← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قيمتها مع غناهم عن ثمنها وهذا مخالف للنصوص الشرعية لأن مصرف كسوة الكعبة إذا نزعت للفقراء والمساكين، والله أعلم ثم في سنة ١٣٨١ رأت الحكومة حفظ كسوة الكعبة في دائرة الأوقاف بعد أن تكسى بالكسوة الجديدة، وذلك لأمور شرعية، وقررت لآل شيبة مبلغاً كبيراً عوضاً عن الكسوة القديمة وصار آل شيبة يقبضونه سنوياً من الحكومة السعودية، أيدها الله بنصره. -- فصل: ثم يرجع من أفاض إلى مكة بعد الطواف والسعي على ما تقدم إلى منى فيبيت بها وجوباً، قال الشيخ مرعي في غايته: ويتجه المراد معظم الليل انتهى لحديث ابن عباس قال: (لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا للعباس لأجل سقايته) رواه ابن ماجة ثلاث ليال إن لم يتعجل في يومين وليلتين إن تعجل ويصلي بها ظهر يوم النحر نصاً، نقله أبو طالب لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه. فإن قيل جاء في حديث جابر: (أن النبي ﷺ انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) مختصر من مسلم، وظاهر هذا التنافي قلت: قد جمع النووي بينهما بأنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر مرة أخرى إماماً بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته ﷺ ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف مرتين مرة بطائفة ومرة بأخرى فروى ابن عمر صلاته بمنى، وجابر صلاته بمكة، وهما صادقان.

стр. 422

وذكر ابن المنذر نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال إنه صلى بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنفلاً لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى والله أعلم انتهى كلام النووي. قلت وقد ساق المحقق شمس الدين بن القيم ﵀ حديث ابن عمر، وحديث جابر، ثم قال: واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر ثم ذكر الوجوه التي قال بها كل فريق. ومن الوجوه التي احتج بها من رجح حديث ابن عمر الوجه الخامس، وهو أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم فحديث ابن عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله؟ وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع انتهى، ثم بعد ذلك رجح ﵀ حديث ابن عمر فإنه لما ساق بعض الأوهام التي ذكرها بعضهم في صفة حجته ﷺ قال: ومنها على القول الراجح وهم من قال إنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى انتهى وما صححه ﵀ هو الذي نص عليه الإمام أحمد، قال في المنتهى وشرحه: ثم يرجع من أفاض إلى مكة فيصلي ظهر يوم النحر بمنى لحديث ابن عمر، قال في الإقناع وشرحه ويصلي بها يعني منى ظهر يوم النحر نصاً نقله أبو طالب لحديث ابن عمر، قال عطاء كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف قاله في المغني وتقدم. فائدة: يكبر المحرم في دبر كل صلاة من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، لأنه قبل صلاة الظهر مشغول بالتلبية فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة، وليس بعدها صلاة قبل الظهر فيكبر بعدها ويستوي هو والحلال في آخر مدة التكبير، وهذا ما لم يكن قد دفع من مزدلفة بعد نصف الليل

стр. 423

ورمى الجمر قبل الفجر فإنه يقطع التلبية من ابتداء الرمي، وحينئذ يكبر دبر صلاة الفجر والله أعلم. وصفة التكبير ما ذكر في صلاة العيد، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، ويرمي الجمرات الثلاث بمنى في أيام التشريق وهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم النحر كل يوم بعد الزوال لحديث جابر قال: (رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس) . أخرجه الجماعة وقال ابن عمر: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) رواه البخاري وأبو داود، وقوله نتحين: أي نراقب الوقت المطلوب، ولقوله ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم) وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال لقول ابن عمر. وسميت أيام التشريق بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس، أو لإشراق نهارها بنور الشمس وليلها بنور القمر. فإن قيل لو كانت الحكمة في تسميتها ذلك لزم أن تسمى كل هذه الأيام الثلاثة في جميع شهور السنة أيام التشريق. قبل حكمة التسمية لا يلزم اطرادها. قال ابن القيم ﵀ تعال (ثم رجع ﷺ بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة: الله أكبر ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلاً بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو قريباً من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل

стр. 424

البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء، فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها) فقيل لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها (فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها إلى أن قال: ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها، والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي لأن جابراً وغيره قالوا كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه، وأيضاً فإن وقت الزوال للرمي أيام منى كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي ﷺ يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئاً من عبادات ذلك اليوم، وأيضاً فإن الترمذي وابن ماجة رويا في سننهما عن ابن عباس ﵄ (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس) زاد ابن ماجة (قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر) ، وقال الترمذي حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطأة، وفي إسناد حديث ابن ماجة إبراهيم بن عثمان بن شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا. وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكباً وأيام منى ماشياً في ذهابه ورجوعه انتهى كلام ابن القيم. قال في الإقناع وشرحه: ويستحب الرمي أيام منى قبل صلاة الظهر لقول ابن عباس (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر) رواه ابن ماجة انتهى، وفي إسناده ما تقدم، وللسقاة والرعاة الرمي ليلا ونهارا للعذر ولو كان رميهم في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق،

стр. 425

وإن رمى غير السقاة والرعاة قبل الزوال، أو ليلاً لم يجزئه الرمي فيعيده نصاً وبه قال مالك والشافعي، ورخص إسحاق وأصحاب الرأي في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله. قال في الإنصاف وعنه يجوز رمي متعجل قبل الزوال وينفر بعده، ونقل ابن منصور: إن رمى عند طلوعها متعجل، ثم نفر كأنه لم ير عليه دما وجزم به الزركشي انتهى، والمذهب الأول، لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال، وآخر وقت رمى كل يوم من أيام الرمي الأربعة إلى المغرب لأنه آخر النهار. ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى وهو مسجد الخيف لفعله ﵊ وفعل أصحابه، فإن كان الإمام غير مرضي لفسق أو نحوه، صلى المرء برفقته محافظة على الجماعة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى وهو مسجد الخيف مع الإمام فإن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصراً بلا جمع بمنى ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة، وإنما روى عن النبي ﷺ أنه قال (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ) لما صلى بهم بمكة نفسها، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه، والمسجد بنى بعد النبي ﷺ لم يكن على عهده انتهى كلامه، ويرمي كل جمرة من الثلاث بسبع حصيات واحدة بعد واحدة كما تقدم في رمي جمرة العقبة، فيبدأ بالجمرة الأولى، وهي أبعدهن من مكة وتلى مسجد الخيف في القرب فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع حصيات، ثم يتقدم قليلاً لئلا يصيبه الحصا فيقف ويدعو رافعاً يديه ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها كذلك بسبع حصيات ويقف عندها بعد أن يتقدم قليلاً لئلا يصيبه الحصا ويدعو ويرفع يديه ويطيل، ثم يأتي جمرة

стр. 426

العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي: أي يأتي من بطنه عند مريها ولا يقف عندها، هكذا ذكر فقهاؤنا ﵏. والصحيح أنه يستعرض جمرة العقبة عند الرمي ويجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وتقدم، وعن عائشة ﵂ قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها) . رواه أحمد وأبو داود. قال ابن القيم ﵀: حديث عائشة هذا ليس بالبين في أنه ﷺ صلى الظهر بمكة يومئذ، وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر (أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) متفق عليه، وحديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ولم يصرح بالسماع بل عنعنه انتهى، وتمامه في زاد المعاد، وعن ابن عمر: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلاً ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله) . رواه أحمد والبخاري، وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفه ويزيد (وأصلح وأتم لنا مناسكنا) وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً وراجعاً) رواه الترمذي وصححه، وفي لفظ عنه (أنه كان يرمي الجمرة

