← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صريحة في وجوب إعفاء اللحى، وقد حرم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء المعتبرين حلقها والله أعلم. وكلام الشافعي يدل على أن الأخذ منها لأجل التقرب إلى الله بذلك لقوله ليكون قد وضع من شعره شيئا لله تعالى والله أعلم. ويجب الاحتراز عند الحلق والتقصير من حلق أو تقصير الشعر النازل عن حد الرأس كالعنق والعارض قبل إكمال حلق الرأس أو تقصيره فإنه محظور، أما إذا كان الحلق بعد رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة جاز له ذلك لأنه قد حصل له التحلل الأول بهما فحل له كل شيء إلا النساء والله أعلم. قال في شرح الإقناع قال أبو حكيم ثم يصلي ركعتين انتهى، يعني بعد الحلق أو التقصير، قال بعض علماء الشافعية: لم أر أحداً من أصحابنا قال بسنية الركعتين بعد الحلق بل الذي يتجه كراهتهما قياساً على الصلاة بعد السعي بجامع عدم ورود كل انتهى. قلت ما قاله البعض وجيه لعدم ورود سنية الركعتين عنه ﷺ وقد قال (خذوا عني مناسككم) ولم ينقل أنه فعل ذلك ولا أمر به ولا أقرّ عليه والله أعلم. قال في المغني: والأصلع الذي لا شعر على رأسه يستحب أن يمر الموسى على رأسه، روى ذلك عن ابن عمر، وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الأصلع يمر الموسى على رأسه وليس ذلك واجباً، وقال أبو حنيفة لأن النبي ﷺ قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر. ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده، ولأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كإمراره على الشعر من غير حلق انتهى. قال في المنتهى: وسن إمرار الموسى على من عدمه انتهى. قال في الإقناع

стр. 387

ومن عدم الشعر استحب أن يمر الموسى على رأسه انتهى، قال في الإنصاف وفي النفس من ذلك شيء وهو قريب من العبث انتهى. قال في الشرح الكبير: وبأي شيء قصر الشعر أجزأه وكذلك إن نتفه أو أزاله بنورة لأن القصد إزالته ولكن السنة الحلق أو التقصير لأن النبي ﷺ حلق رأسه انتهى. والحلق أفضل من التقصير لأن النبي ﷺ فعله، ولحديث أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلفين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين، قالوا يا رسول الله وللمقصرين قال وللمقصرين) متفق عليه. ولفظ أبي داود: (ارحم) . ثم بعد رمي جمرة العقبة وحلق أو تقصير قد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من الطيب والصيد واللباس وغير ذلك إلا النساء، نص عليه في رواية الجماعة وطئاً ومباشرة وقبلة ولمساً بشهوة وعقد نكاح لحديث عائشة مرفوعاً: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء) رواه سعيد، وعن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك) متفق عليه. وللنسائي (طُيَّب رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت) وهذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم وطاووس والنخعي وعبد الله بن الحسين وخارجة بن زيد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعن الإمام أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره، وقال مالك لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وهذا حرام. ومذهب الجمهور يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وإنما بقي عليه بعض أحكام الإحرام، قال في الفروع

стр. 388

ثم قد حل له كل شيء إلا النساء. قال القاضي وابنه وابن الزاغوني والشيخ (يعني الموفق) وجماعة والعقد، وظاهر كلام أبي الخطاب وابن شهاب وابن الجوزي حله وقاله شيخنا (يعني شيخ الإسلام) وذكره عن أحمد، قال في التصحيح القول الأول وهو المنع أيضاً من عقد النكاح اختاره من ذكره المصنف واختاره ابن نصر الله في حواشيه وابن منجا في شرحه وجزم به في الرعاية الكبرى. والقول الثاني ظاهر كلام أكثر الأصحاب وهو الصواب انتهى، ومشى في الإقناع وشرح المنتهى وغيرهما من كتب متأخري الأصحاب على المنع من عقد النكاح بعد التحلل الأول وقبل الثاني إلحاقاً بالوطء والمباشرة والقبلة واللمس بشهوة والله أعلم. -- فصل: ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي لجمرة العقبة، وحلق أو تقصير، وطواف إفاضة؛ لحديث سعيد عن عائشة السابق وقيس الطواف على الحلق والرمي، فلو حلق وطاف ثم واقع أهله قبل الرمي فحجه صحيح وعليه دم لوطئه، فلو ترك الرمي بأن ذهب إلى أهله ولم يرم فعليه دم أيضاً لتركه الرمي، ويحصل التحلل الثاني بالثالث من الحلق والرمي والطواف مع السعي، إن كان متمتعاً ولو سعى مع عمرته أو كان مفرداً أو قارناً ولم يسع مع طواف القدوم، فعلى هذا يحصل التحلل الثاني باثنين من أربعة، فإن كان المفرد أو القارن سعى مع طواف القدوم لمن تسن له إعادة السعي كسائر الأنساك لأنه لا يشرع تكراره كما سبق، ولو طاف ولم يكن سعى لم يحل حتى يسع في الأصح، قال في المغني والشرح والحلق أو التقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وهو قول

стр. 389

مالك وأبي حنيفة والشافعي: وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس وقتل الصيد والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه، ووجهها (أن النبي ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله) فروى أبو موسى، قال: (قدمت على رسول الله ﷺ فقال لي بِمَ أهللت؟ قلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ . قال أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال لي أحل) . متفق عليه. وعن جابر (أن النبي ﷺ لما سعى بين الصفا والمروة قال: من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة) . رواه مسلم. ولأن ما كان محرماً في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور كسائر محرماته، والرواية الأولى أصح فإن النبي ﷺ أمر به، فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال (من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل) . وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (أحلوا إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا) وأمره يقتضي الوجوب ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه: (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد ولأن النبي ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثاً وعلى المقصرين مرة ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلوا به ولو لم يكن نسكاً لما داوموا عليه بل لم يفعلوه لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله. وأما أمره بالحل فإنما معناه والله أعلم الحل بفعله، لأن ذلك كان مشهوراً عندهم فاستغنى عن ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان

стр. 390

محرماً فيها كالسلام من الصلاة انتهى. واختار ابن القيم ﵀ أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور، وهو الذي مشى عليه في المنتهى والإقناع وغيرهما من كتب الأصحاب وهو المذهب، فعليه إذا ترك الحلق والتقصير معاً وجب عليه دم، وعلم من كونهما نسكاً أنه لا بد من نيتهما كنية الطواف نبه عليه الشيخ منصور في كل من شرح المنتهى والحاشية، وإن أخر الحلق والتقصير عن أيام منى فلا دم عليه لأنه لا حدَّ لآخرهما كما أنه لا حدَّ لطواف الإفاضة لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى تبلغ الهدي محله) فبين أول وقته دون آخره فمتى أتى به أجزأه، وبهذا قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور. وعن أحمد عليه دم بتأخيره الحلق والتقصير عن أيام منى، وهو مذهب الحنفية لأنه نسك أخره عن محله، ومن ترك نسكاً فعليه دم، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي، وقال مالك الثوري وإسحق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: من تركه حتى حل فعليه دم لأنه نسك فوجب أن يأتي به قبل الحل كسائر مناسكه، قال في الشرح الكبير: وهل يحل قبله؟ فيه روايتان: إحداهما أن التحلل إنما يحصل بالحلق والرمي معاً وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ولأنهما نسكان يتعقبها الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمر. والثانية يحصل التحلل بالرمي وحده وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور، قال شيخنا (يعني عمه الموفق) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وكذلك قال ابن عباس: قال بعض أصحابنا هذا ينبني على الخلاف في الحلق إن قلنا هو نسك حصل الحل به، وإلا حصل بالرمي وحده وهو الذي ذكره شيخنا

