← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التصريح بالسماع، فقال: وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ لا يقبل لأني لا أعلم سمع التابعي من ذلك الرجل إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت أمكانه منه لجعلته كمدرك العصر. قال: وإذا قال: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ قبل لأن الكل عدول. انتهى كلام الصيرفي. وهو حسن متجه وكلام من أطلق قبوله على هذا التفصيل) (١) . وهذا التفصيل هو ظاهر كلام الإمام أحمد، فقد قال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم) . فالإمام أحمد صحح رواية التابعي إذا قال: "حدثني" رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ولا يدخل في ذلك إذا روى التابعي حديثًا بالعنعنة عن صحابي مبهم. وقد خالف ابن حجر في ذلك شيخه العراقي وقال: (حكى شيخنا كلام أبي بكر الصيرفي في ذلك وأقره. وفيه نظر لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حملت عنعنته على السماع، وإن قلت: هذا إنما يتأتى في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين، فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي والغرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ فينقدح صحة ما قال الصيرفي. قلت: سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن وهي حاصلة في هذا المقام) (٢) . وما رجحه ابن حجر هنا لا يتفق مع ترجيحه لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء، بل ولا يتفق مع مذهب مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة لذا قال الشيخ المعلمي بعد أن نقل كلام ابن حجر السابق: (والعجب من الحافظ ﵀ كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم

стр. 317

معاصرته أصلاً، فسبحان من له الكمال المطلق) (١) . والشيخ المعلمي رغم تعجبه من تصرف ابن حجر إلا أنه في موضع آخر مال إلى رأيه مع بعض التوقف فقال: (لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ... " ونحو ذلك راجح (فتح المغيث) ص٦٢، والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثير ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته. فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة. فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع والإلزام والتدليس، والغرض عدمه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف) (٢) . والراجح في نظري ما قاله أحمد بن حنبل، وأبوبكر الصيرفي والحافظ زين الدين العراقي من أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا صرح التابعي بلقائه أو سماعه من ذلك الصحابي. ومقتضى كلام مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة، وظاهر صنيعه في "صحيحه" يستدل بهما على أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا تحقق ثبوت المعاصرة وإلا فلابد من التصريح باللقاء أو السماع إذا كانت المعاصرة غير معلومة، وأحاديث التابعين عن صحابة مبهمين التي أخرجها مسلم في صحيحه في غير المتابعات، وذكرتها قبل قليل دالة على ذلك.

стр. 318

المبحث الثالث تحديد المقصود بإمكانية اللقاء ورد في كلام مسلم عندما نقل اتفاق أهل الحديث على الاحتجاج بالسند المعنعن إذا رواه ثقة عن مثله قوله: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام ... ) (١) . وظاهر كلام مسلم هذا أن مجرد ثبوت المعاصرة كاف لإمكان اللقاء، وأن معنى إمكان اللقاء هو ثبوت المعاصرة فقط، ولكن ذكر مسلم نصًا آخر يختلف عما سبقه إذ قال في معرض بيانه أن المخالف لم يحتج بـ (كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به ... ) (٢) . فهنا فرق مسلم بين العلم بالمعاصرة وجواز اللقاء فجعله زائدًا على العلم بالمعاصرة كما يقيده سياق النص، وإلى هذا ذهب العلائي والصنعاني في تحديدهما لمذهب مسلم في الحديث المعنعن. فقال العلائي: (والقول الرابع: أنه يكتفي بمجرد إمكان اللقاء دون ثبوت أصله فمتى كان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السن والبلد كان الحديث متصلاً، وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط، وهذا قول الإمام مسلم) (٣) . وكلام العلائي يفيد أن هناك أمر زائد على ثبوت المعاصرة، وهو أن يكون اللقاء ممكنًا من حيث بلد الراويين المعنعن، والمعنعن عنه: فإما أن يكونا من نفس البلد، أو تكون بلادهما متقاربة، أو يعلم دخولهما لبلد معين في زمن

стр. 319

متقارب. ويفهم من كلام العلائي أن تباعد البلاد لا يجعل اللقاء ممكنًا. وقال الصنعاني: (على أن المعاصرة لا تكفي مطلقًا بأن يكون أحدهما في بغداد، والآخر في اليمن، بل لابد من تقارب المحلات ليمكن اتصال الرواة) (١) . والذي قاله العلائي والصنعاني في فهم كلام الإمام مسلم ملح نظر لما يلي: ١- إن اشتراط تقارب البلاد أو إمكان اللقاء بالنظر إلى بلاد المعنعن والمعنعن عنه لم ينص عليه الإمام مسلم في كلامه الوارد في مقدمة "صحيحه". ٢- حدد مسلم ﵀ المقصود بإمكان اللقاء في سياق كلامه في موضعين من "المقدمة" فقد قال: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد) (٢) . وقال بعد إخراجه للأسانيد التي صححها العلماء واللقاء غير ثابت بين رواتها من التابعين والصحابة: (إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (٣) . ففي هذين النصين اللذين يتضح من سياقهما أن اللقاء عند مسلم إنما يصبح ممكنًا بسبب ثبوت المعاصرة فقط. ٣- إن قول مسلم عن المخالف له بأنه رد ولم يحتج بكل حديث معنعن (وقد أحاط العلم بأنهما قد كطان في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به) (٤) . لا يدل على تقارب بلاد المتعاصرين، وإنما يدل على جواز السماع من بعضهما مطلقًا لعدم وجود مانع يمنع ذلك الجواز ويجعله مستبعدًا. ثم إن أقوى أنواع تفسير النصوص وإزالة اللبس عنها يكون بنفس كلام صاحب النص المراد تفسيره، وقد مر معنا أن مسلمًا وضح أن معنى إمكانية اللقاء وجواز السماع لكون المعنعن والمعنعن عنه في عصر

стр. 320

واحد، ولم يزد على ذلك شيئًا آخر. ٤- احتج مسلم في صحيحه بأحاديث، وجدنا فيها المعنعن والمعنعن عنه من بلدين مختلفين متباعدين، ومن ذلك: أخرج مسلم في صحيحه حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة مرفوعًا في أن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم (١) . وحميد بن عبد الرحمن الحميري بصري، وأبوهريرة ﵁ مدني، وقد ذكر مسلم في المقدمة (٢) حديث حميد عن أبي هريرة من ضمن الأحاديث التي لا يعلم فيها لقاء التابعي للصحابي. وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة مرفوعًا في فضل صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء (٣) . وعبد الله بن معبد بصري، وأبوقتادة مدني، وقد نص البخاري على أنه لا يعرف لعبد الله بن معبد سماع من أبي قتادة (٤) . وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا في مواقيت الصلاة (٥) . وأبوأيوب المراغي بصري، وعبد الله بن عمرو العاص تنقل بين الشام ومصر والطائف، ومات في مصر - على الصحيح (٦) -، وقد قال المنذري: (أبوأيوب ثقة ما أراه سمع عبد الله) (٧) . واحتجاج مسلم بهذه الأحاديث مما يدل على أن المقصود بإمكان اللقاء ليس

