Полный текст (572 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وابن عباس متفق عليهما، وقال ابن عباس (رمل النبي ﷺ في عُمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده) رواه أحمد، وإن كان أصل الرمل لإظهار الجلد للمشركين فبقى الحكم بعد زوال علته، وفي البخاري (أن عمر قال بعد استلامه الحجر الأسود: ما لنا والرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه) انتهى، وقوله: رأينا بوزن فاعلنا بالهمز من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء لا نعجز عن مقاومتهم ولا نضعف عن محاربتهم، وجعله ابن مالك من الرياء الذي هو إظهار المرائي خلاف ما هو عليه فقال: معناه أظهرنا لهم القوة ونحن ضعفاء، وقوله وقد أهلكهم الله أي فلا حاجة لنا اليوم إلى ذلك فهمَّ ﵁ بترك الرمل لفقد سببه، ثم قال ﵁ بعد أن رجع عما همّ به: هو شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه: أي لعدم اطلاعنا على حكمته وقصور عقولنا عن إدراك حقيقته، وقد يكون فعله سبباً باعثاً على تذكر نعمة الله تعالى على إعزازه الإسلام وأهله والله أعلم.
قال الموفق في المغني: فإن قيل إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم إن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا: قد رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنه سنة ثابتة انتهى.
ولا يسن رمل ولا اضطباع لراكب وحامل معذور ونساء ومحرم من مكة أو من قربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع الرمل، وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد، ومن لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع. قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة إلى أن قال وليس على أهل مكة رمل وهذا قول ابن عباس
стр. 282
وابن عمر ﵃، وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل لأن الرمل إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد، والحكم فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة لما ذكرنا عن ابن عمر ولأنه أحرم من مكة أشبه أهل البلد وليس عليهم اضطباع لأن من لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع كالنساء والمتمع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد وقلنا يشرع له طواف القدوم لا يرمل فيه. قلت: الصحيح أنه لا يشرع له طواف القدوم والله أعلم، قال أحمد ﵀: ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة انتهى كلام صاحب الشرح ومثله في المغني.
ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير طواف القدوم للمفرد والقارن، وطواف العمر للأفاقي سواء كان متمتعاً بأن كانت العمرة في أشهر الحج أولا؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما اضطبعوا ورملوا في طواف القدوم والعمرة فقط، ولا يقضي الطائف الاضطباع والرمل ولا يقضي بعضه إذا فاته في طواف غيره خلافاً للقاضي أبي يعلى. قال في مختار الصحاح: الرمل بفتحتين الهرولة، ورمل بين الصفا والمروة يرمل بالضم رملا ورملانا بفتح الراء والميم فيهما انتهى.
قال الزركشي: وفسره الأصحاب بإسراع المشي مع تقارب الخطا من غير وثب، والرمل أولى من الدنو من البيت بدون رمل لعدم تمكنه منه مع القرب للزحام لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها، وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً مع البعد عن البيت لقوة الزحام أو كان إذا تأخر في حاشية الطائفين للرمل يختلط بالنساء فالدنو من البيت مع ترك الرمل أولى من البعد لخلوه عن المعارض، ويطوف مع الزحام كيفما أمكنه بحيث لا يؤذي أحداً فإذا وجد فرجة رمل فيها ما دام في الثلاثة
стр. 283
الأول لبقاء محله، ولا يسن رمل في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو طواف العمرة، فإن ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها هيئة فات موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين الأوليين ولأن المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه كتارك الجهر في الركعتين الأوليين من العشاء إذا جهر في الأخيرتين.
وذكر القاضي أبو يعلى أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة لأنها سنة أمكن قضاؤها فتقضي كسنن وهذا لا يصح كما ذكرنا فيمن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر لا يقضيه في الأربعة وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر لا يقضيه في صلاة السر، ولا يقتضي القياس أن تقتضي هيئة عبادة في عبادة أخرى؛ وتأخير الطواف حتى يزول الزحام لأجل الرمل والدنو من البيت أو لأحدهما أولى من تقديمه مع فواتهما أو فوات أحدهما ليأتي بالطواف على الوجه الأكمل، ويمشي في الأربعة الأشواط الباقية من الطواف بلا رمل للأخبار المتفق عليها التي تقدمت الإشارة إليها ويكون الرمل من الحجر إلى الحجر، وإن ترك الرمل في شيء من الثلاثة أتى به فيما بقى منها لأن تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأوليين من صلاة جهرية لا يسقطه في الثانية، وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما استحبابا لما روى ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه) قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود ولكن لا يقبِّل إلا الحجر الأسود وإن شق استلامهما للزحام أشار إليهما، ويقول كلما حاذى الحجر الأسود: الله أكبر فقط من غير تهليل لحديث البخاري عن ابن عباس قال: (طاف
стр. 284
النبي ﷺ على بعير كملا أتى الركن أشار بيده وكبر) هذا الصحيح من المذهب. وقال في الشرح الكبير: وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: لا إله إلا الله والله أكبر إلى أن قال ويكبر كلما حاذى الحجر الأسود لما رويناه ويقول: لا إله إلا الله والله أكبر.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله . رواه الأثرم وابن المنذر انتهى.
قال في المنتهى وشرحه وكلما حاذى طائف الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما ندبا، قال الشيخ عبد الله أبو بطين: ظاهره من غير تقبيل وهو المذهب انتهى، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه بعد كلام سبق: فظاهر هذا أن تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه مسنون في ابتداء كل أسبوع لا في كل طوفه، وإنما المسنون في كل طوفة استلامه هو واليماني باليد، فإن شق استلمه بشيء انتهى، وقال النووي: ويستحب استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد لأنها أفضل انتهى، وتقدم في كلام ابن القيم أنه ﷺ كلما حاذى الحجر الأسود استلمه بمحجنه وقبَّل المحجن، فظاهره سنية تقبيل الحجر في كل طوفة كلما حاذاه؛ لأنه إذا كان ﷺ كلما حاذى الحجر استلمه بمحجنه وقبَّل المحجن فإن تقبيل الحجر نفسه كلما حاذاه الطائف من باب أولى والله أعلم.
(تنبيه) : وردت الأحاديث والآثار بسنية استلام الحجر الأسود والركن اليماني، وأما الإشارة إليهما من غير استلام فوردت أيضاً في الحجر الأسود دون اليماني، وعبارة الأصحاب صريحة في استحباب الإشارة إليهما كلما حاذاهما
стр. 285
لكن لم أطلع على دليل يقضي باستحباب الإشارة إلى الركن اليماني والله أعلم.
وقد ذكر في الشرح الكبير والإقناع وغيرهما أن من سنن الطواف استلام الحجر وتقبيله أو ما يقوم مقامه من الإشارة عند تعذر الاستلام، وأن من سننه استلام الركن اليماني فقط ولم يذكروا الإشارة إليه عند تعذر استلامه، وهذا هو الأسعد بالدليل والله أعلم. وتستحب القراءة في الطواف نص عليه لا الجهر بها فيه، ويكره الجهر بالقراءة فيه إن أغلط المصلين أو الطائفين، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعو بما يشرع، وإن قرأ القرآن فلا بأس، وليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له، لكن كان النبي ﷺ يختم طوافه بين الركنين بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسن وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة انتهى، وروى أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب (أنه سمع النبي ﷺ يقول بين الركن الذي به الحجر الأسود والركن اليماني: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ورواه أبو داود وقال بين الركنين، وأخرجه أيضاً النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وعن أبي هريرة مرفوعاً قال: (وكل به، ويعني الركن اليماني سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين) رواه ابن ماجة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، وفي إسناده أيضاً هشام بن عمار وهو ثقة تغير بأخرةٍ، والحديث قد ذكره
стр. 286
الحافظ بن حجر في التلخيص وقال إسناده ضعيف.