стр. 391

في كتابه المشروح انتهى كلام الشارح، ومراده بالكتاب المشروح المقنع لأن الشرح الكبير شرح له: وعبارة المغني قال: ظاهر كلام الخرقي هاهنا أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معاً وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمرة. وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل وإذا وطيء بعد جمرة العقبة فعليه دم ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة: (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وكذلك قال ابن عباس: قال بعض أصحابنا هذا ينبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا نسك حصل الحل به، وإلا فلا انتهى. قلت: تقدم أن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: رمي، وحلق أو تقصير، وطواف إفاضة، وأن الحلق والتقصير نسك وهذا هو الصحيح من المذهب وعليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً. وإن قدم الحلق على الرمي أو على النحر أو طاف للزيارة قبل رميه أو نحر قبل رميه جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالماً لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي؟ فقال ارم ولا حرج، وأتاه آخر: فقال إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال ارم ولا حرج، وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال ارم

стр. 392

ولا حرج، قال فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج) . متفق عليه. وعنه قال: (وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال اذبح ولا حرج، ثم جاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج، قال فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدّم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج) . رواه مسلم. وعن عليّ قال: (جاء رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر؟ قال: انحر ولا حرج، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق؟ قال: احلق أو قصر ولا حرج) . رواه أحمد، وقوله ﷺ : ولا حرج، يدل على أنه لا إثم ولا دم فيه، قال في الإقناع وشرحه: لكن يكره ذلك للعالم خروجاً من الخلاف، قال في الغاية، لكن السنة تقديم رمي فنحر فطواف انتهى. قال في المغني والشرح وروى ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت قال لا حرج رواه البخاري فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد، وبه قال أبو حنيفة وإسحق، وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف وابن المنذر يرمي ليلاً لقول النبي ﷺ ارم ولا حرج، ولنا أن ابن عمر ﵄ قال من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد، وقول النبي ﷺ ارم ولا حرج إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم النحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس. وقال مالك يرمي ليلاً وعليه دم ومرة قال لا دم عليه انتهى. وعند المالكية: إن قدم الحلق على الرمي فعليه دم، وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمي الجمرة،

стр. 393

فأما النحر قبل الرمي فجائز لأن الهدي قد بلغ محله، وعندهم أيضاً لا تجزئه الإفاضة قبل الرمي، وعند الحنفية إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، فإن كان قارناً فعليه دمان. ومذهب الحنابلة هو ما تقدم للأحاديث الصحيحة الواردة في رفع الحرج عمن قدم أو أخر شيئاً قبل شيء. قال ابن القيم ﵀ بعد كلام له سبق: وهناك سئل ﷺ عمن حلق قبل أن يرمي، وعمن ذبح قبل أن يرمي، فقال: لا حرج إلى أن قال: وقال أسامة بن شريك (خرجت مع النبي ﷺ حاجاً وكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئاً وقدمت، فكان يقول لا حرج لا حرج إلا على رجل اعترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك) . وقوله سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والسنة أن يرمي جمرة العقبة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة لأن النبي ﷺ رتبها كذلك، فإن أخل بترتيبها فلا شيء عليه وتقدم قريباً، ثم يخطب الإمام أو نائبه يوم النحر بكرة النهار بمنى خطبة مفتتحة بالتكبير يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي للجمرات كلها أيام منى لحديث أبي بكرة قال (خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست بالبلدة؟ قلنا: بلى، قال: فإن

стр. 394

دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مُبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) رواه أحمد والبخاري، وعن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر يعني بمنى، وفيه: ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت) . رواه البخاري. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وخطب ﷺ الناس يعني بمنى خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند الله وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وقال لعلي لا أحج بعد عامي هذا، وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع وقال في خطبته: (لا يجني جان إلا على نفسه) وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها والناس حولهم وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم، وقال في خطبته تلك: (اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم) ، وودع حينئذ الناس فقالوا حجة الوداع انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قال عطاء كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف قاله في المغني وتقدم. ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر لأن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر (هذا يوم الحج الأكبر) رواه البخاري، وسمي بذلك لكثرة أفعال الحج فيه: من الوقوف بالشعر والدفع منه إلى منى والرمي والنحر والحلق

стр. 395

وطواف الإفاضة والرجوع إلى منى ليبيت بها وليس في غيره مثله، وهو مع ذلك يوم عيد ويوم يحل فيه من إحرام الحج. -- فصل: ثم يفيض إلى مكة فيطوف متمتع لقدومه كطوافه لعمرته السابق في دخول مكة نصاً بلا رمل ولا اضطباع لأنه قد رمل في طواف العمرة، ثم يطوف للزيارة واختار ذلك الخرقي وأكثر الأصحاب، ويطوف مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة للقدوم نصاً برمل واضطباع ثم للزيارة، قال الخرقي وإن كان متمتعاً فيطوف بالبيت سبعاً وبالصفا والمروة سبعاً كما فعل للعمرة ثم يعود فيطوف طوافاً ينوي به الزيارة وهو قوله : (وليطوفوا بالبيت العتيق) . قال أبو محمد موفق الدين بن قدامة: أما الطواف الأول الذي ذكره الخرقي هاهنا فهو طواف القدوم لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك، والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله رحمه الله تعالى فإذا رجع، أعني المتمتع، كم يطوف ويسعى؟ قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافاً آخر للزيارة عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه، وكذا الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهم يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضاً، واحتج الإمام أحمد بما روت عائشة قالت: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ولأنه قد ثبت أن

стр. 396

طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطاً له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض، ولم أعلم أحد وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابة الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي ﷺ أحداً، وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافاً آخر ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافاً واحداً فمن أين يستدل به على طوافين، وأيضاً فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمر بأمر النبي ﷺ ولم تكن طافت للقدوم ولا أمرها به النبي ﷺ ، وقد ذكر الخرقي في موضع آخر في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج أهلت بالحج وكانت قارنة ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة لأنه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. وفي الجملة إن هذا الطواف المختل فيه ليس بواجب وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد في أنه ركن للحج لا يتم إلا به ولا بد من تعيينه، فلو نوى به طواف الوداع أو غيره لم يجئه انتهى كلام الموفق، واختار الشيخ تقي الدين ما رجحه الموفق وصححه الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب. قال ابن القيم رحمه الله تعالى

стр. 397

بعدما حكى كلام الموفق المتقدم قلت: لم يرفع كلام أبي محمد الإشكال وإن كان الذي أنكره هو الحق كما أنكره، والصواب في إنكاره، فإن أحداً لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي ﷺ هذا لم يقطع قطعاً، ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا طوافاً واحداً وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا غير طواف الزيارة قطعاً فإنه يشترك فيه القارن والتمتع فلا فرق بينهما فيه، ولكن الشيخ أبو محمد لما رأى قولها في المتمتعين أنهم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، قال لبس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق ولكن لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت في الحديث وهذا لا يتبين ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال، فالصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت وزال الإشكال جملة، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافاً آخر يوم النحر وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافاً آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور، وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي ﷺ : (يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك) وكانت قارنة ويوافق قول الجمهور، ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) طوافه

