← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الله عنه لم يحل من أجل هديه وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي وأن يحل إن لم يكن معه هدي، وتقدم الكلام على هذا في فصل: ويسن لمن كان قارناً أو مفرداً فسخ نبتهما بالحج وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، وعلى ما ذكره ابن القيم ﵀ هنا وفيما تقدم يتضح أنه يرى وجوب فسخ القارن والمفرد حجهما إلى عمرة إذا لم يسوقا هدياً، والله أعلم. (فائدة) : إن قيل قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي المنع من قول (لو) حيث قال ﵊ (لو تفتح عمل الشيطان) قلنا الممنوع استعمالها في التلهف على أمور الدنيا إما طلباً كقوله لو فعلت كذا حصل لي كذا، وإما هرباً كقوله لو كان كذا وكذا لما حصل علي كذا وكذا لما في ذلك من عدم التوكل، أما تمني القربات كما في هذا الحديث فلا محذور في ذلك لانتفاء المعنى المذكور والله أعلم، وقد ساق ابن القيم ﵀ الأوهام التي توهمها بعض الناس في حجته ﷺ وذكر منها وهم من قال إنه ﷺ حل بعد طوافه وسعيه، كما قال القاضي أبو يعلى وأصحابه، قال وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة في حجته انتهى. والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تم الجزء الأول من كتاب: مفيد الأنام، ويليه الجزء الثاني وأوله باب صفة الحج. ْْْْْْْْْْْْ

стр. 317

-- باب: صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك: نذكر في هذا الباب صفة الحج بعد حل المتمتع من عمرته، ونبدأ بذكر حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح عظيم مشتمل على جمل من مناسك الحج وفوائده، ونفائس من مهماته وقواعده، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم ورواه ابن ماجة. قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم جميعاً عن حاتم، قال أبو بكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحباً بك يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجه ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا فقلت أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعاً فقال: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولّدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به

стр. 318

ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر ﵁ لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول، ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد، قل يا أيها الكافرون) ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبل فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا

стр. 319

أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: (دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد) وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا، فقال فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهم إني أهِل بما أهل به رسولك، قال فإن معي الهدي فلا تحل قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منة فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والغشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضر له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا

стр. 320

الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يؤطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورِك رَحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذن وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبيره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرَّت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر

стр. 321

حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه) . وحدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي قال: أتيت جابر بن عبد الله فسألته عن حجته رسول الله ﷺ وساق الحديث بنحو حديث حاتم بن إسماعيل، وزاد في الحديث: (وكانت العرب يدفع بهم أبو سيَّارة على حمار عري فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه ويكون منزله ثم فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل) . حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن جعفر حدثني أبي عن جابر في حديثه ذلك: أن رسول الله ﷺ قال (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف) وحدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعاً. انتهى حديث جابر بن عبد الله، قال عطاء كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف قاله في المغني.

стр. 322

ونتكلم الآن على شيء قليل من معانيه ولغته، فنقول وبالله التوفيق: قوله فسأل عن القوم، فيه أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم كما في حديث عائشة (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم) وفيه إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ كما فعل جابر بمحمد بن علي، ومنها استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما: مرحباً، ومنها ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي ووضع يديه بين ثدييه، وقوله: وأنا يومئذ غلام شام، فيه تنبيه على أن الرجل الكبير لا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه، ومنها جواز تسمية الثدي للرجل، وقوله في نساجة: هي بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم، وهو ثوب ملفق على هيئة الطيلسان، وقوله ورداؤه إلى جنبه على المشجب هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم ثم باء موحدة، وهو: اسم لأعواد توضع عليها الثياب ومتاع البيت، وقوله: ثم ركب القصواء، هي بفتح القاف وبالمد: اسم لناقة رسول الله ﷺ ، وقوله: وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال القاضي عياض: فيه إشارة إلى ما روى من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر: كما روى في ذلك عن عمر ﵁ أنه كان يزيد: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك. وعن ابن عمر ﵄: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. وعن أنس ﵁: لبيك حقاً تعبداً ورقاً، وقوله: استلم الركن، يعني الحجر الأسود، أي مسحه بيده، قوله: فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ ، إلخ، معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث

стр. 323

عن أبيه عن جابر قال: فكان أبي، يعنى محمداً يقول: إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر عن قراءة النبي ﷺ في صلاة هاتين الركعتين، وأما قوله: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ ، ليس هو شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافي الشك بل جزم برفعه إلى النبي ﷺ . قوله: هزم الأحزاب وحده، معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين، ولا بسبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق. قوله: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فيه دلالة لمذهب الجمهور وأن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من الشافعية وحكي عن ابن جرير يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة فيقع آخر السبع في الصفا. وهذا الحديث الصحيح يرد عليهم حيث جاء فيه: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، الحديث، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان والله أعلم. قوله: فوجد فاطمة، إلخ، فيه إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره، والتحريش الإغراء والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها، وأما قوله: وقصروا فإنما قصروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل، لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر والله أعلم. قوله فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، معنى أجاز جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات قوله: فأتى

стр. 324

بطن الوادي، هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون، قال النووي: وليست عرنة من أرض عرفات عند العلماء كافة إلا مالكاً فقال هي من عرفات. قوله: وجعل حبل المشاة بين يديه، روى حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروى جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض: والأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة طريقهم الذي يسلكونه، وقيل أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل، قوله: وقد شنق للقصواء الزمام إلى آخره، معنى شنق ضم وضيق، وهو بتخفيف النون، ومورك الرحل، قال الجوهري قال أبو عبيد: المورك والمورِكة يعني بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب، وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة، قوله: كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد إلخ، الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم، قوله: ولم يسبح بينهما شيئاً، معناه لم يصل بينهما نافلة، والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح، قوله: حتى أسفر جداً، قال النووي الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولا، قلت: ويحتمل أن الضمير يعود إلى النبي ﷺ والله أعلم. وقوله جداً بكسر الجيم، أي إسفاراً بليغاً، قوله: ثم سلك الطريق الوسطي، إلخ، فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وقوله: ما غَبَر، أي ما بقي، قوله ﷺ : لولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم، معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا

