← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إذا لبس وغطى رأسه متفرقاً وجب عليه دمان وإن كان في وقت واحد، فعلى روايتين انتهى. والمذهب ما ذكرناه أولا من أنه لا فرق بين ما وقع في دفع أو دفعات أو اختلف سببه وكرره لأجهل مثل المرض والبرد والحر أو اتحد سببه في أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة ما لم يكفر عن الفعل الأول على ما تقدم. قال في الشرح الكبير: فإن لبس قميصاً وسراويل وعمامة وخفين كفاه فدية واحدة لأن الجميع لبس فأشبه الطيب في رأسه وبدنه وفيه خلاف ذكرناه فيما مضى انتهى، وقد نقل الشيخ منصور في شرح الإقناع عبارة الشرح الكبير هذه معتمداً عليها، قال في المنتهى أو لبس. قال الخلوتي في حاشيته: أي ثوباً في بدنه أو رأسه أو خفاً فهو موافق لما نبه عليه في الإنصاف من أن الثلاثة من جنس. انتهى. قال الزركشي وغيره: إذا لبس وغطى رأسه ولبس الخف ففدية واحد، لأن الجميع من جنس واحد قاله في الإنصاف، انتهى. قال الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على المنتهى: عموم كلام الزركشي يقتضي أن تغطية الرأس بجميع أنواعها حتى بالتظليل بمحمل متحدة مع لبس المخيط، والمفهوم من الإقناع التفصيل، وهو أنه إن غطى رأسه بمخيط كطاقية وعمامة فكلبس المخيط في بدنه وإلا فجنس آخر له فدية على حدته فليحرر انتهى كلام الشيخ عثمان. أقول: الذي يظهر من كلام الأصحاب أن التظليل بمحمل ونحوه ملحق بتغطية الرأس لوجهين. الوجه الأول: ذكرهم الاستظلال بمحمل في محظور تغطية الرأس، قال في المنتهى وشرحه: الثالث تغطية الرأس، فمتى غطاه ولو بقرطاس به دواء أو لا أو بطين أو نورة إلى أن قال أو ستره بغير لاصق، بأن استظل في محمل ونحوه أو بثوب ونحوه راكباً أو لا، حرم بلا عذر وفدى لأنه ستره بما يستدام ويلازمه

стр. 212

غالباً أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه انتهى ملخصاً وكذا ذكر في الإقناع وغيره. الوجه الثاني: تعليلهم أن الاستظلال بمحمل ونحوه هو من ستر الرأس بما يستدام ويلازمه غالباً وشبهوا الاستظلال به بمثل ستر الرأس بالشيء الذي يلاقيه، وحيث الحال ما ذكر فإن تغطية الرأس بجميع أنواعها حتى بالتظليل بمحمل متحدة مع لبس المخيط، ولا يفهم من الإقناع سوى ذلك خلافاً لما ذكره الشيخ عثمان ﵀، فاعتمد ما ذكرته هنا واعتبره تحريراً للمسألة، والله أعلم، ويتعدد جزاء الصيد بتعدده ولو قتلت معاً ولو كانت من جنس واحد لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ومثل المتعدد لا يكون مثل أحدها، وإن فعل محظوراً من أجناس بأن حلق وقلم ظفره وتطيب ولبس مخيطاً فعليه لكل جنس واحد فداء سواء فعل ذلك مجتمعاً أم متفرقاً اتحدت فديتها أو اختلفت لأنها محظورات مختلفة الأجناس فلم يتداخل موجبها كالحدود المختلفة، وعكسه إذا كانت من جنس واحد، قال في المنتهى وشرحه: وإن كان المحظور من أجناس فلكل جنس فداء، قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله فلكل جنس فداء، أي لم تتكرر أفراده أو تكررت وكان قبل التكفير، وهذا الحمل متعين ليوافق ما صدر به انتهى ويكفِّر وجوباً من حلق أو قلم أظفاره أو وطيء أو باشر دون الفرج أو قتل صيداً عامداً أو ناسياً أو مخطئاً أو جاهلاً أو مكرهاً أو نائماً أو قلع شعره عبثاً أو صوب رأسه إلى تنور أو تصلى على نار فأحرق اللهب شعره لأنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه وخطؤه واختياره كإتلاف مال آدمي لكن تقدم في باب أو محظورات الإحرام فيما إذا حلق رأسه مكرهاً بيد غيره. أو نائماً أن الفدية على حالق، وكذا لو قلم ظفره فليعاود ولأن الله تعالى وتقدس أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور فكان ذلك تنبيهاً على

стр. 213

وجوبها على غير المعذور بطريق الأولى ودليلاً على وجوبها على المعذور بنوع آخر كالمحتجم بحلق موضع محاجمه، وإن لبس مخيطاً ناسياً أو جاهلاً أو مكرها أو تطيب ناسياً أو جاهلاً أو مكرها أو غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرها فلا كفارة لقوله ﵊: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . ولا كفارة على من أكرهه على لبس أو تطيب أو تغطية رأس، قال الإمام أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه لأنه شيء لا يقدر على رده، ومصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده مثل ما إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر ألقاه عن رأسه وليس عليه شيء أو لبس خفاً نزعه وليس عليه شيء، ويلحق بالحلق تقليم الأظفار بجامع الإتلاف، ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال أي بمجرد زوال العذر من النسيان والجهل والإكراه لخبر يعلي بن أمية (أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق أو قال أثر صفرة فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، أو قال أثر الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك) . متفق عليه، فلم يأمره بالفدية مع سؤاله عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدل ذلك على أنه عذره لجهله، والناسي والمكره في معناه، ومتى أخر غسل الطيب وخلع اللباس عن زمن الإمكان فعليه الفدية لاستدامة المحظور من غير عذر. (تنبيه) : حكم الجاهل إذا علم حكم الناسي إذا ذكر، وحكم المكره حكم الناسي، لأنه مقرون به في الحديث الدال على العفو، ومن لم يجد ماء لغسل طيب وهو

стр. 214

محرم مسح الطيب بنحو خرقة أو حكه بتراب ونحوه، لأن الواجب إزالته حسب الإمكان، ويستحب أن يستعين على إزالته بحلال لئلا يباشره المحرم، وله غسله بيده لعموم أمره ﷺ بغسله ولأنه تارك له، وله غسله بمائع فإن أخر غسل الطيب عنه بلا عذر فدى للاستدامة أشبه الابتداء، وإن وجد ماء لا يكفي لوضوئه وغسل الطيب غسل به الطيب وتيمم لوضوئه إن لم يقدر على قطع رائحته بغير الماء، ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه لحديث عائشة ﵂: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) . متفق عليه، ولأبي داود عنها (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلا ينهاها) ، وحديثها هذا كان في حجة الوداع سنة عشر، وحديث يعلي بن أمية كان عام حنين بالجعرانة سنة ثمان ذكره ابن عبد البر اتفاق أهل العلم بالسير والآثار، وليس للمحرم لبس ثوب مطيب بعد إحرامه وتقدم لقوله ﷺ (لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) . متفق عليه، فإن لبس مطيباً بعد إحرامه عمداً فدى، وإن أحرم وعليه قميص ونحوه خلعه ولم يشقه ولا فدية عليه لحديث يعلي بن أمية ولأن محظورات الإحرام إنما تترتب على المحرم لا على المحل فيجوز للإنسان الإحرام وعليه المخيط ثم يخلعه إلا على الرواية التي ذكرها ابن حمدان في الرعاية أن عليه الفدية فإن مقتضاها أنه لا يجوز قاله ابن رجب في القاعدة السابعة والأربعين، ولأن شق اللباس إتلاف مال لم يحتج إليه خلافاً لمن قال بذلك مدعياً بأنه يحصل تغطية الرأس حين ينزعه، ورد بأن النبي ﷺ أمر يعلي بخلعه ولم يأمره بشقه ولو وجب الشق

стр. 215

أو الفدية بالإحرام فيه لبينه ﷺ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فإن استدام لبس المخيط ولو لحظة فوق الوقت المعتاد من خلعه فدي لا ستدامة المحظور بلا عذر، فإن لبس بعد إحرامه ثوباً كان مطيباً وانقطع ريحه، أو افترش ما كان مطيباً وانقطع ريح الطيب منه ويفوح ريحه برش ماء على ما كان مطيباً وانقطع ريحه ولو افترشه تحت حائل غير ثيابه لا يمنع الحائل ريحه ولا مباشرته فدى لأنه مطيب بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء والماء لا رائحة له، وإنما هو من الطيب الذي فيه أشبه ما لو ظهرت الرائحة بنفسها، فإن فرش فوق الطيب ثوباً صفيقاً يمنع الرائحة والمباشرة غير ثيبا ب بدنه فلا فدية بالنوم عليه ولا بالجلوس عليه لأنه لا يعد مستعملاً له بخلاف ثياب بدنه التي هي الإزار والرداء ولو صفيقة فعليه الفدية، وإن مس طيباً يظنه يابساً فبان رطبا ففي وجوب الفدية وجهان صوب في الإنصاف وتصحيح الفروع لا فدية عليه، وقال قدمه في الرعاية الكبرى في موضع. (فائدة) : في حكم رفض الإحرام: من رفض إحرامه لم يفسد إحرامه بذلك لأن الإحرام عبادة لا يخرج منها بالفساد فلم يخرج منها برفضها بخلاف سائر العبادات، ولم يلزمه دم لرفض الإحرام لأنه مجرد نية، قال في الإنصاف: وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب انتهى، ومشى عليه في المنتهى وشرحيه والإقناع وشرحه، وقيل يلزمه دم لرفض الإحرام ذكره في الترغيب وغيره وقدمه في الفروع، وحكم إحرامه باق وعلى كلا القولين تلزمه أحكام الإحرام لأن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بكمال أفعاله أو التحلل منه عند الحصر أو بالعذر إذا شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني وما عداها ليس له التحلل به، فإن فعل محظوراً بعد رفضه إحرامه فعليه فداؤه لبقاء إحرامه

