← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط) (١) . وذكر العلائي قول مسلم: "إن تفقد الأئمة لمن أتى بلفظ "عن" إنما حين يعرف بالتدليس"، ثم رد عليه بقوله: (فإن أراد به الجميع فهو ممنوع فإن من مخالفيه في المسألة جبلي العلم علي بن المديني والإمام البخاري فلا إجماع في المسألة، وإذا كان البعض فلا دليل فيه) (٢) . وذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وغيرهم تدل على اشتراطهم السماع. ثم أعقب ذلك بقوله: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟! بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له. وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء) (٣) . (وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول شعبة أو من بعده فليس كذلك، فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبته، كسماع مجاهد عن عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: "أدرك أبوالعالية عليًا ولم يسمع منه"، ومراده أنه لم يرد سماعه ولم يكتف بإدراكه فإن

стр. 352

سمع ممن هو أقدم موتًا، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر الصديق وعمر ﵄ (١) . وما ذكره الحافظ ابن رجب من أن اشتراط السماع أو اللقاء ينبغي أن يكون إجماعًا من أهل العلم فلا يسلم لأن هذه المسألة خلافية فلا تصح دعوى الإجماع فيها لا من مؤيدي البخاري ولا من مؤيدي مسلم. وما ذكره الإمام مسلم ﵀ من أنه "لا يعلم عن أحد من أئمة السلف أنهم فتشوا عن السماع في الأسانيد وإنما كان تفقد من تفقد منهم السماع إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس وهر به" لا يسلم به فقد ذكرت في الفصل الرابع من الباب الأول نصوصًا عن شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان تدل على أنهما قد فتشا عن السماع في أسانيد رواة لم يكونوا مدلسين. وإضافة إلى النصوص التي ذكرتها في فصل "الجذور التاريخية للمسألة" سأذكر هنا نصوصًا عن بعض أئمة المحدثين تدل على أنهم قد فتشوا عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس وشهر به. ١- قال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) (٢) . وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر (٣) ، وزيد بن ثابت اختلف في وفاته ما بين سنة خمس وأربعين إلى سنة خمس وخمسين (٤) ، وسعيد بن المسيب من أحرص الناس على العلم، فيبعد جدًا أن لا يسمع من زيد بن ثابت الذي هو من أعلم الصحابة خاصة في القرآن والفرائض، لاسيما وهما من المقيمين في المدينة. أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد نص على سماع سعيد من زيد، ومن أولئك علي بن المديني الذي قال في أصحاب زيد بن ثابت: (فأما من لقيه منهم،

стр. 353

وثبت عندنا لقاؤه: سعيد بن المسيب ... ) (١) . وكذلك الذهبي صرح أن سعيدًا سمع من زيد بن ثابت (٢) . وقد وجدت حديثًا فيه إثبات سماع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٣) عن سعيد بن المسيب قال: (كنت مع قوم اختلفوا في صلاة الوسطى، وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن صلاة الوسطى، قال: فأتيته فسألته..) . فيكون الإمام مالك قد فتش عن السماع فلم يجده فقال: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) ، وفي هذا استدراك على ما قاله مسلم عن أئمة السلف وقد ذكر منهم مالك. ٢- قال عبد الرحمن بن مهدي: (شهدت سفيان - الثوري - عند العمري - عبد الله بن عمر - فجعل يوقفه في كل حديث توقيفًا شديدًا) (٤) . ومعنى يوقفه توقيفًا شديدًا أي لا يدعه يذكر حديثًا حتى يسأله هل سمعته؟ أو يقول له قل: حدثني، قل: سمعت. وقد أخرج ابن أبي حاتم قبل هذا النص نصًا آخر عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا يقول فيه: (كنت مع سفيان عند عكرمة - بن عمار - فجعل يوقفه على كل حديث على السماع) . وفي تفقد سفيان الثوري وهو أحد أئمة المحدثين عن السماع من محدث ثقة مثل العمري لا يعرف بالتدليس ما يدل على أن البحث عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس كان أمرًا معروفًا وموجودًا عند علماء الحديث. قال يحيى بن سعيد القطان: (شهدت سفيان - الثوري - يقول لأبي الأشهب - جعفر بن حيان السعدي -: قال: سمعت، قل: سمعت) (٥) .

стр. 354

ولم ينسب أبوالأشهب إلى التدليس فيكون في هذا النص أيضًا دليل على تفقد سفيان الثوري للسماع من محدث ثقة غير مدلس. ٣- قال شعبة بن الحجاج: (كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم) (١) . وأكد ذلك يحيى بن سعيد القطان بقوله: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذلك الرجل أنه سمع فلانًا؟، قد كفاك أمره) (٢) . وشعبة مشهور بتفقد سماعات الرواة مدلسين وغيرهم حتى أنه قال لرجل قال له: قل حدثني أو أخبرني: (فقدتك وعدمتك وهل جاء بهذا أحد قبلي) (٣) . واعتمد كبار النقاد وأئمة الحديثث على شعبة في ذلك فهذا ابن أبي حاتم يسأل أباه: عن أبي مالك غزوان الغفاري هل سمع من عمار بن ياسر شيئًا فيجيبه: (ما أدري ما أقول لك قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه) (٤) . يقصد لو كان التصريح بالسماع بين أبي مالك وعمار خطأ لما رواه شعبة بلفظ سمعت. ومن الشواهد على حرص شعبة على السماع وتفتيشه عنه ما يلي: قال أبوداود الطيالسي: (ثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته". قال شعبة قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه) (٥) بل قيل إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار في سماعه لهذا الحديث من ابن عمر (٦) . وقال شعبة: (سألت أبا إسحاق - السبيعي - عن عبد الله بن عطاء الذي

стр. 355

روى عن عقبة: "كنا نتناوب رعية الإبل". قال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله فقلت: سمعته من عقبة؟ فقال: لا. حدثنيه سعد بن إبراهيم، فلقيت سعد بن إبراهيم فسألته. فقال: حدثني زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني عن شهر بن حوشب) (١) . وقال يحيى بن كثير العنبري: (ثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر". قال شعبة: فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قال: حدثنيه أيوب السختياني قال شعبة: فأتيت أيوب فسألته فقال: حدثنيه أبوبشر. قال شعبة: فأتيت أبابشر فسألته فقال: أنا سمعت سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن نبيذ الجر) (٢) . وهذا كله يدل على أن مسلمًا ﵀ لم يصب في نفيه أن أحدًا من أئمة السلف، وسمى منهم شعبة لم يفتشوا عن السماع في الأسانيد إلا من المدلسين. ٤- قال يحيى بن سعيد القطان: (قالوا: إن أبا حاتم سويدًا سمع من أبي المليح في بيض النعام. فسألته فقال: لم أسمعه حدثني زياد بن أبي المليح) (٣) . وسويد هو ابن إبراهيم الجحدي أبوحاتم الحناط، ولم ينعته أحد بالتدليس. وقال البخاري: (وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع أبوالشعثاء من سلمان) (٤) . أبوالشعثاء هو سليم بن أسود المحاربي ثقة لم يوصف بالتدليس. وهو

