Полный текст (572 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
السابع: طواف الوداع، قال في المنتهى وشرحه وهو الصدر بفتح الصاد المهملة، وقدم الزركشي وتبعه في الإقناع أن طواف الصدر هو طواف الزيارة انتهى، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وطواف الوداع ليس من الحج وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة انتهى، والمسنون المبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف القدوم، والرمل والاضطباع، والتلبية، واستلام الركنين وتقبيل الحجر الأسود، والمشي والسعي شديداً في مواضعهما، والخطب والأذكار، والدعاء، ورقي الصفا والمروة والاغتسال والتطيب في البدن، والصلاة قبل الإحرام، واستقبال القبلة عند الوقوف بعرفة وعند الرمي ما عدا جمرة العقبة فإن الصحيح الذي تدل عليه السنة أنه يجعل القبلة عن يساره ومنى عن يمينه وإن كان خلاف المذهب عند المتأخرين والله أعلم. والوقوف بعد الرمي طويلاً عند الجمرتين الأولى والثانية فقط دون جمرة العقبة.
وأركان العمرة ثلاثة: الأول: الإحرام، الثاني: الطواف، الثالث: السعي لما تقدم في الحج.
وواجبات العمرة شيئان: الأول: الإحرام من الحل، الثاني: الحلق أو التقصير، فمن أتى بواحد منهما فقد أتى بالواجب، فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه حجا كان أو عمرة، ومن ترك ركنا غير الإحرام لم يتم نسكه إلا به أو ترك نية الركن غير الإحرام لأن الإحرام هو نفس النية وغير الوقوف بعرفة لأنه لا يحتاج إلى نية لقيام الإحرام عنها لم يتم نسكه إلا به فمن طاف أو سعي بلا نية أعاده بنية. ومن ترك واجباً عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لعذر فعليه دم بتركه لقول ابن عباس وتقدم فإن عدم الدم فكصوم متعة يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، ولا إطعام فيه على المذهب، قال في المغني والشرح:
стр. 492
ومن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم فلا شيء عليه وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم أيام رمضان؛ لأنه صوم وجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان انتهى. ومن ترك سنة فلا شيء عليه، لكن ينقص به أجر الحج ويثاب على فعله، قال في الفصول وغيره ولم يشرع الدم عنها لأن جبران الصلاة أدخل فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره قلت: معنى كلام صاحب الفضول أنه لا يشرع لمن ترك سنة من سنن الحج أن يجبره بدم بخلاف ما إذا ترك سنة من سنن الصلاة فعنده يشرع أن يجبرها بسجدتي السهو، لأن جبران الصلاة أدخل لكن ذكر في شرح المنتهى أنه يباح السجود لترك سنة من سنن الصلاة وفي الإقناع ولا يشرع السجود لترك سنة ولو قولية وإن سجد فلا بأس انتهى قال في الإقناع وشرحه قال أبو الوفا علي بن عقيل: وتكره تسمية من لم يحج صرورة لقوله ﷺ : (لا صرورة في الإسلام) لأنه اسم جاهلي.
قلت: والصرورة بفتح الصاد المهملة وضم الراء الأولى، ويسمى بذلك من لم يحج عن نفسه، قال ويكره أن يقال حجة الوداع لأنه اسم على أن لا يعود، قال وأن يقال شوط بل طوفه وطوفتان انتهى قال السيوطي في الجامع الصغير: حديث (لا صرورة في الإسلام) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والحاكم انتهى.
-- فصل:
يعتبر في أمير الحجيج أن يكون مطاعاً ذا رأي وشجاعة وهداية، وعليه جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم، وعليه ترتيبهم في السير والنزول، حتى لا يتنازعوا ولا يضلوا عنه، ويرفق بهم في السير، ويسير سير
стр. 493
أضعفهم ما لم يحصل عليهم ما هو أهم منه كخوف عطش أو عدو أو فراغ علف ونحو ذلك، ومحل فراغ العلف إذا كانوا على بهائم، ويسلك بهم أوضح الطرق ويرتاد لهم المياه ويحرسهم إذا نزلوا، ويحوطهم إذا رحلوا حتى لا يتخطفهم متلصص، ويكف عنهم من يصدهم عن المسير بقتال إن قدر عليه أو يبذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يحل له أن يجبر أحداً على بذل الخفارة إن امتنع منها لأن بذل المال في الخفارة لا يجب، اللهم إلا أن يخاف عليهم إن لم يبذلوا الخفارة من النهب والسلب أو القتل مع عجزهم عن مدافعة طالب الخفارة فله إذاً إجبار الحجيج على بذلها قال الشيخ تقي الدين: ومن جرد معهم وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له ولا ينقص أجره وله أجر الحج والجهاد وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح وليس في هذا اختلاف ويلزم المقطع بذل ما أمر به انتهى.
وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف طرح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل الخفارة التي تؤخذ من الحجاج في زمنه وزمن أمراء مكة السابقين فصارت حسنة من حسناته والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ويصلح أمير الحجاج بين الخصمين ولا يحكم بينهما إلا أن يفوض إليه الحكم فيعتبر كونه من أهل فإن دخلوا بلداً، فلحاكم البلد الحكم بينهما، ولو تنازع واحد من الحجيج وواحد من أهل البلد لم يحكم بينهما إلا حاكم البلد، ويراعي الأمير اتساع الوقت حتى يأمن فوات الحج ولا يلحقهم ضيق في الحث على السير، فإذا وصل الميقات أمهلهم للإحرام ولإقامة سنته، فإن كان الوقت واسعاً دخل بهم مكة وخرج بهم مع أهلها إلى منى ثم عرفات، وإن كان ضيقاً عدل إلى عرفات مخافة من فوات الحج فإذا وصل الحجيج مكة، فمن لم يكن على عزم العود زالت إمارته عنه، ومن كان عزم العود فهو تحت إمارته
стр. 494
وملتزم أحكام طاعته في غير معصية إذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت العادة بها لإنجاز حوائجهم ولا يعجل عليهم في الخروج لئلا يحصل عليهم ضرر بذلك، ويلزمه انتظار حائض تطهر لطواف الزيارة لأنه ركن لا يتم الحج إلا به، بخلاف انتظار النفساء لأن مدة النفاس طويلة وفيه مشقة على الحجيج إذا انتظروا طهرها، هكذا ذكر الأصحاب ومعنى هذا أن هذه النفساء الغريبة المسكينة تبقى بمكة حتى تطهر من نفاسها ثم تطوف ولو كان عليها ضرر في البقاء مطلقاً وقد تقدم في باب دخول مكة كلام شيخ الإسلام وابن القيم في جواز طواف الحائض للضرورة ويقاس عليها النفساء، ثم يعود بهم إلى وطنهم ويكون في عوده ملتزماً فيهم من الحقوق ما كان ملتزماً في ذهابه إلى الحج حتى يصل إلى البلد الذي سار بهم منه فتنقطع إمارته بالعود إليه، وشهر السلاح عند قدوم الحاج الشامي تبوك بدعة محرمة، ومثله ما يفعله الحاج المصري ليلة بدر في المحل المعروف بجبل الزينة من إيقاد الشموع.
قال شيخ الإسلام: وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعاً وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأُحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حنين، والطائف. وقال: من اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب بعد تعريفه إن كان جاهلاً، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من مال أو عرض أو دم بالحج إجماعاً.
стр. 495
-- باب الإحصار والفوات وما يتعلق بهما:
الفوات مصدر فاته يفوته فواتاً وفوتاً وهو سبق لا يدرك فهو أخص من السبق، والإحصار مصدر أحصره إذا حبسه فهو الحبس، وأصل الحصر المنع، من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة في وقته المعتبر له لعذر من حصر أو غيره أو لغير عذر فاته الحج ذلك العام لا نعلم فيه خلافاً لانقضاء زمن الوقوف لقول جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم) . رواه الأثرم بإسناده ولحديث (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) فمفهومه فوت الحج بخروج ليلة جمع وسقط عنه توابع الوقوف كمبيت بمزدلفة ومنى ورمي جمار وانقلب إحرامه بالحج عمرة نصاً، وسواء كان قارناً أو غير قارن لأن عمرة القارن لا يلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عمرة على عمرة إذا لزمه المضي في كل منهما. وقال ابن حامد: لا ينقلب إحرامه بالحج عمرة بل يتحلل بطواف وسعي وحلق، وهو مذهب مالك والشافعي لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة، قال في المغني ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه عمرة أراد به يفعل ما فعل المعتمر وهو الطواف والسعي: أي والحلق أو التقصير ولا يكون بين القولين خلاف انتهى.
