Полный текст (572 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الميقات غير محرم ثم رجع إليه فأحرم منه، والذي يظهر أن شارح المنتهى قال ذلك تبعاً لابن عقيل انتهى كلام الشيخ سليمان.
قلت: وقد تبع الشيخ منصور في شرحه على المنتهى الشيخ الفتوحي في شرحه عليه. وعبارة الإقناع: ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهاراً، فإن دفع قبل غروب الشمس فعليه دم إن لم يعد قبله انتهى، فكلام صاحب الإقناع صريح في مخالفة شرح المنتهى، ثم قال منصور في شرح الإقناع: فإن عاد إلهيا ليلاً فلا شيء عليه، والظاهر أنه قال ذلك متابعة للفتوحي في شرحه على منتهاه من غير نظر إلى الترجيح كما تابعه أيضاً في شرحه للمنتهى وكما جرى عليه في شرح المختصر. وعبارة المغني باختصار: فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه وكذا عبارة الشرح الكبير. إذا تقرر هذا فالمذهب كما في المغني والشرح والإنصاف ومتن الإقناع ومتن المنتهى والمختصر وغيرها أن من وقف
стр. 352
نهاراً ودفع قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد قبل الغروب ويقع الغروب وهو بعرفة. وقال ابن عقيل في مفرداته إن عاد إلى الموقف قبل الفجر فلا دم عليه وتبعه في الإيضاح ومشى عليه الشيخ محمد الفتوحي في شرح المنتهى وتبعه الشيخ منصور البهوتي في شروحه على الإقناع والمنتهى والمختصر والله أعلم. وإن وافى عرفة ليلاً فقط فلا دم عليه بعدم وقوفه جزءاً من النهار لأنه ليس بواجب على من لم يوافها إلا ليلاً ووقف بها، قال في المغني والشرح لا نعلم فيه مخالفاً لقول النبي ﷺ (من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج) ولأنه لم يدرك جزءاً من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه ولعل سقوط الدم عنه فيما إذا منعه عذر عن الوقوف نهاراً انتهى. قلت كلام الأصحاب مطلق في أنه لا دم على من لم يواف عرفة إلا ليلاً ولم يقيدوه بما إذا كان له عذر عن الوقوف نهاراً لأن الوقوف نهاراً ليس بواجب على من لم يواف عرفة إلا ليلا، والله أعلم.
(فائدة) : إذا خاف فوت الوقوف بعرفة إن صلى صلاة آمن صلى صلاة خائف إن رجا إدراك الوقوف لما في فوت الحج من الضرر العظيم، قال في شرح المختصر: وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً للقبلة وغيرها يومئون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو أو سيل ونحوه أو خوف فوت عدو يطلبه أو وقت وقوف بعرفة انتهى، فعلى هذا إذا خاف فوت الوقوف بعرفة صلى الفريضة راجلاً أو راكباً في سيارة أو على دابة أو غيرهما للقبلة أو غيرها ويوميء بقدر طاقته والله أعلم.
(فائدة) وقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة للخبر، فإذا اجتمع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة كان لهما مزية على سائر الأيام. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
стр. 353
وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له انتهى. قال الفاسي في الإعلام وفي سنة عشرين وسبعمائة وقف الناس بعرفة يوم الجمعة وهذه تكملة مائة جمعة وقفها المسلمون من الهجرة النبوية إلى الآن قال البرزالي انتهى. وإن وقف كل الحجيج الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، أو وقوف الحجيج إلا يسيراً الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم نصاً فيهما. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ولو رأى الهلال طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف بل الوقوف مع الجمهور، واختار في الفروع أنه يقف من رآه في التاسع ومع الجمهور وهو حسن انتهى كلامه. قلت الوقوف بعرفة مرتين بدعة لم يفعله السلف كما سنوضحه في باب الفوات والإحصار بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى.
(تنبيه) : من دفع قبل غروب الشمس من المحل الذي وقف فيه بعرفة لأجل الزحمة ونيته أن يتقدم إلى السعة ولا يخرج من عرفة بل يقف بها حتى تغرب الشمس وهو بها لم يضره ذلك والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب، فإذا غربت يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبهما، والعلمان الأولان حد عرفة فلا يجاوزهما حتى تغرب الشمس، والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما بينهما حد عرنة ولا يقف ببطن عرنة، قلتك لما كان العلمان الأولان حد عرفة فإن مسجد عرنة المسمى مسجد إبراهيم هو في عرنة بلا إشكال فلا يجزئ الوقوف به وتقدم، وقول الشيخ ﵀ والميلان بعد ذلك حد مزدلفة، أقول الميلان المذكوران هما علمان للحرم والله أعلم. قال الحطاب نقلاً عن تاريخ الفاسي: وعرنة التي يجتنب الحاج الوقوف فيها هي واد بين العلمين اللذين هما على حد عرفة، والعلمين اللذين هما على حد الحرم فليسا من عرفة
стр. 354
ولا من الحرم انتهى. قلت: وهو كما قال والله أعلم ويأتي في كلام شيخ الإسلام تحديد مزدلفة وأنها ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر وهذا هو الصحيح بخلاف ما ذكره هنا من قوله والميلان بعد ذلك حد مزدلفة.
-- فصل:
ثم يدفع بعد غروب الشمس من عرفة إلى مزدلفة بسكينة ووقار لقول جابر ﵁ (فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة) ، والقصواء التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ كذلك، وإنما كان لقباً لها. قال النووي: معنى شنق ضم وضيق وهو بتخفيف النون انتهى. قال في القاموس: شنق البعير يشنقه ويشنقه: كفه بزمامه حتى ألزق ذفراة بقادمة الرجل أو حتى رفع رأسه وهو راكبه انتهى. قال ابن القيم في معنى شنق: ضم إليه زمام ناقته انتهى. قال ابن هشام في السيرة والفاكهي في تاريخ مكة والفاسي وغيرهم كانت الإجازة بالحاج من عرفة إلى مزدلفة ومن منى إلى مكة في بني سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ابن إسحاق كان صفوان بن الحارث بن شجنة هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام كرب بن صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وذكر الفاكهي عن الواقدي قال سألت ربيعة بن عثمان التيمي وعبد الله بن جعفر عن آخر المشركين الذي دفع بالناس من عرفة ومن
стр. 355
منى فقال ربيعة بن عثمان آخرهم كرب وقال عبد الله بن جعفر دفع بهم سنة ثمان، وكرب هو كرب من صفوان على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة وقد استوفيت الكلام في هذا المقام في غير هذا الكتاب.
(تنبيه) : يجب على الحاج الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لحديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ لم ينصرف من عرفة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً) . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وحديث علي وأسامة (أن النبي ﷺ دفع حين غابت الشمس) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب الشمس انتهى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض ﷺ من عرفة انتهى. قال في المغني: وقول الخرقي إلى غروب الشمس معناه ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس في حديث جابر، وفي حديث علي وأسامة (أن النبي دفع حين غربت الشمس) . انتهى ملخصاً، قال في المقنع: ومن وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، قال في الشرح الكبير: يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس لأن النبي ﷺ فعل ذلك، رواه جابر وغيره، وقال ﵊: (خذوا عني مناسككم) . انتهى ملخصاً، وقد أجمع الأئمة الأربعة على وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس مستدلين بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن المعصوم ﷺ ، فإن قيل حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة الطائي يدل على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس ولفظه: قال: (أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طيء
стр. 356
أكللت راحتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قلنا لا يدل حديث عروة هذا على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لوجوه: منها أن قوله ﷺ (وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً) يفسره فعله ﷺ فإنه ﷺ وقف بالمسلمين نهاراً إلى غروب الشمس، فعلم من هذا أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب ونسك من مناسك الحج لمن وافى عرفة نهاراً، وقد قال ﷺ (خذوا عني مناسككم) ، ومنها أن حديث عروة بن مضرس يدل على أنه وقف بعرفة ليلاً لأنه لو كان قد وقف بها نهاراً مع الجمع العظيم ما قال للنبي ﷺ : فهل لي من حج؟ ولما كان عروة وافى عرفة ليلاً صار يتحرى في وقوفه وينتقل من موضع إلى آخر وقال للنبي ﷺ : والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ لأنه قد شك في صحة وقوفه من عدمها فأجابه ﷺ بأنه إذا كان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً في زمن الوقوف قبل الزمن الذي سأل رسول الله ﷺ فيه فإن حجه تام. وقد أخذ الفقهاء بهذا حيث قالوا من حصل بعرفة في وقت الوقوف ولو لحظة ولو ماراً بها أو نائماً أو جاهلاً بأنها عرفة صح حجه، واستدلوا لذلك بعموم حديث عروة هذا حديث جاء فيه (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) وبهذا قال الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم. فهذا الحديث لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس وإنما يدل على أن حجه صحيح وهذا متفق عليه بين الأئمة إلا مالكاً، وهذا كما لو ترك الإحرام من الميقات فإنه يحرم
стр. 357
عليه وحجه صحيح وعليه دم وتقدم.