(فائدة) قال في المطلع: في حسنة الدنيا سبعة أقوال: أحدها أنها المرأة الصالحة، قاله علي ﵁، والثاني أنها العبادة وهو مروى عن الحسن ﵀، والثالث أنها العلم والعبادة وروى عن الحسن أيضاً، والرابع أنها المال قاله أبو وائل وغيره، والخامس أنها العافية قاله قتادة، والسادس أنها الرزق الواسع قاله مقاتل، والسابع أنها النعمة. وفي حسن الآخرة ثلاثة أقوال: أحدها أنها الحور العين قاله علي ﵁، والثاني أنها الجنة قاله الحسن وغيره، والثالث أنها العفو والمعافاة انتهى كلام صاحب المطلع.
قلت: والأقرب أن المراد كل ذلك، وأعم منه مما ينشأ منه خير دنيوي أو أخروي، هذا في حسنة الدنيا، والمراد بحسنة الآخرة جميع ذلك وأفضل منه النظر إلى وجه الله تعالى وزيارته جل وعلا يوم المزيد، رزقنا الله ذلك ولا حرمنا منه بمنه وكرمه وجوده وإحسانه فإنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. ويكثر في بقية طوافه من الذكر والدعاء، ومنه: اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً أي عملاً متقبلا يزكو لصاحبه ثوابه، ومساعي الرجل أعماله الصالحة واحدها مسعاة، قال الحجاوي في حاشية الإقناع وذنبا مغفوراً، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، قال الشيخ عبد الغني اللبدي الحنبلي في منسكه: الظاهر أن محل قوله: واجعله حجاً مبروراً إذا كان الطواف في الحج وكذا في طواف عمرة لأنها تسمى حجاً أصغر، وأما غير ذلك فلا والله أعلم انتهى، قال الشيخ زكريا الأنصاري في المنهج. قال الأسنوي: والمناسب للمعتمر أن يقول: عمرة مبرورة ويحتمل الأطلاق مراعاة للحديث ويقصد المعنى اللغوي وهو القصد انتهى، قال ابن حجر وظاهر كلامهم أن المعتمر يعبر بالحج أيضاً وهو ظاهر مراعاة للخبر ولأنها تسمى حجاً لغة بل
стр. 287
قال الصيدلاني إنها تسمى حجاً شرعاً لقوله ﷺ (العمرة هي الحج الأصغر) انتهى. ويدعو في طوافه بما أحب ويصلى على النبي ﷺ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى، وإن شاء قال: اللهم إن هذا البيت بيتك الحرم حرمك والأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار. قال ابن الصلاح: قوله وهذا مقام العائذ بك من النار كلام يقوله المستعيذ ويعني بالعائذ نفسه وهو كما يقال هذا مقام الذليل وليس كما توهمه بعض مصنفي المناسك المشهورة من أنه إشارة إلى مقام إبراهيم ﵇ وهذا غلط فاحش وقع إلى بعض عوام مكة رأيت منهم من يطوف الغرباء ويشير إلى مقام إبراهيم عند انتهائه إلى هذه الكلمة من دعائه انتهى.
قال ابن حجر الهيتمي: ونقل الرافعي عن أبي حامد أنه يشير عند قوله وهذا مقام العائذ بك من النار إلى مقام إبراهيم ﵇ وأقره، لكن نقل الأذرعي عن غيره أنه يشير إلى نفسه واستحسنه، بل قال ابن الصلاح إن الأول غلط فاحش انتهى. وفيه نظر لأنه إذا استحضر استعاذة خليل الله تعالى حمله ذلك على غاية من الخوف والإجلال والسكينة والوقار وذلك هو المطلوب في هذا المحل فكان أبلغ وأولى، وأيضاً فتخصيص هذا الدعاء بمقابلة المقام يدل على أنه يشير إليه انتهى كلام الهيتمي. قلت: الصحيح ما قاله ابن الصلاح، وما استحسنه الأذرعي، ففيما قاله ابن حجر الهيتمي وما نقله الرافعي عن أبي حامد نظر ظاهر، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ولا عن سائر الصحابة أجمعين ولا عن التابعين ولا عن أحد من العلماء المعتبرين الإشارة إلى شيء حين الطواف بالبيت سوى الحجر الأسود وعند بعض الفقهاء والركن اليماني، فالإشارة في الطواف إلى مقام إبراهيم ليس مشروعاً بل هو فعل مبتدع والله أعلم.
стр. 288
(تنبيه) : إذا حصل على الطائفين زحام من جهة مقام إبراهيم فإنه يسوغ تأخيره بقدر إزالة الضرر لأن المقام ليس هو البقعة التي هو بها الآن وإنما هو نفس الحجر والله أعلم.
(تنبيه آخر) : لقد وضع الملك فيصل بن عبد العزيز يرحمه الله بعد عصر يوم السبت ثامن عشر رجب سنة ١٣٨٧ هـ، المقام بداخل زجاج محاط بشباك صغير طلباً للتوسعة على الطائفين وذلك بعدما أزيلت الأعمدة والشباك الكبير وسقفهما الذي على المقام فجزاه الله أحسن الجزاء والحمد لله رب العالمين.
ويقول إن شاء عند الركن العراقي: اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد، اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك واسقني من حوض نبيك محمد ﷺ شراباً هنيئاً لا أظمأ بعده يا ذا الجلال والإكرام، وإن شاء بين الشامي أي الغربي واليماني: اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وعملاً مقبولاً وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور، وعند الفراغ من ركعتي الطواف يقول إن شاء: اللهم هذا بلدك الحرام ومسجدك الحرام وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم اللهم إنك دعوت عبادك إلى حج بيتك الحرام وقد جئت إليك طالباً بذلك رحمتك مبتغياً مرضاتك وأنت مننت بذلك علي فاغفر لي وارحمني إنك على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب إلى غير ذلك من الدعاء المشروع، ويدع الحديث في الطواف إلا الذكر والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما لا بد منه كالسلام ورده لأن الطواف بالبيت كالصلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير، قال
стр. 289
الشيخ سليمان ابن علي في منسكه: وحكم الطواف حكم الصلاة إلا أن الكلام أبيح فيه والأكل والشرب ولو كثيراً انتهى، قلت أما الأكل والشرب كثيراً في الطواف ففي النفس منه شيء وهو ينافي المروءة فلا ينبغي القول به والله أعلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقوله الطواف بالبيت صلاة لم يثبت عن النبي ﷺ ولكن هو ثابت عن ابن عباس وقد روى مرفوعاً انتهى.
