وقد رد أدلة مسلم ناصرًا القول باشتراط السماع أو اللقاء.
٢٢- ابن حجر العسقلاني. قال رادًا على الإمام مسلم: (وزعم أن الذي اشترط اللقي اخترع شيئًا لم يوافقه عليه أحد، وليس كذلك بل هو المتعين) (١) .
وقال: (وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من المدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة، وهو المختار) (٢) . أي والقول باشتراط اللقاء هو المختار الراجح.
وقال: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث) (٣) .
وبعد أن ذكر السبب الذي جعل البخاري يشترط اللقاء وهو تجويز أهل ذلك العصر للإرسال. قال: (فتبين رجحان مذهبه) (٤) .
وقد ورد على أدلة مسلم بما يفهم منه انتصاره لمذهب البخاري (٥) .
هذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن أيد القول باشتراط السماع أو اللقاء في السند المعنعن، من القدماء ممن عرفوا بالعلم والإمامة، وأما المعاصرون فلا تكاد تجد - فيما أعلم - من أعلام المشتغلين بالحديث في هذا العصر ممن لهم تصانيف مشهورة من يقول باشتراط اللقاء أو السماع كما هو مذهب البخاري.
стр. 282
الفصل السابع
المأخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة
وجه مسلم ﵀ إلى من قال باشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن عدة انتقادات ومؤاخذات، لن نعرض لها لأن محلها في الفصل الثالث من الباب الثالث الآتي - إن شاء الله - المتعلق بمناقشة أدلة الإمام مسلم.
وسأذكر هنا ما لم يذكره مسلم من مؤاخذات على مذهب البخاري في السند المعنعن، وهي مؤاخذتان:
الأولى: ما ذكره الصنعاني في قوله: (على أن من شرطه اللقاء، ولو مرة واحدة بحثًا، وهو أنه قد يكثر الشخص الحديث عمن لاقاه بحيث يعلم يقينًا أنه لا يتسع لأخذه عنه تلك الأحاديث في الموقف الذي انحصر فيه اللقاء، فلابد من تقييد ذلك بزيادة أن يتسع زمان اللقاء لكل ما عنه روى) (١) .
وبنى على ذلك هذا الإلزام: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه، فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم لسماع أقرب فيما يرويه السامع، ويكثر في روايته مع حقارة في زمن اللقاء) (٢) .
وفيما قال الصنعاني نظر من وجهين:
١- ... المقدمة التي بنى عليها حكمه في أن "احتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء" لا يسلم له بها، وهي أن البخاري أخذ وحكم باتصال أحاديث معنعنة كثيرة يرويها راو لم يثبت له إلا اللقي
стр. 283
مرة واحدة لمن حدثه بتلك الأحاديث، ولا يتسع زمن اللقاء لسماع كل تلك الأحاديث.
هذه المقدمة فيها نظر لأنها مبنية على افتراض نادر الوقوع جدًا، ولم يأت الصنعاني بمثال واحد بدعم كلامه على أن ذلك حصل وحدث. نعم الاحتمال العقلي لا يدفع ذلك أن يكون موجودًا في تصحيحات البخاري، ولكن هل وقع ذلك حقًا؟ وأين وقع؟ وكم مرة حدث مثل ذلك؟، وقد بذلت جهدي على أن أجد مثالاً لذلك فما استطعت حتى الآن مما يؤكد لي أن ما ذكره الصنعاني إن كان موجودًا فهو نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ثم إن الاكتفاء بثبوت اللقاء ولو بمرة واحدة لا يعني أن كل اللقاءات يستدل على ثبوتها بمرة بل كثير من اللقاءات لا يعلم كم استغرق زمنها لأنها ثبتت من طريق التصريح بالسماع في السند فكثيرًا ما يكون الدليل على وقوع اللقاء عدة نصوص يجيء فيها إثبات السماع والتحديث وذلك إذا صح يتضمن ثبوت اللقاء ولا ريب، ولا ندري كم استغرق وقت اللقاء على وجه الدقة!.
٢- بنى الصنعاني على كلامه السابق نتيجة ألزم بها البخاري. قال: (وإذ قد قبل البخاري عنعنة من ثبت له اللقاء، ولو مرة مع احتمال أن بعض ما رواه لم يسمعه فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزه مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-، واحتمال عدم السماع أقرب فيما يرويه السامع ويكثر في روايته مع حقارة زمن اللقاء) (١) .
لدينا احتمالان - كما يظهر من كلام الصنعاني -:
الأول: قال به مسلم معاصر يروي عمن عاصره وليس بمدلس ولم يأت ما يدل على عدم السماع، ولا يعلم يقينًا أنه ثبت اللقاء بينهما واحتمال عدم اللقاء وارد.
الثاني: قال به البخاري اللقاء بين الراويين ثابت ولو بنص واحد، واحتمال
стр. 284
أن بعض ما ذكر وروي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال وارد.
والصنعاني يقول أن كلا الإمامين أخذ بالاحتمال، إلا أن احتمال الإرسال بين المتعاصرين بعيد، لذلك يرى أن مذهب مسلم أوجه وأقوى.
وما ذكره الصنعاني غير وجيه لما يلي:
١- قول الصنعاني ملزمًا البخاري: (فقد حمله على السماع مع الاحتمال، فليجزء مع احتمال الإرسال - مع أنه احتمال بعيد-) (١) فيه نظر لأن الزعم بأن احتمال الإرسال بعيد لا يسلم به لأن الإرسال كان منتشرًا بين المحدثين - كما تقدم إيضاح ذلك في أدلة البخاري على مذهبه - فلا يكون احتمالاً بعيدًا بل هو احتمال قريب والشواهد الكثيرة تؤكد ذلك، والمعتنون بالتحرز من الأسانيد المنقطعة قلة من المحدثين مشهود لهم بالإمامة كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وليس كل المحدثين مثلهما.
٢- هناك فرق بين الاحتمالين فاحتمال أن بعض ما روي لم يسمعه الراوي الأول من الثاني احتمال ضعيف ولو ثبت لكان الراوي بذلك مدلسًا لأنه حدث عمن لقي بما لم يسمعه منه، والأصل السلامة من التدليس.
وأما احتمال أن يكون المعاصر لم يجتمع، ولم يسمع ممن عاصره فاحتمال وارد، والشواهد على حصول ذلك كثيرة جدًا في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، وجامع التحصيل للعلائي، وبهذا يتضح أن ما قاله الصنعاني ضعيف لأن احتمال عدم السماع في بعض ما يروي من صح لقيه احتمال غير قوي لأن من ثبت في حقه ذلك فهو مدلس، والمسألة تبحث خارج نطاق المدلسين.
والثانية: ذكر بعض العلماء أن البخاري لديه بعض الأخطاء في إثبات سماع بعض الرواة الشاميين. قال الذهبي في ترجمة خالد بن اللجلاج العامري: (وقال البخاري: سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذه من أوهامه) (٢) .
стр. 285
وقال الذهبي أيضًا في ترجمة القاسم أبي عبد الرحمن الدمشقي: (وذكر البخاري في تاريخه: أنه سمع عليًا وابن مسعود فوهم) (١) .
وقال الحافظ ابن رجب: (وقد ذكر البخاري في تاريخه أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك أبوزرعة الدمشقي وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام) (٢) .
وهذه الأخطاء التي ذكرها الذهبي وابن رجب أخطاء جزئية فرعية وليست كلية منهجية، والكمال لله وحده، ولم يسلم أحد من العلماء من الخطأ.