стр. 321

تقارب البلاد وإنما أن يكون اللقاء محتملاً وغي مستبعد، ولاحظ دلالة قوله: "فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا" فإنه فسر الإمكان لكونهما في عصر واحد. فالراجح أن معنى إمكانية اللقاء عند مسلم ليست تقارب البلاد، وإنما اتفاق العصر. فاللقاء يكون ممكنًا أو متباعدة مادام اللقاء محتملاً وغير مستبعد مع مراعاة الضوابط الأخرى، وهذا الذي يدل عليه قول مسلم: (أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بينا) (١) . وما رجحته هو ظاهر كلام ابن حجر، والمعلمي. فقد قال ابن حجر: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة) (٢) . وقال المعلمي مبينًا أن تباعد البلاد غير ضار في قبول معنعن المتعاصرين: (ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم - أي التابعين - إلا نادرًا من لم يزد الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء. فإذا كان الحال ما ذكر، وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع، ولا عدمه كان المتبادر السماع. فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما، وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر. فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء) (٣) . يشهد لذلك قول أيوب: (كانوا يحجون للقي) (٤) .

стр. 322

وقد بين المعلمي ﵀ أن احتمال اللقاء يكون على ثلاث درجات من حيث القوة في قوله: (المعاصرة المعتد بها على قول مسلم ضبطها بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد ... " وجمعه بين "جائز وممكن" يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت ن الصيغة - يعني "عن" - بحسب العرف - ولاسيما عرف المحدثين، وما جرى عليه عملهم - ظاهرة في السماع (١) فهذا الظهور يحتاج إلى دافع. فمتى لم يعلم اللقاء فإن كان مع ذلك مستبعدًا، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عند ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يرد صيغة السماع. وإن احتمل اللقاء احتمالاً لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له. فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال، وذلك كمدني روىعن عمر، ولم يعلم لقاؤه له نصًا لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلاً فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا. فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار فإنه يحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي

стр. 323

روى عن يمان لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع) (١) ، وذلك لكون (قيس ولد بعد عمرو، ومات قبله، وكان معه بمكة، وسمع كل منهما من عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم، وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام، والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من "طبقات ابن سعد" (٢) ، وكان قيس قد خلف عطاءًا في مجلسه كما ذكره "ابن سعد" (٣) أيضًا، وسمع عمرو من ابن عباس، وجابر، وابن عمر، وغيرهم ولم يدركهم قيس. فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمرًا، وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟! أو لم يكونا يصليان معًا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟! أو لم يكونا يجتمعا في حلقة عطاء وغيره في المسجد، ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أو يظن بقيس أنه استنكف من السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالاً؟!) (٤) . وبما تقدم من كلام الشيخ المحقق عبد الرحمن المعلمي نعلم أن "إمكانية اللقاء" بين المعنعن والمعنعن عنه التي يحتج بها الإمام مسلم على درجتين: الدرجة الأولى: أن يكون اللقاء ممكنًا جدًا لقوة القرائن التي من أهمها اشتراك المتعاصرين في البلدة نفسها التي ينتمي لها كل واحد منهما. الدرجة الثانية: أن يكون اللقاء ممكنًا ومحتملاً لا يترجح أحد طرفيه لا الثبوت، ولا العدم، ويكون المعنعن غير مدلس يترجح - عند مسلم - احتمال اللقاء على عدمه. ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن الأئمة الذين لا يكتفون بالمعاصرة، ويشترطون ثبوت السماع يرون تباعد البلاد بين المتعاصرين قرينة على عدم

стр. 324

السماع، ولا يفتحون باب الاحتمالات لإمكان أن يلتقي المتعاصران في موسم الحج، أو في مكان ما. قال الحافظ ابن رجب: (ومما يستدل به أحمد، وغيره من الأئمة على عدم السماع، والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده لم يعلم أنه رجل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل مهنا عن أحمد قال: "لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصري". وقال أبوحاتم في رواية ابن سرين عن أبي الدرداء: "قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة" (١) . وقال ابن المديني: "لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي". وقال الدارقطني: "لا يثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء لأنهما لم يلتقيا" ومراده أنه لم يثبت التقاؤهما، لا أنه ثبت انتفاؤه، لأن نفيه لم يرد قط) (٢) . المبحث الرابع السلامة من التدليس يشترط في الاكتفاء بالمعاصرة أن يكون المعنعن غير مدلس، قال مسلم عن أئمة الحديث: (وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس.

стр. 325

فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (١) . والتدليس المقصود هنا تدليس الإسناد لأنه هو المرتبط بالعنعنة، ويلاحظ في هذا النص أنه قيد بمن "شهر به"، ومفهوم ذلك أن من لم يشتهر بالتدليس تحمل عنعنته عمن عاصر على الاتصال. فما هو المقصود من الشهرة بالتدليس؟ ذكر ابن رجب في بيان المراد من كلام مسلم السابق احتمالين، ولم يرجح أحدهما على الآخر. قال: (وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس ويحتمل أن يريد به ثبوت ذلك عنه وصحته) (٢) . والذي يظهر لي أن مقصود ذلك عند مسلم أن يصف أكثر من إمام من أئمة النقاد ذلك الراوي بالتدليس فيشتهر أمره ويعرف بأنه مدلس، ولا يلزم أن يكون مكثرًا من التدليس حتى يشتهر به. فهذا سفيان الثوري مشهور بالتدليس، وقد صرح الإمام البخاري بأنه قليل التدليس (٣) . وكذلك ابن جريج مشهور بالتدليس، وقد صرح ابن حجر بأن تدليسه قليل (٤) . والتدليس كما عرفه الخطيب البغدادي: (رواية المحدث عمن عاصره، ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد) (٥) . وكذلك عرفه ابن الصلاح فقال: (تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه

стр. 326

ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه) (١) . وعرف الذهبي الحديث المدلس بقوله: (ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه) (٢) . وقال في أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: (إلا أنه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم) (٣) . وقال الحافظ العراقي معلقًا على قول ابن الصلاح الآنف: (هكذا حد المصنف - يعني ابن الصلاح - القسم الأول من قسمي التدليس اللذين ذكرهما، وقد حده غير واحد من الحفاظ بما هو أخص من هذا، وهو أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، هكذا حده الحافظ أبوالحسن بن محمد بن عبد الملك بن القطان في كتاب بيان الوهم والإبهام. قال ابن القطان: والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه. انتهى. ويقابل هذا القول في تضييق حد التدليس القول الآخر الذي حكاه ابن عبد البر في التمهيد (٤) أن التدليس أن يحدث الرجل بما لم يسمعه. قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك، ولا غيره. وما ذكره المصنف في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرت قول البزار، وابن القطان كيلا يغتر بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل الشأن لذلك) (٥) . ويستخلص من النصوص المتقدمة أن التدليس لفظ يطلق على صورتين: الصورة الأولى: إذا روى الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه.