ومنها أنه لو كان الدفع من عرفة جائزاً قبل غروب الشمس لرخص ﷺ للضعفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل غروب الشمس خوفاً من الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر كما رخص للضعفة أن يتقدموا بعد غيبوبة القمر من مزدلفة إلى منى فلما لم يرخص لهم في ذلك علم أنه غير جائز، وحيث إن النبي ﷺ لم يدفع من عرفة إلا بعد غروب الشمس واستحكام غروبها وذهاب الصفرة قليلاً علم من فعله وتشريعه أن هذا هو وقت جواز الدفع من عرفة لمن وقف نهاراً، وقد قال ﵊: (خذوا عني مناسككم) فأخذ المسلمون ذلك عنه وتلقوه بالقبول والتسليم وصاروا يدفعون من عرفة كما دفع منها ﷺ بعد غروب الشمس وهو المشرع ﷺ ؛ فالذي أفتى عروة بن مضرس بالحديث المتقدم هو الذي وقف بالمسلمين بعرفات إلى غروب الشمس ولم يدفع منها إلا بعد الغروب وأمر الجمع العظيم أن يأخذوا ذلك عنه بأن لا يدفعوا من عرفة إلا بعد غروب الشمس، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فصلوات الله وسلامه عليه، فإن قيل مقتضى قوله ﷺ (فقد تم حجه) أنه لا نقص فيه ولو انصرف قبل الغروب لأنه وقف بعرفة نهاراً فشمله حديث عروة وأنتم توجبون عليه دم جبران، قلنا معنى قوله ﷺ فقد تم حجه: أي أدرك الوقوف بعرفة ولم يفته الحج بدليل أنه لو انصرف بعد الوقوف إلى أهله ولم يأت بطواف الإفاضة لم يتم حجه ولم تجزئه هذه الحجة عن حجة الإسلام إن كانت باقية عليه فعلم أن معنى تم حجه: أي أدرك الوقوف ولم يفته الحج ونحن نقول بذلك وبأن حجه صحيح وعليه الأئمة الثلاثة رحمهم الله تعالى، ولا ينافي هذا وجوب الدم عليه لقول ابن عباس ﵄: من ترك نسكا أو نسيه فإن يهريق دما، وهذا قد ترك نسكا فعله
стр. 358
صلى الله عليه وسلم في حجته ومعه الجمع العظيم وهو الوقوف إلى غروب الشمس وقال ﷺ (خذوا عني
مناسككم) والله أعلم. وعند الإمام مالك إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس لا حج له ما لم يعد إلى عرفة نهاراً ويقف بها حتى تغرب الشمس.
ويكون حال دفعه من عرفة إلى مزدلفة مستغفراً، وسميت مزدلفة بذلك من الزلف: وهو التقرب، لأن الحجيج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها: أي تقربوا ومضوا إليها، وتسمى أيضاً جمعاً لاجتماع الناس بها، وتسمى أيضاً بالمشعر الحرام. قال في المغني: وللمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام انتهى، ويدفع مع الإمام أو نائبه وهو أمير الحجيج على طريق المأزمين لأن النبي ﷺ سلكها وهما جبلان، قال شيخ الإسلام: فإذا أفاض من عرفات ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين، وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء على طريق المأزمين لأنه إلى عرفة طريق أخرى تسمى طريق ضب، ومنها دخل النبي ﷺ إلى عرفات وخرج على طريق المأزمين، وكان في المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى فدخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، ودخل المسجد من باب بني شيبة وخرج بعد الوداع من باب حزورة، ودخل إلى عرفات من طريق ضب وخرج من طريق المأزمين، وأتى إلى جمرة العقبة يوم العيد من الطريق الوسطى التي يخرج منها إلى خارج منى ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ثم لما رجع إلى موضعه بمنى الذي نحر فيه هديه وحلق رأسه رجع من الطريق المتقدمة التي يسير منها جمهور الناس اليوم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قلت: والطريق الوسطى التي ذكرها شيخ الإسلام هي المعروفة الآن بسوق العرب والذي يأتي مع هذه
стр. 359
الطريق يخرج منها إلى جمرة العقبة، وجمرة العقبة ليست من منى بل هي حد له من جهة مكة، وهذا معنى قول شيخ الإسلام يخرج منها إلى خارج منى، وقوله ثم يعطف على يساره إلى الجمرة: أي لأن أمامه الجبل المسمى بالعقبة التي فوق الجمرة وعلى يساره الوادي الذي يخرج على الجمرة المذكورة وقد أزيلت العقبة للتوسعة وأما الطريق المتقدمة التي ذكرها شيخ الإسلام فهي طريق الناس اليوم التي فيها الجمرات الثلاث، والله أعلم.
قال في النهاية: المأزم المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم زائدة، فكأنه من الأزم القوة والشدة انتهى. قال في القاموس: وال/ازم ويقال المأزمان مضيق بين جمع وعرفة انتهى. فإن دفع قبل الإمام كره لقول الإمام أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام، ولا شيء عليه في الدفع قبله خلافاً للخرقي، ويسرع في الفجوة لقول أسامة (كان رسول الله ﷺ يسير العنق فإذا وجد فجون نص) متفق عليه. والعنق: انبساط السير، والنص: الإسراع، ويلبي في الطريق لقول الفضل بن العباس: إن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه، ويذكر الله تعالى لأنه في زمن السعي إلى شعائره، فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً، وقال الشيخ منصور البهوتي: إن كان ممن يباح له الجمع انتهى. قلت: الصحيح الذي تدل له السنة هو الجمع والقصر لكافة الحجاج سواء كانوا مكيين أم أفقيين والله أعلم، ويصلي المغرب والعشاء قبل حط رحله، قال في الإقناع وشرحه بإقامة لكل صلاة بلا أذان هذا اختيار الخرقي، قال ابن المنذر هو رواية أسامة وهو أعلم بحال رسول الله ﷺ فإنه كان رديفه وإنما لم يؤذن للأولى هاهنا لأنها في غير وقتها بخلاف
стр. 360
المجموعتين بعرفة، وظاهر كلام الأكثرين يؤذن للأولى لقول جابر (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) وإن إذن وأقام للأولى فقط ولم يقم للثانية فحسن لحديث مسلم عن ابن عمر قال: (جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع فصلى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة) لكن السنة أن يقيم لها انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق أوهام بعض من وصف حجة النبي ﷺ : ومنها وهم من وهِم في أنه ﷺ صلى الظهر والعصر يوم عرفة والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين، ووهم من قال صلاهما بإقامتين بلا أذان أصلا، ووهم من قال جمع بينهما بإقامة واحدة، والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة انتهى، ولا يتطوع بين المغرب والعشاء المجموعتين لقول أسامة وابن عمر (إن النبي ﷺ لم يصل بينهما) .
قال الشيخ منصور البهوتي لكل لا يبطل جمع التأخير بالتطوع بين المجموعتين بخلاف جمع التقديم كما ذكروه في الجمع انتهى.
قلت: التطوع بينهما خلاف السنة وإن قلنا بعدم البطلان والله أعلم. وإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأته الصلاة وفاقاً لمالك والشافعي وخلافاً لأبي حنيفة لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة.