стр. 286
الباب الثالث
موقف الإمام مسلم
стр. 287
الفصل الأول
تحرير الإمام مسلم
لمحل النزاع مع مخالفه
المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه ؟
المبحث الثاني: عرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه.
المبحث الأول
من الذي عناه مسلم بالرد عليه؟
لم يصرح مسلم ﵀ باسم الشخص الذي قال بعدم الاكتفاء بالمعاصرة وأنه لابد من ثبوت اللقاء في السند المعنعن ولو مرة، بل أبهم ﵀ اسم ذلك الشخص مكتفيًا بقوله: (وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد، وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحًا، لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا.
إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإمانته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه. غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (١) .
وبسبب هذا الإبهام اضطربت الآراء، واختلفت الأقوال في تحديد هوية الشخص الذي رد عليه مسلم، ولكن لا تخرج الأقوال في ذلك عن ثلاثة:
стр. 288
أولاً: أن المعني بالرد هو البخاري.
ثانيًا: أن المعني بالرد هو علي بن المديني.
ثالثًا: احتمال أن المعني بالرد شخص غير ابن المديني والبخاري دون تحديد اسم معين.
ومع الاختلاف في تحديد اسم المعني بالرد إلا أنني خلال اطلاعي على المصادر وجدت اتفاقًا بين أكثر العلماء بأن مذهب البخاري وابن المديني موافق للمذهب الذي تصدى له مسلم بالرد والتفنيد، ولم أر أحدًا أدعى أن مذهبهما في السند المعنعن مختلف عن المذهب الذي رده مسلم.
إذن الاختلاف ليس في المضمون، وإنما في المعنى بالرد من يكون تحديدًا؟.
وسأذكر فيما يلي آراء العلماء في تحديد شخصية الرجل الذي عناه الإمام مسلم بالرد والمناقشة، ووجه له بعض الألفاظ الشديدة.
أولاً: قول من قال أن المعني بالرد هو البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم) (١) .
وقال ابن حجر في معرض رده على أدلة الإمام مسلم: (وإنما كان ينم له النقض، والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه) (٢) .
ويفهم من هذين النصين أن البخاري هو المعني برد مسلم عند الحافظ ابن حجر.
وقد جزم الصنعاني بأن مسلمًا أراد بنقده البخاري فقال: (واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم، فوجدناه تكلم في الرواية بالعنعنة، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه وأطال مسلم في رده كلامه، والتهجين عليه، ولم يصرح له
стр. 289
البخاري، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده، ورد مقالته) (١) .
والجزم بأنه البخاري هو رأي حبيب الرحمن الأعظمي - فيما نقله عنه الشيخ عبد الفتاح أبوغدة في محاورة جرت بينهما- (٢) .
وقد أشار بعض العلماء إلى أن مسلمًا قد عنى البخاري أو علي بن المديني.
فقد قال الذهبي: (ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا، ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روي عنه بصيغة "عن"، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبوعبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى) (٣) .
وقال الشيخ المعلمي: (قيل: إنه أراد البخاري، ولا مانع من أن يريده هو، وشيخه ابن المديني فقد كان أيضًا معاصرًا له) (٤) .
ثانيًا: قول من قال أن المعني بالرد هو علي بن المديني.
ذهب إلى ذلك ابن كثير فقد ذكر أن مسلمًا: (شنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح") (٥) .
وما ذكره ابن كثير من تفريق بين مذهبي ابن المديني، والبخاري، قد بينت أنه ليس بصواب وأن الحق هو أن البخاري يشترط اللقاء في أصل الصحة، ولم يجعله شرط لكتاب فقط، وللاستزادة يراجع الفصل الثالث من الباب الثاني في هذه الرسالة.
وقد تابع البلقيني ابن كثير فقال: (قيل: يريد مسلم بذلك البخاري إلا أن
стр. 290
البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في "جامعه"، ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة) (١) .
وذكر أن الحافظ ابن حجر رأى ذلك، فقد قال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: (وجزم أن المعني علي بن المديني - دون ذكر الدليل والتعليل - الحافظ ابن حجر، فقد قال تلميذه الحافظ البقاعي في "النكت الوفية على شرح الألفية" في الورقة (١١٧) من المخطوطة في بحث المرسل: "سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه: من هو؟ فقال: علي بن المديني") (٢) .
وهذا فيه بعض النظر فقد نقلت آنفًا عن ابن حجر نصين فيهما أن البخاري هو الذي وجه إليه مسلم النقد، فيحتمل أن لابن حجر قولين في ذلك، ولكن النفس تطمئن إلى ما ذكره ابن حجر بكلامه هو، وأما ما نقله البقاعي فيتطرق إليه عدة احتمالات منها احتمال الاختصار والحذف من كلام ابن حجر، ومنها احتمال أن يكون في صيغة السؤال ما يقتضي مثل هذا الجواب كأن يكون السؤال: هل الإمام مسلم عنى البخاري جزمًا؟ فيكون الجواب: ربما عنى علي بن المديني أيضًا، إلى عدة احتمالات أخرى تتطرق إلى هذا النص تجعلنا نميل إلى تقديم ما قاله ابن حجر على ما نقل عنه لاسيما وأن البقاعي ذكر في خطبة كتابه أنه كتب ما سمعه من ابن حجر بعد انقضاء الدرس فقال: (وماعدا ذلك وهو جل الأمر فهو من كلام شيخنا فإن كان من بحثه فإني عبرت عنه بعد انفصالي من مكان الدرس بحسب فهمي ... فإن ظفرت بمخالفة لشيء لذلك عمن هو أوثق مني فقد علمت عذري، وأما الاعتذار لشيخنا فهو أن النقل حالة المذاكرة قد يتساهل فيه، والله الموفق) (٣) .
وأشار الشيخ محمد بن قاسم الغزي إلى ذلك فيما نقله عنه الشيخ أبوغدة بقوله: (وقال العلامة محمد بن قاسم الغزي الفقيه الشافعي المحدث، تلميذ
стр. 291
الحافظ السخاوي، في حاشيته على "شرح العراقي لألفيته" في الورقة (٤١) من المخطوطة في بحث المرسل: "هو علي بن المديني، وقيل: البخاري، ولم يسم في صحيح مسلم") (١) .
وممن أيد أن المعني برد مسلم هو علي بن المديني وليس البخاري، الشيخ عبد الفتاح أبوغدة، ونصر ذلك بقوة واستدل على ذلك بأمرين:
١- أن علي بن المديني يشترط اللقاء في أصل الصحة، أما البخاري فإنما اشترط اللقاء في "صحيحه" فقط فهو شرط لأعلى الصحة وليس في أصل الصحة عند البخاري. هذا ما قاله ابن كثير والبلقيني ولمح أبوغدة إلى احتمال أن يكون رأي ابن حجر.
٢- أن هناك دليلاً تاريخيًا وهو أن الإمام مسلم بن الحجاج فرغ من صحيحه في سنة خمسين ومائتين قبل أن يلازم البخاري ويأخذ عنه لأن البخاري ما دخل نيسابور إلا مرتين سنة تسع ومائتين، والثانية سنة خمسين ومائتين، ومسلم إنما لازم البخاري في نيسابور. فمن المستبعد أن يكون مسلم عنى البخاري لذلك، لاسيما وأن مسلمًا أثنى على البخاري ثناءً بالغًا وأطراه وفخم أمره بعبارات هي الغاية في المدح ثم يلازمه خمس سنوات ويبالغ في نصرته فيقاطع الذهلي من أجله ثم بعد ذلك يذكر في حقه تلك الألفاظ القاسية!، والعبارات الشديدة!، هذا لا يعقل!. فيكون المعني هو علي بن المديني لا البخاري.