стр. 327

الصورة الثانية: إذا روى الراوي عمن عاصره ولم يلقه. وذهب الحافظ ابن حجر إلى أن الصورة الثانية لا تسمى تدليسًا بل هي المرسل الخفي، وهو في تحديده للتدليس في الصورة الأولى فقط موافق للبزار وابن القطان الفاسي. قال ابن حجر: (والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم - أي أهل الحديث - أن التدليس مختص باللقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس. وقد قال الخطيب - في باب المرسل من كتابه الكفاية (١) -: "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس وهو: رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه، ثم مثل للأول سعيد بن المسيب وغيره عن النبي ﷺ ، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد". انتهى. فقد بين الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك مرسل لا مدلس. والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال) (٢) . وفيما ذهب إليه الحافظ ابن حجر نظر لما يلي: ١- أن الخطيب البغدادي قد أدخل في تعريفه للتدليس رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه (٣) . وأيضًا فقد ذكر الخطيب في فصل "ذكر شيء من أخبار المدلسين" (٤) كلام

стр. 328

الإمام أحمد بن حنبل فيمن روى عنهم سعيد بن أبي عروبة وحدث عنهم ولم يسمع منهم شيئًا. فدل هذا على أنه تدليس عند الخطيب وليس إرسال. ولكن يلاحظ أن المحدث إذا حدث عمن عاصره ولم يلقه يعد مدلسًا بشرط الإبهام أي يوهم المتلقي عنه أنه قد سمع وهو لم يسمع وهذا نص عليه الخطيب في قوله: "فيتوهم أنه سمع منه". وبهذا يندفع التناقض عن كلام الخطيب البغدادي الذي نقله ابن حجر. ٢- أن وصف من روى عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس هو المشهور عن أهل الحديث وأئمته كما قال العراقي (١) ، ودلت عليه نصوص بعض كبار الأئمة ومن ذلك: قول الإمام يعقوب بن شيبة: (فأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء) (٢) . وقول ابن حبان: (ومنهم المدلس عمن لم يره كالحجاج بن أرطاة وذويه كانوا يحدثون عمن لم يروه ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم) (٣) . وقول ابن عدي بعد أن ذكر من لم يلقهم سعيد بن أبي عروبة: (وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس رواية عنه، وثبتًا عن كل من روى عنه إلا من دلس عنهم وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم) (٤) . وقول أبي عبد الله الحاكم: (الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولانازل) (٥) .

стр. 329

وقول ابن رجب: (وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا) (١) . فالراجح عندي في تعريف التدليس ما ذكره الخطيب البغدادي وابن الصلاح، ولكن بشرط لابد من التأكيد عليه في الصورة الثانية وهو الإبهام من الراوي بأنه قد سمع وهو لم يسمع. قال الشيخ المعلمي: (والرواية عن المعاصر على وجه الإبهام تدليس أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإبهام عمن قد سمع منه) (٢) . وقد نبه المعلمي إلى أن هذا رأي الإمام مسلم فقال: (وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليٍسًا إذا كان على وجه الإبهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب ص٣٥٧. وذكر مسلم أمثله (٣) فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن سمعوا منه ولم تعد تدليسًا ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإبهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع.

стр. 330

ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي (١) أن التدليس يثبت بمرة لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإبهام، والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين) (٢) . ومما يجب التنبيه عليه هنا أن من لم يصفه أحد أئمة الجرح والتعديل بالتدليس فلا ينبغي أن يوصف بذلك، فإن بعض الرواة يقع فيما يروونه ما يتطابق مع تعريف التدليس، ولم نجد من الأئمة من وصفهم، كما هو الحال في رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁، فإنه لم يسمع منه إلا القليل وروى عنه الكثير، ولم أجد من وصف سعيدًا بالتدليس رغم وجود صورة التدليس فيما رواه؛ فلا يجوز لأحد أن يصف راويًا بالتدليس إلا من وصفه الأئمة من أهل الحديث بالتدليس. ويبقى سؤال حول من عرف بالإرسال هل يكون حكمه حكم المدلس عند مسلم في عدم الاكتفاء بمعاصرته وضرورة البحث عن سماعه فيمن روى عنهم؟ الحقيقة أن مسلمًا لم يتطرق لهذا في كلامه، ولكن القياس الصحيح يملي علينا أن نجعل من عرف بالإرسال وهو التحديث بما لم يسمعه أن يكون حكمه حكم المدلس لأنهما يشتركان في التحديث بما لم يسمعا، فيكون احتمال الإرسال قويًا فيمن عرف بالإرسال، ويجب أن ينزل منزلة المدلس من حيث عدم الاكتفاء بمعاصرته وضرورة البحث عن سماعه قياٍسًا على كلام مسلم في المدلس لاشتراكهما في علة الحكم. ويؤيد ذلك قول العلائي: (حكم المدلس حكم المرسل) (٣) . ويؤيده أيضًا قول المعلمي في رواية القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد الخدري: (لقاء القاسم لأبي سعيد مظنون، وبما أنه روى عنه بالعنعنة وهو ثقة غير

