← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لذلك الثقة رواية عن ذلك الشيخ فيما رواه الثقات والمتقنون من أصحاب ذلك الثقة فيستفاد من تشكك البخاري في السماع أن فلانًا لا تعرف له رواية أو سماع من فلان مما يدل على وهن رواية هذا الراوي الضعيف. والله أعلم. ب - ثقات معاصرتهم محتملة لمن تكلم في سماعهم منه: والمقصود هنا باحتمال المعاصرة: عدم توفر دليل يثبتها أو ينفيها فيكون احمالها وارد كما أن عدمها وارد أيضًا فيبقى الأمر في دائرة الاحتمالات وجودًا وعدمًا، والرواة الذين تنطبق عليهم صفات هذا القسم هم: ١- ... بكير بن عبد الله الأشج. ذكره البخاري ممن روى عن حمران بن أيان ولم يذكر سماعًا (١) . وهو ثقة بالاتفاق (٢) ، ولم تذكر له المصادر تاريخ ولادة، واختلف في تاريخ وفاته ولكن قال الذهبي: (الصحيح أنه توفي سنة سبع وعشرين ومائة) (٣) . وقال الذهبي: (معدود في صغار التابعين لأنه روى عن السائب بن يزيد، وأبي أمامة بن سهل) (٤) ، وقال أبوعبد الله الحاكم: (وطبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة) (٥) ثم قال: (ويكبر بن عبد الله الأشج لم يثبت سماعه من عبد الله بن الحارث بن جزء، وإنما رواياته عن التابعين) . وعلى فرض أن بكيرًا سمع من السائب بن يزيد ﵁، - وهو من صغار الصحابة -، فإنه مات سنة إحدى وتسعين على الصحيح (٦) من الأقوال،

стр. 212

وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة (١) . وعلى فرض أن بكيرًا سمع من أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصار، - وهو ممن له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ ، فإن أبا أمامة مات سنة مائة (٢) . فمعاصرة بكير لحمران لا يوجد ما يؤكدها أو يثبتها وذلك لأن حمران بن أبان مات في قول أكثر أهل العلم سنة خمس وسبعين، وقيل ست وسبعين (٣) ، فلا أدري هل عاصر حمران بن أبان أم لا؟! وقد أخرج مسلم له عن حمران كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الخامس من الباب الثالث. ٢- ... سمعان بن مشنج. قال البخاري في حديثه عن سمرة بن جندب: (لا نعلم لسمعان سماعًا من سمرة) (٤) . وسمعان كوفي وثقة العجلي (٥) وابن حبان (٦) وابن ماكولا (٧) ، وقال ابن حجر: (صدوق) (٨) ، وقد قال ابن معين في الشعبي: (إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة) (٩) . والشعبي تفرد بالرواية عن سمعان، وقد قال ابن ماكولا: (ليس له غير حديث واحد) . لم أجد ما يدل على أن سمعان بن مشنج قد عاصر سمرة بن جندب ﵁، وإن كان الأمر محتمل، لكن لا نستطيع إثباته فتبقى المعاصرة هنا محتملة وغير مؤكدة.

стр. 213

٣- ... عبد الله بن بريدة. قال البخاري في روايته عن سليمان بن الربيع العدوي: (ولا يعرف سماع قتادة من ابن بريدة (١) ، ولا ابن بريدة من سليمان) (٢) . وعبد الله بن بريدة ولد في السنة الخامسة عشر للهجرة (٣) ، وأما سليمان بن الربيع فلم تذكر سنة وفاته (٤) وليس له راويًا إلا عبد الله بن بريدة وقد ورد في سند (٥) تصريحه بالسماع من عمر بن الخطاب ولكن السند ضعيف فيه عنعنة قتادة وهو مدلس. ومعاصرة ابن بريدة لسليمان بن الربيع محتملة ولكن ليست يقينية لأن تاريخ وفاة ابن الربيع مجهولة فلربما مات في زمن عمر ﵁ حيث كان عبد الله بن بريدة صغيرًا، كما يحتمل أنه عاش زمنًا ليدركه فيه عبد الله بن بريدة فكلا الأمرين على الاحتمال ولا مرجح لأحدهما. ٤- ... عبد الله بن سراقة الأزدي قال البخاري في حديثه عن أبي عبيدة بن الجراح: (لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (٦) . وتوفي أبوعبيدة ﵁ في السنة الثامنة عشر للهجرة (٧) . وأما عبد الله بن سراقة فلم يرد في ترجمته تاريخ ولادة، ولا تاريخ وفاة، ولم يرو عنه إلا عبد الله بن شقيق العقيلي فقط، ورغم ذلك وثقه يعقوب بن شيبة (٨) والمفضل الغلابي (٩) والعجلي (١٠) وابن حبان (١١) ، وقال ابن حجر: (وثقه العجلي، وقال

стр. 214

البخاري: لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (١) . وأما من لم يوثقه فالعقيلي ذكره في ضعفائه (٢) ، والذهبي قال فيه: (لا يعرف) (٣) وقال أيضًا: (ولا روى عنه سوى عبد الله بن شقيق العقيلي) (٤) . وهناك صحابي اسمه عبد الله بن سراقة العدوي يشتبه اسمه باسم الأزدي مما جعل بعض العلماء يظنهما واحد، ولكن الذي رجحه عدد من المحققين أنهما اثنان - قال ابن حجر -: (الحق أنهما اثنان، وقد عزاه المصنف (٥) للأكثرين (٦)) . والتفريق بينهما هو رأي البخاري كما صرح بذلك ابن عساكر حيث يقول: (فلو كان ابن سراقة هذا عند البخاري هو العدوي لم يقل لا يعرف له سماع من أبي عبيدة فإن عبد الله بن سراقة العدوي صحابي شهد هو وأبوعبيدة بن الجراح جميعًا بدرًا مع رسول الله ﷺ في قول محمد بن إسحاق بن يسار، وقال غيره من أصحاب المغازي: لم يشهد بدرًا ولكنه شهد أحدًا) (٧) . إذا تقرر هذا وعلمأن الراجح هو أن عبد الله بن سراقة هنا في سند حديث أبي عبيدة ﵁ ليس بصحابي، فلا يدري هل عاصر أبا عبيدة أم لا؟ لعدم توفر ما يثبت المعاصرة لاسيما وأن أبا عبيدة ﵁ قديم الوفاة. وقد جاء من طريق فيه نظر أن عبد الله بن سراقة قال: "خطبنا أبوعبيدة في الجابية ... الحديث" أخرج هذا يعقوب بن شيبة (٨) في مسنده من طريق علي بن عاصم أخبرني خالد الحذاء حدثني عبد الله بن شقيق العقيلي حدثني عبد الله بن سراقة الأزدي قال: "خطبنا أبوعبيدة بن الجراح بالجابية ... ".