وفي كلا الدليلين نظر، فأما (الدليل الأول) فهو تقليد لابن كثير والبلقيني، ودعوى لا دليل عليها، وقد وضحت في الفصل الثالث من الباب الثاني خطأ ذلك، ونقلت قول الحافظ ابن حجر الذي هو أشد الناس عناية بالبخاري، وأجل من شرح "صحيحه" فقد قال: (ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في "جامعه" لا في أصل الصحة وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط من أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك) (٢) .
وقد نقل الشيخ أبوغدة كلام ابن حجر الآنف ثم عقب عليه بقوله: (وهذا
стр. 292
الذي قاله الحافظ ابن حجر في "النكت" بشأن شرط البخاري مخالف لما قاله نفسه في "هدي الساري" ٢: ١٣٨، في ترجمة (عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث) ، الذي تكلم فيه بعضهم كلامًا شديدًا، فقد ذكر فيها اعتراض الإسماعيلي على البخاري باحتجاجه به ثم قال: "وجواب ذلك أن البخاري إنما صنع ذلك لما قررناه أن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده، وقد انتقاه من حديثه، لكنه لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة". انتهى. فتأمل) (١) .
ويقصد الشيخ عبد الفتاح بالتناقض الذي وقع فيه ابن حجر أنه كيف يقول ابن حجر أن ثبوت اللقاء عند البخاري شرط في أصل الصحة، وليس شرط "صحيحه" فقط، وابن حجر نفسه يقول: أن شرط البخاري في كتابه هو أعلى شروط الصحة؟!
والحق أن فيما قاله أبوغدة نظرًا، وما ادعاه من تناقض الحافظ ابن حجر ليس بصواب؛ فإن ابن حجر لم يتناقض، وقصد ابن حجر يتضح أكثر بما قاله في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث فقد قال: (عبد الله بن صالح الجهني أبوصالح كاتب الليث لقبه البخاري، وأكثر عنه، وليس هو من شرطه في "الصحيح" وإن كان حديثه عنده صالحًا، فإنه لم يورد له في كتابه إلا حديثًا واحدًا، وعلق عنه غير ذلك) (٢) .
وقال أيضًا: (والأحاديث التي رواها البخاري عنه في الصحيح بصيغة حدثنا أو قال لي أو قال المجردة قليلة ... وأما التعليق عن الليث من رواية عبد الله بن صالح فكثير جدًا، وقد عاب ذلك الإسماعيلي على البخاري، وتعجب منه كيف يحتج بأحاديثه حيث يعلقها. فقال: "هذا عجيب يحتج به إذا كان منقطعًا، ولا يحتج به إذا كان متصلاً. وجواب ذلك: أن البخاري إنما صنع ذلك لما قررناه أن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده قد انتقاه من حديثه، لكنه لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة فلهذا لا يسوقه مساق أصل الكتاب، وهذا اصطلاح
стр. 293
له قد عرف بالاستقراء من صنيعه فلا مشاحة فيه) (١) .
وبما نقل عن الحافظ ابن حجر يتضح مقصده أن البخاري لا يخرج في كتابه في الأصول إلا ما توفر فيه أعلى شروط الصحة، ولا يخفى أن مدار أعلى الصحة ليس على ثبوت اللقاء فقط بل لابد مع ذلك، من تمام العدالة، وكمال الضبط، والسلامة من الشذوذ والعلة.
فكلام ابن حجر حول شروط البخاري في صحيحه وأنها أعلى شروط الصحة لا يدل على اشتراط ثبوت اللقاء فقط، وإنما يدل كلامه على أن عبد الله بن صالح وإن كان البخاري انتقى من حديثه ما يعلم صحته إلا أنه لم يعتمده فيما يخرجه من الأصول في "صحيحه" لأنه متكلم فيه فهو ليس على شرطه في كتابه "الصحيح"، ولا يشك أحد في أن البخاري قد اعتنى جدًا بكتابه فلم يذكر فيه إلا أصح الصحيح وترك من الأحاديث الصحيحة الكثير لم يخرجها في كتابه لذا قال الإسماعيلي أثناء كلامه على المعاصرين للبخاري ممن صنف في السنن: (ومنهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه, أو عن كتبه، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة، لم يتعرض أبوعبد الله للرواية عنهم، وكل قصد خيرًا، غير أن أحدًا منهم لم يبلغ من التشديد مبلغ أبي عبد الله) (٢) .
ثم قال الشيخ أبوغدة: (وعلى قول الحافظ ابن حجر الذي علقته آنفًا، وفيه قوله: " ... بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري ... " يكون البخاري قد وافق علي بن المديني في المسألة.
وعلى ذلك: فيتجه على البخاري النقد الشديد الذي وجهه مسلم إلى علي بن المديني، لاتفاقهما في المسألة على قول الحافظ ابن حجر، فتأمل.
ويزيد الأمر توقفًا وتأملاً في كلام الحافظ ابن حجر نقل تلميذه الحافظ البقاعي في كتابه "النكت الوفية" لكلام الحافظ ابن كثير - السابق ذكره -، وإقراره عليه، وإغفاله كلام شيخه ابن حجر الذي خطأ فيه من فرق بين مذهب علي بن
стр. 294
المديني، ومذهب البخاري في هذه المسألة.
وكتاب "النكت" لابن حجر الذي فيه كلامه عن شرط البخاري، هو بين يدي تلميذه البقاعي الملازم له حضرًا وسفرًا، وأمامه، بنقل منه الكلمة الواحدة، والجملة الصغيرة في أقل من هذا الموضوع شأنًا، فكيف أغفل البقاعي نقل ذلك الرد من ابن حجر، في هذه المسألة ذات الشأن الكبير لو كان مقبولاً عنده، وقد حشا كتابه "النكت الوافية" بالنقول والمناقشات والأقوال التي سمعها من ابن حجر أثناء قراءته وألفية العراقي وشرحه لها عليه، وبحثها بين يديه) (١) .
وما قاله الشيخ عبد الفتاح محل نظر عندي لما يلي:
١- نص ابن حجر بصريح العبارة في كتابه "النكت" (٢) على أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري لا كما أدعاه بعضهم. ولم يقل البقاعي أن ابن حجر رجع عن هذا إنما لم ينقل كلامه فهل من المنهج العلمي أن نشكك في العبارة الصريحة التي ذكرها الرجل في كتابه لأن أحد تلامذته لم ينقلها!.
فإن كان البقاعي لم يذكرها، فإن السخاوي (٣) - وهو أحد الملازمين لابن حجر في آخر حياته - قد نقل عن شيخه ذلك، ولم يذكر عنه غيره.
ومن المتفق عليه أن المنطوق مقدم على المفهوم - إن جاز أن يسمى ما ذكره الشيخ أبوغدة من ترك البقاعي لنقل كلام شيخه مفهومًا - فما قاله ابن حجر بلسان نفسه مقدم على تصرف تلميذه.
٢- البقاعي أحد العلماء، ولكل عالم اختياراته، وظاهر صنيعه أن ارتضى كلام ابن كثير وأعجبه فأثبته في كتابه مختارًا له، وليس في ذلك دليل على أن شيخه ابن حجر خالف ما قاله في "النكت" ورجع إلى قول ابن كثير.
ولا يصح أن يكون اختيار التلميذ حجة تنقض كلام شيخه فإذا اختار التلميذ قولاً دل هذا على اختيار الشيخ له أيضًا. لأن هذا استدلال غاية في الغرابة.