قال في المنتهى وشرحه: وإن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة جمع وحده لفعل ابن عمر انتهى، ومقتضى مفهومه أنه لو أراد الصلاة قبل الإمام أنه لا يجمع وليس مراداً بل مراده أن من لم يصل مع الإمام جمع وحده سواء كان ذلك قبل الإمام أم بعده وإن كان معه رفقة صلى بهم جمعاً وقصراً لتحصل لهم فضيلة صلاة الجماعة ثم يبيت بمزدلفة حتى يصبح ويصلي الفجر لقول جابر
стр. 361
(ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة) قال شيخ الإسلام: فإذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن، ثم إذا بركوها صلوا العشاء، وإذا أخر العشاء لم يضره ذلك ويبيت بمزدلفة ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما، فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة أي وبطن نمرة، وبين مزدلفة ومنى بطن محسر، قال النبي ﷺ : (عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر، ومنى كلها منحر، وفجاج مكة كلها طريق) والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جداً قبل طلوع الشمس، فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر: ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلوا بها الفجر ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو المكان الذي يقف الناس فيه اليوم قد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال في الدر المختار للحنفية: وينزل عند جبل قزح، والأصح أنه المشعر الحرام وعليه ميقدة انتهى، ويأتي الكلام على تسميته بجبل الميقدة إن شاء الله قبيل الفصل.
قال الأزرقي في تاريخ مكة والماوردي وغيرهما: حد مزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، وليس الحدان منها ويدخل في مزدلفة جميع تلك الشعاب الداخلة في الحد المذكور انتهى. وفي حديث جابر المتقدم ما يدل على أن المشعر الحرام قزح حيث جاء فيه (حتى أتى المزدلفة فصلى
стр. 362
بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) الحديث. قال النووي: المراد بالمشعر الحرام هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في مزدلفة، وهذا الحديث حجة للفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع مزدلفة انتهى، وتقدم في كلام الموفق وشيخ الإسلام أن المزدلفة تسمى بالمشعر الحرام قال الموفق والشارح: حد مزدلفة من مأزمي عرفة إلى قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع وقف منها أجزأه لقول النبي ﷺ : كل المزدلفة موقف. رواه أبو داود وابن ماجة، وعن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (وقفت هاهنا بجمع وجمع كلها موقف) وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله (وارفعوا عن بطن محسر) انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: فإذا أصبح بمزدلفة صلى الصبح بغلس أول وقتها لما تقدم من حديث جابر وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام ثم يأتي المشعر الحرام، سمي بذلك لأنه من علامات الحج: وتسمى أيضاً المزدلفة بذلك تسمية للكل باسم البعض واسمه في الأصل قزح، وهو جبل صغير بالمزدلفة فيقف عنده ويحمد الله تعالى ويهلله ويكبره ويدعو ويقول: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) ثم لا يزال يدعو إلى أن يسفر جداً انتهى. قال في المغني: والمستحب الاقتداء
стр. 363
برسول الله ﷺ في المبيت إلى أن يصبح ثم يقف حتى يسفر، ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً، ولأن فيه رفقاً بهم ودفعاً لمشقة الزحام عنهم واقتداء بفعل نبيهم ﷺ انتهى. قال في الإقناع وشرحه: وله الدفع قبل الإمام وليس له الدفع قبل نصف الليل: ويباح الدفع من مزدلفة بعده: أي بعد نصف الليل ولا شيء عليه كما لو وافاها بعده؛ أي بعد نصف الليل لقول ابن عباس (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) . متفق عليه. قلت: الضعفة بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء جمع ضعيف: النساء والصبيان والمشايخ العاجزون وأصحاب الأمراض ليرموا قبل الزحمة والله أعلم. وعن عائشة قالت: (أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت) . رواه أبو داود انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قلت: حديث ابن عباس هذا يدل على الرخصة للضعفة لا غير، وأما حديث عائشة فيأتي كلام ابن القيم ﵀ أنه منكر، وإن جاء مزدلفة بعد الفجر فعليه دم لتركه نسكاً واجباً، وإن دفع غير رعاة وسقاة قبل نصف الليل فعليه دم إن لم يعد إليها قبل الفجر سواء كان عالماً بالحكم أم جاهلاً ذاكراً أم ناسياً لأنه ترك نسكاً واجباً، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم لا في جعل المعدوم كالموجود، فإن عاد إلى مزدلفة قبل الفجر فلا دم عليه كمن لم يأت مزدلفة إلا في النصف الثاني من الليل لأنه لم يدرك فيها جزءاً من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن لم يأت عرفة إلا ليلاً، قال في المغني: ومن لم يواف مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل فلا شيء عليه لأنه لم يدرك جزءاً من النصف
стр. 364
الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار انتهى ومثله في الشرح، وأما الرعاة والسقاة فلا دم عليهم بالدفع قبله لأن النبي ﷺ رخص للرعاة والسقاة فلا دم عليهم بالدفع قبله لأن النبي ﷺ رخص للرعاة في ترك البيتوتة لحديث عدي (ورخص للعباس في ترك البيتوتة لأجل سقايته) ولأن عليهم مشقة لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج فكان لهم ترك المبيت بمزدلفة كليالي منى، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: وأما الرعاة فهم رعاة الإبل، وأما السقاة فالظاهر إنهم الذين يأتون بالماء للحاج وليس كذلك، وإنما هذه الرخصة لسقاة زمزم لأن الرخصة إنا وقعت للعباس وهو صاحب زمزم انتهى.
قلت: ويدل لذلك قوله في المنتهى وشرحه: وفيه أي الدفع من مزدلفة قبله: أي نصف الليل على غير رعاة وغير سقاة زمزم دم انتهى، قال في الشرح الكبير: وليس له الدفع قبل نصف الليل، فإن فعل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شيء عليه وبه قال الشافعي، وقال مالك: إن مر بها ولم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى ما دفع. ولنا أن النبي ﷺ بات بها وقال (لتأخذوا عني مناسككم) وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه انتهى ومثله في المغني. قلت: حكم المبيت بمزدلفة يشتمل على صور: الأولى أتى مزدلفة في النصف الأول من الليل ودفع منها قبل مضي نصف الليل ولم يعد إليها قبل الفجر، الثانية لم يأت مزدلفة إلا بعد الفجر، الثالثة أتى مزدلفة في النصف الأول من الليل ودفع منها بعد نصف الليل، الرابعة أتى مزدلفة في النصف الآخر من الليل ودفع منها قبل أن يبيت بها، الخامسة دفع من مزدلفة قبل نصف الليل الأول وعاد إليها قبل الفجر؛ فعليه في الأولى والثانية دم على غير سقاة ورعاة وليس عليه في الثالثة والرابعة والخامسة شيء هذا مقتضى كلام فقهائنا ﵏، والله أعلم.
стр. 365
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم سار ﷺ حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر المؤذن بالاذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى عشاء الآخرة بلا أذان ولم يصل بينهما شيئاً ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. حديث صحيح صححه الترمذي وغيره، وأما حديث عائشة ﵂ (أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ يعني عندها) . رواه أبو داود، فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره ثم ذكر ما يدل على إنكاره، ثم قال: ومما يدل على بطلانه ما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة أحب إليّ من مفروح به) فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أم حبيبة (أن رسول الله ﷺ بعث بها من جمع بليل) قيل قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قدم تلك الليلة ضعفة أهله وكان ابن عباس فيمن قدم، وثبت أنه قدم سودة، وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه، وحديث أم حبيبة انفرد به مسلم فإن كان محفوظاً فهي إذاً من الضعفة التي قدمها.
стр. 366
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس (أن النبي ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر) قيل نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضاً الإمام أحمد والترمذي وصححه (أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) ولفظ أحمد فيه (قدمنا رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) لأنه أصح منه، وفيه (نهى النبي ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس) وهو محفوظ بذكر القصة فيه. قلت وقد رواه الخمسة وصححه الترمذي ولفظه: (قدم ضعفة أهل وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) وأخرجه أيضاً الطحاوي وابن حبان وصححه وحسنه الحافظ في الفتح وله طرق، وقوله أغيلمة منصوب على الاختصاص أو على الندب، والمراد بهم الصبيان، وحمرات بضم الحاء المهملة والميم جمع لحمر وحمر جمع لحمار، ويلطح بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة قال الجوهري: اللطح الضرب اللين على الظهر ببطن الكف انتهى. وإنما فعل ﷺ ذلك ملاطفة لهم، وقوله أبيني بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسبة المشددة قاله ابن رسلان في شرح السنن، قال في النهاية: الأبيني بوزن الأعيمي تصغير الأبناء بوزن الأعمى وهو جمع ابن انتهى.
