← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام) (١) . وقال أيضاً: (كل حديث ليس فيه "حدثنا"، و"أنبأنا"؛ فهو خل أو بقل) (٢) . وكل هذه النصوص تؤكد اعتناء شعبة بتفقد السماعات في الأسانيد، وقد طبَّق كلامه السابق في عدة نصوص سآتي على ذكرها الآن. ٢ ـ قال شعبة: (قد أدرك رُفيع أبو العالية علي بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئاً) (٣) . ورُفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، البصري، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر (٤) . وقد أثبت علي بن المديني سماعه من عمر بن الخطاب ومن علي بن أبي طالب (٥) . والبخاري أيضاً أثبت سماعه من علي (٦) . وليس معنى قول شعبة: (ولم يسمع منه شيئاً) أنه لم يرو عنه، فقد قال البخاري: (وقال آدم حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا العالية، وكان أدرك علياً قال: قال علي: القضاة ثلاثة) (٧) . وشعبة لم يقنع بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء، بل جزم بأن أبا العالية لم يسمع من علي بن أبي طالب مع تيقنه بأنه أدركه وروى عنه. ٣ ـ وقال حجاج بن محمد الأعور: (قلت لشعبة: قد أدرك ربعي علياً؟

стр. 72

قال: نعم. حَدَّث عن علي، ولم يقل: سمع) (١) . وربعي هو ابن حِراش بن جحش العبسي، أبو مريم الكوفي، قدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية (٢) . وحديث ربعي عن علي في الصحيحين (٣) وليس في الصحيحين أو أحدهما لربعي عن علي غيره. ومن العجب أن شعبة هو راوي حديث ربعي عن علي وفيه التصريح بسماع ربعي من علي، قال البخاري: (حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني منصور قال: سمعت ربعي بن حِراش يقول: سمعتُ علياً يقول: قال النبي ﷺ "لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ فليلج النار") وعند مسلم أيضاً من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن منصور عن ربعي أنه سمع علياً رضي اللهع نه يخطب.. الحديث. فلعل شعبة لم يجد سماع ربعي من علي في أول الأمر فقال ما نقله عنه حجاج بن محمد، ثم بعد ذلك وجد نص السماع في رواية منصور عن ربعي. وليس الذي يعنينا في هذا الفصل ماهو الصواب في سماع ربعي من علي، وإنما كيف تعامل شعبة مع الأسانيد المعنعنة التي لم يثبت عنده سماع رواتها من بعض، وقد لاحظنا في هذا النص أن شعبة مقر بإدراك ربعي لعلي بن أبي طالب ﵁ ولكنه لم يقبل بذلك وقال: (لم يقل: سمع) أي أنه لم يرد عنه ما يثبت أنه سمع من علي. ٤ ـ قال الإمام أحمد بن حنبل: (حدثنا محمد بن جعفر وبهز وحجاج قالوا: حدثنا شعبة قال: سمعتُ علقمة بن مرثد يحدث عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه قال: " إن خيركم من علَّم القرآن أو تعلمه ".

стр. 73

قال محمد بن جعفر وحجاج: فقال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد. قال حجاج: قال شعبة: ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان، ولا من عبد الله (١) ولكن قد سمع من علي) (٢) . وشعبة يقول ذلك في أبي عبد الرحمن السلمي مع علمه أن أبا عبد الرحمن قد أدرك عثمان بن عفان وعاصره، فقد أخرج البخاري في صحيحه (٣) الحديث السابق عن شعبة بسنده وورد فيه: (قال: واقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) والقائل هو سعد بن عبيدة كما رجح الحافظ ابن حجر (٤) . فلم يكن خافياً على شعبة بأن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان بن عفان ﵁ ولا يُعرف أبو عبد الرحمن بتدليس حتى يقال: لعل شعبة جزم بعدم سماعه لأن أبا عبد الرحمن مدلس. وقد جزم البخاري بسماع أبي عبد الرحمن من عثمان ومن عبد الله بن مسعود (٥) . ٥قال يحيى بن سعبد القطان: (سمعت شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة) (٦) . وقال يحيى بن سعيد القطان: في تحديث موسى الجهني عن مجاهد

стр. 74

"خرجت علينا عائشة ﵂ " (١) : (حدث به شعبة فأنكره - يعني أنكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة -) (٢) . وموسى الجهني هو موسى بن عبد الله الجهني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلى، وابن حبان، وابن سعد، وقال أبو زرعة: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به (٣) . وقال الحافظ ابن حجر: (ثقة عابد لم يصح أن القطان طعن فيه) (٤) . ورغم أن في حديث موسى الجهني - الذي بلغ شعبة - نص سماع مجاهد من عائشة، ومع وجود المعاصرة إذا ولد مجاهد سنة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً وما نسبة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً ومات سنة ١٠١هـ وقيل ١٠٣ وقيل غير ذلك من سنة وفاته (٥) . وعائشة ﵂ ماتت سنة ثمان وخمسين (٦) ، إلا أن شعبة أنكر سماع مجاهد من عائشة. وقد أخرج الشيخان لمجاهد عن عائشة عدة أحاديث، وعند البخاري (٧) في صحيحه نص صريح في أن مجاهداً قد سمع عائشة. والمحصلة التي نخرج بها من النصوص السابقة هي أن شعبة بن الحجاج من أوائل من فتش عن سماعات رواة الأحاديث بعضهم من بعض إذا لم تكن الأسانيد التي تروى عنهم ظاهر فيها السماع بصيغ صريحة الاتصال. ولاغرو أن يكون شعبة من أوائل من بدأوا التفتيش عن السماعات، فقد قال صالح جزرة: (أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد

стр. 75

يحيى) (١) ، وذكر أبو داود الطيالسي: أنه رأى (رجلاً يقول لشعبة: قل حدثني، أو أخبرني، فقال شعبة: فقدتكوعدمتك، وهل جاء بهذا أحد قبلي؟) (٢) . وقد أخذ يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ذلك الأمر، وحذى حذوة وتعلم منه هذه الصناعة، قال الإمام أحمد بن حنبل: (لم يكن في زمان يحيى القطان مثله، كان تعلم من شعبة) (٣) ، وقال يحيى بن سعيد القطان مبيناً طول ملازمته لشعبة: (اختلفت إلى شعبة عشرين سنة) (٤) . وسأذكر فيما يلي بعضاً من النصوص التي نقلت عن يحيى بن عيد القطان في ذلك الأمر. ثانياً: بعض ما جاء عن يحيى بن سعيد القطان في ذلك: ١- قال يحيى بن سعيد: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل انه سمع فلاناً؟ ، قد كفاك أمره) (٥) . ويفهم من هذا النص أن منهج يحيى بن سعيد القطان والأصل عنده هو البحث عن سماعات الرواة مطلقاً سواء أكانوا مدلسين أم لم يكونوا، ويستثنى ما رواه شعبة عن شيوخه فلا يحتاج أن يسأل: هل شيخ شعبة سمع من الذي يروي عنه أم لا؟ ، لأن شعبة قد كفى من بعده. ٢- قال علي بن المديني: (قلت ليحيى - يعني القطان - سمع زرارة من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء سمعت) (٦) . ٣- قال يحيى بن سعيد: (قلت لابن أبي رواد: من ابن زبيبة (٧) هذا؟ قال: قد أدرك عبد الله بن عمر ﵄، قال يحيى: أظنه قال: أدرك ابن

стр. 76

عمرو، ولم يقل: سمعت ابن عمرو، ولا رأيت) (١) . ٤- قال يحيى بن سعيد: (قلت لابن أبي داود: أبو سعد الكوفي (٢) ؟ . قال: ليس هو ذاك، وكان كبيراً. قال يحيى: ولم يقل: سمعتُ زيد بن أرقم) (٣) . ففي النصوص الثلاثة الماضية لم يقنع يحيى بن سعيد بتلك الأسانيد لأنها لم يثبت فهيا سماع رواتها من بعض، وتظهر دقة يحيى القطان في قوله: "ليس فيها شيء سمعت"، و "لم يقل سمعت ابن عمرو، ولا رأيت"، و "لم يقل: سمعت زيد بن أرقم"، فقد كان حريصاً كل الحرص على البحث عن مواطن السماع في الأسانيد امتداداً لمذهب شيخه شعبة بن الحجاج. ٥- نقل على بن المديني عن شيخه يحى بن سعيد القطان نصاً حول موضوع "الرواة عن زيد بن ثابت"، وجاء فيه قوله: (ومن أهل المدينة ممن روى عنه ممن أدركه، ولا يثبت له القاؤه، ولا يثبت له السماع منه) (٤) .