(الدليل الثاني) الذي ذكره الشيخ عبد الفتاح أبوغدة على أن مسلمًا إنما عنى
стр. 295
بالرد علي بن المديني وفيه نظر أيضًا، جاء في قوله بعد أن ساق نصوص العلماء ممن قال أن علي بن المديني هو المعني: (أسوق دليلاً تاريخيًا يؤكد ذلك بعون الله تعالى، وتوفيقه فأقول:
من المعلوم أن الإمام مسلمًا ولد سنة ٢٠٤، والأرجح سنة ٢٠٦، وسمع الحديث سنة ٢١٨، وتوفي سنة ٢٦١، عن ٥٥سنة رحمه الله تعالى. وقد ألف كتابه "الصحيح" استجابة لطلب صاحبه ومرافقه في الارتحال والتحصيل: الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوري.
قال الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ٤: ١٨٦، في ترجمة (أحمد بن سلمة) ما يلي:
"أحمد بن سلمة بن عبد الله، وأبوالفضل البزار المعدل النيسابوري، أحد الحفاظ المتقنين، رافق مسلم بن الحجاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد - إلى بلخ-، وفي رحلته الثانية إلى البصرة، وكتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم "الصحيح" في كتابه. وتوفي أحمد بن سلمة سنة ٢٨٦". انتهى.
قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٢: ٥٦٦، في ترجمة (مسلم بن الحجاج) : "قال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة". انتهى. وجاءت العبارة في "تذكرة الحفاظ" للذهبي أيضًا ٢: ٥٨٩، بلفظ "كنت مع مسلم في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة، وهو اثنا عشر ألف حديث مسموعة". انتهى.
وقال الحافظ العراقي في حاشيته على "مقدمة ابن الصلاح" ص١٤: "قال أبوالفضل أحمد بن مسلمة: كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين ومائتين". انتهى.
فأفاد النص الذي نقله الحافظ الذهبي أن مسلمًا بقي في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة. وأفاد النص الثاني الذي نقله الحافظ العراقي - بربطه مع النص الأول - أنه فرغ من تأليفه سنة ٢٥٠، فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة ٢٣٥، حين كانت سنة ٢٩سنة، وانتهى منه حين كانت سنة ٤٤سنة، وقد عاش بعد الفراغ من تأليفه ١١سنة.
стр. 296
ولاشك أن مسلمًا رحمه الله تعالى قد كتب مقدمة "صحيحه" قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته ١: ٤٦-٤٨ " ... وظننت حين سألتني تجشم ذلك، أن لو عزم لي عليه، وقضي لي تمامه، كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس ... ، ثم إنا إن شاء الله مبتدءون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار ... ". انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٢: ٤٠٤، في ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى:
"قال أبوعبد الله الحاكم: أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين - وكانت سنة حينئذ ١٥سنة-، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام". انتهى.
فاستفيد من هذا كله أن مسلمًا لما صاحب البخاري في نيسابور، وأدام الاختلاف إليه، ولازمه كل الملازمة خمس سنوات من سنة ٢٥٠ إلى سنة ٢٥٥، كان منتهيًا من تأليف كتابه "الصحيح"، وفيه مقدمته التي فيها هذا الكلام الشديد، فلا يعقل أبدًا أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة، التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلاً عن الصحبة والملازمة خمس سنين، بل إن مسلمًا قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحيى الذهلي ذلك الموقف المعروف.
فهل يعقل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة، ويقول له: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، ويا طيب الحديث في علله": أن يصفه بتلك الصافت النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة، ويتصاحبا مع ذلك دهرًا طويلاً: خمس سنين؟ هذا فضلاً عن أن البخاري خارج من البين في هذه المسألة، على ما بينه الحافظ ابن كثير، وشيخ الإسلام البلقيني وغيرهما) (١) .
стр. 297
وكلام الشيخ عبد الفتاح واستدلاله هذا فيه نظر لما يلي:
١- النص الذي استشهد به الشيخ عبد الفتاح على أنه دليل على تحديد تاريخ فراغ مسلم من تأليف صحيحه قول أحمد بن سلمة: (كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين ومائتين) . ولا أدري من أين استنبط الشيخ عبد الفتاح أن في هذا تحديدًا لتاريخ انتهاء مسلم من تأليف صحيحه، فالنص لا يسعف على ذلك وإنما يدل على أن أحمد بن سلمة كان مع مسلم سنة خمسين ومائتين أثناء تأليف الإمام مسلم لصحيحه وفي هذا تحديد لسنة من السنوات الخمس عشرة التي قضاها مسلم في تأليف صحيحه، وليس في هذا النص ما يدل على أن مسلمًا فرغ من صحيحه سنة خمسين ومائتين، وإن كان من المؤكد أنه فرغ منه قبل سنة سبع وخمسين ومائتين لما نقله ابن الصلاح: (قال إبراهيم بن سفيان النيسابوري - وكان فقيهًا زاهدًا، من الملازمين لمسلم بن الحجاج -: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين) (١) .
فالذي نستطيع تحديده من تاريخ فراغ مسلم من تأليف صحيحه أنه فرغ منه بعد سنة خمسين ومائتين، وقبل سنة سبع وخمسين ومائتين. لذا من المحتمل أن يكون فرغ منه بعد سنة خمس وخمسين أي بعد لقائه وملازمته للبخاري، ويحتمل غير ذلك أيضًا، ولكن الجزم بشيء من ذلك لا يوجد ما يثبته.
٢- ذكر الشيخ عبد الفتاح أن مسلمًا ألف مقدمة "صحيحه" قبل الشروع في تأليفه، ولكن ليس في هذا دليل على أن ما ذكره مسلم من مناقشة لمسألة السند المعنعن والاحتجاج به كانت من ضمن المقدمة أثناء تأليفها أول مرة، ولا يوجد ما يمنع أن يكون الإمام مسلم زادها فيما بعد ضمن المقدمة، وتنقيح المؤلف لكتابه بإضافة أو حذف وارد جدًا. فالجزم بأن مناقشة مسلم لخصمه كانت ضمن المقدمة حين شرع مسلم في تأليف صحيحه أول مرة محل نظر لقوة احتمال الزيادة والإضافة من المؤلف فيما كتبه سابقًا.
٣- ابن المديني شيخ للإمام مسلم (٢) ، ومكانة علي بن المديني عند
стр. 298
المحدثين لا تخفى على مشتغل بهذا الفن فهو أحد كبار الأئمة في عصره، وأعلم أهل زمانه بعلل الحديث (١) ، فقول الشيخ عبد الفتاح أنه لا يعقل أن يصف مسلم البخاري بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة.
يرد عليه أيضًا لا يعقل أن يقول مسلم ذلك في حق شيخه وإمام أهل الحديث في علم العلل علي بن المديني!!
وبهذا يتضح أن ترجيح الشيخ عبد الفتاح أبوغدة بأن علي بن المديني هو المعني في كلام مسلم غير قائم على أدلة سليمة صحيحة فيبقى الأمر على الاحتمال ومجرد الظن أن يكون علي بن المديني هو المعني في كلام مسلم.
ثالثًا: قول من قال أن المعني في كلام مسلم ربما يكون شخصًا آخر غير ابن المديني والبخاري.
وهذا القول هو رأي ابن رشيد فقد قال: (ولعله - أي مسلم - لم يعلم أنه قول ابن المديني، والبخاري. وكأنه إنما تكلم مع بعض أقرانه أو من دونه ممن قال بذلك المذهب والله أعلم.
فإنه لو علمه لكف من غربه، وخفض لهما الجناح، ولم يسمهما الكفاح) (٢) .