ومن طاف أو سعى راكباً أو محمولاً لغير عذر لم يجزئه الطواف ولا السعي لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً كالصلاة هذا هو الصحيح من المذهب ومشى عليه في المنتهى والإقناع وغيرهما من كتب المتأخرين من الحنابلة، وإن طاف أو سعى راكباً أو محمولاً لعذر أجزأه لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) وعن أم سلمة قالت: (شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) متفق عليهما، وكان طوافه ﷺ راكباً لعذر كما يشير إليه قول ابن عباس: (كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد؟ هذا محمد؟ حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي ﷺ لا تضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب) رواه مسلم، قال في المغني والشرح فعلى هذا تكون كثرة الناس وشدة الزحام عذراً ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قصد تعليم الناس مناسكهم فلا يتمكن منه إلا بالركوب انتهى، قال في المقنع: (مسألة) ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه. وعنه لا يجزئه إلا لعذر ولا يجزئ عن الحامل، قال في الشرح: يصح طوف الراكب للعذر بغير خلاف علمناه، فإن فعل ذلك لغير عذر فعن أحمد فيه ثلاث روايات: إحداهن لا يجزئه وهو ظاهر كلام الخرقي
стр. 290
لأن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة) فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر كالصلاة، والثانية يجزئه ويجبره بدم، والثالثة يجزئه ولا شيء عليه اختارها أبو بكر وهو مذهب الشافعي وابن المنذر. فأما السعي محمولاً وراكباً فيجزئه لعذر ولغير عذر لأن المعنى الذي منع الطواف راكباً غير موجود فيه انتهى كلام الشارح ملخصاً.
واختار الموفق في المغني أنه يجزئ السعي راكباً ولو لغير عذر، وممن اختار رواية الإجزاء في الطواف راكباً ولو لغير عذر ابن حامد والمجد وغيرهما وقد عد في الشرح الكبير الطواف ماشياً من سنن الطواف والصحيح من المذهب ما تقدم، وعدم إجزاء طواف الراكب من غير عذر من مفردات المذهب، قال الشيخ عبد الغني اللبدي في منسكه وهل يجزئ أن يطوف حبواً أو زحفاً لغير عذر؟ لم أر من نبه عليه ومثله لو كان منحنياً كالراكع، ولو قيل بعدم صحته حينئذ لكان له وجه والله أعلم انتهى.
قلت: والصحيح من المذهب أنه يشترط لصحة الطواف المشي مع القدرة عليه والله أعلم، فعلى المذهب إذا طاف أو سعى محمولاً لعذر وقع الطواف أو السعي عن المحمول إن نويا: أي الحامل والمحمول عنه أو نوى كل منهما عن نفسه لأن المقصود هنا الفعل وهو واحد فلا يقع عن شخصين ووقوعه عن المحمول أولى لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه ولأن الطواف عبادة أدى بها الحامل فرض غيره فلم تقع عن فرضه كالصلاة، وصحة أخذ الحامل عن المحول الأجرة تدل على أنه قصده به لأنه لا يصح أخذه عن شيء يفعله لنفسه ذكره القاضي أبو يعلى وغيره، وإن نوى الحامل والمحمول الطواف عن الحامل وقع الطواف عن الحامل لخلوص كل منهما بالنية للحامل وإن نوى أحدهما الطواف عن نفسه والآخر لم ينو الطواف وقع لمن نوى منهما حاملاً أو
стр. 291
محمولاً لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وإن عدمت النية منهما أو نوى كل منهما عن الآخر لم يصح الطواف لواحد منهما لخلو طواف كل منهما عن نية منه، قال في الشرح الكبير بعد كلام سبق: الثالث أن يقصد كل واحد عن نفسه فيقع للمحمول دون الحامل وهذا أحد قولي الشافعي، والقول الآخر يقع للحامل لأنه الفاعل، وقال أبو حنيفة: يقع لهما لأن كل واحد منهما طائف بنية صحيحة فأجزأ الطواف عنه كما لو لم ينو صاحبه شيئاً، قال شيخنا وهو قول حسن، ووجه الأول أنه طواف أجزأ عن المحمول فلم يقع عن الحامل ولأنه طواف واحد فلم يقع عن شخصين كالراكب وتمامه في الشرح، قال في الإنصاف عما إذا نوى كل منهما عن نفس والنفس تميل إلى ذلك أي إلى وقوعه عن الحامل لأنه هو الطائف وقد نواه لنفسه: وقال أبو حفص العكبري لا يجزئ عن واحد منهما. قلت: والمذهب هو ما تقدم من وقوعه عن المحمول. والله أعلم.
وإن حمله بعرفات لعذر أو لا أجزأ الوقوف عنهما لأن المقصود الحصول بعرفة وهو موجود، وإن طاف منكسا بأن جعل البيت عن يمينه لم يجزئه لقوله ﵊: (خذوا عني مناسككم) وقد جعل ﷺ البيت في طوافه على يساره؛ ويجوز في (منسكا) فتح الكاف صفة لمصدر محذوف: أي طاف طوافاً منكساً ويجوز كسرها ويكون حالاً: أي طاف منكساً طوافه والله أعلم، وإن طاف القهقهرى بأن مشى إلى جهة قفاه وجعل البيت عن يمينه لم يجزئه أو طاف على جدار الحجر بكسر الحاء المهملة لم يجزئه لقوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) والحجر منه لقوله ﷺ في حديث عائشة (هو من البيت) رواه مسلم. فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه لأن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 292
طاف من وراء الحجر، وقد قال ﵊: (لتأخذوا عني مناسككم) قال النووي: ولو سلم أن بعض الحجر ليس من البيت لا يلزمه منه أنه لا يجب الطواف خارج جميعه لأن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي ﷺ فيجب الطواف بجميعه سواء كان من البيت أم لا والله تعالى أعلم انتهى، أو طاف على شاذروان الكعبة لم يجزئه لأن الشاذروان من الكعبة، قال في المطلع: الشاذروان بفتح الشين والذال المعجمتين وسكون الراء: القدر الذي ترك خارجاً عن الجدار مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعاً، وهو جزء من الكعبة نقصته قريش وهو ظاهر في جوانب البيت إلا عند الحجر الأسود وهو في هذا الزمان قد صفح فصار يعسر الدوس عليه فجزى الله فاعل الخير خيراً انتهى كلام المطلع. قلت: وفي هذا الزمن قد بقى الموضع الذي جهة باب الكعبة والملتزم لم يصفح مراعاة لتسهيل الالتزام فيما يظهر لي والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولو وضع يده على الشاذروان الذي يربط فيه أستار الكعبة لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء وليس الشاذروان من البيت بل جعل عماداً للبيت انتهى، وإن طاف طوافاً ناقصاً ولو نقصاً يسيراً لم يجزئه لأنه لم يطف بجميع البيت، أو لم ينو الطواف لم يجزئه لحديث (إنما الأعمال بالنيات) أو طاف خارج المسجد لم يجزئه لأنه لم يرد به الشرع ولا يحنث به من حلف لا يطوف بالكعبة، أو طاف محدثا ولو حائضا لم يجزئه لقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه) رواه الترمذي والأثر من حديث ابن عباس، وقال ﷺ لعائشة حين حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) ويلزم الناس انتظار الحائض لأجله فقط إن أمكن لتطوف طواف الإفاضة
стр. 293
ولا يلزمهم انتظارها للنفاس لطول مدته، وإن طاف نجسا ثوبه أو بدنه أو بقعته لم يجزئه كالمحدث، أو طاف شاكا في الطواف في طهارته وقد تيقن الحدث لم يجزئه استصحاباً للأصل ولا يضره شكه في طهارته بعد فراغه من الطواف لأن الظاهر صحته كشكه في الصلاة أو غيرها بعد الفراغ، قال الخرقي ويكون طاهراً في ثياب طاهرة، قال الموفق يعني في الطواف وذلك لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطاً، فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة، وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناس للطهارة لا شيء عليه وقال أبو حنيفة ليس شيء من ذلك شرطاً واختلف أصحابه فقال بعضهم هو واجب، وقال بعضهم: هو سنة لأن الطواف ركن للحج فلم يشترط له الطهارة كالوقوف، ولنا ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه) رواه الترمذي والأثرم انتهى من المغني، وقال شيخ الإسلام: وكذلك المرأة
الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضاً بحيث لا يمكنها التأخر بمكة ففي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف إذا طافت الحائض أو الجنب أو المحدث أو حامل النجاسة مطلقاً أجزأه الطواف وعليه دم إما شاة وإما بدنه مع الحيض والجنابة وشاة مع الحدث الأصغر، إلى أن قال فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضاً لم تطف بالبيت لكن تقف بعرفة وتفعل سائر المناسك مع الحيض إلا الطواف فإنها تنتظر حتى تطهر إن أمكنها ذلك ثم تطوف، وإن اضطرت إلى الطواف فطافت أجزأها ذلك على الصحيح من قولي العلماء، وقال ﵀ أيضاً: وأما الذي
стр. 294
لا أعلم فيه نزاعاً أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعاً أن ذلك يحرم عليها وتأثم به، وتنازعوا في أجزائه؛ فمذهب أبي حنيفة يجزئها ذلك وهو قول في مذهب أحمد إلى أن قال: وأما القول بأن هذه العاجزة عن الطواف مع الطهر ترجع محرمة أو تكون كالمحصر أو يسقط عنها الحج أو يسقط عنها طواف الفرض فهذه أقوال كلها مخالفة لأصول الشرع مع أني لم أعلم إماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه الصورة وإنما كلام من قال عليها دم أو ترجع محرمة ونحو ذلك من السلف والأئمة كلام مطلق يتناول من كان يفعل ذلك في عهدهم وكان زمنهم يمكنها تحتبس حتى تطهر وتطوف وكانوا يأمرون الأمراء أن يحتبسوا حتى تطهر الحيض ويطفن، ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري لها أن يحتبس معها حتى تطهر وتطوف انتهى ملخصاً من نحو عشر ورقات.
