Полный текст (572 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
حرم حرام أرضها وصيودها ... والصيد في كل البلاد محلل.
وبها المشاعر والمناسك كلها ...
وإلى فضيلتها البرية ترحل.
وبها المقام وحوض زمزم مشرعاً
... والحجر والركن الذي لا يرحل.
والمسجد العالي المحرّم والصفا ... والمشعران لمن يطوف ويرمل.
وبمكة الحسنات ضوعف أجرها ... وبها المسيء عنه الخطايا تغسل.
قوله: والصيد في كل البلاد محلل، أي ما عدا صيد حرم المدينة المنورة على الصحيح، وأعلم أن العلماء صرحوا بأن هذه المضاعفة فيما يرجع إلى الثواب فقط ولا يتعدى ذلك إلى الأجزاء عن الفوائت، فلو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد مكة أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى صلاة واحدة لم تجزه عنهما، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء خلافاً لما يغتر به بعض الجهلة، وأعلم أيضاً أن هذه المضاعفة لا تختص بالصلوات بل كل حسنة يعملها العبد في الحرم بمائة ألف، فمن صام بها يوماً كتب الله له صوم مائة ألف يوم، ومن تصدق فيها بدرهم كتب الله له مائة ألف درهم صدقة، ومن ختم القرآن مرة واحدة كتب الله له مائة ألف ختمة بغيرها، ومن سبح الله تعالى فيها مرة كتب الله له مائة ألف مرة بغيرها، إلى غير ذلك من أعمال البر وتقدم.
(تنبيه) : يشترط لحصول المضاعفة المشار إليها شرطان: الإخلاص لله في العمل والمتابعة للرسول ﷺ ، لأن الإخلاص والمتابعة شرطان لصحة الأعمال وقبولها وكذلك إذا فقد أحدهما: يعني إذا كان العمل خالصاً لله ولم يكن على سنة الرسول ﷺ فإنه لا يقبل: كما أنه إذا كان العمل على سنة الرسول ﷺ ولكنه لم يكن خالصاً لله فإنه لا يقبل أيضاً، فلا يقبل من أعمال العبد إلا ما كان خالصاً لله صوابا على سنة رسول الله صلى الله
стр. 247
عليه وسلم، فيجب على كل من أراد نجاة نفسه يوم لقاء ربه أن يفتش نفسه ويتوب إلى ربه ويخلص جميع أعماله لربه أكرم الأكرمين، ويتبع سنة رسوله محمد أشرف المرسلين ﷺ والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
-- فصل:
وحدّ حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السقيا، ويقال لها بيوت نفار، بكسر النون وبالفاء: وهي دون التنعيم، ويعرف الآن بمساجد عائشة، وفي أخبار مكة للأزرقي: بيوت غفار بالغين، قال محشيه وتسمى اضاه بني غفار كما ذكر ياقوت. والأضاءة: الماء المستنقع من سيل وغيره. وغفار، قبيلة من كنانة، وقد قال ابن ظهيرة إن الحصحاص وهو مقبرة المهاجرين المعروف اليوم بالمختلع يسمى بضاة بني غفار انتهى. وحدّه من طريق اليمن سبعة أميال عند أضاة لِبن بالضاد المعجمة على وزن قناة، ولبن بكسر اللام وسكون الموحدة، وحدُّه من طريق العراق سبعة أميال على ثنية خل بخاء معجمة مفتوحة ولام مشددة هكذا في ضبط الشيخ الحجاوي في الإقناع بالقلم. وفي المنتهى والمبدع وغيرهما: رجل بكسر الراء وسكون الجيم، وهل جبل بالمقطع بفتح الميم وبقاف ساكنة وطاء مفتوحة هكذا ضبطه الشيخ الحجاوي في الإقناع بالقلم، وعبارة المنتهى والمبدع وغيرهما: بالمنقطع، وفي أخبار مكة للأزرقي قال ومن طريق العراق على ثنية خل بالمقطع على سبعة أميال انتهى. وفي بعض المناسك المعتمدة بفتح الميم وسكون القاف على ما ضبطه المحب الطبري، وسبب تسميته بذلك أنهم قطعوا منه حجارة الكعبة في زمن ابن الزبير.
стр. 248
قال الأزرقي في أخبار مكة، وإنما سمي المقطع لأنه جبل صلب الحجارة فكان يوقد بالنار ثم يقطع، وقيل غير ذلك. وقال في موضع من كتابه أخبار مكة: وإنما سمي المقطع لأن البنائين حين بنى ابن الزبير الكعبة وجدوا هناك حجراً صلباً فقطعوه بالنار فسمي ذلك الموضع المقطع، إلى أن قال ثنية خل بطرف المقطع منتهى الحرم من طريق العراق. انتهى كلام الأزرقي.
ومن هذا يتضح صحة ما ضبطه الحجاوي في الإقناع أن ثنية خل بخاء معجمة وأن المقطع بقاف ساكنة وطاء مفتوحة فليعتمد ذلك ويعول عليه والله أعلم.
ومن الجعرانة بسكون العين وتخفيف الراء على المشهور تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، وحده من طريق جدة عشر أميال عند منقطع الأعشاش أي منتهى طرفها جمع عشر بضم العين المهملة وهو دون الموضع المعروف الآن بالشميسي وسابقاً بالحديبية، فحد الحرم دونه إلى مكة وليس الموضع المعروف الآن بالشميسي والحديبية داخلاً في الحرم كما يتضح ذلك من أعلام الحرم المنصوبة هناك.
تنبيه مهم: إن علمي الحرم من طريق جدة هما العلمان القديمان من زمن نبينا إبراهيم ﷺ بإشارة جبريل ﵇ بوضعهما في تلك البقعة كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى. أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين فقد أحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين علمي الحرم القديمين ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك.
قال في الإقناع وشرحه: وحده من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال عند طرف عرفة، وحده من بطن نمرة أحد عشر ميلا. انتهى. قلت هكذا ذكر الأزرقي وتبعه بعض الفقهاء من الحنابلة
стр. 249
وغيرهم وفيه نظر لأن عرفة حل فكيف يكون بطنها حدا؟ وقد ذكر الأزرقي أن حده من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال وهذان جهة واحدة فاعتمد حده من هذه الجهة سبعة أميال لا أحد عشر ميلاً والله أعلم. وعلى تلك المذكورات أنصاب الحرم ولم تزل معلومة. قال الشيخ عثمان بن قائد: وهل يعتبر ذلك التحديد من الكعبة أو المسجد أو من مكة انتهى. قلت الظاهر أن اعتبار ذلك من الكعبة كما هو مصرح به في بعض المناسك، والله أعلم.
(فائدة) : سبب بعد التحديد وقربه من الحرم واختلافه في القرب والبعد هو ما ذكر الشيخ عبد الرحمن بن رجب أنه لما نزل الحجر الأسود أضاء له نور عظيم فحدد الحرم على ذلك النور. انتهى.
وفي أخبار مكة للأزرقي: ولما قال إبراهيم ﵊: ربنا أرنا مناسكنا، نزل إليه جبريل فذهب به فأراه المناسك ووقفه على حدود الحرم فكان إبراهيم يرضم الحجارة وينصب الأعلام ويحثي عليها التراب، وكان جبريل ﵇ يقفه على الحدود قال: وجاء جبريل بالحجر الأسود إلى إبراهيم فوضعه إبراهيم ﵊ في موضعه هذا فأنار شرقاً وغرباً ويمناً وشمالاً فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى نور الحجر وإشراقه من كل جانب. انتهى كلام الأزرقي.
وحيث الحال ما ذكر وأن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل ﵊ لأبينا إبراهيم ﷺ على حدود الحرم وظهور أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال ومن طريق جدة عشرة أميال مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبين أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغ وأنه لا يجوز لأحد أن يحدث حداً للحرم ويضع عليه أنصاباً من تلقاء نفسه لأنه
стр. 250
قد لا يكون ذلك حداً للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه وليس في الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حد للحرم والله أعلم.
قال الشيخ محمد الخلوتي: حد حرم مكة من الجهات في هذه الأبيات:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال لمن رام إتقانه.
وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة.
ومن يَمَن سبع بتقديم سينها ... فسل ربك المحمود يرزقك غفرانه.
(فائدة) : أول من نصب الحدود للحرم أبونا إبراهيم ﵊ ثم قصيّ، وقيل إسماعيل ثم قصي ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم نبينا محمد ﷺ عام الفتح ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم معاوية ثم عبد الملك بن مروان وفي عام مائة وتسع وخمسين لما رجع المهدي من الحج أمر بتجديدها وكذلك جددها المقتدر بالله العباسي، وفي سنة ثلاث مائة وخمس وعشرين أمر الراضي بالله العباسي بعمارة العلمين من جهة التنعيم، وفي سنة ستمائة وستة عشر أمر المظفر صاحب أربل بعمارة العلمين من جهة عرفة، ثم الملك المظفر صاحب اليمن سنة ستمائة وثلاث وثمانين، وجددها السلطان أحمد الأول العثماني سنة ألف وثلاث وعشرين، وكل هؤلاء أظهروا وجددوا ما حدده أبونا إبراهيم ﵊ بعد الدراسة، لا أنهم أحدثوا حدودا من عند أنفسهم.