رجعنا إلى كلام ابن القيم ﵀، قال: ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمتهم، وهذا الذي دلت عليه السنة
стр. 367
جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها الجواز بعد نصف الليل مطلقاً للقادر والعاجز كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله. والثاني لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة ﵀.
والثالث لا يجوز لأهل القوة إلا بعد طلوع الشمس كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم، ثم ذكر حديث عروة بن مضرس الطائي ثم قال وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس وابن الزبير ﵃، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة والحسن البصري وهو مذهب الأوزاعي وحماد بن أبي سليمان وداود الظاهري وأبي عبيد القاسم بن سلام، واختاره المحمدان: ابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية، واحتج من لم يره ركنا بأمرين: أحدهما أن النبي ﷺ مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صح حجه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه، الثاني أنه لو كان ركنا لاشترك فيه الرجال والنساء فلما قدم رسول الله ﷺ النساء بالليل علم أنه ليس بركن، وفي الدليلين نظر فإن النبي ﷺ إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة والواجب هو ذلك، وأما توقيت بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا وتكون تلك الليلة وقتاً لهما كوقت المجموعتين من الصلوات، وتضييق القوت لإحداهما لا يخرجه عن أن يكون وقتاً لهما حال القدرة انتهى. كلام ابن القيم رحمه
стр. 368
الله ملخصاً، قلت: قد يقال وقت المجموعتين من الصلوات يحصل أداؤهما فيه، بخلاف الوقوف بعرفة مع الفجر فإنه ينتفي الوقوف بمزدلفة لضيق الوقت فلم يحصل أداء في وقتهما إلا لواحد منهما وهو الوقوف بعرفة فقط، بخلاف المجموعتين فإنه يحصل أداؤها معاً في وقتهما، فالفارق موجود والقياس غير مطابق مع الاعتراف بفضل شمس الدين بن القيم وتحقيقه وعلو رتبته رحمه الله تعالى.
(تنبيه) : الميقدة المذكورة في كلام شيخ الإسلام المتقدم قد ذكرها الأزرقي فقال: هي إسطوانة من حجارة مدورة تدويرها أربعة وعشرون ذراعاً وطولها اثنا عشر ذراعاً وفيها خمس وعشرون درجة، وهي على أكمة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد الشمع ليلة مزدلفة، وكانت قبل ذلك توقد عليها النار بالحطب، وبعد أن توفي هارون الرشيد وضع عليها مصابيح، قال وبين مسجد مزدلفة وبين قزح أربعمائة ذراع وعشرة أذرع انتهى كلام الأزرقي ملخصاً، قلت: المشاهد في زمننا هذا هو أن المشعر الحرام المسمى قزح في نفس مسجد مزدلفة، وقزح: جبل صغير جداً عليه الآن منارة تجعل فيها تلك الليلة السرج بالكهرباء، وطول مسجد مزدلفة تسعة وخمسون متراً ونصف، وعرضه سبعة وثلاثون متراً، وقد قسمت طوله وعرضه فصار كما ذكرته وذلك سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف، وقد تقدم عن الأزرقي بسنده عن نافع عن ابن عمر أن النار كانت توقد على عهد رسول الله ﷺ بالمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وتقدم عن شيخ الإسلام أن الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة فليراجع عند الحاجة إليه.
стр. 369
-- فصل:
ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى لقول عمر: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، فخالفهم النبي ﷺ فأفاض قبل طلوع الشمس) رواه الجماعة إلا مسلماً لكن في رواية أحمد وابن ماجة (أشرق ثبير كيما نغير) وقوله أشرق ثبير بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء وسكون القاف فعل أمر من الإشراق، وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة والضم منادى حذف منه حرف النداء، والمعنى لتطلع عليك الشمس، وكيما نغير بالنون أي نذهب سريعاً، يقال أغار يغير: إذا أسرع في العدو والله أعلم، ويدفع وعليه السكينة لقول ابن عباس (ثم أردف النبي ﷺ الفضل بن العباس وقال: يا أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة) فإذا بلغ وادي محسر بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة، وهو وادٍ بين مزدلفة ومنى وليس من واحد منهما كما تقدم، قال الأزرقي في تاريخه: وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً انتهى. أسرع قدر رمية حجر فإن كان راكباً حرك دابته لقول جابر: حتى أتى بطن محسر حرك قليلاً، والعلة فيما كما في المجموع للشافعية أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم، وعبر الغزالي بالعرب بدل النصارى، قال ابن حجر: ولا مانع أن كلا كان يقف ثمَّ، أو مراده بالعرب العرب من النصارى، وقيل ومشى عليه النووي: لأنه محل هلاك أصحاب الفيل، وبحثه الأسنوي لعدم روايته له منقولاً ثم قال هو كديار ثمود إذ يُسن لمن مر بها الإسراع، ويؤيد الأول قول عمر وابنه ﵄ عند إسراعهما في وادي محسر:
стр. 370
إليك تعدو قلقاً وضينها ... معترضاً في بطنها جنينها.
مخالفاً دينَ النصارى دينها ... قد ذهب الشحم الذي يزينها.
واعترض الثاني بأن نزول العذاب على أصحاب الفيل إنما كان بمحل يسمى المغمس بفتح الميم الثانية وقد تكسر، بل المعروف أن الفيل المذكور لم يدخل الحرم أصلا انتهى، وقائل هذه الأبيات أبو علقمة أخو أسقف نجران لأمه وابن عمه لما توجه يريد النبي ﷺ ، والوضين بطان عريض منسوج من سيور أو شعر، أو لا يكون إلا من جلد كما في القاموس، والقلق: الانزعاج والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: فلما أتى ﷺ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا؛ ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر لأن الفيل حسر فيه: أي أعيي وانقطع عن الذهاب، وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير، ومحسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسر من الحرم وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر، وعرنة ليست مشعراً وهي من الحل، وعرفة حل ومشعر انتهى كلامه ﵀، ويكون في دفعه من مزدلفة إلى منى ملبياً إلى أن يرمي جمرة العقبة لقول الفضل بن العباس: (لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة) رواه مسلم مختصراً، وجمرة العقبة آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة؛ وهي الجمرة الكبرى وليست من منى، بل هي حد من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة
стр. 371
اسم لمجتمع الحصا، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمي الحصا الصغار جماراً فسميت بذلك تسمية الشيء بلازمة، وقيل لأن إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه: أي أسرع فسميت بذلك، ويأخذ حصا الجمار من طريقه قبل أن يصل إلى منى، أو يأخذه من مزدلفة، ومن حيث أخذ الحصا جاز لقول ابن عباس قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته (القط لي حصا فلقطت له سبع حصيات هن حصا الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) . رواه ابن ماجة، وكان ذلك بمنى.
قال ابن القيم: (ثم سار ﷺ من مزدلفة للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا) الحديث. وينفضهن بالنون والفاء الموحدتين من فوق، وفي بعض الروايات يقبضهن والأولى أصح والله أعلم.
قال في المنتهى وغيره: ويأخذ حصا الجمار سبعين حصاة أكبر من الحمص ودون البندق كحصا الخذف انتهى. قلت: والسبعون لمن أراد التأخر، وأما من أراد التعجل فيكفيه تسع وأربعون حصاة كما هو ظاهر. والحديث يدل على أن ابن عباس لم يلقط للنبي ﷺ غداة العقبة، أي صباح يوم النحر إلا سبع حصيات فقط وهي التي رمى بها جمرة العقبة والله أعلم. والخذف بالخاء والذال المعجمتين: هو الرمي بنحو
стр. 372
حصاة بين السبابتين يخذف بها، وليس المراد أن رمي الجمار يكون على هيئة الخذف وإنما المراد أن حصا الجمار بقدر حصا الخذف، قال النووي: وقدرهن نحو حبة الباقلا انتهى، قال الخرقي: ويأخذ حصا الجمار من طريقه أو من مزدلفة، قال في المغني: إنما استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه مني بشيء قبل الرمي فإن الرمي تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدأ بشيء قبله؛ وكان ابن عمر يأخذ الحصا من جمع وفعله سعيد بن جبير وقال: كانوا يتزودون الحصا من جمع واستحبه الشافعي، وعن أحمد قال: خذ الحصا من حيث شئت، وهو قول عطاء وابن المنذر وهو أصح إن شاء الله تعالى لأن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته (القط لي حصا) وذكر الحديث ثم قال وكان ذلك بمنى، ولا خلاف في أنه يجزئه أخذه من حيث كان إلى أن قال: قال الأثرم يكون أكبر من الحمص ودون البندق، وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم انتهى ومثله في الشرح الكبير.