стр. 215

وقد روى شعبة بن الحجاج (١) وحماد بن سلمة (٢) هذا الحديث عن خالد الحذاء وبنفس السند ولم يذكرا هذه الزيادة، وإنما تفرد بها علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، وأكثر النقاد على تليينه، فقد قال شعبة: (لا تكتبوا عنه) (٣) ، وقال يحيى بن معين: (علي بن عاصم كذاب ليس بشيء) (٤) ، وقال أحمد بن حنبل: (كان يغلط ويخطيء، وكان فيه لجاج، ولم يكن متهمًا بالكذب) (٥) ، وقال علي بن المديني: (كان علي بن عاصم كثير الغلط، وإذا رد عليه لم يرجع) (٦) ، وقال النسائي: (متروك) (٧) ، وقال البخاري: (وليس بالقوي عندهم) (٨) وقد ساق البخاري حادثة تدل على أن عليًا كان يحدث عن خالد الحذاء ما ليس من حديثه. قال البخاري: (وقال وهب بن بقية سمعت يزيد بن زريع قال حدثني علي عن خالد ببضعة عشر حديثًا فسألنا خالدًا عن حديث فأنكره ثم آخر فأنكره ثم ثالث فأنكره فأخبرناه فقال: كذاب فاحذروه) (٩) . وفي موضع آخر علق البخاري على هذه

стр. 216

الحادثة بعد أن ذكرها بقوله: (أما أنا فلا أكتبه - يعني حديث علي بن عاصم -) (١) . وقد جاء تعيين خالد بأنه الحذاء في رواية أخرى عن يزيد بن زريع رواها محمد بن المنهال (٢) عنه، وقد ذكر ليحيى بن معين حديث يرويه علي عن خالد الحذاء فقال يحيى: (ما رأى هذا خالدًا - يعني عليًا -) (٣) . وقال ابن عدي: (يروي عن خالد الحذاء قدر ثلاثين حديثًا أو أكثر لا يرويها غيره عن خالد) (٤) ثم قال: (أنكر الناس على علي بن عاصم حديث ابن سوقة هذا ورواياته عن خالد الحذاء) . والراجح في شأن علي بن عاصم أنه صدوق وليس بكذاب ولكنه كثير الخطأ والوهم مع الإصرار على خطئه وقد نفى عنه تهمة الكذب الإمام أحمد بن حنبل فقد قال: (ولم يكن متهمًا بالكذب) (٥) ، وكذلك عمرو بن علي الفلاس قال: (علي بن عاصم فيه ضعف، وكان إن شاء الله من أهل الصدق) (٦) ، وقال صالح جزرة: (علي بن عاصم ليس هو عندي ممن يكذب، ولكن يهم، وهو سيء الحفظ كثير الوهم) ، وقال يعقوب بن شيبة بعد أن ذكر مآخذ النقاد على علي بن عاصم: (وقد كان - رحمة الله علينا وعليه - من أهل الدين والصلاح والخير البارع، شديد التوقي وللحديث آفات تفسده) (٧) ، وهذا الذي رجحه الذهبي بقوله: (وهو مع ضعفه، في نفسه صدوق) (٨) والحافظ ابن حجر بقوله: (صدوق يخطيء

стр. 217

ويصر) (١) . وبما تقدم ذكره يتبين خطأ الشيخ أحمد شاكر عندما رد على الإمام البخاري عند قوله في ابن سراقة: (لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) فقال: (لكن في التهذيب ٥: ٢٣١ أن يعقوب بن شيبة رواه في مسنده بلفظ: "خطبنا أبوعبيدة بالجابية" فهذا يدل على السماع، وهو كاف في إثباته) (٢) . ومثل هذا لا يخفى على إمام الدنيا في عصره أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري لكنه لم يعتد بذلك لضعف علي بن عاصم الذي تفرد بهذه الزيادة عن خالد الحذاء وقد ثبت أنه في حديث الحذاء بالذات ضعيف جدًا. وبمثل هذا المقام يظهر فضل علم البخاري على غيره. ٥- ... عبد الله بن معبد الزماني. روى عن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁، فقال البخاري في ذلك: (لا يعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة) (٣) . وأبوقتادة اختلف في وفاته فقيل مات سنة ٣٨هـ وهذا هو الراجح (٤) وظاهر صنيع البخاري يدل على أنه مات بعد الخمسين فقد ذكر أبا قتادة في فصل من مات بين الخمسين والستين (٥) . وأما عبد الله بن معبد فلم يذكر له تاريخ ولادة ولا تاريخ وفاة على وجه الدقة واليقين إلا أن الذهبي قال: (مات قبل المائة) (٦) ، ولم يبين حجته في هذا وأظنه قال ذلك تخمينًا وتقريبًا لأني لم أجد أحدًا من العلماء ذكر لابن معبد تاريخ

стр. 218

وفاة، وقد نص أبوزرعة على أن ابن معبد: (لم يدرك عمر) (١) ، فمعاصرة عبد الله معبد لأبي قتادة محتملة ولكن لا دليل عليها، ولا نستطيع تأكيدها والقطع بتحققها هذا بالنسبة إلى ما بلغه علمي، وإلا فقد احتج مسلم بعبد الله بن معبد عن أبي قتادة ومقتضى ذلك أن يكون الإمام مسلم قد علم معاصرته لأبي قتادة. وعبد الله بن معبد وثقه النسائي (٢) والعجلي (٣) وابن حبان (٤) وابن البرقي (٥) وابن حجر (٦) ، وذكره العقيلي (٧) وابن عدي (٨) في الضعفاء اعتمادًا على قول البخاري السابق في سماعه من أبي قتادة، والراجح فيه أنه ثقة. ٦- عمرو بن دينار. روى عن شيخ اسمه سميع حديثًا أخرجه البخاري في تاريخه الكبير ثم قال: (لا يعرف لعمرو سماع من سميع) (٩) . وعمرو بن دينار متفق على ثقته وإمامته (١٠) ، وقد ولد تقريبًا بعد سنة خمسين للهجرة وتوفي سنة خمس وعشرين ومائة أو ست وعشرين ومائة وقد تجاوز السبعين. ولم يسمع من أبي هريرة والبراء بن عازب (١١) . وسميع شيخ مجهول تقدم ذكره في المجهولين، ولا يدري من أمره شيء، واحتمال معاصرة عمرو بن دينار لسميع غاير مستبعد، ولكن لم نجد ما يثبت ذلك. ٧- يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري. روى عن سعيد بن أبي مريم حديثًا وليس هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم الثقة المشهور بل

стр. 219

هو رجل آخر يحمل نفس الاسم وليس له راو إلا يحيى بن إسحاق فقط (١) . قال البخاري: (ولا يعرف أن يحيى سمع سعيدًا أم لا؟) (٢) . ويحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة (٣) ، ولم يذكر في ترجمته أي تاريخ للولادة أو الوفاة، وقد قال أبوحاتم الرازي: (لم يدرك يحيى ولا إسحاق البراء بن عازب) (٤) ، والبراء ﵁ مات سنة ٧٣هـ (٥) . فإذا كان أبويحيى لم يدرك البراء فهذا يدل على أنه لم يكن مميزًا في حياته، وأما سعيد بن أبي مريم فرجل لا يعرف كما تقدم في قسم المجاهيل ولا يدري عن تاريخ حياته شيء، فالمعاصرة مجهولة بين يحيى بن إسحاق وسعيد وإن كنا لا نملك دليل قاطع على عدم المعاصرة أو الانقطاع فتبقى المعاصرة محتملة. ٨- ... أبوعبد الله الجدلي، روى عن خزيمة بن ثابت حديثًا في المسح على الخفين، فقال البخاري: (لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح، لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت) (٦) . واسم أبي عبد الله عبد بن عبد (٧) ، وقيل: عبد الرحمن بن عبد (٨) ، وثقه

стр. 220

أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (١) ، وابن حبان (٢) ، والعجلي، والذهبي (٣) ، وابن حجر (٤) . وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: (أبوعبد الله الجدلي ليس متروكًا) (٥) ، ونقل عن الإمام أحمد رواية أخرى في شأن أبي عبد الله الجدلي فقد قال المروذي: (سألته عن أبي عبد الله الجدلي فقال قولاً لينًا) (٦) ، وقال الجوزجاني: (وكان أبوعبد الله الجدلي صاحب راية المختار) (٧) طاعنًا عليه بذلك، وقال ابن سعد: (ويستضعف في حديثه، وكان شديد التشيع، ويزعمون أنه كان على شرطة المختار) (٨) ، وقال الشافعي ﵀: (كان على راية المختار) (٩) ، وقال ابن حزم: (أبوعبد الله الجدلي هو صاحب راية الكافر المختار لا يعتمد على روايته) (١٠) ، وقال الذهبي: (شيعي بغيض) (١١) . ومن الثابت المستفيض عند أهل العلم والأخبار أن أبا عبد الله الجدلي كان مواليًا للمختار بن أبي عبيد الثقفي ومن المقربين إليه (١٢) . والمختار بن أبي عبيد الثقفي هذا قال عنه الذهبي: (المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب الذي خرج