-- فصل:
ويحرم صيد المدينة لحديث عامر بن سعد عن أبيه مرفوعاً (إني أحرّم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) . رواه مسلم، والمدينة من الدين
стр. 251
بمعنى الطاعة لأن المقام بها طاعة، أو بمعنى الملك لأنه دين أهلها أي ملكهم، يقال فلان في دين فلان: أي في ملكه وطاعته، قال الحافظ بن حجر العسقلاني: قرأت على أبي علي الصدفي في هامش نسخته من صحيح البخاري بخطه ما نصه: أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها ويجد لطيبها أقوى رائحة ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب، وللمدينة أسماء منها ما رواه عمر بن الخطاب شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي ﷺ (للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطابة وطيبة والمطيبة والمسكينة والدار والجابرة والمجبورة والمحببة والمحبوبة) وروى الزبير في أخبار المدينة من طريق ابن أبي يحيى مثله، وزاد: والقاصمة وتمامه فيه انتهى، والأولى أن لا تسمى بيثرب لأن النبي ﷺ غيَّره لما فيه من التثريب وهو التغيير والاستقصاء في اللوم، وما وقع في القرآن فهو حكاية لمقالة المنافقين، ويثرب في الأصل اسم لرجل من العمالقة بني المدينة فسميت به، وقيل يثرب اسم أرضها قاله الحجاوي في حاشية الإقناع، قال في الإقناع وشرحه: فلو صاد من حرم المدينة وذبح صيدها صحت تذكيته، قال القاضي: تحريم صيدها يدل على أنه لا تصح ذكاته وإن قلنا تصح فلعدم تأثير هذه الحرمة في زوال ملك الصيد نص عليه مع أنه ذكر في الصحة احتمالين انتهى. قال في شرح المنتهى: وإن صاده وذبحه صحت تذكيته جزم به في الإقناع انتهى. ويحرم قطع شجرها وحشيشها لحديث (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت في صاعها ومدها بمثلى منا دعا إبراهيم لأهل مكة) .
متفق عليه، ولما روى أنس أن النبي ﷺ قال (المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها) ولمسلم ولا يختلى خلالها ولا يحدث فيها حدث من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله
стр. 252
والملائكة والناس أجمعين) . متفق عليه. ويجوز أخذ ما تدعو لحاجة إليه من شجرها للرحل والقتب وعوارضه وآلة الحرث ونحو ذلك كآلة الدياس والجذاذ والحصاد. والعارضة لسقف المحمل والمساند من القائمتين اللتين تنصب البكرة عليهما والعارضة بين القائمتين ونحو ذلك كعود البكرة، لما روى جابر (أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضج ولا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا، فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء) . رواه أحمد فاستثنى الشارع ﷺ ذلك وجعله مباحاً، والمسند عود البكرة، ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف لقوله ﷺ في حديث علي (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يختلى خلالها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره) .
رواه أبو داود، ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة، ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه، نص عليه بخلاف مكة لقول أنس (كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال أحسبه فطيما، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير بالغين المعجمة، وهو طائر صغير كان يلعب به، متفق عليه، قال المحب بن نصر الله البغدادي: حديث أبي عمير يدل على جواز الإمساك فأين دليل الذبح؟ وفي شرح المحرر لأن إمساكه يفضى إلى تلفه بغير فائدة فذبحه المفضي إلى جواز أكله أولى انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ولا جزاء فيما حرم من ذلك أي من صيدها أو شجرها أو حشيشها، قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء انتهى، ولا يلزم من الحرمة الضمان ولا من عدمه
стр. 253
عدمها، قال في المغني: ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا يحرم لأنه لو كان محرماً لبينه ﷺ بياناً عاماً، ولو وجب فيه الجزاء كصيد الحرم. ولنا ما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال (المدينة حرم ما بين ثور إلى عير) .
متفق عليه، وروى تحريم المدينة أبو هريرة ورافع وعبد الله بن زيد متفق على أحاديثهم، ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس إلى إن قال: فمن فعل مما حرُم عليه شيئاً ففيه روايتان: إحداهما لأجزاء فيه، وهذا قول أكثر أهل العلم وهو قول مالك والشافعي في الجديد، والثانية يجب فيه الجزاء روى ذلك عن ابن أبي ذئب وهو قول الشافعي في القديم وابن المنذر لأن رسول الله ﷺ قال: (إني أحرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة) ونهى أن يعضد شجرها ويؤخذ طيرها، فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك إذ لم يظهر بينهما فرق، وجزاؤه إباحة سلب القاتل لمن أخذه، لما روى مسلم بإسناده عن عامر بن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليهم، وعن سعد أن رسول الله ﷺ قال: (من وجد أحداً يصيد فيه فليسلبه) رواه أبو داود، فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله أو قاطع الشجر سلبه، وهو أخذ ثيابه حتى سراويله، فإن كان على دابة لم يملك أخذها، لأن الدابة ليست من السلب، وإنما أخذها قاتل الكافر في الجهاد، لأنه يستعان بها على الحرب بخلاف مسألتنا، وإن لم يسلبه أحد فلا شيء عليه سوى الاستغفار والتوبة، انتهى ملخصاً. قلت: لفظ البخاري عن علي ﵁ قال: ما عندنا
стр. 254
شيء إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ (المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا) وفي مسلم: إلى ثور. وعائر بالعين المهملة والألف مهموز آخر راء: جبل بالمدينة، قال القسطلاني: واتفقت الروايات التي في البخاري كلها على إبهام الثاني انتهى. وحرمها أيضاً ما بين لابتيها لقول أبي هريرة قال رسول الله ﷺ (ما بين لابتيها حرام) .
متفق عليه، واللابة الحرة وهي أرض تركبها حجارة، ولا تعارض بين الحديثين لما يأتي، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل جبل لابة، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب، وعاكسه ابن أبي الفتحح في المطلع. قلت: فيما قاله الحافظ بن حجر نظر ظاهر، فإنه ليس عند كل جبل لابة، ولا أن لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرف والمغرب، بل الحقيقة أن حديث ما بين لابتيها يعني من جهة المشرق والمغرب، بل الحقيقة أن حديث ما بين لابتيها يعني من جهة المشرق والمغرب، فإن من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى، وحديث ما بين ثور إلى عير يعني من جهة الجنوب والشمال، فثور من جهة الشمال وعير من جهة الجنوب والله أعلم، وقدر حرم المدينة يريد في بريد نصاً، قال الإمام أحمد: ما بين لابتيها حرام بريد في بريد، كذا فسره مالك بن أنس. قلت: وقد أنكر جماعة من العلماء أن بالمدينة جبلاً يسمى ثوراً واعتقدوا أنه خطأ من بعض رواة الحديث لعدم معرفتهم له.
قال القسطلاني قال أبو عبيد: أهل المدينة لا يعرفون عندهم جبلاً يقال له ثور وإنما ثور بمكة، وقيل إن البخاري إنما أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه وهم، لكن قال صاحب القاموس: ثور جبل بمكة وجبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح (المدينةحرم ما بين عير إلى ثور) وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره
стр. 255
من أكابر الأعلام: إن هذا تصحيف والصواب إلى أحد لأن ثوراً إنما هو بمكة فغير جيد لما أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد جانحاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبر أن اسمه ثور، ولما كتب إلى عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال إن خلف أحد عن شماله جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف، ونحو ذلك قاله صاحب تحقيق النصرة انتهى كلام القسطلاني.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني وتبعه صاحب الشرح الكبير: فأما قوله ما بين ثور إلى عير فقال أهل العلم بالمدينة لا نعرف بها ثوراً ولا عيراً وإنما هما جبلان بمكة فيحتمل أن النبي ﷺ أراد قدر ما بين ثور وعير، ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة وسماهما ثوراً وعيراً تجوزاً انتهى كلام الموفق ﵀. قلت: ليس الأمر كما قاله الشيخ الموفق عفا الله عنه فإن ثوراً معروف عند أهل المدينة، وهل جبل صغير لونه يضرب إلى الحمرة بتدوير ليس بمستطيل خلف أحد من جهة الشمال، وعيرا جبل مشهور بالمدينة أيضا من جهة الجنوب قرب ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وهذا ليس فيه إشكال، قال في فتح الباري نقلاً عن شيخه أبي بكر بن حسين المراغي: إن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلاً صغيراً يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير يسمى ثوراً قال وقد تحققه بالمشاهدة. انتهى كلام ابن حجر. قلت قد سهل الله لي المجاورة بالمدينة سبع سنين ابتداؤها أول شهر المحرم سنة ألف وثلثمائة وست وخمسين وانتهاؤها في أثناء شهر محرم سنة ألف وثلثمائة وثلاث وستين فالحمد لله رب العالمين.