وقال أبو عبد الله محمد بن القيم ﵀: المثال السادس أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر وقال: (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوف بالبيت) فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك وتمسك بظاهر النص ورأى منافاة الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام إذ نهى الحائض عن الجميع سواء ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة، ونازعهم في ذلك فريقان. أحدهما صححوا الطواف مع الحيض ولم يجعلوا الحيض مانعاً من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بالدم ويصح الطواف بدونها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصهما عنه، وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها
стр. 295
بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط بل جعلوها واجبة من واجباته وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم. والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة أو واجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز، قالوا وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظم من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى، قالوا وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: (أحابستنا هي؟ قالوا إنها قد أفاضت، قال فلتنفر إذاً) وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها.
فأما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من ثمانية أقسام: أحدها أن يقال لها أقيمي بمكة وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمقام وحدها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه.
الثاني: أن يقال يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه.
الثالث: أن يقال إذا علمت أو خشيت مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته.
الرابع: أن يقال إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة وينقطع حيضها بالكلية.
الخامس: أن يقال بل تحج فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج حتى تعود إلى البيت وتطوف وهي طاهرة ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي ولا تزال كذلك كل عام حتى يصادفها عام
стр. 296
تطهر فيه.
السادس: أن يقال بل تتحلل إذا عجزت عن المقام حتى تطهر، كما يتحلل المحصر مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها، ثم إذا أصابها ذلك أيضاً تحللت وهكذا أبدا حتى يمكنها الطواف طاهرا.
السابع: أن يقال يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها كالمعضوب وقد أجزأ عنها الحج، وإن انقطع حيضها بعد ذلك.
الثامن: أن يقال بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، كما يسقط عنها طواف الوداع بالنص، وكما يسقط عنها فرض السترة إذا شلحتها العبيد أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجزت عنها لعدم الماء أو مرض بها وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف إذا عرض فيه نجاسة يتعذر إزالتها، وكما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلي، وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه إلى بدله وهو الإطعام ونظائر ذلك من الواجبات، والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بلد أو مطلقاً، فهذه ثمانية أقسام لا مزيد عليها، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوي هذا القسم الثامن.
ثم تكلم رحمه الله تعالى على الأقسام السبعة المتقدمة وأبطل قول من قال بها أو أحدها ورده رداً شافياً كافياً لا مزيد على حسنه، ثم قال فإذا بطلت هذه التقديرات تعين التقدير الثامن وهو أن يقال تطوف بالبيت والحالة هذه وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة بل يوافقها كما تقدم إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة، فإن قيل الطواف كالصلاة ولهذا تشترط له الطهارة من الحديث، وقد أشار إلى هذا
стр. 297
بقوله في الحديث (الطواف بالبيت صلاة) والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض فكذا شقيقها ومشبهها ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فلم تصح مع الحيض كالصلاة، فالجواب أن يقول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدل عليه نص ولا إجماع، بل فيه النزاع قديماً وحديثا، فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك أحمد في إحدى الروايتين عنه، وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنباً ناسياً صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم، وثالثة أنه لا يجزئه الطواف إلى أن قال: وقد دلت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسياً أو ذاكراً فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحق بالجواز منه فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة يؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الركن أو الشرط فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قدر عليه، فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه كما قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال النبي ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذه لا تستطيع إلا هذا وقد اتقت الله ما استطاعت فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة
والمطلق يقيد بدون هذا بكثير إلى أن قال: فإن قيل لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع فلما سقط عنها طواف القدوم والوداع علم أن طوافها مع الحيض غير ممكن قيل لا ريب أن النبي ﷺ أسقط طواف القدوم عن الحائض وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم بالحج، فعلم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد
стр. 298
أو للطواف أو لهما والمحظورات لا تباح إلا في حال الضرورة ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودع المقيم بمكة وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عده بالبيت فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في أحدهما أو استحباب كما هي أقوال وليس واحد منهما ركنا يقف صحة الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه وهذا كما يباح لها دخول المسجد واللبث فيه للضرورة ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه، وإن كان منذوراً إلى أن قال: وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين: أحدهما في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا لمنافاتها وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع ولا قول الأئمة وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق لأصول الشرع وقواعده ولقواعد الأئمة وأصولهم وبالله التوفيق انتهى ملخصاً.
وقد سقت كلام الشيخين في هذه المسألة لأني لم أر من الأصحاب من استوفى الكلام فيهما سواهما، ومن كلامهما يتضح أنهما يريان القول بصحة طواف الحائض طواف الإفاضة الذي هو ركن في الحج إذا اضطرت إلى طوافه بأن لم تتمكن من المقام بمكة حتى تطهر لسفر رفقتها عنها، وقولهما هذا وجيه وإن كان خلاف المذهب عند متأخري الأصحاب. قلت وحكم النفساء حكم الحائض في صحة طوافها للإفاضة الذي هو ركن في الحج إذا اضطرت إلى طوافه بأن لم تتمكن من المقام بمكة حتى تطهر من نفاسها لسفر رفقتها عنها والله أعلم. وإن طاف عريانا لم
стр. 299
يجزئه لحديث أبي هريرة: (إن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمر النبي ﷺ أبا بكر عليها قبل حجة الوداع يؤذن يوم النحر: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) . متفق عليه، وقوله في الحديث: إن أبا بكر بعثه، أي بعث أبا هريرة سنة تسع من الهجرة والله أعلم.