стр. 77

فذكر: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما. وبالنظر إلى ما كل ما تقدم نستطيع أن نقول: إن ما ورد في كلام الغمام مسلم بن الحجاج من نفيه أن يكون أحد من أئمة السلف قد فتش عن موضع السماع في الأسانيد؛ ليس بدقيق، وقد ذكرت فيما سبق ما يدل على أن شعبة ويحيى بن سعيد، وهما من أجل أئمة السلف النقاد للأخبار قد جاء عنهما ما يثبت أنهما فتشا عن مواضع السماع في الأسانيد ولو لم يكن فيها من شهر بالتدليس وعرف به. قال الإمام مسلم: (ما علمنا أحداً من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد. وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد. كما أدعاه الذي وصفنا قوله من قبل وإنما كان ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به. فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي ينزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مدلس، على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحدٍ ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (١) . فمن خلال ما أثبته من نصوص في هذا الفصل يتحقق لنا فائدتان: ١- إيجاد الجذور التاريخية، والبدايات العملية، لمسألة البحث عن السماعات في الأسانيد المعنعنة، وأن البحث عن ذلك قد ترافق مع الظهور الحقيقي لعلم الجرح والتعديل والذي كان من رواده المؤسسين له شعبة بن الحجاج ثم يحيى بن سعيد القطان.

стр. 78

٢- عدم التسليم بنفي الإمام مسلم المطلق، بأن قول خصمه قول مخترع ليس له جذوراً تاريخية لدى أئمة السلف. والله أعلم.

стр. 79

الباب الثاني موقف الإمام البخاري

стр. 80

الفصل الأول عناية البخاري الفائقة بهذه المسألة المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه . المبحث الثاني: اهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته. المبحث الأول تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه من السنن الثابتة في حياة البشر، أن يتأثر الصغير بالكبير، والتلميذ بشيخه، واللاحق بالسابق، وهذه الحقيقة تقودنا إلى البحث عمن تأثر به الإمام البخاري في هذه المسألة، وبالأخص من شيوخه؟. وعندما يكون الحديث عن شيوخ البخاري، نجد أن أعظمهم تأثيراً عليه هو الإمام علي بن المديني، الذي قال فيه البخاري: (ما اسصتغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني) (١) ، وقال أيضاً: (علي بن عبد الله أعلم أهل زمانه) (٢) ، وسأل محمد بن إسحاق السراج الإمام البخاري: (ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أقدم العراق وعلي بن عبد الله حي فأجلسه) (٣) . وقال الذهبي: (وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المدين) (٤) . وقد كان علي بن المديني ذا عناية بمسألة اشتراط السماع في السند المعنعن.

стр. 81

يظهر هذا فيما نُقل عنه في كتب الجرح والتعديل، وكتب المرسيل (١) ، وقد وجدتُ له في كتاب "العلل" برواية ابن البراء عدداً من النصوص حول هذه المسألة، سأذكر منها على سبيل الاستشهاد نصين: ١- قال علي بن المديني: (وأصحاب زيد بن ثابت الذين كانوا يأخذون عنه ويفتون بفتواه، منهم من لقيه، ومنهم من لم يلقه، اثناء عشر رجلاً: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطلحة بن عبد الله بن عوف، ونافع بن جبير بن مطعم. فأما من لقيه منهم، وثبت عندنا لقاؤه: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار. ولم يثبت عندنا من الباقين سماع من زيد فيما ألقى إلينا، إلا أنهم كانوا يذهبون مذهبه في الفقه والعلم) (٢) . ٢- وقال أيضاً: (قيس بن أبي حازم سمع من أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص. فقيل لعلي: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعاً؟ قال: نعم، سمع منهم سماعاً، ولولا ذلك لم نعد له سماعاً) (٣) . واشتهار علي بن المديني بأنه ممن يرى اشتراط السماع للاحتجاج بالسند المعنعن أمر قد أثبته كتب المصطلح (٤) . مما لا يدع مجالاً للشك أن علي بن المديني أبرز من تأثر به البخاري من شيوخه في هذه المسألة. وبتمام هذا المبحث تتجلى لنا شجرة نسب هذه المسألة التي رعاها شعبة بن الحجاج، ثم يحيى بن سعيد القطان، ثم علي بن المديني، ومن بعده محمد بن

стр. 82

إسماعيل البخاري، وهذا لعمر الله سند مسلسل بأئمة النقد وعلماء العلل. المبحث الثاني اهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته لقد أعطى البخاري مسألة "اشتراط اللقاء أو السماع للاحتجاج بالسند المعنعن" اهتماماً وعناية فائقتين، وأظهر اهتمامه بها في معظم كتبه، وعنايته بهذه المسألة تتبع من موقفه أن السند المعنعن الذي لم يثبت فيه سماع أو لقاء رواته من بعضهم البعض لا يكون هذا السند صالحاً للاحتجاج (١) . وحتى يتضح لنا مدى اهتمام البخاري بهذه المسألة في مصنفاته، فقد جعلت هذه المصنفات على قسمين: الأول: مصنفاته في رواية الحديث النبوي. الثاني: مصنفاته في علم الرجال. وبينت في كل قسم منها أوجه مظاهر عناية البخاري بهذه المسألة. القسم الأول: مصنفاته في رواية الحديث النبوي: إن كتاب "الصحيح" للإمام البخاري هو أهم مصنفات البخاري على وجه الإطلاق، وقد اعتمد البخاري في الأحاديث التي أخرجها في صحيحه على أن يكون اللقاء أو السماع متحققاً بين الرواة الذين يحتاج بهم، وهذا الأمر جعل عدداً من كبار المحققين يعتبرونه سبباً من أسباب ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم. قال ابن الصلاح - في معرض رده على من قدم صحيح مسلم على صحيح البخاري -: (وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح، وفي إتقانه، والاضطلاع بشروطه، والقضاء به فليس ذلك كذلك كما قدمناه، وكيف يسلم لمسلم ذلك؟ وهو يرى على ما ذكره من بعد في خطبة كتابه، أن

стр. 83

الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده. فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح بمجرد كونهما في عصر واحد مع إمكان تلاقيهما وإن لم يثبت تلاقيهما وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يقعد به عن الترجيح في ذلك) (١) . قال ابن كثير: (والبخاري أرجح، لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة، ومن ههنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور) (٢) . قال الحافظ ابن حجر - في أثناء كلامه على أوجه ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسمل: ("الوجه الخامس" وذلك أن مسلماً كان مذهبه على ما يصرح به في مقدمة صحيحه، وبالغ في الرد على من خالفه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المعنعن مدلساً، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه وأكثر منه حتى إنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعناً، وسترى ذلكواضحاً في أماكنه - إن شاء الله تعالى - وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلمنا بما ذكه مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال) (٣) . ومما يوضح مبلغ عناية البخاري بهذه المسألة في صحيحه أنه - كما قال الحافظ ابن حجر -: (ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا اليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعناً) (٢) . وسنضرب فيما يلي مثالاً لما ذكره الحافظ ابن حجر، فقد أخرج البخاري في

