← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هذا الحديث من عمرو بن دينار، قال الحميدي: وأنا والله ما دعوت الله فيه قط بشيء إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من سفيان بن عيينة، قال محمد بن إدريس المكي الراوي عن الحميدي: وأنا والله ما دعوت الله بشيء فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من الحميدي. قال محمد بن الحسن بن راشد الأنصاري: وأنا والله ما دعوت الله بشيء فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من محمد بن إدريس، قال أبو القاسم عبيد الله البزار: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي. وقال أبو القاسم السهمي: قال لنا عبيد الله بن محمد: دعوت الله فيه مراراً فاستجاب لي، قال أبو الفتح: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي، قال الحافظ عبد الغني: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي، قال الحافظ ضياء الدين: وأنا دعوت الله فيه فاستجاب لي انتهى. قال محب الدين الطبري: هذا حديث حسن غريب من حديث عمرو بن دينار المكي عن ابن عباس انتهى. وقد أخرج هذا الحديث القاضي عياض في الشفاء مسلسلاً، وقد روى من حديث أبي الزبير المكي عن ابن عباس موقوفاً ورواية أبي الزبير أخرجها سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما وهو شاهد قوي، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من وجه آخر عن محمد بن الحسن بن راشد الأنصاري تلميذ محمد بن إدريس مسلسلاً، وتقدم في فصل: ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة الكلام على الالتزام فليراجع، قال أبو داود في سننه: (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة أنبأنا يحيى بن سعيد أنبأنا السائب بن عمر المخزومي قال: حدثني محمد بن عبد الله بن السائب عن أبيه أنه كان يقود ابن عباس فيقيمه عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحِجر مما يلي الباب، فيقول له ابن عباس: أنبئت أن رسول الله ﷺ كان يصل هاهنا؟

стр. 457

فيقول نعم فيقوم فيصلي) انتهى، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن السائب روى عن أبيه وهو شبه مجهول قاله المنذري قال الحافظ في التقريب محمد بن عبد الله بن السائب المخزومي مجهول انتهى. قوله كان يقود ابن عباس: أي بعد ما كف بصره في آخر عمره. قوله أنبئت بصيغة الخطاب بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية النسائي فقال ابن عباس أما أنبئت. قوله أن رسول الله ﷺ كان يصلي هاهنا فيقول: أي عبد الله بن السائب نعم: أي نعم كان يصلي رسول الله ﷺ هاهنا فيقوم، أي ابن عباس فيصلي. قلت: ظاهر الحديث أن الشقة الثالثة قريبة من الركن الشامي مما يلي الحجر بكسر الحاء، وفي تاريخ مكة للطبري وابن ظهيرة ما يؤيد هذا خلافاً لما في بذل المجهود شرح سنن أبي داود حيث جعل الشقة الثالثة هي الملتزم، وإن أحب دعا في الملتزم بغير ما تقدم ويصلي على النبي ﷺ ، فإذا خرج ولاها ظهره ولا يلتفت، قال الإمام أحمد، فإذا ولَّى لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت أعاد الوداع نص عليه يعني استحباباً قال في المغني والشرح، إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلاً انتهى، وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد انتهى، قال أبو عبد الله أكره ذلك، قال شيخ الإسلام: فإذا ولَّى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى، قال الثعالبي في فقه اللغة: القهقرى مشية الراجع إلى خلف، حتى قد قيل إنه إذا رأى البيت رجع فودع انتهى كلام شيخ الإسلام. والحائض والنفساء تقفان عند باب المسجد الحرام وتدعوان بذلك الدعاء استحباباً لتعذر دخوله عليهما. فائدة: إذا ودع وأراد الخروج من المسجد الحرام فمن أي أبوابه يخرج؟ ذهب بعض الشافعية إلى أنه يخرج من باب الحزورة وأنه يندب ذلك لكل

стр. 458

مسافر من مكة ولو لغير بلده لحديث علد الله بن عدي بن الحمراء (رأيت رسول الله ﷺ على راحلته واقفاً بالحزورة يعني في حال خروجه من مكة يقول لمكة: والله إنك لخير أرض الله) . الحديث. قلت: ولا حجة في هذا الحديث لما ذهب إليه البعض لأن الباب المذكور هو المسامت لطريق أهل المدينة المنورة والنبي ﷺ خرج من باب الحزورة لأنه هو المسامت لطريقه، أما من كان طريقه شرقاً ونحوه فالظاهر أنه مخير والأمر في هذا واسع، وتقدم البحث في موضع الحزورة في فصل: ومكة أفضل من المدينة فليعاود. قال ابن القيم: وأما المسألة الثالثة وهي موضع صلاته ﷺ صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع، ففي الصحيحين عن أم سلمة قالت: (شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور، فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في صحيحه في هذه القصة أنه ﷺ لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلته ولم تصلّ حتى خرجت) وهذا محال قطعاً أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب، فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور انتهى كلام ابن القيم. تنبيه: قد ذكر بعض من ألف في المناسك أنه ينبغي التبرك بالأماكن الآتية وهذا لا أصل له في الشرع بل هو من البدع والضلال المبين، فمن ذلك

стр. 459

قوله ينبغي التبرك بمولده ﷺ بسوق الليل ومولد علي ﵁ بقربه وبيت خديجة ﵂ بزقاق الحجر المشهور الآن بمولد السيدة فاطمة ﵂، وقد اشتراه معاوية وفتح به بابا من دار أبيه أبي سفيان الذي في ظهره المسمى بالقبان وهو الآن مستشفى للغرباء وبابه بأثناء سوق المدعى، فالتبرك بذلك أو شيء منه من البدع المنكرة والأمور المحرمة وكغار حراء وهو المسمى الآن بجبل النور وكالغار الذي في جبل ثور بأسفل مكة المذكور في القرآن صعب المرقى وله بابان ضيق وواسع وكمسجد على جبل أبي قبيس يقال له مسجد إبراهيم وكدار الأرقم التي عند الصفا المعروفة الآن بدار الخيزران جارية المهدي العباسي: أم الخليفتين موسى الهادي وهارون الرشيد وكرباط عثمان ﵁، وهو رباط معروف يسكنه المغاربة بالسوق الصغير وفيه بئر مالحة وشجرة نبق قطعت ولله الحمد سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف لأنها تشبه ذات أنواط المذكورة في الحديث واشتهر عند أهل الابتداع أن المحموم إذا تبخر بشيء من قشرها واغتسل من بئرها وقت خطبة الجمعة يشفى وهذا كله من المنكرات ولا أصل في الشرع لزيارة جميع ذلك ولا للتبرك به، وكدار أبي بكر الصديق ﵁ التي بزعمهم هاجر النبي ﷺ منها وموضعها بحارة المسفلة وبالقرب منها على ما زعموا مولد حمزة ﵁ وهو زاوية بجوار بازان المسفلة مجرى عين مكة لبركة ماجن، وكمولد عمر ﵁ وهو بزعمهم غار لطيف عليه بناء قد تهدم غالبه في الجبل المسمى بجبل عمر، ومنها مسجد في شعب جياد يسمى مسجد المتكأ بزعمهم أن النبي ﷺ اتكأ فيه، ومنها مسجد صغير مقابل للقبان بسوق المدعى، ومنها مسجد آخر بعلو سوق المدعى على يسار الصاعد إلى المعلى مقابل لزقاق بنان، ومنها مسجد