وحتى هذا الاحتمال لا دليل عليه إلا استبعاد أن يتلفظ الإمام مسلم بما قاله في حق ابن المديني أو في حق البخاري، وهما من كبار الأئمة الأعلام.
في الحقيقة يصعب الترجيح، ويشق تعيين الشخص الذي عناه مسلم بالرد، وذلك يرجع إلى أن مسلمًا أبهم اسمه، ولم أجد - حتى الآن - أحدًا معاصرًا، أو قريب العهد من عصر الإمام مسلم سمى ذلك الرجل. ثم إن ما قيل في تسميته كله مبني على الظن والاحتمال. قال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: (والعجيب الغريب جدًا أن "صحيح مسلم" قريء على مؤلفه وتلامذته وتلامذهم ... مئات المرات،
стр. 299
وأول ما يقرأ فيه "المقدمة"، وفيها الكلام الذي سبق ذكره، ولم ينقل عن مسلم أو تلامذته أو تلاميذهم ... تعيين المعني بهذا القول. ولذا يخمن المعني تخمينًا من العلماء اللاحقين) (١) .
وأقوى الاحتمالات أنه عنى البخاري أو ابن المديني، فكلاهما يقول باشتراط اللقاء في السند المعنعن، ولا خلاف بينهما في ذلك - على الصحيح-، فالرد على أحدهما رد على الآخر بالضرورة لأن المهم هو القول لا القائل. وعلى فرض أن المعني هو ابن المديني فإن رد مسلم وكلامه يشمل البخاري بالضرورة لأنه يرى نفس الرأي، وكذلك العكس يدل على هذا أن مسلمًا قال: (فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه) (٢) .
ومن المؤكد أنه لا ينبني على تحديد شخصية المعني في كلام مسلم كبير أثر، لأن العلماء متفقون على أن البخاري يرى أن ثبوت اللقاء ولو مرة شرط للاحتجاج بالسند المعنعن، والحجج التي ساقها مسلم في "المقدمة" هي في الحقيقة رد على رأي البخاري ومذهبه في السند المعنعن. فتحديد من عناه مسلم بالرد لا يغير من الحقيقة شيئًا.
المبحث الثاني
عرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه
عرض الإمام مسلم في "مقدمته" رأي مخالفه قبل أن يرد عليه، ولكنه زاد بعض الأشياء في مواطن متفرقة لذا رأيت من المناسب أن أجمع شتات ذلك من "المقدمة".
قال مسلم عارضًا رأي مخالفه: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن
стр. 300
فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنه لا نعلم له منه سماعًا، ولم يجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث؛ أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما فما فوقها فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئًا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا، حجة. وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر في رواية مثل ما ورد) (١) .
ثم ذكر مسلم أن مخالفه قد يحتج بكثرة الإرسال بين المحدثين قديمًا وحديثًا فيحتاج لذلك للبحث عن سماع الرواة، فقال مسلم على لسان المخالف له: (فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) .
وقد أوضح مسلم أن مخالفه يرى أن ما لم يثبت فيه اللقاء من الأسانيد المعنعنة يعد ضعيفًا واهيًا. فقال: (فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه ... ) (٢) .
وذكر مسلم أسانيد لا يثبت فيها اللقاء وهي صحيحة عند أهل العلم ثم قال: (وهي في زعم من حكينا قوله من قبل واهية مهملة) (٣) ، وقال أيضًا: (وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف) (٤) .
هذا هو رأي المخالف كما عرضه مسلم، وعليه بنى رأيه هو، وحججه في
стр. 301
الرد، وحرر محل النزاع مع مخالفه.
ثم أوضح الإمام مسلم رأيه في السند المعنعن، واحتج له بأدلة، وسنعرض هنا إلى ما قاله مسلم من كلام في تحديد مذهبه فقط دون ذكر أدلته لأن محلها الفصل الثالث الآتي - إن شاء الله -.
قال مسلم: (وهذا القول - يعني كلام خصمه - يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع. مستحدث غير مسبوق إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأما والمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بينا) (١) .
ثم ذكر ﵀ في شأن الأئمة من أهل الحديث: (إنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله؛ فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم تسم من الأئمة) (٢) .
ولما ساق عددًا من الأسانيد التي ذكر أن أهل العلم صححوها، ولا يثبت السماع أو اللقاء فيها بين التابعي والصحابي؛ بين سبب ذلك بقوله: (إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (٣) .
وبما تقدم يعلم أن مسلمًا يتفق مع المخالف له فيما يلي:
١- الاحتجاج بما علم أن اللقاء فيه ثابت.
стр. 302
٢- رد ما يشك في اتصاله لوجود دلالة بينة.
وأن الاختلاف بينهما كما يفهم من كلام مسلم في حديث المتعاصرين - إذا توفرت فيه الضوابط التي ذكرها - إذا لم يرد ثبوت اللقاء من طريق صحيح مرة فصاعدًا. فمسلم يقبل من الأسانيد ما كان هذا سبيله، وخصمه يرد ذلك ولا يقنع إلا بثبوت اللقاء ولو مرة.
стр. 303
الفصل الثاني
ضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم
المبحث الأول: ثقة الرواة .
المبحث الثاني: العلم بالمعاصرة.
المبحث الثالث: تحديد المقصود بإمكانية اللقاء.
المبحث الرابع: السلامة من التدليس.
المبحث الخامس: عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء.
المبحث الأول
ثقة الرواة
لا تكون المعاصرة كافية لاتصال السند المعنعن عند مسلم إلا إذا توفرت فيها أمور:
أولها: ثقة الرواة كما قال الإمام مسلم: (القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة ... ) (١) .
ومفهوم كلام مسلم هذا أن الضعيف، والمجهول لا يدخلان هنا. لأنه في الأصل لا يحتج بحديثهما حتى مع ثبوت المعاصرة، ولكن إذا كانت المعاصرة غير
стр. 304
ثابتة فيضاف إلى التضعيف سبب آخر وهو عدم الاتصال على مذهب مسلم. والغالب في المجهولين عدم معرفة معاصرتهم لمن حدثوا عنه لقلة ما يرويه الواحد منهم، ولندرة المعلومات عنهم في كتب الجرح والتعديل.
ويبقى سؤال مهم يرد على معنى "الثقة" عند مسلم: هل يشمل الصدوق الذي خف ضبطه وانحط عن رتبة الحافظ المتقن أم لا؟
والذي أراه أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم يدخل فيها كل من يحتج به ويشمل ذلك الحافظ المتقن، والصدوق أيضًا، وقد قال مسلم في القسم الأول من الرواة الذين أخرج حديثهم في صحيحه واحتج به: (فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا لم يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم) (١) .
ومن تأمل هذا الكلام بأن له أنه ينطبق على الصدوق أيضًا لأن مرتبة الصدوق لا يدخل فيها من كان في رواياته اختلاف شديد، أو تخليط فاحش.
ويؤيد ما قلته أن مسلمًا أكمل كلامه الآنف بقوله: (فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان. كالصنف المقدم قبلهم) .
والصدوق غير مدفوع عن الحفظ والإتقان، وإنما يؤخذ عليه وجود بعض الأوهام في حديثه لخفة ضبطه وإتقانه، والذي ينطبق عليه كلام مسلم في قوله: (من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان) أولئك الأشخاص الذين سماهم في تتمة كلامه الآنف إذ قال: (وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم بشملهم كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حمال الآثار، ونقال الأخبار) .