وكذا لو انكشف من العورة ما تبطل به الصلاة وكثيراً ما يقع في ذلك جهال النساء فإنه ربما انكشف من بدنها في طوافها ما تبطل به صلاتها لكون الأنثى كلها عورة في الصلاة إلا وجهها، والطواف صلاة كما تقدم، قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه احتمال عدم صحة الطواف في المغصوب وفي الحرير لغير أنثى انتهى، أو قطع الطواف بفصل طويل عرفاً ولو سهواً أو لعذر لم يجزئه لأنه ﷺ والى بين طوافه وقال: (خذوا عني مناسككم) أو أحدث في بعضه لم يجزئه لأن الطهارة شرط فيه على الصحيح من المذهب، وإذا وجد الحدث بطلت فيبطل الطواف كالصلاة فتشترط الموالاة في الطواف والسعي لا بين الطواف والسعي كما يأتي، ولو مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح طوافه اعتباراً بجملته كما لا يضر التفات المصلي بوجهه، وعلى قياسه لو مس أعلى جدار الحجر، وإن طاف في المسجد من وراء حائل من قبة وغيرها أجزأه الطواف لأنه في المسجد، قال في المنتهى وشرحه: وإن طاف على سطح المسجد توجه الإجزاء كصلاته إليها أو قصد في طوافه غريماً وقصد معه طوافاً بنية حقيقية أي مقارنة للطواف لا حكمية توجه الإجزاء في قياس قولهم ويتوجه احتمال كعاطس قصد بحمده قراءة قاله في الفروع انتهى. قال في الفروع: وفي الإجزاء عن فرض القراءة وجهان انتهى. قلت: المرجح عدم الإجزاء، إذا قصد حمد العطاس والقراءة والله أعلم، قال الشيخ منصور البهوتي: والنية الحكمية أن ينويه قبل ويستمر حكمها وهو معنى
стр. 300
استصحاب حكمها ذكره ابن قندس انتهى.
قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي قوله بنية حقيقية لا حكمية، قال ابن قندس: النية الحقيقية أن ينوي الطواف حقيقة، والنية الحكمية أن يكون قد حصلت له نية ثم استمر حكمها ولم يقطعها، وهو معنى قولهم: ويجب استصحاب حكم النية وهو أن لا ينوي قطعها انتهى، قوله في الحكمية قد حصلت له نية، قيل معناه والله أعلم أن ينوي الطواف قبل الشروع فيه ثم يعرض له غريم في الطواف فيتبعه لملازمته له مستصحباً لحكم تلك النية أي غير قاطع لها فلا يجزئه الطواف في هذه الحالة وهذا بخلاف ما لو لم يعرض له غريم بل شرع في الطواف مستصحباً لحكم تلك النية فإنه يصح طوافه بشرط قرب الزمن بين النية والشروع.
وأما النية الحقيقية فهي ما قارنت الطواف الذي قصد معه ملازمة الغريم بأن ينوي عند الشروع فيه الطواف فإنه لا يضر مع ذلك قصد الغريم كما لو نوى الصوم وقصد معه هضم الطعام أو نوى الصلاة وإدمان السهر لكن ثوابه ينقص بذلك انتهى كلام الشيخ عثمان، وإن شك في عدد الأشواط أخذ باليقين ليخرج من العهدة بيقين، ويقبل قول عدلين في عدد الأشواط كعدد الركعات في الصلاة.
ويسن فعل سائر المناسك من السعي والوقوف والرمي وغيرها على طهارة، وإن قطع الطواف بفصل يسير بني من الحجر الأسود لعدم فوت الموالاة بذلك أو أقيمت صلاة مكتوبة صلى وبنى لحديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) والطواف صلاة فتدخل في العموم، أو حضرت جنازة صلى وبنى لأنها تفوت بالتشاغل عنها، ويكون البناء من الحجر الأسود ولو كان القطع من أثناء الشوط لأنه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه، وحكم السعي في ذلك
стр. 301
كطواف ثم بعد تمام الطواف يصلي ركعتين والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ : (حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعاً ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت) ويأتي سياق حديث جابر في أول باب صفة الحج إن شاء الله تعالى، وقراءته ﷺ الآية المذكورة بيان منه لتفسير القرآن ومراد الله منه، وحيث ركعهما من المسجد أو غيره جاز لعموم (جعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً) وصلاهما عمر بذي طوى، ولا شيء عليه لترك صلاتهما خلف المقام، وهما سنة مؤكدة يقرأ فيهما بعد الفاتحة في الأولى: (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) لحديث جابر (فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، ثم عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى الصفا) .
رواه مسلم، ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة ويمر بين يديه الطائفون من الرجال والنساء، فإن النبي ﷺ صلاهما والطواف بين يديه ليس بينهما شيء، وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه فتمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى ترفع رجلها ثم يسجد، وكذا سائر الصلوات بمكة لا يعتبر لها سترة، قاله في المغني والشرح، وتكفي عن ركعتي الطواف مكتوبة وسنة راتبة كركعتي الإحرام وتحية المسجد، ويسن الإكثار من الطواف كل وقت؛ ونص الإمام أحمد أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، قال شيخ الإسلام: جنس القراءة أفضل من الطواف انتهى. وله جمع أٍسابيع من الطواف، فإذا فرغ منها ركع لكل أسبوع ركعتين لفعل عائشة والمسور بن مخرمة، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وإسحق، وكرهه ابن عمر والحسن والزهري ومالك وأبو حنيفة لأن النبي ﷺ لم يفعله قال
стр. 302
في المغني والشرح وشرح الإقناع والمنتهى وغيرها من كتب الأصحاب: وكون النبي ﷺ لم يفعله لا يوجب كراهته لأن النبي ﷺ لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة وذلك غير مكروه بالاتفاق، ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين، لأن عمر صلاهما بذي طوى وتقدم وأخرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة بأمر النبي ﷺ ؛ والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه، ولطائف تأخير سعيه عن طوافه بطواف أو غيره فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره أو بعد ذلك لكن تسن الموالاة بينهما.
(فائدة) قال في القرى للطبري: ما جاء في كراهة طواف المجذوم مع الناس، عن ابن أبي مليكة (أن عمر بن الخطاب رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت فقال لها يا أمة الله لا تؤذي الناس لو جلست في بيتك، ففعلت فمر بها رجل بعد ذلك فقال لها إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً) . أخرجه مالك وسعيد بن منصور بتغيير بعض اللفظ انتهى.
(فرع) : إذا فرغ المتمع من العمرة والحج ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد طوافيه للعمرة والحج وجهل الطواف الذي كان فيه على غير طهارة، هل هو طواف العمرة أو طواف الحج؟ لزمه الأحوط لتبرأ ذمته بيقين، والأحوط كونه بلا طهارة في طواف العمرة، فلم تصح عمرته لفساد طوافها، ولم يحل منها بالحلق لفساد الطواف فكأنه حلق قبل طواف عمرته، فيلزمه دم للحلق لبقاء إحرامه، وكذا لو قلم أطفاره لزمه لذلك دم لأنه كرر محظوراً من أجناس، ويكون قد دخل الحج على العمر فيصير قارناً ويجزئه طواف الإفاضة عن الحج والعمر كالقارن في ابتداء إحرامه، قال الشيخ منصور: الذي يظهر لزوم إعادة
стр. 303
الطواف لاحتمال أن يكون المتروك فيه الطهارة هو طواف الحج فلا يبرأ بيقين إلا بإعادته انتهى. وقد ذكر مثل ذلك الشيخ مرعي في الغاية فقال ويتجه ندباً إعادة طواف حج وسعيه احتياطاً انتهى.