стр. 256
(فائدة) : قد جعل ﷺ (حول المدينة اثني عشر ميلا حمى) رواه مسلم عن أبي هريرة، قال بعض العلماء وهو الموضع المسمى بالنقيع في ديار مزينة على نحو عشرين ميلا من المدينة. قال شيخ الإسلام ﵀ وكذلك حرم مدينة رسول الله ﷺ : وهو ما بين لابتيها واللابة هي الحرة وهي الأرض التي فيها حجار سود وهو بريد في بريد، والبريد أربعة فراسخ وهو من عير إلى ثور، وعير هو جبل عند الميقات يشبه العير وهو الحمار، وثور هو جبل من ناحية أُحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة، فهذا الحرم أيضاً لا يصاد صيده ولا يقطع شجره إلا لحاجة كآلة الركوب والحرث ويؤخذ من حشيشه ما يحتاج إليه للعلف، وإذا أدخل إليه صيداً لم يكن عليه إرساله، وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان حرم مكة والمدينة، ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمى الجهال فيقولون حرن المقدس وحرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليس بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه حرم مكة، وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ولم ينازع المسلمون في حرم ثالث إلا في وج وهو واد بالطائف وهو عند بعضهم حرم وعند الجمهور ليس بحرم انتهى ملخصاً. قال في المنتهى وشرحه: وحكم وج وهو واد بالطائف كغيره من الحل فيباح صيده وشجره وحشيشه بلا ضمان. والخبر فيه ضعفه أحمد وغيره، وقال ابن حبان والأزدي لم يصح حديثه انتهى.
قلت الخبر الذي أشار إليه هو حديث محمد بن عبد الله بن سنان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعاً (إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله) رواه أحمد وأبو داود وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفاً فقد ضعفه أحمد، وقال أبو حاتم في محمد ليس بقوي في حديثه نظر، وقال البخاري لا يتابع عليه،
стр. 257
وقال ابن حبان والازدي لم يصح حديثه، وحمل القاضي أبو يعلى ذلك على الاستحباب للخروج من الخلاف، قال ابن القيم ﵀ وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه والله أعلم، قال في المغني: صيد وج وشجره مباح وهو واد بالطائف، وقال أصحاب الشافعي: هو محرم لأن النبي ﷺ قال: (صيد وج وعضاهها محرم) رواه أحمد في المسند، ولنا أن الأصل الإباحة والحديث ضعيف ضعفه أحمد ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل انتهى.
-- باب: دخول مكة وما يتعلق به من الطواف والسعي وغيره:
يسن الاغتسال لدخول مكة ولو كان بالحرم، وفي الإقناع وشرحه ولدخول حرمها ولم لحائض ومثلها النفساء فتغتسل لدخول مكة انتهى، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكان النبي ﷺ يغتسل لدخول مكة وكان يبيت بذي طوى وهي عند الآبار التي يقال لها آبار الزاهر، فمن تيسر له المبيت بها والاغتسال ودخول مكة نهاراً وإلا فليس عليه شيء من ذلك ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له لا عن النبي صلى الله عليه ولم ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها انتهى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في صفة حجته ﷺ : (ثم نهض
стр. 258
صلى الله عليه وسلم إلى أن نزل بذي طوى وهي المعروفة الآن بآبار الزاهر فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح ثم اغتسل من يومه ونهض إلى مكة) وتمامه فيه. قلت في زمننا هذا يسمى بالزاهر موضعان موضع بالشهداء وفيه البستان المسمى ببستان الزاهر، والموضع الثاني بجرول قرب ذي طوي وهو بستان معالي وزير المالية عبد الله السليمان الحمدان، وأما بئر طوي فهي معروفة مشهورة عند أهل مكة بالموضع المسمى بجرول ومكتوب عليها بئر طوي ملاصقة لدار السادة العلويين آل عقيل والله أعلم. قال البخاري في صحيحه: باب الاغتسال عند دخول مكة، وساق بسنده إلى نافع قال: (كان ابن عمر ﵄ يبيت بذي طوي ثم يصلي به، أي بذي طوي الصبح، ويغتسل به ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) . قال القسطلاني: وظاهر إطلاق البخاري يتناول المحرم والحلال الداخل لها أيضاً، وقد حكاه الشافعي في الأم عن فعله ﷺ عام الفتح انتهى، وفي أثر ابن عمر هذا استحباب الاغتسال بذي طوي، وهو محول على من كان بطريقه بأن يأتي من طريق المدينة، أما من لم يكن بطريقه كمثل من أتى من نجد أو اليمن ونحوهما فإنه يغتسل من طريقه الذي ورد منه والله أعلم. قال القسطلاني: وطوى بكسر الطاء اسم بئر أو موضع بقرب مكة، ولأبي ذر: طوي بضمها ويجوز فتحها والتنوين وعدمه كما في القاموس فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة ومن لم يصرفه جعله بقعة وجعله معرفة انتهى.
قلت: طوي يصدق على واد، وموضع بجرول وبئر طوي في الموضع المذكور كما هو معلوم بالمشاهدة، ويسن أن يدخل مكة نهاراً لفعله ﷺ ، ففي مسلم من طريق أيوب عن نافع ولفظه (كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوي حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً) قال في
стр. 259
الفروع: وقيل ليلاً، نقل ابن هانئ لا بأس به، وإنما كرهه من السراق انتهى، وأخرج النسائي أنه ﷺ دخل ليلاً ونهاراً، قال القسطلاني ولا يعلم دخوله ﷺ ليلاً إلا في عمرة الجعرانة كما رواه أصحاب السنن الثلاثة انتهى. ويسن أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء بفتح الكاف ممدود مهموز مصروف وغيره مصروف، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وإذا أتى مكة جاز أن يدخلها والمسجد من جميع الجوانب لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة، ولم يكن على عهد النبي ﷺ لمكة ولا للمدينة سور ولا أبواب مبنية ولكن دخلها من الثنية العليا ثنية كداء بالفتح والمد المشرفة على المقبرة انتهى، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فدخل النبي ﷺ مكة نهاراً من أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، وكان في العمرة يدخل من أسفلها، وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها ثم سار حتى دخل المسجد وذلك ضحى انتهى.
قلت: وهل يسن الدخول من الثنية العليا لكل داخل سواء كانت تلقاء طريقه أم لم تكن في طريقه؟ لم أر من تعرض لهذا البحث من أصحابنا، وقد ذهب أبو بكر الصيدلاني وجماعة من الشافعية واعتمده الرافعي إلى أنه إنما يستحب الدخول منها لمن كانت في طريقه، وأما من لم تكن في طريقه، فقالوا لا يستحب له العدول إليها، وذهب النووي إلى أن الدخول منها نسك مستحب لكل أحد وصوبه وصححه، وهو ما مشي عليه في المجموع وزوائد الروضة، واعتمده المتأخرون منهم، وظاهر كلام الحنابلة يقتضي سنية ذلك لإطلاقهم سنية الدخول من أعلاها من ثنية كداء، ولكن ينبغي تقييد هذا الإطلاق بما إذا كانت ثنية كداء إزاء طريقه، أما إذا لم تكن
стр. 260
في طريقه فلا يستحب له العدول إليها، كما قاله أبو بكر الصيدلاني واعتمده الرافعي، قال الشيخ خليل المالكي: يدخل المدني من كداء، قال في المدونة: أحب للحاج أن يدخل مكة من كداء لمن أتى من طريق المدينة انتهى من المواق على خليل، وقال ابن حجر في الفتح، ثنية كداء بفتح الكاف والمد، وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق عال تسمى ثنية انتهى. قلت: ثم سهلت في زمن الشريف الحسين بن علي في حدود الثلاثين وثلثمائة وألف ثم سهلت في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود ﵀ ثم سهلت تسهيلاً كاملاً بعده.
وسن خروج من مكة من أسفلها من ثنية كدي بضم الكاف والتنوين دون ذي طوى من جهة مكة بقرب شعب الشافعيين، ويقال لها باب شبيكة لقول ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى) متفق عليه. قال الخلوتي: ثنية كدي التي يخرج منها كهدي لا كرضى ولا كفتي خلافاً للغالطين في ذلك انتهى.