стр. 221

بالكوفة وتتبع قتلة الحسين يقتلهم. قال النبي ﷺ : "يكون في ثقيف كذاب ومبير" (١) . فكان أحدهما المختار كذب على الله وادعى أن الوحي يأتيه، والآخر: الحجاج) (٢) . فالمختار صاحب بدعة مكفرة، وأبوعبد الله الجدلي ممن حمل السيف للدفاع عنه، وفي هذا ما يثلم العدالة. ولكن لما جاء توثيق أبي عبد الله الجدلي من قبل إمامين ثبتين هما يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل أضحى من غير اللائق الطعن في عدالة الجدلي، لاسيما وأن هناك احتمالاً قويًا بأن يكون قد تأول فيما عمل، ولم يعلم بحقيقة المختار بن أبي عبيد الثقفي، إنما أظهر الخروج لأخذه بثأر الحسين بن علي ﵄، والانتصار له من قتلته، وقد طعن أبومحمد بن حزم في أبي الطفيل (٣) ، ورد روايته بكونه كان صاحب راية المختار أيضًا، مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة، ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره، فرد رواية الصاحب والتابع الثقة بذلك باطل) (٤) . وقال ابن حجر في شان أبي الطفيل وأبي عبد الله وموالاتهما للمختار: (ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله) (٥) فالقول بتوثيق الجدلي هو المترجح إن شاء الله، لاسيما وأن المتقدمين لم يذكروه في كتب الضعفاء كالبخاري والنسائي، والعقيلي، وابن عدي، وقد صحح حديثه الترمذي (٦) وابن حبان (٧) ، والحاكم (٨) ،

стр. 222

وغيرهم. وأما معاصرته لخزيمة بن ثابت فلا يمكننا الجزم بها وإن كانت محتملة، وذلك لأن أبا عبد الله الجدلي لم تذكر له المراجع تاريخ ولادة أو نشأة تدل على أنه أدرك خزيمة بن ثابت ﵁، وخزيمة قتل في صفين سنة سبع وثلاثين (١) . ووجدت أبا عبد الله روى عن سلمان الفارسي (٢) ، وأبي مسعود الأنصاري (٣) ﵄، ولكن لم يصرح بسماعه منهما، ولو سمع من أحدهما لثبتت معاصرته لخزيمة ﵁، ذلك لأن سلمان الفارسي ﵁ مات سنة أربع وثلاثين (٤) ، وأبا مسعود، مات قبل الأربعين وقيل بعدها (٥) . وقد وجدت سماع أبي عبد الله الجدلي من معاوية (٦) بن أبي سفيان ﵄، ومن أم المؤمنين عائشة (٧) ﵂، ومن أم المؤمنين أم سلمة (٨) ﵂. ولكن وفياتهم متأخرة عن وفاة خزيمة ﵁؛ فمعاوية ﵁ مات سنة اثنتين وستين (٩) ، وعائشة ﵂ ماتت سن سبع وخمسين (١٠) ، وأم سلمة ﵂ ماتت سنة اثنتين

стр. 223

وستين (١) ، وسماعه من هؤلاء الصحابة ﵃ لا يدل على معاصرته لخزيمة بن ثابت ﵁ لأن خزيمة مات قبل هؤلاء بعشرين عامًا أو أكثر. والذي أراه راجحًا أن معاصرة أبي عبد الله الجدلي لخزيمة بن ثابت محتملة وغير مستبعدة. ج - ثقات معاصرتهم ثابتة لمن تكلم في سماعهم منه: ١- ... زيد بن أسلم. ذكره البخاري فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (٢) . وزيد بن أسلم مجمع على ثقته (٣) ، ولم يذكر له تاريخ ميلاد، إلا أنه عاصر حمران بن أبان لأن زيدًا ثبت أنه سمع من ابن عمر (٤) ، وابن عمر مات قبل حمران فقد توفي سنة ثلاث وسبعين (٥) ، وأما حمران بن أبان فقد مات سنة خمس وسبعين (٦) ، وقال ابن قانع: وفاته سنة ست وسبعين (٧) ، وقال الذهبي: (طال عمره وتوفي سنة نيف وثمانين) (٨) ، ولم يستدل الذهبي على قوله هذا، وفيه نظر. فمعاصرة زيد بن أسلم لحمران ثابتة لاشك فيها، وكلاهما من المدينة. إلا أن حمران بن أبان قد نزح من المدينة في زمن عثمان بن عفان ﵁ واستوطن البصرة واتخذ بها أموالاً (٩) واحتمال التقائهما وارد ولكنه ليس

стр. 224

بالقوي، وقد ذكر مسلم في صحيحه حديث زيد بن أسلم عن حمران كما سيأتي في الفصل الخامس من الباب الثالث. ٢- ... سليمان بن بريدة. قال البخاري في ترجمة سليمان: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) (١) . وسليمان ثقة بالاتفاق، ولد سنة خمس عشرة، ومات سنة خمس ومائة (٢) وأدرك من حياة والده بريدة بن الحصيب ﵁ نحوًا من ثمان وأربعين سنة لأن بريدة ﵁ مات سنة ثلاث وستين (٣) . وقد روى عن أبيه كثيرًا، ولم أر له ولو حديثًا واحدًا يصرح فيه عن أبيه بالتحديث، وقد فتشت عن هذا قدر طاقتي فأعياني أمره، وها هو أمير المؤمنين في الحديث يؤكد ذلك، ولعل غرابة هذا الأمر هي التي دعت البخاري للكلام في سماع سليمان من أبيه، وجعلت إبراهيم الحربي يجزم بأن عبد الله وسليمان لم يسمعا من أبيهما (٤) . واحتمال اللقاء بينهما يكاد يقطع به لقوته. ٣- ... عبد الله بن محمد بن عقيل. قال البخاري: (إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟) (٥) . عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وقد تكلم في ضبطه عدد كبير من النقاد (٦) ، إلا أنه ليس بضعيف مطلقًا وذلك لأن بعض الأئمة قد احتجوا ببعض حديثه. قال إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل البخاري: (رأيت أحمد بن

стр. 225

حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديثه، وهو مقارب الحديث) (١) . وقد صحح الإمام أحمد بن حنبل (٢) حديثًا لعبد الله بن محمد بن عقيل، وحسن البخاري (٣) أيضًا لابن عقيل، وصحح الترمذي (٤) لابن عقيل عدة أحاديث، وحسن له الذهبي (٥) أيضًا. وقال عمرو بن علي الفلاسي: (رأيت يحيى، وعبد الرحمن يحدثان عنه، والناس يختلفون عليه) (٦) ، وقال الحاكم: (مستقيم الحديث) (٧) ، وقال ابن عبد البر: (هو أوثق من كل من تكلم فيه) ، وقال الذهبي: (مستقيم الحديث) (٨) ، وقال: (حسن الحديث احتج به أحمد وإسحاق) (٩) ، وقال: (حديثه في مرتبة الحسن) (١٠) . وقال ابن القيم مدافعًا عن ابن عقيل: هو عبد الله بن محمد بن عقيل ثقة صدوق، لم يتكلم فيه بجرح أصلاً، وكان الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وإسحاق بن راهوية يحتجون بحديثه، والترمذي يصحح له، وإنما يخشى من حفظه إذا انفرد عن الثقات أو خالفهم. أما إذا لم يخالف الثقات ولم ينفرد بما ينكر عليه فهو حجة) (١١) .