стр. 398

الأول هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى والمثبت مقدم على النافي، أو يقال مراد جابر من قرن مع النبي ﷺ وساق الهدي كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي ﵃ وذوي اليسار فإنهم إنما سعوا سعياً واحداً وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم انتهى كلام ابن القيم. قلت: ويأتي قريباً إن شاء الله البحث في مسألة المتمتع هل يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة لعمرته وحجه أم لا بد من سعيين بينهما، والله الهادي إلى سواء السبيل. قال الموفق والشارح: والأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن لا يتم الحج إلا به بغير خلاف. وطواف القدوم، وهو سنة لا شيء على تاركه. وطواف الوداع، وهو واجب يجب بتركه دم، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم ولا شيء على تارك طواف الوداع، وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل ولا شرع في حقه أكثر من سعي واحد بغير خلاف علمناه. قال جابر: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول) . رواه مسلم، ولا يكون السعي إلا بعد الطواف، فإن سعى مع طواف القدوم لم يسع بعده، وإن لم يسع معه سعى مع طواف الزيارة انتهى ملخصاً، وسمي طواف الزيارة بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكن بل يرجع إلى منى، ويسمى طواف الزيارة الإفاضة لأنه يفعل بعدها، قال في الإقناع: ويسمى الصَّدر بفتح الصاد والدال المهملة: وهو رجوع المسافر من مقصده لأنه يفعل بعده أيضاً، وما ذكره في الإقناع من

стр. 399

أنه يسمى طواف الصدر قاله ابن أبي الفتح في المطلع وابن حمدان في الرعاية والسامري في المستوعب وقدمه الزركشي، وصحح في الإنصاف أن طواف الصدر هو طواف الوداع وتبعه في المنتهى، ويعين طواف الزيارة بنيته لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وكالصلاة، ويكون طواف الزيارة بعد وقوفه بعرفة لأن النبي ﷺ طاف كذلك، وقال: (خذوا عني مناسككم) وطواف الزيارة هو الطواف الذي به تمام الحج فهو ركن من أركانه إجماعاً قاله ابن عبد البر، لقوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) ، وعن عائشة قالت: (حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله فقلت: يا رسول الله إنها حائض، قال أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا) متفق عليه. فعلم منه أنها لو مل تكن أفاضت يوم النحر لكانت حابستهم فيكون طواف الزيارة حابساً لمن لم يأت به، فإن رجع إلى بلده قبل أن يطوف للزيارة رجع من بلده باقياً على إحرامه بمعنى بقاء تحريم النساء عليه لا الطيب، وليس المخيط ونحوه لحصول التحلل الأول إن كان رمى جمرة العقبة وحلق، وإذا رجع من بلده طاف طواف الإفاضة وتقدم حكم ما لو وطئ قبل طواف الإفاضة، والرمي في الثامن من محظورات الإحرام، قال في شرح الإقناع: ويحرم بعمرة إذا وصل إلى الميقات فإذا حل منها طاف للإفاضة انتهى. قلت: قد يقال إن هذا من إدخال العمرة على الحج وفيه ما تقدم، وقد يقال الممنوع هو إدخال العمرة على الحج الكامل بخلاف ما إذا لم يكن بقي من الحج إلا طواف الإفاضة فقط والله أعلم. ويأتي في فصل أركان الحج وفي باب الإحصار البحث في هذه المسألة، ولا يجزئ عن طواف الإفاضة غيره

стр. 400

من طواف الوداع أو غيره لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وأول وقت طواف الزيارة من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل، وإلا يكن وقف بعرفة فوقته بعد الوقوف بعرفة فلا يعتد به قبله وفعله يوم النحر أفضل لحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى) متفق عليه، وفي حديث جابر (أن النبي ﷺ صلى بمكة الظهر) . رواه مسلم. قال ابن القيم ﵀ لما ساق بعض الأوهام التي ذكرها بعضهم في صفة حجة النبي ﷺ قال: ومنها على القول الراجح وهم من قال صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى انتهى، وإن أخر طواف الزيارة إلى الليل فلا بأس بذلك، وإن أخره عن يوم النحر وعن أيام منى جاز كالسعي، ولا شيء عليه لأن آخر وتقه غير محدود، وعند الشافعية أول وقت طواف الزيارة من نصف الليل من ليلة النحر ويبقى إلى آخر العمر، والأفضل في وقته أن يكون في يوم النحر، ويكره عندهم تأخيره إلى أيام التشريق من غير عذر، وعند الحنفية أوله طلوع الفجر من يوم النحر وآخره آخر أيام النحر، وعند المالكية يدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر وآخره تمام شهر ذي الحجة، وإن دخل شهر محرم فعليه دم. قال الحطاب وكذا لو طاف للإفاضة وأخر السعي حتى دخل شهر محرم فنه يعيد طواف الإفاضة ويسعى وعليه الهدي كما ذكره سند في باب المحصر انتهى كلامه، ثم يسعى متمتع لحجه بين الصفا والمروة لأن سعيه الأول كان لعمرته، ولا يكتفى بسعي عمرته لأنها نسك آخر بل يسعى لحجه، ويسعى من لم يسع مع طواف القدوم من مفرد وقارن، ومن سعى منهما لم يعده لأنه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر الأنساك إلا الطواف بالبيت لأنه صلاة، قال في الشرح الكبير: ولا نعلم فيه خلافاً، والسعي ركن في الحج فلا يتحلل.

стр. 401

التحلل الثاني إلا بفعله لحديث حبيبة بنت أبي تجراة قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو رواؤهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) رواه أحمد، وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب دخول مكة في فصل: ثم يخرج إلى الصفا فليراجع. وعن عائشة (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة) متفق عليه مختصر فإن فعل السعي قبل الطواف عالماً أو ناسياً أو جاهلاً أعادة لما تقدم من أن شرط السعي وقوعه بعد الطواف. قلت عبارات الأصحاب صريحة واضحة في أن المتمتع إذا أفاض إلى مكة يلزمه بعد طواف الإفاضة السعي بين الصفا والمروة لحجه، لأن سعيه الأول كان لعمرته. والعمرة نسك آخر. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وليس على المفرد إلا سعي واحد وكذلك القارن عند جمهور العلماء وكذلك المتمتع في أصح قوليهم وهو أصح الروايتين عن أحمد، وليس عليه إلا سعي واحد فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف، فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن، وكذلك قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، قيل لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين يعني بالبيت وبين الصفا والمروة فهو أجود، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس، وإن طاف طوافين فهو أعجب إليّ. قال أحمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول: المفرد والقارن والمتمتع بجزئه طواف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة. وقد اختلف في الصحابة المتمتعين مع النبي ﷺ مع اتفاق الناس على إنهم طافوا أولاً بالبيت بين الصفا والمروة ولما رجعوا من عرفة قيل إنهم سعوا أيضاً