стр. 460

على يسار الصاعد إلى المعلى أيضاً مقابل لزقاق المجزرة جعل سابقاً مكتباً للصبيان والآن عمرته مديرية الأوقاف وجعلت أعلاه مسجداً وأسفله دكاكين ومنها مسجد آخر على يمين الصاعد إلى المعلى على رأس زقاق حوش غراب المقابل للخرازين محوط عليه بأحجار كبار وليس مسقفاً يقال إن النبي ﷺ صلى فيه وهذا لا أصل له، ومنها مسجد الراية وهو بأعلى مكة على يمين الصاعد إلى المعلى بزعمهم أن النبي ﷺ ركز رايته يوم فتح مكة عنده وهو أمام الحلقة، ومنها مسجد الجن بزعمهم إنهم استمعوا القرآن من النبي ﷺ وهو به ومنها مسجد الشجرة مقابل مسجد الجن بزعمهم أن النبي ﷺ دعا شجرة في ذلك المسجد فأقبلت تخط الأرض حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت ومنها مسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم بزعمهم أن النبي ﷺ بايع الناس عنده يوم فتح مكة ومنها مسجد الإجابة وهو مسجد بالمحصب المسمى بالأبطح في المعابدة على يسار الصاعد إلى منى بزعمهم أنه منزل النبي ﷺ حين نفر من منى ونزل بالمحصب، فهذه البقاع والمساجد والجبال لا تشرع زيارتها ولا التبرك بها وليس لها من الخصوصية ما ليس لغيرها من المساجد والبقاع، وقد ذكرتها هنا للاحتراز عما يزعمه الجهلة فيها وليعلم أن من ألف في فضلها وفضل زيارتها والدعاء فيها وعندها لا أصل معه شرعاً بل الاعتقاد فيها بما ذكر من البدع، فيجب على من أراد نجاة نفسه التنبه لذلك وتنبيه من يأتي بالحجاج الغرباء على تلك الأماكن وتعليمهم أن زيارتها غير مشروعة، والله أعلم. فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح

стр. 461

أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة، والمشاعر عرفة ومزدلفة ومنى والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفدا، ونحو ذلك فإنه ليس من سنة النبي ﷺ زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال إنها من الآثار لم يشرع النبي ﷺ قصد شيء من ذلك لخصوصه ولا زيارة شيء من ذلك، انتهى كلامه ﵀. -- فصل: قال شيخ الإسلام ﵀ وإذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ويصلي فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو مروي من طرق أخر، ومسجده كان أصغر مما هو اليوم وكذلك المسجد الحرام لكن زاد فيه الخلفاء الراشدون ومن بعده، وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبيه فإنه قد قال: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ رواه أبو داود وغيره، وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك

стр. 462

يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف، وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه، ويسلمون عليه مستقبلي الحجرة مستدبري القبلة عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد، واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها، وإذا قال في سلامه السلام عليك يا رسول الله يا خيرة الله من خلقه يا أكرم الخلق على ربه يا إمام المتقين فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي ﷺ ، وكذلك إذا صلى عليه مع السلام عليه فهذا مما أمر الله به، ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإن هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فإنه ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) وقال: (لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) فأخبر ﷺ أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب وأنه مبلغ ذلك من البعيد، وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية وزيارة بدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد في الصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنة فيها أن يسلم على الميت ويدعو له، سواء كان نبياً أو غير نبي كما كان النبي ﷺ يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا واغفر لنا ولهم، وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة أو غيرهم أو زار شهداء أُحد وغيرهم، والزيارة البدعية أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو يقصد الدعاء عند قبره أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 463

ولا استحبه أحد من سلف الأمة بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها، والأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: (من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) وقوله (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي) ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوع ليست في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم، لكن روى بعضها البزار والدارقطني ونحوهما بأسانيد ضعيفة، لأن من عادة الدارقطني وأمثاله يذكرون هذا في السنن ليعرف وهو وغيره يثبتون ضعف الضعيف من ذلك، فإذا كانت هذه الأمور التي فيها شرك وبدعة ينهى عنها عند قبره وهو أفضل الخلق، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى ويستحب أن يأتي مسجد قباء ويصلي فيه فإن النبي ﷺ قال: (من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كأجر عمرة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وقال النبي ﷺ : (الصلاة في مسجد قباء كعمرة) قال الترمذي حديث حسن والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف مستحب في أي وقت شاء سواء كان عام الحج أو بعده، ولا يفعل فيه ولا في مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد، ليس فيها شيء يتمسح به ولا يقبل ولا يطاف به، هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة. والدين مبني على أصلين: أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا يعبد إلا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول

стр. 464

في دعائه: اللهم اجعل عملي صالحاً واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل فيه لأحد شيئاً، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قيل أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوابه؟ قال إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة إلى أن قال: ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المنكرة السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وهذا في أصح القولين غير مشروع حتى صرح بعض من قال ذلك أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة لأنه سفر معصية، وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه كالقبر والمقام أو لأجل الاستعاذة به ونحو ذلك فهذا شرك وبدعة إلى أن قال: ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله وسؤال من مات من الأنبياء والصالحين مثل من يكتب رقعة ويعلقها عند قبر نبي أو صالح أو يسجد لقبره أو يدعوه ويرغب إليه. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام هنا من قوله ولهذا نهى العلماء إلخ، لا ينافي أنه شرك بالله أكبر لأن الشرك بالله أعظم المنهيات. قال الشيخ: ورفع الصوت في المساجد منهي عنه وهو في مسجد النبي ﷺ أشد، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضرباً، إن الأصوات لا ترفع في مسجده ﷺ ، فما يفعله بعض جهال العامة من رفع الصوت عقب الصلاة من قولهم: السلام عليكم يا رسول الله بأصوات عالية من أقبح المنكرات ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئاً من ذلك عقب الصلاة لا بأصوات عالية ولا منخفضة، بل ما في الصلاة من قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هو

стр. 465

المشروع، كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل زمان ومكان، قلت هذا في زمن شيخ الإسلام ﵀ فكيف لو رأى زمننا هذا الذي قل فيه العلم النافع وكثر في الجهل واتبع فيه الهوى فإنه قد زاد رفع الصوت في مسجده ﷺ من هؤلاء الجهلة الزائرين فإنه بعد كل صلاة يقومون جماعات في قبلّي المسجد ويكون مع كل جماعة مزوِّر يرفع صوته لجماعته فيرفعون أصواتهم بما يقول وهكذا كل جماعة ترفع صوتها فيصير لهم ضجة في المسجد يذوب من سماعها قلب الموحد (فإنا لله وإنا إليه راجعون) قال الشيخ: وفي سنن سعيد بن منصور: أن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً ينتاب قبر النبي ﷺ للدعاء عنده فقال يا هذا إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء انتهى كلام شيخ الإسلام ملخصاً من منسكه الأخير. وقال في المنتهى وشرحه: قال الشيخ تقي الدين: واتفقوا على أنه لا يقبل الحجرة ولا يتمسح بها فإنه من الشرك قال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وكذا مس القبر أو حائطه ولص صدره به وتقبيله انتهى. وتستحب الصلاة بمسجده ﷺ ، وهي بألف صلاة والصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وحسنات الحرم في المضاعفة كصلاته لحديث ابن عباس مرفوعاً (من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة) رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم كلاهما من رواية عيسى بن سوادة، وقال الحاكم صحيح الإسناد، وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر فإن في القلب