стр. 84

صحيحه (١) في كتاب التفسير، باب ﴿إذا يبايعونك تحت الشجرة﴾ ، حديثاً من رواية شعبة عن قتادة قال: سمعت عقبة بن صُهبان عن عبد الله بن معقل المزني ممن شهد الشجرة: "نهى النبي ﷺ عن الحذف" ثم عقب البخاري على هذا الحديث بقوله: وعن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن المغفل المزني "في البول في المغتسل") (٢) . قال الحافظ ابن حجر: (وأما الحديث الثاني فأورده لبيان التصريح بمساع عقبة بن صهبان من عبد الله بن مغفل، وهذا من صنيعه في غاية الدقة وحسن التصرف فلله رده) (٣) . والحديث الثاني لا علاقة له بالباب مطلقاً من حيث الموضوع، وإنما أخرجه البخاري لإثبات سماع عقبة ابن صهبان من عبد الله بن المغفل (٤) ، فلولا أهمية هذه المسألة عند البخاري لما صنع ذلك. لم يقصر البخاري اهتمامه بالمسألة على صحيحه فقط، بل أظهر اهتمامه بهذه المسألة في كتاب آخر هو "جزء القراءة خلف الإمام"، وتمثل مظاهر اهتمامه بالمسألة في هذا الجزء فيما يلي: ١- أعل البخاري عدداً من الأحاديث لكونها لم يتوفر في أسانيدها ثبوت السماع، ومن ذلك قوله: (وروى عمرو بن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، ولا يُعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله) (٥) . ومما قاله أيضاً: (وروى علي بن صالح عن الأصبهاني المختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه عن علي ﵁: "من قرأ خلف الإمام فقد

стр. 85

أخطأ الفطرة"، وهذا لا يصح لأنه لا يعرف المختار، ولا يدري أنه سمعه من أبيه أم لا؟ وأبوه من علي؟) (١) . ٢- أخرج البخاري (٢) حديث شعبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين "أن رجلاً صلى خلف رسول الله ﷺ قرأ بسبح اسم ربك الأعلى فلما فرغ قال: أيكم القارئ بسبح؟ فقال رجل من القوم: أنا. فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها". وبعد أن أخرج هذا الحديث أتبعه بحديث آخر: عن أبي عوانة عن قتادة عن زرارة قال: "رأيت عمران بن حصين يلبس الخز" (٣) . وكما نرى فإن الحديث الثاني ليس له علاقة بموضوع الكتاب وهو القراءة خلف الإمام، ولا يمت بصلة - من حيث الموضوع - للحديث الذي قبله. وما أخرجه البخاري إلا ليدلل على أن زرارة بن أبي أوفى قد لقي عمران بن حصين، وهذا شاهد على عنايته الفائقة بهذه المسألة في مصنفاته. القسم الثاني: مصنفاته في عالم الرجال: يبرز اهتمام البخاري واعتناؤه بالمسالة في كتبه المتعلقة بعلم الرجال في النقاط الآتية: ١- أولى عناية عند الترجمة لأي رجل من الرجال إلى بيان سماع ذلك الرجل ممن روى عنهم إن كان قد ثبت سماعه عنهم، فيصدر أغلب التراجم في تاريخه الكبير بقوله: فلان بن فلان سمع فلاناً وفلاناً.. إلخ، بينما نجد أبن أبي حاتم في كتابه " الجرح والتعديل" يستبدل لفظ سمع بلفظ آخر هو: روى عن فلان وفلان.. الخ، مما يجعل المطلع لا يميز ما هو سماع مما ليس بسماع، وأما البخاري لشدة عنايته بالمسألة حرص على بيان سماعات الرواة بعبارة واضحة لا لبس فيها وسأورد بعض الأمثلة على ذلك: في التاريخ الكبير ترجم لمحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي فقال:

стр. 86

(محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، مدني، سمع علقمة بن وقاص وأبا سلمة، سمع منه يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق..) (١) . وفي أيضاً ترجم لزهير بن قنفذ فقال: (زهير بن قنفذ، سمع ابن عمر، روى عنه عبد الله بن ميمون) (٢) . وفي التاريخ الصغير ترجم لأبي طوالة فقال: (اسم أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري المدني سمع أنساً وعامر بن سعد، سمع منه مالك وخالد بن عبد الله) (٣) . وفي الضعفاء الصغير ترجم لعمرو بن شعيب فقال: (عمرو بن شعيب أبو إبراهيم السهمي القرشي: سمع أباه وسعيد بن المسيب وطاوساً، وروى عنه عبد الوارث، وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح والزهري) (٤) . واهتمامه ببيان سماعات الرواة من شيوخهم في كتبه المتعلقة بعلم الرجال قضية واضحة لمن يُطالع تلك الكتب. ٢- يُخرج أحياناً في بعض التراجم - وخاصة في "التاريخ الكبير" - أحاديث يظهر لنا أن ليس له غاية من إخراجها إلا ليبين لقي المترجم له بعض من روى عنهم. فمن ذلك أنه قال في ترجمة سليمان الأسود: (سليمان الأسود الناجي البصري، روى عنه أبن أبي عروبة ووهيب، وقال موسى نا عبد العزيز بن المختار عن سليمان أنبائي أبو المتوكل: شهدت أبا هريرة - في السارق - وزيادة بن أيوب أنا هشيم أنا سلميان أبو محمد سمعت ابن سيرين) (٥) . فهو هنا يريد إثبات سماع سليمان الأسود من أبي المتوكل الناجي علي بن داود، ومن محمد بن سيرين فأخرج هذين السندين لإثبات ذلك.

стр. 87

وجاء في ترجمة أبي نضرة العبدي فقال: (منذر بن مالك بن قطعة أبو نضرة العبدي.. سمع أبا سعيد وابن عباس، وروى عنه قتادة وسليمان التيمي وسعيد أبو سلمة..، وحدثني سالم بن نوح قال نا الجريري عن أبي نضرة قال؛ خرج إلينا طلحة بن عبيد الله في ثوبين ممصرين) (١) . ٣- يذكر أحياناً احتمال سماع المتراجم له ممن روى عنه دون أن يجزم بأنه سمع منه، ومن ذلك قوله في ترجمة أبي إدريس الخولاني: (عائذ الله بن عبد الله، أبو إدريس الخولاني، الشامي، ولد عام حنين قاله أبو مسهر، ويمكن أن يكون سمع من معاذ..، ابن معسود، والمغيرة بن شعبة) (٢) . فلما كان سماع أبي إدريس من معاذ موضع احتمال وتردد، بين البخاري ذلك بعبارة تُشعر بالاحتمال. وعندما ترجم لعطاء بن يسار قال: (عطاء بن يسار أبو محمد مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، سمع أبا سعيد وأبا هريرة ﵄، ويقال: ابن مسعود وبان عمرو ﵃ (٣) . فألمح بقوله: (ويقال ... ) إلى عدم رجحان ثبوت سماع عطاء من ابن مسعود وابن عمر، وما هذا إلا دليل على تحريه العبارات الدقيقة في هذه المسألة لأنها عنده في غاية الأهمية. ٤- أعل البخاري عشرات الأسانيد في تاريخه الكبير بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض رواة السند. من ذلك أنه قال في ترجمة الحسن بن سهيل: (الحسن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، المدني، عن ابن عمر، روى عنه يزيد بن