وهؤلاء قد ضعفهم أهل العلم من أئمة الجرح والتعديل لذلك لم يصفهم مسلم إلا بالستر، والصدق، وتعاطي العلم، ولم يذكرهم بالحفظ والإتقان،
стр. 305
وهؤلاء الثلاثة لا يصلح أن يدخلوا في مرتبة الصدوق التي يحتج بحديثه في الجملة بدلالة أن مسلمًا قال في أحدهم وهو يزيد بن أبي زياد: (هو ممن اتقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرد للذين اعتبروا عليه من سوء الحفظ في رواياته التي يرويها) (١) .
وبما تقدم يتضح لنا أن الصدوق داخل عند مسلم في القسم الأول من الرواة الذين احتج بهم فتشملهم كلمة "الثقة" التي قالها مسلم في سياق كلامه عن الاكتفاء بالمعاصرة.
ومما يؤكد ما تقدم أن الإمام الحجة عبد الرحمن بن مهدي قال: (احفظ عن الرجل الحافظ المتقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا ذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه - يعني لا يحتج بحديثه -) (٢) .
وقد احتج مسلم في "صحيحه" ببعض المحدثين الذين خف ضبطهم، ولم يكونوا من أهل الضبط التام، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ولكنه انتقى من أحاديثهم ما صح عنده وتجنب ما أخطأوا فيه، قال الخليلي في العلاء بن عبد الرحمن: (مديني مختلف فيه لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان". وقد أخرج مسلم في "الصحيح" المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ) (٣) .
وليس المقصود في هذا المقام ما صنع مسلم في "صحيحه"، وكيف كان منهجه فيه، وإنما بيان أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم تعني الراوي المحتج بحديثه من حيث العموم، ولا تعني الحافظ المتقن فقط.
стр. 306
المبحث الثاني
العلم والمعاصرة
هذا هو الأمر الثاني الذي ذكره مسلم في قوله: (إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة ... ) (١) .
ولا يكتفي أن تكون المعاصرة محتملة بل لابد من تحقق ثبوتها والعلم بها، ويدل على ذلك أمران:
الأول: أن مسلمًا قال: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد ... أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا ... ) (٢) .
والملاحظ هنا أنه نص على أن "العلم قد أحاط بأنهما كانا في عصر واحد"، والذي رده المخالف هو المذهب الذي نصره مسلم واختاره.
فأفاد هذا النص الصريح من كلام مسلم أنه لابد من العلم بالمعاصرة.
الثاني: ذكر مسلم بأن أهل المعرفة بالحديث صححوا أسانيد لا يثبت فيها لقي التابعين للصحابة الذين رووا تلك الأحاديث وساق أمثلة من تلك الأسانيد، وفي جميع هذه الأسانيد التي ذكرها مسلم كانت المعاصرة ثابتة بيقين.
ومن ذلك قوله: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين هلم جر، ونقلا عنهم
стр. 307
الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما. قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن الني ﷺ حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (١) .
فمعاصرة أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ لأبي بن كعب ﵁ لاشك في ثبوتها.
ومن ذلك قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثًا) .
فإذا كان عبد الرحمن بن أبي ليلى قد حفظ عن عمر بن الخطاب ﵁ المتوفى سنة ثلاث وعشرين، وصحب عليًا ﵁ المتوفي سنة أربعين، فتكون معاصرته ثابتة بلا ريب لأنس بن مالك ﵁ المتوفي سنة ثلاث وتسعين.
وقد قال مسلم بعد أن ساق تلك الأسانيد: (فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه، وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار، والروايات من صحاح الأسانيد.
لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (٢) .
وهذه الجملة الأخيرة تؤكد أن كل الأسانيد التي ساقها مسلم مستدلاً بها؛ المعاصرة فيها متحققة الثبوت.
وقد نص بعض العلماء على أن المعاصرة لابد أن تكون ثابتة عند مسلم، ومن هؤلاء ابن رشيد الذي قال: (وحاصل هذا الدليل الرابع ادعاء الإجماع أيضًا على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس إذا عنعنوا عن
стр. 308
الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم وإن لم يعلم اللقاء ولا السماع) (١) ، وقال أيضًا: (لا يقبل معنعن من لم تصح له معاصرة) (٢) يقصد أنه لم ينقل عن أحد من أئمة النقد قبول المعنعن مطلقًا ولو لم تصح المعاصرة وتثبت.
وقال الحافظ ابن حجر في العنعنة: (وشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة) (٣) .
وقال الشيخ المعلمي: (لا يكفي احتمال المعاصرة) (٤) ثم قال: (وأهل العلم كثيرًا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم، ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة) .
وثبوت المعاصرة عند مسلم تتم بأحد طريقين:
الأول: معرفة تاريخ ولادة الراوي، وتاريخ وفاة المروي عنه. كما قال مسلم: (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ حديثًا. وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي ﷺ ) (٥) .
فمسلم هنا تحقق من معاصرة عبيد لأم سلمة بمعرفة تاريخ ولادة عبيد بن عمير المولود في زمن النبي ﷺ ، ثم بمعرفة تاريخ وفاة أم سلمة ﵂ التي تأخرت وفاتها إلى سنة اثنتين وستين. على الصحيح (٦) ، ومسلم ﵀ لم يذكر تاريخ وفاة أم سلمة ﵂، لأنه معروف مشتهر بين المحدثين أن وفاتها تأخرت بزمن طويل بعد وفاة رسول الله ﷺ .
وثبوت المعاصرة من هذا الطريق واضح جدًا لا لبس فيه.
ومما يدخل تحت هذا الطريق معرفة قدم ولادة الراوي دون تحديد دقيق
стр. 309
لسنة الولادة كما قال مسلم في أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ أنهما أدركا الجاهلية، ورويا عن أبي بن كعب ﵁ وأيضًا قوله في أبي عمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية، وروى عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ وأيضًا قوله في قيس بن أبي حازم وقد أدرك زمن النبي ﷺ ، وروى عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ (١) .
فهؤلاء كلهم ولدوا قديمًا في الجاهلية ولكن دون تحديد لتاريخ ولادتهم فمعاصرتهم لأولئك الصحابة محل يقين.
الثاني: معرفة تاريخ وفيات الأقدم موتًا من مشايخ الراوي الذي سمع منهم، فإن معرفة ذلك تعين على التأكد من المعاصرة بين ذلك الراوي، وبعض من يروي عنهم. كما قال مسلم:
(وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثًا) (٢) .
فمعرفة ذلك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من أنه حفظ عن عمر ﵁، وصحب عليًا ﵁، ووفاتهما أقدم بكثير من تاريخ وفاة أنس ﵁ جعلت معاصرة عبد الرحمن لأنس محل يقين.
وقال مسلم: (وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه) (٣) .
والمتعارف عليه أن عليًا ﵁ مات سنة أربعين، ومسلم يستدل بسماع ربعي من علي على معاصرة ربعي لعمران بن حصين وأبي بكرة وقد توفيا بعد علي ﵃ أجمعين - فقد مات عمران سنة اثنتين وخمسين (٤) ،
стр. 310
وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (١) .
وهناك مسألة لها علاقة باشتراط العلم بالمعاصرة لاتصال السند المعنعن وهي: رواية التابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة. هل يقبل مسلم هذا السند ولو لم يعلم بتحقق المعاصرة أم يشترط التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم؟
الحقيقة لم أجد لمسلم كلامًا حول هذه المسألة، ولكن الظاهر من كلامه أن العلم بالمعاصرة شرط لاتصال السند المعنعن مطلقًا، فمقتضى كلام مسلم حول المعاصرة أن لا تقبل رواية التابعي عن صحابي مبهم إلا إذا علمت معاصرته له، فإن كانت المعاصرة على الاحتمال ولم يرد ما يثبتها فحينئذ لابد من التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم.