стр. 325

الاستقاء والله أعلم، انتهى ما أردناه من الكلام على حديث جابر. ونرجع إلى ذكر صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك، فنقول: يستحب لمتمتع حل من عمرته ولغيره من المحلين بمكة وقربها الإحرام بالحج يوم التروية لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج) ويوم التروية ثامن ذي الحجة، قال ابن رسلان: اعلم أن أيام المناسك سبعة: أولها سابع ذي الحجة وآخرها ثالث عشر. فالسابع ذكر مكي بن أبي طالب في باب عمل الحج أن اسمه يوم الزينة لأنهم كانوا يزينون محاملهم وهوادجهم للخروج، وأما يوم الثامن فاسمه يوم التروية بالتاء المثناة فوق، وسمي بذلك لترويهم فيه الماء، وسمي يوم النقلة لانتقالهم فيه من مكة إلى منى، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر بفتح القاف وتشديد الراء، لأنهم قارون فيه بمنى، والثاني عشر يوم النفر الأول بفتح النون وسكون الفاء، والثالث عشر يوم النفر الثاني انتهى؛ قال الأصحاب: وسمي الثامن يوم التروية لأنهم كانوا يتروون فيه الماء لما بعده، أو لأن إبراهيم ﵇ رأى ليلة الثامن في المنام ذبح ابنه إسماعيل فأصبح يتروى في أمر الرؤيا ويفكر أهو حلم أم من الله تعالى؟ فلما كان ليلة عرفة رأى ذلك أيضاً فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لأن تلك الأماكن لم تكن فيها إذ ذاك آبار وعيون، وأما الآن فقد كثرت جداً واستغنوا عن حمل الماء انتهى، ويسمى يوم الثاني عشر أيضاً بيوم الرؤوس كما يأتي: (فائدة) : عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إذا رأيت الماء بطريق مكة ورأيت البناء يعلو أخاشبها فخذ حذرك، وفي رواية: فإن الأمر قد أظلك انتهى، ومحل استحباب الإحرام بالحج يوم التروية لمن ذكرنا هو في حق غير

стр. 326

متمتع لم يجد هدياً وأراد الصيام فيستحب له أن يحرم بالحج من ليلة سابع ذي الحجة قبل الفجر ليصوم ثلاثة الأيام في إحرام الحج، ويكون آخر تلك الثلاثة يوم عرفة فيصوم السابع والثامن والتاسع، وإن أحرم ليلة السادس فصامه وصام السابع والثامن أجزأ لأنه أرفق به لا سيما في أيام الحر فإن الوقوف بعرفة مع الصيام يشق، قال في الفروع: والأشهر عن أحمد وعليه الأصحاب الأفضل أ، آخرها عرفة وفاقاً لأبي حنيفة، وعن أحمد يوم التروية وفاقاً لمالك والشافعي، وروى عن ابن عمر وعائشة، وفي البخاري عن ابن عباس تصوم قبل يوم عرفة وفي يوم عرفة لا جناح ولأن صومه بعرفة لا يستحب، وله تقديمها بإحرام العمرة نص عليه وهو أشهر لأن العمر سبب لوجوب صوم المتعة لأن إحرامها يتعلق به صحة التمتع فكان سبباً لوجوب الصوم كإحرام الحج انتهى ملخصاً، وتقدم ذلك في باب الفدية، قال في الإقناع وشرحه، ويستحب أن يفعل عند إحرامه من مكة أو قربها ما يفعله عند إحرامه من الميقات من غسل وتنظيف وتطيب في بدنه وتجرد ذكر من مخيط ولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين ثم بعد ذلك يطوف أسبوعاً ويصلي ركعتين انتهى. ومثله في المغني والشرح وغيرهما، قلت لم أطلع على دليل يقضي باستحباب الطواف قبل الإحرام بخلاف الصلاة قبله فإن العلماء قد ذكروا ذلك وتقدم والله أعلم. (فائدة) من أراد أن يضحي أو يُضحي عنه فإنه لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئاً إذا أراد الإحرام بالحج أو العمرة أو بهما في عشر ذي الحجة لأن الأخذ من ذلك في العشر لمريد التضحية محرَّم، أما المتمتع إذا حل من عمرته في عشر ذي الحجة فإنه يقصر أو يحلق وجوباً ولا يحرم عليه ذلك

стр. 327

ولو ضحى أو ضُحي عنه لأن الحلق والتقصير نسك على الصحيح وتقدم ويأتي في باب الأضحية إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك يحرم بالحج من المسجد الحرام والأفضل من تحت الميزاب، ذكره في المبهج والإيضاح لأبي الفرج الشيرازي ولم يذكر دليلاً على ذلك وكان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق مهلاً بالحج ولا يطوف بعد إحرامه بالحج لوداعه نصاً لعدم دخول وقته لقول ابن عباس لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا، فلو طاف وسعى بعده لم يجزه سعيه لأنه لم يسبقه طواف واجب ولا مسنون وفاقاً لمالك وخلافاً للشافعي، ويجوز إحرامه بالحج من حيث شاء من بقية الحرم ومن خارجه ولا دم عليه نصاً، وفي المغني إن أحرم من الجانب الآخر ثم سلك الحرم فلا شيء، نص عليه أحمد في رجل أحرم للحج من التنعيم فقال ليس عليه شيء وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته، ولو أحرم من الحل ولم يسلك الحرم فعليه دم لأنه لم يجمع بين الحل والحرم انتهى ومثله في الشرح، ومنع القاضي أبو يعلى وأصحابه وجوب إحرامه من مكة والحرم وهو الذي مشى عليه المتأخرون من الحنابلة وهو المذهب، قال في المنتهى وشرحه: وجاز وصح إحرامه من خارج الحرم ولا دم عليه نصاً انتهى، وقال في المنتهى وشرحه أيضاً في باب المواقيت: ويصح أن يحرم من بمكة لحج من الحل كعرفة ولا دم عليه كما لو خرج إلى الميقات الشرعي وكالعمرة انتهى، وقال في الإقناع وشرحه في باب المواقيت: ويجوز إحرامه من الحل كالعمرة أو كما لو خرج إلى الميقات الشرعي ولا دم عليه لعدم الدليل على وجوبه انتهى ملخصاً، وتقدم في باب المواقيت حكم ما إذا أراد من بمكة أو الحرم الحج مكياً كان أو غيره، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

стр. 328

فإذا كان يوم التروية أحرم فيفعل كما فعل عند الميقات إن شاء أحرم من مكة وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب، وأصحاب النبي ﷺ إنما أحرموا كما أمرهم النبي ﷺ من البطحاء، والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه وكذلك المكي يحرم من أهله كما قال النبي ﷺ (من كان منزله دون مكة فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة) . انتهى. قال ابن القيم ﵀: وكان ﷺ يصلي مدة مقامه بمكة بمنزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة يعني بالأبطح فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد، والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضُحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد ليحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى بها الظهر والعصر وبات بها وكان ليلة الجمعة انتهى. ولا يخطب يوم السابع بعد صلاة الظهر بمكة لعدم وروده ثم يخرج يوم التروية من مكة محرماً إلى منى قبل الزوال فيصلي بها الظهر مع الإمام ويبيت بمنى إلى أن يصلي مع الإمام الفجر لقول جابر: وركب رسول الله ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وإسحق وأصحاب الراي، وليس ذلك واجباً بل سُنة لأن عائشة تخلفت ليلة عرفة حتى ذهب ثلثا الليل، وإن أحرم قبل يوم التروية كان ذلك جائزاً، وقد روى عن عمر ﵁ أنه قال لأهل مكة ما لكم يقدم الناس عليكم شعثا إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج، وهذا مذهب ابن الزبير وقال الإمام مالك: من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال

стр. 329

ذي الحجة انتهى، والمستحب الإحرام يوم التروية حين التوجه إلى منى كما تقدم وبهذا قال ابن عمر وابن عباس، قال شيخ الإسلام: والسنة أن يبيت الحجيج بمنى فيصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما فعل النبي ﷺ وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء، وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة، أما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة، ويسيرون من منى إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق انتهى. قلت: طريق ضب هو الطريق المزفت الذي تسلكه السيارات في هذا الزمن فتسير معه وتكون مزدلفة على يسارك إذا كنت قاصداً عرفة ثم إذا سلكت طريق ضب المذكور. يكون مأزماً عرفة وعلماء الحرم على يسارك أيضاً، وأما الطريق الآخر فهو على جهة اليسار من مزدلفة فإذا سلكته صار المشعر الحرام على يمينك ثم تسير بين المأزمين فإذا جاوزت ما بينهما أتيت على علمي الحرم وعلى عرنة بالنون، وبين علمي الحرم المذكورين وجدار مسجد إبراهيم القبلي المسمى مسجد عرنة بالنون تقريباً ألف ذراع وثمانمائة ذراع بذراع اليد كما اختبرنا ذلك، وقال الأزرقي ألف ذراع وستمائة ذراع وخمسة أذرع انتهى، وقول شيخ الإسلام: وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة مراده ما يفعل سابقاً من إيقاد النار بها، قال الأزرقي في تاريخ مكة وساق بسنده إلى غنيم بن كليب عن أبيه عن جده قال رأيت النبي ﷺ في حجته وقد دفع من عرفة إلى جمع والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمها حتى نزل قريباً منها، وساق بسنده أيضاً عن نافع عن ابن عمر قال: كانت النار توقد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، يعني بالمزدلفة بعد الرجوع من عرفة انتهى، وقد أبدلت في زماننا هذا وقبله بالسرج التي توضع في منارة المشعر

стр. 330

الحرام كما يأتي، ولو صادف يوم التروية يوم جمعة وهو مقيم بمكة ممن تجب عليه وزالت الشمس وهو بمكة فلا يخرج قبل صلاة الجمعة لوجوبها بالزوال، والخروج إلى منى في ذلك الوقت غير واجب وقب الزوال إن شاء خرج إلى منى وإن شاء أقام بمكة حتى يصلي الجمعة فإن خرج الإمام إلى منى أمر من يصل بالناس الجمعة إن اجتمع معه العدد لئلا تفوتهم، فإذا طلعت الشمس من يوم عرفة سار من منى إلى عرفة فأقام بنمرة ندبا حتى تزول الشمس، قال في الإقناع وشرحه: ونمرة موضع بعرفة وقيل بقربها وهو خارج عنها، وهو الجبل الذي عليه أنصاب؛ أي علامات الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف انتهى. قلت: وفي زمننا هذا ليست أنصاب الحرم على جبل بل هي على أرض مستوية كما هو مشاهد، قال في المنتهى وشرحه: فإذا طلعت الشمس سار من منى فأقام بنمرة: موضع بعرفة إلى الزوال ثم يأتي عرفة انتهى ملخصاً، قال في القاموس: ونمرة كفرحة: موضع بعرفات أو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك خارجاً على المأزمين تريد الموقف، ومسجدها معروف انتهى، قال في المصباح: ونمرة موضع قيل من عرفات وقيل بقربها خارج عنها انتهى، وقال النووي: ونمرة ليست من عرفة كعرنة انتهى. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ونمرة كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال كما فعل النبي ﷺ ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي، وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له مسجد إبراهيم وإنما بني في أول دولة بني العباس، فيصلي هناك الظهر والعصر قصراً كما فعل النبي ﷺ ويصلي خلفه جميع الحجيج أهل مكة وغيرهم قصراً

стр. 331

وجمعاً يخطب بهم الإمام كما خطب النبي ﷺ على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصراً، ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر، ولم يأمر النبي ﷺ ولا خلفاؤه أحداً من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ ولكن المنقول عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة، وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلاً خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قلت: وموضع نزوله ﷺ في حجته كان بالأبطح أعلى مكة والله أعلم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: نمرة قرية غربي عرفات وهي خراب اليوم نزل بها ﷺ حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس، وتمامه يأتي، قال الأزرقي، ونمرة هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف، وتحت جبل نمرة غار أربعة أذرع في خمسة أذرع ذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف وهو منزل الأئمة إلى اليوم، والغار داخل في جدار دار الإمارة في بيت في الدار ومن الغار إلى مسجد عرنة ألفا ذراع وأحد عشر ذراعاً انتهى. قلت في كلام الأزرقي نظراً لأن النبي ﷺ ضربت له قبة أي خيمة بنمرة فنزل بها لا بالغار وفي هذا الزمن لا يوجد على الجبل المذكور أنصاب للحرم وإنما

стр. 332

أنصاب الحرم على وجه الأرض كما تقدم. قال ابن القيم ﵀ وموضع خطبته ﷺ لم يكن من الموقف فإنه خطب بعرنة وليست من الموقف وهو ﷺ نزل بنمرة وخطب بعرنة ووقف بعرفة انتهى، قال النووي: واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى مسجد إبراهيم ويقال له مسجد عرنة بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة وهذا نص الشافعي انتهى، قلت: كلام شيخ الإسلام وابن القيم والنووي المتقدم صريح في أن نمرة ليست من عرفة وهو الذي اتضح لنا بعد التحري الشديد والوقوف على تلك المواضع ومشاهدتها لأن حد عرفة من الغرب هو وادي عرنة بالنون، ونمرة هي غربي وادي عرنة من جهة الجرم، وكذلك مسجد عرنة المسمى مسجد إبراهيم ليس من عرفات، ولا عبرة بقول من قال: آخر المسجد من عرفات لأنه يكذبه الحس الظاهر بالمشاهدة لعلمي عرفة، ولأن نفس المسجد المذكور في بطن وادي عرنة بالنون وللوادي بقية من جهة عرفة شرقي المسجد، وكل ما ذكرناه يتضح بالوقوف والمشاهدة والله أعلم. وقال النووي أيضاً واعلم أن عرفة ونمرة بين عرفات والحرم ليستا من واحد منهما وأما جبل الرحمة ففي وسط عرفات انتهى وهو كما قال. (تنبيه) : لا ينافي هذا ما يأتي من أن من حد عرفة من الشمال وادي عرنة لأن الوادي مستطيل فهو حد لعرفة غرباً ومن حدها شمالاً والله أعلم. فإذا زالت الشمس استحب للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة واحدة يقصرها لقول سالم بن عبد الله للحجاج بن يوسف يوم عرفة (إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة، فقال ابن عمر صدق) رواه البخاري، ويفتتحها بالتكبير يعلم الناس فيها مناسكهم من الوقوف ووقته والدفع من عرفات