стр. 88

أبي زياد، لا ادري سمع من ابن عمر أم لا؟) (١) . وقال في ترجمة عبد الله بن سراقة: (عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال سمعت النبي ﷺ يقول: "لم يكن نبي بعد نوح إلا أنذر الدجال قومه"، قال موسى عن حماد بن سلمة عن خالد بن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة، لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (٢) . والمثالان السابقان خير شاهد على عناية البخاري واهتمامه البالغ بهذه المسألة في مصنفاته المتعلقة بعلم الرجال، وأنه حريص على إظهار مذهبه فيما يعلله من أحادي ثلم يتوفر في أسانيدهم ثبوت اللقاء بين رواتها، وقد قال ابن حجر: (فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك) (٣) . ٥- في بعض التراجم لا يذكر كلمة "سمع" فيما يرويه المترجم له عمن روى عنهم، وإنما يذكر كلمة "عن" بدلاً من "سمع" كقول البخاري: (سعد مولى طلحة عن ابن عمر) (٤) ، وكقوله: (شريح بن عبيد الحضرمي أبو الصلت الشامي، سمع معاوية بن أبي سفيان، وعن فضلة بن عبيد) (٥) . فالبخاري هنا بلغ من شدة عنايته، وعظيم اهتمامه بهذه المسألة أن يذكر كلمة "عن" بدل "سمع" في تراجم الذين لم يثبت عنده سماعهم ممن رووا عنهم، فهو يفرق بين ما ثبت سماعه لصاحب الترجمة ممن روى عنهم بقوله: "سمع"، وما لم يثبت عنده أنه سمع ممن روى عنهم بقوله: "عن". ولأهمية هذه النقطة، ولأن فيها بعض الغموض سأذكر بعض الأدلة التي تدل على أن كلمة "عن" إذا ذكرها البخاري في تراجم كتابه قبل أسماء من روى عنهم صاحب الترجمة، فإنه تشير إلى أن سماع صاحب الترجمة من أولئك الذين روى

стр. 89

عنهم لم يقف عليه البخاري أو لم يثبت عنده، وهذه الأدلة كما يلي: ١- ن البخاري يذكر كلمة "سمع" في التراجم بين اسم صاحب الترجمة، وأسماء من روى عنهم، وهذا نراه بكثرة - في التاريخ الكبير على وجه الخصوص -، مما يدعونا إذا رأينا كلمة "عن" محل كلمة "سمع" أن نتساءل: لماذا لم يقل "سمع"؟ لا سيما وأن بين الكلمتين مغايرة وتباين جليلاً فكلمة "سمع" تدل على ثبوت السماع، والأخرى لا تدل على السماع، والبخاري - كما لا يخفى - عظيم الاهتمام والحرص في إيضاح هذه المسألة والحكم بها؛ فيكون من المترجح أنه عندما يذكر كلمة "عن" محل كلمة "سمع" قد أراد أن الأولى غير الثانية في إثبات السماع. وهذا مما يتفق مع المنهج العام للبخاري في مصنفاته التي تتميز بالعبارات الدقيقة جداً، يقول الشيخ المعلمي: (للبخاري ﵀ ولوع بالاجتزاء بالتلويح عن التصريح، كما جرى عليه في مواضع من جامعة الصحيح حرصاً منه على رياضة الطالب، واجتذاباً له إلى التنبه والتيقظ والتفهم) (١) . ٢- وقفت على بعض التراجم في التاريخ الكبير - على وجه الخصوص - يقول البخراي في نفس الترجمة: "فلان سمع فلاناً وفلاناً، وعن فلان وفلان"، مما يزيدنا يقيناً أن بين العبارتين فرقاً في الدلالة عند البخاري. فمن ذلك قوله: (حصين بن قبيصة الفزاري، سمع علياً وعن عبد الله) (٢) . وقوله: (خليد بن دعلج، سمع الحسن وعن ابن سيرين، وسمع عطاء وقتادة) (٣) . وقوله: (عبد الله بن نيار بن مكرم الأسلمي، سمع أباه وعن عروة) (٤) . وقوله: (عبد الله بن سخبرة الأزدي، ويقال الأسدي أسد شنوءة، وأبو معمر

стр. 90

الكوفي، سمع خباباً وعن عمر ﵄ (١) . وفي ترجمة عبد الرحمن بن ابي ليلى قال البخاري: (سمع عالياً وعثمان وسهل بن حنيف وقيس بن حنيف أبا أيوب وأم هانئ وزيد بن أرقم وعبد الله بن ربيعة والبراء وحذيفة وكعب بن عجزة وأبا الدرداء وسعد بن عبيد ﵃، وعن أبي موسى ﵁، وسمع عبيد الله بن حكيم، وعن المقداد رضي عنه..، ويروي عن أبي وسمرة وأنس وأبيه ﵁ (٢) . وكذلك قال في ترجمة مغيث بن سمي الأوزاعي: (سمع عبد الله بن عمر، وعن كعب) (٣) . وبما تقدم من شواهد يتبين لنا أن البخاري إذا لم يثبت عنده سماع صاحب الترجمة ممن روى عنه فإنه يأتي بكلمة "عن" محل "سمع". ٣- وجدت في بعض التراجم التي يقول فيها "عن فلان" كلاماً للبخاري في مواضع أخرى ينص ﵀ بصريح العبارة بأنه لا يعرف لفلان سماع من فلان. ففي ترجمة عبيد بن نضلة قال: (عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵄ (٤) . ثم وجدت أن البخاري قال ك (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٥) . وفي ترجمة عمرو بن بجدان قال: (عن أبي ذر ﵁ (٦) . ثم وجدت قول البخاري: (لا أعرف لعمرو بن بجدان سماعاً من أبي ذر) (٧) . وقال - في ترجمة المطلب بن عبد الله بن حنطب -: (سمع رجلاً من

стр. 91

أصحاب النبي ﷺ ، وعن أبي موسى وعائشة وأم سلمة) (١) . وفي موضع آخر وجدت البخاري يقول: (لا أعرف للمطلب من حنطب عن أحد من أصحاب النبي ﷺ سماعاً إلا أنه يقول: حدثني من شهد النبي ﷺ ) (٢) . وهذه النصوص توضح لنا الإجابة على سؤال: لماذا قال البخاري "عن" ولم يقل "سمع" فيما رواه صاحب الترجمة عمن حدث عنهم؟ ٤- اتضح لي بمقارنة عدد من المواضع التي ذكر فيها البخاري أن المترجم له قال فيما يرويه عمن يروي عنهم "عن" بأقوال بعض العلماء والنقاد أن رواية صاحب تلك الترجمة عن ذلك الرجل تكون مرسلة وغير متصلة. ومن ذلك أن البخاري قال: (ممطور أبو سلام الحبشي الأعرج الأسود الدمشقي عن ثوبان..) (٣) . وقد قال يحيى بن معين عندما سئل (هل سمع أبو سلام من ثوبان؟ قال: لا) (٤) ، وبمثل ما قال ابن معين قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل (٥) ، وقال ابن أبي حاتم: (سالت أبي: هل سمع أبو سلام من ثوبان؟ قال: قد روى، ولا أدري سمع منه أم لا) (٦) . ومن ذلك أن البخاري قال: (عطاء بن فروخ عن عثمان) (٧) . وقد قال علي بن المديني: (لم يلق عثمان ﵁ (٨) ، وقال البزار: (وعطاء بن فروخ رجل من أهل البصرة حدث عن يونس بن عبيد وعلي بن زيد، ولا نعلمه سمع من عثمان) (٩) .