стр. 356

معاصر لسلمان الفارسي، لأن سمع (١) من ابن مسعود ﵁، وقد مات ابن مسعود، سنة اثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين (٢) ، وأما سلمان الفارسي فقد مات سنة أربع وثلاثين (٣) . فلم يكتف يحيى بن سعيد بالمعاصرة بل ولا بذكر السماع من طريق فيه نظر. وقال البخاري: (اسم أبي ظبيان: حصين بن جندب الجنبي الكوفي. سمع سلمان وعليًا. وسمع منه إبراهيم والأعمش ووقاء بن إياس. وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع من سلمان) (٤) . وقد أثبت البخاري سماع أبي ظبيان من سلمان كما هو ظاهر هنا، وأيضًا نص على ذلك في تاريخه الكبير (٥) . ففي إنكار يحيى بن سعيد لذلك دلالة على أنه فتش عن السماع في سند يرويه ثقة لم يعرف بالتدليس. ويحيى بن سعيد القطان أحد الأئمة الذين سماهم مسلم باعتباره أحد أئمة السلف الذين لم يفتشوا عن السماع إلا من مدلس. وبما تقدم يتضح أن الدليل الأول الذي ذكره الإمام مسلم لا يسلم من اعتراضات قوية تجعله دليلاً لا يوافق عليه. الدليل الثاني: وفحوى هذا الدليل أن من اشترط ثبوت اللقاء ولو مرة في السند المعنعن لاحتمال الإرسال يلزمه أن لا يثبت سندًا معنعنًا حتى يرى فيه السماع من أوله إلى آخره لأن احتمال الإرسال فيه جائز وممكن وقد وقع ذلك من أئمة ثقات معروفين بالملازمة وكثرة السماع عن شيوخهم الذين رووا عنهم، وقد وجد إرسال هؤلاء الأئمة عن شيوخهم أولئك في بعض مروياتهم، وضرب مسلم على ذلك أمثلة. وقد رد عدد من العلماء على هذا الإلزام فقال ابن الصلاح: (والجواب عما

стр. 357

احتج به مسلم: أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس، لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلم تلاقيهما) (١) . وأجاب النووي على إلزام مسلم بقوله: (إذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال والباب مبني على غلبة الظن فاكتفيا به. وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال ويصير كالمجهول فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله) (٢) . وقد أجاب العلائي عما ألمح إليه مسلم من أن احتمال الإرسال في معنعن من ثبت لقيه مثل احتمال الإرسال في معنعن المعاصر غير المدلس فلا فرق بينهما بقوله: (الفرق بين المقامين بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه ومشافهته له وكان بريئًا من تهمة التدليس فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ "عن" الاتصال وعدم الإرسال حتى يتبين ذلك بدليل - كما في الأمثلة التي ذكرها - وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يعترض بها على الغالب لندرتها بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه فإنه كثير جدًا بلفظ "عن" فلا يلزم من عدم التوقف في ذلك عدم التوقف في هذا ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض) (٣) . وبين الحافظ ابن حجر أن إلزام مسلم لمخالفه بعدم الاحتجاج بأي سند معنعن ليس بلازم فقال: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلس) (٤) . وما أبداه هؤلاء العلماء في ردهم على مسلم من حجج قوية يظهر ضعف

стр. 358

الدليل الثاني الذي هو إلزام للمخالف بما لا يلتزمه. فإن للمخالف لمسلم أن يقول: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه وأراه غاية التعنت أن يرد كل سند معنعن قد ثبت سماع رواته من بعض لاحتمال عدم السماع في بعض ما يروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك لأن الاحتمال هنا نادر والحكم للغالب لا للنادر ثم إن في الأخذ بذلك رد لكثير من الأسانيد التي تداولها علماء أهل الحديث وصححوها واحتجوا بها وينبغي أن يكون الإلزام ملزمًا للمخالف حقًا، فما ذكره مسلم ﵀ غير ملزم لمخالفة لوجود الفرق بين الأمرين. وظاهر صنيع مسلم أنه يحكم مطلقًا للزائد في السند الذي ثبت تلاقي رواته مثل إذا جاء طريقان أحدهما فيه فلان عن فلان، والثاني فيه زيادة رجل أو أكثر بين المعنعن والمعنعن عنه في الطريق الأول، فيحكم على السند الأول بأنه غير متصل وعلى السند الثاني الذي فيه الزيادة بأنه صحيح الاتصال. والصواب أن في المسألة تفصيلاً. قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (فحاصل ما أتيت بها أيها الإمام من الأمثلة أن من علم سماعه من إنسان ثم اختلفت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلاً أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومثلت ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يحكم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال. وهذه المسألة أيها الإمام من معضلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يعز لدائها وجود الدواء، ويتعذر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يجعل ما هذه حالة دليلاً في محل النزاع أو يحكم فيه حكمًا جمليًا، وليت الحكم التفصيلي يكشف بعض أمره. فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رواة لقي بعضهم بعضًا ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه أو معنعنًا أيضًا، نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح فحكمنا لمن يرجح قوله من الزائد أو الناقص أو لمن تيقنا صوابه؛ كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلاً أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ كما قد نحكم بذلك إذا كان الحديث بلفظ "نا"، ثم زاد أحدهما راويًا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك

стр. 359

كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة. فإن أشكل الأمر توقفنا وجعلنا الحديث معلولاً، إذ كل واحد من الطريقين متعرض لأن يعترض به على الآخر إذ لعل الزائد خطأ، وإذا قال الراوي الزائد: "حدثنا"، يبقى احتمال أن يكون الحديث عنده عنهما معًا. فأما أن يحكم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقًا ففيه نظر) (١) . (ولسنا ننفي أن يحصل ظن في بعض الأحاديث بأن الحكم لمن زاد كما قد يرجح أيضًا في بعض أن الحكم لمن نقص فتعميم الحكم في المسألة لا يصح) (٢) . وما قاله ابن رشيد هو المتعين، ومصداق ذلك في الأحاديث التي ذكرها مسلم على سبيل المثال؛ فإن بعضها الراجح فيها قول من زاد في السند، وبعضها الراجح فيها أنها متصلة بالزيادة ودونها، وذلك كما يلي: الحديث الأول: قال مسلم: (فمن ذلك أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعًا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله ولحرمه بأطيب ما أجد". فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبوأسامة عن هشام قال أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ ) (٣) . قال الشيخ المعلمي: (هذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في مقدمة الفتح، ومعرفة الحديث للحاكم) (٤) . وقصد الشيخ المعلمي أن هشام بن عروة قد نسب إلى التدليس فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (قال يعقوب بن شيبة: هشام ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر

стр. 360

ذلك عليه أهل بلده. والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. قلت: هذا هو التدليس) (١) . ونقل الحاكم في معرفة علوم الحديث في "باب التدليس" عن علي بن المديني قوله: (سمعت يحيى - بن سعيد القطان - يقول: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، وما ضرب بيده شيئًا قط". الحديث. قال يحيى: فلما سألته. قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين". لم أسمع من أبي إلا هذا والباقي لم أسمعه إنما هوعن الزهري) (٢) . وقد علق العلائي على ما نقله الحاكم بقوله: (وفي جعل هشام بمجرد هذا مدلسًا نظر، ولم أر من وصفه به) (٣) . ووضع العلائي هشامًا في الطبقة الأولى من المدلسين وهي عنده (من لم يوصف بذلك إلا نادرًا جدًا بحيث أنه لا ينبغي أن يعد فيهم كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة) (٤) . وكذلك الحافظ ابن حجر جعله في الطبقة الأولى من المدلسين (٥) . وقال في التقريب: (ربما دلس) (٦) . والراجح في هذا الحديث أن هشام بن عروة لم يسمعه من أبيه، وإنما يرويه عن أخيه عثمان بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين به. ودليلي على ذلك ما يلي: ١- أن سفيان بن عيينة قال بعد أن روى الحديث السابق من طريق

стр. 361

عثمان بن عروة: (فقال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام بن عروة هذا الحديث إلا عني) (١) . فهذا نص صحيح صريح في أن هشام بن عروة إنما يروي ذلك الحديث عن أخيه عثمان عن أبيه. وهذا تدليس جائز لا يذم فاعله لأنه تدليس عن ثقة (٢) ، وقد ذكر يعقوب بن شيبة وأبوالفتح الأزدي أن من دلس عن ثقة فهذا مرخص فيه عند بعض أهل العلم (٣) . ٢- ترجيح كبار الحفاظ لرواية هشام عن عثمان. فظاهر صنيع الإمام البخاري ترجيح ذلك فقد أخرج في صحيحه رواية هشام عن عثمان ولم يخرج رواية هشام عن أبيه (٤) ، وكذلك الإمام مسلم (٥) . وقال الدارقطني: (لم يسمعه هشام عن أبيه إنما سمعه من أخيه عن أبيه) (٦) . والحديث محفوظ عن عروة من غير طريق هشام وعثمان. وهو محفوظ أيضًا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ من طرق عدة (٧) . الحديث الثاني: قال مسلم: (وروى هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وأنا حائض". فرواها بعينها مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ ) (٨) . قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (وهذا أيضًا من ذلك القبيل حكمت فيه أن

стр. 362

من نقص عمرة فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا عن عائشة وهو الذي اعتمد البخاري. فقال: نا قتيبة قال نا ليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفًا (١) . وأما أنت فظهر في فعلك في كتابك أنك لم يصف عندك كدر الإشكال في هذا الحديث فأوردت في كتابك حديث مالك مصدرًا به بناء على اعتقادك فيه الاتصال وفي غيره الانقطاع فقلت: نا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" (٢) . ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك من أنك لا تكرر إلا لزيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك فقلت: حدثنا قتيبة بن سعيد قال نا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح قال أن الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة ابنة عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا. وقال ابن رمح: إذا كانوا معتكفين" (٣) . فقد بين الليث في حديثه عندك وعند البخاري أنه له عنهما) (٤) . (وقد كفى الإمام أبوعبد الله البخاري مؤونة البحث، وبين أنه عند عروة مسموع من عائشة فذكر رواية هشام عن أبيه بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريج عن هشام عن أبيه عن عائشة، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة

стр. 363

أخبرتني عائشة، وذكر الحديث في كتاب الحيض من "صحيحه" في باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله. فقال: نا إبراهيم بن موسى قال نا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أنا هشام بن عروة عن عروة أنه سئل: أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب؟ فقال عروة: كل ذلك هين، وكل ذلك يخدمني، وليس على أحد في ذلك بأس. أخبرتني عائشة: "أنها ترجل رسول الله ﷺ وهي حائض، ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض (١) . فهذا نص جلي على سماع عروة عن عائشة، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم ﵀ من انقطاع رواية من أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة. ولم يقل فيه أحد: عن عروة عن عمرة إلا مالك ﵀ وأنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن الزهري فتابع مالكًا، والجمهور على خلافهما بين ذلك الإمام أبوالحسن الدارقطني في جزء له جمعه "في الأحاديث التي خولف فيها مالك" ﵁ فقال: "روى مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله". خالفه عقيل بن خالد، وينس بن يزيد، والليث بن سعد؛ فرووه عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، وقيل ذلك عن الأوزاعي. وتابعهم ابن جريج والزبيدي، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن بن نمير، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بديل، وغيرهم، فرووه عن الزهري عن عروة عن عائشة لم يذكروا فيه عمرة. ويشبه أن يكون القول قولهم لكثرة عددهم واتفاقهم على خلاف مالك. وقد رواه أنس بن عياض أبوضمرة عن عبيد الله بن عمر عن الزهري فوافق

стр. 364

مالكًا، ولا نعلم أحدًا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية عن عبيد الله والله أعلم، انتهى كلام الدارقطني ﵀. قلت والله المرشد: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة كما بينه البخاري من طريق ابن جريج حيث قال: أخبرتني عائشة) (١) . وهذا التحقيق من ابن رشيد في غاية القوة والمتانة، ومما يؤكد أن الحديث عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا، وليس عن عروة عن عمرة ما ذكره أبوداود بعد أن أخرج حديث الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة حيث قال: (وكذلك رواه يونس عن الزهري، ولم يتابع أحد مالكًا على عروة عن عمرة، ورواه معمر، وزياد بن سعد وغيرهما عن الزهري عن عروة عن عائشة) (٢) . وكذلك الترمذي أخرج الحديث من طريق أبي مصعب المدني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة ثم قال: (هكذا رواه غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، ورواه بعضهم عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة. والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة) (٣) . وقال الحافظ ابن حجر: (واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد) (٤) . وهذا الذي رجحه الشيخ المعلمي أيضًا (٥) . وبما تقدم يتضح أن الصواب في هذا الحديث خلاف ما قال مسلم ﵀ فعروة بن الزبير لم يرسل هذا الحديث بل ثبت أنه سمعه من عائشة،