стр. 226

والراجح في ابن عقيل أنه مقارب الحديث كما قال البخاري أي ليس بالثقة المتقن ولا بالضعيف الساقط هو في مرتبة متوسطة ويحتج ببعض حديثه. وأما معاصرة عبد الله بن محمد بن عقيل لإبراهيم بن محمد بن طلحة فهي ثابتة لا ريب فيها، لأن إبراهيم مات سنة عشر ومائة (١) ، وذكر ابن حجر أنه ولد سنة ست وثلاثين (٢) . وعبد الله بن محمد بن عقيل صرح الإمام البخاري (٣) بأنه سمع من ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن عمر توفي سنة ثلاث وسبعين (٤) ، وجابر بن عبد الله توفي بعد السبعين (٥) . فيكون ابن عقيل أدرك من حياة إبراهيم أكثر من أربعين سنة، ثم إن إبراهيم بن محمد بن طلحة وعبد الله بن محمد بن عقيل كلاهما من نفس البلد فهما مدنيان. فاحتمال اللقاء قوي ولعل في قول البخاري: (إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم) ما يشير إلى أن البخاري لم يتحقق بيقين من معاصرة ابن عقيل لابن طلحة. ٤- ... عبيد بن نضلة. قال البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٦) . عبيد بن نضلة ثقة بالاتفاق (٧) . ومعاضرته للمغيرة بن شعبة ﵁ ثابتة بلا ريب لأن المغيرة مات سنة خمسين (٨) . وعبيد بن نضلة مختلف في صحبته كما قال ابن أبي حاتم (٩) ، وأبونعيم الحافظ (١٠) وذكره ابن حزم أنه ممن

стр. 227

أدرك النبي ﷺ ولم يلقه (١) ، وقال ابن أبي حاتم: (إدراكه صحيح) (٢) . وذكره ابن حجر في القسم الثالث من حرف العين في كتابه الإصابة فيمن أدرك النبي ﷺ ولم يلقه. وتوفي عبيد بن نضلة سنة أربع وسبعين (٣) . والمغيرة وعبيد كلاهما من الكوفة فاحتمال اللقاء قوي وقد ذكر مسلم في صحيحه حديث عبيد عن المغيرة كما سيأتي في بيان ذلك - إن شاء الله - في الفصل الخامس من الباب الثالث. ٥- عثمان بن عبد الله بن موهب. ذكره البخاري فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (٤) . عثمان بن عبد الله بن موهب ثقة بالاتفاق (٥) . ومعاصرته لحمران بن أبان ثابتة لأن حمران بن أبان مات سنة خمس وسبعين كما تقدم، وعثمان بن عبد الله قد ثبت سماعه من أبي هريرة (٦) . وقد مات أبوهريرة قبل حمران بن أبان، وكانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان، وقيل سنة تسع وخمسين (٧) . ومات عثمان بن عبد الله سنة ستين ومائة (٨) ، وهو وحمران كلاهما من المدينة المنورة، إلا أن حمران بن أبان قد خرج إلى البصرة واستوطنها في زمن عثمان بن عفان ﵁ فاحتمال اللقاء وارد ولكنه غير قوي، وقد ذكر مسلم في صحيحه حديث عثمان بن موهب عن حمران كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الخامس من الباب الثالث.

стр. 228

٦- ... عمرو البكالي. قال البخاري: (ولا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود (١) . قال ذلك بعد أن ساق السند من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال أخبرني أبوتميمة (٢) عن عمرو - ولعله أن يكون البكالي - حدثه عمرو عن ابن مسعود عن النبي ﷺ . حديث ابن مسعود في ليلة الجن (٣) . وعمرو البكالي اختلف فيه فمن قائل إنه صحابي، ومن قائل إنه تابعي. فقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن البخاري (قال: له صحبة، وكذا ابن أبي حاتم عن أبيه، وذكره خليفة وابن البرقي في الصحابة، وقال أبوأحمد الحاكم: يقال له صحبة، وكذا ابن السكن قال: يقال له صحبة) (٤) . وقال الطبراني: (اختلف في صحبته) (٥) ، وقال أبونعيم: (قيل له صحبة، واختلف فيه) (٦) ، وقال ابن عساكر: ((له صحبة، ويقال: لا صحبة له) (٧) ، وقال ابن نقطة: (يعد في الصحابة على خلاف فيه) (٨) . وأما من لم يثبت له الصحبة فأبوزرعة الدمشقي قال: (في طبقة [لها] قدم تلي الطبقة العليا من تابعي أهل الشام عمرو البكالي) (٩) ، وقال العجلي:

стр. 229

(شامي، تابعي، ثقة، من كبار التابعين) (١) ، وقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي، وسألته عن عمرو البكالي: له صحبة؟ فقال: أهل الشام لا يثبتون له صحبة. سئل أبي عن عمرو البكالي: له صحبة؟ فقال: روى سعيد الجريري عن أبي تميمة قال: قدمت الشام فرأيت رجلاً قد احتوشه الناس فقالوا: هذا آخر من بقي من أصحاب النبي ﷺ ، هذا عمرو البكالي. روى عن عبد الله بن عمرو، ولا أعلم روى عن النبي ﷺ شيئًا، وروى أيضًا عن ابن مسعود حديث ليلة الجن. وسئل أبي عن عمرو البكالي: له صحبة؟ فقال: يقول أهل البصرة: له صحبة، وأهل الشام يقولون: ليست له صحبة. والذي عندي أنه ليست له صحبة) (٢) . وقال ابن عساكر: (سئل البخاري عن عمرو البكالي فلم يثبت له صحبة [وقال] ولا يعرف لعمرو سماعًا من عبد الله) (٣) . ويقصد ابن عساكر أن عمرًا لو كان صحابيًا عند البخاري لما انتقد سماعه من ابن مسعود، وترجم البخاري لعمرو في باب الصحابة ممن اسمه عمرو، ولم يقل: له صحبة، إنما قال: (عمرو البكالي عن عبد الله بن عمرو ﵁ (٤) ثم نقل عن الجريري عن أبي تميمة الهجيمي سمع عمرًا البكالي بالشام له صحبة. وهذا كلام أبي تميمة كما يظهر عند ابن سعد في طبقاته (٥) ، وعند ابن أبي حاتم (٦) . وقال النسائي في كتابه "الكنى": (أبوعثمان عمرو البكائي عن ابن مسعود، وعنه أبوتميمة) (٧) .

стр. 230

وقال أبو أحمد الحاكم في كتابه "الكنى" (أبوعثمان عمرو البكالي ... يقال له صحبة، كان بالشام، لكن ظهرت روايته عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو) (١) . وقوله: "لكن ظهرت ... " يفيد التشكك في إثبات الصحبة للبكالي لاسيما وأن لفظ "يقال" من صيغ التمريط لا الجزم. والذي يترجح لي أن عمرًا الذي انتقد سماعه البخاري ليس بصحابي، لأنه لو كان صحابيًا لما انتقد البخاري سماعه لما علم من مذهبه ومذهب أهل الحديث من قبول مراسيل الصحابة، ثم إن عمرًا شامي، وأهل الشام أخبر به ولم يثبتوا له صحبة كما قال أبوحاتم. وقال ابن عساكر في عمرو البكالي: (شهد اليرموك) ، وقال: (بلغني أن عمرًا البكالي عاش إلى بعد وقعة راهط (٢)) (٣) . ومن المعلوم أن ابن مسعود مات سنة اثنتين وثلاثين (٤) ، فمعاصرة عمرو البكالي ثابتة لأن معركة اليرموك كانت سنة خمس عشرة (٥) ، ثم هو من كبار التابعين ومختلف في صحبته فدل هذا على قدم مولده. وأبوعمرو شامي، وابن مسعود سكن الكوفة بعد وفاة رسول الله ﷺ . فاحتمال اللقاء وارد ولكنه غير قوي. ٧- محمد بن صفوان الجمحي. روى عن سعيد بن المسيب، قال البخاري: (لم يذكر سماعًا من سعيد فلا أدري أسمع منه أم لا؟) (٦) . محمد بن صفوان وثقه ابن حبان وقال: (روى عنه مالك، والدراوردي) (٧)