стр. 466

من عيسى بن سوادة، قال المنذري قال البخاري: هو منكر الحديث انتهى قال في الإقناع: وتعظم السيئات به انتهى. سئل أحمد في رواية ابن منصور: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا إلا بمكة لتعظيم البلد؛ ولو أن رجلاً بعدن وهم أن يقتل عند البيت أذاقه الله من العذاب الأليم. انتهى. وظاهر كلام الإقناع أن المضاعفة في الكيف لا الكم وهو كلام الشيخ تقي الدين، وظاهر كلام الفتوحي في المنتهى تبعاً للقاضي أبي يعلى وغيره أن المضاعفة في الكم كما هو ظاهر نص الإمام أحمد وكلام ابن عباس: ما لي وبلد تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف الحسنات، قال منصور البهوتي: وهو خاص فلا يعارضه عموم الآيات بل تخصص به لأن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو بمنزلة المرفوع انتهى، قلت: الذي يترجح عند هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن مضاعفة السيئات في الكيف لا الكم حتى لا يتعارض مع قوله جل وعلا (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وتقدم البحث في ذلك بأبسط من هذا في فصل: ومكة أفضل من المدينة من باب صيد الحرمين ونباتهما ويسن أن يأتي مسجد قباء، بضم القاف، يقصر ويمد ويصرف على ميلين من المدينة من جهة الجنوب فيصلي فيه لما في الصحيحين أنه ﷺ كان يأتيه راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين، وفي الصحيحين أيضاً كان يأتيه كل سبت راكباً وماشياً، وكان ابن عمر يفعله، وتقدم كلام شيخ الإسلام في ذلك. قال الإمام أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط، يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره انتهى، ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى، ثم يقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي

стр. 467

وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال مثل ذلك إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك، قال في المغني والشرح الكبير: ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أشهد أنك ق بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيراً كما يحب ربنا ويرضى اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحداً من النبيين والمرسلين، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يتقدم قليلاً ويقول: السلام عليكم يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) . انتهى ملخصاً. قال الإمام أبو عبد الله الحليمي الشافعي: لولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني) لوجدنا فيما نثني عليه ما تكل الألسن عن بلوغ مداه، ولكن امتثال نهيه خصوصاً بحضرته أولى فليعدل عن التوسع في ذلك انتهى، قلت: ولقد عمت البلوى فكان بعض الجهلة بالتوحيد الذي بعث الله به سيد المرسلين يأتي في زيارته للنبي ﷺ ولغيره من شهداء أُحد وأهل البقيع بكلام غير مشروع بل

стр. 468

هو من الشرك كقول بعضهم عند الحجرة: يا رسول الله أتيناك زائرين مستجيرين مستغيثين فلا تردنا خائبين، المدد يا رسول الله، الغوث يا أكرم الخلق على الله يا رسول الله خذ بأيدينا، ونحو ذلك من الكلام الذي هو من الشرك الأكبر (فإن لله وإنا إليه راجعون) فيجب على كل من أراد نجاة نفسه التنبه لذلك وتنبيه الجاهل واستعمال السلام المشروع، والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل. ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهاً إلى بلده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، آيبون: أي راجعون، تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول فذكره. قال في الإقناع وشرحه: ولا بأس أن يقال للحاج إذا قدم (تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك) . رواه سعيد عن ابن عمر قال في المستوعب: وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب، وفي الخبر: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. تنبيه: قد ذكر بعض الفقهاء والمؤلفين في المناسك أحاديث ضعيفة بل موضوعة في زيارة قبره ﷺ ، فمنها حديث (من زار قبري وجبت له شفاعتي) . رواه الدارقطني والبيهقي، وهو حديث منكر ضعيف الإسناد وقد تفرد به موسى بن هلال العبدي المجهول الحال عن عبد الله بن عمر العمري المشهور بسوء الحفظ وشدة الغفلة، ومنها حديث (من حجج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) . رواه الدارقطني في سننه وغيرها وهو حديث منكر المتن ساقط الإسناد، وذكر بعض العلماء أنه من الأحاديث الموضوعة

стр. 469

والأخبار المكذوبة وهو من رواية حفص بن سليمان، قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره، عن يحيى بن معين ليس بثقة، وقال الإمام أحمد متروك الحديث، وقال البخاري تركوه، وقال مسلم بن الحجاج متروك، وقال علي بن المديني ضعيف وتركته على عمد، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، ومنها حديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) رواه ابن عدي في الكامل، وهو حديث منكر جداً لا أصل له بل هو من المكذوبات والموضوعات وهو كذب موضوع وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات، قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: النعمان بن شبل أبو شبل من أهل البصرة يروى عن أبي عوانه ومالك والبصريين والحجازيين روى عنه ابن ابنه محمد بن محمد بن النعمان بن شبل حدثنا عنه الحسن بن سفيان أنه يأتي عن الثقات بالطامات وعن الإثبات بالمقلوبات، وروى عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) ، ومن المعلوم عند أهل الحديث أن تفرد مثل محمد بن محمد بن النعمان بن شبل المتهم بالكذب والوضع عن جده النعمان بن شبل الذي لم يعرف بعدالة ولا ضبط من أبين الأدلة على ضعف ما تفرد به وكذبه ورده، ونسخه مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة رواها عنه أصحابه رواة الموطأ وليس هذا الحديث منها بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه ولو كان من حديثه لبادر إلى روايته عنه بعض أصحاب الثقات بل لو تفرد برواية هذا الحديث عنه ثقة معروف من بين سائر أصحاب مالك لأنكره الحفاظ عليه ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة فكيف وهو حديث لم يروه عنه ثقة قط، ومنها حديث: (من زار قبري) أو قال: (من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال:

стр. 470

حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال حدثني رجل من آل عمر عن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من زار قبري) أو قال: (من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة) وهذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، وقد خرجه البيهقي في كتاب شعب الإيمان، وفي كتاب السنن الكبرى، وقال في كتاب السنن بعد تخرجه: هذا إسناد مجهول انتهى، وسوار بن ميمون شيخ أبي داود الطيالسي يقلبه بعض الرواة ويقول ميمون بن سوار وهو شيخ مجهول لا يعرف بعدالة ولا ضبط، وأما شيخ سوار في رواية أبي داود هذه فإنه شيخ مهم وهو أسوأ حالاً من المجهول، فكل هذه الأحاديث التي ذكرناها ليس فيها حديث صحيح بل كلها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وأجود ما روى في أحاديث الزيارة ما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث أبي هريرة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقريء حدثنا حيوة، حدثنا أبو صخر أن يزيد بن عبد الله بن قسيط أخبره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من الأئمة في مسألة الزيارة، ومع هذا فإنه لا يسلم من مقال في إسناده ونزاع في دلالته. أما المقال في إسناده فمن جهة تفرد أبي صخر به عن ابن قسيط، وأبو صخر هو حميد بن زياد وهو ابن أبي المخارق المدني الخراط صاحب العبا، سكن مصر، ويقال حميد بن صخر، واختلف الأئمة في عدالته فوثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون، واختلفت الرواية عن يحيى بن معين فيه فقال أحمد بن سعيد بن أبي