стр. 427

يوم النحر راكباً وسائر ذلك ماشياً ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) . رواه أحمد. وأخرج نحو أبو داود عنه بلفظ (كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشياً ذاهبا وراجعاً ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) وعن ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يمشي إلى الجمار) . رواه الترمذي، قال في المنتهى والإقناع والغاية وغيرها من كتب الأصحاب: ويستقبل القبلة في الجمرات كلها، والصحيح الذي تدل عليه السنة أنه في رمي جمرة العقبة يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله وتقدم التنبيه على ذلك غير مرة، وترتيب الجمرات شرط بأن يرمي أولاً الجمرة التي تلي في القرب مسجد الخيف ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكس الرمي بأن قدم على الأولى غيرها لم يجزئه ما قدمه على الأولى نص عليه لأن النبي ﷺ رتبها في الرمي، وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي، قال في المنتهى وشرحه: وترتيب الجمرات شرط، فلو نكس فبدأ بغير الأولى لم يحتسب له إلا بها ويعيد الأخرتين مرتبتين كالعدد أي السبع حصيات فهو شرط لكل واحدة منها لأنه ﵊ رمى كلا منها بسبع، فإن أخل الرامي بحصاة من الأولى لم يصح رمي الثانية ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية لم يصح رمي الثالثة لإخلاله بالترتيب انتهى ملخصاً، وإن جهل الرامي محلها بأن جهل من أي جمرة ترك الحصاة بني على اليقين، فإن شك أمن الأولى أو ما بعدها، جعله من الأولى، أو شك في كونه من الثانية أو الثالثة جعله من الثانية لتبرأ ذمته بيقين كما لو تيقن ترك ركن وجهل محله. فائدة: هل تجب الموالاة في الرمي أم لا؟ قال الشيخ مرعي في غايته ويتجه

стр. 428

أنه لا تجب موالاة رمي انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: الظاهر أنه لا تشترط الموالاة ويدل عليه قولهم وإن جهل من أيها تركت بني على اليقين أي فيجعلها من الأولى فيذهب إليها فيرميها بحصاة واحدة فقط ثم يعيد رمي ما بعدها فإنه لو كانت الموالاة معتبرة لأعاد رمي الأولى كاملاً لطول الزمن انتهى. قلت: قال في المغني: فأما السعي بين الصفا والمروة، فظاهر كلام أحمد أن الموالاة غير مشترطة فيه، وقال القاضي: تشترط الموالاة، والأول أصح فإنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق انتهى ملخصا، فجعل صاحب المغني الرمي والحلاق أصلا في عدم اشتراط الموالاة فيهما وقاس عليهما السعي بين الصفا والمروة ومثله في الشرح الكبير، ومن هذا يتضح صحة ما بحثه الشيخ مرعي ومحمد الخلوتي والله أعلم، ثم يرمي في اليوم الثاني ثلاث الجمرات مرتبة على صفة ما تقدم، ويرمي في اليوم الثالث كذلك إن لم يتعجل في اليوم الثاني، وعدد الحصا لكل جمرة سبع حصيات لما تقدم، وأما جميع حصا الجمار فسبعون إن لم يتعجل يرمي منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات وباقيها في أيام التشريق كل يوم إحدى وعرين حصاة في الجمرات الثلاث كل جمرة بسبع حصيات وتقدم ذلك. أما من تعجل فعدد الحصا في حقه تسع وأربعون حصاة لأن اليوم الثالث يسقط عنه رميه، وكل هذا ظاهر لا غبار عليه، وإن أخر الرمي كله مع رمي يوم النحر بأن أخر رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأخّر رمي الأول والثاني من أيام التشريق فرماها بعد الزوال آخر أيام التشريق أجزأه أداء لأن أيام الرمي كلها بمثابة اليوم الواحد لأنها كلها وقت للرمي، ومعنى ذلك أن أيام الرمي الأربعة كيوم واحد منها للرمي تأخيراً لا تقديماً، فلو رمى جمرات الأيام الثلاثة مرتباً في أول يوم من أيام التشريق مثلاً لم يجزئه، ولو أخر الرمي كله إلى آخر يوم منها ورمى مرتباً بعد الزوال أجزأه لكنه بتأخير الرمي إلى آخر أيام التشريق تارك للأفضل وهو الإتيان بالرمي في مواضعه المتقدمة، قال في المنتهى وشرحه: وإن أخر رمي يوم ولو كان المؤخر رميه يوم النحر إلى غده أو أكثر أجزأه أداء، أو أخر رمي الكل إلى آخر أيام التشريق ورماها بعد الزوال

стр. 429

أجزأه رميه أداء لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فإذا أخره عن أول وقته إلى آخره أجزأه كتأخير وقوف بعرفة إلى آخر وقته، ويجب ترتيبه أي الرمي بالنية كمجموعتين وفوات الصلاة، فإذا أخر الكل مثلاً بدأ بجمرة العقبة فرمى فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة ناوياً عن أول يوم من أيام التشريق، ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي على الأخيرة ناوياً عن الثاني وهكذا عن الثالث انتهى. وإن أخر الرمي كله عن أيام التشريق أو أخر جمرة العقبة عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى ليلة أو أكثر من ليالي أيام التشريق غير الثالثة لمن تعجل فعليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكاً أو نسيه فإنه يهريق دما. قال الشيخ منصور في شرح الإقناع: وعلم منه أنه لو ترك دون ليلة فلا شيء عليه وظاهره ولو أكثرها انتهى، قال في شرح المنتهى: ولعل المراد لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت بل كمزدلفة على ما سبق انتهى. وقال الشيخ مرعي: ويتجه المراد أي من البيتوتة بمنى معظم الليل، وتقدم ولا يأتي بالرمي بعد أيام التشريق كالبيتوتة بمنى لياليها إذا تركها لا يأتي بها لفوات وقته واستقرار الفداء الواجب فيه، قال في المنتهى وشرحه: وفي ترك حصاة واحدة ما في إزالة شعرة طعام مسكين، وفي ترك حصاتين ما في إزالة شعرتين مثل ذلك، وهذا إنما يتصور في آخر جمرة من آخر يوم وإلا لم يصح رمي ما بعدها وفي أكثر من حصاتين دم لما تقدم في حلق الرأس انتهى، قال

стр. 430

الخلوتي: قوله وفي ترك حصاة، إلخ بشرط أن يكون من الأخيرة، وأن يكون سائر ما قبلها من الجمرات وقع تاماً وأن تكون أيام التشريق قد مضت، فإنه لو كان الترك من غير الأخير لم يصح رمي ما بعد الجمرة التي ترك منها ولو كان ما قبل المتروك منها ناقصاً لم يصح رميه ولم يصح رمي ما بعده بالمرة ولو كان الترك من الأخيرة ولم تمض جميع أيام التشريق وجب عليه أن يعيد ولم يجزئه الإطعام لبقاء وقت الرمي كما تقدم جميع ذلك فافهم تسلم انتهى. وعن الإمام أحمد يجزئه خمس حصيات، وفي رواية أخرى ست، قال في المغني: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات لأن النبي ﷺ رمى بسبع حصيات فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه لما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة قال: يتصدق بتمرة أو لقمة فذكرت ذلك لمجاهد فقال إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد يعني ابن مالك قال سعد: (رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول رميت بست وبعضنا يقول بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض) . رواه الأثرم وغيره، ومتى أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى، فإن لم يدر من أي الجمار تركها بنى على اليقين، وإن أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها انتهى من المغني ملخصا ومثله في الشرح الكبير، والمذهب ما قدمناه من أن عدد السبع شرط، وحديث سعد ها رواه أيضاً أحمد والنسائي ورجاله رجال الصحيح؛ ولكن لا يكون دليلا بمجرد ترك إنكار بعض الصحابة على البعض الآخر إلا أن يثبت أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره وقد رمى ﷺ بسبع حصيات وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) والله أعلم، وليس على أهل سقاية الحجيج وهم سقاة زمزم على ما في المطلع لابن أبي

стр. 431

الفتح والمستوعب للسامري والمبدع وغيرها من كتب الأصحاب ولا على الرعاء مبيت بمنى ولا مزدلفة لما روى ابن عمر (أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) متفق عليه، وعن عاصم بن عدي (أن رسول الله ﷺ رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر) . رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان. قوله يرمون يوم النحر: أي جمرة العقبة ثم يخرجون ولا يبيتون بمنى. قوله ثم يرمون يومين: أي يرمون اليوم الثاني عشر لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الحادي عشر. قوله ثم يرمون يوم النفر: أي اليوم الثالث عشر إن لم يتعجلوا والله أعلم، وفي رواية (رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما) رواه أبو داود والنسائي، وفي الموطأ بسنده عن عاصم بن عدي بلفظ (إن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر) ، قال مالك: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى، والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا انتهى. فائدة: المراد بالسقاة أهل زمزم خاصة، وأما السقاة في غير زمزم كالذين يذهبون إلى المياه ويرجعون بالماء إلى الحجيج بمنى فحكمهم حكم أهل الأعذار وليسوا بالسقاة المشار إليهم في الحديث والله أعلم، فإن غربت الشمس وأهل