وقد نظرت فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" من رواية التابعي عن صحابي مبهم فوجدته أخرج من ذلك أحاديث قليلة جدًا بعضها مصرح فيها باللقاء، وبعضها قد جاء عنده من طريق آخر التصريح باسم المبهم، وبعضها رويت بالعنعنة ولكنه أخرجها في المتابعات، ولم أجده أخرج في الأصول إلا حديثًا واحدًا من رواية امرأة من التابعين عن بعض أزواج النبي ﷺ بالعنعنة. وبيان ذلك كما يلي:
أ - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث صرح فيها التابعي باللقاء من الصحابي المبهم وهي:
١- حديث تمامة بن حزن القشيري قال: (لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ؟ فدعت عائشة جارية حبشية فقالت: سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكيه وأغلقه، فإذا أصبح شرب منه) (٢) .
٢- حديث طاووس أنه قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال
стр. 311
رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز") (١) .
٣- حديث ابن شهاب الزهري أنه قال: (وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ ... الحديث) (٢) .
ب - أخرج مسلم في "صحيحه" حديثين من رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولكن ذكر طرقًا أخرى فيها تصريح باسم الصحابي. وهما:
١- حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: (أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة) (٣) .
وأخت عمرة هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ أخت عمرة لأمها (٤) ، وقد ورد التصريح باسمها عند مسلم في رواية عبد الله بن محمد بن معن، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كلاهما عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، إلا أن عبد الله بن محمد بن معن لم يقل أم هشام وإنما قال عن بنت لحارثة بن النعمان. وقد أثبت البخاري سماعه منها (٥) .
٢- حديث عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: "سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم" (٦) .
وأم المؤمنين هي حفصة ﵂، وقد ورد التصريح باسمها في رواية أخرى أخرجها مسلم وفيها يقول عبد الله بن صفوان: (أخبرني حفصة) (٧) .
ج - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث من رواية التابعي عن صحابي
стр. 312
مبهم بالعنعنة، ولكنها في المتابعات، ومنها حديثان لم يسقهما مسلم لذاتهما وإنما وردا ضمنًا، وهذه الأحاديث هي:
١- حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار (أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية) (١) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم متابعة لحديث سهل بن أبي حلمة ﵁ في القسامة الذي أخرجه قبل حديث أبي سلمة وسليمان بن يسار.
٢- حديث خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد (أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين) (٢) .
وهذا الرجل قيل هو ابن عباس (٣) ، وهذا الحديث لم يخرجه مسلم لذاته، وإنما أخرج حديث الزهري عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه ف نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة متابعة وضمن حديث الزهري ورد حديث خالد بن المهاجر السابق، وحديث الزهري كما ساقه مسلم: (قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرض برجل - فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله ﷺ ) فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك.
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين.
قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها
стр. 313
كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها.
قال ابن شهاب: وأخبرني ربيع بن سبرة أن أباه قال: قد كنت استمتعت في عهد رسول الله ﷺ امرأة من بني عامر ببردين أحمرين ثم نهانا رسول الله ﷺ عن المتعة) (١) .
٣- حديث سماك بن حرب عن رجل من القوم أن النبي ﷺ قال: "كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) " (٢) .
هذا الحديث لم يخرجه مسلم مستقلاً، وإنما ورد ضمن حديث يرويه شعبة عن سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة قال: (صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ثم أتى بغرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال (٣) فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال: كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) " (٤) .
وحديث شعبة عن سماك أخرجه مسلم متابعة لحديث مالك بن مغول عن سماك به، ولكن ليس في رواية ابن مغول زيادة سماك عن رجل من القوم ... الحديث.
ويحتمل أن يكون الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا، ويحتمل غير ذلك، لأنه لم يصرح في الحديث بأنه صحابي، والظاهر أن مسلمًا لم يقصد إخراج هذه الزيادة وإنما وقعت ضمن الحديث الذي قصد إخراجه بغرض المتابعة، ولأن الحديث في أصوله هكذا لذا رواه على تلك الحال وغرضه الاستشهاد برواية شعبة عن سماك بن حرب، لما عرف من أن سماكًا كان بأخرة يتلقن (٥) ، فساق مسلم
стр. 314
رواية شعبة عنه ليبين أن هذا الحديث الذي رواه مالك بن مغول من صحيح حديث سماك.
وقد ثبت من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة" (١) ، فزيادة سماك عن الرجل عن رسول الله محفوظة ولاشك سواء كان الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا أو لم يكن.
٥- أخرج مسلم في "صحيحه" في الأصول حديثًا واحدًا فقط من رواية تابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة، وهذا الحديث هو حديث صفية بنت أبي عبيد الثقفية عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (٢) . وقد رواه من طريق عبيد الله العمري عن نافع مولى ابن عمر عن صفية به.
وقد ذكر أبومسعود الدمشقي هذا الحديث في مسند حفصة أم المؤمنين ﵂ (٣) ، ويظهر لي أن مسلمًا ترجح عنده أن المقصود ببعض أزواج النبي ﷺ حفصة أو عائشة ﵄ وذلك لأن مسلمًا أخرج في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد حدثته عن حفصة أو عن عائشة أو عن كلتيهما أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها" (٤) .
وأخرج أيضًا من طريق عبد الله بن دينار عن نافع مثل رواية الليث، وأخرج من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري يقول سمعت نافعًا يحدث عن صفية بنت أبي عبيد أنها سمعت حفصة بنت عمر (٥) ، وأخرج من طريق عبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني كلاهما عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض
стр. 315
أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ بمعنى حديث الليث.
فالذي يغلب على الظن أن صفية قد روت حديث: "من أتى عرافًا ... " عن حفصة أو عن عائشة لاسيما وأن راوي هذا الحديث عن نافع هو عبيد الله العمري، وهو أيضًا الذي روى حديث: "النهي عن الإحداد فوق ثلاثة أيام إلا على الزوج" عن نافع وقال فيه عن بعض أزواج النبي ولم يصرح بالاسم، ولكن الليث بن سعد، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري صرحوا باسم زوج النبي ﷺ أنها حفصة أو عائشة.
وعلى كل الأحوال فإن صفية بنت أبي عبيد معاصرتها ثابتة لأزواج النبي ﷺ وذلك لأن عبد الله بن عمر قد تزوجها في عهد أبيه (١) ، وذكر ابن مندة أن صفية: (أدركت النبي ﷺ ، وروت عن عائشة وحفصة، ولا يصح لها سماع من النبي ﷺ ) (٢) ، ونفى الدارقطني أن تكون أدركت النبي ﷺ ، ولكن الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أنها تزوجت ابن عمر في عهد أبيه قال: (فيحمل قول من نفى الإدراك على السماع فكأنها لم تميز إلا بعد الوفاة النبوية) (٣) ، وصحح ابن حجر سماعها من عمر بن الخطاب ﵁.
فعلى ما ذكره ابن مندة ورجحه ابن حجر تكون صفية قد ثبتت معاصرتها لكل أزواج النبي ﷺ الذين مات وهن في عصمته، وأغلب ظني أن مسلمًا احتج بالحديث لترجيحه أن المقصود ببعض أزواج النبي ﷺ إما حفصة وإما عائشة ويفسر ذلك ما وقع في حديث "الإحداد".