وعلى المذهب إذا انقلب إحرامه بالحج عمرة فإنه يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، قال الشيخ مرعي في الغاية ويتحلل بها ولو لم ينوه انتهى، قال في المغني: من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلاق هذا الصحيح من المذهب، وروى ذلك عن عمر بن
стр. 496
الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير ومروان بن الحكم، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروى الشافعي في مسنده أن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت فإن أدركت الحج قابلا فحج وأهد ما استيسر من الهدي، وروى الأثرم بإسناده عن سليمان بن يسار: أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم عرفة، قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كان معك هدية فانحرها، ثم إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهد فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله تعالى. وروى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي ﷺ قال: (من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة) ، وليحج من قابل ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى انتهى ملخصاً.
قلت: الظاهر أن محل جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل الفوات هو فيما إذا تمكن من الحج تلك السنة التي فسخ فيها والله أعلم. ومحل انقلاب إحرامه بالحج عمرة إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل من غير إحرام متجدد فإن اختار ذلك فله استدامة الإحرام لأنه رضي بالمشقة على نفسه، ولا تجرئ هذه العمرة التي انقلب إحرامه بالحج إليها عن عمرة الإسلام نصاً لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذه لم ينوها ولوجوبها كعمرة منذورة، وعلى من فاته الحج وانقلب إحرامه عمرة القضاء ولو كان الحج الفائت نفلا لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من فاته عرفات فقد فاته الحج وليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل) وعمومه شامل للفرض والنفل وكذا ما سبق عن عمر، ولأن الحج يلزمه بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات، وروى ذلك
стр. 497
عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير ومروان، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وهو الصحيح من المذهب. وعن أحمد لا قضاء عليه بل إن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق وإن كانت نفلاً سقطت، وروى هذا عن عطاء وهو إحدى الروايتين عن مالك، ولأن النبي ﷺ لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: بل مرة واحدة ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنه معذور في ترك إتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحصر ولأنها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها كسائر التطوعات، ووجه الرواية الأولى التي هي المذهب ما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة: وأما قوله ﷺ (الحج مرة) فالمراد به الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه إنما وجبت بإيجابه لها بالشروع فيها كالمنذورة. وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى تفريط فلذا لا يجب عليه قضاء النفل، بخلاف من فاته الحج انتهى.
قال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في المنهج وشرحه: ولا إعادة على محصر تحلل لعدم وروده ولأن الفوات نشأ عن الإحصار الذي لا صنع له فيه، فإن كان نسكه فرضاً ففي ذمته إن استقر عليه، وإن لم يستقر اعتبرت استطاعته بعد زوال الإحصار إن وجدت وجب وإلا فلا، وعلى من فاته وقوف بعرفة تحلل ويحصل بعمل عمرة بأن يطوف ويسعى ويحلق وعليه دم وإعادة فوراً للحج الذي فاته بفوات الوقوف تطوعاً كان أو فرضاً كما في الإفساد انتهى.
قال البجيرمي في حاشيته على المنهج وشرحه: فإن قلت هلا وجب القضاء على المحصر قياساً على الفوات؟ قلت: لا لأن المحصر أذن له الشارع في الخروج من العبادة فكان حجه غير واجب الإتمام فلا يجب تداركه بخلاف الفوات انتهى كلام البجيرمي الشافعي، وإذا قضى حجته الفائتة أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة بغير خلاف لأن الحجة المقضية لو تمت لأجزأت عن الواجبة عليه، فكذلك
стр. 498
قضاؤها يجزئه عنها لأن القضاء يقوم مقام الأداء، ومحل وجوب القضاء عليه إن لم يشترط في ابتداء إحرامه بأن لم يقل فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن اشتراط في ابتداء إحرامه لم يلزمه قضاء نفل ولا هدى لحديث ضباعة، وتقدم في باب الإحرام مفصلا، ويلزم من فاته الحج أيضاً إن لم يكن اشتراط أن محلي حيث حبستني هدى عن الفوات شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة من حين الفوات ساق الهدي أولا، نص عليه يؤخره إلى القضاء يذبحه فيه لأنه حل من إحرامه قبل تمامه فلزمه هدي كالمحصر، قال في المغني إذا ثبت هذا فإنه يخرج الهدي في سنة القضاء إن قلنا بوجوب القضاء، وإلا أخرجه في عامه، وإذا كان معهد هدي قد ساقه نحره، ولا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء بل عليه في السنة الثانية هدي أيضاً نص عليه أحمد، وذلك لحديث عمر الذي ذكرناه، والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة لحديث عمر أيضاً: والمتمتع والمفرد والقارن والمكي وغيره سواء فيما ذكرنا، لأن الفوات يشمل الجميع انتهى، ومثله في الشرح ومراده بحديث عمر هو ما ذكره آنفا من قصة أبي أيوب وهبار، قال في المستوعب: وإن كان قد ساق هدياً نحره ولم يجزه عن دم الفوات، وقاله ابن أبي موسى وصاحب التلخيص وغيرهم انتهى. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: وعلى من لم يتحلل قبل الفوات بنحو عمرة ولم يشترط أول إحرامه القضاء حتى المتنفل وعليه هدي شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة من الفوات ويؤخره للقضاء، فإن عدمه زمن وجوبه صام كمتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع انتهى.
قلت سبقه إلى ذلك الشيخ مرعي في الغاية قال شارحها الشيخ مصطفى ولا يلزمه قضاء نفل، أي إذا تحلل قبل الفوات بنحو عمرة، قال وهذا مما تفرد به المصنف وكأنه قاسه على المحصر ولم يسبق إليه انتهى. قال في الإقناع: فإن كان الذي
стр. 499
فاته الحج قارنا قضى قارنا، قال الشيخ منصور في شرحه له: أي لزمه في العام الثاني مثل ما أهل به أولا نص عليه، لأن القضاء يجب على حسب الأداء في صورته ومعناه، فيجب أن يكون هنا كذلك. قال في الشرح: ويلزمه دمان لقرانه وفواته انتهى كلام منصور، وقال في الإقناع وشرحه في باب الإحرام: وإذا قضى القارن قارناً لزمه دمان دم لقرانه الأول ودم لقرانه الثاني، وإن قضى القارن مفرداً لم يلزمه شيء لقرانه الأول لأنه أتى بنسك أفضل من نسكه وجزم غير واحد بأنه يلزمه دم لقرانه الأول لأن القضاء كالأداء، قال في الفروع: وهو ممنوع فإذا فرغ من قضى مفرداً من الحج أحرم بالعمرة من الميقات الأبعد: أي أبعد الميقاتين اللذين أحرم في أحدهما بالقران وفي الآخر بالحج كمن فسد حجه ثم قضاه يحرم من أبعد الميقاتين، وإلا، أي وإن لم يحرم بالعمرة من أبعد الميقاتين، لزمه دم لتركه واجبا، وإن قضى القارن متمتعا فإذا تحلل من العمرة أحرم بالحج من أبعد الموضعين: الميقات الأصلي والموضع الذي أحرم منه الإحرام الأول الذي أفسده. قلت: والظاهر أنه لا دم عليه إذاً لفوات الشرط الرابع انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قوله وجزم غير واحد بأنه يلزمه دم لقرانه الأول لأن القضاء كالأداء، أقول: في هذا التعليل نظر لأن القضاء هو الإفراد والأداء في القران، ولو قال لأن الدم لا يسقط دم التمتع والقران بفساد نسكهما ولا يسقط دم التمتع والقران أيضاً بفوات الحج فليراجع، وقوله لفوت الشرط الرابع، مراده بذلك هو ما ذكروه في باب الإحرام حيث قالوا: ويجب على المتمتع دم نسك لا جبران بسبعة شروط. الرابع منها أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر فإن سافر مسافة قصر فأكثر فأحرم بالحج فلا دم عليه، وذكرنا هناك الكلام
стр. 500
مستوفى فليراجع، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ويجب قضاء على صفة أداء فمن فاته الحج قارناً قضى قارناً وهو خلاف قولهم في دم التمتع، وإذا قضى مفرداً لم يلزمه شيء، فإذا فاته النسك المفضول قضى على صفته وجاز قضاؤه بنسك أفضل منه لا عكسه فمن فاته الحج قارنا قضى قارناً وجاز مفرداً ومتمتعاً فدلَّ هذا على صحة القضاء بالنسك الفاضل عن النسك المفضول بخلاف العكس، فلو خالف وأتى بالنسك المفضول قضاء عن الفاضل فالذي يظهر صحة النسك ذلك لكن لم يزل القضاء في ذمته حتى يقضيه بمثل نسك الفائت أو بنسك أفضل منه كما ذكرنا والله أعلم انتهى. قال الشيخ مرعي في الغاية: ويجب قضاء على صفة أداء فمن فاته الحج قارنا قضى قارنا وهو خلاف قولهم في دم التمتع وإذا قضى مفرداً لم يلزمه شيء انتهى كلام مرعي.
