← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومما يؤكد الضعف والنكارة ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماع خثيم من أبي هريرة. ٥- روى أبوخالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس مرفوعًا "إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعًا فإنه إذا نام استرخت مفاصله". قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبوخالد كيف هو؟ قال: صدوق، وإنما يهم في الشيء) (١) . أبوخالد خالف من هو أوثق منه وأكثر ملازمة لقتادة وهو سعيد بن أبي عروبة وخاصة ما رواه قبل اختلاطه، ثم مما يؤكد ضعف رواية أبي خالد الدالاني ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماعه من قتادة. وفي كل النصوص السابقة ظهر لنا أن الإمام البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لتعضيد علة أخرى وذلك لأن التضعيف بسببين أقوى من التضعيف بسبب واحد. ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه الجزئية ما ذكرته في المبحث الأول من هذا الفصل من أن البخاري يعطف نقده لسماع بعض الرواة على ألفاظ نقدية أخرى مثل التدليس، والاضطراب، والجهالة وعدم المتابعة، والنكارة، وكل ذلك ليؤكد ضعف الرواية بأكثر من سبب. رابعًا: معظم الذين انتقد البخاري سماعهم هم من المقلين في الرواية أصلاً، أو من المقلين عن نفس الشيخ الذي تكلم البخاري في السماع منه. وبالتتبع لم أر البخاري تكلم في راو قد أكثر من شيخ معين من حيث عدم ثبوت السماع إلا ما قاله في سليمان بن بريدة عن أبيه: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (٢) . وسليمان قد روى عن أبيه كما في الكتب الستة ما عدا صحيح

стр. 247

البخاري - لأنه لم يخرج له - سبعة عشر حديثًا صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (١) ، فهو من حيث الكثرة عن أبيه يأتي بعد أخيه عبد الله بن بريدة. وقد نص البخاري في بعض نصوصه على قلة الرواية عمومًا أو خصوصًا فيمن انتقد سماعهم، فقد قال في ترجمة عبد الله بن راشد الزوفي: (ولا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس له إلا حديث في الوتر) صحيح البخاري (٣/٧٦/ [١١٨٩] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (٢) . وقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (ولا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٣) . وقال: (ولا أعرف لابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث، ولا أعرف له سماعًا منه) (٤) ، وقال في رواية موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح: (لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول) (٥) وقد قال في هذا السند نفسه: (لم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل) (٦) . خامسًا: لم يتكلم البخاري في سماعات الصحابة بعضهم من بعض، ولكن استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة. وقد اتفق المحدثون على أن مرسل الصحابي في حكم الموصول (٧) ، فلهذا لم يتكلم البخاري في سماع بعض الصحابة من بعض، وعندما قال البخاري في عبد الله بن سراقة الأزدي: (لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (٨) اشتبه اسمه باسم راو من الصحابة يدعى عبد الله بن سراقة العدوي، فقال ابن عساكر: (فلو كان ابن سراقة هذا عند البخاري هو العدوي لم يقل؛ لا يعرف له سماع من أبي عبيدة فإن

стр. 248

عبد الله بن سراقة العدوي صحابي شهد وأبوعبيدة بن الجراح جميعًا بدرًا) (١) ، وقصد ابن عساكر أنه من غير الممكن أن يتكلم البخاري في سماع صحابي من صحابي آخر. ولكن البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة فقال في ترجمة خداش بن أبي سلامة: (لم يتبين سماعه من النبي ﷺ ) (٢) . وقال في ترجمة عبد الله بن عكيم الجهني: (أدرك زمان النبي ﷺ ، ولا يعرف له سماع صحيح) (٣) . وقال في ترجمة بن هلال: (لم يذكر عبد الله بن هلال سماعًا من النبي ﷺ ) (٤) . وقال في ترجمة أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص: (ولم يصح سماع جده من النبي ﷺ ) (٥) . وليس عدم ثبوت السماع ينفي الصحبة عند البخاري فقط، فقد استخدمه علماء آخرون لهذا الغرض أيضًا. سادسًا: فلما استخدم البخاري عدم ثبوت السماع في نقد الأحاديث غير المرفوعة للنبي ﷺ ، ولاشك أن للأحاديث المرفوعة أهمية تفوق الموقوفات وغيرها، لأن الحديث عن رسول الله ﷺ أشد، والتحرج فيه مطلوب من كل مكلف فما بالك بطالب العلم؟!. والأحاديث التي تكلم البخاري في سماع بعض رواتها وهي غير مرفوعة أربعة، وهي: ١- قال البخاري: (زياد بن مالك عن ابن مسعود وعلي: على القارن أن

стр. 249

يطوف طوافين، قال هشيم عن منصور عن الحكم، ولا يعرف لزياد سماع من علي وعبد الله، ولا للحكم منه) (١) . والثابت في السنة أن على القارن طوافًا واحدًا فقط (٢) ، وما ذكر هنا عن ابن مسعود وعلي ﵄ مخالف لما صح عن رسول الله ﷺ ، وقد كان ﵊ قارنًا على الراجح من أقوال أهل العلم، وأرى أن البخاري نبه على هذا الحديث بسبب المخالفة، وبها يضعف الحديث، ومما يؤكد الضعف عدم ثبوت السماع. ٢- ... قال البخاري: (عبد الرحمن المدني، قال ابن عبد الوهاب حدثنا حزم حدثنا أشعث الحداني حدثنا عبد الرحمن المدني عن أبي هريرة ﵁: قال عثمان: أيقظني للسحور. رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال: إنك تفطر عندنا الليلة، فما غابت حتى قتل. لا أعرف له سماعًا من أبي هريرة) (٣) . ٣- ... قال البخاري: (وقال سلم بن جعفر عن الجريري نا سيف الدوسي عن عبد الله بن سلام قال: إن محمدًا يوم القيامة بين يدي الرب ، ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (٤) . ٤- ... قال البخاري: (الحكم بن مسعود الثقفي، قال بشر بن محمد أخبرنا ابن المبارك قال أخبرنا معمر سمع سماك بن الفضل الخولاني عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم، فقال له رجل: قضيت عام أول فلم تشرك. قال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، وقال عبد الله الجعفي حدثنا هشام حدثنا معمر مثله، وقال بعضهم: مسعود بن الحكم، ولا يصح، ولم يتبين سماع وهب من الحكم) (٥) .