стр. 365

وأن الصحيح في رواية ابن شهاب أنها عنده عن عروة وعمرة معًا عن عائشة ﵂. الحديث الثالث: قال مسلم: (وروى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة عن عائشة "كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم". فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: (أخبرني أبوسلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أن عائشة أخبرته "أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم") (١) . قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (فاعتمدت في كتابك (٢) على حديث يحيى بن أبي كثير لأنه زاد في الإسناد. والحكم عندك لمن زاد، ولسنا نسلم ذلك، فإن أبا سلمة معلوم السماع من عائشة، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار وهو معلوم السماع من أبي سلمة وسعيد بن المسيب) (٣) . (فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة عن عائشة، ويكون عنده أيضًا عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأرب له في ذلك) (٤) . وهذا هو الراجح أن أبا سلمة قد سمعه من عائشة، ورواه أيضًا عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، فكلا السندين صحيحان. ويدل على ذلك أن ابن حبان أخرج من طريق معمر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه وهو صائم. قلت لعائشة: في الفريضة والتطوع؟ قالت عائشة: في كل ذلك في الفريضة والتطوع" ثم قال ابن حبان: (سمع هذا الخبر أبوسلمة بن عبد الرحمن عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وسمعه من عائشة نفسها، والدليل على صحته: أن معمرًا قال عن الزهري عن

стр. 366

أبي سلمة قال: قلت لعائشة: في الفريضة والتطوع؟ فمرة أدى الخبر عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وأخرى أدى الخبر عنها نفسها) (١) . ومما يؤكد أن أبا سلمة سمع هذا الحديث من عائشة أن عقيلاً روى هذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أنها أخبرته (٢) . فصرح أبوسلمة بسماعه من عائشة هنا أيضًا. وهذا ما رجحه المعلمي بقوله: (الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين وإنما رواه بنزول توقيرًا لعمر بن عبد العزيز وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس) (٣) . وبهذا يتضح أن أبا سلمة قد سمع هذا الحديث من عائشة فرواه مرة عنها، ومرة رواه عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة، وليس كما ذكر مسلم أن أبا سلمة أرسل هذا الحديث عن عائشة بدلالة أنه أدخل بينه وبينها واسطتين. وهذا الحديث محفوظ عن عائشة من طرق عدة (٤) . الحديث الرابع: قال مسلم: (وروى ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر قال: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر". فرواه حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر عن النبي ﷺ ) (٥) . قال ابن رشيد موجهًا كلامه لمسلم: (وهذا أيضًا من ذلك القبيل حكمت فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك (٦) ، وليس حماد بن زيد ممن يضاهي بسفيان بن عيينة لاسيما في عمرو بن دينار فهو الملي به، الثبت فيه، المقدم على غيره) (٧) . (وما أرى محمد بن علي في هذا الموضع

стр. 367

إلا من المزيد في متصل الأسانيد) (١) . وقد رجح الترمذي رواية سفيان بن عيينة بدون ذكر محمد بن علي فقال: (وهكذا روى غير واحد عن عمرو بن دينار عن جابر، ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر، ورواية ابن عيينة أصح قال: وسمعت محمدًا يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد) (٢) . وكذلك قال النسائي: (ما أعلم أن أحدًا وافق حماد بن زيد على محمد بن علي) (٣) . وأما ابن حبان فقد قال: (يشبه أن يكون عمرو بن دينار لم يسمع هذا الخبر عن جابر، لأن حماد بن زيد رواه عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر، ويحتمل أن يكون عمرو سمع جابرًا، وسمع محمد بن علي عن جابر) (٤) . وقال البيهقي: (هذا الحديث لم يسمعه عمرو من جابر إنما سمعه من محمد بن علي بن حسين عن جابر) (٥) . وقال الحافظ ابن حجر: (والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمرو بالمساع من جابر فتكون رواية حماد من المزيد في متصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة. وعلى تقدير وجود التعارض من كل جهة فللحديث طرق أخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيح على كل حال) (٦) . وقد المعلمي: (يحمل ما وقع في هذا الحديث على نحو ما تقدم في الذي قبله، وهو أن عمرًا زاد للتكريم محمد بن علي لقرابته من النبي ﷺ وفضله فروى عنه ما قد سمعه هو من شيخه) (٧) .

стр. 368

والذي أراه راجحًا أن رواية حماد بن زيد التي فيها الزيادة هي الصحيحة، وأن حديث عمرو بن دينار هذا عن جابر مرسل لم يسمعه عمرو من جابر كما هو اختيار مسلم، وذلك لما يلي: ١- أن سفيان بن عيينة وإن كان بلا ريب أثبت الناس في عمرو بن دينار، ولا يقدم عليه حماد بن زيد أو غيره في عمرو بن دينار إلا أن لهذا الحديث بالذات حكمًا خاصًا يجعلنا نحكم لحماد بن زيد على سفيان وسبب ذلك أن ابن عيينة قال: (ثنا عمرو بن دينار قال: قال جابر بن عبد الله: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة. قال سفيان: وكل شيء سمعته من عمرو بن دينار قال لنا فيه سمعت جابرًا إلا هذين الحديثين يعني: "لحوم الخيل"، و"المخابرة"، فلا أدري بينه وبين فيهما أحد أم لا؟) (١) . فهذا نص صريح من ابن عيينة على أنه يشك في سماع عمرو بن دينار لهذا الحديث من جابر، ومما يؤكد أن عمرًا لم يسمع هذا الحديث من جابر، رواية ابن جريج التي قال فيها: أخبرني عمرو بن دينار أخبرني رجل عن جابر بن عبد الله ... الحديث (٢) . ٢- ظاهر صنيع البخاري (٣) ومسلم (٤) أنهما يرجحان رواية حماد بن زيد فقد ذكراها في صحيحهما ولم يذكرا رواية سفيان بن عيينة. بالإضافة لما قاله ابن حبان والبيهقي. وبما تقدم يتضح أن مسلمًا قد أنتقد في دليله الثاني من حيث ما ألزم به خصمه، أو من حيث بعض الأحاديث التي استشهد بها على أن فيها إرسال والراجح خلاف ذلك. فلا ينهض هذا الدليل أمام الردود القوية التي وجهت له من العلماء.