قلت: قد بحث الشيخ منصور بأن معنى قول الأصحاب هنا فإن كان الذي فاته الحج قارناً قضى قارناً أنه يلزمه قضاء النسكين: أي الحج والعمرة، لا أن يكون قارناً لأنهم صرحوا في باب الإحرام، بأن القارن له أن يقضي قارناً أو مفرداً أو متمتعاً والله أعلم، وتقدم ذلك فإن عدم الهدي زمن الوجوب وهو طلوع فجر يوم النحر من عام الفوات صام عشرة أيام ثلاثة في حجة القضاء وسبعة إذا رجع؛ أي فرغ من حجة القضاء كمتمتع، لأثر عمر المتقدم في قضية هبار بن الأسود، والمكي وغيره في ذلك سواء، قال في الإنصاف متى يكون قد وجب فيه وجهان: أحدهما وجب في سنته ولكن يؤخر إخراجه إلى قابل، والثاني لم يجب إلا في سنة القضاء إلى أن قال: قلت: الصواب وجوبه مع القضاء انتهى، قال في الغاية: وظاهر كلامهم أن زمن الوجوب وقت الفوات والأثر بخلافه انتهى، قال في المنتهى: فإن عدمه: أي الهدي زمن الوجوب صام كمتمتع، قال الخلوتي قوله: صام كمتمتع: أي في العام
стр. 501
الذي أراد القضاء فيه وأجزأه الصوم ولو أيسر عند إرادة الصوم لما تقدم من أن الاعتبار فيه وفي الكفارات بوقت الوجوب على الصحيح من المذهب انتهى.
قلت: نص الأثر يخالف هذا لأنه جاء فيه (ثم إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهد فإن لم تجد فص ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت) ، فاعتبر الوجوب مع القضاء وأنه إن وجد سعة زمن القضاء أهدى وإلا صام، وقد صوَّبه في الإنصاف، ويؤيد ذلك قوله في المغني والشرح: ويعتبر اليسار والإعسار في زمن الوجوب، وهو في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه، أو في سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء انتهى، والعبد لا يهدي ولو أذن له سيده لأنه لا مال له لأنه لا يملك ولو مُلِّك غير المكاتب، ويجب عليه الصوم المذكور بدل الهدي، وعلى قياس هذا كل دم لزمه في الإحرام لفعل محظور أو غيره لا يجزئه عنه إلا الصيام لما تقدم، وإذا صام العبد بدل الهدي فإنه يصوم عشرة أيام كالحر ثلاثة في حجة القضاء وسبعة إذا رجع خلافاً للخرقي وتبعه في الإقناع، حيث قال يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوماً حيث يصوم الحر، قال في الإقناع: فإن عدم (أي من فاته الحج) الهدي زمن الوجوب صام عشرة أيام ثلاثة في الحج: أي حج القضاء، وسبعة إذا رجع ثم حل؛ قال منصور قوله: ثم حل يقتضي أنه لا يحل حتى يصوم، وليس بظاهر لأنه ليس كالمحصر بل يحصل التحلل بنفس إتمام النسك على ما تقدم في صفة الحج إذا لم يفرقوا بين القضاء وغيره، ولم يذكر ثم حل في المنتهى وغيره فيمن فاته الحج بل في المحصر انتهى.
فائدة: وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة بأن وقفوا الثامن أو العاشر ظناً منهم أنه يوم عرفة أجزأهم نصاً لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 502
(يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه) وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون) رواه الدارقطني وغيره، قال في الفروع: ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم لا سيما من رآه، وصرح جماعة إن أخطأوا لغلط في العدد أو في الرؤية أو في الاجتهاد مع الغيم أجزأ، وهو ظاهر كلام الإمام وغيره، انتهى.
قال شيخ الإسلام: الوقوف مرتين بدعة لم يفعله السلف وقال فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور، انتهى.
قلت: ما قاله شيخ الإسلام هو الحق الذي لا ريب فيه خلافاً لما وجهه ابن مفلح في فروعه من الوقوف مرتين فإنه توجيه ليس بوجيه وليته سار على منهاج شيخه كما سار عليه شمس الدين بن القيم وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي والله الموفق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قال في الإقناع وشرحه: وإن أخطأ بعضهم فاته الحج، هذه عبارة غالب الأصحاب، وفي الانتصار وإن أخطأ عدد يسير، وفي الكافي والمجرد وإن أخطأ نفر منهم.
قال ابن قتيبة: يقال إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولذلك قال في المنتهى وإن وقف الكل أو إلا يسيراً الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم انتهى كلام الإقناع وشرحه، قال في شرح المنتهى وظاهره سواء أخطأوا لغلط في العدد أو الرؤية أو الاجتهاد في الغيم، قال في الفروع وهو ظاهر كلام الإمام وغيره وإن أخطأ دون الأكثر فاتهم الحج لأنهم لم يقفوا في وقته، وأما الأكثر فقد ألحق بالكل في مواضع فكذا هنا على ظاهر الانتصار وغيره، وفي المقنع وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج، قال في الإنصاف: هذا المذهب وعليه الجمهور ولم يخالفه في التنقيح وجزم به في الإقناع انتهى نقل عبد الله، قال ﵊: (يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه)
стр. 503
فإذا شك الناس في عرفة فقال قوم يوم النحر فوقف الإمام بالناس يوم عرفة ثم علم أنه يوم النحر أجزأهم، قال في المقنع: وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم وإن أخطأ بعضهم فاته الحج، قال في الشرح الكبير فإن اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض لم يُجزِ من أخطأ لأنهم غير معذورين في ذلك، وقد ذكرنا حديث هبار حين قال لعمر: ظننت أن اليوم يوم عرفة فلم يعذر بذلك انتهى.
-- فصل:
ومن أحرم فحصره بالبلد عدو في حج أو عمرة من الوصول إلى البيت أو حصره بالطريق قبل الوقوف بعرفة أو بعده أو منه من دخول الحرم ظلماً أو جن أو أغمى عليه ولم يكن له طريق آمن إلى الحج ولو بعدت وخشي فوات الحج ذبح هديا شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة لقوله تعالى: (فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي) ولأنه ﷺ أمر أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا. قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه فوجب الهدي في صورة ما لو حصر بعد الوقوف كما لو حصر قبله، فإن قيل: كيف يتصور من المجنون والمغمى عليه أن يتحلل إذا خشي فوات الوقوف بذبح هدي بنية التحلل أو بصوم عشرة أيام بالنية أيضاً؟ قلنا: لعل ذلك فيما إذا منعه الجنون أو الإغماء عن الذهاب إلى الوقوف لأنه لا يصح منهما ثم عقل أو أفاق قبل الفوات ولكن في زمن لا يمكنه الوصول فيه إلى عرفة إلا بعد فوات وقت الوقوف فتحلل حينئذ والله أعلم.