стр. 250

سابعًا: انتقد البخاري بعض الأسانيد بعدم ثبوت السماع فيها، مع أن متون تلك الأسانيد ثابتة من طرق أخرى، ومن ذلك: ١- ... ذكر الترمذي حديث سعيد بن أبي عروبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها ... " الحديث. ثم قال الترمذي: (فسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مشهور من حديث الأعمش، ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش وهو يدلس، ويروي عنه) (١) . والحديث كما قال البخاري مشهور عن الأعمش (٢) ، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ به (٣) ، فالحديث ثابت من غير الطريق التي انتقدها البخاري. ٢- ... روى الحسن البصري عن أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وقد قال البخاري في هذا السند: "والحسن لا يعرف له سماع من أسامة" (٤) . وقد صحح البخاري حديث أفطر الحاجم والمحجوم من غير هذه الطريق (٥) . ٣- ... نقل الترمذي في باب "ما جاء في دية الجنين" قول البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٦) . ونص حديث عبيد عن المغيرة بن شعبة ﵁ كما في صحيح

стр. 251

مسلم (١) عن المغيرة قال: "ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية. قال فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل، ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب". وقد أخرج البخاري في صحيحه (٢) أصل حديث المغيرة هذا، من غير طريق عبيد بن نضلة، كما أخرج أيضًا هو ومسلم في صحيحهما (٣) حديث أبي هريرة وهو كحديث عبيد عن المغيرة. ٤- ... روى محمد بن صفوان الجمحي عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة"، فقال البخاري: (لم يذكر سماعًا من سعيد فلا أدري أسمع منه أم لا؟ " (٤) . وقد صحح البخاري (٥) حديث سعد هذا ولكن من غير طريق محمد بن صفوان عن ابن المسيب، وكذلك مسلم (٦) في صحيحه، بل عده بعض أهل العلم من المتواتر (٧) . ٥- ... حديث كفارة المجلس الذي رواه موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.

стр. 252

قال البخاري: (ولم يذكر موسى سماعًا من سهيل) (١) . وحديث كفارة المجلس قد ثبت من غير الطريق التي انتقدها البخاري، وأقوى أحاديث كفارة المجلس حديث عائشة، والسائب بن يزيد، وأبي برزة الأسلمي، وجبير بن مطعم (٢) . ثامنًا: لم يقتصر نقد البخاري على أحاديث الأحكام بل هناك أحاديث انتقدها من حيث عدم ثبوت السماع، وهي في الترغيب والترهيب (٣) ، والمناقب (٤) ، والفتن وأهوال يوم القيامة (٥) ، والسيرة والمغازي (٦) ، والذكر والدعاء (٧) ، ونحو ذلك (٨) . وتبلغ نسبة ذلك ما يقارب ٥٠%، والباقي أحاديث أحكام، ومن المعلوم أن البخاري في بعض الأحيان ينتقد السماع، ولا يذكر حديثًا لمن انتقد سماعه - كما بينت ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل-، والنظر هنا متجه نحو النصوص التي ذكر البخاري فيها الأحاديث. وفي هذا ما يدلنا على أن الإمام البخاري ﵀ عمم تطبيق مبدأ

стр. 253

اشتراط اللقاء على الرواة دون النظر فيما رووا من منون هل هي من الأحكام أو من الفضائل ونحوها؟ ولا يعني ذلك أن البخاري ليس من القائلين بالتخفيف في شروط قبول أحاديث الفضائل وما يجري مجراها - كما هو مذهب جمهور المحدثين -، ولكن القصد التنبيه على أن نقده لسماع الرواة لم يقتصر على ما روي في أحاديث الأحكام فقط لمظنة التشدد فيها أكثر مما سواها. تاسعًا: غالب الذين انتقد البخاري سماعهم هم من التابعين (١) وتلامذتهم، وأما تلامذة التلامذة فانتقاد البخاري لسماعهم قليل (٢) . والعنعنة بصورة عامة تكثر في الأسانيد في طبقة التابعين وأتباعهم، ثم تقل في الطبقات الأخرى حتى تكاد تتلاشى في الطبقات المتأخرة، وهذا الأمر يتجلى لكل من تأمل الأسانيد وتفحصها. ولعل فيما ذكر ما يفسر لنا هذه الظاهرة في نصوص البخاري النقدية. عاشرًا: انتقد الإمام البخاري بعض أسانيد أهل المدينة (٣) (٤) من حيث عدم ثبوت السماع فيها. ومن المعلوم عند أهل الحديث أن أهل المدينة أصح حديثًا من

стр. 254

غيرهم من أهل الأمصار، كما أن التدليس لم ينتشر عندهم بل لا يكاد يعرف عنهم تدليس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة) (١) . وقال الحاكم: (أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي ليس التدليس من مذهبهم) (٢) ثم قال: (وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة) . ولاشك أن الأسانيد المدنية التي انتقدها البخاري أقل من الأسانيد الكوفية، والبصرية، وفي انتقاد البخاري لبعض الأسانيد المدنية ما يدل على تعميمه لاشتراط اللقاء على جميع رواة البلدان سواء عرفوا بالتدليس أو لم يعرفوا به.

стр. 255

الفصل السادس العلماء الذين أيدوا البخاري في هذه المسألة ذكر عدد من العلماء على سبيل الإجمال أن اشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن هو قول كثير من الأئمة، وأعيان الحفاظ. قال ابن عبد البر: (اعلم - وفقك الله - أتى تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة هي: ١- عدالة المحدثين في أحوالهم. ٢- ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة. ٣- وأن يكونوا براء من التدليس) (١) . وقال أيضًا: (جمهور أهل العلم على أن "عن" و "أن" سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى يتبين فيه علة الانقطاع) (٢) . وقال الخطيب البغدادي: (وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أن قد أدرك الذي حدث عنه، ولقيه، وسمع عنه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه به أن يسقط ذلك ويروي الحديث عاليًا

стр. 256

فيقول حدثنا فلان عن فلان - أعني الذي لم يسمعه منه - لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الاتصال وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده) (١) . وقال ابن الصلاح في الإسناد المعنعن: (والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل الاسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم ... وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من وصمة التدليس. فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك) (٢) . وقال ابن الصلاح: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم، علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما) (٣) . وقال النووي: (وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما) (٤) . وقال ابن رشيد عن مذهب ابن المديني والبخاري: (وهو رأي كثير من المحدثين) (٥) . وقال العلائي في من اشترط اللقاء لاتصال السند المعنعن: (وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة) (٦) . وقال ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني

стр. 257

والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (١) . وقال الحافظ ابن حجر: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث) (٢) . ما سلف نقله من نصوص فيها إثبات أن اشتراط اللقاء أو السماع لاتصال السند المعنعن ليس قول البخاري، وشيخه علي بن المديني فقط، بل هو قول كثير من أئمة الحديث، ومن هؤلاء الأئمة: ١- شعبة بن الحجاج: وقد نقلت عنه عدة نصوص في الفصل الرابع من الباب الأول، فأغني ذلك عن إعادتها هنا خشية التكرار. ٢- يحيى بن سعيد القطان، وكذلك نقلت عنه عدة نصوص في الفصل نفسه. ٣- علي بن المديني، مشهور بذلك، ويراجع الفصل الأول من الباب الثاني فقد نقلت عنه بعض النصوص هناك. ٤- الإمام الشافعي. قال رحمه الله تعالى: (ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن مضي، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيرًا له. وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا"، وقوله: "حدثني فلان عن فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناء (٣) بهذه الطريق، قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان") (٤) . قال الحافظ ابن رجب ﵀ معلقًا على كلام الشافعي: (وظاهر هذا أنه لا يقبل النعنعة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه،

стр. 258

وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضًا، ولا يحدث إلا بما سمعه. وقد فسره أبوبكر الصيرفي في شرح الرسالة: باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف، فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. قال: وهذا الذي قاله صحيح) (١) . وقال الحافظ ابن حجر مبينًا موافقة رأي الشافعي للقول باشتراط اللقاء في السند المعنعن: (وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي ﵁) (٢) ، ثم نقل كلام الشافعي السابق وعلق عليه بقوله: (فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول عن فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضًا) (٣) . وقال السخاوي: (بل هو مقتضى كلام الشافعي، كما قاله شيخنا (٤) ، واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي) (٥) . وقد وجدت للإمام الشافعي بعض النصوص النقدية فيها تأكيد لكلام ابن رجب وابن حجر. في النص الأول: قال الشافعي في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي عن قراءة رسول الله ﷺ في صلاة العيدين (٦) : (هذا ثابت إن كان عبيد الله لقي أبا واقد الليثي) (٧) .

стр. 259

والملاحظ هنا أن الشافعي ﵀ علق ثبوت الحديث على لقي عبيد الله لأبي واقد ولم يعلقه على المعاصرة أو الإدراك، وذلك لأن عبيد الله لم يدرك أيام عمر ومسألته أبا واقد. وقال النووي في شأن عبيد الله: (إنه أدرك أبا واقد بلاشك، وسمعه بلا خلاف) (١) . وفي النص الثاني: قال الشافعي في حديث تميم الداري سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته" (٢) : (إنه ليس بثابت إنما يرويه عبد العزبز بن عمر عن ابن موهب، عن تميم الداري، وابن موهب ليس معروفًا عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا الداري، ومثل هذا لا يثبت عندنا، ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلاً) (٣) . والملاحظ هنا أن الشافعي ضعف هذا الحديث لسببين: الجهالة، وعدم ثبوت اللقي، وجعل ما لا يثبت اللقاء فيه ليس بمتصل. قال البيهقي بعد أن ذكر سندًا فيه تصريح ابن موهب بالسماع من تميم: (هذا خطأ. ابن موهب لم يسمع من تميم، ولا لحقه) . وفي النص الثالث قال الشافعي: (لا نعلم عبد الرحمن بن أبي ليلى رأى بلالاً قط، عبد الرحمن بالكوفة وبلال بالشام، وبعضهم يدخل بينه وبين عبد الرحمن رجلاً لا نعرفه وليس يقبله أهل الحديث) (٤) . وفي هذا النصوص ما يؤيد أن الشافعي ﵀ من القائلين باشتراط ثبوت اللقاء لاتصال السند المعنعن. ٥- ... يحيى بن معين. سئل يحيى: (يصح لسعيد بن المسيب سماع من عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ قال: لا) (٥) . وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 260

عنه (١) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁ (٢) . فسعيد أكبر من عبد الرحمن بنحو من ثلاث سنوات، وكلاهما من المدينة. وقد مات عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة ثلاث وثمانين (٣) قبل سعيد بن المسيب، إذن فقد تعاصرا أكثر من ستين سنة. وسئل يحيى: (سمع طاووس من عائشة ﵂ شيئًا؟ قال: لا أراه) (٤) . والمعاصرة ثابتة بلا أدنى شك بين طاووس، وأم المؤمنين ﵂ لأن أبا حاتم قال: (طاووس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قديم) . وقد أخرج مسلم في صحيحه لطاووس عن عائشة ﵂ (٥) . وكلام يحيى في هذا السند يقتضي أن مذهب يحيى هو اشتراط السماع لأن قول يحيى: لا أراه - يعني السماع - بسبب عدم ثبوت السماع لا المعاصرة. وسئل ابن معين: (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود سمع منه؟ قال: لا أدري) (٦) . وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولد سنة ست عشرة للهجرة كما أشرت آنفًا من أنه ولد لست بقين من خلافة عمر، وأما المقداد بن الأسود فمات سنة ثلاث وثلاثين (٧) ، فيكون ابن أبي ليلى أدرك نحوًا من سبعة عشر عامًا من حياة المقداد

стр. 261

رضي الله عنه، وقد أخرج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد (١) . وقال ابن معين: (عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه، ولا يصح له سماع) (٢) . وعطاء كان صبيًا عند مقتل عثمان (٣) ، وعبد الله بن عمر ﵄ مات سنة ثلاث وسبعين (٤) ، فيكون عطاء أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من أربعين عامًا، وقد أثبت البخاري سماع عطاء من ابن عمر (٥) . وقد يفهم من عبارة ابن معين أن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر أي ليس له رواية عنه، وهذا فهم خاطيء، فقد روى عطاء عن ابن عمر في السنن ستة أحاديث (٦) . وأجاب ابن معين من سأله: (الزهري سمع من ابن عمر؟ قال: لا. قال: فرآه رؤية؟ قال: يشبه) (٧) . والزهري ولد سنة خمسين (٨) ، فيكون أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من ثلاث وعشرين سنة، وقد قال الذهلي: (لست أدفع رواية معمر عن الزهري أنه شهد سالمًا وعبد الله بن عمر مع الحجاج في الحج، فقد روى ابن وهب عن عبد الله العمري عن الزهري نحوه) (٩) ، وكذا أبوبكر بن السني قال: (سمع الزهري