стр. 331

مدلس، ولا معروف بالإرسال الخفي فالظاهر السماع، وإن لم يعلم صريحًا، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم) (١) . وفي موضع آخر قال المعلمي: (فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس أو الإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له ... ) (٢) . فبين المعلمي في هذين النصين أن من أرسل إرسالاً خفيًا لا يكتفي بعنعنته لمن عاصر كالمدلس. وإلى هذا ذهب الدكتور نور الدين عتر فبعد أن ذكر أن من شرط قبول العنعنة من المعاصرة عند مسلم ألا يكون مدلسًا قال: (ويلحق بذلك من عرف بالإرسال كالحسن والزهري) (٣) . وهذا هو الراجح - في نظري - أن من عرف بالإرسال مطلقًا، أو ثبت أنه أرسل إرسالاً خفيًا فهو كالمدلس من حيث عدم قبول معنعنه لمن عاصر لأن من فرق بين ذلك فقد فرق بين متماثلين، ولأن ذم التدليس دون الإرسال ليس فرقًا مؤثرًا في علة الحكم التي هي قوة احتمال عدم السماع فيما رووه بصيغة غير صريحة في الاتصال. والله أعلم. المبحث الخامس عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء بشترط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة أن لا يوجد دليل على عدم سماع المعنعن من المعنعن عنه. قال مسلم في ثبوت المعاصرة: (فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم

стр. 332

يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بينا) (١) . ولم يبين مسلم ﵀ الدلالة البينة على عدم السماع، ولكنها واضحة لمن تأمل كلام الأئمة، واعتنى بأقوال أئمة النقد والتعليل. ويعرف عدم سماع الراوي عمن روى عنه بالطرق التالية: أولاً: ورود نص بعدم السماع. ثانيًا: ورود ما ينفي السماع تاريخيًا. ثالثًا: أن يذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع. رابعًا: إدخال واسطة بين المعنعن والمعنعن عنه في بعض الطرق (٢) . أولاً: ورود النص بعدم السماع: من الدلائل المبينة على عدم السماع، ورود نص بلفظ صريح يتضمن نفي السماع أو اللقاء، وتتم معرفة ذلك بأحد أمرين: الأمر الأول: أن ينص الراوي بأنه لم يسمع من ذلك الشيخ. مثال ذلك الحجاج بن أرطاة قال لهشيم: (سمعت من الزهري؟ قال: نعم فقال: لكني لم أسمع منه شيئًا) (٣) . وسئل سعيد بن عامر الضبعي هل سمع ن يونس بن عبيد؟ فقال: (لا، ولكن أخبرني عنه رجل) (٤) . وسأل عمرو بن مرة أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود: (تحفظ عن أبيك شيئًا؟ قال: لا) (٥) . الأمر الثاني: أن ينص إمام أو أكثر من ذوي الاطلاع على عدم سماع الراوي من ذلك الشيخ.

стр. 333

مثال ذلك رواية الحسن البصري عن أبي هريرة: نص يونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وعلي بن زيد بن جدعان، وبهز بن حكيم، وابن معين، وابن المديني، وأبوزرعة، وأبوحاتم (١) ، وغيرهم على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، بل قال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: إن سالمًا الخياط روى عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا ما يبين ضعف سالم) (٢) . ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه: فقد نص ابن معين، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبوحاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبوداود على أنه لم يسمع من أبيه (٣) . وكذلك رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير: قال فيها أبوحاتم: (حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هوأكبر منه غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث يكون حجة) (٤) . ثانيًا: ورود ما ينفي السماع تاريخيًا: إذا ثبت أن الراوي لم يدرك الشيخ الذي روى عنه بأنه يكون الشيخ مات قبل ولادة الراوي، أو لكون الشيخ قد مات، والراوي لم يزل صغيرًا، فإن ذلك دلالة بينة على عدم السماع وضحت لنا بطريق التاريخ. وتتم معرفة ذلك بأحد أمرين: الأمر الأول: عدم إدراك الراوي للشيخ الذي روى عنه. مثال ذلك: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي روى عن علي ﵁، ولم يسمع منه، لأن عليًا ﵁ قتل سنة أربعين، وإبراهيم لم يسمع من أبيه (٥)

стр. 334

الذي مات سنة إحدى وخمسين (١) ، لأنه ولد بعد وفاة أبيه (٢) . ومثال ثان: روى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁، وعن جده عمر بن الخطاب ﵁، ولم يسمع منهما (٣) لأنه ولد في خلافة عثمان ﵁ (٤) . ومثال ثالث: روى سعيد بن المسيب عن أبي بكر الصديق ﵁، ولم يسمع منه (٥) ، لأن سعيدًا ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر ﵁ (٦) . الأمر الثاني: صغر سن الراوي عند موت الشيخ الذي روى عنه.

стр. 335

مثال ذلك: حديث سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب. قال ابن معين: (وسعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرًا، قلت ليحيى - القائل هو الدوري -: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. فقال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا) (١) . وسئل أبوحاتم هل يصح لسعيد بن المسيب سماع من عمر. فقال: (لا. إلا رأيته على المنبر ينعي النعمان بن مقرن) (٢) . وقال الشيخ أحمد شاكر - وهو من المؤيدين لمذهب مسلم -: (سعيد بن المسيب لم يدرك عمر إلا صغيرًا، فروايته عنه مرسلة إلا رواية صرح فيها أنه يذكر فيها يوم نعي عمر النعمان بن مقرن على المنبر) (٣) . وكذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد مات عمر ولعبد الرحمن من العمر ست سنوات (٤) . لذا نص ابن معين، وأبوحاتم على أنه لم يسمع من عمر (٥) . وقال الخليلي: (الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر) (٦) . قال الشيخ أحمد شاكر في إسناد عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر: (إسناده ضعيف لانقطاعه فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى كان صغيرًا جدًا في حياة عمر، ولد لست بقين من خلافته ... ) (٧) . وأيضًا إبراهيم النخعي لم يصححوا سماعه من عائشة ﵂ لأنه دخل عليها وهو صغير. قال ابن معين: (إبراهيم النخعي أدخل على عائشة وهو صبي) (٨) ، وقال أبوحاتم: (لم يلق إبراهيم النخعي أحدًا من أصحاب النبي ﷺ إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، فإنه أدخل عليها وهو صغير) (٩) . وقال المزي: (ودخل على عائشة أم المؤمنين، وروى عنها، ولم يثبت له منها سماع) (١٠) . ثالثًا: أن يذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع: إذا ذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع مثل "نبئت" أو "حدثت" أو "بلغني"، ونحو ذلك، فإن ذلك يعتبر دلالة بينة على عدم سماعه من الشيخ الذي روى عنه. مثال ذلك: قول أحمد بن حنبل: (لم يسمع محمد بن سيرين من ابن عباس يقول في كلها: "نبئت عن ابن عباس" (١١) .