стр. 402

بعد طواف الإفاضة، وقيل لم يسعوا، وهذا هو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر قال: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول) ، وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين، لكن هذه الزيادة قيل إنها من قول الزهري لا من قول عائشة، وقد احتج به بعضهم على أنه يستحب طوافان بالبيت وهذا ضعيف: والأظهر ما في حديث جابر ويؤيده قوله ﷺ (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة فالمتمتع من حين أحرم بالعمر دخل في الحج لكنه فصل بتحلل ليكون أيسر على الحاج، وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف، بل هذا الطواف هو السنة في حقه كما فعل الصحابة مع النبي ﷺ ، فإذا طاف طواف الإفاضة فقد حل له كل شيء النساء وغير النساء انتهى. كلام شيخ الإسلام. قوله ﵀ وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين مراده بحديث عائشة الحديث المتقدم الذي تكلم عليه ابن القيم ﵀، وقد جاء في (فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلو ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) ، ومراد عائشة بهذا الطواف الآخر هو السعي بين الصفا والمروة كما هو ظاهر كلام شيخ الإسلام المتقدم، وقد حققه ابن القيم كما تقدم قريباً، وقوله ﵀: ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف إلى آخره خلافاً لما ذهب إليه الخرقي وهي رواية الأثرم عن أحمد وتقدم ذلك قريباً والله أعلم. وقال في الفروع بعد كلام سبق: وعند يجزئ سعي عمرته واختاره شيخنا انتهى. يعني صاحب الفروع أن المتمتع إذا سعى لعمرته يجزئه سعيها فلا يحتاج بعد ذلك إلى سعي آخر بين الصفا والمروة لحجه على هذه الرواية التي اختارها

стр. 403

شيخه سيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قلت: وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا أي الحل؟ قال: الحل كله، قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة) فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن المتمتع يكفيه سعي واحد لعمرته وحجه بين الصفا والمروة، ولقد أوّل النووي هذا الحديث وصرفه عن ظاهره حيث قال في شرح مسلم على هذا الحديث: قوله وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة يعني القارن منا وأما المتمتع فلا بد له من السعي بين الصفا والمروة في الحج بعد رجوعه من عرفات وبعد طواف الإفاضة انتهى كلام النووي. قلت: هذا صرف للحديث عن ظاهره الذي لا يحتمل التأويل، لأن قوله في الحديث (فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة) صريح واضح في أنهم حلوا من إحرام العمر فإنهم أهلوا أولاً بالحج مفردين له ثم بعد طوافهم بالبيت وبين الصفا والمروة أمر ﷺ من لم يكن معهد هدي منهم بفسخ الحج إلى العمر فسمعوا وأطاعوا وفسخوا حجهم فصار حكمهم بعد الفسخ حكم المتمتع ابتداء، ولو كانوا قارنين كما جنح إليه النووي ما أتوا النساء ولا لبسوا الثياب ولا مسوا الطيب، لأن القارنين يثبتون على إحرامهم كالمفردين ولا يحلون إلا يوم النحر، إذا تقرر ذلك فإن هذا الحديث صريح في أن المتمتع يكفيه السعي لعمرته وأنه

стр. 404

لا يحتاج بعد طواف الإفاضة إلى سعي بين الصفا والمروة لحجه، ويدل لذلك أيضاً الحديث الآخر عن جابر أيضاً، قال: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول) . رواه مسلم. فإن قيل: النبي ﷺ كان قارناً والقارن يكفيه سعي واحد. قلنا هذا مسلَّم ولكن معظم الصحابة ﵃ كانوا متمتعين لأنهم فسخوا حجهم إلى العمرة وحلوا من إحرامهم بأمر النبي ﷺ حيث لم يكن معهم هدي، وحديث جابر هذا صريح في أنهم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً قبل التعريف فهو عام يشمل القارن والمتمتع، وإذا قيل إن الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً هم القارنون لا المتمتعون قلنا هذا تقييد لما أطلقه الحديث بغير دليل مع أن حديث جابر المتقدم لا يحتمل مجالاً لقائل، حيث جاء فيه: (فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة) ويؤيد ذلك ما في سنن أبي داود، عن جابر قال (قدم رسول الله صلى الله عليه وأصحابه لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة قال رسول الله ﷺ اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة) انتهى ويؤيد ذلك أيضاً ما في سنن النسائي. قال النسائي في سننه: كم طواف القارن والمتمتع بين الصفا والمروة؟ وساق بسنده إلى جابر ﵁ أنه قال: (لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) انتهى، قال السندي في حاشيته على سنن النسائي قوله وأصحابه: أي الذي وافقوه في القران، وقيل بل مطلقاً والصحابة كانوا

стр. 405

ما بين قارن ومتمتع وكل منهما يكفيه سعي واحد وعليه بنى المصنف يعني النسائي ترجمته انتهى كلام السندي. قلت: فترجمة النسائي لحديث جابر وهي قوله كم طواف القارن والمتمتع بين الصفا والمروة تفيد أنه يرى شمول الحديث للقارن والمتمتع جميعاً والله أعلم، ولكن يشكل على ما تقدم ما روى البخاري في صحيحه في باب قول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال عن ابن عباس ﵄ (أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهلّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعال: (فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) إلى أمصاركم الشاة تجزئ فجمعوا النسكين في عام بين الحج والعمرة الحديث، قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: قوله فقد تم حجنا ومن هنا أي من قوله فقد تم حجنا إلى آخر الحديث موقوف على ابن عباس، ومن هنا إلى أوله مرفوع انتهى، فحديث ابن عباس هذا يدل على أن المتمتع لا يكفيه لعمرته وحجه سعي واحد بين الصفا والمروة وأنه لا بد له من سعيين واحد للعمرة وآخر للحج والله أعلم. قلت: ومما تقدم يتضح أن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة لعمرته وحجه لحديث جابر المتقدم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورواية عن الإمام أحمد، وإن سعى بينهما مرتين واحدة لعمرته، وأخرى لحجه عملاً بحديث ابن عباس المتقدم فهو أحوط وهو قول جمهور

стр. 406

العلماء والله أعلم، ثم بعد التحلل الثاني قد حل له كل شيء حتى النساء. فائدة: إذا مرض من أحرم بالحج وأتى ببعض المناسك وعجز عن طواف الإفاضة فإنه يطاف به محمولاً أو راكباً ولا يستنيب إن كان حجه فرضاً، فإن كان نفلا جاز له أن يستنيب ولو لغير عذر، لأنه إذا جازت الاستنابة في كل الحج ولو لغير عذر جازت في بعضه من باب أولى، والله أعلم. تتمة: إذا توفي إنسان وقد بقي عليه بعض مناسك الحج فإنها تفعل عنه بعد موته، ولا فرق بين الفرض والنفل ولا كون الحج عن نفسه أو عن غيره، وتقدم في فصل الاستنابة في الحج أول الكتاب فليراجع كما تقدم ذلك أيضاً في باب محظورات الإحرام، ولكن في صحيح البخاري ما نصه: باب المحرم يموت بعرفة، ولم يأمر النبي ﷺ أن يؤدى عنه بقية الحج، ثم ذكر حديث الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفة، قال القسطلاني في شرحه على البخاري بعد قول المصنف بقية الحج: أي كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة لأن أثر إحرامه باق لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، وإنما لم يأمر النبي ﷺ أن يؤدى عنه بقية الحج لأنه مات قبل التمكن من أداء بقيته فهو غير مخاطب به كمن شرع في صلاة مفروضة أول وقتها فمات في أثنائها فإنه لا تبعة عليه فيها إجماعاً انتهى كلام القسطلاني. -- فصل: ثم يأتي زمزم فيشر منها لما أحبَّ لحديث جابر قال قال رسول الله ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) . رواه أحمد وابن ماجة وابن أبي شيبة والبيهقي والدارقطني والحاكم وصححه المنذري والدمياطي وحسنه الحافظ وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وقد تفرد به كما قال البيهقي وهو ضعيف وأعله ابن القطان