стр. 262

من ابن عمر حديثين) (١) . وهنا نرى ابن معين لا يدفع رؤية الزهري لابن عمر، وإنما يدفع السماع مع ورود ما يدل على اجتماع الزهري بابن عمر ﵄، ولكن ابن معين كما هو الظاهر يشترط السماع لاتصال السند المعنعن، ولا يكتفي بثبوت اللقاء. وقال ابن معين في القاسم بن مخيمرة: (لم أسمع أنه سمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ ) (٢) فلم يشر إلى معاصرته لبعض الصحابة وإنما لعدم علمه بسماعه من أحد منهم. وفي جميع النصوص السابقة نجد أن البحث كان عن "السماع"، وليس عن الإدراك أو المعاصرة مما يدل على أن الاتصال لا يثبت إلا بالسماع عند ابن معين، ولو كان الاتصال يثبت بالمعاصرة والإدراك عنده لكان السؤال عن ذلك أو لنقل عن ابن معين ما يدل على أن المعاصرة كافية لإثبات الاتصال، وقد أدخل ابن أبي حاتم بعض نصوص ابن معين الآنفة في كتابه "المراسيل" والذي ضمنه الأسانيد غير المتصلة فيكون فهم من كلام ابن معين أنه يحكم على تلك الأسانيد بعدم الاتصال. ٦- ... أحمد بن حنبل. قال الحافظ ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد) (٣) . بل ورد عن أحمد ما يدل على اشتراط ثبوت السماع ولا يكتفي بمجرد ثبوت اللقاء. قال ابن رجب: (فدل كلام أحمد، وابي زرعة، وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لابد من ثبوت السماع ويدل على أن هذا مرادهم أن أحمد قال: "ابن سيرين لم يج عنه سماع من ابن عباس") (٤) .

стр. 263

(وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير: "قد رأى أنسًا فلا أدري سمع منه أم لا؟ " (١) . ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي) (٢) . ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد ما يلي: (وقال أحمد: "ابن جريج لم يسمع من طاووس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاووسًا) . (وقال أحمد: "أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ " (٣) . ومراده من أين صحت الرواية بسماعه منه، وإلا فإمكان ذلك واحتماله غير مستبعد) (٤) . وسماع أبان من أبيه ثابت كما في صحيح مسلم (٥) ، والإمام أحمد كأنه لم يثبت عنده سماع أبان من أبيه من طريق يعتمد عليها. ومحل الشاهد هنا أن أحمد حكم بعدم السماع لعدم ثبوته عنده. ثم قال ابن رجب: (ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع، والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده لم يعلم أنه رجل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل منها عن أحمد قال: "لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم بالشام، وزرارة بصري") (٦) . وقد قال ابن رجب: (وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم في هذا المعنى

стр. 264

كثير جدًا يطول الكتاب بذكره. وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به) (١) . ومن النصوص المنقولة عن الإمام أحمد وتدل على اشتراطه السماع مما لم يذكره ابن رجب: قوله: (عطاء بن أبي رباح قد رأى ابن عمر، ولم يسمع منه) (٢) . وعطاء ولد سنة سبع وعشرين (٣) فيكون أدرك من حياة ابن عمر نحوًا من خمس وأربعين سنة، وقد أثبت البخاري لعطاء السماع من ابن عمر (٤) ، وذلك لمجرد الرؤية الدالة على ثبوت اللقاء عند البخاري كما تقدم تحقيقه. وقال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكر قول شعبة: لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان، ولا من ابن مسعود، فلم ينكر) (٥) . وقد أثبت البخاري لأبي عبد الرحمن السماع من عثمان وابن مسعود (٦) ، وقول شعبة لم يسمع أي لم يثبت من طريق صحيح سماعه من عثمان وابن مسعود لا أنه قد ثبت عدم سماعه منهما. وفي ذكر أحمد لكلام شعبة وإقراره به ما يدل على أنه يرى رأيه كما فهم ذلك الأثرم أيضًا. وقال أحمد بن حنبل: (عطاء بن السائب لا نعرف له سماعًا من عبيدة - يمني السلماني - ولا لقاء) (٧) . وقد نبه الحافظ ابن رجب على بعض ما ورد عن الإمام أحمد من أقوال قد يفهم منها أنه يكتفي بإمكان اللقاء دون اشتراط السماع فقال: (وقال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: "نعم قد سمع من

стр. 265

الأسود غير شيء؛ كأنه يقول: إن الأسود أقدم. لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح بسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير؛ فإن كثيرًا ما يرد التصريح بالسماع ويكون خطأ) (١) . وذكر ابن رجب في موضع آخر ما يلي: (فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية ابن مشيش وسئل عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: "ينبغي" هو قديم قد سمع من ابن عمر". قيل: لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: "هو قديم ينبغي أن يكون سمع منه". وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا) (٢) . وقد نص البخاري على سماع عبد الله بن مطر أبي ريحانة من سفينة (٣) ، ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام أحمد لا يهمل القرائن القوية التي تقوي احتمال السماع كما ورد في النصين السابقين وإن كان الأصل عنده اشتراط ثبوت السماع، وذلك لأن منهج أئمة المحدثين قائم على القرائن نفيًا وإثباتًا في كثير من المسائل، ومنها هذه المسألة. ٧- عمرو بن علي الفلاس. قال: (لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من حماد بن أبي سليمان، ولا من عمرو بن دينار، ولا من أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، ولا من أبي حصين، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، وكنت أخاف أن لا يكون سمع من عاصم بن بهدلة حتى سمعت يحيى - القطان - يقول: ثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا عاصم بن بهدلة عن زر عن علي) (٤) . فلولا أنه وقف على السماع وإلا لقال لم يسمع سعيد من عاصم، فلم ينظر

стр. 266

للمعاصرة وإمكان اللقي وإنما لثبوت السماع. وقال الفلاس في شأن ميمون بن أبي شبيب: (كان يحدث عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي ﷺ ) (١) . وسئل الفلاس: (القاسم بن عبد الرحمن لقي أحدًا من الصحابة؟ قال: لا) (٢) . والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال عنه الذهبي: (ولد في صدر خلافة معاوية) (٣) فيمكنه أن يلقى عددًا من الصحابة، وقد قال علي بن المديني: (لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة قيل له: فلقي ابن عمر. قال: كان يحدث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع منه شيئًا) (٤) ، فقول الفلاس كقول علي بن المديني إلا في جابر بن سمرة، وهذا مما يدل على أن رأي الفلاس هو اشتراط اللقاء أو السماع في السند المعنعن. ٨- أبوزرعة الرازي. قال الحافظ ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ) (٥) . ونقل ابن رجب: (وقال أبوزرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف: "لم يسمع من عمر". هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي ﷺ ) (٦) .