стр. 333

والمبيت بمزدلفة وأخذ الحصا ورمى الجمار وغير ذلك من الحلق والنحر، فإذا فرغ من خطبته أمر بالأذان فنزل وصلى الظهر والعصر جمعاً بأذان للأولى وإقامتين لكل صلاة إقامة لحديث جابر، قال في الإقناع وشرحه: فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جمعاً إن جاز له الجمع كالمسافر سفر قصر بأذان وإقامتين، وكذلك يجمع غيره أي غير الإمام ولو منفرداً لأن الجماعة ليست شرطاً للجمع انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ثم يجمع من يجوز له الجمع حتى المنفرد بين الظهر والعصر ويعجل انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله ويعجل، أي يجمع جمع تقديم انتهى وفيه قصور، والمراد بالتعجيل هو تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، قال في المغني والشرح: والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس وأن يقصر الخطبة ثم يروح إلى الموقف لما روى سالم أنه قال للحجاج يوم عرفة (إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة، فقال ابن عمر صدق) . رواه البخاري، ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة التعجيل في ذلك وتمامه فيه قول ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف، إلخ يعني يمنع الرواح إلى عرفة في أول وقت الزوال لأن السنة تعجيل الدخول إلى عرفة وعرفة كلها موقف، والله أعلم. قال في الإنصاف: تنبيه ظاهر كلام المصنف يعني الموفق أن أهل مكة ومن حولهم كغيرهم إذا ذهبوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى، وهو صحيح، فلا يجوز لهم القصر، ولا الجمع على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وجزم به في المستوعب وغيره وقدمه في الفروع، وقال اختاره الأكثر وقدمه في الفائق وقال: لا يجمع ولا يقصر عند جمهور أصحابنا، واختار أبو الخطاب

стр. 334

في العبادات الخمس والشيخ تقي الدين جواز القصر والجمع لهم فيعايابها، واختار المصنف يعني الموفق جواز الجمع فقط، قال في الفروع وهو الأشهر عن أحمد فيعايابها انتهى. وقال شيخ الإسلام: ثم لما خرج ﷺ إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما رجع من عرفة رجعوا معه ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ ولم يحد النبي ﷺ السفر لا بمسافة ولا بزمان ولم يكن بمنى أحد ساكن في زمنه، ولهذا قال (منى مناخ من سبق) ولكن قيل إنها سكنت في خلافة عثمان وأنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات فهذه السنة، لكن في هذه الأوقات لا يكاد أحد يذهب إلى نمرة ولا إلى مصلى النبي ﷺ بل يدخلون عرفات فهذه السنة، بل يدخلون عرفات على طريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال ومنهم من يدخلها ليلاً ويبيتون بها قبل التعريف، وهذا الذي يفعله الناس كله يجزئ معه الحج، لكن فيه نقص عن السنة فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين فيؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام كان في زمنه، وأما زمننا هذا فإن غالب الحجاج يذهبون إلى عرفات من طريق ضب على السيارات وهو الطريق المبعد المزفت ويتمكنون من الذهاب إلى نمرة وإلى الصلاة في مصلى النبي ﷺ مع الإمام وبدونه للأمن الشامل في هذا الزمن من طريق المأزمين على السيارات وكذلك المشاة على الأقدام وأصحاب الدواب، وسنح لي هنا ما تذكرته سنة أربعين وإحدى وأربعين بعد الثلاثمائة والألف حين أتيت عرفات للحج فاستشهدت بهاتين الآيتين الكريمتين، وهما قوله

стр. 335

تعالى: (واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) . وقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا أرحم الراحمين، وسبق في كلام شيخ الإسلام أن السنة قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى لأهل مكة وغير أهل مكة وكذلك الجمع بعرفة ومزدلفة لأهل مكة وغير أهل مكة وأن هذا الذي فعله رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄. (تنبيه) : الناس في زمننا هذا ثلاثة أقسام: قسم لا يجمع ولا يقصر في عرفة ومزدلفة ومنى، وقسم يجمع ولا يقصر فيهن، وقسم يقصر ويجمع بعرفة ومزدلفة ويقصر ولا يجمع بمنى، وهذا القسم الثالث هو الذي معه الدليل من سنة النبي ﷺ والخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر والله أعلم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلما طلعت الشمس سار ﷺ من منى إلى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم وكان من أصحابه الملبي ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية غربي عرفات وهي خراب اليوم فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، وموضع خطبته لم يكن من الموقف فإنه خطب بعرنة، وليست من الموقف، وهو ﷺ نزل بنمرة وخطب بعرنة ووقف بعرفة، فلما أتم خطبته أمر بلالاً فأذن. ثم أقام الصلاة فصلى

стр. 336

الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة وكان يوم جمعة؛ فدل أن المسافر لا يصلي جمعة ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضاً ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصراً وجمعاً بلا ريب ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفرٌ فقد غلط فيه غلطاً بينا ووهم وهما قبيحاً، وإنما قال لهم ذلك في غزوة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين انتهى. (تنبيه) : السنة أن يقيم بنمرة يوم عرفة إلى الزوال ثم يسير منها إلى بطن وادي عرنة بالنون ويصلي هناك الظهر والعصر جمعاً وقصراً ويخطب بهم الإمام في حدود عرفة ببطن عرنة وهو موضع المسجد الآن، وهذا هو الذي يدل له حديث جابر، وأما عبارة المنتهى وشرحه كالإقناع فإنها تقتضي أن السنة الإقامة بنمرة إلى الزوال والصلاة جمعاً بها وأنها من عرفة، ولكن حديث جابر صريح في أنه ﷺ لم يصل الظهر والعصر من يوم عرفة بنمرة، وإنما أقام ﷺ بنمرة إلى الزوال فقط ثم ارتحل وسار منها إلى بطن وادي عرنة فصلى هناك الظهر والعصر جمعاً وقصراً ببطن عرنة وهي ليست من عرفة كما في الحديث (وارفعوا عن بطن عرنة) كما أن نمرة ليست من عرفة بطريق الأولى، لأنها غربي عرنة بالنون من جهة الحرم وتقدم ذلك ولكن أعدناه للتأكيد وإزالة الإشكال الذي وقع فيه الفقهاء ومؤلفو المناسك، والله أعلم. قال ابن القيم ﵀: فلما فرغ ﷺ من صلاته الظهر والعصر ركب حتى أتى الموقف فوق في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة وجعل حبل الماشة بين يديه وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك، بل قال (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) وأرسل

стр. 337

إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم، وكذلك هناك أقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال (الحج يوم عرفة من أدرك قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة أيام التشريف فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) انتهى ملخصاً، قال في الإقناع وشرحه، ثم يأتي موقف عرفة ويغتسل له، أي للوقوف استحباباً انتهى. قال شيخ الإسلام: الاغتسال لعرفة قد روى في حديث عن النبي ﷺ وروى عن ابن عمر، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال غسل الإحرام والغسل عند دخول مكة والغسل يوم عرفة وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار والطواف والمبيت بمزدلفة، فلا أصل له لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة، لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد نقله طائفة من متأخري أصحابه بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها انتهى، قال في المغني والشرح والمنتهى والإقناع وغيرها وحد عرفات من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر انتهى. وذكر الأزرقي بسنده عن ابن عباس أنه قال حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى وصيق إلى ملتقى وسيق ووادي عرنة انتهى. وهذا مطابق لحدود عرنة بالمشاهدة، وقوله إلى جبال عرفة هي سلسلة الجبال والهضاب المتصل بعضها ببعض من الشرق والجنوب، قال النووي قال إمام الحرمين ويطيف بمنعرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات انتهى، وهذا تحديد جامع مفيد، وقال النووي أيضاً: وأما عرفات فحدها ما جوز وادي عرنة، أي جاوز الوادي من جهة عرفات إلى الجبال المقابلة مما يلي بساتين