قلتك ثنية كدي تعرف الآن بريع الرسام دون مقبرة الشيخ محمود إلى مكة، وقد سهلت وهي الآن في الشارع العام الموصل إلى جرول والله أعلم، وأما كدي مصغراً لهو لمن خرج من مكة إلى اليمن وليس من هذين الطريقين في شيء قال في فتح الباري: ثنية كدي عند باب شبيكة بقرب شعب الشافعيين من ناحية قعيقعان، وكان بناء
стр. 261
هذا الباب عليها في القرن السابع انتهى.
قلت: لا وجود الآن لهذا الباب وقد أزيل لاتساع البلد، وقال الأزرقي ثنية كدي التي يهبط منها إلى ذي طوى وهي التي دخل منها قيس بن سعد بن عبادة يوم الفتح وخرج منها رسول الله ﷺ إلى المدينة وعليها بيوت يوسف بن يعقوب الشافعي ودار آل طرفة الهذليين يقال لها دار الأراكة فيها أراكة خارجة من الدار على الطريق وهي الدار التي يقول فيها حسان بن ثابت الأنصاري:
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء.
انتهى كلام الأزرقي، قلت فيما قاله الأزرقي نظر ظاهر فكلامه غير محرر لأن ثنية كدي بضم الكاف هي الثنية التي تسمى ثنية الشافعيين، وتعرف الآن بريع الرسام كما تقدم وهي التي خرج منها رسول الله ﷺ ، وأما التي أشار إليها حسان بن ثابت ﵁ في قصيدته المشهورة وجعلها موعد خيل المسلمين في قوله:
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء.
ودخل منها رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وقال ﷺ : (ادخلوها من حيث قال حسان) فهي ثنية كداء بفتح الكاف والدال مع المد وهي التي تسمى بالحجون بأعلى مكة وبها باب المعلاة مقبرة أهل مكة والله أعلم. وفي القاموس وكدا كسما اسم عرفات وجبل بأعلا مكة ودخل النبي ﷺ منه وكسمي بأسفلها وخرج منه، وجبل آخر بقرب عرفة، وكقرى: جبل مسفلة مكة على طريق اليمن، وكدي منقوصة كفتي ثنية بالطائف، وغلط المتأخرون في هذا التفصيل واختلفوا على أكثر من ثلاثين قولاً انتهى قلت: وفيما قاله صاحب القاموس نظر فإن الذي خرج منه صلى الله عليه وسلم
стр. 262
هي ثنية كدى بضم الكاف كهدي وقرى لا ثنية كدي كسمي بالتصغير لأن هذه لمن خرج من مكة إلى اليمن. وأما قوله وكقرى جبل مسفلة مكة على طريق اليمن فليس الأمر كذلك بل هذه لمن خرج من مكة إلى المدينة ونحوها. والحاصل أن ثنية كدى بضم الكاف على وزن هدى وقرى هي التي خرج منها ﷺ للمدينة، وثنية كدى مصغرة على وزن سمي هي لمن خرج من مكة إلى اليمن، وقد عكس ذلك صاحب القاموس، يدل لذلك ما في المصباح حيث قال: الكدية الأرض الصلبة، والجمع كدى مثل مدية ومدى، وبالجمع سمي موضع بأسفل مكة بقرب شعب الشافعيين، وقيل فيه ثنية كدي فأضيف إليه للتخصيص ويكتب بالياء ويجوز بالألف إلى أن قال: وكداء بالفتح والمد: الثنية العليا بأعلى مكة عند المقبرة ولا ينصرف للعلمية والتأنيث، وتسمى تلك الناحية المعلى، وبالقرب من الثنية السفلى موضع يقال له كدي مصغر، وهو على طريق الخارج من مكة إلى اليمن، قال الشاعر:
أقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكدي فالركن والبطحاء.
انتهى.
(فائدة) : وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج وضم، وهذا ضابط طريف.
(تنبيه) : ينبغي لمن أراد الدخول إلى مكة أو إلى المسجد الحرام أو إلى المواضع التي فيها زحام أن يتحفظ من إيذاء الناس في الزحمة ويتلطف بمن يزاحمه ويلحظ بقلبه فضيلة البقعة التي هو فيها والتي هو متوجه إليها ويمهد عذر من زاحمه ويصفح عنه لأنه في الغالب مزحوم، وما نزعت الرحمة إلا من قلب شقي.
قال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض
стр. 263
يرحمكم من في السماء) فلقد كان بعض من لا شفقة ولا رحمة لديه بالمسلمين يهجم على الضعفاء من النساء والرجال بقوته في الطواف والسعي ورمي الجمار ونحوها حتى يسقطوا بالأرض ويدسوا بالأرجل فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي تاريخ مكة للفاسي في الجزء الثاني ص ٢٣٢ قال: وفي سنة خمسائة وأحدى وثمانين ازدحم الحجاج في الكعبة، فمات منهم أربعة وثلاثون نفراً، وقال أيضاً في ص٢٣٥ وفي سنة تسع عشرة وستمائة مات بالمسعى جماعة من الزحام لكثرة الخلق الذي حجوا في هذه السنة. وقال أيضا في صفحة ٢٤٠ من الجزء الثاني وجدت بخط الميورقي أنه في يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة ازدحم الحجاج في خروجهم إلى العمرة في باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة فمات بالزحمة جمع كثير يبلغون ثمانين نفراً وقال عددت خمسة وأربعين ميتاً انتهى باختصار، ووجدت هذه الحادثة بخط غيره، وذكر أنها في ثالث عشر ذي الحجة وأنها اتفقت حين خروج الحجاج إلى العمرة من باب العمرة من المسجد الحرام انتهى.
ويسن أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، والدخول منه يسن لكل قادم منم أي جهة كان بخلاف الدخول من الثنية العليا فإنه يسن منها إذا كانت في طريقه كمثل أهل المدينة، وأما من لم تكن في طريقه كأهل نجد واليمن فلا يستحب لهم العدول إليها كما تقدم، والفارق بينهما أن الدوران حول المسجد الحرام لا يشق بخلافه حول البلد والله أعلم، والدليل لذلك حديث جابر (أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل) . رواه مسلم وغيره.
قال منصور في شرح الإقناع: وبإزاء باب بني شيبة الباب المعروف بباب السلام لكن قال في حاشيته على المنتهى باب بني شيبة هو المعروف الآن بباب السلام فحصل من التناقض بين كلامه في شرح
стр. 264
الإقناع وحاشية المنتهى، والمعروف أن باب بني شيبة هو باب السلام وكان باب بني شيبة يعرف أولاً بباب عبد شمس وعبد مناف، وهو الآن ثلاثة أبواب وأما العقد الذي خلف المقام فالظاهر أنه ليس باب بني شيبة كما يزعمه المطوفون الآن، وربما وافقهم بعض أهل العلم من أهل مكة وغيرهم على ذلك. ولعل الحامل لهم على ذلك أن المسجد الحرام لم يبلغ في زمنه ﷺ ما بلغه الآن من السعة، ولا شك أن باباه ملتصق به، وبين باب السلام الذي هو أحد أبواب المسجد الحرام الآن والمسجد الذي كان في زمنه ﷺ مسافة طويلة لأن الذي في زمنه ﷺ هو مقدار المطاف المبلط في هذا الزمن، وهذه نظرة وجيهة، والله أعلم أي ذلك كان. أما العقد الذي خلف المقام فالظاهر أنه ليس باب بني شيبة لأن العقد المذكور داخل في المسجد القديم وقد انتهى الكلام فيه لأنه قد أزيل للتوسعة على الطائفين ولله الحمد.
ويقول عند دخول المسجد الحرام: بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، وإن شاء قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، بسم الله والحمد لله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدَّم رجله اليسرى وقال هذا الدعاء إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك، وهذا الدعاء والذكر مستحب في كل مسجد، وقد وردت فيه أحاديث في الصحيح وغيره يحصل من مجموعها ما ذكرناه، وقد خص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج، لأن العرف الشرعي استعمال الرحمة المقابلة للفضل في المنح الإلهية المفاضة على المتعبدين المخلصين المتبعين، والمساجد بنيت لذلك فناسب ذكر الرحمة عند دخولها، وأيضاً فالمصلي تواجهه الرحمة كما ورد فناسب
стр. 265
سؤالها لمريد الدخول لمحل الصلاة، وإن لم يقصد الدخول لصلاة، واستعمال الفضل في المنح الإلهية المفاضة على المتسببين في حصول أرزاقهم فناسب ذكر الفضل عند الخروج منها، ألا ترى إلى قوله : (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) وقوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فإذا رأى البيت رفع يديه، نص عليه الإمام أحمد روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق لأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء قال في الإقناع وكبر، قال منصور واليهوتي للحديث رواه البيهقي في السنن وحكاه في الفروع بقيل، ولم يذكره، أي التكبير في المنتهى وغيره، وقيل ويهلل انتهى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وروى عن النبي ﷺ أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول: اللهم أنت السلام إلى آخره، والحديث مرسل ولكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب ﵁ يقوله انتهى. وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام حَيِّنا ربنا بالسلام. والسلام الأول اسم الله، والثاني من أكرمته بالسلام فقد سلم، والثالث السلامة من الآفات.
