاضطراب فيذكر اسم الرجل حينًا بين راويين في المسند، وحينًا يسقط ذلك الاسم ليكون السند بدون واسطة تدخل بين الراويين، ووجود مثل هذا الاضطراب في السند يكون بمثابة القرينة المشككة في

стр. 175

اتصاله، وقد تكلم البخاري في سماعات بعض الرواة الذين وقع منهم مثل ذلك، وهؤلاء هم: ١- ... إبراهيم بن طهمان الذي قال فيه البخاري: (وروى إبراهيم بن طهمان عن خالد بن كثير الهمداني عن النبي ﷺ ، مرسل (١) ، فلا أدري سمع منه إبراهيم أم لا؟، وروى إبراهيم أيضًا عن مطرف عن خالد بن أبي نوف عن الضحاك قوله) (٢) . ويظهر من صنيع البخاري أنه يرى خالد بن كثير وخالد بن أبي نوف أنهما شخص واحد (٣) لعدم إفراده لخالد بن أبي نوف بترجمة مستقلة وإنما ذكره في ترجمة خالد بن كثير. ويتضح من كلام البخاري السابق أن إبراهيم يروي عن خالد مباشرة وحينًا يروي عنه بواسطة، وهذه القرينة تجعل اتصال السند محل الشك وتردد. ٢- عياش بن مؤنس أبومعاذ. قال البخاري: (عياش لم يذكر سماعًا من شداد) (٤) . وقد أدخل عياش بينه وبين شداد رجلاً. نبه على هذا الحافظ ابن حجر بقوله: (ورواه جماعة عن بقية فأدخلوا بين عياش وشداد رجلاً، وفي رواية الإسماعيلي ومن وافقه: عن عياش عمن حدثه عن شداد) (٥) . ٣- محمد بن أبان الأنصاري. قال البخاري عنه: (ولا نعرف لمحمد سماعًا من عائشة) (٦) . ومحمد بن أبان هذا ليس له إلا حديث واحد عن عائشة موقوفًا (٧) ، ولم يرو

стр. 176

عنه إلا منصور بن زاذان. ويشترك معه في نفس الاسم رجل آخر يروي عن عون والقاسم بن محمد، ويروي عنه يحيى بن أبي كثير والأوزاعي (١) . والبخاري وابن أبي حاتم يفرقان بينهما. بينما ابن حبان وابن عبد البر يريان أنهما واحد فقد قال ابن حبان: (محمد بن أبان الأنصاري، من أهل المدينة، يروي عن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، روى عنه يحيى بن أبي كثير ومنصور (٢) بن المعتمر، ومن زعم أنه سمع من عائشة فقد وهم، وليس هذا بمحمد بن أبان الجعفي، ذلك من أهل الكوفة ضعيف، وهذا مدني ثبت) (٣) . ويظهر من صنيع الحافظ في "اللسان" (٤) أنه يراهما واحد إذ نقل قول البخاري عن عدم معرفته لسماع محمد من عائشة في أول ترجمة محمد بن أبان ثم أتبعه بكلام ابن حبان وابن عبد البر فأشعر هذا الصنيع أنه يرى رأيهما. فإن كان محمد بن أبان صاحب الترجمة غير الثاني فهو غير معروف ولا يدري أأدرك عائشة أم لا؟، وإن كانا واحدًا فإنه يحدث عن عائشة بواسطة القاسم بن محمد بن أبي بكر (٥) ، وهذا يثير الشك في سماعه من عائشة. ٤- مقسم بن بجرة. قال البخاري: (ولا يعرف لمقسم سماع من أم سلمة ولا ميمونة ولا عائشة) (٦) . وقد أدخل مقسم واسطة في السند بينه وبين ميمونة وعائشة ﵄ فقد قال الحكم بن عتيبة:

стр. 177

(قلت لمقسم: إني أوتر بثلاث. فقال: لا، إلا بخمس، أو سبع، فقلت: عمن؟ قال: عن الثقة عن عائشة وميمونة عن النبي ﷺ ) (١) . وأدخل أيضًا واسطة في السند بينه وبين أم سلمة ﵂، فقد روى عن ابن عباس عن أم سلمة ﵃ (٢) . ٥- موسى بن سعد بن زيد بن ثابت. قال البخاري في سند يرويه عمرو بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت: (لا يعرف لهذا الاسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله) (٣) . وموسى بن سعد وثقه ابن حبان (٤) ، وقال الحافظ: (مقبول) (٥) . ولم يذكر أن أحدًا روى عنه إلا عمر بن محمد العمري فقط. وقد أدخل موسى بن سعد بينه وبين جده زيد بن ثابت واسطة. فقد أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٦) هذا السند هكذا: (عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن ابن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت) ، ولا يعرف اسم ابن زيد وإن كان الظن الغالب يتجه إلى كونه والد موسى المسمى سعد بن زيد بن ثابت فإن كان هو فليس هو بمعروف ولم يترجم له أحد (٧) ، وأما عمر بن محمد فهو ثقة (٨) ، ولا يعرف هل