стр. 231

وزاد المزي (١) : محمد بنعمرو بن علقمة، وقال ابن حجر في ابن صفوان: (مقبول) (٢) ، ويترجح لدي أن محمد بن صفوان صدوق لأمور: ١- ... الإمام مالك متثبت في الرواية وهو ممن ينتقي شيوخه. قال الإمام أحمد: (مالك من أثبت الناس، ولا تبالي أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولاسيما مديني) (٣) . وقال علي بن المديني: (كل مدني لم يحدث عنه مالك - ففي حديثه شيء، لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء) (٤) . وقال أبوحاتم الرازي: (مالك نقي الرجال، نقي الحديث) (٥) . فرواية مالك عن محمد بن صفوان تقوية له. ٢- تولى محمد بن صفوان قضاء المدينة في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة (٦) . وكان التابعون وأهل العلم والفضل من سكان المدينة متوافرين، وفي هذا ما يدل على فضل الرجل وعلمه، ومن ذلك ما ذكره وكيع في أخبار القضاة: (لما ولي سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت كره ولايته، وسأل أمير المدينة أن يعفيه من القضاء، فجمع الوالي شيوخ أهل المدينة، وكان سعيد من المصلين المشمرين فقال له سعد بن إبراهيم وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن مصعب، ومحمد بن صفوان: لقضاء يوم بالحق أفضل عندنا من صلاتك عمرك فولي القضاء) (٧) . وفي هذا الخير ما يدل على علو قدره ومنزلته إذ قرن بأبي سلمة بن

стр. 232

عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهما من الأثبات الثقات، وممن تولى قضاء المدينة أيضًا ومن كبار علمائها. وبسند صحيح إلى ابن أخي الزهري - وهو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري - قال: (حضرت محمد بن صفوان الجمحي، وجاءه ابن شهاب في خصومة له، وجاء بأخيه أي يشهد له، فقال خصمه: إن شاهده أخوه، فأمر به فوجيء عنقه، وأجاز شهادته لأخيه) (١) . وابن شهاب هو الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري إمام الدنيا في زمنه فقهًا وعلمًا وحفظًا، وفي هذا النص أيضًا ما يدل على أن الرجل مشهود له بالفضل والعدالة وعلو القدر إذ تولى القضاء في المدينة في زمن كان فيه جمع من العلماء الأثبات. ٣- وقول الحافظ ابن حجر في محمد بن صفوان: (مقبول) أي حيث يتابع، وقد توبع في حديثه (٢) عن سعيد بن المسيب، الذي تكلم فيه البخاري، تابعه قتادة (٣) ، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٤) ، وهاشم بن القاسم (٥) ، وغيرهم. ومحمد بن صفوان معاصر لسعيد بن المسيب، لأن سعيدًا مات بعد التسعين (٦) ، ومحمد بن صفوان قال فيه المزي: (روى عن سعيد بن المسيب،

стр. 233

وهشام بن عروة وهو من أقرانه) (١) ، فإذا كان من أقران هشام فقد عاصر سعيدًا ولابد لأن هشامًا ولد سنة إحدى وستين (٢) ، وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: (ولقد كان يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، أنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية) (٣) . ومحمد بن صفوان الجمحي مدني، وكذلك سعيد بن المسيب فاحتمال اللقاء قوي. إلا أن محمد بن صفوان غير مشهور بالرواية فكأن البخاري لم يتبين أمره، ولم يتحقق من معاصرته لسعيد بن المسيب. ٨- محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهو الملقب بالنفس الزكية. روى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سجد فليضع يديه قبل ركبتيه" (٤) ؛ فقال البخاري: (ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟) (٥) . محمد بن عبد الله بن الحسن وثقه النسائي (٦) ، وابن حبان (٧) ، وابن حجر (٨) ، وقال ابن حبان: (محمد بن عبد الله بن حسن، من أهل المدينة، يروي عن أبي الزناد إن كان سمع منه، روى عنه الدراوردي، عداده في أهل المدينة) . وذكره الذهبي في الميزان (٩) لقول البخاري السابق، والراجح أنه ثقة.

стр. 234

ومحمد بن عبد الله بن الحسن معاصر لأبي الزناد ولاشك، لأن أبا الزناد مات سنة ثلاثين ومائة (١) ، أو إحدى وثلاثين ومائة (٢) ، وهو ابن ست وستين (٣) ، ومحمد بن عبد الله مات باتفاق المؤرخين سنة خمس وأربعين ومائة (٤) ، وهو ابن خمس وأربعين (٥) ، وقيل ثلاث وخمسين (٦) ، وعلى القول الأول يكون مولده سنة مائة، فيكون أدرك من حياة أبي الزناد ما يقارب الثلاثين سنة. ومحمد مدني وكذلك أبوالزناد، ولكن ورد ما يدل على أنه كان يلزم البادية، ويحب الخلوة (٧) ، وفي هذا ما يجعل احتمال اللقاء بينهما موضع نظر. ٩ - محمد بن كعب القرظي. روى عن شبث بن ربعي. قال البخاري: (ولا نعلم لمحمد بن كعب سماعًا من شبث) (٨) . محمد بن كعب ثقة بالاتفاق (٩) ، وقد عاصر شبث بن ربعي بلاشك، لأن ابن ربعي مات في حدود الثمانين (١٠) ، أو في حدود السبعين (١١) ، وهو مخضرم ممن أدرك الجاهلية، ومحمد بن كعب ولد سنة أربعين (١٢) ، ومات سنة

стр. 235

عشرين ومائة وقيل قبل ذلك (١) . محمد بن كعب مدني ونزل الكوفة مدة (٢) ، وأما شبث بن ربعي فهو كوفي فاحتمال اللقاء يعد قويًا. ١٠- محمد بن المنكدر. ذكره البخاري فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (٣) . محمد بن المنكدر ثقة إمام بالاتفاق (٤) ، وهو معاصر لحمران بن أبان بيقين، لأن حمران كما تقدم مات سنة خمس وسبعين، ومحمد بن المنكدر قال الذهبي: (ولد سنة بضع وثلاثين) (٥) ، وقال ابن حجر: (ولد قبل سنة ستين بيسير) (٦) . ويؤيد قول الذهبي أن البخاري أثبت سماع محمد من عائشة. قال الترمذي: (سألت محمدًا قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم. يقول في حديثه: سمعت عائشة) (٧) . وأيًا كان تاريخ مولده فمعاصرته ثابتة لحمران بيقين لأن محمدًا سمع من جابر بن عبد الله (٨) ، وجابر بن عبد الله ﵄ مات بعد السبعين (٩) . وقد توفي محمد بن المنكدر سنة ثلاثين ومائة أو إحدى وثلاثين ومائة (١٠) .

стр. 236

ومحمد بن المنكدر مدني وكذلك حمران بن أبان. إلا أن حمران بن أبان خرج للبصرة في زمن عثمان ﵁ كما تقدم قبل قليل وهذا مما يجعل احتمال اللقاء غير قوي وإن كان محتملاً. وقد ذكر مسلم في صحيحه حديث ابن المنكدر عن حمران وسيأتي مزيد بيان لذلك - إن شاء الله - في الفصل الخامس من الباب الثالث. ١١- موسى بن عقبة. روى عن سهيل بن أبي صالح حديثًا قال فيه البخاري: (ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل) (١) . موسى بن عقبة ثقة إمام بالاتفاق (٢) ، إلا في حديثه عن نافع مولى ابن عمر فقد قال ابن معين: (ليس موسى بن عقبة في نافع مثل مالك، وعبيد الله بن عمر) (٣) ، وقال: (ثقة كانوا يقولون في روايته عن نافع شيء) (٤) . ومعاصرة موسى لسهيل بن أبي صالح ثابتة بدون شك. لأن سهيلاً سمع سعيد بن المسيب، ومات سعيد بعد التسعين (٥) . وقال الذهبي في سهيل: (وما علمت له شيئًا عن أحد من الصحابة، وهو معدود في صغار التابعين) (٦) . ومقتضى هذا أن يكون مولده قبل سنة ثمانين بزمن فيكون هو وموسى بن عقبة قرينين، وقد جعل الذهبي موسى وسهيلاً في الطبقة الرابعة من التابعين (٧) ، وكذلك الحافظ ابن حجر جعل موسى في الخامسة (٨) ، وسهيلاً في السادسة (٩) ،