стр. 504
تنبيه: فوت الحج ليس شرطاً لتحلل المحصر كما تدل عليه الآية والخبر وكلام الأصحاب، بل إذا خشي فوات الحج فله التحلل بذبح الهدي في موضع حصره، حلا كان أو حرماً لذبحه ﷺ وأصحابه بالحديبية، وهي من الحل والله أعلم، وينوي المحصر بذبح الهدي التحلل وجوباً لحديث (إنما الأعمال بالنيات) قال في الإقناع: وحلق أو قصر، قال في شرح الإقناع وجوباً، قدمه في الرعاية واختاره القاضي في التعليق وغيره وقدم في المحرر وشرح ابن رزين عدم الوجوب وهو ظاهر الخرقي والمنتهى لعدم ذكره في الآية انتهى، وقال في الإقناع وشرحه أيضاً: ثم حل من إحرامه انتهى يعني بعد الذبح والحلق أو التقصير. وقال في الغاية: ومن منع البيت ظلما ولو بعد الوقوف ولم يَرم ويحلق، أو في عمرة ذبح هدياً حيث أحصر بنية التحلل وجوباً فإن لم يجد صام عشرة أيام بالنية وحل، ويتجه صحة تتميم ما بقي من أركان حجه بإحرام ثان إذا زال حصره ولا إطعام في ذلك ولا مدخل لحلق أو تقصير خلافاً له (يعني للإقناع) وعند بعضهم إن عجز عن صوم لعذر حل ثم صام بعده انتهى كلام صاحب الغاية. قال في المنتهى: ومن منع عن البيت ولو بعد الوقوف أو في عمرة ذبح هدياً بنية التحلل وجوباً فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام بالنية وحل انتهى، قال منصور في شرح المنتهى: وظاهره أن الحلق أو التقصير ليس واجباً هنا وأن التحلل يحصل بدونه، وهو أحد القولين قدمه في المحرر وابن رزين في شرحه وهو ظاهر الخرقي لأنه من توابع الوقوف كالرمي، وقدم الوجوب في الرعاية الكبرى واختاره القاضي في التعليق وغيره وجزم به في الإقناع انتهى.
فائدة: قول الأصحاب في حق المحصر: ذبح هدياً بنية التحلل أي ولو كان
стр. 505
قد عينه هدياً هذا ظاهر كلام المحب بن نصر الله البغدادي في الحواشي وصرح به في المغني فقال: وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه، ويجزئه أدنى الهدي وهو شاة أو سبع بدنة لقوله تعالى: (فما استيسر من الهدي) انتهى. قلت: ويجزئه أيضاً سُبع بقرة كما صرحوا به والله أعلم.
تنبيه: ظاهر الأحاديث الصحيحة أن الحلق أو التقصير لا بد منه في حق المحصر لما روى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في حديث عمرة الحديبية والصلح (أن النبي ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا) رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وقال البخاري في صحيحه: باب النحر قبل الحلق في الحصر، حدثنا محمود، حدثنا عبد الرازق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور ﵁ (أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) ، وعن المسور ومروان أيضاً قالا: (قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره بذي الحليفة وأحرم منها بالعمرة وحلق بالحديبية في عمرته وأمر أصحابه بذلك ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) . رواه أحمد، وعن ابن عمر قال: خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله ﷺ بدُنه وحلق رأسه.
رواه البخاري، قال البخاري وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يُذكر أن النبي ﷺ أمر أن يقضوا شيئاً ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم، وكل هذا كلام البخاري
стр. 506
في صحيحه وفي رواية للبخاري بسنده إلى عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاملاً قابلاً، والعطف بالواو في هذا الحديث إنما هو لمطلق الجمع، ولا يدل على الترتيب لأن المحصر يقدم النحر على الحلق لما تقدم من قوله ﷺ : (فانحروا ثم احلقوا) والله أعلم، وترجم المجد في المنتقى في هذا الباب بقوله: باب تحلل المحصر عن العمرة بالنحر ثم الحلق حيث أحصر من حل أو حرم وأنه لا قضاء عليه انتهى، قال في تصحيح الفروع: اختلف الأصحاب في الحلق والتقصير للمحصر فقيل فيه روايتان مبنيتان على أنه هل هو نسك أو إطلاق من محظور؟ وهذه الطريقة جزم بها في الكافي وقدم في الرعاية الكبرى الوجوب، واختاره القاضي في التعليق وغيره إلى أن قال فعلى هذه الطريقة يجب عليه الحلق أو التقصير على الصحيح لأن الصحيح من المذهب أنه نسك فكذا يكون هنا وتمامه فيه.
قلت: صريح السنة يدل على وجوب الحلق أو التقصير على المحصر والله أعلم، فإن أمكن المحصر الوصول إلى الحرم من طريق أخرى غير التي أحصر فيها لم يبح له التحلل لقدرته على الوصول إلى الحرم فليس بمحصر ولزمه ليتم نسكه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بعدت الطريق أو قربت، خشي فوات الحج أو لم يخش، قال في المغني: فإن كان محرماً بعمرة لم يفت وإن كان بحج ففاته تحلل بعمرة وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى خلى عنه لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج يتحلل بعمرة، ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج؟ فيه روايتان: إحداهما يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق، والثانية لا يجب لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقاً أخرى بخلاف المخطئ فأما من لم يجد طريقاً أخرى فتحلل فلا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً يفعله
стр. 507
بالوجوب السابق في الصحيح من المذهب وبه قال مالك والشافعي انتهى، فإن لم يجد المحصر هدياً صام عشرة أيام بنية التحلل كمبدل الصوم وهو ذبح الهدي فإنه يذبحه بنية التحلل كما تقدم ثم حل بعد الصيام، بخلاف ما تقدم فيمن فاته الحج وقضى وعدم الهدي فإنه يحل بإتمام النسك ولا يتوقف صحة حله على الصيام، بل إذا لم يصم قبل يوم النحر الذي حل فيه وجب عليه صيام ثلاثة أيام التشريق الثلاثة عن ثلاثة الأيام في الحج، وسبعة يصومها إذا رجع خلافا لما في الإقناع حيث يؤخذ من عبارته أنه لا يحل حتى يصوم عشرة الأيام، وهذا إنما يكون في حق المحصر لا في من قضى حجه الفائت والله أعلم، ولا إطعام في الإحصار لعدم وروده، بل يجب مع الهدي أو بدله على المحصر حلق أو تقصير على الصحيح، ولا فرق فيما تقدم بين الحصر العام في كل الحجيج وبين الحصر الخاص في شخص واحد، مثل أن يحبس بغير حق أو يأخذه اللصوص لعموم النص ووجود المعنى في الكل، ومن حبس بحق أو دين حال وهو قادر على أدائه فليس له التحلل لأنه ليس بمعذور فإن كان معسراً به عاجزاً عن أدائه فليس له التحلل لأنه ليس
بمعذور فإن كان معسراً به عاجزاً عن أدائه فحبسه بغير حق فله التحلل، قال في المغني: وإن كان عليه دين مؤجل يحل قبل قدوم الحاج فمنعه صاحبه من الحج فله التحلل أيضاً لأنه معذور انتهى، وإذا كان العدو الذي حصر الحاج مسلمين جاز قتلاهم للحاجة إليه، وإن أمكن الانصراف من غير قتال فهو أولى لصون دماء المسلمين، وإن كانوا مشركين لم يجب قتالهم إلا إذا بدأوا بالقتال أو وقع النفير ممن له الاستنفار فيتعين إذاً لما ذكروه في الجهاد فإن غلب على ظن المسلمين الظفر بالمشركين استحب قتالهم حيث لم يجب لإعلاء كلمة الدين، وللحجيج المحرمين لبس ما تجب فيه الفدية إن احتاجوا إليه في القتال ويفدون للبسه كما تقدم في تغطية الرأس، وإن لم يغلب على ظن
стр. 508
المسلمين الظفر بالمشركين فترك القتال أولى خوفاً على المسلمين، فإن أذن العدو للحاج في العبور فلم يثقوا بهم فلهم الانصراف والتحلل، وإن وثقوا بهم لزمهم المضي على الإحرام لإتمام النسك إذ لا عذر لهم إذاً، وإن طلب العدو خفارة على تخلية الطريق للحجيج وكان العدو ممن لا يوثق بأمانة لعادته بالغدر لم يلزم بذلك المال المطلوب خفارة لأنه إضاعة للمال من غير وصول للمقصود، وإن وثق بأمانة والخفارة كثيرة فكذلك لا يجب بذلها للضرر، قال في الإقناع وشرحه: بل يكره بذلها: أي الخفارة إن كان العدو كافراً لما فيه من الذل والهوان وتقوية الكفار، وإن كانت الخفارة يسيرة فقياس المذهب وجوب بذله: أي مال الخفارة قال الموفق والشارح وصححه في تصحيح الفروع لأنه ضرر يسير كماء الوضوء، وقال جماعة من الأصحاب: لا يجب بذل خفارة بحال كما في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقاً آمناً من غير خفارة انتهى، وفي المنتهى وشرحه ويباح تحلل من إحرام لحاجة إلى قتال إلى قتال أو على بذل مال كثير مطلقاً أو يسير لكافر، لا لحاجة بذلك مال يسير لمسلم لأن ضرره يسير انتهى، فعلى ما في المنتهى إذا طلب الكافر من الحجاج مالاً ولو
يسيراً لم يجب عليهم بذله ويباح لهم التحلل، وعلى ما في الإقناع يجب على قياس المذهب بذل المال اليسير لكافر كما يجب للمسلم ولا يتحلل من الإحرام، قال شيخ الإسلام: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز مع عدم الحاجة إليها كما يأخذه السلطان من الرعايا انتهى. وقال الجمهور: لا يلزمه الحج مع الخفارة وإن كانت يسيرة ذكره في المبدع. قلت: الذي تطمئن له النفس وعليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً هو ما قاله شيخ الإسلام والله أعلم، وبهذه المناسبة نذكر ما حصل في عامنا هذا سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف، وهو أن
стр. 509
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل وفقه الله لفعل الخيرات، قد ألغى جميع المظالم والرسوم التي تؤخذ على الحجاج فاستبشر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بهذا وأصبح المسلمون يدعون له فصار ذلك حسنة سبق بها من قبله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فائدة: لو نوى المحصر التحلل قبل ذبح هدي أو قبل صيام عند عدم الهدي ورفض إحرامه لم يحل، قال في الإقناع وشرحه: ولو نوى المحصر التحلل قبل ذبح هدي إن وجده أو قبل صوم إن عدم الهدي ورفض إحرامه لم يحل ولزمه دم لتحلله ولكل محظور فعله بعده: أي بعد التحلل هكذا في المقنع، قال في الإنصاف: وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب وقدمه في الفروع، وقيل لا يلزمه دم لذلك جزم به في المغني والشرح انتهى، وسبق في كلام المصنف (يعني الحجاوي) تبعاً لما صححه في الإنصاف أيضاً إنه لا شيء عليه لرفض إحرامه لأنه مجرد نية، فانظر هل هما مسألتان فيحمل التحلل هنا على لبس المخيط مثلا، أو مسألة واحدة تناقض التصحيح فيها انتهى كلام الإقناع وشرحه وقوله في الإنصاف: وقيل لا يلزمه دم لذلك: أي لتحلله ورفض إحرامه، أما لو فعل محظوراً بعد الرفض فإنه يلزمه دم لفعل ذلك المحظور على كلا القولين والله أعلم.