قال في الإقناع وشرحه: ويأخذ حصا الجمار من طريقه قبل أن يصل إلى منى أو يأخذه من مزدلفة، ومن حيث أخذه أي الحصا جاز لقول ابن عباس وذكر الحديث، قال في المنتهى وشرحه ومن حيث شاء أخذ حصا الجمار، وكره أخذ الحصا من الحرم يعني المسجد؛ لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى وهما من الحرم، وقد أوضحته في الحاشية انتهى ملخصا. وعبارة الشيخ منصور في الحاشية قال هكذا في الإنصاف وغيره وفيه نظر فإنه ذكر أن جواز أخذها من طريقه ومن مزدلفة ومن حيث شاء هو المذهب وأن عليه الأصحاب، وأيضاً فابن عباس جمعها للنبي ﷺ من منى وابن عمر أخذها من جمع، قال سعيد بن جبير: كانوا يتزودون الحصا من جمع، ومزدلفة ومنى من الحرم، ولعل المراد
стр. 373
بالحرم هاهنا نفس المسجد الحرام، وأصل العبارة لصاحب الفروع قال في تصحيحها: وهذا والله أعلم سهو، وقال ولعله أراد حرم الكعبة وفي معناه قوة انتهى: أي أراد بالحرم المسجد الحرام، يؤيده قوله في المستوعب وإن أخذه من غيرها جاز إلا من المسجد لما ذكرنا أنه يكره إخراج شيء من حصا الحرم وترابه وتمامه فيه. قلت: الصحيح من كلامهم أن له أخذ حصا الجمار من مزدلفة ومن طريقة منها إلى منى ومن منى ومن حيث شاء إلا من نفس المسجد الحرام والله أعلم، وكره أخذ الحصا من الحش لأنه مظنة نجاسته، وكره تكسير الحصا لئلا يطير إلى وجهه شيء يؤذيه، ولا يسن غسله. قال الإمام أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ فعله انتهى. إلا أن تعلم نجاسته فيغسله خروجاً من الخلاف في أجزائه، وتجزئ مع الكراهة حصاة نجسة، أما أجزاؤها فلإطلاق قوله ﷺ (أمثال هؤلاء فارموا) وأما كراهتها فخروجاً من الخلاف، فإن غسل الحصاة النجسة زالت الكراهة لزوالها علتها، وتجزئ حصاة غير معهودة كحصاة من مسن وبرام ومرمر، ومرو: وهو حجر الصوان، ورخام وكدان، وسواء السوداء والبيضاء والحمراء لعموم الخبر.
والمسن بكسر الميم: ما تسن عليه السكين ونحوها. والبرام من الحجارة، يعمل منه قدور البرام، ولا تجزئ حصاة صغيرة جداً أو كبيرة لأمره ﷺ بالرمي بمثل حصا الخذف، فلا يتناول ما لا يسمى حصا، ولا كبيرة تسمى حجراً، ولا تجزئ حصاة رمي بها لأخذه ﷺ الحصا من غير المرمى ولأنها استعملت في عبادة فلا تستعمل فيها ثانيا كماء وضوء.
وقال الشافعي يجزئه لأنه حصا فيدخل في العموم انتهى، ولا يجزئ الرمي بغير حصا كجوهر وزمرد وياقوت وذهب وفضة ونحاس وحديد ورصاص وخشب وطين، ومدر، وهو قطع الطين اليابس ونحو ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 374
رمى بالحصا وقال (خذوا عني مناسككم) وقال أبو حنيفة: يجوز بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض، وقال نحوه الثوري، فإذا وصل إلى منى، قال القاموس: مِنَى كَإلى ويصرف، سميت بذلك لكثرة ما يمنى بها من الدماء، وروي عن ابن عباس (إنما سميت بذلك لأن جبريل لما أراد أن يفارق آدم قال له تمنَّ قال أتمنى الجنة فسميت منى لأمنية آدم ﵇. انتهى.
وحدها من وادي محسر إلى جمرة العقبة، ووادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى سلك استحباباً الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى لأن النبي ﷺ سلكها وبدأ بجمرة العقبة سواء كان راكباً أو ماشياً لحديث ابن مسعود (إنه انتهى إلى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة، وقال: اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً، ثم قال: هاهنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة) . رواه أحمد، فلا يبدأ بشيء قبل رميها لأنها تحية منى، وامتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخرتين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وكونها ترمى يوم النحر بعد الشروق وترمى من أسفلها استحباباً أي لا من أعلى العقبة التي أزيلت في زمننا هذا، ويرميها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة بعد طلوع الشمس ندباً لقول جابر (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس) . أخرجه الجماعة.
قال في الإقناع وشرحه، فإن رمى بعد نصف ليلة النحر أجزأه الرمي إن كان قد وقف بعرفة وإلا فبعده كطواف الإفاضة، لما روى أبو داود عن عائشة أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت) وروي (أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر) احتج به أحمد، ولأنه وقت للدفع من مزدلفة
стр. 375
فكان وقتاً للرمي كما بعد طلوع الشمس، وحديث أحمد عن ابن عباس مرفوعاً (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) محمول على وقت الفضيلة جمعاً بين الأخبار انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قلت: قد تقدم كلام ابن القيم ﵀ على حديث عائشة وحديث ابن عباس المذكورين وذكر أن حديث عائشة هذا منكر أنكره الإمام أحد وغيره وذكر في زاد المعاد أدلة إنكاره فليراجع عند الحاجة إليه. وجزم الشيخ مرعي في غايته بأن وقت الحلق من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله كرمي والله أعلم، وإن غربت الشمس من يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة فإنه يرميها من غده بعد الزوال لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد، فإن رمى بسبع الحصيات دفعة واحدة لم يجزئه الرمي إلا عن حصاة واحدة يحتسب بها ويتمم عليها لأن النبي ﷺ رمى سبع رميات وقال: (خذوا عني مناسككم) ويؤدب نصاً من رمي أكثر من حصاة دفعة واحدة زجراً له وردعاً لغيره عن الاقتداء به. ويؤخذ من هذا أن من فعل بدعة يؤدب لا سيما إذا خيف أن يقتدي به فيها، ويشترط علمه بحصول ما يرميه من الحصا في المرمى في جمرة العقبة وغيرها، لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول عنه بالظن ولا بالشك فلا يبرأ إلا بيقين.
قال في المغني: وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا لم يجزئه لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول بالشك، وإن كان الظاهر أنها وقعت فيه أجزأته لأن الظاهر دليل انتهى.
قال في الشرح الكبير: وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا؟ لم يجزئه لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول بالشك، وعنه يجزئه ذكره ابن البنا في الخصال، وإن غلب على ظنه أنها وقعت فيه أجزأته لأن الظاهر دليل انتهى. قال الشيخ منصور وعنه يكفي ظنه وقواعد المذهب
стр. 376
تقتضيه إلا أن يقال لا مشقة في اليقين انتهى.
قلت المذهب اشتراط العلم بحصول ما يرميه من الحصا في المرمى والله أعلم. ولا يجزئ وضع الحصا في المرمى لأن الوضع ليس برمي بل يعتبر طرحها لفعله ﷺ وقوله: (خذوا عني مناسككم) ، قال في الإقناع: ولو أصابت الحصاة مكاناً صلباً في غير المرمى ثم تدحرجت إلى المرمى أو أصابت ثوب إنسان ثم طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأن الرامي انفرد برميها، وكذا لو نفضها أي الحصاة من وقعت على ثوبه فوقعت في المرمى أجزأته نصاً لحصولها في المرمى انتهى.