стр. 407

به، وقد رواه البيهقي من طريق أخرى عن جابر، وفيه سويد بن سعيد، وهو ضعيف جداً وإن كان مسلم قد أخرج له فإنما أخرج له في المتابعات، لكن يأتي في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن عبد الله بن المبارك روى هذا الحديث عن ابن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر، وأن ابن أبي الموالي ثقة وعن عائشة ﵂ (أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وأخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وعن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت الله رسوله ﷺ بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني فشرب، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه) رواه البخاري. وفي الحديث كراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات وأن الأصل فيها الطهارة والنظافة حتى يتحقق ما يخالف الأصل. وفيه تواضعه ﷺ حيث شرب من ماء زمزم وهم يضعون أيديهم فيه. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لتستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع ظَمِئك قطعه الله، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله، وهي هزمة جبريل وسقيا إسماعيل) . رواه الدارقطني قال: فكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم، قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً

стр. 408

واسعاً، وشفاء من كل داء. قوله: ماء زمزم لما شرب له، فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب إذا شاء الله لأي أمر شربه لأجله سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة، لأن (ما) في قوله لما شرب له من صيغ العموم. قوله: لولا أن تغلبوا وذلك بأن يظن الناس أن النزع سنة فينزع كل رجل لنفسه فيغلب أهل السقاية عليها. قوله: لا يتضلعون: أي لا يروون من ماء زمزم. قال في القاموس: وتضلع: امتلأ شبعاً أو رياً حتى بلغ الماء أضلاعه انتهى. قوله: هزمة جبريل بالزاي: أي حفرة جبريل لأنه ضربها برجله فنبع الماء، قال في القاموس: هزمه يهزمه: غمزه بيده فصارت فيه حفرة، ثم قال: والهزائم البئار الكبيرة الغزر الماء. قوله: وسقيا إسماعيل: أي أظهره الله ليسقي بها إسماعيل في أول الأمر. فائدة: سبب ظهور زمزم هو ما روى ابن عباس ﵄ (أن هاجر لما أشرفت على المروة حين أصابها وولدها العطش على ما تقدم في السعي سمعت صوتاً فقالت صهٍ، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا تغترف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغترف) قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغترف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً، قال فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنى هذا الغلام وأبوه فإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله) . أخرجه البخاري.

стр. 409

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمناً وأنفسها عند الناس، وهو هزمة جبرائيل وسقيا إسماعيل. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، وليس له طعام غيره فقال النبي ﷺ : (إنها طعام طُعم) وزاد غير مسلم بإسناده (وشفاء سقم) . وفي سنن ابن ماجة من حديث جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل رواية عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ عن نبيك ﷺ أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) فإني أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذاً حسن، وقد صححه بعضهم وجعله بعضهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة، وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً وكان له قوة يجامع بها أهل ويصوم ويطوف مراراً انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وفي صحيح مسلم في فضائل أبي ذر ثم قال يعني رسول الله ﷺ (متى كنت هاهنا؟ قال: قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟ قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، قسمنت حتى تكسرت عُكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: إنها مباركة إنها طعام طُعمٍ) . وعن

стр. 410

ابن عباس ﵄ قال: (سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم، قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير) . رواه البخاري. قوله: قال عاصم، يعني الأحول. قوله فحلف عكرمة يعني مولى ابن عباس، قوله ما كان يعني رسول الله ﷺ قوله يومئذ: أي يوم سقاه ابن عباس من ماء زمزم إلا راكباً على بعير. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، ثم أتى ﷺ زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال: (لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم فقيل هذا نسخ لنهيه عن الشر قائماً، وقيل بل بيان منه لأن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى، وقيل بل للحاجة وهذا أظهر، وهل كان في طوافه هذا راكباً أو ماشياً؟ فروى مسلم في صحيحه عن جابر قال (طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلاً، وليس بطواف القدوم لوجهين ثم ذكرهما عمار رحمه الله تعالى انتهى. قلت: فإذا لم يكن طواف الوداع ولا طواف القدوم فإن الطواف المذكور هو طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج والله أعلم. لطيفة: سأل الحفاظ بن حجر العسقلاني الشيخ ابن عرفة حين اجتماعه به في مصر عن ماء زمزم لِمَ لم يكن عذباً فقال ابن عرفة في جوابه إنما لم يكن عذباً ليكون شربه تعبداً لا تلذذاً، فاستحسن ابن حجر جوابه وطرب به انتهى. قال الأزرقي في تاريخ مكة: وعن وهب بن منبه أنه قال في زمزم: والذي نفسي بيده إنها لفي كتاب الله تعالى مضنونة، وإنها لفي كتاب الله برة وإنها لفي كتاب الله سبحانه

стр. 411

شراب الأبرار، وإنها لفي كتاب الله طعام وشفاء سقم، إلى أن قال: والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت منه داء وأحدثت له شفاء، وبسند الأزرقي إلى علي ﵁ قال: خير بئر في الناس بئر زمزم، وبسنده إلى العباس بن عبد المطلب قال: تنافس الناس في زمزم في الجاهلية حتى إن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون منها فتكون صبوحاً لهم وقد كنا نعدها عوناً على العيال. وبسنده إلى ابن عباس قال: كانت تسمى في الجاهلية شباعة يعني زمزم وإنها نعم العون على العيال، وبسنده إلى ابن عباس أيضاً قال قال رسول الله ﷺ (التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق) وبسنده إلى الضحاك بن مزاحم قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق وأن ماءها يذهب الصداع انتهى. قال في المنتهى وشرحه. ثم يشر من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه ويرش على بدنه وثوبه لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت جالساً عند ابن عباس فجاءه رجل فقال من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال فشربت منها كما ينبغي؟ قال فكيف؟ قال إذا شربت منها فاستقبل القبلة أي الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً من ماء زمزم وتضلع منها، فإذا فرغت منها فاحمد الله فإن رسول الله ﷺ قال (آية ما بيننا وبين المنافقين أنه لا يتضلعون من ماء زمزم) . رواه ابن ماجة انتهى، وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم من طريق ابن أبي مليكة. فائدتان: الأولى قال الشيخ محمد السفاريني: ورد أن زمزم عين من الجنة، وذكر بعضهم أن حبشياً وقع في بئر زمزم فنزحت من أجله فوجدوها تفور من ثلاث أعين، أقواها وأكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود، والثانية من جهة الصفا، والثالثة من جهة المروة انتهى. الثانية قال الشيخ ابن العماد في شرح الغاية: لا بأس بنقل ماء زمزم للهدية تبركاً به كما