стр. 471

مريم عنه: أبو صخر حميد بن زياد الخراط ضعيف الحديث، وقال إسحاق بن منصور عنه: أبو صخر حميد بن زياد ضعيف، وروى عثمان بن سعيد الدارمي عنه حميد بن زياد الخراط ليس به بأس، وقال في موضع آخر: قلت ليحيى فأبو صخر؟ قال ثقة: وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل سئل أبي عن أبي صخر فقال: ليس به بأس وروى عن الإمام أحمد رواية أخرى أنه ضعيف، وقال النسائي: حميد بن صخر ضعيف، وفي كتاب الضعفاء للنسائي حميد بن صخر ليس بالقوي، قال في التقريب: حميد بن زياد أبو صخر بن أبي المخارق الخراط صاحب العبا مدني سكن مصر، ويقال هو حميد بن صخر أبو مودود الخراط، وقيل إنهما اثنان صدوق يهم من السادسة مات سنة تسع وثمانين بعد المائة انتهى، فقد تبين أن هذا الحديث الذي تفرد به أبو صخر عن ابن قسيط عن أبي هريرة لا يخلو من مقال في إسناده وأنه لا ينتهي به إلى درجة الصحيح وإنما هو حديث إسناده مقارب وهو صالح أن يكون متابعاً لغيره وعاضداً له، والله أعلم. وأما النزاع في دلالة الحديث فمن جهة احتمال لفظه، فإن قاله (ما من أحد يسلم علي) يحتمل أن يكون المراد به عند قبره كما فهمه جماعة من الأئمة، ويحتمل أن يكون معناه على العموم، وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد، والذين قالوا بالاحتمال الأول، وأثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود واحتجوا: إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهما، وإما بهذا الحديث فإنه عمدة الإمام أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند عند قبري لكن عرفوا أن هذا هو المراد وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال

стр. 472

بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد تنازعوا في دلالته فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عموماً في حق المؤمنين (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ قالوا: فأما من كان في المسجد لم يسلموا عليه عند قبره لا سيما بعد أن وضع الشباك على الحجرة وإنما سلامهم عليه في المسجد كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله (صلوا عليه وسلموا تسليما) وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشراً كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائص النبي ﷺ ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشراً فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان، وحديث أبي هريرة هذا يدل على أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره ولكن النزاع في معنى كونه عند قبره، هل المراد به في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريباً منها أو يراد به من كان في المسجد أيضاً قريباً من الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف، وقول من يقول إنه صلى الله علي وسلم يسمع الصلاة والسلام من البعيد ممتنع

стр. 473

فإنه إن أراد وصول المصلى والمسلم إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه ﷺ يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلها، ويقال أيضا ليس في الحديث ثناء على المسلم ولا مدح له ولا ترغيب له في ذلك ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وكذلك من سلم عليه، وأيضاً فهما مأمور بهما وكل مأمور به ففاعله محمود مشكور مأجور، وأما قوله: (ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد السلام فيكافئ المُسَلِّم عليه لا يبقى للمسَلَّم عليه فضل فإنه بالرد تحصل المكافأة كما قال تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام على الرسول ﷺ وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت. ومن أعظم ما منّ الله به على رسوله وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد خصوصاً بعد وضع الشباك على الحجرة، والمسافر إلى قبره ﷺ إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو إتيان إلى مسجده ﷺ ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ؛ ولا عند قبره قناديل معلقة ولا ستور مسبلة بل إنما تعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره من الخلوق، ولا ينذر زيتاً ولا شمعاً ولا ستراً، ولا غير ذلك مما ينذره أهل الإشراك لقبر

стр. 474

غيره، وإن كان فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة أو كان في بعض الأحوال قد ستر بعض الناس الحجرة أو خلقها بعضهم بزعفران، فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد لا من باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره، فعلم أن الله استجاب دعاءه حين قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) وإن كان كثيراً من الناس يريدون أن يجعلوه وثنا ويعتقدون أن ذلك تعظيم له كما يريدون ذلك ويعتقدونه في قبر غيره، فهو لا يتمكنون من ذلك في قبره ﷺ ، بأبي هو وأمي، لا سيما بعد وضع الشباك على الحجرة، بل هذا القصد والاعتقاد خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج فما يحصل من بعض الزوار في مسجده ﷺ أثناء زيارتهم لا يعد من البدع والإشراك واقعاً عند قبره ﷺ ، وإنما ذلك في مسجده ﷺ ، لأنه من الممتنع الوصول إلى قبره ﷺ ، فعلم يقيناً أن الله قد استجاب دعاءه ﷺ ، كما قال ابن القيم في الكافية الشافعية: ولقد نهانا أن نصيِّر قبره ... عيداً حذار الشرك بالرحمن. ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان. فأجاب رب العالمين دعاؤه ... وأحاطه بثلاثة الجدران. حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان انتهى. قلت: هذا في زمن ابن القيم ثم بعد زمنه أحيط أيضاً بالشباك الكبير الموجود الآن فأصبح القبر محاطاً بثلاثة الجدران التي ذكرها ابن القيم ﵀ وثلاثة الجدران محاطة بالشباك الكبير من جميع الجهات، فالحمد لله رب العالمين والمقصود أن الصلاة والسلام عليه ﷺ المأمور بهما في القرآن لا يوجب الرد، وهو أفضل من السلام الموجب للرد، وكانت على عهد الخلفاء

стр. 475

الراشدين والصحابة حجرته ﷺ خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان من آخرهم موتاً جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد فإنه توفى سنة بضع وسبعين، والوليد تولى سنة بضع وثمانين وتوفى سنة بضع وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب أخبار المدينة مدينة الرسول ﷺ عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هجرية هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه، وقوله في الحديث (إلا رد الله علي روحي حتى أراد ﵇ يقتضي رد الروح بعد السلام ولا يقتضي استمرارها في الجسد وليعلم أن رد الروح بعد للبدن هو عودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي فيه ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشر نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت، وقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه وفي بيان الميت وحاله أن روحه تعاد إلى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه؛ وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية والحياة جنس تحتها أنواع وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي الحياة كما في الحديث الصحيح أنه كان إذا استيقظ من النوم قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، وفي الجملة رد الروح على الميت في البرزخ ورد السلام

стр. 476

على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين وإن كان نوع حياة برزخية، وقول من زعم إنها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرناً بعد قرن والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطباق التراب والحجارة ولوازم هذا باطلة مما لا يخفى على العقلاء، وعند أهل السنة من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها صفات تقوم بها وأنها تفارق البدن وتصعد وتنزل وتُقبض، وتُنعم وتعذب، وتدخل وتخرج، وتذهب وتجيء، وتُسأل وتحاسب، ويقبضها الملك ويعرج بها إلى السماء ويشيعها ملائكة السموات إن كانت طيبة وإن كانت خبيثة طرحت طرحاً، وأنها تحس وتدرك وتأكل وتشرب في البرزخ من الجنة كما دلت عليه السنة الصحيحة في أرواح الشهداء خصوصاً والمؤمنين عموماً، ومع هذا فلها شأن آخر غير شأن البدن فإنها تكون في الملأ الأعلى فوق السموات، وقد تعلقت بالبدن تعلقاً يقتضي رد السلام على من سلم عليه عند قبره وهي في مستقرها في عليين مع الرفيق الأعلى، وقد مر النبي ﷺ ليلة الإسراء على موسى قائماً يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة ولا ريب أن موسى لم يرفع من قبره. تلك الليلة لا هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم في السموات؛ بل لم تزل تلك منازلهم من السموات، وإنما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء في منازلهم التي كانوا فيها من حين رفعهم الله سبحانه إليها، ولم تكن صلاة موسى في قبره بموجبة مفارقة روحة للسماء السادسة وحلولها في القبر، بل هي في مستقرها ولها تعلق بالبدن قوى حتى حمله على الصلاة، وقد ثبت في الصحيح أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها

стр. 477

وتسرح فيها حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا شأنها حتى يبعثها الله سبحانه إلى أجسادها، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عند قبورهم عرفوه وردوا ﵇ بل ونسمة المؤمن كذلك مع كونها طائراً تعلق في شجر الجنة ترد على صاحبها وتشعر بالمسلم إذا سلم عليه عند قبره والله أعلم، قال في الكافية الشافعية لابن القيم رحمه الله تعالى: وكذا نشد رحالنا للمسجد ... النبوي خير مساجد البلدان. من بعد مكة أو على الإطلاق ... فيه الخلف منذ زمان. فإذا أتينا المسجد النبوي ... صلينا التحية أولا ثنتان. ثم أنثنينا للزيارة نقصد ... القبر الشريف ولو على الأجفان. فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإعلان. فكأنه في القبر حي ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان. ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان. وتفجرت تلك العيون بمائها ... ولطال ما غاضت على الأزمان. وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان. لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان. كلا ولم ير طائفاً بالقبر ... أسبوعاً كأن القبر بيت ثان. ثم انثنى بدعائه متوجها ... لله نحو البيت ذي الأركان. هذي زيارة من غدا متمسكا ... بشريعة الإسلام والإيمان. من أفضل الأعمال هاتيك الز- ... يارة وهي يوم الحشر في الميزان. لا تلبسوا الحق الذي جاءت به ... سن الرسول بأعظم البطلان. هذي زيارتنا ولم ننكر سوى ال- ... بدع المضلة يا أولي العدوان.

стр. 478

وحديث شر الرحل نص ثابت ... يجب المصير إليه بالبرهان. انتهى. ويأتي في كلام شيخ الإسلام أن السلف نصوا على أنه لا يوقف عنده للدعاء، قال شيخ الإسلام: اتفق الأئمة على أنه يسلم على النبي ﷺ عند زيارته وعلى صاحبيه لما في السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي بها روحي حتى أرد ﵇ وهو حديث جيد إلى أن قال ومع هذا لم يقل أحد منهم أن الدعاء مستجاب عند قبره ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهاً إلى قبره بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعو مستقبل القبر، وتنازعوا في السلام عليه فقال الأكثرون كمالك وأحمد وغيرهما يسلم عليه مستقبل القبر وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: بل يسلم عليه مستقبل القبلة بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده للدعاء مطلقاً كما ذكر ذلك إسماعيل بن إسحاق في كتاب المبسوط وذكره القاضي عياض، قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضاً في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإنا ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في اليوم المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك إلا من جاء من سفر أو أراده. قال ابن القاسم رأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر

стр. 479

وسلموا قال وذلك دأبي فهذا مالك وهو أعلم أهل زمانه: أي زمن تابع التابعين بالمدينة النبوية التي كان أهلها في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أعلم الناس بما يشرع عند قبر النبي ﷺ يكرهون الوقوف للدعاء بعد السلام عليه وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيه وهو المشروع من الصلاة والسلام، وأن ذلك أيضاً لا يستحب لأهل المدينة كل وقت بل عند القدوم من سفر أو إرادته لأن ذلك تحية له، والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته بخلاف القادمين من السفر، وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي ﷺ يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده، وكره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ، قال القاضي عياض كراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي ﷺ لقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل ذلك قطعاً للذريعة وحسما للباب انتهى كلام الشيخ. الإسلام وقد تنازع العلماء في شد الرحال إلى مجرد زيارة القبور، والصحيح أنه ينهى عن ذلك لحديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فإن قيل الحديث نص في المساجد لا في غيرها، قلنا قد فهم الصحابة من نهيه ﷺ أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجداً كما جاء عن بصرة ابن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم، وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى الثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) وأما ابن عمر: فروى أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب أخبار المدينة،

стр. 480

حدثنا ابن أبي الوزير، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت إني أريد الطور؟ فقال: (إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته) رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وهذا النهي عن بصرة ابن أبي بصرة وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة وكذلك أبو سعيد الخدري رواية أيضاً وحديثه في الصحيحين فروى أبو زيد، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) فأبو سعيد جعل الطور مما نهى عن شد الرحال إليه مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة وكلم الله موسى هناك فالصحابة الذي سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي وفهموا منه تناوله لغير المساجد وهم أعلم بما سمعوه، والله أعلم. وأما طلب الاستغفار من النبي ﷺ بعد موته فليس بجائز، والحكاية المنسوبة عن الإمام مالك بن أنس الذي جاء فيه أنه قال لأبي جعفر المنصور: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك، قال الله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية. حكاية باطلة فإن هذا الحكاية لم يذكرها أحد من الأئمة فيما أعلم

стр. 481

ولم يذكر أحد منهم أنه يستحب أن يسأل بعد الموت لا استغفاراً ولا غيره، وكلام الإمام مالك المنصوص عنه وعم أمثاله ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخرى الفقهاء أنه يروى عن العتبي أنه قال: كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي إلى قبر النبي ﷺ فقال السلام عليك يا رسول الله: سمعت الله يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) وتلا هذه الآية وأنشد هذين البيتين: يا خير من دفنت بالبقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم. نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم. ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيناي فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له، ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً مأموراً به، وهذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً إلى علي بن أبي طالب، وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي

стр. 482

مما تقوم بها حجة وإسنادهم مظلم مختلق ولفظها مختلق أيضاً فلا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، وبالله التوفيق. -- فصل: -- في صفة العمرة وما يتعلق بذلك: من كان في الحرم من مكي وغيره وأراد العمرة خرج إلى الحل فأحرم من أقربه إلى الحرم وكان ميقاتاً له، قال في الشرح الكبير: لا نعلم فيه خلافاً انتهى، ومن التنعيم؛ لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة من التنعيم. قال ابن سيرينك بلغني أن النبي ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة. ثم يلي الإحرام من التنعيم في الأفضلية الإحرام من الجعرانة بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء وقد تكسر العين وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ. وهي موضع بين مكة والطائف خارج من حدود الحرم يعتمر منه، سمي بريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة، قال في القاموس وهي المرادة في قوله تعالى: (كالتي نقضت غزلها) قال في المصباح المنير: والجعرانة موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة وتمامه فيه، وفي ذلك الموضع بئر ماؤها من أعذب المياه، ثم يلي الإحرام من الجعرانة في الأفضلية الإحرام من الحديبية مصغرة وقد تشدد. قال في المصباح: الحديبية بئر بقرب