стр. 338

تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز بن خال عثمان بن عفان الذي افتتح فارس وخراسان، وقد اكتشفتها في خامس عشر صفر سنة ألف وثلاثمائة وثمان وثمانين هجرية فوجدت الساقي الذي يجري معه ماء العين مستطيلاً ومشيت معه جنوباً شرقاً حتى أتيت على موضع بركة العين فوجدتها مبنية هي وساقيها بالحجارة والنورة القوية الصلبة وقد عجزت عن فصل النور من الحجارة، وهذا هو أول اكتشاف لبساتين ابن عامر وعينها، ووجدت موضعها على طبق ما حدده الشافعي، لأن الجبال المقابلة لوادي عرنة في قول الشافعي هي سلسلة الجبال والهضاب الجنوبية والشرقية المتصل بعضها ببعض التي هي حدود عرفة، فبساتين ابن عامر داخلة في عرفة، لأنها دون الهضاب الشرقية، والجنوبية التي هي حدود عرفة والحاصل أن حدود عرفة من جهاتها الأربع هي من الشرق الجبل المشرف المسمى سعدا وما اتصل به من الجبال إلى الهضاب الجنوبية التي هي حدود عرفة جنوباً إلى أن تلتقي بوادي عرنة على مسامته جبل نمرة، وحدود عرفة من الجهة الشرقية الشمالية هي من الجبل المشرف سعد المذكورة وما اتصل به من الجبال إلى وصيق وملتقى وصيق ووادي عرنة فحد عرفة من الشمال ملتقى وصيق بوادي عرنة وحدها من الغرب وادي عرنة، أما مسجد عرنة فإنه في نفس الوادي، والوادي هو حد عرنة من الغرب وبمشاهدة علمي عرفة القديمين يتضح أن جميع المسجد ليس من عرفة، ويقال إن صدر هذا المسجد كانت بنايته في المحل الذي خطب فيه رسول الله ﷺ الخطبة البليغة، وصلى فيه رسول الله صلى عليه وسلم يوم عرفة صلاة الظهر والعصر جمع تقديم، وذلك في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة النبوية والعلمان القديمان المذكوران يقعان شرقاً شمالاً عن المسجد

стр. 339

المذكور وهما فاصلان بين عرفة ووادي عرنة من جهة الغرب عن عرفة، فما كان شرقاً عن العلمين المذكورين فهو من عرفة، وما كان غرباً عنهما فمن عرنة، وقد وجدت مكتوباً على العلم الجنوبي منهما في حجر ملزق بالعلم ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين أمر بعمارة علمي عرفات المفروض القيام بها على كافة الأنام في حجة الإسلام سيدنا ومولانا الإمام الأعظم مفترض الطاعة على كافة الأمم أبو جعفر المنصور عبد الله أمير المؤمنين أمتع الله بطول بقائه، وله بقية لم نتمكن من قراءتها لصعوبة معرفتها، وتاريخ اكتشافي لما هو مكتوب في العلم المذكور في جمادى الأولى سنة سبعين وثلاثمائة وألف فليعتمد ذلك، قال الأزرقي: حدثني جدي قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح قال رأيت الفرزدق جاء إلى قوم من بني تميم في مسجد لهم بعرفة معهم مصاحف لم يبعد مكانهم من موقف الإمام فوقف عليهم ففداهم بالأب والأم، وقال إنكم على إرث من إرث آبائكم. ويسن أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة، واسمه إلال بوزن هلال وبعض العامة تسمية القرين بضم القاف مصغراً ولا يشرع صعوده، ويقال لجبل الرحمة أيضا جبل الدعاء، ويقف مستقبل القبلة راكباً، قال ابن الحاج: وهذا مستثنى من النهي عن اتخاذ ظهور الدواب مجلساً يجلس عليها انتهى لحديث جابر عنه ﵊ فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، وقوله حبل المشاة: أي طريقهم الذي يسلكونه، وقيل أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل، وهذا بخلاف سائر المناسك والعبادات فإنه يفعلها راجلاً، وفي الانتصار ومفردات أبي يعلى الصغير أفضلية المشي في الحج على الركوب، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في مثير

стр. 340

الغرام الساكن فإنه ذكر أن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشياً، وذكر غيره خمسا وعشرين والجنائب تقاد معه. قلت: أما الوقوف بعرفة فقد وقف النبي ﷺ بها راكبا، ولنا به ﷺ أسوة حسنة، قال شيخ الإسلام: وتختلف أفضلية الحج راكباً أو ماشياً بحسب الناس، والركوب واقفاً أفضل انتهى ويرفع يديه واقف بعرفة ولا يجاوز بهما رأسه. (تنبيه) : إذا كان بعرفة غرباً عن جبل الرحمة الذي وقف عنده ﷺ أو شمالاً أو جنوباً عنه، فإن لا يستقبل الجبل المذكور وإنما يستقبل القبلة هذه هي السنة، وقد رأيت أكثر الحجاج حين الوقوف بعرفات يستقبلون الجبل ويدعون وهم متوجهون إلى الشرق أو الجنوب أو الشمال ويقولون نحن نشاهد الجبل، وغالبهم لا يطمئن إلا برويته للجبل في منزله بعرفه وحين الدعاء فينبغي التنبه لهذا وتبيه الناس على استقبال القبلة حين الوقوف والدعاء، أما إذا كان الواقف بعرفات شرقاً عن جبل الرحمن فإنه إذا استقبله يكون مستقبلاً للقبلة ولكن ليس هو موقف النبي ﷺ الذي وقف فيه بعرفة كما يأتي، والله أعلم. (تنبيه آخر) : السنة أن يقف بعرفات عند الصخرات لحديث جابر المتقدم، وفيه (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة) والصخرات المذكورات لم أر من الفقهاء ولا من مؤلفي المناسك ولا من شراح الحديث من عيَّن موضعها، وفي تواريخ مكة شيء من بيان موضعها لكنه غير محرر فلا يكفي ولا يشفي، ولم أعلم إلى ساعتي هذه من حرر موضعها تحريراً واضحاً، وقد صار عادة أهل نجد سابقاً ولاحقاً يقفون هناك على الإبل في حفرة شرقاً عن جبل الرحمة وهم فيها مستقبلون للقبلة

стр. 341

لكن هذه الحفرة ليست والله أعلم موقف النبي ﷺ لأنه لا ينطبق على موضعها حديث جابر حيث جاء فيه (وجعل حبل المشاة بين يديه) ومن كان واقفاً في الحفرة المذكورة لا يكون بين يديه حبل مشاة فرضي الله عن جابر بن عبد الله لقد وصف موقف النبي ﷺ وصفاً واضحاً، والذي ينطبق عليه هو المحل الكائن عند الجبل من جهته الجنوبية، فإذا وقفت فيه صار الحبل المسمى جبل الرحمة على يمينك وكنت حينئذ مستقبلاً القبة وصار حبل المشاة بين يديك تشاهدهم وهم يمشون، وهناك الصخرات عليها بناية من الجهات الأربع على هيئة المسجد وفيه محراب، وكان أمراء مكة من السابق يقفون في هذا الموضع، والله أعلم. (فائدة) يجب على كل من أراد نجاة نفسه أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً لا سيما في هذا الموقف العظيم ويستحضر بقلبه عظمة ربه أرحم الراحمين ويخلص أعماله لله رب العالمين. وروى ابن ماجة في سننه، قال: قالت عائشة ﵂ إن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عدباً من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو ، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول ما أراد هؤلاء؟) قال في المغني: ويستحب أن يكون مفطراً ليتقوى على الدعاء مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين انتهى، ويكثر الدعاء والاستغفار والتضرع وإظهار الضعف والافتقار ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة ويجتنب السجع ويكرر الدعاء ثلاثاً ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، والله اجعل في قبري نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري، ويدعو بما أحب ومما ورد أفضل، ومنه: اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري

стр. 342

وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وذل لك جسده وفاضت لك عيناه ورغم لك أنفه، يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا تضجره مسألة السائلين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك برحمتك يا أرحم الراحمين. وفي الحديث (أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) رواه مالك في الموطأ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير) . رواه الترمذي، وروى عن سفيان الثوري قال: رأيت أعرابياً وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفاً؟ ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق وأمرك بي محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني ولم أسيء حتى قضيت عليّ، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنيس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية للمتوكلين عليك تشاهد ما في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم وسري لك اللهم مكشوف وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا صبت إليّ الهموم لجأت إليك استجارة بك علماً أن أزمة الأمور

стр. 343

بيديك ومصدرها عن قضائك، وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضنأي بالفتح والمد: أي تعبي، وبصرتني من عمائي وهديتني من جهلي وجفائي أسألك ما يتم به فوزي وما آمل في عاجل دنياي وديني ومأمول أجلي ومعادي ثم لا أقدر على أداء شكره إلا بتوفيقك وإلهامك إذ هيجت قلبي القاسي على الشخوص إلى حرمك وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك ونقلت بدني إلى مواقف حرمك اقتداء بسنة خليلك واحتذاء على مثال رسولك ﷺ واتباعاً لآثار خيرتك من خلقك وأنبيائك وأصفيائك، وأدعوك في مواقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومناسك السعداء ومشاهد الشهداء دعاء من أتاك لرحمتك راجياً وعن وطنه نائياً ولقضاء نسكه مؤدياً ولفرائضك قاضياً ولكتابك تالياً ولربه داعياً ملبياً ولقلبه شاكياً ولذنبه خاشياً ولحظه مخطئاً ولرهنه مغلقا ولنفسه ظالماً وبجرمه عالماً، دعاء من عمت عيوبه وكثرت ذنوبه وتصرمت أيامه واشتدت فاقته وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافراً ولا لعيبه غيرك مصلحاً ولا لضعفه غيرك مقوياً ولا لكسره غيرك جابراً ولا لمأمول خير غيرك معطياً ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقاً. اللهم وقد أصبحت في بلد حرام في شهر حرام في فئام من خير الأنام، أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك ولا أخيب الراجين لديك ولا أحرم الآملين لرحمتك الزائرين لبيتك ولا أخسر المنقلبين من بلادك. اللهم وقد كان من تقصيري ما قد علمت ومن توبيقي نفسي ما قد عرفت ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب قد نجيت ومن غم قد جليت ومن هم قد فرجت ومن دعاء قد استجبت ومن شدة قد أزلت ورخاء قد أنلت، منك النعماء وحسن العطاء ومني الجفاء

стр. 344

وطول الاستعصاء والتقصير عن أداء شكرك، لك النعماء يا محمود فلا يمنعك من إعطائي مسألتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤالي ما تعرف من تقصيري وما تعلم من ذنوبي وعيوبي. اللهم فأدعوك راغباً وأنصب لك وجهي طالباً وأضع لك خدي مذنباً راهباً فتقبل دعائي وارحم ضعفي وأصلح الفساد من أمري واقطع من الدنيا همي وحاجتي واجعل فيما عندك رغبتي. اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم المقبول دعاؤهم المفلوج حجتهم المبرور حجهم المغفور ذنبهم المحطوط خطاياهم الممحو سيئاتهم المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصى لك بعده أمراً ولا يأتي بعده مأثماً ولا يركب بعده جهلا ولا يحمل بعده وزراً، منقلب من عمرت قلبه بذكرك ولسانه بشكرك وطهرت الأدناس من بدنه واستودعت الهدي قلبه وشرحت بالإسلام صدره وأقررت قبل الممات بعفوك عينه وأغضضت عن المآثم بصره واستشهدت في سبيلك نفسه برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويكثر من قول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسن وقنا عذاب النار) . اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ويكثر البكاء مع ذلك فهناك تسكب العبرات وتقال العثرات. قال الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب في اللطائف بعد كلام سبق وفضل يوم عرفة مشهور، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال أي آية؟ قال قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكن نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فقال

стр. 345

عمر ﵁: إني لأعرف اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة، فهذه الآية تشهد لما روى في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار، فيوم عرفة له فضائل متعددة منها: أنه يوم إتمام الدين، وإكمال النعمة، ومنها أنه عيد لأهل الإسلام كما قال عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄، ويشرع صيامه لأهل الأمصار، ومنها أنه قيل إنه الشفع الذي أقسم الله تعالى به في كتابه وأن الوتر يوم النحر، وقد روى ذلك عن النبي ﷺ ، وقيل إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، قال تعالى: (وشاهد ومشهود) الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة وقيل بالعكس، ومنها أنه روى أنه أفضل الأيام، قال ﷺ : (أفضل الأيام يوم عرفة) وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ومنهم من قال: يوم النحر أفضل. قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀. ومنها أنه روى عن أنس بن مالك قال: إنه كان يقال يوم عرفة بعشرة آلاف يوم يعني في الفضل. ومنها أنه يوم الحج الأكبر عن جماعة من السلف، وقيل يوم الحج الأكبر يوم النحر. قلت: وهو الصحيح الذي تدل عليه السنة وإن كان الشيخ عبد الرحمن بن رجب ﵀ حكاه بصيغة التمريض. ومنها أن صيامه كفارة سنتين. قلت لغير الحاج الواقف بعرفة فإنه لا يستحب له صومه تطوعاً والله أعلم. ومنها أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما ورد ذلك عن النبي ﷺ . وليحذر من الذنوب التي تمنع من المغفرة والعتق من النار، فمنها الاختيال، عن النبي ﷺ قال: (ما يرى أكثر عتيقاً ولا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله لمختال) والمختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر، قال الله تعالى: (والله لا يحب كل مختال فخور) ،