стр. 432

سقاية الحج والرعاة بمنى لزم الرعاء المبيت لانقضاء وقت الرعي وهو النهار دون أهل السقاية فلا يلزمهم المبيت ولو غربت وهم بمنى لأنهم يسقون بالليل. فائدة: قال المحب بن نصر الله في حواشي الكافي: لزوم المبيت للرعاء إذا غربت الشمس هل هو مطلقاً أو بشرط أن لا تكون إبلهم في المرعى، فإن كانت فيه كان لهم الخروج من منى بعد الغروب إليها لم أجد فيه نقلا، والظاهر أنهم إن خافوا عليها جاز لهم الخروج وإلا فلا انتهى، قال في الإنصاف والمريض، ومن له مال يخاف عليه ونحوه كغيره يعني في لزوم البيتوتة بمنى، هذا المذهب وعليه الأصحاب، ثم قال: وقيل أهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم حكمهم حكم الرعاء في ترك البيتوتة جزم به المصنف، يعني الموفق والشارح وابن تميم، قال في الفصول: وكذا خوف فوات ماله وموت مريض، ثم قال: قلت هذا والذي قبله هو الصواب، قال الشارح: وأهل الأعذار كالمرضى ومن خاف ضياع ماله ونحوهم كالرعاء، لأن الرخصة لهؤلاء تنبيه على غيرهم انتهى. قال ابن القيم ﵀: وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في ترك البيتوة، فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضاً لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم انتهى. وإن كان مريضاً أو محبوساً أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه كالمعضوب يستنيب في الحج كله إذا عجز عنه والأولى أن يشهده إن قدر على الحضور ليتحقق الرمي. ويستحب أن يضع المريض ونحوه الحصا في يد النائب ليكون له عمل في الرمي، ولو أغمي على المستنيب لم تبطل النيابة بذلك فله الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمى عليه وهذا فيما إذا كان الحج فرضاً، أما إن كان نفلاً جاز له أن يستنيب من يرمي عنه ولو

стр. 433

لغير عذر لما تقدم أول الكتاب أن النيابة في حج النفل تجوز للقادر في كله وفي بعضه، فتنبه لهذا ولا تغفل، والله أعلم. فائدة جليلة: ذكر الأصحاب أنه لا يجوز للنائب في رمي الجمار أن يرمي عن مستنيبه قبل رميه عن نفسه، وقيدوا ذلك بما إذا كان محرما بفرضه، قال في المغني: ولا يجوز أن يرمى عنه إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه انتهى. قال في الشرح الكبير: ولا يجوز أن يرمي إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه كالحج انتهى، قال في المنتهى وشرحه: لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرماً بفرضه انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على قول صاحب المنتهى: لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه: أي فيما إذا كان حج فرض كما قيد به في شرحه انتهى، قال في الإقناع وشرحه لكن لا يجوز أن يرمي عنه: أي عن الصغير إلا من رمى عن نفسه كما في النيابة في الحج إن كان الولي محرما بفرضه قاله في المبدع وشرح المنتهى انتهى، فمفهوم عبارة المغني والشرح وشرح المنتهى وحاشية الخلوتي والإقناع وشرحه أنه لو كان الولي أو النائب محرما بنفل أنه يجوز أن يرمي عن مستنيبه أو موليه قبل أن يرمي عن نفسه، وإذا قلنا بعدم جواز رمي النائب عن مستنيبه أو الولي عن موليه قبل رميه عن نفسه فيما إذا كان حجه فرضا فهل إذا رمى النائب عن نفسه أو الولي عن موليه الجمرة الأولى في أيام التشريق يجوز أن يرميها عن مستنيبه أو موليه في ذلك اليوم قبل رمي الجمرة الوسطى وجمرة العقبة عن نفسه، أو لا يجوز؟ لم أر لأصحابنا الحنابلة كلاما في ذلك، وجواز ذلك لا يبعد فيما يظهر لأنه إنما رمى الجمرة الأولى عن مستنيبه أو مواليه بعد رميها

стр. 434

عن نفسه ولأنه ليس فيه إخلال بالترتيب المشترط في رمي الجمار، والمنع من القول بالجواز يحتاج إلى دليل، والله أعلم. ونسوق الآن بعض عبارات أصحاب المذاهب، فنقول: قال ابن حجر الهيتمي الشافعي: فلو رمى الجمرة الأولى لم يصح أن يرمي عن المستنيب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه على الأوجه عندي من احتمالين للأسنوي خلافاً للزركشي حيث رجح مقابله، قال لأن الموالاة بين الجمرات لا تشترط، وكما له أن يطوف عن غيره إذا كان قد طاف عن نفسه وبقي عليه أعمال الحج انتهى، والفرق أن الطواف ركن مستقل بنفسه لا ارتباط له بما بعده فحيث فعله جاز له فعله عن غيره، وأما رمي الجمرات الثلاث فهو واجب واحد له أجزاء كما أن الطواف كذلك، فكما ليس له الطواف عن غيره ما بقي عليه من طوافه شيء وإن لم تجب الموالات فيه كذلك ليس له الرمي عن غيره ما بقي عليه من رميه شيء، ويدل لما ذكرته قوله: من عليه رمى اليوم الثاني مثلا لو رمى في اليوم الثالث لكل جمرة أربع عشرة حصاة لم يقع شيء منها عن يومه لأن رمي أمسه لم يتم، ولو كان الأمر كما ذكره لزمه الوقوع عن يومه لأن رمي أمسه لم يتم، ولو كان الأمر كما ذكره لزمه الوقوع عن يومه لأن رمي أمسه بالنسبة لكل جمرة تم قبل الشروع في الجمرة الثانية، فدل كلامهم على أن الجمرات كالجمرة الواحدة وهو صريح فيما ذكرته إلى أن قال: وبما تقرر يعلم أنه لو استناب من عليه رمي أول أيام التشريق في ثانيها من رمي أولها عن نفسه تخير النائب بين أن يقدم رمي نفسه عند كل جمرة أو رمي مستنيبه لأنه قد فعل ما استنيب فيه انتهى كلام ابن حجر المذكور، وقال أيضاً في تحفة المحتاج: فرع له أنا جماعة في الرمي عنهم جاز كما هو ظاهر لكن هل يلزمه الترتيب بينهم بأن لا يرمي عن الثاني مثلا إلا بعد استكمال رمي الأول، أو لا يلزمه ذلك فله أن

стр. 435

يرمي الأولى عن الكل ثم الوسطى كذلك ثم الأخيرة كذلك ثم الأخيرة كذلك؟ كل محتمل والأول أقرب قياساً على ما لو استنيب عن آخر وعليه رمي لا يجوز له أن يرمي عن مستنيبه إلا بعد كمال رميه عن نفسه كما تقرر. فإن قلت ما عليه لازم له فوجب الترتيب فيه، بخلاف ما على الأول في مسألتنا. قلت: قصد الرمي له صيرة كأنه ملزوم به فلزمه الترتيب رعاية لذلك انتهى كلام صاحب التحفة. وفي حاشية الشيخ أحمد بن قاسم الشافعي أن ما ذكره صاحب التحفة أحد احتمالين، والثاني أنه لا يتوقف على رمي الجميع بل إن رمى الجمرة الأولى صح أن يرمي عقبه عن المستنيب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه، وفي الخادم أنه الظاهر انتهى مخلصا. وقال في لباب المناسك وشرحه من كتب الحنفية: ولو رمى بحصاتين إحداهما عن نفسه والأخرى عن غيره جاز ويكره؛ أي لتركه السنة فإن ينبغي أن يرمي السبع عن نفسه أولاً ثم يرميها عن غيره نيابة انتهى. وقال في توضيح المناسك من كتب المالكية: ويستحيب لمن يرمي عن غيره أن يرمي أولاً عن نفسه ثم عمن ناب عنه، فإن رمى جمرة بتمامها أولا عن نفسه ثم رماها عمن ناب عنه أو العكس أجزأه وترك المندوب وهو التتابع بين الجمرات الثلاث من غير فصل بشيء؛ ولو رمى حصاة عن نفسه وحصاة عمن ناب عنه أجزأه أيضاً وترك المندوب وهو تتابع الحصيات من غير فصل خلافا للقابسي القائل إنه يعيد عن نفسه وعن غيره ولا يعتد من ذلك ولا بحصاة واحدة، ومنه على الظاهر لو رمى عن نفسه حصاتين أو أكثر وعن الآخر مثله أو دون أو أكثر كما في البناني؛ وأما إن شرك بينه وبين من ناب عنه في الحصاة الواحدة لم يجزئه عن واحد مهما وكذا لو رمى بحصاتين قصد بهما عن نفسه ومن ناب عنه انتهى، ومن هذا يظهر الجواز في مسألتنا هذه لدى الحنفية والإجزاء لدى المالكية والصحة