стр. 267

وقال أبوزرعة: (عمرو بن شرحبيل أبوميسرة عن عمر مرسل) (١) . وعمرو بن شرحبيل أدرك الجاهلية (٢) ، وقد أثبت البخاري سماعه من عمر بن الخطاب ﵁ (٣) ، فدل هذا على أن أبا زرعة حكم على هذا السند بعدم الاتصال لأنه لم يثبت عنده سماع عمرو بن شرحبيل من عمر، وقد قال الشيخ أحمد شاكر - وهو ممن يختار مذهب مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة -: (وقول أبي زرعة: أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر، لا أجد له وجهًا، فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة ٦٣هـ) (٤) . وقال أبوزرعة: (عكرمة عن علي مرسل) (٥) ، ولاشك في معاصرة عكرمة لعلي ﵁، حتى أن الشيخ أحمد شاكر قال رادًا على أبي زرعة: (وهذا قول هو دعوى، والعبرة في صحة الرواية بعد الثقة والضبط بالمعاصرة، وعكرمة أهداه سيده حصين بن أبي الحر العنبري لابن عباس حين ولاه علي البصرة، وعلي أمر ابن عباس على البصرة سنة ٣٦هـ كما في تاريخ الطبري ٥: ٢٢٤، فقد عاصر عكرمة عليًا أربع سنين أو أكثر مملوكًا لابن عباس ابن عم علي، ثم قد كان يافعًا إذ ذاك، فإنه مات على الراجح سنة ١٠٥هـ عن ٨٠سنة كما قالت ابنته، فكان عمره حين مقتل علي ١٥سنة) (٦) . ويفهم من نقد الشيخ أحمد شاكر أن أبا زرعة ليس ممن يكتفي بالمعاصرة، ورأيه ومذهبه هو اشتراط السماع لأنه إنما حكم على رواية عكرمة عن علي بالإرسال لعدم وجود السماع - فيما ظهر لي -، ونبه الحافظ ابن رجب إلى أن كلام أبي زرعة يدل على: (أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا

стр. 268

أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء) (١) . وقال ابن رجب: (وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، في هذا المعنى كثير جدًا، وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به) (٢) . ٩- محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي. أحد الأئمة قال فيه ابن عدي: (هو عالم بحديث الشام صحيحًا وضعيفًا) (٣) ، وقال الذهبي: (أثنى طائفة من الكبار على ابن عوف، ووصفوه بالحفظ والعلم والتبحر) (٤) . سئل محمد بن عوف: (هل سمع شريح بن عبيد من أبي الدرداء؟. فقال: لا. فقيل له: فسمع من أحد أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء سمعت وهو ثقة) (٥) . والملاحظ هنا أن محمد بن عوف علل حكمه بعدم سماع شريح في رواياته عن الصحابة بعدم ورود لفظ "سمعت". وقد نص البخاري على أن شريحًا سمع معاوية بن أبي سفيان (٦) ، ومقتضى ذلك أن يكون قد عاصر جمعًا من الصحابة الذين روى عنهم، وتكلم محمد بن عوف في سماعه منهم مثل أبي أمامة، والمقدام بن معدي كرب، وغيرهما (٧) . ١٠- أبوحاتم الرازي. ذكره العلائي فيمن يشترط اللقاء مع وجود

стр. 269

المعاصرة فقال: (على اختيار ابن المديني، والبخاري، أبي حاتم الرازي، وغيرهم من الأئمة) (١) . قال ابن رجب: (وما قاله ابن المديني، والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ. بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع - كما تقدم عن الشافعي ﵁، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة. منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة. كذا قاله أبوحاتم: وقاله أبوزرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير (٢) ، ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي) (٣) . ونقل الحافظ ابن رجب بعض النصوص عن أب حاتم الرازي فيها دلالة على اشتراطه للسماع، من ذلك. (وقال أبوحاتم الرازي أيضًا: "الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر ولم يسمع منه (٤) . وأثبت أيضًا دخول مكحول على وائلة بن الأسقع، ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه، وقال: "لم يصح له منه سماع"، وجعل روايته عنه مرسلة (٥)) (٦) . (وقال أبوحاتم: "الزهري أدرك أبان بن عثمان، ومن هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت السماع من عروة، وقد سمع

стр. 270

ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاقهم على شيء يكون حجة" (١)) (٢) . (وقال أبوحاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: "قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة" (٣)) (٤) . وقد وقفت على نصوص كثيرة لأبي حاتم يظهر منه وبجلاء أنه يشترط السماع كما قال العلائي، وابن رجب، وسأذكر منها أوضحها وأقواها مما لا يحتاج إلى تعليق، فمن ذلك: قوله: (حصين بن جندب أبوظبيان قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنه سمع منه) (٥) ، (والذي يثبت له: ابن عباس وجرير بن عبد الله، ولا يثبت له سماع من علي) . وسأله ابنه: (خالد بن معدان عن أبي هريرة متصل؟ فقال: قد أدرك أبا هريرة، ولا يذكر سماعًا) (٦) . وسأله ابنه: (أبووائل مع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يحكي سماع شيء أبوالدرداء كان بالشام، وأبووائل كان بالكوفة. قلت: كان يدلس؟ قال: لا، وهو كما يقول أحمد بن حنبل) (٧) يعني يرسل ولا يدلس. وقال أبوحاتم: (طاووس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قديم) (٨) .

стр. 271

وقال أبوحاتم: (قد أدرك أبوقلابة النعمان بن بشير، ولا أعلمه سمع منه) (١) . وقال: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولم يسمعوا منه، منهم ابن عون) (٢) . وقال: (مجاهد أدرك عليًا، لا يذكر رؤية ولا سماعًا) (٣) . وقال: أبوعبد الرحمن السلمي ليس تثبت روايته عن علي. فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: روى عنه، لا يذكر سماعًا) (٤) . وقال: (أبوعقيل زهرة بن معبد كان مدني الأصل، سكن مصر، كان مستقيم الحديث، قد أدرك ابن عمر، فلا أدري سمع منه أم لا؟) (٥) . ١١- أبوزرعة الدمشقي. قال: (وأنكر بعض أهل العلم (٦) أن يكون ابن شهاب سمع من أبان بن عثمان. فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - فلم ينكر لقاءه. وقال لي: عمر بن عبد العزيز ولى أبان بن عثمان بن عفان على المدينة، والزهري في صحابة عمر بن عبد العزيز بالمدينة. حدثنا أبوزرعة قال: فحدثني آدم قال: تحدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي، وأنا سكران.