стр. 92

ومن ذلك أن البخاري قال - في ترجمة خلاس بن عمرو الهجري -: (روى عن أبي هيرة ... ) (١) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل: (لم يسمع من أبي هريرة شيئاً) (٢) . ومن ذلك أن البخاري - في ترجمة ميمون بن أبي شبيب - قال: (يروي عن المغيرة بن شعبة وسمرة ومعاذ) (٣) ، وقد قال عمرو بن علي الفلاس - في ترجمة ميمون بن أبي شيب ها -: (كان رجلاً تاجراً كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديث سمعت، ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من الصحابة) (٤) وبهذه المقارنات يتقرر أن مراد البخاري عندما يذكر كلمة "عن" فيما يرويه صاحب الترجمة عمن حدث عنهم أن سماع ذلك الراوي عن أولئك الشيوخ لم يثبت إذ لو كان السماع ثابتاً لقال: "سمع" ولم يقل "عن". ومن المهم أن أؤكد هنا أن كلمة "عن" كما أسلفت تعني أن البخاري يرى أن سماع صاحب الترجمة ممن روى عنهم غير ثابت، إلا أنها لا تعني نفي السماع بيقين، لذا لا أستجيز أن يقال فيمن ذكر البخاري في ترجمة "عن فلان" أن البخاري حكم على روايته عن ذلك الشيخ بأنها منطقعة أو أن ذلك الرجل لم يسمع من ذلك الشيخ، والذي أرتضيه وأراه - بعون الله - صواباً في مثل هذه الحالة أن يقال: إن سماع ذلك الرجل لم يثبت من ذلك الشيخ الذي روى عنه فهذه العبارة أكثر دقة في بيان المعنى من غيرها من العبارات التي قد يفسر بها صنيع البخاري ذلك. ومما ينبغي أن يُعلم أنه يوجد التصريح بالسماع في بعض ما قال فيه البخاري: "روى عن فلان"، وذلك لأن العلم بحر لا ساحل له، ولا يستطيع أحد الإحاطة به ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ (٥) ، كما أن اجتهاد العالم قد يتغير تبعاً

стр. 93

لنمو معلوماته وازدياد معارفه. وقد وجدت في كلام الإمام البخاري ما يشهد لهذا، فقد قال في "التاريخ الكبير": (عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الأخنس حجازي عن سعيد المقبري..) (١) فلم يثبت في كتابه "التاريخ الكبير" السماع لعثمان بن محمد بن الأخنس من سعيد المقبري، ولكنه بين في محل آخر أن رأيه تغير، فقد حكم على حديث يرويه عثمان بن محمد الأخنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً بقوله: (هو حديث حسن ... وعثمان بن محمد الأخنس ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري) (٢) . فيكون الغالب فيمن قال البخاري في ترجمته: "روى عن فلان" أو "عن فلان" أنه لم يثبت في ذلك الشيخ، وقد يوجد التصريح بالسماع في بعض ذلك، فالحكم في هذا على الأغلب وليس مطرداً. وقبل أن أنهى هذا المبحث أود أن أنبه على الملاحظتين هامتين لهما علاقة بأهم كتب البخاري في علم الرجال وهو كتاب "التاريخ الكبير". الملاحظة الأولى: في تراجم قليلة ينص البخاري على أن صاحب الترجمة قد سمع ممن يروي عنه ولكن يذكر في أثناء الترجمة ما يدل على أن صاحبها لم يسمع من ذلك الشيخ الذي نص على أنه سمع منه. ومن ذلك ما جاء في هذه الترجمة: _ (زياد بن ميمون، ابو عمارة البصري الثقفي، صاحب الفاكهة، سمع أنساً، تركوه، قال علي بن نصر أخبرنا بشر بن عمر: سألت زياد بن ميمون أبا عمارة عن حديث رواه أنس قال: وبحكم احسبوا كنت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، قد رجعت عما كنت أحدث به عن أنس، "لم أسمع من أنس شيئاً" (٣) . فأثبت - البخاري - سماعه من أنس في صدر الترجمة ثم ساق ما يدل على أنه كذاب وأنه لم يسمع من أنس أي شيء، وقد قال أبو داود الطيالسي:

стр. 94

(لقيته أنا وعبد الرحمن بن مهدي، فسألناه فقال: هبوا أن الناس لا يعلمون أني لم ألق أنساً لا تعلمان أني لم ألق أنساً؟!. ثم بلغنا أنه يروي عنه فأتيناه فقال: هبوا أن رجلاً أذنب ذنباً فيتوب ألا يتوب الله عليك؟! قلنا: نعم. قال: فإني أتوب، ما سمعت من أنس قليلاً ولا كثيراً. وكان بعد ذلك يبلغنا عنه أنه يروي عنه فتركناه) (١) ، وزياد هذا متروك ومتهم بالوضع (٢) . ومن ذلك قوله: (جميل بن زيد الطائي، سمع ابن عمر, روى عنه الثوري وعباد بن العوام، قال أحمد عن أبي بكر بن عياش عن جميل: هذه أحاديث ابن عمر ما سمعت من ابن عمر شيئاً إنما قالوا: اكتب أحاديث ابن عمر فقدمت المدينة فكتبتها) (٣) . ومع أن البخاري نقل في ترجمة جميل ما يثبت بأنه ما رأى ابن عمر ولا سمعه إلا أنه صدر الترجمة بعبارة. "سمع ابن عمر"، وقد قال ابن حبان - في ترجمة جميل بن زيد - ك (يروي عن ابن عمر ولم يره، روى عنه الثوري، دخل المدينة فجمع أحاديث ابن عمر بعد موت ابن عمر ثم رجع إلى البصرة ورواها عنه) (٤) ، وقد قال ابن معين: (جميل بن زيد يروي عن ابن عمر - ليس بثقة) (٥) . ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يقول البخاري "سمع" مع علمه بأنه لم يسمع؟. ويظهر لي أنه من الممكن الإجابة على هذا الإشكال بمايلي: ١- إن البخاري لشدة اهتمامه بالفحص عن سماع الرواة التزم أن يُصدر كل ترجمة بصيغة الأداء التي بلغته ووصلت إليه، فتراه تارة يقول في بعض التراجم مثلاً: (عبد الرحمن بن الأسود العنسي أن عمر ﵁، روى عنه أبو بكر بن

стр. 95

أبي مريم) (١) ، وتراه تارة يقول في بعض التراجم مثلاً: (عبد الرحمن بن أيمن المخزومي المكي، رأى أبا سعيد ﵁ (٢) وكثيراً ما تراه - رحمه الله تعالى - يُصدر تراجم الرواة بصيغتي الأداء "سمع"، و "عن". فلما كان قد ذكر في بعض الأسانيد التي وصلت للبخاري - حمه الله تعالى- أن زياد بن ميمون قال حدثنا فيما رواه عن انس ﵁، وكلك جميل بن زيد قال حدثنا ابن عمر ﵄ كما في رواية إسماعيل بن زكريا عن جميل بن زيد فقد قال البخاري: (وقال إسماعيل بن زكريا حدثنا جميل ثنا ابن عمر ... ) (٣) ؛ لعل البخاري رأى من الأفضل أن يذكر السماع حتى لا يعترض عليه البعض بأنه قد فاته ذكر السماع مع وروده. ٢- إن البخاري بين وبجلاء بطلان صحة السماع المذكور بنقله ما ينص على الصواب، فأبرأ ذمته من أي تبعة أو تناقض لأنه نبه على الخطأ وأوضح الراجح والصحيح بما نقله، كما يظهر مما تقدم في ترجمتي زيادة بن ميمون، وجميل بن زيد. والذي يترجح لدي أن البخاري - رحمه الله تعالى - صنع ما صنع في بعض التراجم من ذكر السماع ثم نقل ما يدل على نفيه حتى يسلم من النقد والاستدراك. الملاحظة الثانية: الإمام البخاري عندما يسمي تلاميذ صاحب الترجمة يقول أحياناً: "سمع منه فلان ... "، وكثيراً ما يقول: "روى عنه فلان ... "، فهل بين الصيغتين فرق في المعنى؟ ومن الواضح أن عبارة "سمع منه" نصف في السماع، ولا شك، ولكن يتوجه النظر إلى عبارة "روى عنه" فهل تفيد هذه العبارة أن سماع التلاميذ غير ثابت من صاحب الترجمة؟ للإجابة على هذا السؤال فقد راجعتُ تراجم كثيرة لأتحقق من ذلك؛ فظهر لي أن عبارة "روى عنه" ليست نصاً في عدم السماع:

стр. 96

١- فقد وجدت الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قد ذكر عبارة "روى عنه" في حق تلاميذ لا يشك في سماعهم من صاحب الترجمة، فمن ذلك: قال البخاري في ترجمة عروة بن الزبير: (روى عنه الزهري وابنه هشام) (١) . وسماع الزهري وهشام بن عروة من عروة بن الزبير لا يخفى عن أهل الحديث لاشتهاره جداً (٢) . وقال البخاري في ترجمة قتادة بن دعامة: (روى عنه هشام وشعبة وسعيد بن أبي عروبة) (٣) . واشتهار هؤلاء الثلاثة بملازمة قتادة والإكثار عنه أمر مسلم به (٤) . وقال البخاري فيترجمة نافع مولى ابن عمر: (روى عنه الزهري ومالك بن أنس وايوب وعبيد الله بن عمر) (٥) . ولا يتطرق الشك أبداً في سماع هؤلاء الأئمة الثقات مع نافع مولى ابن عمر (٦) . ٢- ووجدتُ البخاري أيضا يذكر الرجل ممن يروى عن صاحب الترجمة بقوله: "روى عنه"، ولكنه في موضع آخر من نفس كتابه التاريخ الكبير ينص صراحة على سماع من ذلك الشيخ، فمن ذلك: قال البخاري في ترجمة هارون بن أبي عيسى: (روى عنه ابنه عبد الله) (٧) . وفي ترجمة عبد الله بن هارون بن أبي عيسى قال: (سمع أباه) (٨) .

стр. 97

وقال في ترجمة قيس أبي مريم الثقفي: (روى عنه نعيم وعبد الملك ابنا حكيم) (١) . وفي ترجمة عبد الملك بن حكيم قال: (سمع أبا مريم قيسا) (٢) . وقال في ترجمة مالك بن نمير: (روى عنه عصام بن قدامة) (٣) . وفي ترجمة عصام بن قدامة قال: (سمع من مالك بن نمير) (٤) . وبما تقدم يتضح أن عبارة "روى عنه" باقية على أصل مدلولها تحتمل الوجهين: ثبوت السماع، وعدم ثبوته. وم نهنا يُعلم أن قول البخاري فيما يرويه صاب الترجمة "عن فلان" يختلف عن قوله فيما يروي عن صاحب الترجمة "روى عنه فلان". فالعبارة الأولى تدل - في الغالب - على عدم اطلاع البخاري على ما يثبت السماع. وأما العبارة الثانية فهي محتملة للوجهين معاً.

стр. 98

الفصل الثاني وسائل إثبات اللقاء والسماع عند الإمام البخاري المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع ؟ المبحث الثاني: وسائل الاحتجاج بوسائل اللقاء. المبحث الرابع: كم يكفي لإثبات اللقاء؟ المبحث الثاني: ما يقوم مقام اللقاء. المبحث الأول هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع؟ ذهب بعض أئمة الحديث والنقد إلى أنه يشترط للسند المعنعن حتى يُعد متصلاً أن يكون السماع ثابتاً بين الراوي ومن يروي عنه ولا يكتفي بمجرد اللقيا والاجتماع (١) . وذهب البعض الآخر من أئمة الحديث والنقد إلى أنه يثبت اتصال السند المعنعن بأحد أمرين: إما السماع، وإما اللقاء والاجتماع (٢) .

стр. 99

والفرق بين القولين: أن الفريق الأول لا يعد السند متصلاً إلى بثبوت السماع أما لو أن الراوي رأى أو جالس من روى عنه؛ فلا يحكم بمجرد ذلك على أن السند متصل. وأما الفريق الثاني فتوسع في الحكم على السند المعنعن بالاتصال، ولا يقتصر في ذلك على ثبوت السماع، بل يعد اللقاء والاجتماع بين الراوي ومن يروي عنه - ولو لم يأتِ ما يثبت السماع بينهما - صالحين للحكم بالاتصال أيضاً. فيكون المذهب الثاني أوسع من المذهب الأول من حيث الحكم بالاتصال على الأسانيد المعنعنة. فإلى أي الفريقين يقف البخاري؟ رجح ابن رشيد أن مذهب البخاري هو اشتراط السماع فقال: (ولقد كان ينبغي من حيث الاحتياط أن يشترط تحقق السماع في الجملة لا مطلق اللقاء. فكم من تابع لقي صاحباً ولم يسمع منه وكذلك من بعدهم، وينبغي أن يحمل قول البخاري وابن المديني على أنهما يريدان باللقاء السماع، وهذا الحرف لم نجد عليه تنصيصاً يعتمد، وإنما وجدت ظواهر محتملة أن يحصل الاكتفاء عندهما باللقاء المحقق وإن لم يذكر سماع. وأن لا يحصل الاكتفاء إلا بالسماع، وأنه الأليق بتحريهما والأقرب إلى الصواب. فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنى واحداً) (١) . ولكن ابن رجب يخالف ابن رشيد إذ يقول: (فدل كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لابد من ثبوت السماع) (٢) . والذي يترجح لي أن الصواب ما قاله الحافظ ابن رجب، فقد رأيت في كلام الإمام البخاري إثبات سماع بعض الرواة ممن يروون عنهم لأنهم رأوهم، وهذا

стр. 100

يدل على أن يشترط اللقاء بمفهومه الأوسع من مجرد السماع، وفيما يلي شواهد تدل على ذلك: ١- ذكر البخاري في ترجمة محولالدمشقي أنه سمع من واثلة بن الأسقع (١) وقد خولف في ذلك إذ جاء عن أبي مسهر أنه نفي سماع مكحول من وأثلة فقد سأله أبو حاتم: (هل سمع مكحولمن أحد من أصحاب النبي صلى الله علهي وسلم؟ قال: ما صح عندنا لا أنس بن مالك. قلت: واثلة؟ فأنكره) ؟ (٢) . ونفاه أيضاًَ أبو حاتم فقال: (محول لم يسمع من واثلة دخل عليه) (٣) . ونفاه ابو زرعة فقال: (لم يسمع مكحول من واثلة بن الأسقع) (٤) . والبخاري إنما احتج على سماع مكحول من واثلة بما قال مكحول: (دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع) (٥) ، والرواية بتمامها كما جاءت عن مكحول: (دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا أبا الاسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ فيه وهم لا تزيد ولا نسيان، قال: هل قرأ أحدكم الليلة من القرآن شيئاً؟ فقلنا: نعم وما نحن له بالحافظين جداً إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألون حفظه وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ عسى أن لا يكون سمعناها منه إلا مرة واحدة. حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى) (٦) . ٢- ذكر البخاري في ترجمة إبراهيم بن أبي عبلة أنه سمع أبن عمر (٧) .