стр. 216

ويأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة في باب الإحصار والفوات، وقد ذكر في المنتهى والإقناع هناك أنه يلزمه دم لرفض الإحرام، وذكرا هنا أنه لا يلزمه دم لرفضه فكلامهما في البابين متناقض إلا أن يحمل على ما قاله الشيخ عثمان النجدي من أن ما هنا في حق غير المحصر، وما هناك في حق المحصر، والله أعلم. وعند الحنفية إذا نوى رفض الإحرام فصنع ما يصنعه الحلال من لبس الثياب الممنوعة على المحرم من المخيط ونحوه والتطيب والحلق والجماع وقتل الصيد فإنه لا يخرج بذلك من الإحرام ويجب عليه أن يعود كما كان محرماً ويجب دم واحد لجميع ما ارتكب ولو فعل كل المحظورات استحساناً عندهم لأنه أسند ارتكاب المحظورات إلى قصد واحد، وهو تعجيل الإحلال فيكفيه لذلك دم واحد وسواء نوى الرفض قبل الوقوف أو بعده إلا أن إحرامه يفسد بالجماع قبل الوقوف، ومع هذا يجب عليه أن يعود كما كان محرماً، لأنه بالإفساد لم يصر خارجا منه، وإنما يتعدد عندهم الجزاء بتعدد الجنايات إذا لم ينو الرفض في أول ارتكابها واستمر عليها، ثم نية الرفض إنما تعتبر عندهم ممن زعم أنه يخرج من الإحرام بارتكاب الجناية لجهله مسألة عدم الخروج، وأما من علم أنه لا يخرج من الإحرام بالرفض وارتكاب الجناية فإن نية الرفض لا تعتبر منه. وعند المالكية إذا عقد إحرامه لزمه إتمام نسكه وليس له رفضه فإذا رفضه لم يرتفض ولا يلزم رافضه هدي ولا غيره، وأما إذا وقع الرفض في أثناء الأفعال الواجبة عليه كالطواف والسعي ارتفض ذلك الفعل فقط ويكون كالتارك له فيطالب بغيره وأصل الإحرام لم يرتفض. أما الشافعية: فإنهم لم ينصوا على ذكر الرفض، وإنما ذكروا ما يؤدي إلى معناه، فقال الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه أسنى المطالب: فرع إذا صرف الأجير بعد الإحرام عن المستأجر الحج إلى نفسه

стр. 217

وظن انصرافه إليه لم ينصرف لأن الإحرام من العقود اللازمة، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره ويستحق المسمى لبقاء العقد انتهى، وقال أيضاً بعد كلام سبق: وإلا بأن حبس المحرم بحق كأن حبس بدين يتمكن من أدائه فلا يجوز له التحلل بل عليه أن يؤدي ويمضي في نسكه، فلو تحلل لم يصح تحلله فإن فاتح الحج في الحبس لم يتحلل إلا بعمرة انتهى، وقد ذكر في حاشية شرح المنهج في باب الإحرام فيمن كان إحرامه مطلقاً صرفه بنيته لما شاء وجوباً ولا يجوز له إبطال الإحرام انتهى. فظهر من هذا أن الإحرام عندهم لا ينفسخ بالرفض، لأنه من العقود اللازمة وهو باق عليه عندهم، فاتضح مما تقدم أن الإحرام لا يرتفض على المذهب الأربعة، والله أعلم. -- فصل: وكل هدي أو إطعام يتعلق بالإحرام أو الحرم كجزاء صيد حرم أو إحرام وما وجب من فدية لترك واجب أو فوات حج، أو وجب بفعل محظور في حرم كلبس ووطء فيه فهو لمساكين الحرم، قال ابن عباس ﵄: الهدي والإطعام بمكة وكذا هدي تمتع وقران ومنذور للحرم ونحوها فهو لمساكين الحرم لقوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) وقال في جزاء الصيد: (هديا بالغ الكعبة) وأما ما وجب لترك واجب أو فوات حج فلأنه هدي وجب لترك نسك أشبه دم القران، والإطعام في معنى الهدي، وكل هدي قلنا إنه لمساكين الحرم فإنه يلزم ذبحه في الحرم ويجزئه الذبح في جميع الحرم، قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واحتج الأصحاب بحديث جابر مرفوعاً (كل فجاج مكة طريق ومنحر) . رواه أحمد وأبو داود لكنه في مسلم عنه مرفوعاً (منى كلها منحر) وإنما

стр. 218

أراد الحرم لأنه كله طريق إليها، والفج: الطريق، وقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) . وقوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) لا يمنع الذبح في غيرها كما لم يمنعه بمنى، ويلزم تفرقة لحمه في الحرم أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكين الحرم إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه أو بمن يرسله معه، لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه ولا تحصل بإعطاء غيرهم، كذا الإطعام. قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قولهم لمساكينه ظاهر تعبيرهم بالجمع أنه لا يجزئ دفعه إلا إلى أقل الجمع، وقياس الفطرة أنه يجزئ إلى واحد، قال شيخنا يعني منصوراً: لكن إلحاقه بالكفارة أشبه فليتنبه انتهى، وقول الخلوتي إلا إلى أقل الجمع أي إلا إلى جمع، قال الشيخ عثمان بن قائد: ظاهر تعبيرهم بالجمع أنه لا يجزئ الدفع لواحد كالفطرة، اللهم إلا أن يقال المراد الجنس، لكن قال الشيخ منصور: إلحاقه بالكفارة أشبه فتأمل انتهى، قال الشيخ مرعي في غايته: ويتجه فلا يجزئ اقتصار على واحد، بل ثلاثة، واحتمل أو اثنين وقياس الفطرة يجزئ اقتصاره على واحد انتهى. قال في التحفة لابن حجر الشافعي: ويجب صرف لحمه إلى مساكينه، أي الحرم أي ثلاثة منهم، قال الشرواني في حاشيته: ويكفي الاقتصار على ثلاثة من فقرائه أو مساكينه وإن انحصروا، لأن الثلاثة أقل الجمع، فلو دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن له أقل متمول انتهى. ومساكين الحرم من كان مقيماً به أو وارداً إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة كالفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه، بخلاف المؤلف الغني والغارم للغير إذا كان غنياً، فإن دفع من الهدي أو أو الإطعام إلى فقير في ظنه فبان غنياً أجزأه كالزكاة، قال الشيخ مرعي في غايته، ويتجه لا إن ظنه نحو مسلم فبان عكسه انتهى، ويجزئ نحره في أي نواحي الحرم كان الذبح، قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، ومراده في الإجزاء لا في التساوي في الفضيلة

стр. 219

ومنى كلها منحر لما تقدم من حديث مسلم. والأفضل أن ينحر في الحج بمنى وفي العمرة بالمروة خروجاً من خلاف مالك حيث كان لا يرى النحر للحج إلا بمنى ولا للعمرة إلا بمكة. قلت: وفي هذه الأزمة وقبلها لا يتأتى النحر للعمرة بالمروة لكثرة الحجاح وحصوص البناء من جوانبها، فلو حصل النحر بها لحصل تلويث الحجاج والمعتمرين بالدماء لا سيما لدى السعي بين الصفاء والمروة، ولحصل بسبب كثرة الدماء روائح كريهة مؤذية كما لا يخفي على متأمل، وإن سلم الهدي حياً إلى مساكين الحرم فنحروه بالحرم أجزأ لحصول المقصود، وإن لم ينحروه استرده منهم ونحره لوجوب نحره، فإن أبى أن يسترده أو عجز عن استرداده ضمنه لمساكين الحرم لعدم خروجه من عهد الواجب، فإن لم يقدر على إيصال ما وجب ذبحه بالحرم إلى مساكين الحرم بنفسه أو وكيله، جاز نحره في غير الحرم كالهدي إذا عطب، لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وجاز تفرقة الهدي الذي عجز عن إيصاله بنفسه أو بمن يرسله معه حيث نحره، أي بالمكان الذي نحره فيه، وأما فدية الأذى وفدية اللبس وتغطية الرأس ونحوها كطيب وما أوجب شاة كالمباشرة دون الفرج إذا لم ينزل وما وجب بفعل محظور خارج الحرم ولو لغير عذر، فله تفرقتها دماً كانت أو طعاماً حيث وجد سببها (لأنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزوراً بالسقيا) . رواه مالك والأثرم وغيرهما، وله تفرقتها في الحرم أيضاً كسائر الهدايا. (تنبيه) : يستثنى من فعل المحظور خارج الحرم قتل الصيد خارج الحرم فإنه لا يجزئ إخراج فدائه إلا بالحرم، لقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) وتقدم.