стр. 436

لدى الشافعية في أحد الاحتمالين للأسنوي ورجحه الزركشي الشافعي واستظهره في الخادم، والله أعلم. وتقدم الكلام في ذلك في فصل ويصح الحج والعمرة من صغير. فائدة: ذكر الأصحاب أنه لا يعتد برمي حلال ومرادهم بذلك والله أعلم من لم يحج في تلك السنة التي رمى فيها لأنه غير متلبس بتلك العبادة فلم يكن صالحاً لأدائها عن نفسه فعن غيره من باب أولى، والله أعلم، وتقدم في فصل الاستبانة في الحج والعمرة وفي فصل ومن أحرم وأطلق شيئاً من مسائل النيابة فليعاود عند الاحتياج إليه. ويستحب للإمام أو نائبه أن يخطب في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع لحاجة الناس إلى تعليمهم ذلك لحديث سراء بنت نبهان قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أليس أوسط أيام التشريق) . رواه أبو داود وسكت عنه، وسكت عنه المنذري، وقال في مجمع الزوائد رجاله ثقات، وعن ابن أبي نجيحعن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: (رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى) . رواه أبو داود وسكت عنه، وسكته عنه المنذري والحافظ في التلخيص ورجاله رجال الصحيح. وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق فقال: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى أبلَّغتُ؟ قالوا: بلَّغَ رسول الله ﷺ رواه أحمد، قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، وسمي اليوم الثاني

стр. 437

من أيام التشريق بيوم الرؤوس لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، والله أعلم. فائدة: الخطب المشروعة في الحج ثلاث: أولها ببطن عرنة يوم عرفة، وثانيها بمنى يوم النحر بكرة، وثالثها بمنى أيضاً في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال والله أعلم. ولكل حاج ولو أراد الإقامة بمكة التعجيل إن أحب لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) . قال عطاء: هي للناس عامة: يعني أهل مكة وغيرهم، ولقوله ﷺ : (أيام منى ثلاث فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) . رواه أبو داود وابن ماجة إلا الإمام المقيم للمناسك فليس له التعجيل لأجل من يتأخر من الناس، والأفضل التأخير. قال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلام له سبق: ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث وهو الأفضل، وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه قبل غروب الشمس كما قال تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث انتهى. قال ابن القيم في زاد المعاد: ولم يتعجل ﷺ في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة انتهى. فإن أحب غير الإمام أن يتعجل في ثاني أيام التشريق، وهو النفر الأول خرج من منى قبل غروب الشمس لظاهر الآية والخبر، ولا يضر رجوعه إلى منى بعد ذلك لحصول الرخصة؛ ومعنى هذا أن من تعجل في اليوم الثاني من منى ثم رجع إلى منى وغربت الشمس وهو بمنى لم يلزمه المبيت فيها، والله أعلم، وليس على المتعجل لليوم

стр. 438

الثالث رمي نص عليه، قال في الإقناع وشرحه: ويدفن بقية الحصا وهو حصا اليوم الثالث، قال في الفروع في الأشهر زاد بعضهم في المرمى انتهى. قلت: وله طرحه بالأرض لعدم الدليل على دفنه هذا إن كان قد جمعه، وإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال. قال ابن المنذر: ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، أما من تعجل في يومين ثم رجع إلى منى وأدركه الغروب بها لم يلزمه المبيت فيها كما تقدم، والله أعلم، وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لأنه لم يدخل اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب، وحجة الحنابلة قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) واليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين كما تقدم عن عمر ﵁. قلت: لكن لو نوى التعجل وقام بطرح خيامه وحملها مع أثاثه، ثم عرض له ما يمنعه من الخروج من منى كمثل توقف سير السيارات وما أشبه ذلك وغربت الشمس وهو بمنى، فالظاهر أنه لا يلزمه المبيت والرمي من الغد لما فيه من الضرر والخرج، لا سيما بعد حمل خيامه وأثاثه على السيارات والله أعلم، ثم رأيت النووي صرح بذلك حيث قال ولو ارتحل فغربت الشمس قبل انفصاله منى فله النفر ولو غربت وهو في شغل الارتحال انتهى. ثم ينفر الإمام في اليوم الثالث، وهو النفر الثاني وينفر معه في ذلك اليوم من لم ينفر في اليوم الثاني. ويستحب إذا نفر من منى نزوله بالأبطح وهو المحصب والخيف والبطحاء والحصبة، قال في الإقناع: وحدّه ما بين الجبلين إلى المقبرة انتهى: يعني مقبرة مكة وهي المعلاة، والله أعلم، فيصلي به الظهرين والعشاءين ويهج يسيراً ثم يدخل مكة، لحديث أنس (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به) ، رواه

стр. 439

البخاري، وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعة ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله) رواه أحمد وأبو داود والبخاري بمعناه، وعن الزهري، عن سالم: أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح، قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة (أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه) رواه مسلم، وعن عائشة قالت: (نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج) متفق عليه، وعن ابن عباس قال (التحصيب ليس بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ متفق عليه. وقول ابن عباس: ليس بشيء أي ليس بسنة والله أعلم. قلت: ويترجح أن النزول بالمحصب مستحب لتقريره ﷺ على ذلك وفعله، وقد فعله الخلفاء الراشدون بعده كما رواه مسلم عن سالم، وقال ابن عمر (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ويدل لاستحباب التحصيب ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أسامة بن زيد: (أن النبي ﷺ قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشاً على الكفر) يعني بخيف بني كنانة المحصب وذلك أن بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ . قال الزهري: والخيف الوادي، وحكى النووي عن القاضي عياض أنه مستحب عند جميع العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم إذا نفر من منى، فإن بات بالمحصب وهو الأبطح وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة ثم نفر بعد ذلك فحسن، فإن النبي ﷺ بات به وخرج ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى لكنه

стр. 440

ودّع البيت انتهى، قال ابن القيم: ونفر ﷺ من منى في حجته يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب وهو الأبطح وهو خيف بني كنانة فوجد أبا رافع قد ضرب فيه قبته هنالك وكان على ثقله توفيقاً من الله دون أن يأمره به رسول الله ﷺ فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحراً ولم يرمل في هذا الطواف، ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ولم يرجع إلى المحصب، وفي الصحيحين عن عائشة (خرجنا مع رسول الله ﷺ وذكرت الحديث، قالت: (حين قضى الله الحج ونفرنا من منى فنزلنا بالمحصب دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب، قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل، فأتيناه بالمحصب، فقال فرغتما؟ قلنا نعم، فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به، ثم ارتحل متوجهاً إلى المدينة) فهذا من أصح حديث على وجه الأرض. وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق على قولين، فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ ، قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر) يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشاً وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته صلاة الله وسلامه عليه أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي ﷺ أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات،