стр. 272

قال الزهري: فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده، ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان [عن أبيه] : ليس على المجنون ولا السكران طلاق. فقال عمر: تأمروني، وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده، ورد إليه امرأته. قال أبوزرعة: فهذه مشاهدة وسماع صحيح. ثم نظرنا فوجدنا أمثال ابن شهاب قد سمع من أبان بن عثمان، وسمع منه من هو دونه في السن) (١) . ثم ساق بعض مرويات المحدثين عن أبان ممن هم أمثال ابن شهاب أو من دون منه في السن ثم بعد ذلك قال: (فكل هذا دليل على صحة حديث ابن أبي ذئب، وقد قلت لعبد الرحمن بن أبي إبراهيم: أتستوحش من حديث ابن أبي ذئب، وسماع الزهري من أبان بن عثمان؟ قال: لا) . نلاحظ أنه مع تيقن أبي زرعة الدمشقي بأن الزهري معاصر لأبان بن عثمان إلا أنه لم يجزم بالسماع إلا بعد أن استشف من نص ثابت أن الزهري التقى أبان بن عثمان، ولكن لما خشي من أن يكون هناك احتمال خطأ في رواية ابن أبي ذئب عن الزهري التي اعتمدها قواها بقارئن وهي سماع أقران الزهري في العمر من أبان، وسماع من هم أصغر من الزهري من أبان بن عثمان كذلك. ويستنبط من هذا النص أن أبا زرعة الدمشقي يعتمد على القرينة الظاهرة، فإن النص الذي احتج به أبوزرعة ليس فيه ثبوت سماع الزهري من أبان بصراحة، ولكن يفهم منه أنه حضر ذلك المجلس وسمع كلام أبان. ١٢- أبوبكر أحمد بن عمرو البزار. قال: (ولا نعلم سمع محمود بن لبيد من عثمان، وإن كان قديمًا) (٢) . ومحمود بن لبيد ولد على عهد الرسول ﷺ ، واختلف العلماء هل له صحبة أم لا؟

стр. 273

وأثبت بعضهم له الرؤية ولم يثبت له الصحبة (١) . ومعاصرته لعثمان محل يقين كما أنه مع عثمان ﵁ في المدينة، ورغم ذلك كله اشترط أبوبكر البزار السماع، وفي هذا دليل على أن رأيه اشتراط السماع في السند المعنعن، وعدم الاكتفاء بالمعاصرة. وفي نص آخر قال البزار (وعطاء بن فروخ رجل من أهل البصرة حدث عنه يونس بن عبيد، وعلي بن زيد، ولا نعلمه سمع من عثمان) (٢) . ويدل هذا النص على أن البزار يبحث عن السماع لا عن المعاصرة، وقد وافلق البزار هنا ما قاله علي بن المديني في عثمان بن فروخ إذ قال: (لم يلق عثمان ﵁ (٣) . وقد صحح الشيخ أحمد شاكر حديث عطاء عن عثمان، ورد كلام ابن المديني بقوله: (ولم أجد ما يؤيد هذا) (٤) . وفي نص آخر قال البزار: (روى مكحول عن جماعة من الصحابة عن عبادة، وأم الدرداء، وحذيفة، وأبي هريرة، ولم يسمع منهم، وإنما أرسل عنهم، ولم يقل في حديث عنهم حدثنا) (٥) . وفي هذا النص كذلك أوضح البزار أنه عد حديث مكحول عن هؤلاء الصحابة غير متصل لأنه لم يجد سماعه منهم. وفي نص آخر قال البزار: (ولا نعلم روى عطاء بن يسار عن عبد الله غير هذا الحديث، ولا نعلمه سمع منه وإن كان قديمًا) (٦) .

стр. 274

وكما يلاحظ هنا فإن البزار يعلم بوجود المعاصرة وإمكان اللقي، ولكنه لا يكتفي بذلك بل يريد ثبوت السماع. ١٣- الدارقطني: قال: (ولا يثبت سماع سعيد من أبي الدرداء لأنهما لم يلتقيا) (١) . قال الحافظ ابن رجب معلقًا على قول الدارقطني هذا: (ومراده أنه لم يثبت التقاؤهما، لا أنه ثبت انتفاؤه، لأن نفيه لم يرد في رواية قط) (٢) . والملاحظ في نص الدارقطني أنه حكم على السند بعدم الاتصال لعدم ثبوت لقاء سعيد بن المسيب أبا الدرداء، والمعاصرة موجودة، لأن سعيد بن المسيب ولد في خلافة عمر ﵁، واختلف في سماعه من عمر - كما تقدم ذلك -، وأما أبوالدرداء فمات في أواخر خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك (٣) . وقال الدارقطني: (أبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود) (٤) . وأبورافع هو نفيع الصائغ. قال ابن دقيق العيد: (وقول الدارقطني: وأبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبا رافع جاهلي إسلامي ... الهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب) (٥) . والظاهر من تصرف الدارقطني أنه يرى ذلك. وفي نص آخر قال الدارقطني: (محمد بن جبير لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلاً) (٦) .

стр. 275

وقد قال يعقوب بن شيبة في محمد بن جبير بن مطعم، وأخيه نافع: (وهما ممن يعدان في الطبقة الثانية ممن أدرك عثمان، وعليًا، وزيد بن ثابت) (١) . وفي نص آخر قال الدارقطني: (هذه كلها مراسيل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا) (٢) . وعبد الله بن بريدة ولد سنة خمس عشرة (٣) ، فيكون أدرك من حياة أم المؤمنين عائشة أكثر من أربعين سنة، وهو ليس بمدلس، ولم يدخل بينه وبين عائشة واسطة فيما رواه عنها حسب علمي، وفي هذا النص دلالة على أن الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع. وقال الدارقطني: (قبيصة لم يسمع من عمرو) (٤) . يعني أن قبيصة بن ذؤيب لم يثبت سماعه من عمرو بن العاص، وقبيصة ذكر عدد من كبار الحفاظ أنه مولود في حياة رسول الله ﷺ (٥) ، وأما عمرو بن العاص ﵁ فقد مات بعد الأربعين وقيل مات بعد الخمسين (٦) ، ولم يذكر قبيصة بتدليس، ولم أر في شيء من حديثه عن عمرو بن العاص أنه أدخل واسطة، وهذا النص يدل على أن الدارقطني يشترط للاتصال ثبوت السماع كما هو ظاهر. وقال الدارقطني في زر بن حبيش: (لم يلق أنس بن مالك، ولا يصح له عنه رواية) (٧) . قال العلائي: (هذا عجيب فإنه تابعي كبير أدرك الجاهلية، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وكبار الصحابة ﵃. وهذا الكلام عن