اللهم زد هذا البيت تعظيماً أي تبجيلاً، وتشريفاً أي رفعة وإعلاء، وتكريماً أي تفضيلاً، ومهابة أي توقيراً، وإجلالاً وبراً بكسر الباء اسم جامع للخير، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت، ذكر ذلك الأثرم وإبراهيم الحربي، يرفع بهذا الدعاء صوته إن كان
стр. 266
رجلاً لأنه ذكر مشروع فاستحب رفع الصوت به كالتلبية، وما زاد من الدعاء المناسب فحسن كقوله: اللهم إني أسألك في مقامي هذا أن تقبل توبتي وتتجاوز عن خطيئتي وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمناً اللهم إني عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك والبيت بيتك، جئت أطلب رحمتك أسألك مسألة المضطر الخائف لعقوبتك الراجي رحمتك الطالب مرضاتك، وهذا الدعاء يقوله إذا عاين البيت، لا عند وصوله للمحل الذي كان يرى منه البيت قبل ارتفاع الأبنية، وهو المسمى أولاً برأس الردم، والآن يسمى بالمدعى، قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديماً بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء، ولا كان بمنى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مسجد بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد الدولة الأموية فكان البيت يرى قبل دخول المسجد وقد ذكر ابن جرير أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت يرى قبل دخول المسجد وقد ذكر ابن جرير أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبراً وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك،
وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤيته البيت ولو كان بعد دخول المسجد. انتهى.
(فائدة) : ينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع فهذه عادة الصالحين وعباد الله المخلصين العارفين لأن رؤية البيت تذكر وتشوق إلى رب البيت، وقد حكي أن امرأة دخلت مكة فجعلت تقول من عظم ولها: أين بيت ربي؟ أين بيت ربي؟ فقيل لها: ألا ترينه؟ فلما لاح قالوا لها: هذا بيت ربك، فأسرعت نحوه وألصقت جبينها بالحجر الأسود فما رفعت إلا ميتة من غلبة الشوق، فلسان حالها ينشد: جئتك لذلك اللهم تقبل مني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت، ذكر ذلك الأثرم وإبراهيم الحربي، يرفع بذا الدعاء صوته إن كان رجلاً لأنه ذكر مشروع فاستحب رفع الصوت به كالتلبية، وما زاد من الدعاء المناسب فحسن كقوله: اللهم إني أسألك في مقامي هذا أن تقبل توبتي وتتجاوز عن خطيئتي وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمناً اللهم إني عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك والبيت بيتك، جئت أطلب رحمتك أسألك مسألة المضطر الخائف لعقوبتك الراجي رحمتك الطالب مرضاتك، وهذا الدعاء يقوله إذا عاين البيت، لا عند وصوله للمحل الذي كان يرى منه البيت قبل ارتفاع الأبنية، وهو المسمى أولاً برأس الردم، والآن يسمى بالمدعي، قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديماً بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء، ولا كان بمنى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مسجد بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد الدولة الأموية فكان البيت يرى قبل دخول المسجد وقد ذكر ابن جرير أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبراً وزد من شرفه وكرمه ممن حجة واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك، وقد استحب ذلك من استحبه عند
رؤيته البيت ولو كان بعد دخول المسجد انتهى.
(فائدة) : ينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع فهذه عادة الصالحين وعباد الله المخلصين العارفين لأن رؤية البيت تذكر وتشوق إلى رب البيت، وقد حكي أن امرأة دخلت مكة فجعلت تقول من عظم ولهها: أين بيت ربي؟ أين بيت ربي؟ فقيل لها: ألا ترينه؟ فلما لاح قالوا لها: هذا بيت ربك، فأسرعت نحوه وألصقت جبينها بالحجر الأسود فما رفعت إلا ميتة من غلبة الشوق، فلسان حالها ينشد:
стр. 267
هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الحياة في الأجساد.
وعن أبي بكر الشبلي رحمه الله تعالى أنه غشي عليه عند رؤية الكعبة ثم أفاق فأنشد:
هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق.
(فائدة) : قال النووي: يستحب أن لا يعرج أول دخوله على استئجار منزل أو حط قماش وتغيير ثياب أو غير ذلك، بل يبدأ بالطواف ويقف بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا ويسعوا ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل انتهى. قلت: ويدل لذلك ما في القرى، قال عن عروة بن الزبير (أن النبي ﷺ حج فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به، أخرجاه انتهى من القرى للطبري.
وقد نقل هذا الحديث بلفظ مسلم مع قليل من الاختصار، ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان محرماً بها متمتعاً أو غيره ولم يحتج أن يطوف لها طواف القدوم كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحيته، ويبتدئ بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً وهو سنة، ويسمى طواف الورود وهو تحية
стр. 268
الكعبة فاستحبت البداءة به ولقول عائشة: (إن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه. وتحية المسجد الحرام الصلاة وتجزئ عنها الركعتان بعد الطواف وهذا لا ينافي أن تحية المسجد الحرام الطواف لأنه مجمل وهذا تفصيله.
والحاصل: أن تحية الكعبة مقدماً على تحية المسجد فيكون أول ما يبدأ به الطواف إلا إذا أقيمت الصلاة أو ذكر فريضة فائتة أو خاف فوت ركعتي الفجر أو الوتر أو حضرت جنازة فيقدمها على الطواف لاتساع وقته ثم يطوف إذا فرغ من صلاته تلك، والأولى للمرأة تأخير الطواف إلى الليل إذا أمنت الحيض والنفاس، ولا تزاحم الرجال لتستلم الحجر الأسود ولا لغيره خوف المحظور لأنه أستر لها لكن تشير المرأة إلى الحجر كما يشير الرجل الذي لا يمكنه الوصول إليه إلا بمشقة، قال البخاري في صحيحه: باب طواف النساء مع الرجال، وقال لي عمرو بن علي بن بحر الباهلي البصري: حدثنا أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل البصري. قال ابن جريج: أخبرنا عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال عطاء: كيف تمنعهن؟ وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال، أي في وقت واحد.
стр. 269
وقد ذكر القسطلاني في شرح هذا الأثر: أن ثبيراً المذكور: جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب منها إلى منى وعلى يمين الذاهب من منى إلى عرفات، وهذا وهم وخطأ واضح فإن ثبيرا جبل المزدلفة هو الذي كان أهل الجاهلية لا يدفعون منها حتى تشرق عليه الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ويبعد كل البعد أن تجاور أم المؤمنين عند جبل المزدلفة، والصواب أن ثبيرا الذي جاورت عنده أم المؤمنين هو ثبير الذي أشار إليه امرؤ القيس في معلقته حيث قال:
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل.
ويسمى الآن عند العامة بجبل الرخم، ويقابله جبل حراء المسمى الآن جبل النور، وقوله في جوف ثبير يعني أنها مقيمة في أسفله في الأرض الواسعة هناك المسماة بالعدل، وكثير من الحجاج النجديين ينزلون فيه، وبمكة خمسة جبال أخر يسمى كل واحد منها ثبيراً كما ذكره الأزرقي وياقوت والبكري، واستحب الإمام مالك للرمأة الجميلة إذا قدمت نهاراً أن تؤخر الطواف إلى الليل، قال النووي الشافعي ولو قدمت امرأة جميلة أو شريفة لا تبرز للرجال استحب لها أن تؤخر الطواف ودخول المسجد إلى الليل انتهى.
قال السندي الحنفي: وإن كانت امرأة لا تبرز للرجال يستحب لها أن تؤخر الطواف إلى الليل لأنه
стр. 270
أتسر لها انتهى، قال الأزرقي ورأى عطاء بن أبي رباح امرأة تريد أن تستلم الركن فصاح بها وزجرها: غطي يديك لا حق للنساء في استلام الركن. انتهى.
(فائدة) : قال الأزرقي في تاريخ مكة: باب ما جاء في النوم في المسجد الحرام وساق بسنده إلى عمرو بن دينار قال: كنا ننام في المسجد الحرام زمان ابن الزبير، وبسنده إلى ابن جريج قال: قلت لعطاء أتكره النوم في المسجد الحرام؟ قال لا بل أحبه. انتهى.