стр. 369

الدليل الثالث: فحواه أن أهل العلم بالحديث صححوا أسانيد لا يثبت فيها اللقاء ولا السماع بين المعنعن والمعنعن عنه، اكتفاء منهم بثبوت المعاصرة، وعلى رأي المخالف ينبغي أن تكون هذه الأسانيد واهية لأن اللقاء لم يثبت بين رواتها، ثم ساق مسلم نماذج وأمثلة على ذلك. وقد رد بعض العلماء على مسلم برد إجمالي كما قال ابن رشيد: (إن هذه أمثلة خاصة لا عامة، جزئية لا كلية، يمكن أن تقترن بها قرائن تفهم اللقاء أو السماع، كمن سميت ممن أدرك الجاهلية ثم أسلم بعد موت النبي ﷺ وصحب البدريين فمن بعدهم. فهذا يبعد فيه ألا يكون سماع ممن روى عنه، وإن جوزنا أنه لم يسمع منه قلنا الظاهر روايته عن الصحابة والإرسال لا يضره) (١) ، (والحكم على الكليات بحكم الجزئيات لا يطرد فقد يكون لكل حديث حكم يخصه فيطلع فيه على ما يفهم اللقاء أو السماع ويثير ظنًا خاصًا في صحة ذلك الحديث فيصحح اعتمادًا على ذلك لا من مجرد العنعنة) (٢) . (فلا ينكر - أيها الإمام المعتمد - أن يكون من قبل تلك الأحاديث وصحت عنده واحتج بها قد اعتمد نحوًا من هذا المسلك فلم يقبلها بمجرد العنعنة بل بصميمة إليها أفادته صحة اللقاء والسماع وإن لم يقترن بها ذلك لفظًا) (٣) . وقال العلائي: (إن جميع ما ذكر مسلم ﵀ من الأمثلة خاصة لا تعم، ويمكن أن يكون قبول الأئمة لذلك لقرائن اقترنت بها أفادت اللقاء فإن الحكم على الكليات بحكم جزئي لا يطرد فقد يكون لكل حديث حكم يطلع فيه على لقاء أو سماع) (٤) . وقال الحافظ ابن حجر: (وأما احتجاج مسلم على فساد ذلك بأن لنا أحاديث اتفق الأئمة على صحتها ومع ذلك ما رويت إلا معنعنة ولم يأت في خبر

стр. 370

قط أن بعض رواتها لقي شيخه، فلا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر) (١) . قصد الحافظ ابن حجر أن عدم العلم بوجود اللقاء أو السماع لا يفيد العلم بعدم وجود ذلك، وهذا هو الحق بدلالة أننا بالبحث وجدنا عدة أحاديث نفى مسلم علمه بوجود اللقاء والسماع فيها وقد يسر الله الوقوف على السماع فيها، بل بعض ذلك في صحيح مسلم نفسه!! وقد درست الأسانيد التي استشهد بها مسلم على قوله فوجدتها على أربعة أنواع هي: أولاً: أسانيد ثبت فيها السماع. ثانيًا: أسانيد ثابتة من طريق آخر عن نفس الصحابي. ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد. رابعًا: ما اختلف في وصله وإرساله. أولاً: أسانيد ثبت فيها السماع: ١- يدخل تحت هذا النوع قول مسلم: (فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري - وقد رأى النبي ﷺ قد روى عن حذيفة، وعن أبي مسعود الأنصاري عن كل واحد منهما حديثًا يسند إلى النبي ﷺ ، وليس في روايته عنهما ذكر السماع متهمًا، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها) (٢) . عبد الله بن يزيد صحابي من صغار الصحابة اتفقوا على أن له رؤية، واختلفوا هل صحب النبي ﷺ أم لا؟ سئل الإمام أحمد: (ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما

стр. 371

صحيحة فلا) (١) ، وقال ابن معين: (له رؤية) (٢) ، وقال أبوحاتم: (كان صغيرًا على عهد النبي ﷺ فإن صحت رؤيته فذاك) (٣) . وأثبت له الصحبة العجلي (٤) ، وابن حبان (٥) ، والدارقطني (٦) ، والمزي (٧) ، والذهبي وقد قال: (أحد من بايع الرضوان وكان عمره يومئذ سبع عشر سنة) (٨) وقال أيضًا: (وكان من نبلاء الصحابة) (٩) ، وقال الحافظ ابن حجر: (صحابي صغير) (١٠) ، وقال أيضًا: (وأخرج ابن البرقي بسند قوي عن عدي بن ثابت أن عبد الله بن يزيد كان قد شهد بيعة الرضوان وما بعدها) (١١) . وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: "نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة" (١٢) . فدل هذا على أن البخاري يثبت لابن يزيد الصحبة، وهذا هو الراجح. وبناء على ذلك يرجع إلى الأصل الذي اعتمده أهل الحديث وهو أن مراسيل الصحابة مقبولة ومحتج بها. وقد ثبت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود ﵄ في صحيح البخاري فقد قال: (حدثنا مسلم حدثنا شعبة عن عدي عن عبد الله بن يزيد سمع أبا

стр. 372

مسعود البدري عن النبي ﷺ قال: "نفقة الرجل على أهله صدقة") (١) . وقد نص ابن رشيد (٢) ، والعلائي (٣) ، وابن رجب (٤) ، والمعلمي (٥) ، على سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود لإخراج البخاري لذلك. وأما حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة فأخرجه مسلم (٦) ، ولم أجد فيه السماع نصًا لذا سأجيب عليه في النوع الثاني - إن شاء الله -. ٢- ومما يدخل تحت هذا النوع قول مسلم: (وهذا أبوعثمان النهدي، وأبورافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين هلم جرا، ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (٧) . أبوعثمان النهدي هو عبد الرحمن بن مل ثبت سماعه من أبي. قال علي بن المديني: (أبوعثمان النهدي، عبد الرحمن بن مل، وكان جاهليًا ثقة. لقى عمر، وابن مسعود، وأبابكر، وسعدًا وأسامة، وروى عن أبي موسى، وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: [حدثني] (٨) أبي بن كعب، وقد أدرك

стр. 373

النبي ﷺ ) (١) . وحديث أبي عثمان النهدي عن أبي بن كعب أخرجه مسلم في صحيحه من رواية سليمان التيمي، وعاصم الأحول كلاهما عن أبي عثمان عن أبي قال: (كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة قال فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد. إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله ﷺ : "قد جمع الله لك ذلك كله") (٢) . ولم يذكر مسلم فيه السماع بين أبي عثمان وأبي، ولكن الإمام أحمد أخرج هذا الحديث في مسنده بإثبات سماع أبي عثمان من أبي فقال: (ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله بن المبارك أنا عاصم الأحول عن أبي عثمان حدثني أبي بن كعب ... ) (٣) . وقد نص ابن رشيد (٤) ، وابن حجر (٥) ، على أن علي بن المديني ذكر سماع أبي عثمان من أبي. ونص المعلمي (٦) على أن في مسند أحمد سماع أبي عثمان من أبي، وجزم باللقاء والسماع. وأما حديث أبي رافع فلم أجد فيه السماع، وسيأتي في النوع الثاني. ٣- ومما يندرج تحت هذا النوع أيضًا قول مسلم: (وأسند قيس بن أبي