стр. 336

وقال عمر بن الواحد: (حدثنا عن عطاء الخراساني ... ) (١) وصيغة الأداء هذه تدل على أن عمر بن عبد الواحد لم يسمع من عطاء الخرساني. وقال أحمد بن حنبل: (بلغني عن سلام بن أبي مطيع ... ) (٢) وهذه الصيغة تدل على أن الإمام أحمد لم يسمع سلام بن أبي مطيع. وتلك الصيغ ظاهرة في الدلالة على عدم السماع بين المتعاصرين اللذين لم يثبت لقاؤهما لبعضهما حتى لو كانت أكثر الطرق بالعنعنة، وورد في سند أو طريق واحد لفظ مثل "نبئت" أو "حدثت"، فإن ذلك حجة عدم السماع بين المعنعن والمعنعن عنه في الطرق الأخرى. رابعًا: إدخال واسطة بين المعنعن والمعنعن عنه في بعض الطرق: إذا روى رجل عن آخر حديثًا ولم يثبت سماع أو لقاء أحدهما من الآخر، ثم جاء من طريق آخر إدخال شخص واحد أو أكثر بين ذلك الرجل والمروي عنه فإن هذا مما يستدل به أئمة النقد والتعليل على الانقطاع بين ذلك الرجلين. قال ابن الصلاح في بيان معرفة المرسل الخفي: (ومنه ما كان الحكم بإرساله محالاً على مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص واحد أو أكثر في الموضع المدعى فيه الإرسال كالحديث عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، فإنه حكم فيه بالإنقطاع والإرسال بين عبد الرزاق والثوري، لأنه روى عن عبد الرزاق قال حدثني النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري عن أبي إسحاق. وحكم أيضًا فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق، لأنه روي عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق) (٣) . وقال ابن رجب: (فإن كان الثقة يروي عمن عاصره - ولم يثبت لقبه له - ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه. قال أحمد: "البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة.

стр. 337

قال: وفي حديث زائدة عن السدي عن البهي قال: حدثتني عائشة. قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه "حدثتني عائشة" ينكره") (١) . ونصوص كبار الأئمة في ذلك كثيرة جدًا نذكر بعضها على سبيل المثال: سئل يحيى بن معين: عبد الله بن نجي سمع من علي؟ فقال: (لا. بينه وبين علي أبوه) (٢) . وسئل ابن معين عن حديث سالم بن أبي الجعد عن كعب بن مرة البهري؟ فقال: (هو مرسل قد أدخل شعبة بينهما شرحبيل بن السمط) (٣) . وسئل أحمد بن حنبل: أبووائل سمع من عائشة؟ فقال: (ما أرى. أدخل بينهما مسروق في غير شيء) (٤) . وسئل أحمد بن حنبل عن سماع حميد بن هلال من هشام بن عامر؟ فقال: (ما أراه سمع منه وذاك أنه يدخل بينهما رجل وبعضهم يقول: أبوالدهماء) (٥) . وقال أبوحاتم: (طلحة بن مصرف أدرك أنسًا، وما أثبت له سماع منه، يروي عن خثيمة عن أنس، وعن يحيى بن سعيد عن أنس) (٦) . وموقف الإمام مسلم من رواية المحدث عمن عاصره - ولم يثبت لقيهما - إذا جاء في بعض الطرق زيادة رجل أو أكثر بينهما أن ذلك يعد دلالة بينة على عدم السماع واللقاء كما هو موقف كبار أئمة النقد* (٧) .

стр. 338

دليل ذلك أن مسلمًا قال: (ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه) (١) . ومحمد هو محمد بن علي بن عبد الله حفيد عبد الله بن عباس ﵄ ولد سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ستين (٢) . أي قبل موت جده بثمان أو عشر سنوات. والسبب الذي حمل مسلمًا على أن يقول: (لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه) هو أن محمد بن علي يروي عن أبيه عن عبد الله بن عباس كما في صحيح مسلم (٣) ، ولم يرد ما يثبت أن محمدًا سمع أو لقي جده عبد الله بن عباس، فدل ذلك على أن حديثه عن جده منقطع مع وجود ما يدل على تحقق المعاصرة. إذ لو كان محمد سمع من جده عبد الله بن عباس لما احتاج أن يذكر أباه، ويبعد احتمال أن يكون سمع من ابن عباس، لأنه لا يثبت له سماع منه. ويدل صنيع مسلم على أنه إذا وجدت واسطة في السند بين المنعنعن والمعنعن عنه كان ذلك قرينة قوية على عدم السماع. فلابد لقبول الخبر من ثبوت السماع أو اللقاء بينهما. وعدم التنبه لهذه القضية وأثرها في عدم الاكتفاء بالمعاصرة أوقع بعض العلماء الأفاضل في خطأ. كما وقع من ابن دقيق العيد ﵀ عندما علق على قول الإمام أحمد وغيره: عراك بن مالك لم يسمع من عائشة بقوله: (قد ذكروا سماعه من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلد واحدة) (٤) . ولا يستقيم الاحتجاج بالمعاصرة هنا لأن عراك بن مالك لم يثبت لقيه لعائشة ﵂، ولأنه جاء في بعض الطرق إدخال واسطة بينهما لذا قال الإمام

стр. 339

أحمد: (عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة) (١) . ومما يجدر التنبيه عليه أن المحدث غير المدلس إذا كان قد سمع من شيخه، ثم جاء من طريق آخر ذكر واسطة بينهما بزيادة رجل أو أكثر فإن العلماء في الغالب يعدون هذا من المزيد في متصل الأسانيد. والفرق بينه وبين ما تقدم أوضحه العلائي بقوله: (وحاصل الأمر أن الراوي متى قال عن فلان ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة، إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة، وحكم المدلس حكم المرسل) (٢) . (فأما متى كان يلفظ حدثنا ونحوه ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة رجل بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد) (٣) .