(فائدة) : أو من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسري نقله الأزرقي بسنده إلى سفيان بن عيينة، ونقل بعضهم عن الزركشي الشافعي أن أول من فعله عبد الله بن الزبير، ويمكن الجمع بين الكلامين بأن عبد الله بن الزبير فعله أولاً ثم تبعه على ذلك خالد بعد قتل ابن الزبير والله أعلم.
ويضطبع بردائه في طواف القدوم وفي طواف العمر للمتمتع ومن في معناه غير حامل معذور وغير محرم من مكة أو قربها في جميع أٍبوعه.
والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وهو معنى من عبر بقوله: تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، وهو معنى من عبر بقوله ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر فيكون المنكب الأيمن مكشوفاً على هيئة أرباب الشجاعة إظهاراً للجلادة في ميدان العبادة، مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان افتعال منه، وكان أصله اضتبع فقلبوا التاء طاء لأن التاء متى وضعت بعد ضاد أو صاد أو طاء ساكنة قلبت طاء، ودليل الاضطباع ما روى أبو داود وابن ماجة عن يعلى بن أمية أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً، وروي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى.
стр. 271
والاضطباع محله إذا أراد الشروع في الطواف، وليس كما يتوهمه بعض الناس من أن الاضطباع سنة في جميع أحوال الإحرام، وإنما الاضطباع سنة مع دخوله في الطواف أو قبيل الشروع في الطواف، قال في المنتهى وشرحه: ويضطبع استحباباً غير حامل معذور بحمله بردائه انتهى، فقوله بحمله متعلق بمعذور، وقوله بردائه متعلق بيضطبع، وقال عبد الوهاب بن فيروز على قوله في شرح الزاد: إن لم يكن حامل معذور بردائه، قوله إن لم يكن حامل معذور بالإضافة أي بأن حمل في ردائه معذوراً انتهى.
قلت: فيما جنح إليه ابن فيروز نظر، قال الشيخ عثمان النجدي: قوله غير حامل معذور وهو بالإضافة أي غير حامل شخصاً معذوراً كمريض وصغير فلا يستحب في حق الحامل الطائف به اضطباع ولا رمل كما سيأتي، هكذا ينبغي أن يفهم، ويدل هل قول العلامة ابن قندس عند قول الفروع أو حامل معذور أي المعذور إذا حمله آخر ليطوف به لا يرمل الحامل انتهى. فالأظهر ما قاله الشيخ عثمان من أن حامل المعذور لا يستحب له الاضطباع مطلقاً سواء حمل المعذور في ردائه أو لم يحمله فيه، ويؤيد هذا قوله في الإقناع وشرحه ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول منها ماش غير راكب وغير حامل معذور وغير نساء وغير محرم من مكة أو من قربها فلا يسن هو، أي الرمل ولا الاضطباع، لهم لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع الرمل، ومن لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع انتهى ملخصاً، ومنه يتضح عدم وجاهة ما ذهب إليه عبد الوهاب بن فيروز في حاشيته على شرح الزاد والله أعلم، فإذا فرغ المضطبع من الطواف سوى رداءه فجعله على عاتقه، ولا يضطبع في السعي لعدم وروده.
قال الإمام أحمد: ما سمعنا فيه شيئاً ويبتدئ الطواف من الحجر الأسود لأنه ﷺ كان يبتدئ به وقال
стр. 272
(خذوا عني مناسككم) وهو جهة المشرق فيحاذي الحجر ظائف بكل بدنه ويستقبله بوجهه أو يحاذي بعضه بجميع بدنه لأن ما لزم استقباله لزم بجميع البدن كالقبلة، فإن لم يحاذ الحجر أو بعضه بكل بدنه بأن ابتدأ بالطواف عن جانب الركن من جهة الباب بحيث خرج شيء من بدنه عن محاذاة الحجر، أو بدأ بالطواف من دون الركن الذي به الحجر كالباب والملتزم لم يحتسب بذلك الشوط لعدم محاذاة بدنه للحجر ويحتسب له بالثاني وما بعده ويصير الثاني أوله لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه وأتى على جميعه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: فيحاذيه بجميع بدنه، وإن قصده من ورائه كان أمكن لتحقق المحاذاة بكل بدنه حالة المرور ويزول الإشكال ذكره بعض الحنابلة الشاميين المتأخرين، أو يحاذي بعضه بكل بدنه انتهى، ويأتي في كلام شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله أنه لا يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، قال الشيخ عثمان بن قائد قال الفتوحي والد صاحب المنتهى فيما رأيته بخطه على هامش المحرر: وذلك بأن يقف مقابل الحجر حتى يكون مبصراً لضلعي البيت اللذين عن أيمن الحجر وأيسره، وهذا احتراز من أن يقف في ضلع الباب ويستلمه منه فلا يكون محاذياً له ببدنه فمتى رأى الضلع الآخر فقد حاذاه بكل بدنه انتهى، واختار شيخ الإسلام ﵀ أنه يجزئه المحاذاة لكله أو بعضه ببعض بدنه، واختاره جماعة من الأصحاب وصححه ابن رزين في شرحه وأطلقهما في المغني والشرح والمحرر، والنفس تطمئن إلى هذا القول وإن كان الذهب ما قدمناه من أنه لا بد من محاذاته أو بعضه بكل البدن والله أعلم، ثم يستلم الحجر، أي يمسحه بيده اليمنى، فإن تعذر لنحو أقطع اليمنى أو أشلها فباليسرى، ودليل الاستلام حديث جابر (أن رسول الله ﷺ
لما
стр. 273
قدم مكة أتى الحجر فاستلمه) رواه مسلم، والاستلام: افتعال من السلام وهو التحية، وأهل اليمن يسمون الحجر الأسود المحيا لأن الناس يحيونه باستلامه، وقد ورد عن النبي ﷺ (أنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. قال السيوطي: ومن الحكمة في سواد الحجر الأسود بعد بياضه تنبيه الأمة على أن المعصية إذا أثرت في الحجر بمجرد التقبيل له فتأثيرها في القلب الذي هو أرق منه أولى انتهى، ويقبِّل الحجر من غير صوت يظهر للقبلة لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكى فقال: يا عمر هاهنا تسكب العبرات) .
رواه ابن ماجة وفي الصحيحين (أن أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبلتك) وإنما قال عمر ﵁ ذلك لئلا يغتر بهذا التقبيل بعض من ألف في الجاهلية عبادة الأحجار تعظيماً ورجاء بقصد طلب شفاعتها له عند الله، فأخبر ﵁ أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع وأنه إنما قبله اقتداء بالنبي ﷺ ، وأشاع عمر هذا في الموسم ليحفظه عنه أهل الموسم المختلفو الأوطان والله أعلن، ونص أحمد في رواية الأثرم: ويسجد عليه فعله ابن عمر وابن عباس، فإن شق استلامه وتقبيله لم يزاحم واستلمه بيده وقبَّل يده لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ استمله وقبل يده) رواه مسلم، وروي عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، فإن شق استلامه بيده استلمه بشيء وقبل ما استلمه به، روي عن ابن عباس موقوفاً، فإن شق عليه استلامه بشيء أشار إليه بيده أو بشيء واستقبله بوجهه لحديث البخاري عن ابن عباس قال
стр. 274
(طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر) .