стр. 220

-- فصل: ووقت ذبج فدية الأذى واللبس ونحوهما كتغطية الرأس والطيب وما ألحق بذلك من المحظورات حين فعل المحظور، وله الذبح قبله إذا أراد فعله لعذر ككفارة اليمين ونحوها، وكذلك ما وجب لترك واجب من واجبات الحج يكون وقته من ترك ذلك الواجب: ولو أمسك صيداً أو جرحه ثم أخرج جزاءه ثم تلف المجروح أو الممسك أو قدَّم من أبيح له الحلق فيدته قبل الحلق ثم حلق أجزأه، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر من حل أو حرم، نص عليه أحمد لأن النبي ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية وهي من الحل، ودل على ذلك قوله تعالى: (وصدوركم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله) ولأنه موضع حله فكان موضع نحره كالحرم، وأما الصيام والحلق فيجزئه بكل مكان فلا يختص بالحرم لقول ابن عباس ﵄: الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شاء، ولأنه لا يتعدى نفعه إلى حد فلا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي والإطعام، والدم المطلق يجزيء فيه شاة كأضحية فيجزيء الجذع من الضأن وهو ما تم له ستة أشهر أم الثني من المعز، وهو ما تم له سنة، أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة لقوله تعالى في المتمتع: (فما استيسر من الهدي) . قال ابن عباس ﵄: شاة أو شرك في دم، وقوله في فدية الأذى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) . وفسره ﷺ في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة، وما سوى هذين مقيس عليهما، وأما إذا قيد الدم بنحو بدنة تقيد بذلك فيجب بعينه، فإن ذبح من وجوب عليه دم مطلق بدنة أو بقرة، فهو أفضل مما تقدم لأنها أوفر لحماً وأنفع للفقراء، وتجب كلها لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه

стр. 221

فكان كله واجباً كالأعلى من خصال الكفارة إذا اختاره، ولا يقال: إن سُبعها يكون واجباً فقط والباقي تطوع، له أكله وهديته كما قال في بعض العلماء، وقيل يلزمه سبعها فقط والباقي له أكله والتصرف فيه كذبحه سبع شياه، قال ابن أبي المجد: فإن ذبح بدنة لم تلزمه كلها في الأشهر، قال ابن اللحام في قواعده: وينبغي أن يبنى على الخلاف زيادة الثواب فإن ثواب الواجب أعظم من ثواب التطوع انتهى، قال مرعي في غايته: وتجب كلها ويتجه إن كانت كلها ملكه انتهى، ومن وجبت عليه بدنة أجزأته عنها بقرة لقول جابر: (كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البُدن) ، رواه مسلم كعكسه، أي إجزاء البدنة عن البقرة، ولو كان ذبح البقرة عن البدنة أو بالعكس في جزاء صيد ونذر مطلق، فإن نوى شيئاً بعينه لزمه ما نواه، قال ابن عقيل، ويجزئه عن كل واحدة من البدنة والبقرة سبع شياه ولو في نذر أو جزاء صيد قدمه في الشرح، ويجزئه عن سبع شياه بدنة أو بقرة، سواء وجد الشياه أو عدمها في جزاء الصيد وغيره، لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون فيذبحون البقرة عن سبعة، ولحديث جابر: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة) . رواه مسلم، وذكر جماعة إلا في جزاء الصيد فلا تجزئ بدنة عن بقرة، ولا عن سبع شياه، والمذهب الإجزاء كما تقدم. ووقت ذبح هدي نذر أو تطوع أو هدي متعة أو قران كوقت أضحية من بعد مقدار صلاة العيد فلا يجزئ قبل ذلك، وتقدم في باب الإحرام في فصل: ويلزم دم تمتع وقران بطلوع فجر يوم النحر الخلاف في ذلك فليراجع عند الحاجة. وسن أكله وتفرقته من هدي تطوع غير عاطب، ولا يأكل من هدي واجب

стр. 222

بفعل محظور في حرم أو إحرام كلبس ووطء، أو واجب لترك واجب من واجبات الحج أو لفوات حج ونحو ذلك غير دم متعة أو قران فله الأكل منهما نص عليه أحمد، لأن سببهما غير محظور فأشبها هدي التطوع، فإن أكل مما ليس له الأكل منه ضمن ما أكله بمثله لحماً ويعطيه إلى الفقراء، ويجوز لرفقته الأكل منه إذا كانوا فقراء بخلاف ما إذا عطب الهدي بالطريق واجباً كان أو تطوعاً أو عجز عن المشي صحبة الرفاق فإنه يذبحه موضعاً وجوباً ليأخذه الفقراء، ويحرم أكله وأكل خاصته منه ولو فقراء، وإنما منع المهدي ورفقته من الأكل من الهدي العاطب لئلا يقصروا في حفظه فيعطب ليأكل هو ورفقته منه فتلحقه التهمة في عطبه لنفسه ورفقته، قال في الإنصاف: وقد صرح الأصحاب بأن الرفقة: الذين معه ممن تلزمه مؤنته في السفر ويأتي الكلام على هذا مستوفى في باب الهدي والأضاحي إن شاء الله تعالى. (فائدة) : قال شيخ الإسلام ﵀: وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي، سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويسمى أيضاً أضحية بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنه أضحية وليس بهدي كما في سائر الأمصار، فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إن اشتراه بالحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي وهو منقول عن عائشة انتهى. (تتمة) : وجوب دم التمتع عن الشافعة إذا أحرم بالحج فإذا وجب جاز إراقته عندهم ولم يتوقت بوقت، لكن الأفضل إراقته يوم النحر، ويجوز إراقته

стр. 223

عندهم بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج على الأصح، ولا يجوز قبل التحلل من العمرة على الأصح، وأما الصوم فلا يجوز تقديمه على الإحرام بالحج، ولا يجوز صوم شيء من الثلاثة في أيام التشريق، وهذا كله مخلف لمذهبنا كما تقدم، وعند المالكية إذا ذبح هدي التمتع والتطوع قبل فجر يوم النحر لم يجزه. قال في التلقين: الواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر. وأما الصيام: فلا يجوز قبل أن يحرم بالحج ويكره تأخير الثلاثة إلى أيام منة، فإن أخرها صام أيام التشريق، وإن وجب عليه هديان أو أكثر لنقص في حج متقدم على الوقوف بعرفة صام عن كل هدي وجب عليه ثلاثة أيام قبل عرفة، فمن عليه هديان صام ستة عن كل هدي ثلاثة، وهكذا وصام سبعة أيام لكل هدي إذا رجع من منى، هكذا ذكر علماء المالكية، وهو موافق لمذهبنا ما عدا نفيهم جواز صيام الثلاثة قبل الإحرام بالحج لأنه عندنا يجوز صيامها بعد الإحرام بالعمرة كما تقدم. -- باب جزاء الصيد: جزاؤه ما يستحق بدله على من أتلفه بمباشرة أو سبب من مثل الصيد ومقاربه وشبهه ولو أدنى مشابهة، أو من قيمة ما لا مثل له، وقد عقد فقهاؤنا ﵏ هذا الباب لبيان نفس جزاء الصيد. وأما باب الفدية الذي تقدم فهو بيان لما يفعل بجزائه فلا تكرار كما قدم توهمه بعضهم والله أعلم، ويجتمع الضمان لمالكه والجزاء لمساكين الحرم إذا كان الصيد ملكاً لغير متلفه، وتقدم في السادس من المحظورات، ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرح وقبل الموت ككفارة قتل الآدمي.

стр. 224

والصيد ضربان: أحدهما له مثل من النعم خلقة لا قيمة فيجب فيه مثله نص عليه الإمام أحمد للآية، والذي له مثل نوعان: أحدهما ما قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت به لقوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) رواه أحمد والترمذي وحسنه ولأنهم أقرب إلى الصواب وأعرف بمواقع الخطاب، ففي النعامة بدنة، والمراد بالبدنة هنا البعير ذكراً كان أو أنثى حكم به عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية وأكثر العلماء، لأنها تشبه البعير في خلقته فكان مثلاً لها فيدخل في عموم النص، وجعلها الخرقي من أقسام الطير لأن لها جناحين فيعايابها، فيقال: طائر يج فيه بدنة، ويجب في كل واحد من حمار الوحش بقرة، قضى به عمر وقاله عروة ومجاهد لأنه شبيهة به، ويجب في بقرة الوحش بقرة قضى به ابن مسعود، وروى عن ابن عباس وقاله عطاء وقتادة، وفي الوعل: بقرة، والوعل بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها: تيس الجبل، قاله في القاموس، وهو الأروى قاله في الصحاح، يروى عن ابن عمر أنه قال: في الأروى بقرة، ويقال لذكر الأوعال إيَّل على وزن قِنَّب وخُلَّب وسيِّد: الأول بكسر القاف وتشديد النون المفتوحة، والثاني بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحة، والثالث بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية المكسورة، وفي الإبل بقرة قاله ابن عباس ويقال للمسن منه الثيتل بوزن جعفر وفيه بقرة لما تقدم، وفي الضبع كبش، لقول جابر (سألت النبي ﷺ عن الضبع؟ فقال: هو صيد، وفيه كبش إذا صاده المحرم) . رواه أبو داود، وروى أيضاً ابن ماجة والدارقطني عن جابر نحوه مرفوعاً، وقضي به عمر وابن عباس، وبه قال عطاء، والشافعين وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الأوزاعي: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها، وهو القياس إلا أن

стр. 225

اتباع السنة والآثار أولى انتهى. قال الإمام (حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش) انتهى، الكبش: فحل الضأن. وفي المقنع أو شاة، وفي الظبي وهو الغزال عنز قضى به عمر وابن عباس، وروى عن علي وقاله عطاء. والعنز: هي الأنثى من المعز، وعن محمد بن سيرين (أن رجلاً جاء عمر بن الخطاب فقال: إني أجرت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبا ونحن محرمان، فماذا ترى؟ فقال عمر ﵁ لرجل إلى جنبه تعال حتى نحكم أنا وأنت قال: فحكما عليه بعنز فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً فحكم معه، فسمع عمر ﵁ قول الرجل فدعاه فسأله هل يقرأ سورة المائدة؟ فقال لا، فقال هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضرباً، ثم قال إن الله يقول في كتابه العزيز: (يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة) ، وهذا عبد الرحمن بن عوف. رواه مالك في الموطأ انتهى من الزركشي على الخرقي، قال في الشرح: وفي الثعلب شاة لأنه يشبه الغزال، وممن قال فيه الجزاء قتادة وطاوس ومالك والشافعي، وعن أحمد لا شيء فيه لأنه سبع انتهى. قلت: الصحيح من المذهب أنه لا شيء في الثعلب لأنه سبع مفترس بنابه فيحرم أكله على الصحيح من المذهب وليس صيداً، وفي الوبر بسكون الباء والأنثى وبرة، قال في القاموس: هو دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها، وفي ضب جدي قضى به عمر وأربد، والوبر مقيس على الضب، قال الخلوتي، ولا ضرورة في إدراجه فيما قضت فيه الصحابة لأن قياس المذهب مذهب، ويصح أن يعزى لصاحبه على الصحيح عندهم انتهى، قال عبد الوهاب بن فيروز في حاشيته على شرح الزاد على هذا الموضع، قال ابن قندس: أربد براء، مهملة بعدها