стр. 483

مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع وتمامه فيه. قال في القاموس: الحديبية كدويهيه وقد تشدد: بئر قرب مكة حرسها الله تعالى أو لشجرة حدباء كانت هناك انتهى قال في شرح القاموس لمرتضى الحسيني: وجزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسي، والشجرة هي التي كانت تحتها بيعة الرضوان انتهى ملخصاً. قلت: قد قطع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ لما رأى الناس يذهبون إليها مذاهب سداً لذريعة الشرك من التبرك بالأشجار كذات أنواط المذكورة في حديث أبي واقد الليثي والله أعلم، والحديبية من الحل وهناك علماً حدود الحرم قريباً منها كما هو مشاهد. ثم يلي ما سبق في الأفضلية ما بعد عن الحرم، وعنه في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر هي على قدر تعبها؛ ومن كان خارجاً عن حرم مكة دون المواقيت التي سبقت كأهل لزيمة والشرائع وبحرة ونحوها فميقات إحرامه بالحج أو العمرة من دويرة أهله كما تقدم في باب المواقيت لحديث ابن عباس السابق هناك؛ وإن كان في قرية وأراد الإحرام فإنه له أن يحرم من الجانب الأقرب من الحرم وإحرامه من الجانب الأبعد أفضل كمن بالميقات فإن إحرامه من الجانب الأبعد عن الحرم أفضل وتقدم في باب المواقيت، وتباح العمرة كل وقت من أوقات السنة في أشهر الحج وغيرها، فلا يكره الإحرام بها يوم عرفة ولا يوم النحر ولا أيام التشريق لأن الأصل الإباحة ولا دليل على الكراهة، فإن قيل كيف يتصور الإحرام بالعمرة يوم النحر وهو متلبس بحج إذ يكون ذلك من إدخال العمرة على الحج والصحيح عدم جوازه، فالجواب أن فعل ذلك لمن لم يكن متلبساً بحج أصلاً أو لمن فاته الحج والله أعلم، لكن تقدم في باب الإحرام في صفة التمتع أن القاضي أبا يعلى

стр. 484

قال: لو تحلل من الحج يوم النحر ثم أحرم فيه بعمرة فليس بمتمتع فعبارته صريحة في صحة عمرته يوم النحر بعد التحلل الأخير من الحج، فعلى هذا يكون الممنوع ما إذا أحرم بالعمرة وهو متلبس بالحج، أما إذا حل منه التحلل الأخير صح الاعتمار إذ ليس فيه إدخال للعمرة على الحج، على أني لم أطلع على أن أحداً من السلف أو ممن يعتد بقوله اعتمر وهو في تلك الحالة التي بقي عليه بعض مناسك الحج من الرمي والمبيت ليالي منى والله أعلم. ولا بأس أن يعتمر في السنة مراراً روى عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، قال النخعي ما كانوا يعتبرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي ﷺ لم يفعله قال في الشرح الكبير ولنا أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها ولأن النبي ﷺ قال: (العمر إلى العمرة كفارة لما بينهما) متفق عليه. وقال علي ﵁: في كل شهر مرة وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر، رواهما الشافعي في مسنده انتهى. ويكره الإكثار منها والموالاة بينها نصا باتفاق السلف قاله في الفروع، قال أحمد إن شاء كل شهر وقال لا بد أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. قال في الشرح: قال شيخنا يعني عمه الموفق وأحوال السلف وأقوالهم على ما قلناه ولأن النبي ﷺ لم تنقل عنه الموالاة بينها وإنما نقل عن السلف إنكار ذلك والحق في اتباعهم. قال طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدرى يؤجرون عليها أم يعذبون؟ قيل له: فلم يعذبون؟ قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أيمال ويجيء وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائة طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي

стр. 485

في غير شيء انتهى. والعمر في غير أشهر الحج أفضل منها في أشهر الحج نقله الأثرم عن أحمد، واختار في زاد المعاد أن العمر في أشهر الحج أفضل، وظاهر كلام جماعة التسوية، وأفضلها في رمضان ويستحب تكرارها فيه لأنها تعدل حجة لحديث ابن عباس مرفوعاً (عمرة في رمضان تعدل حجة) متفق عليه. قال أحمد: من أدرك يوماً من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان، وقال أنس (حج النبي ﷺ حجة واحدة واعتمر أربع عُمر واحدة في القعدة وعمرة الحديبية وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة إذ قسم غنائم حنين) متفق عليه. وفي الصحيحين عن أنس (أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر كهلن في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته) الحديث، والتي مع حجته في ذي الحجة. قال ابن القيم: ولا تناقض بين حديث أنس أنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة لأن مبدأ عمر القران كان في القعدة ونهايتها كانت في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انقضائها انتهى. وتسمى العمرة حجاً أصغر لمشاركتها للحج في الإحرام والطواف والسعي والحلق والتقصير، وانفراد الحج بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار وغير ذلك، قال في المنتهى وشرحه: وحرام إحرام بعمرة من الحرم لتركه ميقاته وينعقد إحرامه وعليه دم كمن تجاوز ميقاته بلا إحرام ثم أحرم انتهى. قال في الإقناع وشرحه: وإن أحرم بالعمرة من الحرم لم يجز له ذلك لتركه ميقاته وهو الحل وينعقد إحرامه وعليه دم لتركه نسكاً واجباً. قال في المغني والشرح: فإن أحرم بالعمرة من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم وذلك لتركه الإحرام من الميقات وهو الحل، فإن خرج إلى الحل قبل الطواف ثم عاد أجزأه لأنه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضاً لأنه قد أتى بأركانها.

стр. 486

وإنما أخل بالإحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي. والقول الثاني لا تصح عمرته لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، وإن حلق قبل ذلك فعليه دم وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه فعليه فديته، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسدها وعليه دم لإفسادها ويقضيها بعمرة من الحل، فإن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا انتهى. قال في الرعاية: فإن أحرم بها من الحرم أو من مكة معتمراً صح في الأصح ولزمه دم، وقيل إن أحرم بها مكي من مكة أو من بقية الحرم خرج إلى الحل قبل طوافها وقبل إتمامها وعاد فأتمها كفته وعليه دم لإحرامه دون الميقات وإن أتمها قبل أن يخرج ففي إجزائها وجهان انتهى. قال في الفروع وإن أحرم بالعمرة من مكة أو الحرم لزمه دم ويجزئه إن خرج إلى الحل قبل طوافها وكذا بعده كإحرامه دون ميقات الحج به انتهى. يعني إذا خرج إلى الحل محرماً أجزأته عمرته وعليه دم لإحرامه بها دون ميقاتها كإحرامه دون ميقات الحج والله أعلم، ثم بعد الإحرام بالعمرة يطوف لعمرته ويسعى ثم يحلق أو يقصر ولا يحل قبل الحلق أو التقصير، فإن وطئ قبله فعليه دم لما روى عن ابن عباس وتقدم قال في الشرح: وهل يحل قبل الحلق أو التقصير على روايتين أصلهما هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك؟ فإن قلنا إنه نسك لم يحل قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسك بل إطلاق من محظور حل قبله كاللبس والطيب، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج وهذا مقيس عليه انتهى. قلت: قد تقدم أن الحلق والتقصير نسك على الصحيح