قلت: والذي أشار به ﷺ محجن بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون: عصا محنية الرأس، ولا يقبِّل المشار به من يده أو شيء من غير مس الحجر به لعدم وروده، ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله فيؤذي أحداً من الطائفين، وفي البخاري سأل رجل ابن عمر ﵄ عن استلام الحجر؟ فقال رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، قال قلت: أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت؟ قال اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، وذكر شراح هذا الأثر أن السائل لابن عمر هو الزبير ابن عربي راويه، وظاهر كلام ابن عمر هذا أنه لا يرى الزحام عذراً في ترك الاستلام، وروى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمي، وفي تاريخ مكة للأزرقي: أن ابن عمر كان لا يدع الركن الأسود واليماني في كل طواف طافه بهما حتى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه ثم رجع فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية فخرج فغسل عنه ثم رجع فما تركه حتى استلمه، وبسنده أن عبد الله بن عمر كان لا يترك استلام الركنين في زحام ولا غيره حتى زاحم عنه يوم النحر وأصابه دم فقال قد أخطأنا هذه المرة، وبسنده إلى ابن عيينة عن إبراهيم بن أبي مرة قال: كنت أزاحم أنا وسالم بن عبد الله بن عمر على الركن حتى نستلمه، وبسنده إلى هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف (كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الحجر؟ وكان قد استأذنه في العمرة فقال كلاً قد فعلت استلمت وتركت فقال النبي ﷺ : قد أصبت) وبسنده إلى هشام بن عروة: أن عمر بن الخطاب كان يستلم إذا وجد
стр. 275
فجوة فإذا اشتد الزحام كبَّر كلما حاذاه، وبسنده إلى عطاء أنه سمع ابن عباس يقول إذا وجدت على الركن زحاماً فلا تؤذ ولا تؤذى، وكان طاوس قل ما استلم الركنين إذا
رأى عليهما زحاماً انتهى ملخصاً، وكلام الحنابلة صريح في أن المزاحمة التي تؤذي الغير أقل أحوالها الكراهة، وعن عبد الرحمن بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁ (يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبِّر وامض) رواه الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو مرسل جيد، فظهر مما تقدم أن المزاحمة على الحجر بحيث يحصل منها إذاء لنحو ضعيف منهي عنها للآثار المتقدمة، وأما فعل عبد الله بن عمر ﵄ فليس بحجة لا سيما وقد خالفه والده عمر ﵁ وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهم من الصحابة والله أعلم، ويقول عند استلام الحجر أو استقباله بوجهه إذا شق استلامه لنحو زحام: بسم الله والله أكبر اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة محمد نبيك ﷺ ، ويقول ذلك كلما استلمه لحديث عبد الله بن السائب (أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه) وزاد جماعة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وقوله: اللهم إيماناً بك مفعول له أي فعلت ذلك إيماناً بك أي لأجل إيماني أنك حق فعلت ذلك، كذا في المطلع لابن أبي الفتح الحنبلي، وقوله: ووفاءً بعهدك، قال المحقق عثمان بن قائد لعله قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) . الآية، وفي المطلع ما نصه: روي عن علي ﵁ قال: لما أخذ الله الميثاق على الذرية كتب كتاباً فألقمه الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود وذكره الحافظ أبو الفرج بن الجوزي انتهى.
وعن ابن عباس قال: قال
стр. 276
رسول الله ﷺ : (يأتي هذا الحجر يوم القيام له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق) . رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم، فإن لم يكن الحجر موجوداً والعياذ بالله بأن ذهب به كما ذهبت به القرامطة حين ظهروا على مكة وقف مقابلاً لمكانه كما ذكروه في استقبال الكعبة إذا هدمت، واستلم الركن وقبَّله، فإن شق استلمه وقبَّل يده لحديث (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
(تنبيه) : تاريخ أخذ القرامطة للحجر الأسود سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولما أخذوه حملوه على نحو أربعين بعيراً فما حملوه على بعير إلا أهلكه الله، ومكث الحجر عندهم بضع عشرة سنة فأصابهم بلاء عظيم وأصاب رئيسهم الجذام، فراودوه على ترجيعه فامتنع عناداً إلى أن مات وتولى أخوه فتطير من الحجر فبدأ برده إلى موضعه وحمله على قعود هزيل فسمن، ولما جاء رسول القرامطة بالحجر إلى مكة عظم فرح أهلها مع جميع المسلمين وكثر شكرهم لله تعالى على ذلك، فال الرسول عند رؤية ذلك: وهل أمنتم أن نكون أتلفنا الحجر الأسود وجئناكم بشبهه من بعض الأودية؟ فقال بعض العلماء: إن الحجر الأسود له خاصية بأنه لا يغطس في الماء إذا ألقى فيه ولا تعدوا عليه النار فقال الرسول: لا أبرح حتى أختبر، فدعا بإناء كبير ووضع فيه ماء ورمى فيه الحجر فطفا على وجه الماء ثم أوقد النار عليه ثلاثة أيام فلم تعد عليه فعجب من ذلك وقال هذا دين مفخم، هكذا نقله بعض العلماء من المؤرخين وغيرهم والله على كل شيء قدير، قال الخرقي ثم أتى الحجر الأسود إن كان فاستلمه إن استطاع وقبِّله انتهى. فقوله إن كان لأنه ألّف مختصره والحجر الأسود عند القرامطة.
стр. 277
ثم يأخذ الطائف على يمينه مما يلي باب البيت لحديث جابر (أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً) . رواه مسلم، ويجعل البيت على يساره لفعله ﷺ وقد قال: (خذوا عني مناسككم) ليقرب جانبه الأيسر الذي هو مقر القلب إلى البيت وقال شيخ الإسلام ﵀: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمنى انتهى.
قلت يكفينا في ذلك سنة نبينا محمد ﷺ فإنه لما طاف جعل البيت على يساره فوجب علينا اتباعه سواء عرفنا الحكمة في ذلك أم لا والله الموفق، قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: ولما دخل ﷺ في حجته المسجد عمد إلى البيت ولم يركع تحية المسجد فإن تحية المسجد الحرام الطواف فلما حاذى الحجر الأسود استلمه ولم يزاحم عليه ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني ولم يرفع يديه ولم يقل نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على شقه بل استقبله واستلمه ثم أخذ عن يمينه وجعل البيت عن يساره ولم يدع عند الباب بدعاء ولا تحت الميزاب ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت للطواف ذكراً معينا، لا بفعله ولا بتعليمه بل حفظ عنه بين الركنين (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ورمل في طوافه هذا ثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع مشيه ويقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه واستلمه بمحجنة وقبل المحجن، والمحجن: عصا محنية الرأس، وثبت عنه أنه استلم الركن اليماني ولم يثبت عنه أنه قبله ولا قبَّل
стр. 278
يده عند استلامه، وقد روى الدارقطني عن ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه) وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز قال الإمام أحمد: صالح الحديث وضعفه غيره، ولكن المراد بالركن اليماني هاهنا الحجر الأسود فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر ويقال لهما اليمانيان، ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركنين اللذين يليان الحجر الشاميان، ويقال للركن اليماني والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قبَّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده فوضع يده عليه ثم قبلها، وثبت عنه أنه استلمه بمحجن فهذه ثلاث صفات، وروى عنه أيضاً أنه وضع شفتيه عليه طويلا يبكي، وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله والله أكبر، وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر.
وذكر أبو داود الطيالسي وأبو عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله بن عثمان قال: (رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال رأيت ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت) . وروى البيهقي عن ابن عباس (أنه قبل الركن اليماني ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثلاث مرات) . قلت والمراد بالركن اليماني هنا الحجر الأسود كما يأتي في كلام ابن القيم ﵀ وكما تقدم عنه، قال ابن القيم وذكر البيهقي أيضاً عن ابن عباس قال: (رأيت النبي ﷺ سجد على الحجر ولم يستلم ﷺ ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط) . قال الشافعي ﵀ ولم يدع أحد استلامهما هجرة لبيت الله ولكن استلم ما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 279
وأمسك ما أمسك عنه انتهى كلام ابن القيم ﵀، وقال أيضاً عند سياقه: الأوهام التي توهمها بعض الناس في حجته ﷺ ومنها وهم من زعم أنه ﷺ كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما ذلك الحجر الأسود وسماه اليماني لأنه يطلق عليه وعلى الآخر اسم اليمانيين فعبر بعض الرواة عنه باليماني منفرداً انتهى.
قلت: وقد ذكر بعض العلماء أنه إنما قيل للحجر الأسود والركن اليماني اليمانيان للتغليب كما قيل في الأب والأم الأبوان، وفي الشمس والقمر القمران، وفي أبي بكر وعمر: العمران، وفي الماء والتمر الأسودان ونظائره كثيرة والله أعلم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإذا دخل المسجد بدأ بالطواف فيبتدئ من الحجر الأسود يستقبله استقبالا يستلمه ويقبله إن أمكن ولا يؤذي أحداً بالمزاحمة عليه، فإن لم يمكن استمله وقبل يده وإلا أشار إليه ثم ينفتل للطواف ويجعل البيت عن يساره، وليس عليه أن يذهب إلى ما بين الركنين ولا يمشي عرضاً ثم ينفتل للطواف بل ولا يستحب ذلك ويقول إذا استلمه: بسم الله والله أكبر، وإن شاء قال أيضاً: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ، ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعاً، ولا يخترق الحجر في طوافه لما كان أكثر الحجر من البيت والله أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين فإن النبي ﷺ إنما استلمها بأمر لأنهما على قواعد إبراهيم ﵇ والآخران هما في داخل البيت.