стр. 276

الدارقطني نقلته من خط الحافظ ضياء الدين (١)) (٢) . ١٤- البيهقي. قال الدكتور نجم خلف: (إن اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة لمن استعمل صيغة العنعنة في الرواية - وهو مذهب علي بن المديني والبخاري وكثير من المحدثين - هو الذي اختاره البيهقي. على اعتباره أنه "ارجح المذاهب وأوسطها، وقد سجل ابن التركماني صاحب كتاب "الجوهر النقي" على البيهقي اعتراضات ومناقشات بسبب اختياره لهذا المذهب، وانتصاره له. ومن المواضع التي اعترض فيها ابن التركماني على البيهقي. قول البيهقي: "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود". قال ابن التركماني معقبًا على البيهقي: "قدمنا أن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلى هذا ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكره أبوسعيد بن يونس فسماعه من ابن مسعود ممكن بلاشك، لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين" (٣)) (٤) . ومن النصوص المؤكدة لذلك مما قاله البيهقي: قوله: (هذا مرسل ابن بريدة لم يسمع من عائشة) (٥) . وقد سبق قبل قليل ببيان دلالة ذلك على المطلوب في كلامنا عن الدارقطني، وقد تعقب ابن التركماني البيهقي هنا بأن المعاصرة ثابتة. وكذلك قول البيهقي: (لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقد قيل فيه "عن" أسماء فهو مرسل) (٦) . يعني عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس، وأسماء خالته

стр. 277

أخت أمه (١) ، وقد ماتت بعد علي ﵁ (٢) ، وعبد الله بن شداد ذكر بعض العلماء أنه ولد على عهد رسول الله ﷺ (٣) ، وأثبت البخاري سماعه من عمر بن الخطاب ﵁ (٤) . فاحتمال سماعه منها قوي جدًا، ورغم ذلك ضعف البيهقي هذا السند لأنه يشترط للاتصال ثبوت السماع، وتعقبه ابن التركماني لذلك. وقال البيهقي: (هو منقطع بين عمرو بن دينار وأبي هريرة) (٥) . وتعقبه ابن التركماني بقوله: (ولد عمرو سنة ست وأربعين فسماعه منه ممكن) . وقد وجدت البيهقي ينقل أقوال البخاري في عدم وجود السماع ويقرها، ولا يتعقبه بما يدل على رضاه واختياره لمذهبه في اشتراط السماع أو اللقاء (٦) . ١٥- ابن الصلاح. قال: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم، علي بن المديني والبخاري، وغيرهما) (٧) . وقال: (وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما) (٨) . ١٦- المنذري. قال: (أبوأيوب ثقة، وما أراه سمع عبد الله) (٩) .

стр. 278

وقد احتج مسلم في صحيحه (١) بحديث أبي أيوب يحيى بن مالك الأزدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وألمح البخاري في الكنى (٢) إلى عدم وجود سماع أبي أيوب من عبد الله بن عمرو بقوله: (أبوأيوب الأزدي العتكي "عن" عبد الله بن عمرو) . وقال المنذري: (أبووائل أدرك معاذًا بالسن، وفي سماعه عندي نظر، وكان أبووائل بالكوفة، ومعاذًا بالشام) (٣) . والمنذري رغم علمه بالمعاصرة وتأكده من سلامة أبي وائل من التدليس إلا أنه لم يحكم على حديثه عن معاذ بالاتصال، وقد يكون المنذري توقف في الاتصال بسبب اختلاف البلاد فأبووائل كوفي، ومعاذ ﵁ شامي، ولكن مذهب مسلم - كما سيأتي بيانه - لا يطلب إلا إمكان اللقي مع ثبوت المعاصرة ولقاء أبي وائل ومعاذ محتمل لا يمكن دفعه. وقد وجدت المنذري في عدة مواطن يحتج بأقوال البخاري الذي ينص فيها على عدم ثبوت السماع، مما يدل على موافقته لمذهب البخاري، لاسيما وأنه لم يتعقبه في شيء منها (٤) . ١٧- النووي. قال: (وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني، والبخاري وغيرهما) (٥) . ثم قال: (ودليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني والبخاري، وموافقوهما) . وقال أيضًا: (ومنهم من اشترط ثبوت اللقاء وهو مذهب علي بن المديني

стр. 279

والبخاري وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين، وهو الأصح) (١) . ١٨- أبوعبد الله محمد بن عمر الفهري المعروف بابن رشيد. قال مادحًا كتابه الذي انتصر فيه للبخاري: (لو عرض ذلك على الإمام أبي الحسين (٢) - يرحمه الله - ووقف على النقض الوارد عليه من كلامه، والنقص المعوذ لكماله، لم يسعه إلا الإقرار به والإذعان له) (٣) . وقال بعد أن ذكر مذهب ابن المديني والبخاري في اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء: (وهذا هو الصحيح من مذاهب المحدثين، وهو الذي يعضده النظر. فلا يحمل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدًا. وما لم يعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع أو التحديث أو ما أشبههما من الألفاظ الصريحة إذا أخبر بها العدل عن العدل) (٤) . وقد ذكر ابن رشيد أنه كان قديمًا يرى رأي مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة. قال: (وقد كنت أرى قديمًا - إبان كنت مقلدًا لك في دعوى الإجماع في أن "عن" محمولة على الاتصال ممن ثبتت معاصرته لمن روى عنه -٠٠٠) (٥) . وقد تصدى ابن رشيد لنقض أدلة مسلم، وأطال النفس في ردها، وبيان أخطائها وانتصر لمذهب البخاري انتصارًا ظاهرًا، وكل ذلك بقوة أسلوب، ونزاهة في اللفظ، ووضوح في الحجة، وسلامة في البراهين، وسنذكر ردوده على مسلم - إن شاء الله - في الباب القادم. ١٩- الذهبي. قال: (ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه، انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا، ولا سماه في "صحيحه"، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة "عن"، وادعى الإجماع في أن

стр. 280

المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك. وإنما يقول ذلك أبوعبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة) (١) . ٢٠- العلائي. قال في اشتراط ثبوت اللقاء: (اختيار ابن المديني، والبخاري، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم من الأئمة، وهو الراجح كما تقدم دون القول الآخر الذي ذهب إليه مسلم، وغيره من الاكتفاء بالمعاصرة المجردة، وإمكان اللقاء) (٢) . وقال: (وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة) (٣) . ٢١- ابن رجب. قال: (وما قاله ابن المديني، والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ) (٤) . وقال: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهو أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم. بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم) (٥) . وقال: (وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء) (٦) .