стр. 441

قالوا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه) وفي رواية لمسلم عنه (أنه كان يرى التحصيب سنة) وقال البخاري عنه (كان يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع، ويذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك) ، وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو منزل اتفاق، ففي الصحيحين عن ابن عباس (ليس المحصب بشيء وإنما هو منزل نزل به رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه) وفي صحيح مسلم عن أبي رافع (لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقاً لقول رسوله: نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة) وتنفيذاً لما عزم عليه وموافقة منه لرسول صلاة الله وسلامه عليه انتهى كلام ابن القيم ملخصاً. قلت: نزول المحصب حسن ومستحب، لأن رسول الله ﷺ عازم على نزوله حين أراد أن ينفر من منى كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: والحاصل أن من نفى أن التحصيب سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك انتهى. قال بعضهم: المحصب داخل في حدود مني واحتج لذلك بقول الشافعي وهو عالم بمكة وأقطارها: يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاطن خيفها والناهض وهذا الاحتجاج ليس بشيء بل هو وهم، لأن قوله: من منى متعلق ب (راكباً) وليس قوله من منى في موضع الصفة للمحصب كما توهمه هذا المحتج فافهم تسلم، ويحتمل أن قوله قف بالمحصب من منى، أي قف عند الجمرات التي تحصب أي

стр. 442

ترمى بالجمار، قال جرير: كأن في الخدِّ قرنَ الشمس طالعة ... لما دَنَى من جمار الناس تحصيب. أراد يوم منى وحصب الجمار رميها، وهذا أظهر من معنى البيت المذكور، والله أعلم. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ويسن إذا نزل من منى نزوله بالأبطح وهو المحصب، وحدُّه ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهرين والعشائين ويهج يسيراً ثم يدخل مكة، كذا ذكر في الإقناع والمنتهى وشرحه وغيرهم، فدلَّ هذا على أن الأبطح ليس من مكة: فلو أقام به من ودَّع أو اتجر لم تجب عليه إعادة الوداع، لأنها إقامة كمن خرج من مكة إلى بعض بقاع الحرم؛ ويؤيد ذلك ما في المغني قال: وإن أحرم خارجاً منها (أي مكة) من الحرم جاز لقول جاب: (فأهللنا من الأبطح) انتهى. إذا تقرر هذا فالأبطح ليس من مكة انتهى كلام الشيخ سليمان. قلت: الظاهر والله أعلم أنه لم يكن في زمن الشيخ سليمان بنيان بالأبطح ولم تصل دور مكة إليه، وأما في زمننا هذا فقد جاوز العمران الأبطح فصار الأبطح بذلك من مكة لاتصال دور مكة به ومجاوزتها له، وأما ما ذكره صاحب المغني من قوله: وإن أحرم خارجاً منها: أي مكة من الحرم إلخ، فذلك كان في وقته حيث لم يصل العمران إلى الأبطح، فعلى هذا من ودع البيت ثم أقام بالأبطح أو اتجر فيه لزمه إعادة الوداع لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما، هذا ما ظهر لي، والله أعلم. تتمة: قال بعضهم: اعلم أن منى بها خمس خصال: إحداها أن ما قبل من حصا الجمار يرفع كما تقدم، ذكر ذلك عن السلف. الثانية اتساعها للحجيج مع ضيقها في الأعين. الثالثة كون الحدأة لا تخطف منها اللحم. الرابعة كون

стр. 443

الذباب لا يقع في الطعام وإن كان من شأنه أن لا ينفك عنه كالعسل والسكر. الخامسة قلة البعوض بها، ونظمها بعضهم فقال: وآي منى خمس فمنها اتساعها ... لحجاج بيت الله لو جاوزوا الحدَّا. ومنع حداة من تخطف لحمها ... وقلة وجدان البعوض بها عدّا. وكون ذباب لا يقع في طعامها ... ورفع الحصا المقبول دون الذي ردّا. -- فصل: فإذا أتى مكة متعجل أو غيره وأراد خروجاً لبلده أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبي ﷺ حتى يكون آخر عهده بالبيت إن لم يقم بمكة أو حرمها فلا وداع عليه، وهو على كل خارج من مكة أو حرمها، فإن أقام بمكة أو حرمها فلا وداع عليه، وهو على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم، سواء كان حراً أم عبداً ذكراً أم أنثى صغيراً أم كبيراً، وتقدم في أول فصل من هذا الكتاب حكم طواف الصغير فليراجع عند الاحتياج إليه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف على المرأة الحائض) متفق عليه وفي رواية عنه قال (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي ﷺ لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. وعن ابن عباس (أن النبي ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة) رواه أحمد. وعن عائشة قالت (حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت قالت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال أحابستنا هي؟ قلت يا رسول الله

стр. 444

إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة قال فلتنفر إذاً) متفق عليه، ومن كان خارج الحرم ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع سواء أراد الرجوع إلى بلده أو غيره لما تقدم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى يكون آخر عهده بالبيت، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه، وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ولا نحوها، ولكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئاً في طريقه بعد الوداع أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده، وهذا الطواف واجب عند الجمهور، ولكن يسقط عن الحائض انتهى كلامه، ومن مفهومه يؤخذ أنه لو دخل منزله بعد طواف الوداع فاشتغل فيه بغير ما هو من أسباب الرحيل أنه يلزمه إعادة الوداع، وبالأولى لو ودع في الليل ونام في بيته أو غيره من مساكن مكة أو ما يدخل في مسماها، لأن هذا يعد إقامة وينافي مقتضى الحديث الذي نص فيه بأن يكون آخر عهده بالبيت، أما لو ودع البيت ثم انتظر وداع رفقته حتى يسافروا جميعاً فإنه لا يضر هذا الانتظار إذا لم يشتغل بعد الوداع بما هو ممنوع منه، والله أعلم. وقال في الترغيب والتلخيص: لا يجب طواف الوداع على غير الحاج، قال في الفروع وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع انتهى. قلت: كلام شيخ الإسلام يخالف ما استظهره في الفروع. قال شيخ الإسلام: وطواف الوداع ليس من الحج وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة انتهى، والمذهب وجوبه على كل من أراد الخروج من مكة وبلده في غير الحرم. (هذا بحث نفيس مهم لا تجده في غير هذا الكتاب) وهو أن يقال: هل يجوز طواف

стр. 445

الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة بعده بمنى والبيع والشراء فيه أم لا؟ فنقول وبالله التوفيق: قال في المنتهى وشرحه: فإذا أتى مكة متعجل أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف انتهى ملخصاً، قال الشيخ عثمان النجدي فهم منه أنه لو سافر إلى بلده من منة ولم يأت مكة لا وداع عليه، صرح في الإقناع عن الشيخ تقي الدين في موضع انتهى. قلت لم أجد ذلك في الإقناع بعد المراجعة مراراً اللهم إلا أن يكون مراده بذلك قوله الآتي وطواف الوداع ليس من الحج إلى آخره وهذا ليس بصريح فيما قاله عن الشيخ تقي الدين، وقال النووي الشافعي: ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع انتهى. قال ابن حجر المكي: أي بعد نفره، وإن كان قد طاف قبل عوده من مكة إلى منى كما في المجموع انتهى، وقال ابن نصر الله البغدادي الحنبلي في حواشي الكافي، وظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج ولو لم يكن طريق بلده عليها لوجوب طواف الوداع عليه ولم يصرح به وقال ابن نصر أيضاً: وقوة كلام الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منة، فلو ودع قبلها لم يجزئه ولم أجد به تصريحاً، ويؤخذ ذلك من قولهم: من أخر طواف الزيارة فطافة عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الزيارة والوداع ولم يقولوا من اكتفى بطواف الزيارة يوم النحر عن طواف الوداع ولم يعد إلى مكة انتهى. قلت: بل قد صرح به المغني حيث قال فيما يأتي كما لو طافه قبل حل النفر، أي فإنه لا يجزئه قال في المغني: ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله ولذلك قال النبي ﷺ (حتى يكون آخر عهده بالبيت) انتهى. قال في الإنصاف: وظاهر