стр. 340

الفصل الثالث أدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره من العلماء ومناقشتها المبحث الأول: ذكر الأدلة . المبحث الثاني: مناقشة الأدلة. المبحث الأول ذكر الأدلة استدل الإمام مسلم لمذهبه في السند المعنعن بأدلة ترجع في حقيقتها إلى ثلاثة أدلة، وهي في واقع الأمر مناقشة لمخالفه وإلزام له ببعض الأمور. وقد ذكر بعض العلماء المؤيدين لمذهب مسلم أدلة أخرى لم يذكرها لتقوية رأيه في الاكتفاء بالمعاصرة. وسيكون هذا المبحث مقتصرًا على ذكر الأدلة بالتفصيل وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الأدلة التي ذكرها مسلم. القسم الثاني: الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم. القسم الأول: الأدلة التي ذكرها مسلم: لم يرتب الإمام مسلم أدلته بالتسلسل، ولكن الناظر فيها يمكنه حصرها في ثلاثة أدلة. هي: الدليل الأول: قال الإمام مسلم (فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد

стр. 341

الثقة حجة يلزم به العمل. ثم أدخلت فيه الشرط بعد فقلت: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدًا أو سمع منه شيئًا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلاً على ما زعمت. فإن ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبرة، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا) (١) . وقال في موضع آخر: (وما علمنا أحدًا من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد كما ادعاه الذي وصفنا من قبل. وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته. ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (٢) . الدليل الثاني: قال مسلم: (فيقال له: فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه، لزمك أن لا تثبت إسنادًا معنعنًا حتى ترى في السماع من أوله إلى آخره. وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فبيقين نعلم أن هشامًا قد سمع من أبيه وأن أباه قد سمع من عائشة كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي ﷺ ، وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه لما أحب أن يرويها مرسلاً ولا يسندها إلى من سمعها منه.

стр. 342

وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه فهو أيضًا ممكن في أبيه عن عائشة، وكذلك كل إسناد لحديث ليس فيه ذكر سماع بعضهم من بعض. وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعًا كثيرًا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانًا، ولا يسمى من سمع منه، وينشط أحيانًا فيسمى الرجل الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال. وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض من فعل ثقات المحدثين وأئمة أهل العلم، وسنذكر من رواياتهم على الجهة التي ذكرنا عددًا يستدل بها على أكثر منها إن شاء الله تعالى. فمن ذلك أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعًا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله ولحرمه بأطيب ما أجد". فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبوأسامة عن هشام قال أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ . وروى هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض". فرواها بعينها مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ . وروى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة عن عائشة: "كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم؟ فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: أخبرني أبوسلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته "أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم". وروى ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر قال: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر".

стр. 343

فرواه حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر عن النبي ﷺ . وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم. فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه إذا لم يعلم أن الراوي قد سمع ممن روى عنه شيئًا إمكان الإرسال فيه لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله برواية من يعلم أنه قد سمع ممن روى عنه. إلا في نفس الخبر الذي فيه ذكر السماع لما بينا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار، أنهم كانوا لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالاً ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا كما شرحنا ذلك عنهم) (١) . الدليل الثالث: ذكر مسلم أن هناك أسانيد لا يثبت فيها سماع الراوي من المروي عنه وهي عند أئمة الحديث من الأسانيد الصحيحة التي يحتج بها، وذكر أمثلة على ذلك فقال: (فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري - وقد رأى النبي ﷺ قد روى عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري عن كل واحد منهما حديثًا يسنده إلى النبي ﷺ وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها. ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا أنه طعن في هذين الخبرين اللذين رواهما عبد الله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعف فيهما. بل هما وما أشبههما عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث من صحاح الأسانيد وقويها يرون استعمال ما نقل بها والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار. وهي في زعم من حكينا قوله من قبل: واهية مهملة حتى يصيب سماع الراوي عمن روى. ولو ذهبنا نعدد الأخبار الصحاح عند أهل العلم - ممن يهن بزعم هذا القائل - ونحصيها لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلها. ولكنا

стр. 344

أحببنا أن تنصب منها عددًا يكون سمة لما سكتنا عنه منها. وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ - وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين هلم جرا، ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما - قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ حديثًا. ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا أو سمعا منه شيئًا. وأسند أبوعمر الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية، وكان في زمن النبي ﷺ رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحدة منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ خبرين. وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي ﷺ . وأسند قيس بن أبي حازم - وقد أدرك زمن النبي ﷺ عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ ثلاثة أخبار. وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب عليًا - عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثًا. وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه. وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي ﷺ . وأسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث عن النبي ﷺ . وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي ﷺ حديثًا. وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ حديثًا. وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أحاديث. فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم

стр. 345

يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه. وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (١) . القسم الثاني: الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم: ذكر الشيخ المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀، والأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبوغدة بعض الأدلة في تأييد الاكتفاء بالمعاصرة لم يذكرها الإمام مسلم ﵀ فسأذكرها هنا في الدليل الرابع، والخامس، والسادس، لأنها مكملة لما ذكره مسلم. الدليل الرابع: أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي. قال الشيخ المعلمي مبينًا ذلك: (الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، فتأمل هذا وافرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين. كأن تكون ببلدة فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه فيخبرك عن أناس عن أهل تلك البلدة أن فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم. ثم توسع في الأمثلة ولاحظ أنها واقعة في عصر التابعين حين لا برق ولا بريد ولا صحافة ولا تأليف، وإنما كان يتلقى من الأفواه، والناس مشمرون لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب نبيهم ﷺ . ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء. فإذا كان الحال ما ذكر وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع ولا عدمه كان المتبادر السماع.

стр. 346

فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين. فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما، وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء. وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان أن فلانًا أخبره عن فلان مثلاً. مع أن السلف كانوا أهل تثبيت واحتياط. إذا تقرر هذا فما المانع من الأخذ بهذه الأدلة الظاهرة المحصلة للظن المستوفية لنصاب الحجية. إن قيل: كان اصطلاح السلف خلاف ما يقتضيه الأصل بدليل شيوع الإرسال فيهم. قلت: أما الإرسال الجلي فمسلم، ولكن أقل من الإسناد كما يعلم بالاستقراء فهو كالمجاز لا يقدح شيوعه في تقديم الحقيقة عليه، وأما الخفي فقليل حتى أنه أقل من التدليس. فإذا قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري - رحمهما الله تعالى - إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف. قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال مع أن مسلمًا ﵀ نقل في مقدمة صحيحه الإجماع على عدم اشتراط اللقاء - أي قبلهما - كما أشار إليه بالتشنيع على بعض معاصريه فقيل: إنه أراد به البخاري، ولا مانع من أن يريده وشيخه ابن المديني فقد كان أيضًا معاصرًا له. فلا يخدش خلافهما وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق على أن أقل ما يثبت بنقل مسلم أن الغالب في عهد السلف أن تكون الرواية على السماع. والبخاري وشيخه لا ينكران أن الظاهر من الرواية السماع بدليل تصحيحهما لعنعنة الملاقي غير المدلس، فلولا وفاقهما على أن الظاهر من الرواية السماع لكانا إنما يعتمدان مجرد اللقاء فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه. وهذا كما ترى.