قال مرعي في الغاية: ويتجه إن نفضها من وقعت على ثوبه فوراً وأنه لا بد من مريها بيد فلا يجوز الرمي بالقوس أو الرجل أو الفم انتهى، قال في المنتهى: فلو وقعت خارجه ثم تدحرجت فيه أو على ثوب إنسان ثم صارت فيه ولو بنفض غيره، أي الرامي أجزأته انتهى، قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله ثم صارت فيه يؤخذ من العطف بثم أنه لا تشترط الفورية انتهى. قلت: وما اتجه الشيخ مرعي من اشتراط الفورية وجيه خصوصاً في رمي الجمرات الثلاثة بعد يوم النحر، فإن لو رمي مثلاً حصاة من الجمرة الأولى وتأخرت فلم تقع في المرمى إلا بعد رميه شيئاً من الجمرة الثانية لحصل خلل في الترتيب وهو شرط في الرمي والله أعلم. وقال ابن عقيل في مسألة ما إذا نفض الحصاة: من وقعت على ثوبه لا تجزئه لأن حصولها في المرمى بفعل الثاني دون الأول، قال في الفروع وهو أظهر، قال في الإنصاف وهو الصواب، قال الشيخ منصور وهو كمال قال. قالت: والمذهب الإجزاء كما تقدم، ولكن ما ذهب إليه ابن عقيل وجيه لا سيما وقد استظهره ابن مفلح في الفروع وصوبه المرداوي في الإنصاف، وارتضاه الشيخ منصور والله أعلم. وإن رمى الحصاة فاختطفها طائر قبل حصولها في المرمى أو ذهبت بها ريح
стр. 377
عن المرمى لم يعتد له بها لعدم حصولها في المرمى، والمرمى: هو مجتمع الحصا لا نفس الشاخص، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه تنبيه: المرمى الذي تترتب عليه الأحكام بقولهم: يعتبر حصول كل حصاة في المرمى، هو الأرض المحيطة بالميل المبني، فلو طرح الحصاة في رأس البناء لم يعتد بها لأنها لم تحصل في المرمى انتهى ملخصا.
قلت: إذا طرح الحصاة في رأس البناء كما يفعله كثير من الحجاج فتدحرجت في المرمى المحطوط بالبناء في الجمرات الثلاث فإنها تجزئة، أما إذا بقيت على رأس البناء فإنها لا تجزئه فيما يظهر لي والله أعلم. ويكبر مع كل حصاة لفعله ﷺ . رواه مسلم من حديث جابر ويقول مع كل حصاة اللهم اجعله حجاً مبروراً: أي مقبولاً، يقال بر الله حجه: أي تقبله. وذنباً مغفوراً وعملاً مشكوراً، لما روى حنبل عن زيد بن اسلم قال: (رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر ثم قال: اللهم اجعله فذكره فسألته عما صنع؟ فقال: حدثني أبي أن النبي ﷺ رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى مثلما قلت) . وكذا كان ابن عباس يقول، ويرفع الرامي للجمار يمناه حتى يرى بالبناء للمفعول بياض إبطه لأن في ذلك معونة على الرمي، قال في المغني والشرح: فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ثم ينصر ولا يقف.
قال في المنتهى والإقناع وغيرهما من كتب المذهب: ويستبطن الوادي ويستقبل القبل ويرمي على حاجبه الأيمن ندباً انتهى لحديث عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبي بكر الكوفي قال (لما أتى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال: والله الذي لا إله
стр. 378
غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) . قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجة، وقال شيخ الإسلام ﵀: يرمي جمرة العقبة مستقبلا لها يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ فيها انتهى. قلت: وما ذكره الأصحاب من استقبال القبلة عند رمي جمرة العقبة هو استناد على رواية الترمذي المذكورة، وقد روى هذا الحديث البخاري وفيه: (وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه) وكذلك رواه مسلم وأبو داود، ولفظه: حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم المعني، قالا: أنبأنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود قال: (لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى الجمرة بسبع حصيات وقال هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) انتهى، وما رواه البخاري ومسلم وأبو داود هو الصحيح، وما رواه الترمذي وابن ماجة شاذ في إسناده المسعودي وقد اختلط والله أعلم، وقوله في الحديث سورة البقرة، خصها بالذكر لأن كثيراً من أفعال الحج مذكور فيها فكأنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك منبها بذلك على أن أفعال الحج توقيفية، ويحتمل أنه خص سورة البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام والله أعلم.
وله رمى جمرة العقبة من فوقها لأن عمر ﵁ جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فقوها، قال في الإقناع وشرحه، وله رميها؛ أي جمرة العقبة من فوقها لفعل عمر انتهى، قال في المنتهى وشرحه، وله رميها؛ أي الجمرة من فوقها لفعل عمر لما رأى من الزحام عندما انتهى، لكن الذي صح عن النبي ﷺ هو رمي جمرة العقبة مستقبلاً لها والبيت عن يساره ومنى عن يمينه وقد استبطن الوادي وقال: (لتأخذوا عني مناسككم)
стр. 379
فاتباع سنته ﷺ أولى من الأخذ بفعل عمر ﵁ من رميها من فوقها، قال ابن حجر العسقلاني: وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها: أي جمرة العقبة جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها والاختلاف في الأفضل انتهى كلامه.
وقولهم له رمى جمرة العقبة من فوقها وذلك أن هناك عقبة معتلية في جانب الجمرة وقد أزيلت العقبة في زمننا هذا فما ذكره العلماء في كتبهم من الآثار وأقوال العلماء من ذكر رمي جمرة العقبة من فوقها إنما كان ذلك قبل إزالة العقبة التي في ظهر الجمرة المذكورة شمالاً شرقاً وكان إزالة العقبة في شهر جمادى الأولى سنة ستة وسبعين وثلثمائة وألف، وزوال العقبة لا يؤثر في حكم الرمي المتعلق بالجمرة من أن الأفضل رميها مستقبلا لها منى عن يمينك ومكة عن شمالك، ولا يقف الرامي عند جمرة العقبة بل يرميها وهو ماش بلا وقوف عندها لقول ابن عمر وابن عباس (إن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة مضى ولم يقف) رواه ابن ماجة وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر، قال في شرح الإقناع والمنتهى: ولضيق المكان أي عندها، وقال ابن القيم وقيل وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمي جمرة العقبة فرغ الرمي. والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها انتهى ويأتي.
(فائدة) : يكره طرد الناس عند رمي الجمار لحديث أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله العامري قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمار على ناقة ليس ضرب ولا طرد ولا إليك إليك) قال الترمذي. هذا حديث حسن صحيح،
стр. 380
وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه وهو حديث أيمن بن نابل وهو ثقة عند أهل الحديث، ورواه ابن ماجة من حديث قدامة بن عبد الله المذكور ولفظه: (رأيت رسول الله ﷺ رمى الجمرة يوم النحر على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك) . ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، يروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وميمونة ﵃، وبه قا عطاء وطاووس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لحديث الفضل بن عباس ﵄ قال: (كنت رديف رسول الله ﷺ من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) . رواه الجماعة، ورديفه يومئذ أعلم بحاله من غيره، ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة لما في بعض ألفاظ حديث الفضل (حتى رمي جمرة العقبة قطع عند أول حصاة) رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الأخذ به، وفي رواية من روى أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلبي ولأنه يتحلل بالرمي، وإذا شرع فيه قطع التلبية كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف.