стр. 446

كلام المصنف يعني الموفق أن طواف الوداع يجب ولو لم يكن بمكن، قال في الفروع وهو ظاهر كلامهم، قال الآجري: يطوف من أراد الخروج من مكة أو من منى أو من نفر آخر انتهى. وفي أثناء كلام للشيخ يحيى بن عطوة النجدي تلميذ الشيخ العسكري قال: وأخبرنا جماعة أن الشويكي أفتاهم بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والبيع والشراء والإقامة بعده بمنى، ونقلوا عنه أنه بالغ حتى نسب ذلك إلى جميع الأصحاب، ولو تحقق ما صرح به الزركشي والمغني والشرح الكبير وغيرها من كتب الأصحاب ما قال ما قال. قال الخرقي: فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت، قال الزركشي والمراد الخروج من الحرم، قال في الشرح: ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت وكذا قال في المغني قال: ولقد كشفت قريباً من خمسين كتابا من كتب المذهب فلم أظفر فيها بما نسبه هذا المتفقه إليهم وأفتى به عنهم، وأنا أتعجب منه كيف صدرت منه هذه النسبة إلى جميع الأصحاب والصريح عنهم العكس، ولعله دخل عليه اللبس من لفظ الخروج في كلام الخرقي وتوهم أنه الخروج من مكة وليس كذلك فقد صرح الزركشي أن مراد الخرقي الخروج من الحرم ولعله ذهل عن وقت الطواف: أعني طواف الوداع، ولو حقق النظر في المغني والشرح الكبير وغيرهما لزالت عنه ضبابة الشك ولعله اعتمد على ما وجهه ابن مفلح في فروعه قال: فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه، ومراده بعد حل النفر ودخول وقت الوداع هذا مع تسليم جواز الإفتاء بالتوجيه المذكور وجواز اعتماد المقلد عليه من غير نظر في الترجيح انتهى كلام ابن عطوة قلت أما لفظ الخروج، فهو صريح في كلام الأصحاب أنه الخروج من مكة

стр. 447

خلافاً لما فهمه الشيخ أحمد بن عطوة، قال الخرقي: فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت يطوف به سبعاً ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت، قال الموفق في المغني: وجملة ذلك أن من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه، فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب من تركه لزمه دم انتهى ملخصاً ومثله في الشرح الكبير، قال في الإقناع وشرحه: فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إلى أن قال وهو على كل خارج من مكة انتهى ملخصاً. قال في المنتهى وشرحه: فإذا أتى مكة متعجل أو غيره وأراد خروجاً لبلده أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف انتهى، وقال في الإقناع أيضاً، قال الشيخ: وطواف الوداع ليس من الحج وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة، قال في المستوعب: ومتى أراد الحاج الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع انتهى، وأما فتوى الشيخ الشويكي بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة بمنى فلا نسلم له صحة فتواه هذه لما تقدم عن ابن نصر الله أن ظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج ولو لم يكن طريق بلده عليها لوجوب طواف الوداع عليه ولما تقدم عنه أيضا أن قوة كلام الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منى، فلو ودع قبلها لم يجزئه. قال في المغني بعد كلام سبق ولأنه إذا أقام بعده، أي طواف الوداع، خرج عن أن يكون وداعاً في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر، إلخ فجعل صاحب المغني ما إذا طاف للوداع قبل حل النفر أصلاً في عدم الإجزاء وقاس عليه من ودع بعد حل النفر ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعلم منه أنه لو طاف للوداع قبل

стр. 448

حل النفر وهو ثاني عشر ذي الحجة أنه لا يجزئه لأن وقت طواف الوداع لا يدخل إلا بعد حل النفر، والله أعلم، ومثل في الشرح الكبير. وأما توجيه صاحب الفروع الذي نصه: فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه فمراده والله أعلم إذا كان طاف للوداع بعد حل النفر ودخول وقت الوداع، وقد نص العلماء أن وقت طواف الوداع إذا فرغ من جميع أموره: ومن كان بقي عليه المبيت ليالي منى ورمى الجمار فإنه لا يكون قد فرغ من جميع أموره، بل بقي عليه شيء من واجبات الحج، أما إذا نفر من منى النفر الأول أو الآخر، ثم ودع البيت وسافر ونزل خارجاً عن بنيان مكة للبيتوتة أو المقيل أو غيرهما، سواء كان ذلك النزول بمنى أو غيره من بقاع الحرم المنفصلة عن مسمى بنيان مكة فلا يلزمه إعادة طواف الوداع لأنه قد سافر عن مكة وليس مقيماً بها بعد الوداع، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة التي طال فيها النزاع قديماً وحديثاً والله أعلم، وفي التحفة للشافعية: وإذا أراد الحاج أو المعتمر المكي وغيره الخروج من مكة، أو منى عقب نفره منها، وإن كان طاف للوداع عقب طواف الإفاضة عند عوده إليها طاف وجوباً للوداع إذ لا يعتد به، ولا يسمى طواف وداع إلا بعد فراغ جميع النسك انتهى ملخصاً بتصرف في التقديم والتأخير، قال في المغني: فصل ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك ذكره ابن القاسم. وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام بدليل سقوط دم المتعة عنهم. ولنا عموم قوله ﷺ : (لا ينفرن

стр. 449

أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) ولأنه خارج عن الحرم فلزمه التوديع كالبعيد انتهى، وكذا في الشرح الكبير، قال في الإقناع وشرحه: ومن كان خارجه: أي خارج الحرم ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع وهو على كل خارج من مكة انتهى ملخصاً، وتقدم أول الفصل أنه إذا أقام بمكة أو حرمها لا وداع عليه وأنه على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم ثم بعد طواف الوداع يصلي ركعتين خلف المقام كسائر الطوافات، قال في المنتهى والإقناع وغيرهما ويأتي الحطيم نصاً أيضاً وهو تحت الميزاب فيدعو انتهى. قال ابن القيم: وأما الحطيم فقيل فيه أقوال: أحدها أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم، وقيل هو جدار الحجر لأن البيت رفع وترك هذا الجدار محطوماً، والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه واحتج عليه بحديث الإسراء قال: (بينا أنا نائم في الحطيم، وربما قال: في الحجر) قال: وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول انتهى. ثم يأتي زمزم فيشرب منها ثم يستلم الحجر ويقبله ويدعو في الملتزم بما يأتي من الدعاء، وتقدم في فصل ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة. شيء من الآثار الواردة في فضل ماء زمزم وما يقال عند شربه فليراجع. قال شيخ الإسلام: ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منها ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية الشرعية: ومنها: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك، ولا يستحب الاغتسال منها انتهى، فإن ودع ثم اشتغل بغير شد رحل أو اتجر أو أقام أعاد الوداع وجوباً، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه من مكة ليكون آخر عهده بالبيت وتقدم ذلك، ولا يعيد الوداع إن اشترى حاجة في طريقه أو اشترى زاداً أو شيئاً

стр. 450

لنفسه أو صلى لأن ذلك لا يمنع أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وتقدم أول الفصل حكم ما لو ودع في الليل ونام فليراجع. قال في الإقناع وشرحه: فإن خرج قبله: أي قبل الوداع فعليه الرجوع إليه، أي إلى الوداع لفعله إن كان قريباً دون مسافة القصر ولم يخف علة نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك من الأعذار، ولا شيء عليه إذا رجع قريباً سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أولا، لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر، فإن لم يمكنه الرجوع لعذر مما تقدم أو لغيره أو أمكنه الرجوع للوداع ولم يرجع أو بعد مسافة قصر عن مكة فعليه دم رجع إلى مكة وطاف للوداع أولاً، لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم ثم رجع إلى الميقات، وسواء تركه: أي طواف الوداع عمداً أو خطأ أم نسياناً لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجبات الحج، ومتى رجع من القرب لم يلزمه إحرام لأنه في حكم الحاضر ويلزمه مع البعد الإحرام بعمرة يأتي بها فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، ثم يطوف الوداع إذا فرغ من أموره انتهى. قال الخرقي: مسألة: فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب، وإن بعد بعث بدم: قال في المغني: هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحق وأبي ثور. والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد: من بلغ مسافة القصر نص عليه أحمد وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريباً. وقال الثوري: حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب. ومن خرج منه فهو بعيد. ووجه القول الأول أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام. وقد روى (أن عمر رد رجلاً من مرّ إلى مكة ليكون

стр. 451

آخر عهده بالبيت) رواه سعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، ولا فرق بين تركه عمداً أو خطأ لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجباته، فإن رجع البعيد فطاف للوداع، فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب. -- فصل: إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرماً لأنه ليس من أهل الأعذار فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي وطواف لوداعه، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من الخلاف، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه. فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه إحرام لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيارة: فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد أحب إليّ أن لا يدخل إلى محرما، وأحب إلى إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك إنما دخل لحاجة غير متكررة فأشبه من يدخلها للإقامة بها انتهى كلام صاحب المغني ومثله في الشرح الكبير، وإن أخر طواف الزيارة ونصه أو القدون فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الوداع،