(تنبيه) : لا يرد على ما هنا ما سبق في باب الإحرام من أنه بعد الشروع في طواف العمرة لا يصح إدخال الحج عليها إلا لمن معه هدي، لأنا نقول إدخاله الحج على العمر هنا هو قبل الشروع في طوافها لعدم اعتبار طوافه، لأنا قدرنا وقوعه بغير طهرا، هذا ما ظهر لي والله أعلم، وإذا قدرنا أن الطواف بغير طهارة هو طواف الإفاضة لزمه إعادة الطواف لوقوعه غير صحيح ويلزمه إعادة السعي على التقديرين المذكورين أي تقدير كون الطواف وقع على غير طهارة في طواف العمر أو الإفاضة لأنه وجد بعد طواف غير معتد به، لأنا قدرنا كونه وقع بغير طهارة، وإن كان وطيء المتمتع بعد حله من عمرته وقد فرضنا طوافها بلا طهارة حكمنا بأنه أدخل حجاً على عمرة فاسدة لوطئه فيها فلم تصح، ولا يصح إدخال الحج عليه ويلغو ما فعله من أفعال الحج لعدم صحة الإحرام به، ويتحلل بالطواف الذي قصده للحج من عمرته الفاسدة. وعليه دمان: دم للحق، ودم للوطء في عمرته، ودم لكل محظور وقع منه ولا يحصل له حج ولا عمرة لفساد العمرة بالوطء فيها وعدم صحة إدخال الحج عليها إذاً، وحينئذ فلا يبرأ من الواجب ويلزمه قضاؤه.
وأما التطوع فقال الشيخ مرعي في غايته لا يقضيه للشك، والاحتياط القضاء انتهى، قال في الإقناع وشرحه: ولو قدرنا الطواف بلا طهارة من الحج أي وقد وطيء بعد حله من العمرة لم يلزمه أكثر من إعادة الطواف والسعي للحج، ويحصل له الحج والعمرة لحصول الوطء زمن الإحلال انتهى. وقد سبق في باب الإحرام البحث في حكم المتمتع الذي لم يسق
стр. 304
الهدي إذا طاف لعمرته وسعي ولم يحلق أو يقصر ثم أحرم بالحج فعليك بمراجعته فإنه نفيس يعض عليه بالنواجذ، ويأتي في فصل: ثم يخرج إلى الصفا أنه إذا ترك التقصير والحلق وقد طاف وسعى لعمرته طوافاً وسعياً صحيحين عليه دم، وأنه إذا وطيء قبل التقصير والحلق فعمرته صحيحة وعليه دم فتنبه لذلك والله ولي التوفيق.
-- فصل:
ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشرة شيئاً: الإسلام، والعقل، والنية، وستر العورة، وطهارة الحدث لا لطفل دون التمييز لعدم إمكانها منه، وطهارة الخبث حتى للطفل، وتكميل السبع، وجعل البيت عن يساره، والطواف بجميع البيت بأن لا يطوف على جدار الحجر، وأن يطوف ماشيا مع القدرة على المشي، وأن يوالي بينه إلا إذا حضرت جنازة أو أقيمت صلاة، وأن لا يخرج من المسجد أعني أن يطوف بالمسجد، وأن يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بكل بدنه وتقدم ذلك كله موضحاً.
وسن الطواف عشر: استلام الحجر الأسود، وتقبيله أو ما يقوم مقامه من الإشارة عند تعذر الاستلام، واستلام الركن اليماني، والاضطباع، والرمل، والمشي في مواضعه، والدعاء، والذكر، والدنو من البيت وركعتا الطواف، وإذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد السعي سن عوده إلى الحجر فيستلمه لحديث جابر.
стр. 305
-- فصل:
ثم يخرج إلى الصفا من بابه: أي باب المسجد المعروف بباب الصفا، والصفا: طرف جبل أبي قبيس عليه درج وفوقه أزج كإيوان، وبعد العمارة الجديد صار فوقه قبة وأزيل الأزج فيرقى عليه حتى يرى البيت إن أمكنه فيستقبله لحديث أبي هريرة: (إن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو) . رواه مسلم، وفي حديث جابر: (فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة) . الحديث رواه مسلم، ويكبر ثلاثاً ويقول ثلاثاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ والأحزاب هم الذين تحزبوا على النبي ﷺ في غزوة الخندق: قريش وغطفان واليهود ويقول: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك: أي محارمك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والأولى واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن) .
هذا دعاء ابن عمر، قال الإمام أحمد يدعو به، قال نافع بعده: ويدعو دعاء كثيراً حتى إنه ليملنا ونحن شباب
стр. 306
ولا يلبي على الصفا لعدم وروده ويأتي حكم التلبية في السعي إن شاء الله تعالى ثم ينزل من الصفا فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم وهو الميل الأخضر في ركن المسجد على يساره نحو ستة أذرع فيسعى ماش بالتنوين فاعل يسعى سعياً شديداً ندباً بشرط أن لا يؤذي ولا يؤذى حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين وهما العلمان أحدهما بركن المسجد والآخر بالوضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة وهما بعد العمارة الجديدة بجداري المسعى، فيترك شدة السعي حتى يأتي المروة، وهي أنف جبل قيقعان فيرقى عليها ويستقبل القبلة ويقول عليها ما قال على الصفا لما في حديث جابر، قال ابن القيم ﵀: (ثم نزل ﷺ من الصفا إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى) هذا الذي صح عنه وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين في أول السعي وآخره، والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه هكذا، قال جابر عنه في صحيح مسلم: وظاهر هذا أنه كان ماشياً، وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ولم يطف رسول الله ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) .
قال ابن حزم: لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضاً مع سائر جسده، وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا، وهو أنه سعى ماشياً أولاً ثم أتم سعيه راكباً وقد جاء ذلك مصرحاً به، ففي صحيح مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال صدقوا وكذبوا: قال قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله
стр. 307
صلى الله عليه وسلم كثير عليه الناس يقولون: هذا محمد حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه قال فلما كثر عليه الناس ركب) والمشي أفضل. انتهى.
(تنبيه) : وجه مشروعية السعي الشديد لما روى أحمد في المسند عن حبيبة بنت أبي تجراه قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يطف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) . وحديث حبيبة هذا أخرجه الشافعي أيضاً وغيره من حديث صفية بنت شيبة عن حبيبة، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس، قال ابن حجر في الفتح: وإذا انضمت إلى الأولى قويت، قوله بنت أبي تجراه قال في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء: وهي إحدى نساء بني عبد الدار، قوله يدور به إزاره وفي لفظ آخر: وإن مئزره ليدور من شدة السعي، والضمير في قوله به يرجع إلى الركبتين أي يدور إزاره بركبتيه انتهى، وفي سنن ابن ماجة عن حبيبة بنت أبي تجراه إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: (دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى إني لأقول إني لأرى ركبتيه وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) ذكره في المغني، ولما روت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يقطع الأبطح إلا شداً) ولما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: (جاء إبراهيم عليه السلام
стр. 308
بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يؤمئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال:
نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام، حتى بلغ يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقا عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى. أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي ﷺ فذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت صهَ، تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء) وللأثر بقية تأتي إن شاء الله عند الكلام على ماء زمزم وفضله.
ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة لفعله ﵊ وقوله: (خذوا عني مناسككم) فإن لم يرقهما ألصق عقب رجليه بأسفل الصفا وألصق أصابعهما بأسفل المروة ليستوعب ما بينهما وإن كان راكباً لعذر فعل ذلك
стр. 309
بدابته وهذا كان أولاً، أما بعد العمارة الجديدة فالظاهر أنه لا يكون مستوعباً للسعي إلا إذا رقى على المحل المتسع وهو آخر درجة والله أعلم، ثم ينقلب فينزل عن المروة فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعاً، يحتسب بالذهاب سعيه والرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة لخبر جابر، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط لمخالفته قوله ﵊ (خذوا عني مناسككم) ، ولا يسن لأهل مكة الإسراع بين الصفا والمروة، قال الإمام أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة، ذكره في المغني والشرح وتقدم، وليس السعي، أعني الإسراع، بواجب ولا شيء على تاركه فإن ابن عمر قال: (إن أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير) . رواه أبو داود وابن ماجة، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى.
ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين الصفا والمروة، ومنه ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه كان إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، وقال ﷺ : (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) قال الترمذي حديث حسن صحيح، قال في الإقناع وشرحه: ولا يسن السعي بينهما أي بين الصفا والمروة إلا في حج أو عمرة فهو ركن كما يأتي فليس السعي كالطواف في أنه يسن كل وقت لعدم ورود التطوع به مفرداً انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ويشترط كونه أي السعي بعد طواف لنسك ولو مسنوناً كطواف القدوم انتهى، قال في الإقناع وشرحه: ويشترط تقدم الطواف عليه ولو كان الطواف الذي تقدم عليه مسنوناً كطواف القدوم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 310
إنما سعى بعد الطواف وقال لنا: (خذوا عني مناسككم) انتهى، وعبارة المنتهى وكونه بعد طواف ولو مسنوناً انتهى. قال الشيخ منصور في حاشية المنتهى قوله وكونه بعد طواف ولو مسنوناً: يعني إذا كان في نسك من حج أو عمرة أو قران، ولو قال ولا يصح إلا بعد طواف نسك لكان أصوب، ولا يستحب السعي مع كل طواف، ولا يصح إذا لم يكن طواف نسك كما نبه عليه الحجاوي في الحاشية انتهى، قال الخلوتي في حاشية المنتهى قوله وكونه بعد طواف: أي طواف نسك كما نبه عليه الحجاوي في حاشية التلقيح مع أنه لم يتنبه له في الإقناع فأطلق فتدبر انتهى. وقال الخلوتي أيضاً قوله ولو مسنوناً وهو طواف القدوم لأنه يصدق عليه أنه مسنون، وطواف نسك وتمامه فيه. قلت: إذا سلم الخلوتي أن طواف القدوم يصدق عليه أنه مسنون وطواف نسك سقط قوله إن الحجاوي لم يتنبه له في الإقناع لأن عبارة الإقناع هذا نصها: ويشترط تقدم الطواف عليه ولو مسنوناً كطواف القدوم. انتهى.
(تنبيه) : تقدم في الإقناع وشرحه في باب المواقيت ما نصه: وحيث لزم الإحرام من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك طاف وسعى وحلق وحل من إحرامه انتهى، فعبارة الإقناع وشرحه في باب المواقيت مناقضة لعبارته هنا التي نصها ولا يسن السعي بينهما إلا في حج أو عمرة انتهى، ومناقضة أيضاً لما في حاشيته على التنقيح وملا قاله منصور في شرح المنتهى وحاشيته عليه ولما قاله الخلوتي في حاشيته على المنتهى والذي يظهر لي أن الصواب هو ما في متن الإقناع والمنتهى هنا من صحة السعي بعد الطواف المسنون كطواف القدوم فشمل كلامهما ما إذا أحرم من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك فإنه يسن له الطواف والسعي: وقد يقال إذا أحرم من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك وطاف وسعى وحلق أو قصر فإنه يكون في حكم المعمر
стр. 311
فيصدق عليه أنه سعى بعد طواف نسك، والله أعلم.
ويستحب أن يسعى طاهراً من الحدث الأكبر والأصغر ومن النجاسة في بدنه وثوبه ساتراً لعورته، بمعنى أنه لو سعى عريانا أجزأه وإلا فكشف العورة محرم وسترها واجب مطلقاً، ويشترط للسعي النية والموالاة، وقال في المغني: فأما السعي بين الصفا والمروة فظاهر كلام أحمد أن الموالاة غير مشروطة فيه، فإنه قال في رجل كان يسعى بين الصفا والمروة فلقيه قادم يعرفه يقف يسلم عليه ويسأله، قال نعم أمر الصفا سهل إنما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس. وقال القاضي: تشترط الموالاة فيه قياساً على الطواف، وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد والأول أصح، لأنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق، وقد روى الأثرم: أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأساً أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة، ويشترط له الطهارة والستارة فاشترطت له الموالاة، بخلاف السعي انتهى كلام المغني ومثله في الشرح ومشى في المنتهى والإقناع وغيرهما على اشتراط الموالاة للسعي وهو المذهب. والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة ولا تسعى بين العلمين سعياً شديداً لقول ابن عمر: (ليس على النساء رمل بالبيت ولا بين الصفا والمروة، وقال: لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية) .
رواه الدارقطني، ولأن المطلوب منها الستر، وفي ذلك تعرّض للانكشاف، والقصد بشدة السعي إظهار الجلد وليس ذلك مطلوباً في حقها، وإن سعى على غير طهارة بأن سعى محدثاً أو نجساً كره له ذلك وأجزأه لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت أشبه الوقوف ويشترط تقدم الطواف
стр. 312
على السعي ولو كان الطواف الذي تقدم عليه مسنوناً كطواف القدوم للمفرد والقارن وتقدم، لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف وقال: (خذوا عني مناسككم) فإن سعى بعد طوافه الواجب أو المسنون ثم علم أنه طاف غير متطهر لم يجزئه السعي لبطلان الطواف الذي تقدمه فوجوده كعدمه، ولا تسن عقب السعي صلاة لعدم وروده، وإن سعى المفرد أو القارن مع طواف القدوم لم يعد السعي مع طواف الإفاضة لأنه لا يشرع تكراره، وإن لم يكن سعي مع طواف القدوم، أو كان متمتعاً سعى بعد طواف الإفاضة ليأتي بركن الحج، فإذا فرغ من السعي فإن كان متمتعاً ليس معه هدى حلق أو قصر من جميع شعره وقد حل ولو كان ملبداً رأسه فيستبيح جميع محظورات الإحرام، والأفضل هنا التقصير ليتوفر الحلق للحج، ولا يسن تأخير التحلل لحديث ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال: من كان معه هدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجة ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل) . متفق عليه. فإن ترك التقصير والحلق فعليه دم، فإن وطيء قبله فعمرته صحيحة وعليه دم، روى عن ابن عباس وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي، قال أحمد فيمن وقع على امرأته قبل تقصيرها من عمرتها تذبح شاة، قيل: عليه أو عليها؟ قال: عليها هي، وهذا محمول على أنها طاوعته، وتقدم في الثامن من محظورات الإحرام بأبسط من هذا فليراجع.