стр. 178

أدرك موسى بن سعد وعاصره أم لا؟ فإنه لا يوجد ما يدل على ذلك في كتب التراجم - التي وقفت عليها_. القسم الثاني: سمات راجعة إلى عدالة الرواة: ١- السمة الأولى: المجهولون: تكلم البخاري في سماعات بعض الرواة الذين فيهم جهالة. حيث نص بعض العلماء على بعضهم بأن فيهم جهالة، والبعض الآخر لم أجد فيه نصًا من علماء الجرح والتعديل بأنه مجهول ولكن شروط الجهالة منطبقة عليه وليس فيه توثيق معتبر. وقبل سرد أسماء المجهولين أريد أنبه إلى أربعة أمور: ١- أن مرادي بالمجهولين شامل لمجهولي العين، ومجهولي الحال، والجمهور من أهل لحديث والأصول متفقون على عدم الاحتجاج بهذين الصنفين من المجاهيل (١) . ٢- أن الجمهور من أهل الحديث لا يرون العدالة تثبت للراوي بمجرد رواية ثقتين من أهل العلم غير أن الجهالة العينية ترتفع، فقد ذكر الخطيب البغدادي قول محمد بن يحيى الذهلي: (إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة) (٢) . ثم قال: (إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما) (٣) . وقال ابن عبد البر: (كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد لا يعرف إلا بذلك فهو مجهول عندهم لا تقوم به الحجة) (٤) .

стр. 179

وقال الحافظ ابن حجر فيمن روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق: (هو مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردها الجمهور) (١) . وقال الشيخ أحمد شاكر: (رواية مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه الصحيح عدم قبولها وهو قول الجمهور) (٢) . ٣- أن توثيق ابن حبان لرجل فيه جهالة لا يعتد به لما عرف عن ابن حبان من تساهل في توثيق المجهولين. قال ابن عبد الهادي: (وقد علم أن ابن حبان ذكر في الكتاب الذي جمعه في الثقات عددًا كثيرًا وخلقًا عظيمًا من المجهولين الذين لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم) (٣) . وقال الحافظ ابن حجر: (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات) (٤) . ٤- إن جميع من سأذكرهم من المجهولين لا تعرف معاصرتهم لمن حدثوا عنه أي لا نستطيع أن نؤكد معاصرتهم لمن حدثوا عنه، ولا أن ننفيها، وذلك لأن تراجم المجهولين في كتب الجرح والتعديل تكون من القصر بدرجة لا تمكن الباحث من معرفة تواريخ الولادة والوفاة، أو قرائن تدل على السماع والمعاصرة ممن حدث عنه مما جعل إثبات معاصرة راو مجهول لمن يحدث عنه عسيرًا جدًا بل يكاد يكون في حكم المتعذر. فجميع المجاهيل الذين سيأتي ذكرهم - الآن - لا يعلم إدراكهم أو معاصرتهم لمن رووا عنهم. وهذا سرد بأسماء الرواة المجهولين الذين تكلم البخاري في سماعاتهم:

стр. 180

١- أبان بن بشر المكتب. قال البخاري في حديثه عن أبي هاشم: (لا أدري سمع منه أم لا؟) (١) . وقال عنه ابن أبي حاتم: (مجهول) (٢) ، وذكره ابن حبان في ثقاته (٣) ، وهو مجهول. ٢- أيمن - لم ينسب - قال البخاري: (لم يذكر قتادة سماعه من أيمن، ولا أيمن من أبي أمامة) (٤) . أيمن وثقه ابن حبان (٥) ، وقال ابن حجر: (شيخ مجهول يروي عن أبي أمامة) (٦) . ٣- البراء بن ناجية الكاهلي. قال البخاري: (لم يذكر سماعًا من ابن مسعود) (٧) . البراء وثقه العجلي (٨) ، وذكره ابن حبان (٩) في ثقاته، والحافظ ابن حجر (١٠) ، ولكن لم يرو عنه غير راو واحد هو ربعي بن حراش لذا قال الذهبي: (فيه جهالة، ولا يعرف إلا بحديث: تدور رحي الإسلام بخمس وثلاثين سنة.
следующие страницы →