(تنبيه) عبارة الأصحاب صريحة في أنه لا يقطع التلبية إلا إذا ابتدأ في رمي جمرة العقبة، فهل إذا أخر رميها حتى طاف للإفاضة وسعى يلبي حتى يرميها أم لا؟ ظاهر عبارتهم أنه يلبي حتى يشرع في رميها لإطلاقهم ذلك، والذي يترجح عندي أنه إذا شرع في طواف الإفاضة يقطع التلبية كما يقطعها المعتمر إذا شرع في طواف العمرة، لأن طواف الإفاضة شروع في التحلل كالشروع في الرمي وأولى، ولأنه إذا حلق بعد الطواف حصل له التحلل الأول فلم يبق وجه لمشروعية التلبية بعد التحلل مع أنه لم يرم جمرة العقبة، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
стр. 381
(فائدة) أصل مشروعية الرمي كما في مثير الغرام الساكن لابن الجوزي: أنه لما فرغ أبونا إبراهيم ﵊ من بناء البيت أتاه جبريل فأراه الطواف ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطاها إبراهيم، وأخذ سبعاً أيضاً وقال له ارم وكبر، فرميا وكبرا حتى غاب الشيطان، ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان ففعلا كما تقدم، ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما ففعلا كذلك انتهى. قلت وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى) وسكت عنه أبو داود، وأما الترمذي فقال إنه حديث حسن صحيح. فاتضح من هذا الحديث أن أصل مشروعية الرمي هو أيضاً لإقامة ذكر الله تعالى ويأتي في فصل، ثم يرجع من أفاض إلى مكة شيء من أحكام رمي الجمار إن شاء الله تعالى.
(فائدة) : قال ابن القيم ﵀ (سئل ﷺ أن يبنى له بمنى بناء يظله من الحر فقال: لا، منى مناخ لمن سبق إليه) قال وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها وأن من سبق إلى مكان منها فهو أحق به حتى يرتحل عنه ولا يملكه بذلك انتهى كلامه.
وعن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله: ألا تبني لك بمنى بناء يظلك؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، منى مناخ من سبق) رواه الدارمي في سننه والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال ابن القيم أيضاً في الهدي فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة والمسعى ومنى وعرفة ومزدلفة لا يختص بها أحد دون أحد بل هي مشتركة بين الناس؛ إذ هي
стр. 382
محل نسكهم ومتعبدهم فهي مسجد من الله وقفه ووضعه لخلقه ولهذا امتنع النبي ﷺ أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر وقال منى مناخ من سبق انتهى.
تنبيه: إذا ضاقت أرض منى بالحاج ولم يجد موضعاً ينزل فيه بمنى ساغ له أن ينزل في أي أرض تلي أرض منى كمزدلفة ولا دم عليه لأنه معذور حكمه حكم المكره المضطر لأنه لا يستطيع سوى ذلك والله أعلم. وفي أول السنة أعني سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف صدر أمر صاحب السمو الملكي ولي عهد المملكة العربية السعودية علي وعلى جماعة من أعيان أهالي مكة بالنظر في البناء المحدث بمنى وتقرير ما نراه، فتوجهنا إلى منى ونظرنا فيه فقررنا إزالة الأبنية المحدثة والأحوشة التي كادت أن تبلغ وادي محسر فوافق سموه على قرارنا وأمر بإزالة البناء وتوسيع الشوارع فكان ذلك حسنة من حسناته يلقى بها ربه يوم يجزي الله المحسنين ثم عاد بعض الناس إلى البناء بمنى وهذا لا يجوز.
(نكتة) قال الشيخ محمد السفاريني: قال الحافظ بن الجوزي: ربما قال قائل نعلم أن الحجيج خلق كثيرون ويحتاج كل واحد منهم أن يرمي سبعين حصاة (يعني إن تأخر وأما إن تعجل فيكفيه تسع وأربعون) وهذا من زمن أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، والمرمى مكان صغير ثم لا يجوز أن يرمي بحصاة قد رمى بها قبل، ونرى الحصا في المرمى قليلاً فما وجه ذلك؟ فالجواب ما روى عن سعيد بن جبير أنه قال: (الحصا قربان فما قبل منه رفع وما لم يقبل منه بقى) انتهى. قال في المغني: ولأن ابن عباس قال: ما تقبل منها يرفع انتهى وكذلك في الشرح الكبير، وروى الأزرقي بسنده إلى سعيد بن جبير أنه قال: (إنما الحصا قربنان فما تقبل منه
стр. 383
رفع، وما لم يتقبل منه فهو الذي يبقى) وبسنده إلى ابن عمر أنه قال: (والله ما قبل الله من امرئ حجة إلا رفع حصاه) وبسنده إلى ابن عباس أنه قال: (والله ما قبل الله من امرئ حجة إلا رفع حصاه) انتهى، ثم ينحر هديه إن كان معه واجباً كان أو تطوعاً لقول جاب في صفة حجته ﷺ (إنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها) . رواه أحمد ومسلم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره، ثم أمر عليا أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئاً منها وقال نحن نعطيه من عندنا، وقال من شاء اقتطع انتهى.
وفي حديث البراء بن عازب قال: (لما قدم علي من اليمن على رسول الله ﷺ قال لي انحر من البدن سبعا وستين أو ستا وستين وانسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين) رواه أبو داود والنسائي وحديث جابر أصح سنداً من حديث البراء، قوله أو ستاً وستين هكذاً في سنن أبي داود، وكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله ﷺ مائة كما في صحيح مسلم. قال النووي والقرطبي ونقله القاضي عياض عن جميع الرواة: إن الصواب ما وقع في رواية مسلم من (أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَر) لا ما وقع في رواية أبي داود والله أعلم، فإن لم يكن معه هدي وكان عليه هدي واجب لتمتع أو قران أو نحوهما اشتراه وذبحه، وإن أحب أن يضحي اشترى ما يضحي به، وكذا إن أحب أن يتطوع
стр. 384
بهدي ثم يحلق رأسه لقوله تعالى: (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع) . متفق عليه. ويبدأ بشق رأسه الأيمن لحديث أنس (إن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس) .
رواه أحمد ومسلم وأبو داود، ويستقبل القبل في الحلق لأنه نسك أشبه سائر المناسك، ويكبر وقت الحق كالرمي، والأولى أن لا يشارط الحلاق على أجرة، وإن قصر فمن جميع شعر رأسه نص عليه الإمام أحمد لا من كل شعرة بعينها لأن ذلك يشق جداً ولا يكاد يعلم إلا بحلقه، قال في الإنصاف: قلت هذا لا يعدل عنه ولا يسع الناس غيره انتهى لقوله تعالى: (محلقين رءوسكم ومقصرين) وهو عام في جميع شعر الرأس، ولا يجزئ حلق بعض الرأس أو تقصيره لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه فكان ذلك تفسيراً لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير فيجب الرجوع إليه، قال في الشرح الكبير يلزمه الحلق أو التقصير من جميع شعره وكذلك المرأة (يعني في التقصير) وبه قال مالك، وعنه يجزئه بعضه كالمسح كذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي يجزئه التقصير من ثلاث شعرات، وقال ابن المنذر يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له انتهى، وعند أبي حنيفة يجزئ ربع الرأس، وعند أبي يوسف نصفه، ومن لبّد رأسه أو ضفره أو عقصه فكغيره في جواز التقصير، والمرأة تقصر من شعرها على أي صفة كان من ضفر وعقص وغيرهما قدر أنملة فأقل من رؤوس الضفائر لحديث ابن عباس مرفوعاً (ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير) رواه أبو داود والدارقطني والطبراني وقد قوى إسناده البخاري في التاريخ وأبو حاتم في العلل، وحسنه الحافظ، وأعله ابن القطان،
стр. 385
ورد عليه ابن المواق ولأن الحلق مثله في حقهن فتقصر من كل قرن قدر أنملة، ونقل أبو داود تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة، وكذا عبد يقصر ولا يحلق إلا بإذن سيده لأن الحلق ينقص قيمته، قال الزركشي لأن الشعر ملك للسيد ويزيد في قيمته ولم يتعين زواله فلم يكن له ذلك كغير حال من الإحرام، نعم إن أذن له سيده جاز إذ الحلق له انتهى، قال في الغاية: لوا يحلق بلا إذن سيده ويتجه إن نقصت به قيمته انتهى.
ويسن لمن حلق أو قصر أخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه، قال ابن المنذر: (ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلم أظفاره) وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره، ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه لقول ابن عمر للحالق: ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية، وكان عطاء يقول: من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين، وقال في المغني والشرح وكان عطاء وطاووس والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئاً انتهى، قال في الفروع: ويسن أخذ أظفاره وشاربه، وقال ابن عقيل وغيره ومن لحيته انتهى. قال النووي قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أخذ من شاربه أو شعر لحيته شيئاً كان أحب إليّ ليكون قد وضع من شعره شيئاً لله تعالى انتهى. قال ابن حجر الهيتمي: وقد يستأنس لما قاله الشافعي بما صح عن ابن عمر ﵄ (أنه كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه) انتهى. وفي الموطأ عن مالك عن نافع (أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه) .