стр. 226

باء موحدة أشار إليه شيخنا ابن حجر في الإصابة انتهى. قال شيخنا يعني أباة محمد بن فيروز أربد التميمي تابعي انتهى كلام عبد الوهاب المذكور. قلت ليس الأمر كما قاله ابن فيروز، فإن أربد المذكور ليس هو أربد التميمي بل هو أربد بن عبد الله البجلي، قال ابن حجر في الإصابة: أربد بن عبد الله البجلي أدرك الجاهلية وحكَّمه عمر في قصة جزاء الضب، قال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن المخارق بن عبد الله: سمعت طارق بن شهاب يقول: (خرجنا حجاجاً فأوطأ رجل منا يقال له أربد بن عبد الله ضبا فأتينا عمر نسأله، فقال له عمر: احكم فيه. قال: أنت خير مني وأعلم، قال: أنا أمرتك أن تحكم، قال: قلت فيه جديٌ قد جمع الماء والشجر. قال: ففيه ذلك) إسناده صحيح ورواه الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق ولم يسم الرجل انتهى كلام ابن حجر. وقد ذكره في الإصابة في القسم الثالث المحتوى على المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا، قال: هؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق من أهل العلم بالحديث انتهى. وقال ابن حجر في التقريب: أربدة يسكون الراء بعدها موحدة مكسورة، ويقال أربد التميميم المفسر صدوق من الثالثة انتهى. قلت: والطبقة الثالثة على اصطلاح صاحب التقريب هي الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن، وابن سيرين، والله أعلم. فاتضح مما تقدم حصول الوهم لمحمد بن فيروز حيث ظن أن صاحب قصة جزاء الضب القاضي فيه هو أرد التميمي مع أنه أربد بن عبد الله البجلي، والله أعلم. والجدي الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، وفي اليربوع جفرة من المعز لها أربعة أشهر، قضى به عمر وابم مسعود وجابر، وفي الأرنب عناق، قضى به عمر، وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة) .

стр. 227

رواه الدارقطني، والعناق الأنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة، وفي واحدة الحمام: وهو كل ما عب الماء وهدر شاة، قضى به عمر وابنه وعثمان وابن عباس في حمام الحرم وقيس عليه حمام الإحرام، وروي أيضاً عن ابن عباس في الحمام في حال الإحرام وليس ذلك علة وجه القيمة، وقولهم: كل ما عب بالعين المهملة أي وضع منقاره في الماء فيكرع كما تكرع الشاة ولا يأخذ قطرة قطرة كالدجاج والعصافير، وهدر أي صوّت، وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهة بها في كرع الماء، ومن هنا قال أحمد في رواية ابن القاسم: وسندي كل طير يعب الماء كالحمام فيه شاة، فيدخل فيه القطا والفواخت والوراشين والقمارى. والدباس جمع دبسي بالضم ضرب من الفواخت، وقال الفتوحي في شرح المنتهى: هو طائر لونه بين السواد والحمرة يقرقر والأنثى دبسية ونحوا كالسفانين جمع سفنة بكسر السين وفتح الفاء والنون ومشددة قاله في القاموس: طائر بمصر لا يقع على شجرة إلا أكل جميع ورقها لأن العرب تسميها حماماً، وقال الكسائي كل ما طوق حمام فيدخل في الحجل لأنه مطوق فهذا كله يخير فيه بين ذبح المثل المذكور أو تقويم المثل بنقود وأخذ طعام يجزئ في الفطرة بقيمته ويطعم كل مسكين مدَّ بُر أو نصف صاع من غيره أو يصوم عن كل إطعام مسكين يوماً وتقدم في باب الفدية. النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة وله مثل من النعم فيرجع فيه إلى قول عدلين لقوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) ويعتبر أن يكونا من أهل الخبرة لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا بها فيعتبران الشبه خلقة لا قيمة لفعل الصحابة، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما نص علي أحمد ظاهر الآية، وروي أن عمر أمر كعب الأحبار أن يحكم علة نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، وأمر أيضاً أربد بن عبد الله البجلي بذلك حين وطيء الضب فحكم علة

стр. 228

نفسه بجدي فأقره، وكتقويمه عرض التجارة لإخراج زكاته: ويجوز أن يكون الحاكمان بمثل الصيد المقتول القاتلين، وحمله ابن عقيل على ما إذا قتله خطأ أو جاهلاً بتريمه لعدم فسقه، وعلى قياسه إذا قتله لحاجة أكل لأنه قتل مباح لكن يجب فيه الجزاء. قال في التنقيح: وهو قوي، قال منصور: ولعله مرادهم لأن قتل العمد ينافي العدالة انتهى، قال مرعي في غايته ويتجه عدم هذا، والمعتبر من العدالة حال الحكم فلو تابا قبله قُبل كالشهادة انتهى. قال الخلوتي: أما إذا تابا هل يصح مهما بعد ذلك أم لا؟ الظاهر لا مانع من ذلك بدليل قوله تعالى: (عفا الله عما سلف) ، ومشى عليه شيخنا في شرحه انتهى، يعني بشيخه الشيخ منصوراً في شرح المنتهى، وعبارته بعد قول المنتهى لأن قتل العمد ينافي العدال إن لم يتب وهي شرط الحكم انتهى، ويضمن كل واحد من الكبير والصغير والصحيح والمعيب والذكر والأنثى والحائل والحامل بمثله للآية، وإن فدى الصغير بكبير والذكر بأنثى والمعيب بصحيح فهو أفضل لأنه زاد خيراً، ولو جني على الحامل فألقت جنينها ميتاً ضمن نقص الأم فقط كما لو جرحها. قال في شرح الإقناع: لأن الحمل في البهائم زيادة انتهى. قلت: لغير مريد اللحم، والله أعلم، وإن ألقت الجنين حياً لوقت يعيش لمثله ثم مات ففيه جزاؤه، وإن كان لوقت لا يعيش لمثله فكالميت جزم به في المغني والشرح، ويجوز فداء أعور من عين وفداء أعرج من قائمة بأعور وأعرج من أخرى، لأن الاختلاف يسير ونوع العيب واحد، ولا يجوز فداء أعور بأعرج ولا أعرج بأعور لاختلاف أنواع العيب، ويجوز فداء أنثى بذكر وذكر بأنثى لأن لحمه أوفر وهي أطيب فيتساويان. الضرب الثاني: ما لا مثل له من النعم فيجب فيه قيمته مكان إتلافه كمال الآدمي غير المثلى وهو سائر الطيور ولو أكبر من الحمام كالإوز بكسر الهمزة

стр. 229

وفتح الواو وتشديد الزاي جمع إوزة ويقال وز جمع وزة كتمر وتمرة ذكره الحجاوي في حاشية الإقناع، وكالحبارى والحجل والكبير من طير الماء والكركي وغير ذلك لأنه القياس تركناه في الحمام لقضاء الصحابة ﵃ فيه، وإن أتلف المحرم أو من بالحرم جزءاً من صيد فاندمل أو تلف في يده جزء منه ثم اندمل والصيد ممتنع أي يمكنه الجري أو الطيران وله مثل من النعم ضمن الجزء المتلف بمثله لحماً من مثله من النعم لأن ما وجب ضمان جملته بالمثل وجب في بعض مثله كالمكيلات، والمشقة مدفوعة لجواز عدوله إلى عدله طعاماً أو صياماً كما سبق، وما لا مثل له إذا أتلف جزأه أو تلف جزؤه في يده ثم اندمل وهو ممتنع يضمن ما نقص من قيمته لأن جملته مضمونة بالقيمة فكذلك أبعاضه فيقوّم الصيد سليماً ثم مجنياً عليه فيجب ما بينهما ليشتري به طعاماً، وإن نفرّ المحرم صيدا فتلف بشيء ولو بآفة سماوية أو نقص في حال نفوره ضمن (لأن عمر دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فأطاره فوقع على واقف في البيت فخرجت حية فقتلته، فسأل: من معه، فحكم عليه عثمان بشاة) . رواه الشافعي، ودار الندوة: هي دار قصي بن كلاب التي اجتمعت فيها قريش للمشورة في قتل النبي ﷺ قبل الهجرة، هي الموضع المسمى، الزيادة وفيها بابان أحدهما يسمى باب زيادة والآخر يسمى باب القطبي، وقيل هي موضع مقام الحنفي، والأول أصح والله أعلم. وقد أزيل مقام الحنفي لأجل توسعة المطاف كما أزيل باب زيادة وباب القطبي لتوسعة الحرم ودخول عمر دار الندوة كان في خلافته وقد أتى مكة حاجاً، والله أعلم، وكذا إن جرحه فتحامل، فوقع في شي تلف به، لأنه تلف بسببه، ولا يضمنه إن تلف بعد نفوره في مكانه بعد أمنه، وإن رمى المحرم صيداً فأصابه