стр. 452

قال الشيخ مرعي في الغاية ويتجه من تعليلهم ولو لم ينو طواف الوداع حال شروعه في طواف الزيارة أو القدوم انتهى، لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، ولأنهما عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما عن الأخرى، ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد وكإجزاء المكتوبة أيضاً عن ركعتي الطواف وعن ركعتي الإحرام وكغسل الجنابة عن غسل الجمعة، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة ولو كان ناسياً لطواف الزيارة، لأنه لم ينوه، وفي الحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) . فإن قيل كيف يتصور إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع، وقد قال الأصحاب ثم يفيض إلى مكة فيطوف مفرد وقارن لم يدخلاها قبلُ للقدوم برمَل ثم للزيارة؟ قلنا: يتصور فيما إذا لم يكن دخل مكة لضيق وقت الوقوف بعرفة مثلاً وقصد عرفات فلما رجع منها طاف للزيارة أولا ثم طاف للقدوم إما نسيانا أو غيره فطواف القدوم هذا وإن كان متأخراً عن طواف الزيارة يكفيه عن طواف الوداع، وهذا على القول بسنية طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة للمتمتع وللمفرد والقارن اللذين لم يدخلوا مكة قبل وقوفهم بعرفة وهو نص الإمام أحمد اختاره الخرقي، أما على اختيار الموفق والشارح وشيخ الإسلام وابن القيم وابن رجب فلا يسن طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة وهو الذي تدل عليه السنة كما تقدم في فصل: ثم يفيض إلى مكة، ويكتفي بطواف الزيارة الذي هو ركن في الحج والله أعلم، ولا وداع على حائض ونفساء لحديث ابن عباس وفيه (إلا أنه خفف عن الحائض) وتقدم، والنفساء في معناها لأن حكمه حكم الحيض فيما يمنعه وغيره، ولا فدية على الحائض والنفساء لظاهر حديث صفية

стр. 453

المتقدم فإنه ﷺ لم يأمرها بفدية إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة فيلزمهما العود ويغتسلان للحيض والنفاس لأنهما في حكم المقيم بدليل أنهما لا يستبيحان الرخص قبل مفارقة البنيان ثم يودّعان، فإن لم تعودا للوداع مع طهرهما قبل مفارقة البنيان ولو لعذر فعليهما دم لتركهما نسكاً واجباً، فأما إن فارقت الحائض والنفساء البنياء قبل طهرهما لم يجب عليهما الرجوع لخروجهما عن حكم الحاضر. فإن قيل فلم لا يجب الرجوع عليهما مع القرب كما يجب على الخارج لغير عذر؟ قلنا: هناك ترك واجباً فلم يسقط بخروجه مع القرب كما تقدم تفصيله وهاهنا لم يكون واجباً عليهما ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما وهما حين الإقامة لا يجب عليهما لحصول الحيض والنفاس والله أعلم. وأما المعذور غير الحائض والنفساء كالمريض ونحوه فعليه دم إذا ترك طواف الوداع لأن الواجب لا يسقط جبرانه بالعذر وتقدم. فائدة: لا يصح أن يستنيب في طواف الوداع إذا كان حجه فرضاً بل يطاف به راكباً على نحو كرسي أو محمولاً، فإن لم يفعل فعليه دم، أما إن كان حجه نفلاً فله الاستنابة فيه ولو كان لغير عذر كطواف الإفاضة وأولى، والله أعلم، وتقدم ذلك في فصل الاستنابة في الحج والعمرة. تنبيه: الدم الذي يجب على من ترك طواف الوداع كدم التمتع فإذا لم يجد صام عشرة أيام والله أعلم، فإذا فرغ من الوداع واستلم الحجر وقبّله وقف في الملتزم وهو ما بين الركن الذي به الحجر الأسود وباب الكعبة وقدره أربعة أذرع تقريباً فيلتزم الملتزم ملصقاً به صدره ووجهه وبطنه ويبسط يديه عليه ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر الأسود، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله بن عمرو بن العاص فلما جاء دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ؟

стр. 454

قال نعوذ بالله من النار، ثم استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطاً وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ رواه أبو داود، ووالد شعيب هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فعبد الله بن عمرو ﵁ هو جد شعيب المذكور وتقدم. ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإن أحب أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله حاجته فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة، وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى وإلا فمن الآن فارض عني قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير) . انتهى من منسك شيخ الإسلام ﵀، وهذا الدعاء هو نص ما ذكره الأصحاب في كتبهم عند الالتزام. قوله قبل أن تنآى: أي تبعد قوله فمنَّ الآن، الوجه ضم الميم وتشديد النون على أنه صيغة أمر من مَنَّ يمن مقصود به الدعاء كما ذكره العلامة ابن أبي الفتح الحنبلي في كتابه (المطلع على ألفاظ المقنع) وذكر أنه قرأه كذلك على شيخه الذي قرأه كذلك أيضاً على العلامة أبي محمد موفق الدين بن قدامة مصنف المقنع، قال في المصباح: قوله

стр. 455

وإلا فمن الآن: أي وإن كنت ما رضيت فامنن الآن برضاك انتهى، ويجوز كسر الميم وفتح النون على أنها حرف جر لابتداء الغاية، والآن: الوقت الحاضر مبني على الفتح. قوله فاصحبني العافية، وقوله وأحسن منقلبي بقطع الهمزة فيهما. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنا انتهى. قال في جمع الجوامع ليوسف بن عبد الهادي الحنبلي: قال صاحب كتاب الأعلام: لو لم يقف في الملتزم بل وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام البيت كان حسناً، وقد أخبرنا جماعة من شيوخنا أخبرنا ابن المحب أنبأنا والدي أنبأنا ابن خولان أنبأنا ضياء الدين قال: سمعت أبا محمد عبد الغني الغزنوي يقول: سمعت أبا الحسن الدينوري يقول: سمعت أبا القاسم السهمي يقول: سمعت أبا القاسم عبيد الله بن محمد البزار يقول: سمعت محمد بن الحسن سمعت أبا بكر محمد بن إدريس (هو من أهل مكة وليس بمحمد بن إدريس الشافعي ﵀ فإن كنيته أبو عبد الله لا أبو بكر) يقول سمعت عبد الله بن الزبير الحميدي (هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله القرشي الأسدي المكي صاحب الشافعي ورفيقه في رحلته إلى مصر وهو شيخ البخاري وهو لأهل الحجاز كأحمد بن حنبل لأهل العراق) . يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء وما دعا الله تعالى فيه أحد دعوة إلا استجابها أو نحو هذا) قال ابن عباس: فوالله ما دعوت الله فيه قط إلا أجابني، قال عمرو بن دينار: وأنا والله ما أهمني أمر فدعوت الله فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من ابن عباس، قال سفيان بن عيينة: وأنا والله ما دعوت الله فيه قط بشيء إلا استجاب لي منذ سمعت

стр. 456

هذا الحديث من عمرو بن دينار، قال الحميدي: وأنا والله ما دعوت الله فيه قط بشيء إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من سفيان بن عيينة، قال محمد بن إدريس المكي الراوي عن الحميدي: وأنا والله ما دعوت الله بشيء فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من الحميدي. قال محمد بن الحسن بن راشد الأنصاري: وأنا والله ما دعوت الله بشيء فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من محمد بن إدريس، قال أبو القاسم عبيد الله البزار: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي. وقال أبو القاسم السهمي: قال لنا عبيد الله بن محمد: دعوت الله فيه مراراً فاستجاب لي، قال أبو الفتح: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي، قال الحافظ عبد الغني: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي، قال الحافظ ضياء الدين: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي انتهى. قال محب الدين الطبري: هذا حديث حسن غريب من حديث عمرو بن دينار المكي عن ابن عباس انتهى. وقد أخرج هذا الحديث القاضي عياض في الشفاء مسلسلاً، وقد روى من حديث أبي الزبير المكي عن ابن عباس موقوفاً ورواية أبي الزبير أخرجها سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما وهو شاهد قوي، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من وجه آخر عن محمد بن الحسن بن راشد الأنصاري تلميذ محمد بن إدريس مسلسلاً، وتقدم في فصل: ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة الكلام على الالتزام فليراجع، قال أبو داود في سننه: (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة أنبأنا يحيى بن سعيد أنبأنا السائب بن عمر المخزومي قال: حدثني محمد بن عبد الله بن السائب عن أبيه أنه كان يقود ابن عباس فيقيمه عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحِجر مما يلي الباب، فيقول له ابن عباس: أنبئت أن رسول الله ﷺ كان يصل هاهنا؟