стр. 347

وإنما اشترطا ثبوت اللقاء لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا، ولكنه لا يقتضي إهدار الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء مادامت دلالة ظاهرة محصلة للظن مستكملة النصاب كما مر) (١) . الدليل الخامس: أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس فلا يجوز اتهام الراوي به لأن الأصل السلامة منه. قال المعلمي: (الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس - كما سيأتي - فالثقة أشد تباعدًا عنه تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذ بالمرصاد بخلاف التدليس فإنه أشد خفاء على الناقد ... [وقد قالوا] : بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء اتهام للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيها اتهامه بالإرسال الخفي قط. ويرد بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليس، منهم ابن الصلاح والنووي والعراقي وقال: "إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث" (٢) . ولنا بحث في تحقيق ذلك والإجابة عما ذكره الحافظ (٣) ﵀ لا حاجة لإثباته هنا لأن الخلاف لفظي للاتفاق على أن في الإرسال الخفي إيهامًا فاتهام الراوي به كاتهامه بالتدليس فإذا اتهمتم الراوي بأنه يرسل خفيًا وإن لم يوصف به فيلزمكم أن تتهموا الراوي بأنه مدلس وإن لم يوصف به فإن قلتم: أن الأصل في الثقة عدم التدليس. قلنا: وكذا الإرسال الخفي. فإن قلتم: الإيهام في الإرسال الخفي أضعف منه في التدليس فهو أقرب إلى اتصال الثقة به. قلنا: مسلم غالباً، ولكن هذا لا يقتضي أن لا يكون الأصل في الثقة عدم مادام فيه إبهام وتغرير وغش مناف لكمال الثقة مع أن الإبهام في الإرسال الخفي لأمرين كلاهما خلاف الواقع: السماع لذلك الحديث واللقاء. بخلاف التدليس فإنه وإن دل على الأمرين فاللقاء موافق للواقع فتبين أن

стр. 348

الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس كما قاله ابن عبد البر في التمهيد (١) ، ونحوه ليعقوب بن شيبة انظر فتح المغيث (ص٧٤-٧٥) ، وعليه فالثقة أشد بعدًا عنه تدينًا وخوفًا من نقد النقاد كما مر. فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصف به لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصف به. فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا لعدم اللقاء فلا إيهام فلا إرسال خفيًا. قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا أو لذلك الحديث فلا إبهام فلا تدليس. والتحقيق أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء أو عدم السماع وهو ثقة غير مدلس لبينه لمن يأخذ عنه، ولو فرض أن الثاني كان عالمًا بذلك فاستغنى عن التبيين فيلزم الثاني أن يبينه للثالث وهكذا. فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس والإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحد من رجال السند، ولا غيرهم على عدم اللقاء؛ فهو كما إذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن لقيه وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينص أحد من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع. ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي رده اتهام الثقة بإبهام السماع فقط فهذه بتلك. فإذا لاحظنا قلة الإرسال الخفي في السلف، واعتيادهم للإسناد، وخوفهم من نقد النقاد كان الأمر واضح. فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء كما سبق بيانها أول البحث) (٢) . الدليل السادس: ذكره الشيخ عبد الفتاح أبوغدة على سبيل الإلزام لمن

стр. 349

رجح أن البخاري يشترط اللقاء في أصل الصحة وليس في أعلى الصحة فقال: (يلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في "صحيحه" من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة: من قسم الحديث الضعيف في حكم البخاري، وفي حكم من مشى على قوله بعده!! وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح"، مع معرفتهم بشرطه في العنعنة، وكثيرًا ما قالوا في الحديث: صحيح على شرط مسلم. وقد عدوا مراتب الصحيح فقالوا فيها: أصحها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم. فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن، بين اختياره مذهب البخاري وقوله في كتاب مسلم: "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري - على مقتضى قول ابن حجر - لا يتصف بأصل الصحة؟! فتأمل وتدبر) (١) . ومراد الشيخ عبد الفتاح من هذا الإلزام ترجيح مذهب مسلم لأن القول بخلافه يوقع في التناقض. هذه بعض أدلة من اكتفى بالمعاصرة للاحتجاج بالسند المعنعن، وعددها ستة أدلة ثلاثة منها لمسلم، والثلاثة الباقية لغيره. المبحث الثاني مناقشة الأدلة ناقش بعض العلماء الإمام مسلم، وردوا عليه ما احتج به لتأييد مذهبه في السند المعنعن وسأذكر أقوالهم هنا - إن شاء الله -، ثم أذكر ملاحظاتي على كلام

стр. 350

الشيخين المعلمي وأبي غدة، وذلك على حسب التقسيم في المبحث السابق. القسم الأول: مناقشة الأدلة التي ذكرها مسلم: الدليل الأول: هذا الدليل ذو شقين: الشق الأول: ورد في قول مسلم رادًا على مخالفه: (قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل. م أدخلت فيه الشرط بعد ... ) (١) . وقد رد ابن رشيد على قول مسلم هذا بحجة قوية جاءت في قوله: (ولسنا ننازعك في أن أخبار الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مكتفى فيه بالمعاصرة فقط، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا. فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن من غير المدلس إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه ... وتبين الآن أنا قائلون بمحل الإجماع وأنا لم نرد شرطًا بل أنت نقصته، ففلجت حجة خصمك عليك) (٢) . وقد تابع العلائي ابن رشيد في الرد على مسلم بهذه الحجة (٣) . الشق الثاني: ذكر مسلم ﵀ أنه لا يعلم أحدًا من أئمة السلف فتش عن موضع السماع في الأسانيد كما ذهب إليه مخالفه، وإنما تفقدوا السماع ممن عرف بالتدليس فقط ومقتضى كلام مسلم أن هذا إجماع من السلف. ورد ابن رشيد على ذلك بقوله: (والجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نحكم دعواك الإجماع في محل النزاع لما نلقناه في ذلك عمن سلف كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره ... وإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل

стр. 351

النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط) (١) . وذكر العلائي قول مسلم: "إن تفقد الأئمة لمن أتى بلفظ "عن" إنما حين يعرف بالتدليس"، ثم رد عليه بقوله: (فإن أراد به الجميع فهو ممنوع فإن من مخالفيه في المسألة جبلي العلم علي بن المديني والإمام البخاري فلا إجماع في المسألة، وإذا كان البعض فلا دليل فيه) (٢) . وذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وغيرهم تدل على اشتراطهم السماع. ثم أعقب ذلك بقوله: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟! بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له. وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء) (٣) . (وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول شعبة أو من بعده فليس كذلك، فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبته، كسماع مجاهد عن عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: "أدرك أبوالعالية عليًا ولم يسمع منه"، ومراده أنه لم يرد سماعه ولم يكتف بإدراكه فإن