стр. 412

يفعله كثير من الحجاج، وخاصيته من أنه طعام طعم وشفاء سقم لا ترفه كما ظنه بعضهم، ولا تبدله الملائكة كما ظنه آخرون لكن من صحبه معه وفقد الماء في الطريق لا يباح له التيمم لأن عنده ماءاً طهوراً ويجب عليه استعماله، وكذا إن اضطر إليه عطشان من حيوان محترم فيجب بذله، فليحفظ فإنه مهم انتهى. قلت: لا نسلم لابن العماد إطلاقه هذا الكلام في عدم إباحة التيمم لمن كان معه ماء من زمزم لا سيما إذا كان قليلاً لأن المسلمين قديماً وحديثاً وفيهم العلماء المحققون يتيممون ومعهم الماء الذي يحتاجونه لشربهم وطبخهم خصوصاً في الطرق التي لا يوجد فيها الماء مسافة اليومين والثلاثة والأربعة على الإبل، وقد يردون الماء ومعهم شيء فاضل من الماء الذي يحملونه ولا يوجب ذلك عدم صحة تيممهم، أما وجوب بذله إذا اضطر غليه عطشان فهو صحيح بشرط أن لا يحتاج إليه صاحبه فإن احتاج إليه صاحبه واضطر إلى شربه فلا يلزم بذله لغيره، لأن حاجته مقدمة على حاجة غيره، والضرر لا يزال بالضرر كما نص العلماء على ذلك، والله أعلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن حمل شيئاً من ماء زمزم جاز فقد كان السلف يحملونه انتهى. ويسن أن يدخل البيت والحجر منه لحديث عائشة قالت: (خرج رسول الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إليّ وهو حزين فقلت له؟ فقال إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي) . رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً وصححه ابن خزيمة والحاكم، وعن أسامة بن زيد قال (دخلت مع رسول الله ﷺ البيت، فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل على القبلة وهو على الباب

стр. 413

فقال هذه القبلة هذه القبلة مرتين أو ثلاثاً) . رواه أحمد والنسائي ورجاله رجال الصحيح، وأصله في صحيح مسلم بلفظ (إن النبي ﷺ لم يصلِّ في البيت ولكنه كبر في نواحيه) . قال الشوكاني: في هذا الحديث دليل على مشروعية وضع الصدر والخد على جميع الأركان مع التهليل والتكبير والدعاء انتهى. وعن عبد الرحمن بن صفوان قال (لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم) . رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج بحديثه، وقد ذكر الدارقطني أن يزيد بن أبي زياد تفرد به عن مجاهد، ولكن ذكر الذهبي أنه صدوق من ذوي الحفظ، وكر في الخلاصة أنه كان من الأئمة الكبار، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وله أن يفعل الالتزام قبل طواف الوداع فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة. انتهى. قلت: الالتزام للقادم قد يكون من باب الاشتياق للبيت بعد الغربة الطويلة عنه وللمسافر أيضاً لأنه أراد مفارقة بيت الله العتيق، وقد يكون الالتزام من باب الذل والخضوع بين يدي الله في هذا المقام الشريف على حسب نية الملتزم وقصده، خلافاً لما يعتقده بعض الجهلة من أن التزام البيت والتمسح به ووضع الخد والصدر عليه يحصل لهم به بركة البيت من الشفاء والنفع ودفع الضرر والسقم، وهذا الاعتقاد من أعظم الضلال عياذاً بالله من الخذلان. وكان ابن عباس ﵄ يلتزم ما بين الركن والباب ويقول لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، فيجب على كل مسلم أن يخلص عمله لله جل وعلا، وأن يتبع سنة رسول الله ﷺ ، فالإخلاص في العمل والمتابعة للرسول

стр. 414

صلى الله عليه وسلم شرطان لقبول العمل، فإن فقد الشرطان أو أحدهما فالعمل غير مقبول عند الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً والله أعلم. قال الشيخ مرعي في الغاية: ولا يرفع بصره إلى سقف البيت ولا يشتغل بذاته بل بإقباله على ربه انتهى. قلت: وذلك لما ذكره المحب الطبري في القرى عن عائشة أنها قالت: واعجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف لا يدع ذلك إجلالاً لله تعالى وإعظاماً له (دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلَّف بصره موضع سجوده حتى خرج منها) أخرجه أبو ذر وابن الصلاح في منسكيهما انتهى. قال ابن ظهيرة في الجامع اللطيف: ومنها أنه لا يرفع بصره إلى السقف لحديث عائشة ﵂ قالت (دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلَّف بصره موضع سجوده حتى خرج منها) أخرجه البيهقي في سننه والحاكم في المستدرك. قال المحب الطبري: وإنما كره ذلك لأنه يولد الغفلة واللهو عن القصد انتهى، ويكون حال دخول البيت والحجر حافياً بلا خف ولا نعل لما روى الأزرقي عن الواقدي عن أشياخه: أول من خلع الخف والنعل فلم يدخل الكعبة بهما الوليد بن المغيرة إعظاماً لها فجرى ذلك عادة وبغير سلاح نصاً، ويكبر في نواحيه، ويدعو في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين لقول ابن عمر (دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد البيت، فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بين العمودين تلقاء وجهه قال ونسيت أن أسأله كم صلى) متفق عليه، فإن لم يدخل البيت فلا بأس لحديث عائشة وتقدم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ودخول نفس الكعبة ليس بفرض ولا سنة مؤكدة بل دخولها حسن والنبي ﷺ لم يدخلها في الحج ولا في العمر لا عمرة الجعرانة ولا عمرة القضية، وإنما دخلها عام فتح

стр. 415

مكة. ومن دخلها يستحب له أن يصلي فيها ويكبر الله ويدعوه ويذكره، وإذا دخل من الباب حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه فذلك هو المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ، ولا يدخلها إلا حافياً والحجر أكثره من البيت من حيث ينحني حائطه فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة، وليس على داخل الكعبة ما ليس على غيره من الحجاج بل يجوز له من المشي حافياً وغير ذلك ما يجوز لغيره، والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة انتهى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهاهنا ثلاث مسائل: هل دخل رسول الله ﷺ البيت في حجته أم لا؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع أم لا؟ وهل صلى الصبح ليلة الوداع بمكة أو خارجهاً منها؟ فأما المسألة الأولى: فزعم كثير من الفقهاء وغيرهم أنه دخل البيت في حجته، ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداءً بالنبي ﷺ ، والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخل البيت في حجته ولا في عمرته وإنما دخله عام الفتح، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فجاء به ففتح فدخل النبي ﷺ وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم الباب ملياً ثم فتحوه، قال عبد الله: فبادرت الناس فوجدت بلالاً على الباب فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بين العمودين المقدَّمين، قال: ونسيت أن أسأله كم صلى رسول الله ﷺ وفي صحيح البخاري عن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، قال: فأمر بها فأخرجت، قال: فأخرجوا

стр. 416

صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط، قال فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل فيه) فقيل كان ذلك دخولين صلى في أحدهما ولم يصل في الآخر، وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى كما جعلوا الإسراء مراراً لاختلاف ألفاظه، وجعلوا شراءه من جابر بعيره مراراً لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرتين لاختلاف سياقه ونظائر ذلك. وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط ونسبته إلى الوهم. قال البخاري وغيره من الأئمة: والقول قول بلال لأنه مثبت شاهد صلاته، بخلاف ابن عباس، والمقصود أن دخوله إنما كان في غزاة الفتح لا في حجة ولا عمرة، وفي صحيح البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي ﷺ في عمرته البيت؟ قال: لا، وقالت عائشة: (خرج رسول الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثم رجع إليَّ وهو حزين القلب، فقلت يا رسول الله خرجت من عندي وأنت كذا وكذا؟ فقال: إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي) فهذا ليس فيه أنه كان في حجته بل إذا تأملته حق التأمل أطلعك التأمل على أنه كان في غزاة الفتح والله أعلم. وسألته عائشة أن تدخل البيت فأمرها أن تصلى في الحجر ركعتين. وأما المسألة الثانية وهي وقوفه في الملتزم، فالذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح ففي سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي صفوان قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من