(فائدة) : ذكر الفقهاء أنه إذا دخلت عشر ذي الحجة حرم على من يضحي أو يُضحَّى عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته لحديث أم سلمة مرفوعاً (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره
стр. 313
وأظفاره) . رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ أبي داود وهو لمسلم والنسائي أيضاً (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي) وفي رواية لمسلم (ولا من بشرته) .
قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه هذا في غير متمتع حل من عمرته، انتهى، يعني فإنه يحلق أو يقصر وجوباً ولا يتناوله التحريم: ولو ضحى أو ضُحِّي عنه، لأن الحلق والتقصير نسك على الصحيح وفعل هذا النسك واجب والله أعلم، وإن كان مع المتمتع هدي أدخل الحج على العمرة، وليس له أن يحل ولا أن يحلق أو يقصر حتى يحج فيحرم بالحج بعد طوافه وسعيه لعمرته ويحل من الحج والعمرة يوم النحر نص عليه أحمد، وإن كان الذي طاف وسعى لعمرته معتمراً غير متمتع فإنه يحلق أو يقصر وقد حل ولو كان معه هدي سواء كان في أشهر الحج ولم يقصد الحج من عامه أم كان في غير أشهر الحج ولو قصده من عامه لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته وكان يحل منها، ومتى كان معه هدي نحره عند المروة كذا قال الأصحاب، لكن في هذا الزمن لا يمكنه النحر عندها وحيث نحره من الحرم جاز، وإن كان الذي طاف وسعى حاجاً مفرداً أو قارناً بقي على إحرامه حتى يتحلل يوم النحر لفعله ﵊، ومن كان متمتعاً أو معتمراً قطع التلبية إذا شرع في طواف العمرة لحديث ابن عباس يرفعه: (كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر) قال الترمذي حسن صحيح: والمراد من ذلك أن المحرم بالعمرة يقطع التلبية إذا شرع في طوافها، أما المحرم بالحج فلا يقطعها إلا إذا رمى جمرة العقبة سواء كان قارناً أم متمتعاً أم مفرداً ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم للمفرد والقارن سراً نص عليه، قال الموفق يكره الجهر بها لئلا يختلط على الطائفين وكذا السعي بعده انتهى.
стр. 314
(تنبيه) : قال في الغاية: شروط السعي تسعة: إسلام وعقل ونية معينة وموالاة ويتجه كطواف ومشي القادر وتكميل السبع واستيعاب ما بين الصفا والمروة وكونه بعد طواف صحيح ولو مسنوناً أو في غير أشهر الحج ويتجه وبدء بأوتار من الصفا وإشفاع من المروة. وسننه طهارة حدث وخبث وستر عورة وذكر ودعاء وإسراع ومشى بمواضعه ورقي وموالاة بينه وبين طواف، فإن طاف في يوم وسعى في آخر فلا بأس ولا يسن عقبه صلاة انتهى كلام الغاية.
(فائدة) : الصحيح من المذهب اشتراط المشي في السعي للقادر، وقال الموفق في المغني: فأما السعي راكباً فيجزئه لعذر ولغير عذر، لأن المعنى الذي منع الطواف راكباً غير موجود فيه ومثله في الشرح وتقدم عند الكلام على الطواف راكباً فليراجع، قال في المغني: واختلفت الرواية في السعي، فروى عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما روى عن عائشة قالت: (طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون، يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) رواه مسلم. ولأنه نسك في الحج والعمرة فكان ركنا فيهما كالطواف بالبيت، وروى عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم، روى ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ونفى الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه فإن هذا رتبة المباح وإنما تثبت سنيته بقوله: (من شعائر الله) ، وقال القاضي: هو واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري وهو أولى لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به.
وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل
стр. 315
صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة انتهى ملخصاً، والصحيح من المذهب هو الرواية الأولى أن السعي ركن ومشى عليه المتأخرون من الحنابلة قال ابن القيم ﵀، وقال ابن حزم: وطاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على بعيره يخب ثلاثاً ويمشي أربعاً، وهذا من أوهامه وغلطه ﵀ فإن أحداً لم يقل هذا قط غيره ولا رواه أحد عن النبي ﷺ البتة وهذا إنما هو في الطواف بالبيت فغلط أبو محمد ونقله إلى الطواف بين الصفا والمروة، وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ طاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاث أطواف ومشى أربعاً فركع حين قضى طوافه بالبيت وصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط وذكر باقي الحديث، قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصاً ولكنه متفق عليه هذا لفظه.
قلت: المتفق عليه السعي في بطن الوادي في الأشواط كلها، وأما الرمل في الثلاثة الأول خاصة فلم يقله ولا نقله فيما نعلم غيره، وسألت شيخنا عنه؟ فقال هذا من أغلاطه وهو لم يحج رحمه الله تعالى، وقال ابن القيم أيضاً فلما أكمل ﷺ سعيه عند المروة أمر كل من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارناً كان أو مفرداً وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب ولبس المخيط وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ولم يحل هو من أجل هديه، وهناك قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) إلى أن قال: ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي، وأما نساؤه ﷺ فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضها، وفاطمة حلت لأنها لم يكن معها هدي وعلي رضي
стр. 316
الله عنه لم يحل من أجل هديه وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي وأن يحل إن لم يكن معه هدي، وتقدم الكلام على هذا في فصل: ويسن لمن كان قارناً أو مفرداً فسخ نبتهما بالحج وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، وعلى ما ذكره ابن القيم ﵀ هنا وفيما تقدم يتضح أنه يرى وجوب فسخ القارن والمفرد حجهما إلى عمرة إذا لم يسوقا هدياً، والله أعلم.
(فائدة) : إن قيل قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي المنع من قول (لو) حيث قال ﵊ (لو تفتح عمل الشيطان) قلنا الممنوع استعمالها في التلهف على أمور الدنيا إما طلباً كقوله لو فعلت كذا حصل لي كذا، وإما هرباً كقوله لو كان كذا وكذا لما حصل علي كذا وكذا لما في ذلك من عدم التوكل، أما تمني القربات كما في هذا الحديث فلا محذور في ذلك لانتفاء المعنى المذكور والله أعلم، وقد ساق ابن القيم ﵀ الأوهام التي توهمها بعض الناس في حجته ﷺ وذكر منها وهم من قال إنه ﷺ حل بعد طوافه وسعيه، كما قال القاضي أبو يعلى وأصحابه، قال وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة في حجته انتهى.
والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم الجزء الأول من كتاب: مفيد الأنام، ويليه الجزء الثاني وأوله باب صفة الحج.
ْْْْْْْْْْْْ
стр. 317
-- باب: صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك:
نذكر في هذا الباب صفة الحج بعد حل المتمتع من عمرته، ونبدأ بذكر حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح عظيم مشتمل على جمل من مناسك الحج وفوائده، ونفائس من مهماته وقواعده، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم ورواه ابن ماجة.
قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم جميعاً عن حاتم، قال أبو بكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحباً بك يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجه ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا فقلت أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعاً فقال: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولّدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به
стр. 318
ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته.
قال جابر ﵁ لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول، ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد، قل يا أيها الكافرون) ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبل فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا
стр. 319
أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: (دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد) وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا، فقال فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهم إني أهِل بما أهل به رسولك، قال فإن معي الهدي فلا تحل قال فكان جماعة الهدي
الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منة فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والغشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضر له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا
стр. 320
الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يؤطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله
ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورِك رَحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذن وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبيره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرَّت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر
следующие страницы →