стр. 352

سمع ممن هو أقدم موتًا، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر الصديق وعمر ﵄ (١) . وما ذكره الحافظ ابن رجب من أن اشتراط السماع أو اللقاء ينبغي أن يكون إجماعًا من أهل العلم فلا يسلم لأن هذه المسألة خلافية فلا تصح دعوى الإجماع فيها لا من مؤيدي البخاري ولا من مؤيدي مسلم. وما ذكره الإمام مسلم ﵀ من أنه "لا يعلم عن أحد من أئمة السلف أنهم فتشوا عن السماع في الأسانيد وإنما كان تفقد من تفقد منهم السماع إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس وهر به" لا يسلم به فقد ذكرت في الفصل الرابع من الباب الأول نصوصًا عن شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان تدل على أنهما قد فتشا عن السماع في أسانيد رواة لم يكونوا مدلسين. وإضافة إلى النصوص التي ذكرتها في فصل "الجذور التاريخية للمسألة" سأذكر هنا نصوصًا عن بعض أئمة المحدثين تدل على أنهم قد فتشوا عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس وشهر به. ١- قال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) (٢) . وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر (٣) ، وزيد بن ثابت اختلف في وفاته ما بين سنة خمس وأربعين إلى سنة خمس وخمسين (٤) ، وسعيد بن المسيب من أحرص الناس على العلم، فيبعد جدًا أن لا يسمع من زيد بن ثابت الذي هو من أعلم الصحابة خاصة في القرآن والفرائض، لاسيما وهما من المقيمين في المدينة. أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد نص على سماع سعيد من زيد، ومن أولئك علي بن المديني الذي قال في أصحاب زيد بن ثابت: (فأما من لقيه منهم،

стр. 353

وثبت عندنا لقاؤه: سعيد بن المسيب ... ) (١) . وكذلك الذهبي صرح أن سعيدًا سمع من زيد بن ثابت (٢) . وقد وجدت حديثًا فيه إثبات سماع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٣) عن سعيد بن المسيب قال: (كنت مع قوم اختلفوا في صلاة الوسطى، وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن صلاة الوسطى، قال: فأتيته فسألته..) . فيكون الإمام مالك قد فتش عن السماع فلم يجده فقال: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) ، وفي هذا استدراك على ما قاله مسلم عن أئمة السلف وقد ذكر منهم مالك. ٢- قال عبد الرحمن بن مهدي: (شهدت سفيان - الثوري - عند العمري - عبد الله بن عمر - فجعل يوقفه في كل حديث توقيفًا شديدًا) (٤) . ومعنى يوقفه توقيفًا شديدًا أي لا يدعه يذكر حديثًا حتى يسأله هل سمعته؟ أو يقول له قل: حدثني، قل: سمعت. وقد أخرج ابن أبي حاتم قبل هذا النص نصًا آخر عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا يقول فيه: (كنت مع سفيان عند عكرمة - بن عمار - فجعل يوقفه على كل حديث على السماع) . وفي تفقد سفيان الثوري وهو أحد أئمة المحدثين عن السماع من محدث ثقة مثل العمري لا يعرف بالتدليس ما يدل على أن البحث عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس كان أمرًا معروفًا وموجودًا عند علماء الحديث. قال يحيى بن سعيد القطان: (شهدت سفيان - الثوري - يقول لأبي الأشهب - جعفر بن حيان السعدي -: قال: سمعت، قل: سمعت) (٥) .

стр. 354

ولم ينسب أبوالأشهب إلى التدليس فيكون في هذا النص أيضًا دليل على تفقد سفيان الثوري للسماع من محدث ثقة غير مدلس. ٣- قال شعبة بن الحجاج: (كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم) (١) . وأكد ذلك يحيى بن سعيد القطان بقوله: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذلك الرجل أنه سمع فلانًا؟، قد كفاك أمره) (٢) . وشعبة مشهور بتفقد سماعات الرواة مدلسين وغيرهم حتى أنه قال لرجل قال له: قل حدثني أو أخبرني: (فقدتك وعدمتك وهل جاء بهذا أحد قبلي) (٣) . واعتمد كبار النقاد وأئمة الحديثث على شعبة في ذلك فهذا ابن أبي حاتم يسأل أباه: عن أبي مالك غزوان الغفاري هل سمع من عمار بن ياسر شيئًا فيجيبه: (ما أدري ما أقول لك قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه) (٤) . يقصد لو كان التصريح بالسماع بين أبي مالك وعمار خطأ لما رواه شعبة بلفظ سمعت. ومن الشواهد على حرص شعبة على السماع وتفتيشه عنه ما يلي: قال أبوداود الطيالسي: (ثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته". قال شعبة قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه) (٥) بل قيل إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار في سماعه لهذا الحديث من ابن عمر (٦) . وقال شعبة: (سألت أبا إسحاق - السبيعي - عن عبد الله بن عطاء الذي

стр. 355

روى عن عقبة: "كنا نتناوب رعية الإبل". قال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله فقلت: سمعته من عقبة؟ فقال: لا. حدثنيه سعد بن إبراهيم، فلقيت سعد بن إبراهيم فسألته. فقال: حدثني زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني عن شهر بن حوشب) (١) . وقال يحيى بن كثير العنبري: (ثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر". قال شعبة: فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قال: حدثنيه أيوب السختياني قال شعبة: فأتيت أيوب فسألته فقال: حدثنيه أبوبشر. قال شعبة: فأتيت أبابشر فسألته فقال: أنا سمعت سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن نبيذ الجر) (٢) . وهذا كله يدل على أن مسلمًا ﵀ لم يصب في نفيه أن أحدًا من أئمة السلف، وسمى منهم شعبة لم يفتشوا عن السماع في الأسانيد إلا من المدلسين. ٤- قال يحيى بن سعيد القطان: (قالوا: إن أبا حاتم سويدًا سمع من أبي المليح في بيض النعام. فسألته فقال: لم أسمعه حدثني زياد بن أبي المليح) (٣) . وسويد هو ابن إبراهيم الجحدي أبوحاتم الحناط، ولم ينعته أحد بالتدليس. وقال البخاري: (وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع أبوالشعثاء من سلمان) (٤) . أبوالشعثاء هو سليم بن أسود المحاربي ثقة لم يوصف بالتدليس. وهو
следующие страницы →