стр. 374

حازم - وقد أدرك زمن النبي ﷺ عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ ثلاثة أخبار) (١) . سماع قيس بن أبي حازم ثابت من أبي مسعود ﵁ كما في مسند الحميدي قال: (ثنا سفيان قال ثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيس بن أبي حازم يقول: سمعت أبا مسعود يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأتخلف عن صلاة الصبح مما يطول بنا فلان قال: فما رأيت رسول الله ﷺ غضب في موعظة قط غضبه يومئذ ثم قال: "إن منكم منفرين، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير، والسقيم، والضعيف، وذا الحاجة") (٢) . وأخرجه البخاري أيضًا في صحيحه (٣) بإثبات سماع قيس من أبي مسعود من طريق زهير عن إسماعيل به، كما أن علي بن المديني أثبت سماع قيس من أبي مسعود في كتابه "العلل" (٤) . وفي حديث آخر أخرجه الحميدي في مسنده صرح قيس بالسماع من أبي مسعود كذلك. قال الحميدي: (ثنا سفيان قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيسًا يقول: سمعت أبا مسعود يقول: انكسفت الشمس يوم توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فقال الناس انكشفت الشمس يوم موت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت ولا حياة فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة") (٥) . وأخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في صحيحه (٦) بإثبات سماع قيس من

стр. 375

أبي مسعود من طريق أبي مسعود من طريق إبراهيم بن حميد عن إسماعيل به. فثبت بذلك صحة سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري ﵁، وقد نص على السماع ابن رشيد (١) ، والعلائي (٢) ، وابن رجب (٣) ، والمعلمي (٤) . وأما الحديث الثالث لقيس عن أبي مسعود فلم أجد فيما وقفت عليه من مصادر سماع قيس (٥) ، ومتنه مرفوعًا: "ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل ... ". هذا وقد أخرج مسلم الأحاديث الثلاثة لقيس عن أبي مسعود في صحيحه (٦) ، ولكن لم يقع عنده ذكر السماع بين قيس وأبي مسعود. ٤- ومما يدخل في هذا النوع قول مسلم: (وأسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث عن النبي ﷺ ) (٧) . سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد الخدري ثابت، وهو منصوص عليه عند مسلم في "صحيحه" في ثلاثة أحاديث. الحديث الأول: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الرحمن القاري - عن أبي حازم قال: سمعت سهلاً يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم".

стр. 376

قال أبوحازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ قال فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: "إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي") (١) . وقد أخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه" (٢) بتمامه. والحديث الثاني: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا المخزومي حدثنا وهيب عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها". قال أبوحازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال حدثني أبوسعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها) (٣) . وهذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤) أيضًا عن أبي حازم بمثل ما عند مسلم. والحديث الثالث: أخرجه مسلم بقوله: (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الرحمن القاري - عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء". قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي") (٥) .

стр. 377

وهذا الحديث كذلك أخرجه البخاري في "صحيحه" (١) عن أبي حازم بمثل ما عند مسلم. وقد كان عدم تنبه مسلم لهذا الأمر مثار تعليق لبعض العلماء. فقد قال ابن رشيد: (وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد فقد خرجها البخاري، وخرجتها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك منصوصًا فيها على السماع فأثبت في آخر كتابك ما نفيت في أوله، وأقررت بما أنكرت، وشهدت من نفسك، فما ذنبهم أن حفظوا ونسيت؟! ولا غرو فإنما ذلك تعويذ لكمالك. شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد) (٢) وقال ابن حجر: (وأعجب من ذلك أنا وجدنا بطلان بعض ما نفاه في نفس صحيحه) (٣) ثم ساق أحاديث النعمان عن أبي سعيد السابقة، وعقب على ذلك بقوله: (فهذه الثلاثة الأحاديث التي أشار إليها قد ذكرها هو في كتابه مصرحًا فيها بالسماع، فكيف لا يجوز ذلك في غيرها) (٤) . وبعد أن ذكر المعلمي أن مسلمًا قد أخرج في صحيحه حديثًا مصرحًا فيه بالسماع مع نفيه لذلك في المقدمة قال: (فسبحان من لا يضل ولا ينسى) (٥) . ٥- ويدخل في هذا النوع أيضًا قول مسلم: (وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي ﷺ حديثًا) (٦) . الحديث هو "الدين النصيحة ... " أخرجه مسلم في "صحيحه" (٧) ، وليس فيه السماع.

стр. 378

وقد أثبت علي بن المديني لقي عطاء بن يزيد الليثي لتميمًا الداري ﵁ فقال في كتابه "العلل": (وقد لقي عطاء بن يزيد أصحاب النبي ﷺ ، لقي أبا أيوب، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وتميمًا الداري، وأبا شريح الخزاعي) (١) . ووجدت تصريح عطاء بالسماع من تميم فيما أخرجه محمد بن نصر العروزي قال: (حدثنا إسحاق أنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم". قال سهيل: فحدثنا عند ذلك عطاء بن يزيد الليثي قال: سمعت تميمًا الداري يقول: "إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة" ثلاثًا، فقيل: يا رسول الله لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسله، وأئمة المسلمين، أو قال: أئمة المسلمين، وعامتهم") (٢) . وإسحاق هو ابن راهويه من كبار الأئمة الأثبات، وجرير هو ابن عبد الحميد ثقة صحيح الكتاب (٣) ، وأما سهيل ابن أبي صالح فقد احتج به مسلم، وأخرج حديث "الدين النصيحة" من طريقه عن عطاء عن تميم مرفوعًا (٤) . وقد أخرج الطبراني (٥) ، والبيهقي (٦) من طريقين آخرين هذا الحديث عن جرير به بإثبات سماع عطاء بن يزيد الليثي من تميم الداري. وقد جاء إثبات سماع عطاء من تميم من غير طريق جرير، فقد قال

стр. 379

العيني: (وأخرجه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب "السياسة" (١) تأليفه: حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي حدثنا ابن عيينة عن سهيل سمعت عطاء بن يزيد حدثنا تميم قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة" فقال رجل: لمن يا رسول الله، قال: "لله، ولكتابه، ولنبيه، ولأئمة المؤمنين وعامتهم") (٢) . ولم أجد أحدًا ممن رد على مسلم ذكر سماع عطاء من تميم الداري. وبما تقدم يتبين لنا أن مسلمًا ﵀ لم يصب في نفيه السماع عن الأسانيد الخمسة السابقة، لأن السماع ثابت وصحيح في تلك الأسانيد (٣) . ثانيًا: أسانيد ثابتة من طريق آخر عن نفس الصحابي: من ضمن الأسانيد التي استشهد بها مسلم أسانيد يرويها أحد التابعين عن صحابي، وبعد البحث لم أقف على سماع ذلك التابعي من الصحابي الذي روى عنه، ولكن وجدت الحديث الذي يرويه هذا التابعي ثابتًا وصحيحًا من طريق تابعي آخر عن نفس الصحابي. ومن الأسانيد التي استشهد مسلم بها مما يدخل في هذا النوع ما يلي: ١- ما قاله مسلم في عبد الله بن يزيد أنه لم يثبت سماعه من حذيفة وقد روى عنه حديثًا، وقد قدمت في النوع الأول أن الراجح كون عبد الله بن يزيد من الصحابة، ومراسيل الصحابة اتفق أهل الحديث على الاحتجاج بها، ومع ذلك فإن حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة هذا أخرجه مسلم في "صحيحه" عن حذيفة أنه قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إل أن تقوم الساعة فما منه شيء إلا قد سألته. إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟) (٤) . وقد أخرج مسلم قبله حديثًا من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: (قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام

стр. 380

الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسبه من نسبه ... ) (١) . وأخرج أيضًا حديثًا من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة بنحو ما تقدم (٢) . فأصل حديث عبد الله بن يزيد محفوظ عن حذيفة لذا قال المعلمي اليماني: (أخرج أولاً معناه مطولاً من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة ثم ذكره فهو متابعة، والحديث مشهور عن حذيفة فإن صح قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة فالجواب: أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة لم يحتج أهل العلم إلى الكلام فيه بل رووا الحديث على أنه متابعة فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع) (٣) . قصد المعلمي في المقطع الأخير من كلامه أن المتابعات لا بأس من ذكر الأسانيد غير المتصلة فيها، والجواب الذي ذكره المعلمي في غاية الوجاهة. ٢- ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب عليًا - عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثًا) (٤) . وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أنس قال: (أمر أبوطلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ طعامًا لنفسه خاصة ثم أرسلني إليه - وساق الحديث - وقال فيه: فوضع النبي ﷺ يده وسمى عليه ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فدخلوا فقال: "كلوا وسموا الله" فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل النبي ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا) (٥) . ولم أجد سماع ابن أبي ليلى من أنس.

стр. 381

وتدل عبارة "وساق الحديث" أن مسلمًا اختصر الحديث وذلك لأنه ساقه متابعة وأخرج قبله من طريق مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: (قال أبوطلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم ... الحديث) (١) وساقه بأطول مما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى السابق. وقد أخرج مسلم (٢) هذا الحديث أيضًا من طريق سعد بن سعيد حدثني أنس بن مالك، ومن طريق يحى بن عمارة المازني، ومن طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق النضر بن أنس، ومن طريق يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسًا، جميع هؤلاء الستة رووه عن أنس. فيكون رواه عن أنس سبعة من الثقات غير ابن أبي ليلى، وهذا في صحيح مسلم فقط، منهم ثلاثة صرحوا بأنهم سمعوا الحديث من أنس. وذكر المعلمي أن رواية ابن أبي ليلى عن أنس أخرجها مسلم متابعة (٣) . ومن الواضح أن الحديث صحيح عن أنس بلاشك، فيكون استشهاد مسلم بهذا السند على ما ذكره من تصحيح أهل العلم بالحديث له استشهادًا ضعيفًا لأن المخالف لمسلم له أن يقول: حديث أنس صحيح عندي من غير طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى فإذا كنت تحتج بحديث أنس من طريق ابن أبي ليلى فأنا أحتج به أيضًا ولكن من الطرق الأخرى التي ثبت فيها السماع، وهذا ما صنعه البخاري فقد احتج في "صحيحه" (٤) برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك، ولو فرض أن حديث ابن أبي ليلى لم يرو أصلاً لما كان لذلك أي أثر على صحة حديث أنس.

стр. 382

٣- ويدخل فيما سبق أيضًا قول مسلم: (وأسند ربع بن خراش عن أبي بكرة عن النبي ﷺ حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه) (١) . وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق شعبة عن منصور عن ربعي عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا" (٢) ، ولم أجد سماع ربعي من أبي بكرة. وحديث أبي بكرة هذا محفوظ من جهة أخرى، فقد أخرج البخاري ومسلم عن الحسن البصري عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة عن رسول الله ﷺ : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فقلت أو قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: "إنه أراد قتل صابحه" (٣) . وقد ألمح البخاري إلى وجود خلاف بين شعبة وسفيان الثوري في رفع حديث ربعي عن أبي بكرة فقال بعد أن أخرج حديث الأحنف السابق: (وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش عن أبي بكرة عن النبي ﷺ ، ولم يرفعه سفيان عن منصور) (٤) . ولاشك أن الحديث صحيح عن أبي بكرة، وأن حديث الأحنف عن أبي بكرة اتفق الشيخان على إخراجه فهو أصح من حديث ربعي بن حراش الذي أخرجه مسلم متابعة لحديث الأحنف عن أبي بكرة، وجزم المعلمي بأن مسلمًا أخرج حديث ربعي في المتابعات (٥) . فعدم العلم بسماع ربعي من أبي بكرة غير مؤثر على الحديث، ولو وجد

стр. 383

السماع لكان من تحصيل الحاصل لأن حديث أبي بكرة هذا محفوظ بلاشك، ولأن ليس لربعي عن أبي بكرة إلا هذا الحديث فقط كما نص مسلم على ذلك. ٤- ومما يدخل في النوع قول مسلم: (وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي ﷺ حديثًا) (١) . وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق عمرو بن دينار أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (٢) . وقد أخرج (٣) مسلم هذا الحديث بعد أن ساق حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحو حديث أبي شريح من طريقين عن أبي هريرة، وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤) أيضًا. ولم أجد بعد البحث سماع نافع بن جبير من أبي شريح الخزاعي، ولكن رأيت البخاري (٥) ﵀ قد أخرج حديث أبي شريح الخزاعي هذا من طريق سعيد المقبري عنه بمثل حديث نافع بن جبير وسماع سعيد المقبري ثابت عن أبي شريح الخزاعي ﵁ فقد قال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: سمع سعيد المقبري من أبي شريح؟ قال: نعم) (٦) . ويؤكد ذلك احتجاج البخاري بحديثه عن أبي شريح.

стр. 384

ومتن هذا الحديث قال عنه الذهبي: (فهذا متواتر عن النبي ﷺ بهذا اللفظ) (١) . فلا وجه لإيراد مسلم ﵀ لهذا السند لأن نافع بن جبير لم يرو عن أبي شريح إلا حديثًا - كما يدل عليه كلام مسلم -، وهذا الحديث الواحد محفوظ عن أبي شريح الخزاعي برواية سعيد المقبري الذي ثبت سماعه منه، ولم ينفرد نافع بن جبير بزيادة مهمة تجعل لحديثه ميزة على حديث سعيد المقبري. وقال المعلمي: (أخرج مسلم حديث أبي هريرة: بمثل حديث أبي شريح. ثم أخرج حديث نافع عن أبي شريح، فهو شاهد، مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبري سماعًا من أبي شريح) (٢) . ٥- ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ حديثًا) (٣) . أخرج مسلم في صحيحه حديث سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: (كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ : فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحافل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها، وما سوى ذلك) (٤) . ولم أقف على سماع سليمان بن رافع، ولكن الحديث رواه خلق (٥) عن رافع بألفاظ مختلفة، وقد احتج البخاري في صحيحه بحديث رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض من طريقين عنه.