стр. 346

وقال ﵊: (إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء) . ومنها الإصرار على الكبائر، من يطمع في العتق من النار يمنع نفسه من الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار، بالله ما نصحت لنفسك ولا وقف على طريقك غيرك. توبق نفسك بالمعاصي فإذا حرمت المغفرة. قلت من أين هذا (قل هو من عند أنفسكم) . فنفسك لُم ولا تلم المطايا ... ومت كمداً فليس لك اعتذار. إذا كنت تطمع في العتق من النار فاشتر نفسك من الله فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في انفكاكها من النار. اشترى بعض الصالحين نفسه من الله ثلاث مرات أو أربعا فتصدق بوزنه فضة. واشتر عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله ست مرات يتصدق بها، واشترى حبيب نفسه من الله بأربعين ألفاً تصدق بها، وكان أبو هريرة ﵁ يسبح كل ليلة اثنتي عشرة ألف تسبيحة يفك بذلك نفسه. من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. ويحك قد رضينا منك بفكاك نفسك بالندم وقنعنا منك بثمنها بالتوبة والحزن وفي هذا الموسم قد رخص السعر. من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له. مد غليه يد الاعتذار وقم على بابه بالذل والانكسار وارفع قصة ندمك على صحيفة خدك بمداد الدموع الغزار. وقل: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . كانت أحوال الصادقين في الموقف فر عفة تتنوع: فمنهم من كان يغلب عليه الخوف والحياء. توافق مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم. وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى

стр. 347

المحترقة وقد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال واسواتاه منك وإن عفوت عني. وقف بعض العافين بعرفة إلى غروب الشمس فنادى: الأمان الأمان فقد دنا الانصراف فياليت شعري ما فعلت بحاجة المسكين:

стр. 348

وإني لأدعو الله أسأل عفوه ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر. لأن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإن عظمت في رحمة الله تصغر. انتهى ملخصا من اللطائف، قلت ما قاله الفضيل بن عياض ﵀ هو في حق الواقفين بعرفات المخلصين أعمالهم لله الذين لم يصرفوا شيئاً من عباداتهم لغيره، أما من صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله من دعاء الله من دعاء أو خوف أو رجاء أو توكل أو رغبة أو رهبة أو خشية أو خشوع أو استعانة أو استغاثة أو استعاذة أو ذبح أو نذر أو غيرها من العبادات، فهذا قد ارتكب ظلماً عظيماً مانعاً لمغفرته ما دام مصراً على شركه، كمن يدعو الله ويراقب شيخه في دعائه كما يفعله أتباع مشايخ الطرق فإن المريدين يراقبون مشايخهم في عباداتهم وأذكارهم فيصرفون مرتبة الإحسان التي لا تصلح إلا الله جل وعلا لمشايخهم، ومشايخهم يشترطون على أتباعهم مراقبتهم في جميع حالاتهم، فإن لله وإنا إليه راجعون. ووقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر هذا هو المذهب لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: (أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال النبي ﷺ من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) . رواه الخمسة وصححه الترمذي، ولفظه له ورواه الحاكم وقال صحيح

стр. 349

على شرط كافة أئمة الحديث، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال، وتركه ﷺ الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتاً للوقوف كما بعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وقت الفضيلة، وقوله في الحديث: جئت من جبلي طيء هما أجا وسلما جبلان معروفان بقرب بلد حائل، وقوله والله ما تركت من حبل يروى بالحاء المهملة أحد حبال الرمل: وهو ما اجتمع منه واستطال، وروى جبل بالجيم والله أعلم، واختار شيخ الإسلام وأبو حفص العكبري وحكي إجماعا أن وقت الوقوف من الزوال يوم عرفة، وهو قول مالك والشافعي وأكثر الفقهاء، لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال وقد قال: (خذوا عني مناسككم) إلى طلوع فجر يوم النحر لقول جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع) فقال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال نعم. قلت: وفائدة الخلاف في ذلك أنه لو وقف أول النهار ثم خرج من عرفة قبل الزوال ولم يعد إليها صح حجه وعليه دم هذا على المذهب، وعلى مقابله إذا خرج من عرفة قبل الزوال ولم يعد إلهيا في وقت الوقوف لم يصح حجه، والله أعلم. فعلى المذهب من حصل بعرفة في وقت الوقوف وهو من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر ولو لحظة مختاراً ولو ماراً بها راجلاً أو راكباً ولو في طلب غريم أو طلب نحو دابة شاردة أو عبد آبق أو نائماً أو جاهلاً بأنها عرفة وهو من أهل الوقوف بأن يكون مسلماً عاقلاً محرماً بالحج صح حجه وأجزأ عن حجة الإسلام إن كان حرا بالغاً وإلا فنفل لعموم قوله ﷺ (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة؛ وقال أبو ثور لا يجزئه لأنه لا يكون واقفاً إلا بإرادة، ودليل الأئمة الأربعة عموم

стр. 350

الحديث المذكور، ولا يصح الوقوف من مجنون ومغمى عليه وسكران وفاقاً للشافعي لعدم عقله إلا أن يفيقوا وهم بعرفات قبل خروج وقت الوقوف، وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها وعادوا فوقفوا بها في وقت الوقوف. وقال مالك وأصحاب الرأي في المغمى عليه يجزئه، ومن فاته الوقوف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر فاته الحج لحديث جابر، ويستحب أن يقف طاهراً من الحدثين ومن نجاسة ببدنه وثوبه كسائر المناسك، ويصح وقوف الحائض إجماعاً ووقفت عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ حائضاً بأمر النبي ﷺ ، ولا يشترط للوقوف طهارة ولا سترة ولا استقبال القبلة ولا نية، لكن كشف العورة محرّم وعكس الوقوف إحرام وطواف وسعي، لا يصير من حصل بالميقات محرماً بلا نية لأن الإحرام هو النية كما سبق، وكذا الطواف والسعي لا يصحان بلا نية وتقدم. ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهاراً لفعله ﷺ مع قوله (خذوا عني مناسككم) فإن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم كدم متعة وهو ذبح شاة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأنه ترك واجباً وهو الوقوف في جزء من أجزاء الليل، ولا يفسد الحج بتركه أشبه ترك الإحرام من الميقات، وصيام ثلاثة الأيام في الحج في هذه الصورة يتعين عنها صيام ثلاثة أيام التشريق لأنه لم يبق من أيام الحج سواها والله أعلم. وإن عاد إلى عرفة قبل الغروب ووقع الغروب وهو بها فلا دم عليه، لأنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الليل والنهار في الوقوف، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهاراً، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد قبله ويقع الغروب وهو بها، قال في الشرح الكبير: لأنه عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه انتهى. قال في الإنصاف: ومن وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، هذا المذهب، ثم قال تنبيه محل وجوب الدم إذا لم يعد إلى الموقف قبل الغروب هذا الصحيح من المذهب جزم به في المغني والشرح والوجير، وغيرها وقدمه في الفروع وغيره، وقال في الإيضاح لأبي الفرج الشيرازي ولم يعد إلى الموقف قبل الفجر وقاله ابن عقيل في مفرداته، فإن عاد إلى الموقف قبل الغروب أو قبل الفجر عند من يقول به فلا دم عليه على الصحيح من المذهب وعليه أكثرهم جزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع وقيل عليه دم مطلقاً. وفي الواضح وشرح المنتهى: لو عاد إليه قبل الفجر فلا دم عليه لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز

стр. 351

الميقات غير محرم ثم رجع إليه فأحرم منه، والذي يظهر أن شارح المنتهى قال ذلك تبعاً لابن عقيل انتهى كلام الشيخ سليمان. قلت: وقد تبع الشيخ منصور في شرحه على المنتهى الشيخ الفتوحي في شرحه عليه. وعبارة الإقناع: ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهاراً، فإن دفع قبل غروب الشمس فعليه دم إن لم يعد قبله انتهى، فكلام صاحب الإقناع صريح في مخالفة شرح المنتهى، ثم قال منصور في شرح الإقناع: فإن عاد إلهيا ليلاً فلا شيء عليه، والظاهر أنه قال ذلك متابعة للفتوحي في شرحه على منتهاه من غير نظر إلى الترجيح كما تابعه أيضاً في شرحه للمنتهى وكما جرى عليه في شرح المختصر. وعبارة المغني باختصار: فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه وكذا عبارة الشرح الكبير. إذا تقرر هذا فالمذهب كما في المغني والشرح والإنصاف ومتن الإقناع ومتن المنتهى والمختصر وغيرها أن من وقف

стр. 352

نهاراً ودفع قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد قبل الغروب ويقع الغروب وهو بعرفة. وقال ابن عقيل في مفرداته إن عاد إلى الموقف قبل الفجر فلا دم عليه وتبعه في الإيضاح ومشى عليه الشيخ محمد الفتوحي في شرح المنتهى وتبعه الشيخ منصور البهوتي في شروحه على الإقناع والمنتهى والمختصر والله أعلم. وإن وافى عرفة ليلاً فقط فلا دم عليه بعدم وقوفه جزءاً من النهار لأنه ليس بواجب على من لم يوافها إلا ليلاً ووقف بها، قال في المغني والشرح لا نعلم فيه مخالفاً لقول النبي ﷺ (من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج) ولأنه لم يدرك جزءاً من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه ولعل سقوط الدم عنه فيما إذا منعه عذر عن الوقوف نهاراً انتهى. قلت كلام الأصحاب مطلق في أنه لا دم على من لم يواف عرفة إلا ليلاً ولم يقيدوه بما إذا كان له عذر عن الوقوف نهاراً لأن الوقوف نهاراً ليس بواجب على من لم يواف عرفة إلا ليلا، والله أعلم. (فائدة) : إذا خاف فوت الوقوف بعرفة إن صلى صلاة آمن صلى صلاة خائف إن رجا إدراك الوقوف لما في فوت الحج من الضرر العظيم، قال في شرح المختصر: وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً للقبلة وغيرها يومئون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو أو سيل ونحوه أو خوف فوت عدو يطلبه أو وقت وقوف بعرفة انتهى، فعلى هذا إذا خاف فوت الوقوف بعرفة صلى الفريضة راجلاً أو راكباً في سيارة أو على دابة أو غيرهما للقبلة أو غيرها ويوميء بقدر طاقته والله أعلم. (فائدة) وقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة للخبر، فإذا اجتمع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة كان لهما مزية على سائر الأيام. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 353

وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له انتهى. قال الفاسي في الإعلام وفي سنة عشرين وسبعمائة وقف الناس بعرفة يوم الجمعة وهذه تكملة مائة جمعة وقفها المسلمون من الهجرة النبوية إلى الآن قال البرزالي انتهى. وإن وقف كل الحجيج الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، أو وقوف الحجيج إلا يسيراً الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم نصاً فيهما. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ولو رأى الهلال طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف بل الوقوف مع الجمهور، واختار في الفروع أنه يقف من رآه في التاسع ومع الجمهور وهو حسن انتهى كلامه. قلت الوقوف بعرفة مرتين بدعة لم يفعله السلف كما سنوضحه في باب الفوات والإحصار بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى. (تنبيه) : من دفع قبل غروب الشمس من المحل الذي وقف فيه بعرفة لأجل الزحمة ونيته أن يتقدم إلى السعة ولا يخرج من عرفة بل يقف بها حتى تغرب الشمس وهو بها لم يضره ذلك والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب، فإذا غربت يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبهما، والعلمان الأولان حد عرفة فلا يجاوزهما حتى تغرب الشمس، والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما بينهما حد عرنة ولا يقف ببطن عرنة، قلتك لما كان العلمان الأولان حد عرفة فإن مسجد عرنة المسمى مسجد إبراهيم هو في عرنة بلا إشكال فلا يجزئ الوقوف به وتقدم، وقول الشيخ ﵀ والميلان بعد ذلك حد مزدلفة، أقول الميلان المذكوران هما علمان للحرم والله أعلم. قال الحطاب نقلاً عن تاريخ الفاسي: وعرنة التي يجتنب الحاج الوقوف فيها هي واد بين العلمين اللذين هما على حد عرفة، والعلمين اللذين هما على حد الحرم فليسا من عرفة

стр. 354

ولا من الحرم انتهى. قلت: وهو كما قال والله أعلم ويأتي في كلام شيخ الإسلام تحديد مزدلفة وأنها ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر وهذا هو الصحيح بخلاف ما ذكره هنا من قوله والميلان بعد ذلك حد مزدلفة. -- فصل: ثم يدفع بعد غروب الشمس من عرفة إلى مزدلفة بسكينة ووقار لقول جابر ﵁ (فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة) ، والقصواء التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ كذلك، وإنما كان لقباً لها. قال النووي: معنى شنق ضم وضيق وهو بتخفيف النون انتهى. قال في القاموس: شنق البعير يشنقه ويشنقه: كفه بزمامه حتى ألزق ذفراة بقادمة الرجل أو حتى رفع رأسه وهو راكبه انتهى. قال ابن القيم في معنى شنق: ضم إليه زمام ناقته انتهى. قال ابن هشام في السيرة والفاكهي في تاريخ مكة والفاسي وغيرهم كانت الإجازة بالحاج من عرفة إلى مزدلفة ومن منى إلى مكة في بني سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ابن إسحاق كان صفوان بن الحارث بن شجنة هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام كرب بن صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وذكر الفاكهي عن الواقدي قال سألت ربيعة بن عثمان التيمي وعبد الله بن جعفر عن آخر المشركين الذي دفع بالناس من عرفة ومن

стр. 355

منى فقال ربيعة بن عثمان آخرهم كرب وقال عبد الله بن جعفر دفع بهم سنة ثمان، وكرب هو كرب من صفوان على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة وقد استوفيت الكلام في هذا المقام في غير هذا الكتاب. (تنبيه) : يجب على الحاج الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لحديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ لم ينصرف من عرفة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً) . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وحديث علي وأسامة (أن النبي ﷺ دفع حين غابت الشمس) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب الشمس انتهى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض ﷺ من عرفة انتهى. قال في المغني: وقول الخرقي إلى غروب الشمس معناه ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس في حديث جابر، وفي حديث علي وأسامة (أن النبي دفع حين غربت الشمس) . انتهى ملخصاً، قال في المقنع: ومن وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، قال في الشرح الكبير: يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس لأن النبي ﷺ فعل ذلك، رواه جابر وغيره، وقال ﵊: (خذوا عني مناسككم) . انتهى ملخصاً، وقد أجمع الأئمة الأربعة على وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس مستدلين بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن المعصوم ﷺ ، فإن قيل حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة الطائي يدل على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس ولفظه: قال: (أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طيء
следующие страницы →