فالركن الأسود يستلم ويقبَّل، واليماني يستلم ولا يقبل، والآخران لا يستلمان ولا يقبلان، والاستلام هو مسحه باليد، وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم
стр. 280
وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين كحجرة نبينا محمد ﷺ ومغارة إبراهيم ومقام نبينا محمد ﷺ الذي كان يصلي فيه وغير ذلك من مقامات الأنبياء والصالحين وصخرة بيت المقدس لا يستلم ولا يقبل باتفاق الأمة، وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه ديناً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل انتهى كلامه ﵀، فأول ركن يمر به الطائف يسمى الشامي والعراقي وهو جهة الشام ثم يليه الركن الغربي والشامي وهو جهة المغرب ثم اليماني جهة اليمن، فإذا أتى على الركن اليماني استلمه ولم يقبله ولا يده خلافاً للخرقي حيث قال بتقبيل الركن اليماني، وحديث مجاهد عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا استلم الركن اليماني استلمه ووضع خده الأيمن عليه فقال ابن عب البر: هذا لا يصح وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وتقدم كلام ابن القيم في أن الركن اليماني يسمى به الحجر الأسود، ولا يستلم ولا يقبل الركنين الأخيرين الشامي والغربي لقول ابن عمر (لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين) . متفق عليه، وقال ابن عبد البر: ما أراه يعني النبي ﷺ لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم من جهتهما على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك، وتقدم شيء من ذلك في كلام شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى، وطاف معاوية فجعل يستلم الأركان كلها فقال ابن عباس لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن النبي ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجوراً، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فقال معاوية صدقت.
ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول منها ماشٍ لما تقدم من حديث جابر وكذلك رواه ابن عمر
стр. 281
وابن عباس متفق عليهما، وقال ابن عباس (رمل النبي ﷺ في عُمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده) رواه أحمد، وإن كان أصل الرمل لإظهار الجلد للمشركين فبقى الحكم بعد زوال علته، وفي البخاري (أن عمر قال بعد استلامه الحجر الأسود: ما لنا والرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه) انتهى، وقوله: رأينا بوزن فاعلنا بالهمز من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء لا نعجز عن مقاومتهم ولا نضعف عن محاربتهم، وجعله ابن مالك من الرياء الذي هو إظهار المرائي خلاف ما هو عليه فقال: معناه أظهرنا لهم القوة ونحن ضعفاء، وقوله وقد أهلكهم الله أي فلا حاجة لنا اليوم إلى ذلك فهمَّ ﵁ بترك الرمل لفقد سببه، ثم قال ﵁ بعد أن رجع عما همّ به: هو شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه: أي لعدم اطلاعنا على حكمته وقصور عقولنا عن إدراك حقيقته، وقد يكون فعله سبباً باعثاً على تذكر نعمة الله تعالى على إعزازه الإسلام وأهله والله أعلم.
قال الموفق في المغني: فإن قيل إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم إن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا: قد رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنه سنة ثابتة انتهى.
ولا يسن رمل ولا اضطباع لراكب وحامل معذور ونساء ومحرم من مكة أو من قربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع الرمل، وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد، ومن لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع. قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة إلى أن قال وليس على أهل مكة رمل وهذا قول ابن عباس
стр. 282
وابن عمر ﵃، وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل لأن الرمل إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد، والحكم فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة لما ذكرنا عن ابن عمر ولأنه أحرم من مكة أشبه أهل البلد وليس عليهم اضطباع لأن من لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع كالنساء والمتمع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد وقلنا يشرع له طواف القدوم لا يرمل فيه. قلت: الصحيح أنه لا يشرع له طواف القدوم والله أعلم، قال أحمد ﵀: ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة انتهى كلام صاحب الشرح ومثله في المغني.
ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير طواف القدوم للمفرد والقارن، وطواف العمر للأفاقي سواء كان متمتعاً بأن كانت العمرة في أشهر الحج أولا؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما اضطبعوا ورملوا في طواف القدوم والعمرة فقط، ولا يقضي الطائف الاضطباع والرمل ولا يقضي بعضه إذا فاته في طواف غيره خلافاً للقاضي أبي يعلى. قال في مختار الصحاح: الرمل بفتحتين الهرولة، ورمل بين الصفا والمروة يرمل بالضم رملا ورملانا بفتح الراء والميم فيهما انتهى.
قال الزركشي: وفسره الأصحاب بإسراع المشي مع تقارب الخطا من غير وثب، والرمل أولى من الدنو من البيت بدون رمل لعدم تمكنه منه مع القرب للزحام لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها، وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً مع البعد عن البيت لقوة الزحام أو كان إذا تأخر في حاشية الطائفين للرمل يختلط بالنساء فالدنو من البيت مع ترك الرمل أولى من البعد لخلوه عن المعارض، ويطوف مع الزحام كيفما أمكنه بحيث لا يؤذي أحداً فإذا وجد فرجة رمل فيها ما دام في الثلاثة
стр. 283
الأول لبقاء محله، ولا يسن رمل في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو طواف العمرة، فإن ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها هيئة فات موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين الأوليين ولأن المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه كتارك الجهر في الركعتين الأوليين من العشاء إذا جهر في الأخيرتين.
وذكر القاضي أبو يعلى أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة لأنها سنة أمكن قضاؤها فتقضي كسنن وهذا لا يصح كما ذكرنا فيمن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر لا يقضيه في الأربعة وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر لا يقضيه في صلاة السر، ولا يقتضي القياس أن تقتضي هيئة عبادة في عبادة أخرى؛ وتأخير الطواف حتى يزول الزحام لأجل الرمل والدنو من البيت أو لأحدهما أولى من تقديمه مع فواتهما أو فوات أحدهما ليأتي بالطواف على الوجه الأكمل، ويمشي في الأربعة الأشواط الباقية من الطواف بلا رمل للأخبار المتفق عليها التي تقدمت الإشارة إليها ويكون الرمل من الحجر إلى الحجر، وإن ترك الرمل في شيء من الثلاثة أتى به فيما بقى منها لأن تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأوليين من صلاة جهرية لا يسقطه في الثانية، وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما استحبابا لما روى ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه) قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود ولكن لا يقبِّل إلا الحجر الأسود وإن شق استلامهما للزحام أشار إليهما، ويقول كلما حاذى الحجر الأسود: الله أكبر فقط من غير تهليل لحديث البخاري عن ابن عباس قال: (طاف
стр. 284
النبي ﷺ على بعير كملا أتى الركن أشار بيده وكبر) هذا الصحيح من المذهب. وقال في الشرح الكبير: وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: لا إله إلا الله والله أكبر إلى أن قال ويكبر كلما حاذى الحجر الأسود لما رويناه ويقول: لا إله إلا الله والله أكبر.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله . رواه الأثرم وابن المنذر انتهى.
قال في المنتهى وشرحه وكلما حاذى طائف الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما ندبا، قال الشيخ عبد الله أبو بطين: ظاهره من غير تقبيل وهو المذهب انتهى، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه بعد كلام سبق: فظاهر هذا أن تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه مسنون في ابتداء كل أسبوع لا في كل طوفه، وإنما المسنون في كل طوفة استلامه هو واليماني باليد، فإن شق استلمه بشيء انتهى، وقال النووي: ويستحب استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد لأنها أفضل انتهى، وتقدم في كلام ابن القيم أنه ﷺ كلما حاذى الحجر الأسود استلمه بمحجنه وقبَّل المحجن، فظاهره سنية تقبيل الحجر في كل طوفة كلما حاذاه؛ لأنه إذا كان ﷺ كلما حاذى الحجر استلمه بمحجنه وقبَّل المحجن فإن تقبيل الحجر نفسه كلما حاذاه الطائف من باب أولى والله أعلم.
(تنبيه) : وردت الأحاديث والآثار بسنية استلام الحجر الأسود والركن اليماني، وأما الإشارة إليهما من غير استلام فوردت أيضاً في الحجر الأسود دون اليماني، وعبارة الأصحاب صريحة في استحباب الإشارة إليهما كلما حاذاهما
стр. 285
لكن لم أطلع على دليل يقضي باستحباب الإشارة إلى الركن اليماني والله أعلم.
وقد ذكر في الشرح الكبير والإقناع وغيرهما أن من سنن الطواف استلام الحجر وتقبيله أو ما يقوم مقامه من الإشارة عند تعذر الاستلام، وأن من سننه استلام الركن اليماني فقط ولم يذكروا الإشارة إليه عند تعذر استلامه، وهذا هو الأسعد بالدليل والله أعلم. وتستحب القراءة في الطواف نص عليه لا الجهر بها فيه، ويكره الجهر بالقراءة فيه إن أغلط المصلين أو الطائفين، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعو بما يشرع، وإن قرأ القرآن فلا بأس، وليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له، لكن كان النبي ﷺ يختم طوافه بين الركنين بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسن وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة انتهى، وروى أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب (أنه سمع النبي ﷺ يقول بين الركن الذي به الحجر الأسود والركن اليماني: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ورواه أبو داود وقال بين الركنين، وأخرجه أيضاً النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وعن أبي هريرة مرفوعاً قال: (وكل به، ويعني الركن اليماني سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين) رواه ابن ماجة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، وفي إسناده أيضاً هشام بن عمار وهو ثقة تغير بأخرةٍ، والحديث قد ذكره
следующие страницы →