стр. 385

فأخرج من طريق الأوزاعي عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج سمعت رافع بن خديج بن رافع عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير: (لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقًا. قلت: ما قال رسول الله ﷺ فهو حق. قال: دعاني رسول الله ﷺ قال: "ما تصنعون بمحاقكم؟ " قلت: نؤاجرها على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: "لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها" قال رافع: قلت سمعًا وطاعة) (١) . وأخرج من طريق حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج قال: (حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى ﷺ عن ذلك فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع؟: ليس بها بأس بالدينار والدرهم) (٢) . وقد أخرج مسلم في "صحيحه" (٣) هذين الطريقين أيضًا، فمعنى الحديث محفوظ عن رافع بن خديج من غير طريق سليمان بن يسار، فالحكم باتصال حديث سليمان عن رافع أو عدمه لا يغير من صحة حديث رافع شيئًا. وقد أشار المعلمي إلى أن حديث سليمان محفوظ بقوله: (وأخرج له عدة متابعات وشواهد) (٤) يعني مسلمًا. والأسانيد السابقة التي استشهد بها مسلم لا يتم له الاستدلال بها على ما ذكره من تصحيح أهل العلم لها، وعدم توهينها، لأن المخالف له لا يمانع من قبولها كمتابعة لثبوت الأحاديث عنده من طرق أخرى عن نفس الصحابة. ولو احتج بتلك الأسانيد محتج لوسعه ذلك لأنه احتج بأحاديث محفوظة بيقين عن رسول الله ﷺ ، ولا مأخذ عليها إلا احتمال عدم السماع، ويزول هذا الاحتمال

стр. 386

بوجود رواية أخرى عن ثقة صح سماعه عن ذلك الصحابي يروي نفس المتن أو قريب منه. وإنما كان يتم للإمام مسلم ﵀ الاستدلال على ما ذكره لو جاء بأحاديث لا يعلم فيها اللقاء ولا السماع، ولا تروى إلا بذلك السند، وقد صححها أهل العلم. أما وقد وجد في الأسانيد التي استشهد بها أنها مروية بطرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابة فإن هذا مما يجعل المخالف له يقول: إنما قبل العلماء تلك الأحاديث لأنها ثابتة عن الصحابة المذكورين من جهات أخرى، فهم لم يصححوها لذاتها وإنما لأن التابعين صح سماعهم تابعوا أولئك الذين لم يثبت سماعهم، وللمخالف أن يقول أيضًا: هب أننا قبلنا الأسانيد التي استشهدت بها - رحمك الله - لأنها ثابتة عندنا من طرق أخرى، فهل نكون بذلك خالفنا شرطنا في الحديث المعنعن؟! أو هب أننا حكمنا عليها بالانقطاع ورددناها مع احتجاجنا بالطرق الصحيحة لتلك الأحاديث فهل نكون بذلك قد رددنا أحاديث احتج بها أهل العلم؟! ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد: ومن الأسانيد التي استشهد بها مسلم على أن أهل العلم صححوها، وليس يثبت فيها السماع أو اللقاء بين رواتها من التابعين والصحابة، أسانيد لم أجد فيها - بعد البحث - السماع ولا وجدت متابعة عن نفس الصحابي راوي الحديث، وإنما لمتون تلك الأسانيد شواهد. ١- ومن ذلك ما قاله مسلم في أبي رافع الصائغ فقد قال: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ وهما ممن أدرك

стр. 387

الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين هلم جرا ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (١) . أبوعثمان النهدي ثبت سماعه من أبي كما تقدم، أما أبورافع الصائغ واسمه نفيع فحديثه عن أبي بن كعب لم يخرجه مسلم في "صحيحه"، وإنما أخرجه أحمد

стр. 388

في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي بن كعب: (أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا) (١) . ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا) . ويشهد له أيضًا حديث أنس بن مالك الذي قال فيه: (كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلم يعتكف، فاعتكف في العام المقبل عشرين ليلة) (٣) رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان جميعهم من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أنبأنا حميد الطويل عن أنس به. وهذا سند صحيح صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان. وقد قال الشيخ المعلمي معللاً عدم إخراج مسلم لحديث أبي رافع في "صحيحه": (لم يخرجه مسلم ﵀ في الصحيح، وذلك يدل على توقف له فيه لأنه ليس هناك طريق أخرى صحيحة يوردها ويجعل هذه متابعة لها، والحديث في حكم وسنة، وقد أنصف بذلك) (٤) . ٢، ٣- ومن ذلك قول مسلم: (وأسند أبوعمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي ﷺ رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ خبرين) (٥) . الحديث الأول الذي أسنده أبوعمر الشيباني - واسمه سعد بن إياس - عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبدع بي فاحملني فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٦) . وله شواهد عدة من أقواها حديث أنس بن مالك قال: (أتى النبي ﷺ رجل يستحمله، فلم يجد عنده ما يتحمله، فدله على آخر فحمله، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "إن الدال على الخير كفاعله") . وهذا الحديث يرويه عن أنس اثنان هما شبيب بن بشر (٧) ، قال الحافظ ابن حجر فيه: (صدوق يخطيء) (٨) . وزياد بن عبد الله النميري (٩) ، قال الحافظ فيه

стр. 389

(ضعيف) (١) ، فالحديث بذلك حسن، وقد قواه الضياء المقدسي بإخراجه له في "المختارة"، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢) . وقد قال الشيخ المعلمي عن حديثي أبي عمرو الشيباني: (كلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة كقوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه") (٣) . والحديث الثاني الذي أسنده أبوعمرو الشيباني عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة") (٤) . ومضاعفة الثواب لمن أنفق في سبيل الله جاء في قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (٥) . ويشهد لحديث أبي مسعود من حيث المعنى حديث خريم بن فاتك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبع مائة ضعف) (٦) وهو مروي من طريق الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن يسير بن

стр. 390

عميلة عن خريم به، وقد قال الإمام الدارقطني عن هذا السند في كتابه "الإلزامات": (كلهم ثقات) (١) . قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي عمرو الشيباني السابق: (ودليل الثاني قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (٢) . أما الحديث الأول لأبي معمر عبد الله بن سخبرة عن أبي مسعود الأنصاري فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليليني منكم ألوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبومسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا) (٣) . ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً باديًا
следующие страницы →