стр. 237

والخامسة هي طبقة صغار التابعين، والسادسة هي من عاصروا الخامسة لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة (١) . ومات سهيل في عهد أبي جعفر المنصور (٢) . وأما موسى بن عقبة فقد رأى ابن عمر (٣) ، ومقتضى هذا أن يكون ولد قبل وفاة ابن عمر التي كانت في سنة ثلاث وسبعين (٤) ، وتوفي موسى سنة أربعين ومائة (٥) ، وقيل بعدها (٦) . فيكون معاصرًا لسهيل زمنًا طويلاً. وموسى مدني، وكذلك سهيل. فاحتمال التقاؤهما قوي جدًا، ويظهر لي أن البخاري تكلم في السماع هنا مع قوة احتمال اللقاء لكون الحديث فيه علة أخرى هي المخالفة لذا بحث عن سماع موسى من سهيل؛ فلما لم يجد قوي الظن بأن في الحديث خطأ ما. ١٢- ... أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. روى عن واثلة بن الأسقع ﵁، فقال البخاري: (لا يعرف لأبي بردة بن أبي موسى سماع من واثلة بن الأسقع) (٧) . وأبو بردة ثقة بالاتفاق (٨) ، مات سنة أربع ومائة، وقد جاوز الثمانين (٩) ، فيكون ولد سنة بضع وعشرين. وأما واثلة بن الأسقع ﵁ فهو صحابي مات سنة خمس وثمانين (١٠) ، فالمعاصرة بينهما ثابتة بيقين.

стр. 238

وواثلة بن الأسقع سكن الشام، وأبو بردة كوفي. فاحتمال اللقاء بينهما وارد، ولكنه لا يعد قويًا. (نتيجة الفرز) : في بداية هذا المبحث طرحت فرضية مفادها: "لو طبقت الشروط التي ذكرها مسلم في "الاكتفاء بالمعاصرة" على النصوص النقدية للبخاري المتعلقة باشتراط اللقاء؛ هل سأجد شروط مسلم مستوفاة في تلك النصوص؟ أم العكس؟ وفي حالة العثور على نصوص نقدية للبخاري لا تنطبق عليها شروط الإمام مسلم في "الاكتفاء بالمعاصرة" سيكون في هذا ما يدل على اتفاق الإمامين على ضعف بعض النصوص". وهذا ما خرجت به في دراستي لنصوص البخاري السابقة فإن أكثر ما انتقده البخاري من أسانيد هو على مذهب مسلم منتقد أيضًا. ومن الضروري أن أبين ضوابط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة إجمالاً - الآن - تاركًا للشرح والتفسير للفصل الثاني من الباب الثالث - إن شاء الله - وهذا الضوابط هي (١) : ١- ثقة الرواة. ٢- العلم بالمعاصرة. ٣- احتمال اللقاء. ٤- السلامة من التدليس. ٥- عدم وجود ما يدل على نفي السماع. وقد وجدت طائفة كبيرة من الرواة الذين انتقد البخاري سماعاتهم مجاهيل أو ضعفاء، ووضعتهم في القسم الثاني وهم أصحاب السمة الأولى والثانية، وهؤلاء إذا طبق عليهم ضابط "ثقة الرواة" في مذهب مسلم كانوا من غير أهله لذا كل من انتقد البخاري سماعهم وجعلتهم في السمة الأولى والثانية من القسم الثاني فهم على مذهب مسلم أسانيدهم مردودة ولا يحتج بها ويندرج مع هذه المجموعة أيضًا ما ذكرته في السمة الثالثة وهم الموثقون ممن انفرد عنهم راو ضعيف وهم الواردون في الفقرة (أ) في السمة الثالثة.

стр. 239

ووجدت رواة ثقات لكن معاصرتهم غير ثابتة وقد تكلم البخاري في سماعهم، وهم على ما يفهم من مذهب مسلم ينبغي أن تكون أسانيدهم غير متصلة لأن مسلمًا يشترط العلم بالمعاصرة لا مجرد احتمال المعاصرة يستثنى من ذلك من أخرج لهم مسلم في صحيحه. وهؤلاء ذكرتهم في الفقرة (ب) من السمة الثالثة المنضوية تحت القسم الثاني. ووجدت في الرواة الذين تكلم فيهم البخاري من حيث سماعهم من وصف بالتدليس، أو من عرف بكثرة الإرسال، وهؤلاء جعلتهم في السمة الأولى والثانية من القسم الأول، وهؤلاء أيضًا ينبغي على مذهب مسلم أن لا تعد أسانيدهم المعنعنة متصلة. ووجدت فيمن تكلم البخاري في سماعهم من وردت في حقهم قرائن تشكك في اتصال ما رووه، وهذا على مذهب مسلم داخل تحت ضابط "عدم وجود ما يدل على نفي السماع" ليكون الاحتجاج بالمعاصرة سليمًا، وأصحاب هذه الصفة ذكرتهم في السمة الثالثة من القسم الأول. ووجدت رواة تكلم البخاري في سماعهم وهم ثقات غير مدلسين ومعاصرتهم ثابتة لمن رووا عنه واللقاء بينهم غير مستبعد ولم يرد ما ينفي سماعهم، فهؤلاء على مذهب مسلم أحاديثهم متصلة، وهؤلاء ذكرتهم في الفقرة (ج) من السمة الثالثة من القسم الثاني وعددهم اثنا عشر رجلاً. وبهذا يتضح أن البخاري يستخدم "اشتراط اللقاء أو السماع" في حق الثقات وغيرهم، وفي حق من ثبتت معاصرته ومن لم يثبت، وفي حق المدلس والمكثر من الإرسال وغيرهما ممن لم يدلس أو يرسل. ويتضح بما تقدم أن ضوابط مسلم في الاكفتاء بالمعاصرة لا تنطبق على النصوص النقدية للبخاري إلا في عدد قليل من الرواة وماعدا ذلك فإنه موضع ضعف باتفاق مذهبي الإمامين. فيكون أكثر ما انتقده البخاري من سماعات الرواة على مذهب مسلم أيضًا منتقد لعدم توفر ضابط "الاكتفاء بالمعاصرة" أو أحدها، والله أعلم.

стр. 240

المبحث الثالث معالم في النصوص النقدية هذا المبحث خصصته لملاحظاتي التي سجلتها خلال دراستي لنصوص البخاري النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء. وهذه الملاحظات نتيجة التأمل والتدبر في النصوص التي جمعتها من كلام البخاري، ومن المعلوم أن باب الملاحظات واسع، وتزداد الملاحظات كلما أعطى التأمل حقه من الوقت، وأيضًا عندما يختلف الأشخاص فتطرح أسئلة افتراضية مختلفة، وتوضع احتمالات أخرى عديدة فيتحصل في النهاية كم من الملاحظات ضخم بل أن الشخص نفسه إذا تقدمت به السنوات وازداد معرفة وخبرة أضاف وحذف فيما سجله من قبل، وهذا باب لا يمكن حصره أو ضبطه لأن الكمال للخالق سبحانه. وأهم المعالم المنهجية التي لاحظتها في نصوص البخاري النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء ما يلي: أولاً: طبق البخاري نقده على جميع الرواة الضعفاء والمجهولين والثقات سواء أكانت المعاصرة ثابتة لمن رووا عنه أو كانت محتملة ولا دليل بنفيها، وشمل ذلك حتى المدلسين ومن في حكمهم ممن يرسل كثيرًا كما تقدم بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل. ثانيًا: استخدم البخاري في نقده لسماعات الرواة عبارة "لا أدري سمع من فلان أم لا؟ "، وعبارات أخرى مشابهة لها، والحقيقة أن هناك احتمالين لمعنى تلك العبارة، الاحتمال الأول: أن البخاري يكون متوقفًا فيمن نقد سماعهم كما هو ظاهر العبارة، ولما قال مسلم عند عرضه لقول ومذهب خصمه: (فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئًا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا حجة، وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه

стр. 241

لشيء من الحديث قل أو كثر. في رواية مثل ما ورد) (١) . وقال أيضًا في معرض نقل قول خصمه: (فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء، ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد. فإن عزب عني معرفة ذلك، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) (٢) . والتوقف بمعنى التردد والشك مع عدم الاحتجاج. والاحتمال الثاني: أن البخاري يعتبر ذلك انقطاعًا باعتبار أن السند إما متصل أو غير متصل، وما ليس بمتصل فهو منقطع كما هو رأي الذهبي، والحافظ ابن حجر. فقد ذكر الذهبي قول ابن القطان: (ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان، الحمل على الوصل كرأي مسلم والجمهور، أو القول لم يثبت سماع هذا من هذا، كرأي ابن المديني والبخاري، ولا يقولون إنه منقطع) . فعقب عليه بقوله: (قلت: بل رأيهما دال على الانقطاع) (٣) . وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن مرة أو ابن أبي مرة الزوفي: (أشار البخاري إلى أن في روايته انقطاعًا) (٤) ، والبخاري إنما قال: (لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٥) يعني عبد الله بن راشد عن عبد الله بن مرة عن خارجة. فأي الاحتمالين أرجح؟ الذي أراه أن ما انتقده البخاري من سماعات الرواة فإنما هو لضعف في تلك الأسانيد عنده، لا أشك في ذلك لأن البخاري صرح في عدة نصوص بضعف تلك الأسانيد مبديًا السبب "لأن فلانًا لا يعرف سماعه من فلان" (٦) ، وأيضًا نص مسلم على هذا فقال: (فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل، في فساد الحديث

стр. 242

وتوهينه) (١) ، وقال بعد أن ساق أسانيد قبلها العلماء: (وهي في زعم من حكينا قوله من قبل واهية مهملة، حتى يصيب سماع الراوي عمن روى) ثم قال: (وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره) . فمعنى التوقف الذي ذكره مسلم في مقدمته ترك الاحتجاج بالخبر الذي لا يثبت فيه اللقاء فيكون بهذا موقوفًا عن الاحتجاج لضعف فيه. وما ذهب إليه الذهبي وابن حجر من أن البخاري يرى ما لم يثبت فيه السماع أو اللقاء يعد منقطعًا، لا أميل إليه لأن البخاري يصرح عن الانقطاع بألفاظ صريحة وقاطعة مثل قوله في تاريخه: (عطاء أن أبا هريرة، ولم يسمع منه) (٢) ، وقوله: (معمر لم يسمع من خبيب) (٣) ، وقوله: (ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة) (٤) ما من لم يثبت سماعه فلا يقول فيه: "لم يسمع من فلان"، وإنما يختار عبارات دالة على مقصوده مثل: "لا أدري سمع فلان من فلان أم لا؟ " و"لا يعرف سماع فلان من فلان" و "لم يذكر سماع" ونحو ذلك، ومن تأمل هذا الموضع يتضح له الفرق بين المنقطع المعلوم الانقطاع، وبين وما لم يثبت فيه السماع فلا يسمى منقطعًا كما قال ابن القطان، لأن من لم يثبت له سماع ممن روى عنه ففي ذلك شبهة عدم اتصال السند، أما المنقطع فعدم الاتصال يكون محل يقين وجزم، ولعل قصد الذهبي وابن حجر أن ما لم يثبت فيه السماع في حكم المنقطع من حيث عدم الاحتجاج به. ثالثًا: استعمل الإمام البخاري عدم ثبوت السماع أحيانًا للترجيح أو لتعضيد علة أخرى. فمن الأمثلة على استعمال عدم ثبوت السماع للترجيح ما قاله: (قال لي ابن

стр. 243

سلام أنا مخلد بن يزيد أنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من جلس فقال: سبحانك ربنا وبحمدك، فهو كفارة". وقال موسى عن وهيب نا سهيل عن عون بن عبد الله بن عتبة - قوله -، ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وحديث وهيب أولى) (١) . وكما هو ظاهر فالسند الأول صحيح إلى سهيل، وكذلك الثاني، ولكن الأول فيه موسى بن عقبة وليس لموسى عن سهيل إلا هذا الحديث الواحد فقط (٢) ، وأما وهيب بن خالد فهو معروف بالرواية عن سهيل بن أبي صاالح وله في الكتب الستة فقط عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة (٣) أحد عشر حديثًا، فروايته أولى لاسيما وأن موسى بن عقبة - كما ذكر البخاري - لم يذكر سماعًا من سهيل فيترجح هنا احتمال الخطأ في رواية موسى بن عقبة عنه، وكما رأينا في النص السابق فإن البخاري ذكر مخالفة وهيب ثم عقب على ذلك بقوله: (ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وحديث وهيب أولى) فظاهر عبارته أن سبب ترجيحه لحديث وهيب لأن موسى بن عقبة لم يذكر سماعًا من سهيل، ولاشك أن السند الذي ثبت فيه السماع أولى بالتقديم من سند لم يثبت فيه السماع. وقد استخدم الامام البخاري عدم ثبوت السماع لتعضيد علة أخرى، وذلك في عدد من النصوص منها: ١- أخرج البخاري في تاريخه من طريق قتادة عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة السدوسي أنه قال: توفى النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين. ثم قال: (ولا يتابع عليه، ولا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك

стр. 244

النبي ﷺ ، وقال ابن عباس، وعائشة، ومعاوية: توفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وهذا أصح) (١) . ولاشك أن رواية الحسن عن دغفل تخالف ما ثبت عن عائشة وابن عباس ومعاوية ﵃ في تحديد سن رسول الله ﷺ عند وفاته، ومما يؤكد ضعف رواية الحسن عن دغفل ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماع الحسن من دغفل. ٢- ... ساق البخاري من طريق يزيد بن عمرو الأسلمي عن عبد العزيز عن عقبة بن سلمة بن الأكوع قال: صليت مع عبد الله بن رافع بن خديج العصر بالضربة، وأهل البادية يؤخرون فأخرها جدًا فقلت له: فقال: مالي وللبدع هذه صلاة آبائي مع النبي ﷺ . ثم قال البخاري: (ويزيد هذا غير معروف سماعه من عبد العزيز، وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يصلي العصر، والشمس طالعة في حجرتي قبل أن يظهر الفيء) (٢) . وحديث عبد الله بن رافع مخالف للأحاديث الصحيحة التي جاء فيها التعجيل بصلاة العصر كما ألمح لذلك البخاري بذكره لحديث عائشة، وأيضًا بقوله: (ويروى عن النبي ﷺ من وجوه أنه كان يعجل العصر. حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا أبوالنجاشي قال سمعت رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ العصر فننحر جزورًا فنقسم عش قسم فنأكل لحمًا نضيجًا قبل أن تغرب الشمس، وقال حفص بن عبيد الله: كنا نصلي مع النبي ﷺ العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس) (٣) . فحديث عبد الله بن رافع مخالف للأحاديث الصحيحة، وفيه علة أخرى هي عدم ثبوت سماع يزيد بن عمرو من عبد العزيز وهذا مما يؤكد ضعف الحديث ويزيده وهنًا على وهنه.

стр. 245

٣- ذكر البخاري حديث عمرو البكالي عن عبد الله بن مسعود أنه رأى رجالاً كأنهم الزط ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ... الحديث، وقال البخاري بعده: (ولا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود) (١) . ثم قال البخاري: (وقال لنا موسى لنا وهيب عن داود عن عامر عن علقمة قال قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد فقدناه بمكة فقلنا: اغتيل أو استطير فانطلقنا نطلبه في الشعاب فأقبل من قبل حراء فقلنا: أشفقنا عليك فبتنا بشر ليلة فقال: أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم فإذا آثارهم وآثار نيرانهم. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبيدة: أكان أبوك مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا) (٢) . والظاهر من تصرف البخاري أنه يرى أن أصحاب عبد الله بن مسعود وأهل بيته وهم أعلم به من غره أثبتوا أن ابن مسعود ﵁ لم يشهد ليلة الجن، وخالف في ذلك عمرو البكالي بالحديث الذي رواه، ومما يؤكد ضعف رواية عمرو البكالي عدم ثبوت سماعه من ابن مسعود، فضلاً عن مخالفة الثقات لما رواه. ٤- قال البخاري: (خثيم بن مروان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تشد المطي إلا إلى مسجد الخيف، ولا يعرف لخثيم سماع من أبي هريرة) (٣) . ولا ريب أن هذه اللفظة منكرة أعني "مسجد الخيف" فإن المحفوظ ما رواه الثقات عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، ومسجد الأقصى" (٤) .