стр. 230

ثم سقط المرمى على آخر فماتا ضمنهما لتلفهما بجنايته، فلو مشى المجروح قليلاً ثم سقط على آخر فماتا ضمن المجروح لموته بجنايته فقط دون ما سقط عليه، لأن سقوطه عليه ليس من فعله، وإن جرحه المحرم جرحاً غير موح: أي غير مسرع إلى الموت فغاب ولم يعلم خبره فعليه ضمان ما نقصه فيقوّم صحيحاً وجريحاً غير مندمل ثم يخرج بقسطه من مثله إن كان مثلياً وإلا ما نقصه، قال الخلولتي أي يخرج من مثله لحماً يساوي ذلك اللحم القسط الذي نقص من الثمن انتهى، فإن نقص ربعاً أخرج ربع مثله أو سدساً أخرج سدس مثله وإن لم يكن له مثل فعل بأرشه ما يفعل بقيمة ما لا مثل له لأنه موجب جناته، وكذا إن وجده ميتاً بعد جرحه غير موح ولم يعلم موته بجرحه لأنه لا نعلم حصول التلف بفعله فلا يجب عليه جزاؤه كله، وإن وقع بعد جرحه في ماء يقتله مثله أو لا فمات ضمنه، أو تردى صيد جرحه من علو فمات ضمنه لتلفه بسببه وإن اندمل الجرح وصار الصيد غير ممتنع من قاصده فعليه جزاؤه جميعه لأنه عطله فصار كالتالف أو جرحه جرحاً موحياً لا تبقى معه الحياة غالباً فعليه جزاؤه جميعه كقلته لأنه سبب للموت، وكل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد في الإحرام والحرم من مباشرة أو سبب كدلالة وإشارة وإعانة وكذلكما جنت دباته بيدها أو فمها فأتلفت صيداً فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها المتصرف فيها، كما لو كان المتلف آدميا، وما جنته برجلها: أي نفحت بها فلا ضمان عليه فيه كذنبها بخلاف وطئها بها وتقدم في السادس من المحظورات، وإن انفلتت الدابة فأتلفت صيداً لم يضمنه كالآدمي إذا أتلفته لأن يده ليست عليها إلا الضارية كما ذكروه في باب الغصب، وإن نصب المحرم شبكة أو نحوها فوقع فيها صيد ضمنه أو حفر المحرم بئراً بغير حق بأن حفرها في غصب أو طريق ولو واسعاً لنفع نفسه فوقع فيها

стр. 231

صيد ضمنه لعدوانه بحفرها، وإن نصب شبكة ونحوها كشَرك وفخ قبل إحرامه فوقع فيها صيد بعد إحرامه لم يضمنه إن لم يتحيل، كما لو صاده قبل إحرامه وتركه في منزله فتلف بعد إحرامه وكذا إن حفر بئراً بحق فتلف بها صيد وأن نتف المحرم أو من بالحرم ريش الصيد أو شعره فعاد ما نتفه فلا شيء عليه فيه لأن النقص زال أشبه ما لو اندمل الجرح، فإن صار الصيد غير ممتنع بنتف ريشه ونحوه فكما لو جرحه جرحاً صار به غير ممتنع فعليه جزاؤه جميعه، وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه، وإن اشترك جماعة في قتل صيد ولو كان بعضهم ممسكاً للصيد والآخر قاتلاً أو كان عضهم متسبباً كالمشير والدال والمعين والآخر قاتلاً فعليهم جزءاٌ واحد وإن كفروا بالصوم، روي عن عمر وابنه وابن عباس، لأن الجماعة إنما قتلوا صيداً واحداً فلزمهم مثله، وإذا اتحد الجزاء في المثل اتحد في الصوم لأنه بدله بخلاف ما إذا اشتركوا في قتل آدمي، وعن الإمام أحمد (على كل واحد جزاء) اختاره أبو بكر وفاقاً لأبي حنيفة، وقاله مالك في المشتركين ككفارة قتل الآدمي، والرواية الثالثة عن الإمام أحمد عليهم جزاءٌ واحد إلا أن يكون صوماً فعلى كل واحد صوم تام، ومن أهدى فبحصته وعلى الآخر صوم تام، نقلها الجماعة ونصرها القاضي أبو يعلى وأصحابه لأن الجزاء بدل لا كفارة لأن الله سبحانه عطف عليه الكفارة والصوم كفارة فيكمل ككفارة قتل الآدمي، والمذهب عليهم جزاء واحد وإن كفروا بالصوم، وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمى فالجزاء عليهما نصفان لاشتراكهما في التقل وإن تعددت جهة التحريم في أحدهما واتحدت في الآخر، وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع فيه الفعل منهما معاً أو يجرحه أحدهما قبل الآخر ويموت منهما أي من الجرحين بالسراية، فإن جرحه أحدهما وقتله الآخر فعلى

стр. 232

الجارح أرش نقصه لأنه لم يشارك في القتل وعلى القاتل جزاؤه مجروحاً لأنه قتله كذلك، وإذا قتل القارن صيداً فعليه جزاءٌ واحد لعموم الآية وكذا لو تطيب أو لبس وكذا المحرم يقتل صيداً في الحرم، وكلما قتل المحرم أو من بالحرم صيداً حكم عليه بلزوم الجزاء ولا يتداخل كما سبق في الفدية لقوله تعالى: (فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم) وعمر وغيره من الصحابة ﵃ حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوه هل كان قتل أولا أو لا، ولأن الجزاء كفارة قتل الصيد فاستوى فيه المبتدئ والعائد كقتل الآدمي والآية اقتضت الجزاء على العائد لعمومها، وذكر العقوبة في العائد في قوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) لا يمنع الوجوب، والله أعلم. -- باب: صيد حرمي مكة والمدينة ونباتهما: يحرم صيد حرم مكة على الحلال والمحرم إجماعاً لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها، فقال العباس إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، قال إلا الإذخر. متفق عليه. قال النووي: واستثناؤه ﷺ الإذخر محمول على أنه أوحى إليه في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم، أو أوحى إليه قبل ذلك بأنه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثنه، أو أنه اجتهد انتهى، وعلم من الحديث أن مكة كانت حراماً قبل إبراهيم وعليه أكثر العلماء، وقيل إنما حرمت بسؤال إبراهيم،

стр. 233

وفي الصحيحين من غير وجه (إن إبراهيم حرمها) أي أظهر تحريمها، فمن أتلف من صيد حرم مكة شيئاً ولو كان المتلف كافراً أو صغيراً أو عبداً لأن ضمانه كالمال وهم يضمنونه فعليه ما على المحرم في مثله، نص عليه أحمد لأنه كصيد الإحرام ولاستوائهما في التحريم فوجب أن يستويا في الجزاء، فإن كان الصيد مثلياً ضمنه بمثله وإلا فبقيمته، ولا يلزم المحرم بقتل صيد الحرم جزاءان نص عليه الإمام أحمد لعموم الآية، وحكم صيد مكة حكم صيد الإحرام مطلقاً: أي في التحريم ووجوب الجزاء وإجزاء الصوم وتملكه فلا يملكه ابتداءً بغير إرث، وضمانه بالدلالة ونحوها سواء كان الدال في الحل أم الحرم، وقال القاضي أبو يعلى: لا جزاء على الدال إذا كان في الحل، والجزاء على المدلول، والصحيح الأول فكل ما يضمن في الإحرام يضمن في الحرم إلا القمل فإنه لا يضمن في الحرم ولا يكره قتله فيه، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه لأنه حرم في حق المحرم لأجل الترفه: وقتله مباح في الحرم، وتقدم في السادس من محظورات الإحرام أنه يحرم على المحرم قتل القمل وصئبانه وأنه لا جزاء فيه على المذهب، قال في المنتهى وشرحه: إلا أنه، أي الحرم يحرم صيد بحرية، أي الحرم لعموم الخبر ولا جزاء فيه أي صيد بحر بالحرم لعدم وروده انتهى. قلت وصيد بحري الحرم كمثل ما إذا وجد سمكا في بركة ماجن ونحوها والله أعلم. وإن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم كله أو بعض قوائمه في الحرم ضمنه وكذا إن كان جزءٌ منه فيه غير قوائمه إن لم يكن قائماً تغليباً لجانب الحظر فإن كانت قوائمه الأربع بالحل وهو قائم ورأسه أو ذنبه بالحرم لم يكن من صيد الحرم كالشجرة إذا كان أصلها بالحل وأغصانها في هواء الحرم أو أرسل كلبه على صيد في الحرم فقتله ضمنه أو قتل صيداً على غصن في الحرم وأصل الغصن في الحل ضمنه لأن

стр. 234

الهواء تابع للقرار، وقرار الغصن حرم فهو من صيد الحرم، وصيده معصوم، أو أمسك صيداً بالحل فهلك فرخه بالحرم أو هلك ولده بالحرم ضمن الهالك من الفرخ أو الولد لأنه تلف بسببه، ولا يضمن أمه لأنها من صيد الحل وهو حلال للمحل، ولو رمى الحلال صيداً ثم أحرم قبل أن يصيبه ضمنه اعتباراً بحالة الإصابة وهذا في الإمكان لأن الأحرام هو النية كما تقدم، ولو رمى المحرم صيداً في الحل ثم حل قبل الإصابة لم يضمن الصيد اعتباراً بحالتها، وإن قتل الحلال من الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه فلا جزاء فيه لأنه ليس من صيد الحرم فليس معصوما، أو قتل الحلال صيداً على غصن في الحل أصل في الحرم فلا جزاء فيه لتبعية الهواء للقرار، وقراره حل فلا يكون صيده معصوماً، أو أمسك الحلال صيداً بالحرم فهلك فرخه بالحل أو هلك ولده بالحل لم يضمن الفرخ والولد لأنه من صيد الحل، وإن كان الصيد والصائد له في الحل فرماه بسهمه أو أرسل كلبه في الحل على صيد بالحل فقتل الصيد الذي كان بالحل وهو في الحرم أو قتل غير الذي أرسل عليه الكلب في الحرم لم يضمن، أو فعل ذلك سهمه بأن رمى به محل صيداً بالحل فشطح السهم فقتل صيداً في الحرم لم يضمن لأنه لم يرسل كلبه على صيد بالحرم وإنما دخل الكلب باختيار نفسه، أشبه ما لو استرسل بنفسه وكذا شطوح السهم بغير اختياره، ولو دخل سهم محل رمى صيداً في الحل الحرم أو دخل كلب محل أرسل كلبه على صيد في الحل الحرم ثم خرج منه فقتل صيداً أو جرحه بالحل ثم دخل الصيد الحرم فمات بالحرم لم يضمن لأن القتل والجرح بالحل، ولا يحل صيد وجد سبب موته بالحرم تغليباً للحظر كما لو وجد سببه في الإحرام فهو ميتة، قال في المنتهى: ولا يحل ما وجد سبب موته بالحرم. قال الخلوتي: كالمسألة المتقدمة في قوله يعني صاحب المنتهى: أو أرسل كلبه من