وعن مالك أنه بلغه أسن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجملتين فقص شاربه وأخذ من لحيته قبل أن يركب وقبل أن يهل محرماً انتهى. قلت يحمل ما ذكروه في الأخذ من اللحية على ما إذا كانت كثيفة وأخذ منها ما زاد على القبضة لأن الأحاديث الصحيحة
стр. 386
صريحة في وجوب إعفاء اللحى، وقد حرم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء المعتبرين حلقها والله أعلم. وكلام الشافعي يدل على أن الأخذ منها لأجل التقرب إلى الله بذلك لقوله ليكون قد وضع من شعره شيئا لله تعالى والله أعلم.
ويجب الاحتراز عند الحلق والتقصير من حلق أو تقصير الشعر النازل عن حد الرأس كالعنق والعارض قبل إكمال حلق الرأس أو تقصيره فإنه محظور، أما إذا كان الحلق بعد رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة جاز له ذلك لأنه قد حصل له التحلل الأول بهما فحل له كل شيء إلا النساء والله أعلم. قال في شرح الإقناع قال أبو حكيم ثم يصلي ركعتين انتهى، يعني بعد الحلق أو التقصير، قال بعض علماء الشافعية: لم أر أحداً من أصحابنا قال بسنية الركعتين بعد الحلق بل الذي يتجه كراهتهما قياساً على الصلاة بعد السعي بجامع عدم ورود كل انتهى. قلت ما قاله البعض وجيه لعدم ورود سنية الركعتين عنه ﷺ وقد قال (خذوا عني مناسككم) ولم ينقل أنه فعل ذلك ولا أمر به ولا أقرّ عليه والله أعلم. قال في المغني: والأصلع الذي لا شعر على رأسه يستحب أن يمر الموسى على رأسه، روى ذلك عن ابن عمر، وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الأصلع يمر الموسى على رأسه وليس ذلك واجباً، وقال أبو حنيفة لأن النبي ﷺ قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر. ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده، ولأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كإمراره على الشعر من غير حلق انتهى. قال في المنتهى: وسن إمرار الموسى على من عدمه انتهى. قال في الإقناع
стр. 387
ومن عدم الشعر استحب أن يمر الموسى على رأسه انتهى، قال في الإنصاف وفي النفس من ذلك شيء وهو قريب من العبث انتهى.
قال في الشرح الكبير: وبأي شيء قصر الشعر أجزأه وكذلك إن نتفه أو أزاله بنورة لأن القصد إزالته ولكن السنة الحلق أو التقصير لأن النبي ﷺ حلق رأسه انتهى. والحلق أفضل من التقصير لأن النبي ﷺ فعله، ولحديث أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلفين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين قال وللمقصرين) متفق عليه. ولفظ أبي داود: (ارحم) . ثم بعد رمي جمرة العقبة وحلق أو تقصير قد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من الطيب والصيد واللباس وغير ذلك إلا النساء، نص عليه في رواية الجماعة وطئاً ومباشرة وقبلة ولمساً بشهوة وعقد نكاح لحديث عائشة مرفوعاً: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء) رواه سعيد، وعن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك) متفق عليه. وللنسائي (طُيَّب رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت) وهذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم وطاووس والنخعي وعبد الله بن الحسين وخارجة بن زيد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعن الإمام أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره، وقال مالك لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وهذا حرام. ومذهب الجمهور يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وإنما بقي عليه بعض أحكام الإحرام، قال في الفروع
стр. 388
ثم قد حل له كل شيء إلا النساء.
قال القاضي وابنه وابن الزاغوني والشيخ (يعني الموفق) وجماعة والعقد، وظاهر كلام أبي الخطاب وابن شهاب وابن الجوزي حله وقاله شيخنا (يعني شيخ الإسلام) وذكره عن أحمد، قال في التصحيح القول الأول وهو المنع أيضاً من عقد النكاح اختاره من ذكره المصنف واختاره ابن نصر الله في حواشيه وابن منجا في شرحه وجزم به في الرعاية الكبرى. والقول الثاني ظاهر كلام أكثر الأصحاب وهو الصواب انتهى، ومشى في الإقناع وشرح المنتهى وغيرهما من كتب متأخري الأصحاب على المنع من عقد النكاح بعد التحلل الأول وقبل الثاني إلحاقاً بالوطء والمباشرة والقبلة واللمس بشهوة والله أعلم.
-- فصل:
ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي لجمرة العقبة، وحلق أو تقصير، وطواف إفاضة؛ لحديث سعيد عن عائشة السابق وقيس الطواف على الحلق والرمي، فلو حلق وطاف ثم واقع أهله قبل الرمي فحجه صحيح وعليه دم لوطئه، فلو ترك الرمي بأن ذهب إلى أهله ولم يرم فعليه دم أيضاً لتركه الرمي، ويحصل التحلل الثاني بالثالث من الحلق والرمي والطواف مع السعي، إن كان متمتعاً ولو سعى مع عمرته أو كان مفرداً أو قارناً ولم يسع مع طواف القدوم، فعلى هذا يحصل التحلل الثاني باثنين من أربعة، فإن كان المفرد أو القارن سعى مع طواف القدوم لمن تسن له إعادة السعي كسائر الأنساك لأنه لا يشرع تكراره كما سبق، ولو طاف ولم يكن سعى لم يحل حتى يسع في الأصح، قال في المغني والشرح والحلق أو التقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وهو قول
стр. 389
مالك وأبي حنيفة والشافعي: وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس وقتل الصيد والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه، ووجهها (أن النبي ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله) فروى أبو موسى، قال: (قدمت على رسول الله ﷺ فقال لي بِمَ أهللت؟ قلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ . قال أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال لي أحل) . متفق عليه. وعن جابر (أن النبي ﷺ لما سعى بين الصفا والمروة قال: من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة) . رواه مسلم. ولأن ما كان محرماً في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور كسائر محرماته، والرواية الأولى أصح فإن النبي ﷺ أمر به، فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال (من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل) .
وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (أحلوا إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا) وأمره يقتضي الوجوب ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه: (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد ولأن النبي ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثاً وعلى المقصرين مرة ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلوا به ولو لم يكن نسكاً لما داوموا عليه بل لم يفعلوه لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله. وأما أمره بالحل فإنما معناه والله أعلم الحل بفعله، لأن ذلك كان مشهوراً عندهم فاستغنى عن ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان
стр. 390
محرماً فيها كالسلام من الصلاة انتهى. واختار ابن القيم ﵀ أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور، وهو الذي مشى عليه في المنتهى والإقناع وغيرهما من كتب الأصحاب وهو المذهب، فعليه إذا ترك الحلق والتقصير معاً وجب عليه دم، وعلم من كونهما نسكاً أنه لا بد من نيتهما كنية الطواف نبه عليه الشيخ منصور في كل من شرح المنتهى والحاشية، وإن أخر الحلق والتقصير عن أيام منى فلا دم عليه لأنه لا حدَّ لآخرهما كما أنه لا حدَّ لطواف الإفاضة لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى تبلغ الهدي محله) فبين أول وقته دون آخره فمتى أتى به أجزأه، وبهذا قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور.
وعن أحمد عليه دم بتأخيره الحلق والتقصير عن أيام منى، وهو مذهب الحنفية لأنه نسك أخره عن محله، ومن ترك نسكاً فعليه دم، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي، وقال مالك الثوري وإسحق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: من تركه حتى حل فعليه دم لأنه نسك فوجب أن يأتي به قبل الحل كسائر مناسكه، قال في الشرح الكبير: وهل يحل قبله؟ فيه روايتان: إحداهما أن التحلل إنما يحصل بالحلق والرمي معاً وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ولأنهما نسكان يتعقبها الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمر. والثانية يحصل التحلل بالرمي وحده وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور، قال شيخنا (يعني عمه الموفق) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وكذلك قال ابن عباس: قال بعض أصحابنا هذا ينبني على الخلاف في الحلق إن قلنا هو نسك حصل الحل به، وإلا حصل بالرمي وحده وهو الذي ذكره شيخنا
следующие страницы →