стр. 101

وقال أبو حاتم: (رأى ابن عمر) (١) ، وقال ابن حبان ك (وقد رأى ابن عمر) (٢) ، وقال الذهبي: (وقيل: إنه أدرك ابن عمر. وإلا فروايته مرسلة) (٣) ، وقال: (أرسل عن ابن عمر) (٤) وقال العلائي: (وذكر في التهذيب أنه روى عن ابن عمر ﵄، ولم يدركه بل هو مرسل) (٥) ، وحكم الحافظ أبو نعيم الأصبهاني بأن رواية إبراهيم عن ابن عمر مرسلة (٦) ". جميع هؤلاء الأئمة الخمسة لم يثبتوا السماع لإبراهيم من ابن عمر، وفي قول أبي حاتم وابن حبان إشارة بأنه لم يصح عندهما سماع إبراهيم من ابن عمر، وإلا لقالا: سمع أو قالا روى عن ابن عمر. وبعد والفحص والتفتيش عن مرويات إبراهيم بن أبي عبلة عن ابن عمر وقفت على هذين الحديثين: (عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: رأيت ابن عمر يحتبي يوم الجمعة، والإمام يخطب، فيخفق الخفقات وهو محتب) (٧) . (عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: رأيت عبد الله بن عمر يؤثر على راحلته) (٨) . وليس في هذين الحديثين إلا إثبات الرؤية فقط ولم يرد ما يدل على السماع، وأغلب ظني أن البخاري أثبت سماع إبراهيم من ابن عمر لمجرد الرؤية. ومما يزيد ظني قوة أني وجدت إبراهيم بن أبي عبلة يدخل بيته وبين أبي عمر رجلين في بعض الأسانيد فيروي أحاديث ابن عمر من طريق ابن شهاب عن سالم

стр. 102

عن ابن عمر (١) ، فلو كان قد جالس ابن عمر كثيراً ما احتاج لينزل في حديثه عنه إلى هذه الدرجة، وبهذا يعلم أنه التقى بابن عمر ورآه ولكن لم يرد ما يثبت أنه سمع منه. ٣- أخرج البخاري في "القراءة خلف الإمام" حديثاً من طريق زارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين أن رجلاً صلى خلف رسول الله ﷺ فقرأ بسبح اسم ربك الأعلى ... الحديث. ثم إن البخاري أخرج بعد هذا الحديث مباشرة: (عن زرارة قال: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز) (٢) . ثم رجع فساق الحديث الأول بخمسة أسانيد عن زرارة عن عمران وليس فيها التصريح بالسماع. ولا أجدُ تفسيراً لصنيع الإمام البخاري إلا أنه أراد إثبات أن زرارة قد لقي عمران بن حصين ﵁ لاسيما وأن موضوع الكتاب كله عن مسألة القراءة خلف الإمام، وليس ثمة علاقة بين لبس الخز وموضوع الكتاب ألبته، فلا يبقى إلا القول بأن الإمام البخاري ساق ذلك الأثر ليقرر أن زارة بن أبي أوفي لقي عمران بن حصين ﵁، ومما يزيد الأمر قوة أن سماع زرارة من عمران غير معروف بنص بعض أهل العلم فقد قال الغمام أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي (٣) : (لا يعرف سماع زرارة من عمران بن حصين، وإنما يعرف سماعه من أبي هريرة وعبد الله بن سلام) (٤) .

стр. 103

والإمام البخاري هنا احتج بالرؤية على إثبات اللقاء الذي هو شرطه في الاحتجاج بالحديث المعنعن. ٤- ذكر البخاري ﵀ في التاريخ الكبير عند ترجمته لمسروق بن الأجدع أنه: رأى أبا بكر وعمر (١) ولكنه قال في التاريخ الصغير: (سمع من أبي بكر وعمر ﵄ (٢) . فأثبت له السماع مع أن مسروقاً لم يثبت له عنما إلا الرؤية، قال علي بن المديني: (وصلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعلياً، ولم يرو عنهم شيئاً) (٣) . ٥- رأيت شيخ الإمام البخاري علي بن المديني يستخدم لفظ اللقيا كثيراً في كتابه "العلل" عند إثباته سماع الرواة من شيوخهم مما يدل على أنه لا يشترط السماع فقط وإنما اللقاء، فمن ذلك: قوله: (حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ (٤) . والملاحظ هنا أنه فرق بين سماع حبيب من ابن عباس، وسماعه من عائشة، فقال علي بن المديني في رواية حبيب عن ابن عباس بأنه "لقي" وقال في رواية حبيب عن عائشة بأنه "سمع"، ثم سمى اللقاء سماعاً في قوله: (ولم يسمع من غيرهما) . وقال ابن المديني: (سالم بن أبي الجعد قد لقي عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، لقى جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير، ورأى أنس بن مالك) (٥) .

стр. 104

وقد ذكر البخاري في ترجمة سالم بن أبي الجعد أنه سمع أنساً (١) ، مع أن ابن المديني لم يذكر إلا الرؤية فقط، فهذه قرينة تضاف على ما تقدم. وقال ابن المديني: (زياد (٢) لقي سعداً عندي وكان كبيراً) (٣) ، واستخدم لفظ اللقاء في مواضع أخر عديدة (٤) . وتأثر البخاري بأستاذه وشيخه على بن المديني لا يخفى على فطن، فإذا كان علي بن المديني يرى أن اللقاء يكفي للاحتجاج بالسند المعنعن فغالب الظن أن البخاري كذلك يرى مثل ما يراه شيخه لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار كل ما تقدم من شواهد. ومما يؤيد - بل يكاد يقطع - بأن مذهب البخاري وابن المديني في الاحتجاج بالحديث المعنعن اشتراط اللقاء أو السماع ما نقله الإمام مسلم عندما حكى قول خصمه فقال: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كان في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنه لا نعلم له منه سماعاً، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء ي المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعداً، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقهما) (٥) . ولعل قائلاً يقول: إذا كان البخاري يكتفي للإحتاج بالحديث المعنعن بمجرد اللقاء فلماذا استخدام لفظ "السماع" ولم يستخدم لفظ "اللقاء" في مثل قوله: "فلان سمع فلاناً وفلاناً"، وفي نقده للأحاديث التي لم يثبت فيه السماع

стр. 105

كقوله: "لا يعرف لفلان سماع من فلان؟ ". هذا الكلام صحيح فالبخاري اختار لفظ "السماع" واستخدمه كثيراً، ولكن وربما لأن إثبات اللقاء أكثر ما يكون بوجود التحديث والسماع في الأسانيد، وهذا هو الغالب الأعم أن معرفة البقاء أكثر ما يكون بوجود التحديث والسماع في الأسانيد، وهذا هو الغالب الأعم أن معرفة اللقيا تكون بورود التصريح بالتحديث في الأسانيد، فيكون استخدام الإمام البخاري للفظ السماع من باب التغليب وأن الحكم للأغلب، والله تعالى أعلم. المبحث الثاني وسائل إثبات اللقاء وسائل إثبات اللقاء هي الأمور التي يحكم بسببها الناقد محتجاً بها على سماع رجل من رواة الحديث من رجل آخر، وهذه الأمور هي: أولاً: التصريح بالسماع في السند. ثانياً: ثبوت اللقاء في قصة أو حادثة مرورية. ثالثاً: ورود ألفاظ غير صريحة في اللقاء ولكنها قرائن قوية على وقوعه. وسأذكر أمثلة توضيحية على كل وسيلة من وسائل الإثبات هذه فيما يلي: أولاً: التصريح بالسماع في السند: إذا ورد في سند من الأسانيد - التي تصلح للاحتجاج - أن فلاناً قال: سمعت فلاناً، أو حدثني، أو حدثنا، أو قال لي، أو أخبرنا، ونحو ذلك من العبارات الدالة على السماع، فإن ذلك يحتج به على أن السماع ثابت وصحيح، فكل ما جاء بمثل ذلك السند عن الشخصين نفسيهما بالعنعنة فإنه يعد متصلاً وصالحاً للاحتجاج ما لم يحل دون ذلك مانع من الموانع القادحة كالتدليس ونحوه. وهذه الوسيلة هي الأكثر استخداماً في إثبات الاتصال في السند المعنعن، فأغلب إثبات السماع واللقاء إنما تكون من خلال التسريح بالسماع أو التحديث في السند ومن الأمثلة على هذا في كلام الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -.