стр. 417

الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم) وروى أبو داود أيضاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره وجبهته وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله) ، فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي وغيرهما إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو، وكان ابن عباس ﵄ يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه والله أعلم انتهى كلام ابن القيم، ومراده بقوله طفت مع عبد الله هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فعمرو هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فعبد الله بن عمرو هو جد شعيب المذكور، والطائف هو محمد مع أبيه عبد الله بن عمرو، والله أعلم. وأما المسألة الثالثة، وهي موضع صلاته ﷺ صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع، فنذكرها إن شاء الله عند الكلام على وجوب طواف الوداع على من خرج من مكة. قال في الإقناع وشرحه: ومن أراد أن يستشفي بشيء من طيب الكعبة فليأت بطيب من عنده فليرقه على البيت ثم يأخذه ولا يأخذ من طيب الكعبة شيئاً: أي يحرم ذلك لأنه صرف للموقوف في غير ما وقف عليه انتهى. قلت: وفي جواز الاستشفاء بالطيب الذي يضعه على الكعبة نظر ظاهر، ولو قيل بالمنع من ذلك لكان له وجه صحيح لأنه من قبيل التبرك ولم يرد عن النبي ﷺ جواز ذلك، ولا فعله الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم

стр. 418

ولا سائر الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل. تنبيهات: الأول؛ منع الإمام مالك أن يشترك مع بني شيبة غيرهم في خدمة البيت لأنها ولاية منه ﷺ لهم، وأما نزعها منهم بالكلية فقد نص الحديث على منعه، وذلك (أن النبي ﷺ قبض من عثمان بن طلحة يوم الفتح مفتاح الكعبة ودخل به الكعبة ومعه أسامة بن زيد وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة فخرج وهو يتلو هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله سبحانه لا ينزعها منكم إلا ظالم) ، وروى الأزرقي بسنده قال: (ثم نزل رسول الله ﷺ من الكعبة ومعه المفتاح فتنحى ناحية من المسجد فجلس وكان قد قبض السقاية من العباس، وقبض المفتاح من عثمان بن طلحة، فلما جلس بسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: بأبي وأمي يا رسول الله أجمع لنا الحجابة والسقاية، فقال رسول الله ﷺ : أعطيكم ما ترزءون منه، ثم قال ﷺ : ادع لي عثمان، فقام عثمان بن عفان، فقال: ادع لي عثمان، فقام عثمان بن طلحة، وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة يوماً وهو بمكة يدعوه إلى الإسلام ومع عثمان بن طلحة المفتاح فقال ﷺ لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت، فقال عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال رسول الله ﷺ بل عزت وعمرت يومئذ يا عثمان، قال عثمان: فدعاني رسول الله ﷺ بعد أخذه المفتاح، فذكرت قوله ﷺ وما كان قال لي، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلني ببشر، ثم قال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة

стр. 419

لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فخذوها بأمانة الله ، قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال ﷺ ، ألم يكن الذي قلت لك؟ قال فذكرت قوله لي بمكة، فقلت بلى أشهد أنك رسول الله فأعطاه المفتاح والنبي ﷺ مضطبع عليه بثوبه وقال ﵇ غيبوه) . انتهى. التنبيه الثاني: قال الحطاب: أجمع العلماء على حرمة أخذ خدمة الكعبة أجرةً على فتحها لدخول الناس خلافاً لما يعتقده بعض الجهلة من أن بني شيبة ولا ولاية عليهم وأنهم يفعلون بالبيت ما شاءوا انتهى كلام الحطاب. قلت وهو كما قال، لأن هذا ينافي أخذ الحجابة بأمانة الله التي اشترطها عليهم النبي ﷺ ، وفي زمننا هذا إذا فتح آل شيبة الكعبة في موسم الحج يحصل لهم من الحجاج الذين يدخلونها شيء من المال ولو تنزهوا عن الأخذ لكان هو اللائق بهم والأحسن في حقهم والله ولي التوفيق. قال في لباب المناسك وشرحه لملا علي قاري: أمر كسوة الكعبة زادها الله شرفاً وكرماً إلى السلطان إذا صارت خلقاً إن شاء باعها وصرف ثمنها في مصالح البيت كما اقتصر عليه في الفتاوى السراجية وإن شاء ملكها لأحد ولو لواحد من المسلمين إذا كان من المساكين، وإن شاء فرّقها على الفقراء: أي جمع منهم سواء من أهل مكة وغيرهم ويستوي بنو شيبة وخدمهم فيهم، ولا بأس بالشراء منهم، أي من الفقراء بعد أخذهم وقبضهم على ما في النخبة، لكن في البحر الزاخر أنه لا يجوز قطع شيء من كسوة الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه في أوراق المصحف، ومن حمل شيئاً من ذلك فعليه رده، ولا عبرة بما يتوهم الناس أنهم يشترونه من بني شيبة فإنهم لا يملكونه انتهى. وفي النخبة: رجل اشترى

стр. 420

من بعض الخدام ستر الكعبة لا يجوز، ولو نقله المشتري إلى بلدة أخرى يتصدق به على الفقراء وهذا إذا لم ينقله الإمام، أما إذا نقله الإمام للخدام أو لآخر من المسلمين فجائز كما تقدم أن الأمر رفيه إلى الإمام انتهى، وهو محمول على ما إذا كانت الكسوة من عمد الإمام بخلاف ما إذا كانت من وقف فإنه يراعي شرط واقفه في جميع الأحكام انتهى. قال في الدر المختار على متن تنوير الأبصار للحنفية: يندب دخول البيت إذا لم يشتمل على إيذاء نفسه أو غيره، وما يقوله العوام من العروة الوثقى والمسمار الذي في وسطه أن سرة الدنيا لا أصل له، ولا يجوز شراء كسوة الكعبة من بني شيبة بل من الإمام أو نائبه وله لبسها ولو جنباً أو حائضاً انتهى، قال في رد المحتار لابن عابدين الحنفي قوله: إذا لم يشتمل على إيذاء نفسه ومثله فيما يظهر دفع الرشوة على دخوله، لقوله في شرح اللباب: ويحرم أخذ الأجرة ممن يدخل البيت بلا خلاف بين علماء الإسلام وأئمة الأنام كما صرح به في البحر وغيره انتهى. وقد صرحوا بأن ما حرم أخذه حرم دفعه إلا لضرورة ولا ضرورة هنا لأن دخول البيت ليس من مناسك الحج انتهى من رد المحتار. وقال أيضاً قوله: وله لبسها: أي للشاري إن كان امرأة أو كان رجلاً وكانت الكسوة من غير الحرير كما في شرح اللباب، ونقل بعض المحشين عن المنسك الكبير للسندي تقييد ذلك أيضاً بما إذا لم تكن عليها كتابة لا سيما كلمة التوحيد انتهى من رد المحتار. قال في الإقناع وشرحه: ويتصدق بثياب الكعبة إذا نزعت نص عليه الإمام أحمد لفعل عمر رواه مسلم عن ابن أبي نجيح عنه فهو مرسل، وروى الثوري أن شيبة كان يدفع خلقان البيت إلى المساكين وقياساً على الوقف المنقطع بجامع انقطاع المصرف انتهى، وفي هذه الأزمان يأخذ آل شيبة كسوة الكعبة القديمة كل سنة ويبيعونها في الدكاكين وغيرها جهاراً ويتمولون