стр. 281

وقد رد أدلة مسلم ناصرًا القول باشتراط السماع أو اللقاء. ٢٢- ابن حجر العسقلاني. قال رادًا على الإمام مسلم: (وزعم أن الذي اشترط اللقي اخترع شيئًا لم يوافقه عليه أحد، وليس كذلك بل هو المتعين) (١) . وقال: (وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من المدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة، وهو المختار) (٢) . أي والقول باشتراط اللقاء هو المختار الراجح. وقال: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث) (٣) . وبعد أن ذكر السبب الذي جعل البخاري يشترط اللقاء وهو تجويز أهل ذلك العصر للإرسال. قال: (فتبين رجحان مذهبه) (٤) . وقد ورد على أدلة مسلم بما يفهم منه انتصاره لمذهب البخاري (٥) . هذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن أيد القول باشتراط السماع أو اللقاء في السند المعنعن، من القدماء ممن عرفوا بالعلم والإمامة، وأما المعاصرون فلا تكاد تجد - فيما أعلم - من أعلام المشتغلين بالحديث في هذا العصر ممن لهم تصانيف مشهورة من يقول باشتراط اللقاء أو السماع كما هو مذهب البخاري.

стр. 282

الفصل السابع المأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة وجه مسلم ﵀ إلى من قال باشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن عدة انتقادات ومؤاخذات، لن نعرض لها لأن محلها في الفصل الثالث من الباب الثالث الآتي - إن شاء الله - المتعلق بمناقشة أدلة الإمام مسلم. وسأذكر هنا ما لم يذكره مسلم من مؤاخذات على مذهب البخاري في السند المعنعن، وهي مؤاخذتان: الأولى: ما ذكره الصنعاني في قوله: (على أن من شرطه اللقاء، ولو مرة واحدة بحثًا، وهو أنه قد يكثر الشخص الحديث عمن لاقاه بحيث يعلم يقينًا أنه لا يتسع لأخذه عنه تلك الأحاديث في الموقف الذي انحصر فيه اللقاء، فلابد من تقييد ذلك بزيادة أن يتسع زمان اللقاء لكل ما عنه روى) (١) . وبنى على ذلك هذا الإلزام: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه، فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم لسماع أقرب فيما يرويه السامع، ويكثر في روايته مع حقارة في زمن اللقاء) (٢) . وفيما قال الصنعاني نظر من وجهين: ١- ... المقدمة التي بنى عليها حكمه في أن "احتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء" لا يسلم له بها، وهي أن البخاري أخذ وحكم باتصال أحاديث معنعنة كثيرة يرويها راو لم يثبت له إلا اللقي

стр. 283

مرة واحدة لمن حدثه بتلك الأحاديث، ولا يتسع زمن اللقاء لسماع كل تلك الأحاديث. هذه المقدمة فيها نظر لأنها مبنية على افتراض نادر الوقوع جدًا، ولم يأت الصنعاني بمثال واحد بدعم كلامه على أن ذلك حصل وحدث. نعم الاحتمال العقلي لا يدفع ذلك أن يكون موجودًا في تصحيحات البخاري، ولكن هل وقع ذلك حقًا؟ وأين وقع؟ وكم مرة حدث مثل ذلك؟، وقد بذلت جهدي على أن أجد مثالاً لذلك فما استطعت حتى الآن مما يؤكد لي أن ما ذكره الصنعاني إن كان موجودًا فهو نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ثم إن الاكتفاء بثبوت اللقاء ولو بمرة واحدة لا يعني أن كل اللقاءات يستدل على ثبوتها بمرة بل كثير من اللقاءات لا يعلم كم استغرق زمنها لأنها ثبتت من طريق التصريح بالسماع في السند فكثيرًا ما يكون الدليل على وقوع اللقاء عدة نصوص يجيء فيها إثبات السماع والتحديث وذلك إذا صح يتضمن ثبوت اللقاء ولا ريب، ولا ندري كم استغرق وقت اللقاء على وجه الدقة!. ٢- بنى الصنعاني على كلامه السابق نتيجة ألزم بها البخاري. قال: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء، ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء) (١) . لدينا احتمالان - كما يظهر من كلام الصنعاني -: الأول: قال به مسلم معاصر يروي عمن عاصره وليس بمدلس ولم يأت ما يدل على عدم السماع، ولا يعلم يقينًا أنه ثبت اللقاء بينهما واحتمال عدم اللقاء وارد. الثاني: قال به البخاري اللقاء بين الراويين ثابت ولو بنص واحد، واحتمال

стр. 284

أن بعض ما ذكر وروي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال وارد. والصنعاني يقول أن كلا الإمامين أخذ بالاحتمال، إلا أن احتمال الإرسال بين المتعاصرين بعيد، لذلك يرى أن مذهب مسلم أوجه وأقوى. وما ذكره الصنعاني غير وجيه لما يلي: ١- قول الصنعاني ملزمًا البخاري: (فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزء مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-) (١) فيه نظر لأن الزعم بأن احتمال الإرسال بعيد لا يسلم به لأن الإرسال كان منتشرًا بين المحدثين - كما تقدم إيضاح ذلك في أدلة البخاري على مذهبه - فلا يكون احتمالاً بعيدًا بل هو احتمال قريب والشواهد الكثيرة تؤكد ذلك، والمعتنون بالتحرز من الأسانيد المنقطعة قلة من المحدثين مشهود لهم بالإمامة كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وليس كل المحدثين مثلهما. ٢- هناك فرق بين الاحتمالين فاحتمال أن بعض ما روي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال ضعيف ولو ثبت لكان الراوي بذلك مدلسًا لأنه حدث عمن لقي بما لم يسمعه منه، والأصل السلامة من التدليس. وأما احتمال أن يكون المعاصر لم يجتمع، ولم يسمع ممن عاصره فاحتمال وارد، والشواهد على حصول ذلك كثيرة جدًا في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، وجامع التحصيل للعلائي، وبهذا يتضح أن ما قاله الصنعاني ضعيف لأن احتمال عدم السماع في بعض ما يروي من صح لقيه احتمال غير قوي لأن من ثبت في حقه ذلك فهو مدلس، والمسألة تبحث خارج نطاق المدلسين. والثانية: ذكر بعض العلماء أن البخاري لديه بعض الأخطاء في إثبات سماع بعض الرواة الشاميين. قال الذهبي في ترجمة خالد بن اللجلاج العامري: (وقال البخاري: سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذه من أوهامه) (٢) .

стр. 285

وقال الذهبي أيضًا في ترجمة القاسم أبي عبد الرحمن الدمشقي: (وذكر البخاري في تاريخه: أنه سمع عليًا وابن مسعود فوهم) (١) . وقال الحافظ ابن رجب: (وقد ذكر البخاري في تاريخه أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك أبوزرعة الدمشقي وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام) (٢) . وهذه الأخطاء التي ذكرها الذهبي وابن رجب أخطاء جزئية فرعية وليست كلية منهجية، والكمال لله وحده، ولم يسلم أحد من العلماء من الخطأ.
следующие страницы →