стр. 235

الحل على صيد بالحل فقتله أو غيره في الحل أو فعل ذلك سهمه، إلخ لأن سبب القتل وهو نهش الكلب أو إصابة السهم حصل بالحرم، وهو دفع لما عساه أن يتوهم من حل كل ما كان غير مضمون مع أنه ليس على إطلاقه بل ما كان منه سبب موته بالحرم لا يحل كما أن جميع ما كان مضموناً لا يحل فتدبر انتهى. وقال ابن مفلح في الفروع، ويحرم الصيد في هذه المواضع ضمنه أولا؛ لأنه قتل في الحرم ولأنه سبب تلفه انتهى. قال في المغني والشرح: لو رمى الحلال من الحل صيداً في الحل فجرحه وتحامل الصيد فدخل الحرم فمات حل أكله ولا جزاء فيه لأن الذكاة في الحل فأشبه ما لو جرح صيداً ثم أحرم فمات الصيد بعد إحرامه ويكره أكله لموته في الحرم انتهى. قال في شرح المنتهى: ويحل ما جرحه من بالحل في الحل ومات في الحرم كما في الإقناع انتهى، فأطلق في الإقناع وشرح المنتهى إباحة أكله من غير تقييد بكراهة، وهذه المسألة لا يشملها قولهم: ولا يحل ما وجد سبب موته بالحرم لأن سبب الموت في هذه المسألة وهو جرح الصيد حصل بالحل لا بالحرم، والله أعلم. -- فصل: ويحرم قطع شجر الحرم المكي حتى ما فيه مضرة كشوك وعوسج بفتح العين والسين المهملتين معروف ذو شوك لعموم قوله ﷺ (ولا يعضد شجرها) ، وقال أكثر الأصحاب: لا يحرم ما فيه مضرة كشوك وعوسج لأنه مؤذٍ بطبعه كالسياع ذكره في المبدع، ويحرم قطع حشيش الحرم لقوله ﷺ (لا يختلى خلاها) حتى شوك وورق وسواك ونحوه ويضمن القاطع ذلك كما يأتي إلا اليابس من شجر وحشيش وورق ونحوها

стр. 236

لأنه بمنزلة الميت، وإلا ما زال بفعل غير آدمي فيجوز الانتفاع به نص عليه لأن الخبر في القطع وإلا ما انكسر ومل يبن أي ينفصل فإنه كظفر منكسر، وإلا الإذخر لقول العباس: (يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم قال: إلا الإذخر) وهو بكسر الخاء والهمزة: نبت طيب الرائحة، والقين الحداد، وإلا الكمأة والفقع لأنهما ليسا بشجر ولا حشيس، والفقع نوع من الكمأة وهو الأبيض الرخو، وإلا الثمرة لأنها تستخلف، وإلا ما زرعه آدمي من بقل ورياحين وزرع وشجر غرس من غير شجر الحرم فيباح أخذه والانتفاع به لأنه مملوك الأصل كالأنعام وقوله ﷺ : (ولا يقطع شجرها) المراد ما لا يملكه أحد لأن هذا يضاف إلى مالكه، ويباح رعي حشيش الحرم، لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سد أفواهها، ولدعاء الحاجة إليه أشبه قطع الإذخر، بخلاف الاحتشاش لها فإنه لا يجوز. قال الجوهري: الحشيش والهشيم: اليابس من الكلأ والخلا مقصور، والعشب: الرطب منه، قال ابن نصر الله البغدادي في حواشي المحرر: فكان ينبغي للمصنف أن يقول في رعي عشبه لأن الحشيش دخل في قوله إلا اليابس، وكأن المصنف أطلق اسم الحشيش على الرطب تجوزاً باعتبار ما يئول إليه انتهى. ويباح انتفاع بما زال من شجر الحرم أو انكسر من أغصانه بغير فعل آدمي نصاً ولو لم يبن أي ينفصل لتلفه فصار كالظفر المنكسر وتقدم، ويجوز الانتفاع بالورق الساقط، وإذا قطع الآدمي ما يحرم قطعه من شجر الحرم وحشيشه ونحوه حرم انتفاعه به، وحرم انتفاع غيره به لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم فإذا قطعه من يحرم عليه لم ينتفع به كصيد ذبحه محرم لا يحل له ولا لغيره، ومن قطع شجر الحرم وحشيشه ونحوه ضمن الشجرة الكبيرة والمتوسطة عرفا ببقرة وضمن الصغيرة عرفا بشاة لما روي عن ابن عباس

стр. 237

(في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة) وقاله عطاء، والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة، ويخير من وجب عليه جزاء شجر الحرم وحشيشه وصيده بين الشاة أو البقرة فيذبحها ويفرقها أو يطلقها لمساكين الحرم وبين تقويم البقرة أو الشاة بدراهم ويفعل بقيمتها كجزاء صيد بأن يشتري بها طعاماً يجزئ في فطرة فيطعم كل مسكين مدبر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، ويضمن الحشيش والورق بقيمته نص عليه الإمام أحمد لأن الأصل وجوب القيمة ويتخير فيها كجزاء صيد لا مثل له ويفعل بالقيمة كما سبق، ويضمن الغصن بما نقص أصله كأعضاء الحيوان وكما لو جنى على مال آدمي فنقص، وبفعل بأرشه كما مر، فإن استخلف الغصن والحشيش والورق ونحوه سقط الضمان كما لو قطع شعر آدمي ثم نبت أو ريش صيد فعاد. وكذا لو رد شجرة قلعها من الحرم إليه فنبتت فلا ضمان عليه لأنه لم يتلفها ويضمن نقصها إن نبتت ناقصة لتسببه فيه، وإن قلع شجرة من الحرم فغرسها في الحل لزمه ردها إلى الحرم لإزالة حرمتها فإن تعذر ردها أو يبست ضمنها لأنه أتلفها، أو قلعها من الحرم فغرسها في الحرم فيبست ضمنها فإن قلع الشجرة المنقولة من الحرم إلى الحل غير الغارس لها بالحل ضمنها القالع وحده لأنه المتلف لها. قال في الغاية: فلو قلعها غيره من الحل ضمنها الغير، ويتجه مع إمكان رد لا بدونه وأنه ينتفع بها إذا انتهى، ويضمن من نفر صيداً من الحرم فخرج إلى الحل فقتله غيره فيه لتفويت المنفر حرمته بإخراجه إلى الحل ولا ضمان على قاتله بالحل، قال مرعي في الغاية: ويتجه مع قصد تنفير انتهى، يعني أن من نفر صيداً من الحرم إلى الحل فقتله غيره يضمن مع قصد التنفير. وهذا الاتاه وجيه لأنه إذا لم يقصد تنفيره لا يكون مؤاخذاً به، والله أعلم. ويضمن من أخرج صيداً من الحرم إلى الحل إذا قتل به إن لم يرده إلى

стр. 238

الحرم فإن رده إليه فلا ضمان، والفرق بين الشجر والصيد أن الشجر لا ينتقل بنفسه ولا تزول حرمته بإخراجه إلى الحل: ولهذا وجب على مخرجه رده فكان جزاؤه على متلفه بخلاف الصيد فإن تنفيره يفوت حرمته بإخراجه إلى الحل فلزم منفره أو مخرجه جزاؤه، فلو فداه أي الصيد الذي نفره أو أخرجه إلى الحل ثم ولد الصيد وقتل ولده لم يضمن منفره أو مخرجه ولده لأنه ليس من صيد الحرم. قال الخلوتي لعله ما لم تكن حاملاً قبل الإخراج انتهى، ويضمن من قطع غصناً في هواء الحل أصل الغصن أو بعض أصله بالحرم لتبعيته لأصله بخلاف ما لو قتل الحلال صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم فلا جزاء فيه لتبعية الهواء للقرار وقراره حل فلا يكون صيده معصوماً وتقدم، ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله كله بالحل لتبعيته لأصله بخلاف ما لو قتل صيداً على غصن في الحرم وأصله في الحل فإنه يضمنه لأن الهواء تابع للقرار فهو من صيد الحرم وتقدم. قال الخلوتي على قوله في المنتهى ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله بالحل لأن الغصن تابع لأصله يرد عليه ما تقدم فيما إذا قتل صيداً على غصن بالحرم وأصله بالحل فتدبر، وقد يفرق بأن الصيد لما كان معتمداً على الغصن الذي هو بالحرم جعل كأنه أصله وهواؤه تابع لقراره هو، وأما الغصن نفسه فهو تابع لأصله لا لقراره فتدبر، انتهى. ْْْْْْْْْْْ -- فصل: قال الإمام أحمد ﵀: لا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل إليه من الحل، كذلك قال ابن عمر وابن عباس: ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والخروج أشد في الكراهة، قال في المنتهى: وكره إخراج تراب الحرم وحجارته