قال في المنتهى وشرحه: ولو نوى المحصر التحلل قبل أحدهما؛ أي ذبح الهدي إن وجده أو الصوم إن عدمه لم يحل لفقد شرطه وهو الذبح أو الصوم بالنية واعتبرت النية في المحصر دون غيره لأن من أتى فأفعال النسك أتى بما عليه فحل بإكماله فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها فافتقر إلى النية، ولزمه: أي من تحلل قبل الذبح أو الصوم دم لتحلله صححه في شرحه، وقال في الإنصاف هنا: إنه المذهب وجزم
стр. 510
في شرحه فيما سبق أنه لا شيء لرفض الإحرام، لأنه مجرد نية فلا يؤثر، وجزم به في المغني والشرح ولزمه دم لكل محظور بعده، أي التحلل انتهى كلام المنتهى وشرحه، وقال في الإقناع وشرحه في باب الفدية: ومن رفض إحرامه لم يفسد إحرامه بذلك لأنه عبادة لا يخرج منها
стр. 511
بالفساد فلم يخرج منها برفضها بخلاف سائر العبادات ولم يلزمه دم لرفضه لأنه مجرد نية، قال في الإنصاف: وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب ومشى عليه في المنتهى وشرحه، وقيل يلزمه وذكره في الترغيب وغيره وقدمه في الفروع، وحكم إحرامه باق لأن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بكمال أفعاله أو التحلل منه عند الحصر أو بالعذر إذا شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني، فإن فعل محظوراً بعد رفضه إحرامه فعليه فداؤه لبقاء إحرامه انتهى كلام الإقناع وشرحه، قال في المنتهى وشرحه في باب الفدية: ويفدي من رفض إحرامه ثم فعل محظوراً للمحظور لأن التحلل من الإحرام إما بكمال النسك أو عند الحصر أو بالعذر إذا شرط، وما عداها ليس له التحلل به ولا يفسد الإحرام برفضه كما لا يخرج منه بفساده فإحرامه باق وتلزمه أحكامه ولا شيء عليه لرفض الإحرام لأنه مجرد نية لم يؤثر شيئاً، وقدم في الفروع يلزمه له دم انتهى كلام المنتهى وشرحه، قال الخرقي: فإن قال أنا أرفض إحرامي وأحل فلبس الثياب وذبح الصيد وعمل ما يعمله الحلال كان عليه في كل فعل فعله دم، وإن كان وطئ فعليه للوطء
بدنة ما يجب عليه من الدماء انتهى. قال في المغني: وجملة ذلك أن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إكمال أفعاله أو التحلل عند الحصر أو بالعذر إذا شرط، وما عدا هذا فليس له أن يتحلل به فإن نوى التحلل لم يحل ولا يفسد الإحرام برفضه لأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها برفضها بخلاف سائر العبادات، ويكون الإحرام باقياً في حقه تلزمه أحكامه ويلزمه جزاء كل جناية جناها عليه، وإن وطئ أفسد حجه وعليه لذلك بدنة مع ما وجب عليه من الدماء، سواء كان الوطء قبل الجنايات أو بعدها، فإن الجناية على الإحرام الفاسد توجب الجزاء كالجنابة على الصحيح وليس عليه لرفضه الإحرام شيء لأنه مجرد نية لم تؤثر شيئاً انتهى ومثله في الشرح.
تنبيه: قد تناقض كلام صاحب المنتهى والإقناع في هذه المسألة حيث
أوجبا في باب المحصر على من رفض إحرامه دما للرفض، ونفيا في باب الفدية عنه وجوب الدم مع اتفاقهما في البابين على وجوب الدم لكل محظور فعله بعد الرفض وعلى عدم فساد الإحرام بالرفض، فلذا قال الشيخ عثمان بن قائد: لعل ما تقدم (يعني في باب الفدية) في غير المحصر وهذا في المحصر فلا تناقض فليحرر انتهى كلامه. قال في شرح الغاية: وما جزم به في شرح المنتهى فيما سبق أنه لا شيء عليه لرفضه الإحرام فهو في غير المحصر لإلغاء رفضه ولزوم أفعال الحج وهذا في المحصر الممنوع من تتميم أفعال الحج، فإذا عدل عن الواجب عليه من هدي أو صوم لزمه دم انتهى، فكلام شارح الغاية يوافق ما ذكره الشيخ عثمان قال في الإقناع وشرحه: ولا قضاء على محصر إن كان حجه نفلا لظاهر الآية، وذكر في الإنصاف أنه المذهب، وقيده في المستوعب والمنتهى بما إذا تحلل قبل فوات الحج، ومفهومهما أنه لو تحلل بعد فوات الحج يلزمه القضاء وهو إحدى روايتين أطلقهما في الشرح وغيره وهو ظاهر كلامه أول الباب انتهى. قال في المنتهى: ولا قضاء على من (أي محصر) تحلل قبل فوات الحج، ومثله من جُن أو أغمي عليه قال منصور في شرحه: وعلم منه أنه لو لم
стр. 512
يتحلل حتى فاته الحج لزمه القضاء لما تقدم أول الباب انتهى، قال منصور في حاشيته على المنتهى: قوله قبل فوات الحج، يعني إن كان نفلا لكن يلزمه فعل الحج في ذلك العام إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلا قضاء عليه نصاً نقله الجماعة، ومفهوم تقييده بتحلل قبل فوات الحج أنه لو تحلل بعده عليه القضاء ولم أجد هذا القيد في الفروع ولا في الإنصاف والتنقيح ولا غيرها بل أطلقوا أنه لا قضاء على المحصر.