стр. 487

لا إطلاق من محظور واستوفينا البحث هناك فليراجع فإنه مهم جداً والله الموفق. وتجزئ عمرة القارن عن عمرة الإسلام وتجزئ عمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام، لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، فقال لها النبي ﷺ حين حلت منهما (قد حللت من حجك وعمرتك) وإنما أعمرها من التنعيم قصداً لتطيب خاطرها وإجابة مسألتها لا لأنها كانت واجبة عليها وعن الإمام أحمد أن العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة، قال إنما هي من أربعة أميال وثوابها على قدر تعبها، وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: والله ما كانت عمرة إنما كانت زيادة، وإذا لم تكن تامة لم تجز لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال علي ﵁ إتمامها أن تأتي بهما من دويرة أهلك. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلام له سبق: ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها، لأنها كانت قد حاضت فلم يمكنها الطواف، لأن النبي ﷺ قال (تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة ثم إنها طلبت من النبي ﷺ أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن فاعتمرت من التنعيم، والتنعيم هو: أقرب الحل إلى مكة وبه اليوم المساجد التي تسمى مساجد عائشة، ولم تكن هذه على عهد النبي ﷺ وإنما بنيت بعد ذلك علامة على المكان الذي أحرمت منه عائشة، وليس دخول هذه المساجد ولا الصلاة فيها لمن اجتاز بها محرماً لا فرضاً ولا سنة بل قصد ذلك واعتقاد أنه يستحب بدعة مكروهة، ولكن من خرج من مكة ليعتمر فإنه إذا دخل واحداً منها وصلى فيه لأجل الإحرام، فلا بأس بذلك، ولم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة

стр. 488

ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غير رمضان، والذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة كما ذكر ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، والذين استحبوا الإفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج في سفره ويعتمر في أخرى ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقب ذلك عمرة مكية، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط، اللهم إلا أن يكون شيئاً نادراً، وإن تنازع السلف في هذا هل يكون متمتعاً عليه دم أم لا، وهل تجزئة هذه العمرة عن عمرة الإسلام أم لا؟ وقد اعتمر النبي ﷺ بعد هجرته أربع عمر: عمرة الحديبية وصل إلى الحديبية، والحديبية وراء الجبل الذي بالتنعيم عند مساجد عائشة عن يمينك وأنت داخل إلى مكة ثم صده المشركون عن البيت فصالحهم وحل من إحرامه وانصرف، وعمرة القضية اعتمر من العام القابل، وعمرة الجعرانة كان قد قاتل المشركين بحنين، وحنين من ناحية المشرق من ناحية الطائف، وأما بدر فهي بين المدينة وبين مكة وبين الغزوتين ست سنين ولكن قرناً في الذكر لأن الله تعالى أنزل فيهما الملائكة لنصر النبي ﷺ والمؤمنين في القتال ثم ذهب فحاصر المشركين بالطائف ثم رجع وقسم غنائم حنين من الجعرانة، فلما قسم غنائم حنين اعتمر بالجعرانة داخلاً إلى مكة لا خارجاً منها للإحرام، والعمرة الرابعة مع حجته فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أن النبي ﷺ تمتع تمتعاً حل فيه بل كانوا يسمون القران تمتعاً ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين وعامة المنقول عن الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج، كعائشة، وابن عمر، وجابر؛ قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج، وقد ثبت هذا في الصحيحين عن عائشة

стр. 489

وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد ومرادهم بالتمتع القران كما ثبت ذلك في الصحاح أيضاً انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفي صحيح البخاري (أن النبي ﷺ قال لعائشة: انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتيا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) انتهى، وقوله بمكان كذا: أي بالأبطح وهو المحصب، والله أعلم، وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: سئل عمر عن العمرة بعد الحج فقال هي خير من لا شيء، وسئلت عائشة فقالت على قدر النفقة، وروى عن عطاء وطاووس ومجاهد أنهم كرهوا العمرة بعد الحج، وقالوا: لا تجزئ ولا تفي، وقالوا: الطواف بالبيت والصلاة أفضل. تتمة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) قال الترمذي حسن صحيح. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) . متفق عليه. -- فصل: أركان الحج أربعة: الأول الوقوف بعرفة لحديث (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) رواه أبو داود. الثاني طواف الزيارة: قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء لقوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) قال في المنتهى وشرحه: فلو تركه أي طواف الزيارة وأتي بغيره من فرائض الحج وبَعُد عن مكة مسافة قصر رجع إلى مكة معتمراً فأتى بأفعال العمرة ثم يطوف للزيارة، فإن وطئ أحرم من التنعيم على حديث

стр. 490

ابن عباس وعليه دم انتهى، قال الخلوتي: قوله يعني في متن المنتهى فلو تركه رجع معتمراً ظاهره سواء قرب أو لم يقرب وتعليل الشارح فيما سبق يخالفه، وعلى كل حال ففيه إدخال العمرة على الحج وهو لا يصح على الصحيح من المذهب قال ابن نصر الله انتهى، وتقدم في فصل: ثم يفيض إلى مكة البحث في هذه المسألة. الثالث: السعي بين الصفا والمروة وفاقاً لمالك والشافعي لحديث عائشة قالت: (طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون تعني بين الصفا والمروة وكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) . رواه مسلم، ولحديث (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) رواه ابن ماجة، وعنه: أن السعي سنة لا دم في تركه، روى ذلك ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين، وعنه أنه واجب اختاره الموفق والشارح والقاضي وصاحب الفائق وهو قول الحسن وأبي حنيفة والثوري فعلى القول بوجوبه يجب بتركه دم، والصحيح من المذهب أنه ركن. الرابع: الإحرام وهو نية النسك وإن لم يتجرد من ثيابه المحرمة على المحرم لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وكبقية العبادات، قال الشيخ منصور: لكن قياسها أنه شرط انتهى. وعن أحمد رواية أن الإحرام شرط وهو قول أبي حنيفة. وواجبات الحج سبعة: الأول: الإحرام من الميقات المعتبر له إنشاء ودواماً، قال في التلخيص والإنشاء أولى لأنه ﷺ ذكر المواقيت وقال: (هن لهن ولمن مرَّ عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) . الثاني: الوقوف بعرفة إلى الليل على من وقف نهاراً لما تقدم. الثالث: المبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل إن وافها قبله وإلا فلا. الرابع: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق إلا أن كان من أهل الأعذار ولمن تعجل عن الليلة الثالثة على ما تقدم تفصيله. الخامس: الرمي للجمار مرتباً على ما سبق. السادس: الحلق أو التقصير لمن به شعر.

стр. 491

السابع: طواف الوداع، قال في المنتهى وشرحه وهو الصدر بفتح الصاد المهملة، وقدم الزركشي وتبعه في الإقناع أن طواف الصدر هو طواف الزيارة انتهى، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وطواف الوداع ليس من الحج وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة انتهى، والمسنون المبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف القدوم، والرمل والاضطباع، والتلبية، واستلام الركنين وتقبيل الحجر الأسود، والمشي والسعي شديداً في مواضعهما، والخطب والأذكار، والدعاء، ورقي الصفا والمروة والاغتسال والتطيب في البدن، والصلاة قبل الإحرام، واستقبال القبلة عند الوقوف بعرفة وعند الرمي ما عدا جمرة العقبة فإن الصحيح الذي تدل عليه السنة أنه يجعل القبلة عن يساره ومنى عن يمينه وإن كان خلاف المذهب عند المتأخرين والله أعلم. والوقوف بعد الرمي طويلاً عند الجمرتين الأولى والثانية فقط دون جمرة العقبة. وأركان العمرة ثلاثة: الأول: الإحرام، الثاني: الطواف، الثالث: السعي لما تقدم في الحج. وواجبات العمرة شيئان: الأول: الإحرام من الحل، الثاني: الحلق أو التقصير، فمن أتى بواحد منهما فقد أتى بالواجب، فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه حجا كان أو عمرة، ومن ترك ركنا غير الإحرام لم يتم نسكه إلا به أو ترك نية الركن غير الإحرام لأن الإحرام هو نفس النية وغير الوقوف بعرفة لأنه لا يحتاج إلى نية لقيام الإحرام عنها لم يتم نسكه إلا به فمن طاف أو سعي بلا نية أعاده بنية. ومن ترك واجباً عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لعذر فعليه دم بتركه لقول ابن عباس وتقدم فإن عدم الدم فكصوم متعة يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، ولا إطعام فيه على المذهب، قال في المغني والشرح:

стр. 492

ومن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم فلا شيء عليه وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم أيام رمضان؛ لأنه صوم وجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان انتهى. ومن ترك سنة فلا شيء عليه، لكن ينقص به أجر الحج ويثاب على فعله، قال في الفصول وغيره ولم يشرع الدم عنها لأن جبران الصلاة أدخل فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره قلت: معنى كلام صاحب الفضول أنه لا يشرع لمن ترك سنة من سنن الحج أن يجبره بدم بخلاف ما إذا ترك سنة من سنن الصلاة فعنده يشرع أن يجبرها بسجدتي السهو، لأن جبران الصلاة أدخل لكن ذكر في شرح المنتهى أنه يباح السجود لترك سنة من سنن الصلاة وفي الإقناع ولا يشرع السجود لترك سنة ولو قولية وإن سجد فلا بأس انتهى قال في الإقناع وشرحه قال أبو الوفا علي بن عقيل: وتكره تسمية من لم يحج صرورة لقوله ﷺ : (لا صرورة في الإسلام) لأنه اسم جاهلي. قلت: والصرورة بفتح الصاد المهملة وضم الراء الأولى، ويسمى بذلك من لم يحج عن نفسه، قال ويكره أن يقال حجة الوداع لأنه اسم على أن لا يعود، قال وأن يقال شوط بل طوفه وطوفتان انتهى قال السيوطي في الجامع الصغير: حديث (لا صرورة في الإسلام) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والحاكم انتهى. -- فصل: يعتبر في أمير الحجيج أن يكون مطاعاً ذا رأي وشجاعة وهداية، وعليه جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم، وعليه ترتيبهم في السير والنزول، حتى لا يتنازعوا ولا يضلوا عنه، ويرفق بهم في السير، ويسير سير

стр. 493

أضعفهم ما لم يحصل عليهم ما هو أهم منه كخوف عطش أو عدو أو فراغ علف ونحو ذلك، ومحل فراغ العلف إذا كانوا على بهائم، ويسلك بهم أوضح الطرق ويرتاد لهم المياه ويحرسهم إذا نزلوا، ويحوطهم إذا رحلوا حتى لا يتخطفهم متلصص، ويكف عنهم من يصدهم عن المسير بقتال إن قدر عليه أو يبذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يحل له أن يجبر أحداً على بذل الخفارة إن امتنع منها لأن بذل المال في الخفارة لا يجب، اللهم إلا أن يخاف عليهم إن لم يبذلوا الخفارة من النهب والسلب أو القتل مع عجزهم عن مدافعة طالب الخفارة فله إذاً إجبار الحجيج على بذلها قال الشيخ تقي الدين: ومن جرد معهم وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له ولا ينقص أجره وله أجر الحج والجهاد وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح وليس في هذا اختلاف ويلزم المقطع بذل ما أمر به انتهى. وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف طرح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل الخفارة التي تؤخذ من الحجاج في زمنه وزمن أمراء مكة السابقين فصارت حسنة من حسناته والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ويصلح أمير الحجاج بين الخصمين ولا يحكم بينهما إلا أن يفوض إليه الحكم فيعتبر كونه من أهل فإن دخلوا بلداً، فلحاكم البلد الحكم بينهما، ولو تنازع واحد من الحجيج وواحد من أهل البلد لم يحكم بينهما إلا حاكم البلد، ويراعي الأمير اتساع الوقت حتى يأمن فوات الحج ولا يلحقهم ضيق في الحث على السير، فإذا وصل الميقات أمهلهم للإحرام ولإقامة سنته، فإن كان الوقت واسعاً دخل بهم مكة وخرج بهم مع أهلها إلى منى ثم عرفات، وإن كان ضيقاً عدل إلى عرفات مخافة من فوات الحج فإذا وصل الحجيج مكة، فمن لم يكن على عزم العود زالت إمارته عنه، ومن كان عزم العود فهو تحت إمارته

стр. 494

وملتزم أحكام طاعته في غير معصية إذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت العادة بها لإنجاز حوائجهم ولا يعجل عليهم في الخروج لئلا يحصل عليهم ضرر بذلك، ويلزمه انتظار حائض تطهر لطواف الزيارة لأنه ركن لا يتم الحج إلا به، بخلاف انتظار النفساء لأن مدة النفاس طويلة وفيه مشقة على الحجيج إذا انتظروا طهرها، هكذا ذكر الأصحاب ومعنى هذا أن هذه النفساء الغريبة المسكينة تبقى بمكة حتى تطهر من نفاسها ثم تطوف ولو كان عليها ضرر في البقاء مطلقاً وقد تقدم في باب دخول مكة كلام شيخ الإسلام وابن القيم في جواز طواف الحائض للضرورة ويقاس عليها النفساء، ثم يعود بهم إلى وطنهم ويكون في عوده ملتزماً فيهم من الحقوق ما كان ملتزماً في ذهابه إلى الحج حتى يصل إلى البلد الذي سار بهم منه فتنقطع إمارته بالعود إليه، وشهر السلاح عند قدوم الحاج الشامي تبوك بدعة محرمة، ومثله ما يفعله الحاج المصري ليلة بدر في المحل المعروف بجبل الزينة من إيقاد الشموع. قال شيخ الإسلام: وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعاً وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأُحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حنين، والطائف. وقال: من اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب بعد تعريفه إن كان جاهلاً، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من مال أو عرض أو دم بالحج إجماعاً.

стр. 495

-- باب الإحصار والفوات وما يتعلق بهما: الفوات مصدر فاته يفوته فواتاً وفوتاً وهو سبق لا يدرك فهو أخص من السبق، والإحصار مصدر أحصره إذا حبسه فهو الحبس، وأصل الحصر المنع، من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة في وقته المعتبر له لعذر من حصر أو غيره أو لغير عذر فاته الحج ذلك العام لا نعلم فيه خلافاً لانقضاء زمن الوقوف لقول جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم) . رواه الأثرم بإسناده ولحديث (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) فمفهومه فوت الحج بخروج ليلة جمع وسقط عنه توابع الوقوف كمبيت بمزدلفة ومنى ورمي جمار وانقلب إحرامه بالحج عمرة نصاً، وسواء كان قارناً أو غير قارن لأن عمرة القارن لا يلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عمرة على عمرة إذا لزمه المضي في كل منهما. وقال ابن حامد: لا ينقلب إحرامه بالحج عمرة بل يتحلل بطواف وسعي وحلق، وهو مذهب مالك والشافعي لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة، قال في المغني ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه عمرة أراد به يفعل ما فعل المعتمر وهو الطواف والسعي: أي والحلق أو التقصير ولا يكون بين القولين خلاف انتهى. وعلى المذهب إذا انقلب إحرامه بالحج عمرة فإنه يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، قال الشيخ مرعي في الغاية ويتحلل بها ولو لم ينوه انتهى، قال في المغني: من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلاق هذا الصحيح من المذهب، وروى ذلك عن عمر بن
следующие страницы →