стр. 246

ومما يؤكد الضعف والنكارة ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماع خثيم من أبي هريرة. ٥- روى أبوخالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس مرفوعًا "إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعًا فإنه إذا نام استرخت مفاصله". قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبوخالد كيف هو؟ قال: صدوق، وإنما يهم في الشيء) (١) . أبوخالد خالف من هو أوثق منه وأكثر ملازمة لقتادة وهو سعيد بن أبي عروبة وخاصة ما رواه قبل اختلاطه، ثم مما يؤكد ضعف رواية أبي خالد الدالاني ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماعه من قتادة. وفي كل النصوص السابقة ظهر لنا أن الإمام البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لتعضيد علة أخرى وذلك لأن التضعيف بسببين أقوى من التضعيف بسبب واحد. ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه الجزئية ما ذكرته في المبحث الأول من هذا الفصل من أن البخاري يعطف نقده لسماع بعض الرواة على ألفاظ نقدية أخرى مثل التدليس، والاضطراب، والجهالة وعدم المتابعة، والنكارة، وكل ذلك ليؤكد ضعف الرواية بأكثر من سبب. رابعًا: معظم الذين انتقد البخاري سماعهم هم من المقلين في الرواية أصلاً، أو من المقلين عن نفس الشيخ الذي تكلم البخاري في السماع منه. وبالتتبع لم أر البخاري تكلم في راو قد أكثر من شيخ معين من حيث عدم ثبوت السماع إلا ما قاله في سليمان بن بريدة عن أبيه: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (٢) . وسليمان قد روى عن أبيه كما في الكتب الستة ما عدا صحيح

стр. 247

البخاري - لأنه لم يخرج له - سبعة عشر حديثًا صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (١) ، فهو من حيث الكثرة عن أبيه يأتي بعد أخيه عبد الله بن بريدة. وقد نص البخاري في بعض نصوصه على قلة الرواية عمومًا أو خصوصًا فيمن انتقد سماعهم، فقد قال في ترجمة عبد الله بن راشد الزوفي: (ولا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس له إلا حديث في الوتر) صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (٢) . وقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (ولا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٣) . وقال: (ولا أعرف لابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث، ولا أعرف له سماعًا منه) (٤) ، وقال في رواية موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح: (لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول) (٥) وقد قال في هذا السند نفسه: (لم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل) (٦) . خامسًا: لم يتكلم البخاري في سماعات الصحابة بعضهم من بعض، ولكن استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة. وقد اتفق المحدثون على أن مرسل الصحابي في حكم الموصول (٧) ، فلهذا لم يتكلم البخاري في سماع بعض الصحابة من بعض، وعندما قال البخاري في عبد الله بن سراقة الأزدي: (لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (٨) اشتبه اسمه باسم راو من الصحابة يدعى عبد الله بن سراقة العدوي، فقال ابن عساكر: (فلو كان ابن سراقة هذا عند البخاري هو العدوي لم يقل؛ لا يعرف له سماع من أبي عبيدة فإن

стр. 248

عبد الله بن سراقة العدوي صحابي شهد وأبوعبيدة بن الجراح جميعًا بدرًا) (١) ، وقصد ابن عساكر أنه من غير الممكن أن يتكلم البخاري في سماع صحابي من صحابي آخر. ولكن البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة فقال في ترجمة خداش بن أبي سلامة: (لم يتبين سماعه من النبي ﷺ ) (٢) . وقال في ترجمة عبد الله بن عكيم الجهني: (أدرك زمان النبي ﷺ ، ولا يعرف له سماع صحيح) (٣) . وقال في ترجمة بن هلال: (لم يذكر عبد الله بن هلال سماعًا من النبي ﷺ ) (٤) . وقال في ترجمة أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص: (ولم يصح سماع جده من النبي ﷺ ) (٥) . وليس عدم ثبوت السماع ينفي الصحبة عند البخاري فقط، فقد استخدمه علماء آخرون لهذا الغرض أيضًا. سادسًا: فلما استخدم البخاري عدم ثبوت السماع في نقد الأحاديث غير المرفوعة للنبي ﷺ ، ولاشك أن للأحاديث المرفوعة أهمية تفوق الموقوفات وغيرها، لأن الحديث عن رسول الله ﷺ أشد، والتحرج فيه مطلوب من كل مكلف فما بالك بطالب العلم؟!. والأحاديث التي تكلم البخاري في سماع بعض رواتها وهي غير مرفوعة أربعة، وهي: ١- قال البخاري: (زياد بن مالك عن ابن مسعود وعلي: على القارن أن

стр. 249

يطوف طوافين، قال هشيم عن منصور عن الحكم، ولا يعرف لزياد سماع من علي وعبد الله، ولا للحكم منه) (١) . والثابت في السنة أن على القارن طوافًا واحدًا فقط (٢) ، وما ذكر هنا عن ابن مسعود وعلي ﵄ مخالف لما صح عن رسول الله ﷺ ، وقد كان ﵊ قارنًا على الراجح من أقوال أهل العلم، وأرى أن البخاري نبه على هذا الحديث بسبب المخالفة، وبها يضعف الحديث، ومما يؤكد الضعف عدم ثبوت السماع. ٢- ... قال البخاري: (عبد الرحمن المدني، قال ابن عبد الوهاب حدثنا حزم حدثنا أشعث الحداني حدثنا عبد الرحمن المدني عن أبي هريرة ﵁: قال عثمان: أيقظني للسحور. رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال: إنك تفطر عندنا الليلة، فما غابت حتى قتل. لا أعرف له سماعًا من أبي هريرة) (٣) . ٣- ... قال البخاري: (وقال سلم بن جعفر عن الجريري نا سيف الدوسي عن عبد الله بن سلام قال: إن محمدًا يوم القيامة بين يدي الرب ، ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (٤) . ٤- ... قال البخاري: (الحكم بن مسعود الثقفي، قال بشر بن محمد أخبرنا ابن المبارك قال أخبرنا معمر سمع سماك بن الفضل الخولاني عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم، فقال له رجل: قضيت عام أول فلم تشرك. قال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، وقال عبد الله الجعفي حدثنا هشام حدثنا معمر مثله، وقال بعضهم: مسعود بن الحكم، ولا يصح، ولم يتبين سماع وهب من الحكم) (٥) .

стр. 250

سابعًا: انتقد البخاري بعض الأسانيد بعدم ثبوت السماع فيها، مع أن متون تلك الأسانيد ثابتة من طرق أخرى، ومن ذلك: ١- ... ذكر الترمذي حديث سعيد بن أبي عروبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها ... " الحديث. ثم قال الترمذي: (فسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مشهور من حديث الأعمش، ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش وهو يدلس، ويروي عنه) (١) . والحديث كما قال البخاري مشهور عن الأعمش (٢) ، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ به (٣) ، فالحديث ثابت من غير الطريق التي انتقدها البخاري. ٢- ... روى الحسن البصري عن أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وقد قال البخاري في هذا السند: "والحسن لا يعرف له سماع من أسامة" (٤) . وقد صحح البخاري حديث أفطر الحاجم والمحجوم من غير هذه الطريق (٥) . ٣- ... نقل الترمذي في باب "ما جاء في دية الجنين" قول البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٦) . ونص حديث عبيد عن المغيرة بن شعبة ﵁ كما في صحيح
следующие страницы →