стр. 239

إلى الحل انتهى. فعلى هذا فإخراج الأواني المعمولة من الفخار للشرب وغيره من تراب الحرم إلى الحل مكروه والله أعلم، ولا يكره وضع الحصى بالمساجد كما في مسجده ﷺ زمنه وبعده، وفي سنن أبي داود: باب في حصى المسجد حدثنا سهل بن تمام بن بزيع حدثنا عمر بن سليم الباهلي عن أبي الوليد سألت ابن عمر عن الحصى الذي في المسجد فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال ما أحسن هذا انتهى. ويحرم إخراج تراب المساجد وإخراج طيبها في الحل والحرم لأنه انتفاع بالموقوف في غير جهته قاله في شرح الإقناع وشرح المنتهى وغيرهما. قلت: يؤيد هذا ما في سنن أبي داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: (كان يقال إن الرجل إذا أخرج الحصى من المسجد يناشده) حدثنا محمد بن إسحق أبو بكر، يعني الصاغاني حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد حدثنا شريك حدثنا أبو حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال أبو بدر: أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال: (إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد) انتهى. ويقاس التراب على الحصا، والله أعمل. قال المنذري وإسناده جيد، وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فذكر أنه روى موقفاً على أبي هريرة وقال: رفعه وهم من أبي بدر، والله أعلم. قال في شرحي الإقناع والمنتهى قال الإمام أحمد ﵀: إذا أراد أن يستشفى من طيب الكعبة لم يأخذ منه شيئاً ويلزق عليها طيباً من عنده ثم يأخذه، ذكر ذلك في المغني والشرح وشرح المنتهى والإقناع وغيرها، وجواز الاستشفاء بطيب الكعبة أو بطيب يلزقه عليها من عنده ثم يأخذه فيه نظر، والأظهر عدم جوازه وإن خالف نص الإمام

стр. 240

لأن الاستشفاء به من قبيل التبرك به وهو ممنوع للأدلة الواردة في مثل ذلك، بخلاف ماء زمزم فإن التبرك بشربه جائز للأحاديث الواردة فيه، والله أعلم، ولا يكره إخراج ماء زمزم لأنه يستخلف فهو كالثمرة، قال الإمام أحمد: أخرجه كعب ولم يزد عليه انتهى، وروى عن عائشة ﵂: (أنها كانت حمل من ماء زمزم وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله) . رواه الترمذي وقال حسن غريب. (فائدة) قال الشيخ ابن العماد في شرح الغاية: لا بأس بنقل ماء زمزم للهدية كما يفعله كثير من الحجاج، وخاصيته من أنه طعام طعم وشفاء سقم، لا ترفع كما ظنه بعضهم، ولا تبدله الملائكة كما ظنه آخرون، لكن من صحبه معه، وفقد الماء في الطريق لا يباح له التيمم لأن عنده ماءً طهوراً ويجب عليه استعماله وكذا إن اضطر إليه عطشان من حيوان محترم فيجب بذله فليحفظ فإنه مهم انتهى. قلت: ما ذكره ابن العماد من وجوب استعمال ماء زمزم إذا فقد مستصحبه الماء في الطريق محله إذا لم يخف باستعماله عطش نفسه أو ولده أو حرمته من زوجة ونحوها أو امرأة من أقاربه أو رفيقه أو حيوان محترم فإن خاف ذلك شرع له التيمم، والله أعلم. -- فصل: ومكة أفضل من المدينة لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح، ولمضاعفة الصلاة فيها

стр. 241

أكثر، والحزورة كانت هي سوق مكة وكانت بفناء دار أم هانئ فدخلت في المسجد الحرام، قيل إنها الأكمة التي كانت بين باب أم هانئ وبين باب الوداع، وقيل غيرها، وتستحب المجاورة لمن لا يخاف الوقوع في محظور بمكة، قال في المغني والشرح قال أحمد ﵀: كيف لنا بالجوار بمكة؟ قال النبي ﷺ : (والله إنك لأحب البقاع إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) وإنما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر بن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد، ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به، وابن عمر كان يقيم بمكن قال: والمقام بالمدينة أحب إليّ من المقام بمكة لمن قوى عليه لأنها مهاجر المسلمين وقال النبي ﷺ (لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة) . انتهى والحديث رواه مسلم من حديث ابن عمر ومن حديث أبي هريرة وأبي سعيد وسعد وفيهن (أو شهيداً) وتضاعف الحسن والسيئة بمكان وزمان فاضلين لقول ابن عباس الآتي، وقد سئل الإمام أحمد هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال لا إلا بمكة لتعظيم البلد، ولو أن رجلاً بعدن وهمّ أن يقتل عند البيت أذاقه الله من العذاب الأليم، ولا ينافيه قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) .

стр. 242

ومراد ابن عباس مضاعفة السيئات بالكيف لا بالكم كما قرره شيخ الإسلام، والله أعلم. وروى الأزرقي بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصيبها بركبة انتهى. وركبة هي الصحراء الواسعة المعروفة بطريق نجد، وروى الأزرقي بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: (يا أهل مكة لا تحتكروا الطعام بمكة فإن احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد) وبسنده عن مجاهد قال: (ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم يعمل عملاً سيئاً) وبسنده عن عبد الله بن مسعود قال: (ليس أحد من خلق الله تعالى يهم بسيئة فيؤخذ بها ولا تكتب عليه حتى يعملها غير شيء واحد، قال ففزعنا لذلك فقلنا: ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله: من هم أو حدث نفسه بأن يلحد بالبيت أذاقه الله من عذاب أليم ثم قرأ: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) . قال شيخ الإسلام: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان. قلت: هذا هو الصواب الذي لا شك فيه، وإلا فماذا ينفع المقيم في مكة أو المدينة مع فسقه

стр. 243

وفجوره أو نفاقه؟ وماذا يضر غيره ممن أقام في بلد من بلدان المسلمين سوى مكة والمدينة مع صلاحه وكمال إيمانه وتقواه؟ والله المستعان، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة؛ ونص الإمام أحمد ﵀ أن الطواف للغريب أفضل من الصلاة النافلة والصلاة للمكي أفضل من الطواف. ويستحب لمن أتي مكة الإكثار من سائر التطوعات بالمسجد الحرام واغتنام الزمان في تلك البقعة المشرفة الفاضلة من طواف وتلاوة قرآن وذكر مشروع واعتكاف وغير ذلك، وكان كثير من السلف يحيى الليل مدة إقامته بمكة، وفعله الإمام أحمد ﵀ ليلة قدومه وهو في تلك الحجة ماشياً، والصلاة بمسجد النبي ﷺ بألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وبقية حسنات الحرم كصلاة فيه فكل عمل صالح فيه بمائة ألف. وفي الفروع: والأظهر أن مرادهم غير صلاة النساء في البيوت فإن صلاتها في بيتها بمكة أفضل من صلاتها في المسجد الحرام لقوله ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله من حرم الله وبيتها خير لها، وإن النفل بالبيت أفضل) فظاهر كلامهم أن المسجد الحرام نفس المسجد، وقيل الحرام كله مسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل انتهى، قال ابن جرير في تفسيره على قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) . اختلف فيه وفي معناه فقال بعضهم يعني من الحرم كله مسجد وذكر دليل من قال به ثم قال: وقال آخرون بل أسرى به من المسجد وذكر دليل من قال به ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر أنه أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام. والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه انتهى. وقال في الإقناع وشرحه: وما خلق الله خلقاً أكرم عليه من نبينا محمد ﷺ كما دلت عليه البراهين، وأما نفس تراب تربته صلى الله عليه وسلم

стр. 244

فليس هو أفضل من الكعبة بل الكعبة أفضل منه، قال في الفنون: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي ﷺ فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التكلف الذي ذكره ابن عقيل صاحب الفنون في حق نبينا محمد ﷺ فإنه من الإطراء. وقد قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) . الحديث. قال شيخ الإسلام: لا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد قط عليه، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: تكملة، حكى عن أبي بكر النقاش في شأن قوله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي هذا) زاد ابن خزيمة يعني مسجد المدينة رواه عبد الله بن الزبير، وروى صاحب مثير الغرام الساكن في كتابه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة) ، قال أبو بكر النقاش: فحسبت ذلك في هذه الرواية فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام وهي خمس صلوات عمر مائتي سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال انتهى. قلت: حسبنا ذلك فوجدنا صلاة واحدة عن ست وخمسين سنة وستة أشهر إلا يوماً واحداً، وحسبنا صلاة يوم وليلة فوجدناها عن مائتي سنة واثنتين وثمانين سنة وستة أشهر إلا خمسة أيام، وذلك على رواية جابر

стр. 245

بن عبد الله، فانظر يا أخي إلى هذا الفضل الكبير والعطاء الكثير فإذا كان هذا على هذه الرواية فما بالك بها في رواية عبد الله بن الزبير التي قال فيها (وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي هذا) فإنه يزاد على العدد المذكور تسعمائة وتسعة وتسعون مرة؛ يعني أن العدد الذي ذكرناه هنا يكون على رواية ابن الزبير جزءاً واحداً من ألف جزء والله أعلم. وهذا شيء يعجز الحاذق الماهر في الحساب عن ضبط سنينه وأعوامه ولياليه وأيامه، فحق لمثل هذا الحرم الشريف أن تشد إليه الرحال وتتلف فيه أنفس الرجال فضلاً عن الأموال. وفي أحكام المساجد للزركشي الشافعي: روى أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة) وإسناده على شرط الشيخين لا جرم صححه ابن عبد البر وقال إنه الحجة عند التنازع وإنه نص في موضع الخلاف قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته، يعني في القول بأفضلية مسجد المدينة على المسجد الحرام، ثم ذكر أن بعض الناس طعن في حبيب المعلم، وبعضهم أعلّ الحديث ورد ذلك بما يطول ذكره، ثم نقل عن الذهبي أنه قال إسناده صالح، وروى ابن عبد البر هذا الحديث بإسناد آخر ثم قال ورجال إسناده علماء أجلاء ولم ينفرد ابن الزبير بذلك، بل روى ما يوافقه أنس وجابر وأبو الدرداء، ولقد أحسن القائل في مدح مكة: أرض بها البيت المحرم قبلة ... للعالمين لها المساجد تعدل.