стр. 421

قيمتها مع غناهم عن ثمنها وهذا مخالف للنصوص الشرعية لأن مصرف كسوة الكعبة إذا نزعت للفقراء والمساكين، والله أعلم ثم في سنة ١٣٨١ رأت الحكومة حفظ كسوة الكعبة في دائرة الأوقاف بعد أن تكسى بالكسوة الجديدة، وذلك لأمور شرعية، وقررت لآل شيبة مبلغاً كبيراً عوضاً عن الكسوة القديمة وصار آل شيبة يقبضونه سنوياً من الحكومة السعودية، أيدها الله بنصره. -- فصل: ثم يرجع من أفاض إلى مكة بعد الطواف والسعي على ما تقدم إلى منى فيبيت بها وجوباً، قال الشيخ مرعي في غايته: ويتجه المراد معظم الليل انتهى لحديث ابن عباس قال: (لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا للعباس لأجل سقايته) رواه ابن ماجة ثلاث ليال إن لم يتعجل في يومين وليلتين إن تعجل ويصلي بها ظهر يوم النحر نصاً، نقله أبو طالب لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه. فإن قيل جاء في حديث جابر: (أن النبي ﷺ انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) مختصر من مسلم، وظاهر هذا التنافي قلت: قد جمع النووي بينهما بأنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر مرة أخرى إماماً بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته ﷺ ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف مرتين مرة بطائفة ومرة بأخرى فروى ابن عمر صلاته بمنى، وجابر صلاته بمكة، وهما صادقان.

стр. 422

وذكر ابن المنذر نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال إنه صلى بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنفلاً لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى والله أعلم انتهى كلام النووي. قلت وقد ساق المحقق شمس الدين بن القيم ﵀ حديث ابن عمر، وحديث جابر، ثم قال: واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر ثم ذكر الوجوه التي قال بها كل فريق. ومن الوجوه التي احتج بها من رجح حديث ابن عمر الوجه الخامس، وهو أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم فحديث ابن عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله؟ وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع انتهى، ثم بعد ذلك رجح ﵀ حديث ابن عمر فإنه لما ساق بعض الأوهام التي ذكرها بعضهم في صفة حجته ﷺ قال: ومنها على القول الراجح وهم من قال إنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى انتهى وما صححه ﵀ هو الذي نص عليه الإمام أحمد، قال في المنتهى وشرحه: ثم يرجع من أفاض إلى مكة فيصلي ظهر يوم النحر بمنى لحديث ابن عمر، قال في الإقناع وشرحه ويصلي بها يعني منى ظهر يوم النحر نصاً نقله أبو طالب لحديث ابن عمر، قال عطاء كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف قاله في المغني وتقدم. فائدة: يكبر المحرم في دبر كل صلاة من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، لأنه قبل صلاة الظهر مشغول بالتلبية فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة، وليس بعدها صلاة قبل الظهر فيكبر بعدها ويستوي هو والحلال في آخر مدة التكبير، وهذا ما لم يكن قد دفع من مزدلفة بعد نصف الليل

стр. 423

ورمى الجمر قبل الفجر فإنه يقطع التلبية من ابتداء الرمي، وحينئذ يكبر دبر صلاة الفجر والله أعلم. وصفة التكبير ما ذكر في صلاة العيد، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، ويرمي الجمرات الثلاث بمنى في أيام التشريق وهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم النحر كل يوم بعد الزوال لحديث جابر قال: (رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس) . أخرجه الجماعة وقال ابن عمر: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) رواه البخاري وأبو داود، وقوله نتحين: أي نراقب الوقت المطلوب، ولقوله ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم) وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال لقول ابن عمر. وسميت أيام التشريق بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس، أو لإشراق نهارها بنور الشمس وليلها بنور القمر. فإن قيل لو كانت الحكمة في تسميتها ذلك لزم أن تسمى كل هذه الأيام الثلاثة في جميع شهور السنة أيام التشريق. قبل حكمة التسمية لا يلزم اطرادها. قال ابن القيم ﵀ تعال (ثم رجع ﷺ بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة: الله أكبر ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلاً بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو قريباً من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل

стр. 424

البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء، فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها) فقيل لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها (فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها إلى أن قال: ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها، والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي لأن جابراً وغيره قالوا كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه، وأيضاً فإن وقت الزوال للرمي أيام منى كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي ﷺ يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئاً من عبادات ذلك اليوم، وأيضاً فإن الترمذي وابن ماجة رويا في سننهما عن ابن عباس ﵄ (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس) زاد ابن ماجة (قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر) ، وقال الترمذي حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطأة، وفي إسناد حديث ابن ماجة إبراهيم بن عثمان بن شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا. وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكباً وأيام منى ماشياً في ذهابه ورجوعه انتهى كلام ابن القيم. قال في الإقناع وشرحه: ويستحب الرمي أيام منى قبل صلاة الظهر لقول ابن عباس (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر) رواه ابن ماجة انتهى، وفي إسناده ما تقدم، وللسقاة والرعاة الرمي ليلا ونهارا للعذر ولو كان رميهم في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق،

стр. 425

وإن رمى غير السقاة والرعاة قبل الزوال، أو ليلاً لم يجزئه الرمي فيعيده نصاً وبه قال مالك والشافعي، ورخص إسحاق وأصحاب الرأي في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله. قال في الإنصاف وعنه يجوز رمي متعجل قبل الزوال وينفر بعده، ونقل ابن منصور: إن رمى عند طلوعها متعجل، ثم نفر كأنه لم ير عليه دما وجزم به الزركشي انتهى، والمذهب الأول، لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال، وآخر وقت رمى كل يوم من أيام الرمي الأربعة إلى المغرب لأنه آخر النهار. ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى وهو مسجد الخيف لفعله ﵊ وفعل أصحابه، فإن كان الإمام غير مرضي لفسق أو نحوه، صلى المرء برفقته محافظة على الجماعة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى وهو مسجد الخيف مع الإمام فإن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصراً بلا جمع بمنى ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة، وإنما روى عن النبي ﷺ أنه قال (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ) لما صلى بهم بمكة نفسها، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه، والمسجد بنى بعد النبي ﷺ لم يكن على عهده انتهى كلامه، ويرمي كل جمرة من الثلاث بسبع حصيات واحدة بعد واحدة كما تقدم في رمي جمرة العقبة، فيبدأ بالجمرة الأولى، وهي أبعدهن من مكة وتلى مسجد الخيف في القرب فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع حصيات، ثم يتقدم قليلاً لئلا يصيبه الحصا فيقف ويدعو رافعاً يديه ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها كذلك بسبع حصيات ويقف عندها بعد أن يتقدم قليلاً لئلا يصيبه الحصا ويدعو ويرفع يديه ويطيل، ثم يأتي جمرة
следующие страницы →