وبهذا نستطيع القول أن اشتراط العلم بالمعاصرة مطلوب حتى في رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولا يكفي احتمال المعاصرة، فإن لم يعرف هل عاصر أم لا؟ فلابد من التصريح أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم الاسم.
قال الحافظ زين الدين العراقي مبينًا ذلك: (فرق أبوبكر الصيرفي من الشافعية في كتاب "الدلائل" بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنًا أو مع
стр. 316
التصريح بالسماع، فقال: وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ لا يقبل لأني لا أعلم سمع التابعي من ذلك الرجل إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت أمكانه منه لجعلته كمدرك العصر. قال: وإذا قال: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ قبل لأن الكل عدول. انتهى كلام الصيرفي. وهو حسن متجه وكلام من أطلق قبوله على هذا التفصيل) (١) .
وهذا التفصيل هو ظاهر كلام الإمام أحمد، فقد قال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم) .
فالإمام أحمد صحح رواية التابعي إذا قال: "حدثني" رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ولا يدخل في ذلك إذا روى التابعي حديثًا بالعنعنة عن صحابي مبهم.
وقد خالف ابن حجر في ذلك شيخه العراقي وقال: (حكى شيخنا كلام أبي بكر الصيرفي في ذلك وأقره. وفيه نظر لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حملت عنعنته على السماع، وإن قلت: هذا إنما يتأتى في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين، فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي والغرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ فينقدح صحة ما قال الصيرفي.
قلت: سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن وهي حاصلة في هذا المقام) (٢) .
وما رجحه ابن حجر هنا لا يتفق مع ترجيحه لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء، بل ولا يتفق مع مذهب مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة لذا قال الشيخ المعلمي بعد أن نقل كلام ابن حجر السابق: (والعجب من الحافظ ﵀ كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم
стр. 317
معاصرته أصلاً، فسبحان من له الكمال المطلق) (١) .
والشيخ المعلمي رغم تعجبه من تصرف ابن حجر إلا أنه في موضع آخر مال إلى رأيه مع بعض التوقف فقال: (لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ... " ونحو ذلك راجح (فتح المغيث) ص٦٢، والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثير ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته. فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة.
فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع والإلزام والتدليس، والغرض عدمه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف) (٢) .
والراجح في نظري ما قاله أحمد بن حنبل، وأبوبكر الصيرفي والحافظ زين الدين العراقي من أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا صرح التابعي بلقائه أو سماعه من ذلك الصحابي.
ومقتضى كلام مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة، وظاهر صنيعه في "صحيحه" يستدل بهما على أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا تحقق ثبوت المعاصرة وإلا فلابد من التصريح باللقاء أو السماع إذا كانت المعاصرة غير معلومة، وأحاديث التابعين عن صحابة مبهمين التي أخرجها مسلم في صحيحه في غير المتابعات، وذكرتها قبل قليل دالة على ذلك.
стр. 318
المبحث الثالث
تحديد المقصود بإمكانية اللقاء
ورد في كلام مسلم عندما نقل اتفاق أهل الحديث على الاحتجاج بالسند المعنعن إذا رواه ثقة عن مثله قوله: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام ... ) (١) .
وظاهر كلام مسلم هذا أن مجرد ثبوت المعاصرة كاف لإمكان اللقاء، وأن معنى إمكان اللقاء هو ثبوت المعاصرة فقط، ولكن ذكر مسلم نصًا آخر يختلف عما سبقه إذ قال في معرض بيانه أن المخالف لم يحتج بـ (كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به ... ) (٢) .
فهنا فرق مسلم بين العلم بالمعاصرة وجواز اللقاء فجعله زائدًا على العلم بالمعاصرة كما يقيده سياق النص، وإلى هذا ذهب العلائي والصنعاني في تحديدهما لمذهب مسلم في الحديث المعنعن.
فقال العلائي: (والقول الرابع: أنه يكتفي بمجرد إمكان اللقاء دون ثبوت أصله فمتى كان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السن والبلد كان الحديث متصلاً، وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط، وهذا قول الإمام مسلم) (٣) .
وكلام العلائي يفيد أن هناك أمر زائد على ثبوت المعاصرة، وهو أن يكون اللقاء ممكنًا من حيث بلد الراويين المعنعن، والمعنعن عنه: فإما أن يكونا من نفس البلد، أو تكون بلادهما متقاربة، أو يعلم دخولهما لبلد معين في زمن
стр. 319
متقارب. ويفهم من كلام العلائي أن تباعد البلاد لا يجعل اللقاء ممكنًا.
وقال الصنعاني: (على أن المعاصرة لا تكفي مطلقًا بأن يكون أحدهما في بغداد، والآخر في اليمن، بل لابد من تقارب المحلات ليمكن اتصال الرواة) (١) .
والذي قاله العلائي والصنعاني في فهم كلام الإمام مسلم ملح نظر لما يلي:
١- إن اشتراط تقارب البلاد أو إمكان اللقاء بالنظر إلى بلاد المعنعن والمعنعن عنه لم ينص عليه الإمام مسلم في كلامه الوارد في مقدمة "صحيحه".
٢- حدد مسلم ﵀ المقصود بإمكان اللقاء في سياق كلامه في موضعين من "المقدمة" فقد قال: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد) (٢) .
وقال بعد إخراجه للأسانيد التي صححها العلماء واللقاء غير ثابت بين رواتها من التابعين والصحابة: (إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (٣) .
ففي هذين النصين اللذين يتضح من سياقهما أن اللقاء عند مسلم إنما يصبح ممكنًا بسبب ثبوت المعاصرة فقط.
٣- إن قول مسلم عن المخالف له بأنه رد ولم يحتج بكل حديث معنعن (وقد أحاط العلم بأنهما قد كطان في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به) (٤) . لا يدل على تقارب بلاد المتعاصرين، وإنما يدل على جواز السماع من بعضهما مطلقًا لعدم وجود مانع يمنع ذلك الجواز ويجعله مستبعدًا. ثم إن أقوى أنواع تفسير النصوص وإزالة اللبس عنها يكون بنفس كلام صاحب النص المراد تفسيره، وقد مر معنا أن مسلمًا وضح أن معنى إمكانية اللقاء وجواز السماع لكون المعنعن والمعنعن عنه في عصر
стр. 320
واحد، ولم يزد على ذلك شيئًا آخر.
٤- احتج مسلم في صحيحه بأحاديث، وجدنا فيها المعنعن والمعنعن عنه من بلدين مختلفين متباعدين، ومن ذلك:
أخرج مسلم في صحيحه حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة مرفوعًا في أن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم (١) .
وحميد بن عبد الرحمن الحميري بصري، وأبوهريرة ﵁ مدني، وقد ذكر مسلم في المقدمة (٢) حديث حميد عن أبي هريرة من ضمن الأحاديث التي لا يعلم فيها لقاء التابعي للصحابي.
وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة مرفوعًا في فضل صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء (٣) .
وعبد الله بن معبد بصري، وأبوقتادة مدني، وقد نص البخاري على أنه لا يعرف لعبد الله بن معبد سماع من أبي قتادة (٤) .
وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا في مواقيت الصلاة (٥) .
وأبوأيوب المراغي بصري، وعبد الله بن عمرو العاص تنقل بين الشام ومصر والطائف، ومات في مصر - على الصحيح (٦) -، وقد قال المنذري: (أبوأيوب ثقة ما أراه سمع عبد الله) (٧) .
واحتجاج مسلم بهذه الأحاديث مما يدل على أن المقصود بإمكان اللقاء ليس