فإن قيل يؤخذ هذا القيد من كلامهم أولا حيث قالوا من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة لعذر حصر أو غيره فاته الحج، وقالوا بعده: وعليه القضاء قلت: لا يلزم ذلك إذ التعميم قد يكون بالنسبة إلى فوات الحج فقط كما يرشد إليه السياق انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: ثم ضرب عليه شيخنا وأثبت ما نصه: وصحح ابن رزين في شرحه أنه لا قضاء فيما إذا أحصر بعده أي بعد فوات الحج ذكره في الإنصاف انتهى كلام الخلوتي وفي حاشية الإقناع، قال في المستوعب: ومن تحلل بالإحصار قبل فوات الحج فلا قضاء عليه بالتحلل انتهى وتبعه في المنتهى، ومفهومهما أنه لو تحلل بعد فوات الحج لزمه القضاء وهو داخل في عموم ما سبق فيمن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة، وأطلق في الكافي الروايتين فيمن أمكنه سلوك طريق لا يصل منه إلا بعد الفوات مضى وتحلل بعمرة. وفي القضاء روايتان. إحداهما يجب لأنه فاته الحج أشبه من أخطأ الطريق. والثانية لا قضاء عليه لأنه تحلل بسبب الحصر أشبه من تحلل قبل الفوات انتهى، وأطلق في الإنصاف أنه لا قضاء على محصر وتبعه في الإقناع، وقال الشيخ عثمان بن قائد: لو تحلل المحصر بعد فوات الحج عليه القضاء وهو الموافق لما مر أول الباب خلافا لما صححه ابن رزين في شرحه انتهى. قال في المغني والشرح: فإن أمكن المحصر الوصول من
стр. 513
طريق أخرى لم يبح له التحلل ولزمه سلوكها بعد أو قرب خشي الفوات أو لم يخشه، فإن كان محرماً بعمرة لم تفت، وإن كان بحج ففاته تحلل بعمرة، وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى زال الحصر لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج ليتحلل بعمرة ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج؟ فيه روايتان: إحداهما يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق، والثانية لا يجب لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقاً أخرى، وبهذا فارق المخطئ انتهى، قال في الغاية: ولا قضاء على محصر تحلل قبل فوات حج انتهى.
تنبيه: مفهوم المنتهى والغاية يخالف منطقو الإقناع في هذه المسألة لأن صاحب الإقناع أطلق أنه لا قضاء على محصر، وصاحب المنتهى والغاية قيدا عدم القضاء عليه بما إذا تحلل قبل فوات الحج فمفهومهما أنه لو تحلل بعد فوات الحج عليه القضاء وهو الموافق لما ذكروه أول الباب، وقد تابع صاحب المنتهى والغاية في هذه المسألة السامري صاحب المستوعب، وتبعهم الشيخ عثمان كما أن صاحب الإقناع تابع صاحب الإنصاف، وأطلق في المغني والكافي والشرح الروايتين في هذه المسألة والله أعلم. قال في شرح الإقناع: وإن زال الحصر بعد تحلله وأمكنه فعل الحج الواجب في ذلك العام لزمه فعله انتهى، ومثله في شرح المنتهى. قال في المغني والشرح: وإذا تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج لزمه ذلك إن كانت حجة الإسلام أو قلنا بوجوب القضاء أو كانت الحجة واجبة في الجملة لأن الحج يجب على الفور، وإن لمن تكن الحجة واجبة ولا قلنا بوجوب القضاء فلا شيء عليه كمن لم يحرم انتهى، ومن حصر عن فعل واجب كرمي الجمار أو طواف الوداع أو المبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها فليس له التحلل لأن صحة الحج لا تقف على ذلك ولعدم ورود التحلل من ذلك وعليه دم بتركه ذلك الواجب ويرجع بالدم على من حصره كما
стр. 514
لو تركه اختياراً وحجه صحيح لتمام أركانه، وإن صُد المحرم بحج عن عرفة دون البيت تحلل بأفعال عمرة مجاناً ولم يلزمه به دم لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر فمعه أولى، فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض أو فاته الحج تحلل بطواف وسعي آخرين لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة ولا سعيها وليس عليه أن يجدد إحراماً في الأصح قال الفتوحي في شرح المنتهى.
قال في الشرح الكبير: وقال الزهري: لا بد أن يقف بعرفة، وقال محمد بن الحسن لا يكون محصراً بمكة، وروى ذلك عن أحمد لأنه إنما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه أن يحج من عامه فيصير متمتعاً وهذا ممنوع من الحج ثم يتحلل بعمرة، فإنه فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر، وقال مالك يخرج إلى الحل ويفعل ما يفعل المعتمر، فإن أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لأنه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه، ولا يجوز في حج الفرض إلا أن ييأس من القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج كله انتهى. قال في المغني: فإن أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لأنه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه ولا يجوز في حج الفرض إلا أن ييأس من القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج انتهى، وتقدم في فصل الاستنابة في الحج والعمرة شيء من ذلك، قال في المنتهى وشرحه: ومن حصر عن طواف الإفاضة فقط بأن رمى وحلق بعد وقوفه لم يتحلل لنحو جماع حتى يطوف للإفاضة ويسعى إن لم يكن سعى وكذا لو حصر عن السعي فقط لأن الشرع ورد بالتحلل من إحرام تام يحرّم جميع المحظورات وهذا يحرم النساء خاصة فلا يلحق به ومتى زال الحصر أتى بالطواف والسعي إن لم يكن سعى وتم حجه انتهى.
стр. 515
تنبيه: تقدم أن من منع عن البيت ولو بعد الوقوف بعرفة يذبح هديا بنية التحلل حل، وهنا لا يتحلل من منع عن طواف الإفاضة فقط حتى يطوف للإفاضة ويسعى إن لم يكن سعى، وكذا لو حصر عن السعي فقط لا يتحلل حتى يسعى، والفرق بين الموضعين أن محل التحلل هو فيما إذا منع عن البيت قبل التحلل الأول بأن لم يرم جمرة العقبة ولم يحلق أو يقصر بعد الوقوف بعرفة، ومحل عدم التحلل هو فيما إذا منع عن البيت وقد تحلل التحلل الأول بأن رمي جمرة العقبة وحلق أو قصر بعد وقوفه بعرفة، والله أعلم قال في المغني: وإن أحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلل أيضاً لأن إحرامه إنما هو عن النساء والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته فلا يثبت بما ليس مثله، ومت زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه انتهى ومثله في الشرح الكبير. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: فإن رجع إلى بلده من حصر عن طواف الإفاضة فقط وقد رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر بعد وقوفه لزمه أن يعتزل النساء وطئاً ومباشرة إلى أن يرجع فيحرم من الميقات بعمرة فإذا طاف طواف العمرة وسعى طاف لحجه وسعى إن لم يكن سعى انتهى. وتقدم في فصل: ثم يفيض إلى مكة عن شرح الإقناع، وفي فصل أركان الحج عن المنتهى وشرحه ما يؤيد ذلك، ولكن قد يرد على هذا قول الأصحاب لا يصح إدخال العمرة على الحج، وقد يقال الممنوع هو إدخال العمرة على الحج الذي لم يتحلل منه التحلل الأول، أما بعد التحلل الأول فإنما بقي عليه بعض أحكام الإحرام فلا يعطى حكم من لم يتحلل التحلل الأول، والله أعلم. وإذا وطئ قبل طواف الإفاضة وقد رمى وحلق فإن إحرامه يفسد ولا يفسد حجه لأنه وطئ بعد التحلل الأول ويلزمه
стр. 516
الإحرام من الحل ليأتي بطواف الإفاضة في إحرام صحيح، فإن أتى على الميقات وأحرم منه فحسن.
قال في المغني: وإذا أحرم من الحل طاف للزيارة وسعى إن كان لم يسع في حجه، وإن كان سعى طاف للزيارة وتحلل، هذا ظاهر كلام الخرقي، والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة أنه يعتمر، فيحتمل أنهم أرادوا هذا أيضاً وسموه عمرة، لأن هذا هو أفعال العمرة، ويحتمل أنهم أرادوا عمرة حقيقية فيلزمه سعي وتقصير والأول أصح لما ذكرنا انتهى ملخصاً. قلت: ما ذكره الموفق من أن الأول أصح هو الموافق لما ذكروه من أن إدخال العمرة على الحج لا يصح، والله أعلم.
تنبيه: إذا أحصر أو سافر إلى بلده قبل طواف الإفاضة وقد رمى وحلق أو قصر فقد بقي عليه بعض أحكام الإحرام لأنه لم يتحلل التحلل الثاني ولزمه أن يعتزل النساء وطئاً ومباشرة وعقد نكاح، ولا يفسد إحرامه هذا إلا بالوطء فقط ويلزمه الرجوع إلى مكة ليطوف للإفاضة؛ والله أعلم.
ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق بقي محرماً حتى يقدر على البيت لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلص من أذى به بخلاف حصر العدو ولأنه ﷺ لما دخل على ضباعة بنت الزبير وقالت إني أريد الحج وأنا شاكية؟ قال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) فلو كان المرض يبيح التحلل لما احتاجت إلى شرط، وحديث (من كسر أو عرج فقد حل) متروك الظاهر فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالا، فإن حملوه على أنه يبيح له التحلل حملناه على ما إذا اشترط الحل، على أن في الحديث كلاما لأن ابن عباس يرويه ومذهبه
стр. 517
بخلافه، فقد روى الشافعي في مسنده عن ابن عباس قال: (لا حصر إلا حصر العدو) وصحح الحافظ إسناده.
واختار شيخ الإسلام جواز التحلل لمن ذكر، قال: ومثله حائض تعر مقامها وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه ولو لذهاب الرفقة.
قال في الشرح الكبير: ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل في إحدى الروايتين اختارها الخرقي، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ومروان وبه قال مالك والشافعي وإسحق. والثانية له التحلل بذلك، وروى نحوه عن ابن مسعود، وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ : قال: من كُسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى. رواه النسائي، فإذا قلنا يتحلل فحكمه حكم من حصره العدو على ما مضى، وإن قلنا لا يتحلل فإنه يقيم على إحرامه ويبعث ما معه من الهدي ليذبح بالحرم وليس له نحره في مكانه لأنه لم يتحلل، فإن فاته الحج تحلل بعمرة كغير المريض انتهى ملخصا، وحديث: (من كُسِرَ أو عَرج فقد حل وعليه حجة أخرى) رواه الخمسة وفيه (قال فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق) وفي رواية لأبي داود وابن ماجة (من عَرج أو كُسر أو مرض فذكر معناه، وسكت عنه أبو داود والمنذري وحسنه الترمذي وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والحاكم والبيهقي.
فعلى المذهب إن فاته الحج من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق بطلوع فجر يوم النحر قبل وقوفه ثم قدر على البيت تحلل بعمرة كما لو فاته الحج لغير مرض، ولا ينحر من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق هدياً معه إلا بالحرم فيبعث بالهدي ليذبح في الحرم بخلاف من حصره العدو نص أحمد على التفرقة بينهما، ويقضي عبدٌ
стр. 518
مكلف حيث وجب عليه القضاء بأن كان نذراً أو فاته الحج في رقه كحر، لأنه أهل لأداء الواجب، وصغير في فوات وإحصار كبالغ، ولا يصح قضاؤه حيث وجب إلا بعد بلوغه وبعد حجة الإسلام كما لو أفسد نسكه بالوطء ولو أحصر في حج فاسد فله التحلل منه بذبح الهدي إن وجده أو الصوم إن عدمه كالحج الصحيح لأن فاسد الحج كصحيحه؛ فإن حل من الحج الفاسد ثم زال الحصر وفي الوقت سعة للقضاء قضى وجوباً في ذلك العام لوجوب القضاء على الفور كما تقدم، وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد فيه الحج في غير هذه المسألة، قاله الموفق والشارح وجماعة.
قال في شرح الإقناع: ولا يصح ممن أحرم بالحج ووقف بعرفة، ثم طاف وسعى ورمى جمرة العقبة وحلق في نصف الليل الثاني أن يحرم بحجة أخرى ويقف بعرفة قبل الفجر، لأن رمي أيام التشريق عمل واجب بالإحرام السابق فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره، هذا معنى كلام القاضي، وسلم الإجماع على أنه لا يجوز أداء حجتين في عام انتهى، قال في حاشية الإقناع للشيخ منصور: وقيل للقاضي لو جاز طوافه في النصف الأخير من ليلة النحر لصح أداء حجتين في عام، ولا يجوز إجماعاً لأنه يرمي ويطف ويسعى فيه ثم يحرم بحجة أخرى ويقف بعرفة قبل الفجر ويمضي فيها ويلزمكم أن تقولوا به لأنه إذا تحلل من إحرامه فلا معنى لمنعه منه، فقال القاضي لا يجوز، وقد نقل أبو طالب فيمن أحرم بحجتين لا يكون أهلاً لاثنتين لأن الرمي عمل واجب بالإحرام السابق فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره انتهى، واقتصر عليه في الإنصاف مع أنه في باب الإحرام قال: قد قيل إنه يمكن أداء حجتين في عام، وما هنا من حكاية الإجماع التي سلمها القاضي حيث لم يردها يمنعه انتهى.
стр. 519
فائدة نفيسة جليلة: من شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفدت أو ضل الطريق أو قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك لحديث ضباعة بنت الزبير السابق، وقوله ﵊: (فإن لك على ربك ما اشترطت) ولأن للشرط تأثيراً في العبادات بدليل: إن شفي مريضي صمت شهراً ونحوه، وليس عليه هدي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره لظاهر حديث ضباعة ولأنه إذا شرط شرطاً كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج وله البقاء على إحرامه حتى يزول عذره ويتم نسكه، فإن قال إن مرضت ونحوه فإنا حلال فمتى وجد الشرط حل بوجوده لأنه شرط صحيح فكان على ما شرط. قال في المنتهى وشرحه: ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل مجاناً في الجميع من فوات أو إحصار ومرض ونحوه ولا دم عليه ولا قضاء لظاهر خبر ضباعة ولأنه شرط صحيح لكان على ما شرط، لكن إن تحلل ولم يكن حج حجة الإسلام قبل فوجوبها باق لعدم ما يسقطه انتهى. قال في المغني والشرح بعد كلام لهما سبق: ثم ينظر في صيغة الشرط فإن قال إن مرضت فلي أن أحل وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فإذا حبس كان بالخيار بين الحل وبين البقاء على الإحرام، وإن قال: إن مرضت فأنها حلال فمتى وجد الشرط حل بوجوده لأنه شرط صحيح فكان على ما شرط انتهى، وتقدم قريباً.
стр. 520
-- باب: الهدي والأضاحي وما يتعلق بهما:
الهدي ما يهدى للحرم من النعم وغيرها لأنه يهدى إلى الله تعالى، والأضحية بضم الهمزة وكسرها وتخفيف الياء وتشديدها ويقال ضحية كسرية والجمع ضحايا واحدة الأضاحي: ما يذكى من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم الأهلية أيام النحر الثلاثة وليلتي يومي التشريق على ما يأتي إن شاء الله تعالى بسبب العيد، بخلاف ما يذبح بسبب نسكك أو إحرام فليس بأضحية تقربا إلى الله تعالى، احترازاً عما يذبح أيام النحر للبيع ونحوه فإنه ليس بأضحية. وقال شيخ الإسلام ﵀: وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى لحرم فإنه هدي، سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويسمى أيضاً أضحية بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنه أضحية وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي كما في سائر الأمصار، فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشترى الهدي من منى وذبحه ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي وهو منقول عن عائشة انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتب فقوله تعالى: (فَصَلّ لربك وانحر) قال أهل التفسير: المراد التضحية بعد صلاة العيد، وأما السنة فروى أنس قال (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يُسمِّي ويكبر فذبحهما بيده) . رواه الجماعة، وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية، وكان ﷺ يبعث
стр. 521
بالهدي إلى مكة وهو بالمدينة، وأهدى في حجة الوداع مائة بدنة، قال في الشرح الكبير: ويستحب لمن أتى مكن أن يهدي هدياً لأن النبي ﷺ أهدى في حجته مائة بدنة، وكان ﷺ يبعث الهدي ويقيم بالمدينة انتهى، ولا تجزئ أضحية ولا هدي من غير الإبل والبقر والغنم الأهلية، والجواميس في الأضحية والهدي كالبقر في الإجزاء والسن وإجزاء الواحدة عن سبعة لأنها نوع من البقر، والأفضل في الهدي والأضحية إبل ثم بقر إن أخرج كاملاً بأن ضحى ببدنة كاملة أو بقرة كاملة، ثم غنم لحديث أبي هريرة مرفوعاً (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) .