стр. 246

حرم حرام أرضها وصيودها ... والصيد في كل البلاد محلل. وبها المشاعر والمناسك كلها ... وإلى فضيلتها البرية ترحل. وبها المقام وحوض زمزم مشرعاً ... والحجر والركن الذي لا يرحل. والمسجد العالي المحرّم والصفا ... والمشعران لمن يطوف ويرمل. وبمكة الحسنات ضوعف أجرها ... وبها المسيء عنه الخطايا تغسل. قوله: والصيد في كل البلاد محلل، أي ما عدا صيد حرم المدينة المنورة على الصحيح، وأعلم أن العلماء صرحوا بأن هذه المضاعفة فيما يرجع إلى الثواب فقط ولا يتعدى ذلك إلى الأجزاء عن الفوائت، فلو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد مكة أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى صلاة واحدة لم تجزه عنهما، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء خلافاً لما يغتر به بعض الجهلة، وأعلم أيضاً أن هذه المضاعفة لا تختص بالصلوات بل كل حسنة يعملها العبد في الحرم بمائة ألف، فمن صام بها يوماً كتب الله له صوم مائة ألف يوم، ومن تصدق فيها بدرهم كتب الله له مائة ألف درهم صدقة، ومن ختم القرآن مرة واحدة كتب الله له مائة ألف ختمة بغيرها، ومن سبح الله تعالى فيها مرة كتب الله له مائة ألف مرة بغيرها، إلى غير ذلك من أعمال البر وتقدم. (تنبيه) : يشترط لحصول المضاعفة المشار إليها شرطان: الإخلاص لله في العمل والمتابعة للرسول ﷺ ، لأن الإخلاص والمتابعة شرطان لصحة الأعمال وقبولها وكذلك إذا فقد أحدهما: يعني إذا كان العمل خالصاً لله ولم يكن على سنة الرسول ﷺ فإنه لا يقبل: كما أنه إذا كان العمل على سنة الرسول ﷺ ولكنه لم يكن خالصاً لله فإنه لا يقبل أيضاً، فلا يقبل من أعمال العبد إلا ما كان خالصاً لله صوابا على سنة رسول الله صلى الله

стр. 247

عليه وسلم، فيجب على كل من أراد نجاة نفسه يوم لقاء ربه أن يفتش نفسه ويتوب إلى ربه ويخلص جميع أعماله لربه أكرم الأكرمين، ويتبع سنة رسوله محمد أشرف المرسلين ﷺ والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل. -- فصل: وحدّ حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السقيا، ويقال لها بيوت نفار، بكسر النون وبالفاء: وهي دون التنعيم، ويعرف الآن بمساجد عائشة، وفي أخبار مكة للأزرقي: بيوت غفار بالغين، قال محشيه وتسمى اضاه بني غفار كما ذكر ياقوت. والأضاءة: الماء المستنقع من سيل وغيره. وغفار، قبيلة من كنانة، وقد قال ابن ظهيرة إن الحصحاص وهو مقبرة المهاجرين المعروف اليوم بالمختلع يسمى بضاة بني غفار انتهى. وحدّه من طريق اليمن سبعة أميال عند أضاة لِبن بالضاد المعجمة على وزن قناة، ولبن بكسر اللام وسكون الموحدة، وحدُّه من طريق العراق سبعة أميال على ثنية خل بخاء معجمة مفتوحة ولام مشددة هكذا في ضبط الشيخ الحجاوي في الإقناع بالقلم. وفي المنتهى والمبدع وغيرهما: رجل بكسر الراء وسكون الجيم، وهل جبل بالمقطع بفتح الميم وبقاف ساكنة وطاء مفتوحة هكذا ضبطه الشيخ الحجاوي في الإقناع بالقلم، وعبارة المنتهى والمبدع وغيرهما: بالمنقطع، وفي أخبار مكة للأزرقي قال ومن طريق العراق على ثنية خل بالمقطع على سبعة أميال انتهى. وفي بعض المناسك المعتمدة بفتح الميم وسكون القاف على ما ضبطه المحب الطبري، وسبب تسميته بذلك أنهم قطعوا منه حجارة الكعبة في زمن ابن الزبير.

стр. 248

قال الأزرقي في أخبار مكة، وإنما سمي المقطع لأنه جبل صلب الحجارة فكان يوقد بالنار ثم يقطع، وقيل غير ذلك. وقال في موضع من كتابه أخبار مكة: وإنما سمي المقطع لأن البنائين حين بنى ابن الزبير الكعبة وجدوا هناك حجراً صلباً فقطعوه بالنار فسمي ذلك الموضع المقطع، إلى أن قال ثنية خل بطرف المقطع منتهى الحرم من طريق العراق. انتهى كلام الأزرقي. ومن هذا يتضح صحة ما ضبطه الحجاوي في الإقناع أن ثنية خل بخاء معجمة وأن المقطع بقاف ساكنة وطاء مفتوحة فليعتمد ذلك ويعول عليه والله أعلم. ومن الجعرانة بسكون العين وتخفيف الراء على المشهور تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، وحده من طريق جدة عشر أميال عند منقطع الأعشاش أي منتهى طرفها جمع عشر بضم العين المهملة وهو دون الموضع المعروف الآن بالشميسي وسابقاً بالحديبية، فحد الحرم دونه إلى مكة وليس الموضع المعروف الآن بالشميسي والحديبية داخلاً في الحرم كما يتضح ذلك من أعلام الحرم المنصوبة هناك. تنبيه مهم: إن علمي الحرم من طريق جدة هما العلمان القديمان من زمن نبينا إبراهيم ﷺ بإشارة جبريل ﵇ بوضعهما في تلك البقعة كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى. أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين فقد أحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين علمي الحرم القديمين ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك. قال في الإقناع وشرحه: وحده من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال عند طرف عرفة، وحده من بطن نمرة أحد عشر ميلا. انتهى. قلت هكذا ذكر الأزرقي وتبعه بعض الفقهاء من الحنابلة

стр. 249

وغيرهم وفيه نظر لأن عرفة حل فكيف يكون بطنها حدا؟ وقد ذكر الأزرقي أن حده من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال وهذان جهة واحدة فاعتمد حده من هذه الجهة سبعة أميال لا أحد عشر ميلاً والله أعلم. وعلى تلك المذكورات أنصاب الحرم ولم تزل معلومة. قال الشيخ عثمان بن قائد: وهل يعتبر ذلك التحديد من الكعبة أو المسجد أو من مكة انتهى. قلت الظاهر أن اعتبار ذلك من الكعبة كما هو مصرح به في بعض المناسك، والله أعلم. (فائدة) : سبب بعد التحديد وقربه من الحرم واختلافه في القرب والبعد هو ما ذكر الشيخ عبد الرحمن بن رجب أنه لما نزل الحجر الأسود أضاء له نور عظيم فحدد الحرم على ذلك النور. انتهى. وفي أخبار مكة للأزرقي: ولما قال إبراهيم ﵊: ربنا أرنا مناسكنا، نزل إليه جبريل فذهب به فأراه المناسك ووقفه على حدود الحرم فكان إبراهيم يرضم الحجارة وينصب الأعلام ويحثي عليها التراب، وكان جبريل ﵇ يقفه على الحدود قال: وجاء جبريل بالحجر الأسود إلى إبراهيم فوضعه إبراهيم ﵊ في موضعه هذا فأنار شرقاً وغرباً ويمناً وشمالاً فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى نور الحجر وإشراقه من كل جانب. انتهى كلام الأزرقي. وحيث الحال ما ذكر وأن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل ﵊ لأبينا إبراهيم ﷺ على حدود الحرم وظهور أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال ومن طريق جدة عشرة أميال مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبين أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغ وأنه لا يجوز لأحد أن يحدث حداً للحرم ويضع عليه أنصاباً من تلقاء نفسه لأنه

стр. 250

قد لا يكون ذلك حداً للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه وليس في الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حد للحرم والله أعلم. قال الشيخ محمد الخلوتي: حد حرم مكة من الجهات في هذه الأبيات: وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال لمن رام إتقانه. وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة. ومن يَمَن سبع بتقديم سينها ... فسل ربك المحمود يرزقك غفرانه. (فائدة) : أول من نصب الحدود للحرم أبونا إبراهيم ﵊ ثم قصيّ، وقيل إسماعيل ثم قصي ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم نبينا محمد ﷺ عام الفتح ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم معاوية ثم عبد الملك بن مروان وفي عام مائة وتسع وخمسين لما رجع المهدي من الحج أمر بتجديدها وكذلك جددها المقتدر بالله العباسي، وفي سنة ثلاث مائة وخمس وعشرين أمر الراضي بالله العباسي بعمارة العلمين من جهة التنعيم، وفي سنة ستمائة وستة عشر أمر المظفر صاحب أربل بعمارة العلمين من جهة عرفة، ثم الملك المظفر صاحب اليمن سنة ستمائة وثلاث وثمانين، وجددها السلطان أحمد الأول العثماني سنة ألف وثلاث وعشرين، وكل هؤلاء أظهروا وجددوا ما حدده أبونا إبراهيم ﵊ بعد الدراسة، لا أنهم أحدثوا حدودا من عند أنفسهم. -- فصل: ويحرم صيد المدينة لحديث عامر بن سعد عن أبيه مرفوعاً (إني أحرّم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) . رواه مسلم، والمدينة من الدين
следующие страницы →