стр. 106

١- سأل الترمذي الإمام البخاري: (محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال نعم روى مخزمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر قال: سمعت عائشة) (١) . ٢- ساق الإمام البخاري حديثاً من طريق الحسن البصري وفيه: (فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكر يقول: رأيت رسول الله صلى الله علهي وسلم على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه - وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن أبني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظمتين من المسلمين". قال أبو عبد الله: قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث" (٢) . فالبخاري اقر ورضي قول شيخه علي بن المديني في أن تصريح الحسن بالسماع من ابي بكرة في هذا الحديث هو الذي أثبت سماعه منه. والأمثلة على هذا كثير، ولكن لوضوح الأمر واشتهاره أكتفي بهذين المثاليين. ثانياً: ثبوت اللقاء في قصة أو حادثة مرورية: يحدث أحياناً أن راوياً يحدث عن شيخ بعدة أحاديث ولا يوجد في أسانيده ما يدل على سماعه في الشيخ، ولكن يأتي في خبر ما إثبات لحصول الالتقاء بينهما، ويكون هذا من خلال قصة أو حادثة تروى، فتحصل الفائدة بأنهما قد ألتقيا لذا يحتاج بما ورد من طريقهما من أحاديث معنعنة، والإمام البخاري - رحمه الله تعالى - كما قد تقرر في المبحث السابق يثبت الاتصال عنده إمام بالسماع أو اللقاء، ومن الأمثلة على الاعتماد البخاري على وسيلة الإثبات هذه ما يلي: ١- أخرج البخاري من طريق (عبد الله بن عثمان بن خثيم المكي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه: أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا ... مع أبي.

стр. 107

قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه. وحديث ابن خثيم أولى عندي) (١) . يشير الإمام البخاري هنا إلى أن ما في حديث ابن خيثم من أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قد ذكر أنه حضر تلك الحادثة مع أبيه مثبت لسماعه من أبيه - عند البخاري-، ومقدم على قول شعبة من أن عبد الرحم لم يسمع من أبيه. والمتأمل في هذا النص لا يقف فيه على سماع عبد الرحمن من أبيه عبد الله بن مسعود، ولكن يجد فيه أنه حضر مع والده تلك الواقع، واحتاج البخاري على سماع عبد الرحمن من أبيه بهذا الحديث. ٢- سأل الترمذي الإمام البخاري: (أبو الزبير سمع عائشة وابن عباس؟ قال: أما ابن عباس فنعم؟ وإن في سماعه في عائشة نظرا) (٢) . وأبو الزبير المكي روى عن ابن عباس مباشرة أحاديث قليلة جداً وليس فيها سماع، وإنما ثبت سماعه من ابن عباس في حديث يرويه أبو الزبير عن ابي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري والحديث كما ورد: (عن أبي الزبير الملكي قال: سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي بالدينار بالدينارين، فقال ابو أسيد وأغلظ له في القول، فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحداً يعرف قرابتي من رسول الله يقول ليمثل هذا يا ابا أسيد.. الحديث) (٣) . والبخاري إنما أثبت سماع أبي الزبير من ابن عباس لهذا الحديث الذي شهد فيه أبو الزبير هذه المناظرة رغم أنه لم يأت سماع صحيح من أبي الزبير فيما يرويه عن ابن عباس من أحاديث، ولعل هذا ما جعل سفيان بن عيينة يقول: (يقولون أبو

стр. 108

الزبير المكي لم يسمع من ابن عباس) (١) ، وأبو حاتم الرازي يقول: (أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية) (١) . وقد تقدم في المبحث الأول من هذا الفصل عدة شواهد تندرج تحت وسلة الإثبات الثانية المعنونة بإثبات اللقاء في قصة أو حادثة مرورية، فأغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا. وقد ذكر مسلم - رحمه الله تعالى - الوسيلتين السابقتين أثناء عرضه لقول مخالفه إذا قال: (إن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعداً، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما مرة من دهرهما، فما فوقها) (٢) . وبقي وسيلة لم يذكر مسلم، وليس ذلك إلا لندرتها، ولكون الوسلة الأولى، والثانية أكثر في الاستخدام والتطبيق منها، وسنتحدث عنها الآن. ثالثاً: ألفاظ غير صرحية في اللقاء ولكنها قرائن قوية على وقوعه: وجدت في بعض الأحايين أحاديث صححها البخاري، ولم يثبت لبعض رواتها السماع من البعض الآخر، ولا يوجد للبخاري كلام في ثبوت السماع لرواة تلك الأحاديث، ولا حتى كلام في تفسير ما صنع، ولكن التأمل في هذه الأحاديث يقودنا إلى الاستنباط إلى أن البخاري إنما صحح تلك الأحاديث لوجود قرائن قوية تدل على وقوع اللقاء بين بعض رواة السند من بعضهم الآخر، ولا أدعي أن الشواهد التي سأسوقها هي محل اتفاق، فالأمر اجتهادي ولا يخرج عن حدود الاستنباط، ولم ينم إلى علمي أن احداً ذكر هذه الوسيلة ضمن وسائل إثبات اللقاء عند البخاري أو علي بن المدين، مما جعلني أتردد وأفكر في إلغاء هذا الجزء من مبحث وسائل إثبات اللقاء، ولكن رأيت أن الإقدام خير من الإحجام، وأن المصلحة في كتابة هذا الجزء راجحة مع ما قد يستعرض له من نقد، وفيما يلي شواهد على هذه الوسلة: ١- أخرج البخاري في صحيحه من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن

стр. 109

عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ("خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، قال (١) : وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عُثمان حتى كان الحجاج، قال (٢) : وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا) (٣) . وثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال (لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان) (٤) ، وكذا قال يحيى بن معين (٥) ، ولم يُنكر الإمام أحمد قول شعبة (٦) ، وأما أبو حاتم فأجاب على من سأله (سمع من عثمان بن عفان؟ قال: روى عنه ولا يذكر سماعاً) (٧) . فلماذا صحَّح البخاري الحديث إذا كان يخالف شرطه في الاحتجاج بالسند المعنعن؟ . قل يُقال لعل البخاري وقف على طريقٍ للحديث نفسه فيه تصريح أبي عبد الرحمن السلمي بالسماع من عثمان ﵁، ولكن الواقع أن الحافظ ابن حجر ذكر في شرحه على صحيح البخاري أنه لم يجد التصريح بالحديث عن طريقٍ يعتمد عليه وذلك خلال مناقشته لقول شعبة السابق، فقد قال (قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عدي (٨) في ترجمة عبد الله بن محمد بن محمد بن أبي مريم من طريق

стр. 110

ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي عبد الرحمن حدثني عثمان، وفي إسناده مقال) (١) . إذن على ماذا استند الإمام البخاري في تصحيحه لاتصال هذا الحديث؟ أجاب الحافظ ابن حجر في قوله: (ظهري لي أن البخاري اعتمد في وصله، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان ﵁، ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره (٢) ، فكان هذا أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه) (٣) . وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن البخاري اعتمد في تصحيحه لهذا الحديث على لفظٍ غير صحيح في إثبات اللقاء، ولكنه قرينة قوية، بالإضافة إلى قرينة أخرى هي ما اشتهر عند القراء من أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ القرآن على عثمان، وإن كان في أسانيد أخبار قراءة السلمي على عثمان ضعف ووهن (٤) والمحفوظ عن عاصم بن أبي النجود أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ على علي ﵁، بل سند عاصم في القراءة هكذا: (عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن
следующие страницы →