стр. 457

فيقول نعم فيقوم فيصلي) انتهى، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن السائب روى عن أبيه وهو شبه مجهول قاله المنذري قال الحافظ في التقريب محمد بن عبد الله بن السائب المخزومي مجهول انتهى. قوله كان يقود ابن عباس: أي بعد ما كف بصره في آخر عمره. قوله أنبئت بصيغة الخطاب بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية النسائي فقال ابن عباس أما أنبئت. قوله أن رسول الله ﷺ كان يصلي هاهنا فيقول: أي عبد الله بن السائب نعم: أي نعم كان يصلي رسول الله ﷺ هاهنا فيقوم، أي ابن عباس فيصلي. قلت: ظاهر الحديث أن الشقة الثالثة قريبة من الركن الشامي مما يلي الحجر بكسر الحاء، وفي تاريخ مكة للطبري وابن ظهيرة ما يؤيد هذا خلافاً لما في بذل المجهود شرح سنن أبي داود حيث جعل الشقة الثالثة هي الملتزم، وإن أحب دعا في الملتزم بغير ما تقدم ويصلي على النبي ﷺ ، فإذا خرج ولاها ظهره ولا يلتفت، قال الإمام أحمد، فإذا ولَّى لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت أعاد الوداع نص عليه يعني استحباباً قال في المغني والشرح، إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلاً انتهى، وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد انتهى، قال أبو عبد الله أكره ذلك، قال شيخ الإسلام: فإذا ولَّى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى، قال الثعالبي في فقه اللغة: القهقرى مشية الراجع إلى خلف، حتى قد قيل إنه إذا رأى البيت رجع فودع انتهى كلام شيخ الإسلام. والحائض والنفساء تقفان عند باب المسجد الحرام وتدعوان بذلك الدعاء استحباباً لتعذر دخوله عليهما. فائدة: إذا ودع وأراد الخروج من المسجد الحرام فمن أي أبوابه يخرج؟ ذهب بعض الشافعية إلى أنه يخرج من باب الحزورة وأنه يندب ذلك لكل

стр. 458

مسافر من مكة ولو لغير بلده لحديث علد الله بن عدي بن الحمراء (رأيت رسول الله ﷺ على راحلته واقفاً بالحزورة يعني في حال خروجه من مكة يقول لمكة: والله إنك لخير أرض الله) . الحديث. قلت: ولا حجة في هذا الحديث لما ذهب إليه البعض لأن الباب المذكور هو المسامت لطريق أهل المدينة المنورة والنبي ﷺ خرج من باب الحزورة لأنه هو المسامت لطريقه، أما من كان طريقه شرقاً ونحوه فالظاهر أنه مخير والأمر في هذا واسع، وتقدم البحث في موضع الحزورة في فصل: ومكة أفضل من المدينة فليعاود. قال ابن القيم: وأما المسألة الثالثة وهي موضع صلاته ﷺ صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع، ففي الصحيحين عن أم سلمة قالت: (شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور، فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في صحيحه في هذه القصة أنه ﷺ لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلته ولم تصلّ حتى خرجت) وهذا محال قطعاً أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب، فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور انتهى كلام ابن القيم. تنبيه: قد ذكر بعض من ألف في المناسك أنه ينبغي التبرك بالأماكن الآتية وهذا لا أصل له في الشرع بل هو من البدع والضلال المبين، فمن ذلك

стр. 459

قوله ينبغي التبرك بمولده ﷺ بسوق الليل ومولد علي ﵁ بقربه وبيت خديجة ﵂ بزقاق الحجر المشهور الآن بمولد السيدة فاطمة ﵂، وقد اشتراه معاوية وفتح به بابا من دار أبيه أبي سفيان الذي في ظهره المسمى بالقبان وهو الآن مستشفى للغرباء وبابه بأثناء سوق المدعى، فالتبرك بذلك أو شيء منه من البدع المنكرة والأمور المحرمة وكغار حراء وهو المسمى الآن بجبل النور وكالغار الذي في جبل ثور بأسفل مكة المذكور في القرآن صعب المرقى وله بابان ضيق وواسع وكمسجد على جبل أبي قبيس يقال له مسجد إبراهيم وكدار الأرقم التي عند الصفا المعروفة الآن بدار الخيزران جارية المهدي العباسي: أم الخليفتين موسى الهادي وهارون الرشيد وكرباط عثمان ﵁، وهو رباط معروف يسكنه المغاربة بالسوق الصغير وفيه بئر مالحة وشجرة نبق قطعت ولله الحمد سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف لأنها تشبه ذات أنواط المذكورة في الحديث واشتهر عند أهل الابتداع أن المحموم إذا تبخر بشيء من قشرها واغتسل من بئرها وقت خطبة الجمعة يشفى وهذا كله من المنكرات ولا أصل في الشرع لزيارة جميع ذلك ولا للتبرك به، وكدار أبي بكر الصديق ﵁ التي بزعمهم هاجر النبي ﷺ منها وموضعها بحارة المسفلة وبالقرب منها على ما زعموا مولد حمزة ﵁ وهو زاوية بجوار بازان المسفلة مجرى عين مكة لبركة ماجن، وكمولد عمر ﵁ وهو بزعمهم غار لطيف عليه بناء قد تهدم غالبه في الجبل المسمى بجبل عمر، ومنها مسجد في شعب جياد يسمى مسجد المتكأ بزعمهم أن النبي ﷺ اتكأ فيه، ومنها مسجد صغير مقابل للقبان بسوق المدعى، ومنها مسجد آخر بعلو سوق المدعى على يسار الصاعد إلى المعلى مقابل لزقاق بنان، ومنها مسجد

стр. 460

على يسار الصاعد إلى المعلى أيضاً مقابل لزقاق المجزرة جعل سابقاً مكتباً للصبيان والآن عمرته مديرية الأوقاف وجعلت أعلاه مسجداً وأسفله دكاكين ومنها مسجد آخر على يمين الصاعد إلى المعلى على رأس زقاق حوش غراب المقابل للخرازين محوط عليه بأحجار كبار وليس مسقفاً يقال إن النبي ﷺ صلى فيه وهذا لا أصل له، ومنها مسجد الراية وهو بأعلى مكة على يمين الصاعد إلى المعلى بزعمهم أن النبي ﷺ ركز رايته يوم فتح مكة عنده وهو أمام الحلقة، ومنها مسجد الجن بزعمهم إنهم استمعوا القرآن من النبي ﷺ وهو به ومنها مسجد الشجرة مقابل مسجد الجن بزعمهم أن النبي ﷺ دعا شجرة في ذلك المسجد فأقبلت تخط الأرض حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت ومنها مسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم بزعمهم أن النبي ﷺ بايع الناس عنده يوم فتح مكة ومنها مسجد الإجابة وهو مسجد بالمحصب المسمى بالأبطح في المعابدة على يسار الصاعد إلى منى بزعمهم أنه منزل النبي ﷺ حين نفر من منى ونزل بالمحصب، فهذه البقاع والمساجد والجبال لا تشرع زيارتها ولا التبرك بها وليس لها من الخصوصية ما ليس لغيرها من المساجد والبقاع، وقد ذكرتها هنا للاحتراز عما يزعمه الجهلة فيها وليعلم أن من ألف في فضلها وفضل زيارتها والدعاء فيها وعندها لا أصل معه شرعاً بل الاعتقاد فيها بما ذكر من البدع، فيجب على من أراد نجاة نفسه التنبه لذلك وتنبيه من يأتي بالحجاج الغرباء على تلك الأماكن وتعليمهم أن زيارتها غير مشروعة، والله أعلم. فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح
следующие страницы →