متفق عليه، ولأن الإبل أكثر ثمناً ولحماً وأنفع للفقراء، والتفضيل المذكور هو فيما إذا قوبل الجنس بالجنس وإلا فإن سبع شياه أفضل من البدنة والبقرة، والشاة أفضل من شِرك في بدنة أو بقرة لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد تقرّب بإراقته كله فصار أفضل من المتقرب بسُبع بدنة أو سُبع بقرة، لأن المضحي بالسُبع لم يتقرب إلا بشرك في دم، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال به مالك في الهدي، وقال في الأضحية الأفضل الضآن ثم البقر ثم البدن'، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله سبحانه خيراً منه لفدى به الذبيح، ودليلنا الحديث المتقدم المتفق عليه، ولا يجزيء في الأضحية الوحشي إذ لا يحصل المقصود به مع عدم الورود، ولا يجزيء في الأضحية أيضاً من أحد أبويه وحشي تغليبا لجانب المنع، والأفضل من كل جنس أسمن ثم أغلى ثمناً لقوله تعالى: (ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) . قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها
стр. 522
ولأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها، وأفضل ألوانها الأشهب وهو الأملح وهو الأبيض النقي البياض، قاله ابن الأعرابي، أو ما فيه بياض وسواد وبياضه أكثر من سواده قال الكسائي لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين) رواه أحمد والحاكم والبيهقي ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس (بلفظ دم الشاة البيضاء عند الله أزكى من دم السوداوين) وفيه حمزة النصيبي قد اتهم بوضع الحديث، ورواه الطبراني أيضاً وأبو نعيم من حديث كبيرة بنت سفيان نحو الأول، ورواه البيهقي موقوفاً على أبي هريرة، ونقل عن البخاري أن رفعه لا يصح. والعفراء: التي بيضاها ليس بناصع. قال في الفتاوى المصرية لشيخ الإسلام: والعفراء أفضل من السوداء، وإذا كان السواد حول عينيها وفمها وفي رجلها أشبهت أضحية النبي ﷺ انتهى.
ثم يلي الأشهب في الأفضلية الأصفر، ثم الأسود. قال الإمام أحمد: يعجبني البياض وأكره السواد، وكل ما كان أحسن لوناً فهو أفضل؛ وجذع الضأن أفضل من ثني الماعز على الصحيح من المذهب، قال الإمام أحمد: لا تعجبني الأضحية إلا بالضأن ولأن جذع الضأن أطيب لحماً من ثني الماعز، وكل من جذع الضأن وثني الماعز أفضل من سُبع بدنة أو سُبع بقرة لما تقدم من أن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، ومن تقرب بإراقته كله أفضل ممن تقرب بإراقة سُبعه، وسَبع شياه أفضل من بدنة أو بقرة لكثرة إراقة الدماء المطلوبة شرعاً وتقدم، وزيادة عدد في جنس أفضل من المغالاة مع عدم التعدد. سأل ابن منصور الإمام أحمد: بدنتام سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة؟ قال أحمد: بدنتان أعجب إليّ انتهى لما فيه من كثرة إراقة الدماء، قال في الفروع: وهل زيادة العدد أفضل كالعتق، أم المغالاة في الثمن وفاقاً للشافعي، أم سواء؟ يتوجه ثلاثة
стр. 523
أوجه، ثم ذكر رواية ابن منصور انتهى، ورجح شيخ الإسلام تفضيل البدنة السمينة التي بعشرة على البدنتين بتسعة لأنها أنفس، قال زين الدين بن رجب: وفي سنن أبي داود حديث يدل عليه انتهى، وبمراجعتي لسنن أبي داود وجدت فيه: عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: (أهدى عمر بن الخطاب نجيباً فأعطى به ثلثمائة دينار فأتى النبي صلى الله عليه وسل فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً فأعطيت به ثلثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا، قال: لا، انحرها إياها) . قال أبو داود: هذا لأنه كان أشعرها انتهى.
وذكر وأنثى سواء، لقوله تعالى: (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) ، وقوله تعالى: (والبُدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خيرٌ) ولم يقل ذكراً ولا أنثى، قال الإمام أحمد: الخصي أحب إلينا من النعجة لأن لحمه أوفر وأطيب، قال الموفق: الكبش في الأضحية أفضل النَّعم لأنها أضحية النبي ﷺ ، وأقرن أفضل (لأنه ﵊ ضحى بكبشين أملحين أقرنين) ويسن استسمانها واستحسانها لما تقدم، ولا يجزيء في هدي واجب ولا أضحية دون جذع ضأن، وهو ما له ستة أشهر كوامل لحديث أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: (يجوز الجذع من الضأن أضحية) رواه أحمد وبان ماجة وابن جرير والطبراني والبيهقي، ورجال إسناده كلهم بعضهم ثقة وبعضهم صدوق وبعضهم مقبول، والهدي مثلها؛ ويعرف الجذع بنوم الصوف على ظهره قال الخرقي عن أبيه عن أهل البادية، ونوم الصوف افتراقه على ظهره على جنبيه، ولا يجزيء دون ثني معز وهو ما له سنة كاملة لأنه قبلها لا يلقح بخلاف جذع الضأن فإنه ينزو ويلقح، ولا يجزيء دون ثني بقر وهو ما له سنتان كاملتان، ولا يجزيء دون ثني إبل وهو ما له خمس سنين كوامل، سمي بذلك لأنه ألقى ثنيته
стр. 524
وكذلك عند مالك والليث والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي لا يجزيء إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه، وتجزيء الشاة عن واحد وعن أهل بيته وعياله مثل امرأته وأولاده ومماليكه. قال صالح: قلت لأبي يضحي بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم لا بأس (قد ذبح النبي ﷺ كبشين، فقال بسم الله هذا عن محمد وأهل بيته، وقرَّب الآخر، وقال: بسم الله، اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي) ، ويدل له أيضاً ما روى أبو أيوب قال: (كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى) .
رواه مالك في الموطأ وابن ماجة والترمذي وصححه، قال في الشرح الكبير: ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بدنة أو بقرة يضحي بها، نص عليه أحمد وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وتمامه فيه. وقال بعض أهل العلم: لا تجزيء الشاة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم حتى زعم النووي أنه مجمع عليه ووافقه على دعوى الإجماع ابن رشد. والحق الذي لا ريب فيه أنها تجزيء عن أهل البيت وإن كثروا كما قضت بذلك السُنة.
فائدة: قال الشيخ أحمد بن محمد القصيِّر: اعلم أن قولهم وتجزيء الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته وعياله والبدنة والبقرة عن سبعة أن سبع البدنة أو سبع البقرة لا يكفي عن الرجل وأهل بيته لأنه شرك في دم ولفظ الحديث في الشاة بخلاف سبع البدنة أو البقرة وهذه فائدة جليلة انتهى. وفي الموطأ عن ابن شهاب قال: (ما نحر رسول الله ﷺ عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة) شك مالك انتهى، قال البخاري في صحيحه: باب ذبح
стр. 525
الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن وساق بسنده إلى عمرة بنت عبد الرحم قالت سمعت عائشة ﵂ تقول: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه ومسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت: فدُخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه) ، واستفهام عائشة عن اللحم لما دُخِل به عليها استدل به البخاري على قوله في الترجمة: من غير أمرهن، لأنه لو كان الذبح بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، وعبر البخاري في الترجمة بلفظ الذبح، وفي الحديث بلفظ النحر إشارة إلى رواية سليمان بن بلال المذكورة في باب ما يأكل من البدن وما يتصدق ولفظه (فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت ما هذا؟ فقيل ذبح النبي ﷺ عن أزواجه) ونحر البقر جائز عند العلماء لكن الذبح أولى لقوله تعالى: (إن الله يأمركن أن تذبحوا بقرة) وتجزيء كل من البدنة والبقرة عن سبعة لحديث جابر قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة) متفق عليه.
وفي الشرح الكبير بعد ما ذكر أن البدنة والبقرة عن سبعة وأنه قول أكثر أهل العلم، قال وعن سعيد بن المسيب: أن الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة، وبه قال إسحاق لما روى رافع (أن النبي ﷺ قسم فعدل عن عشر من الغنم ببعير) متفق عليه. وعن ابن عباس قال: (كنا مع رسول الله صلى الله علي وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة) . رواه ابن ماجة وتمامه فه، قال في المنتقى: عن ابن عباس قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضي الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة، والبعير عن عشرة) . رواه الخمسة إلا أبا داود انتهى، والحديث حسنه الترمذي، ويشهد له
стр. 526
حديث رافع بن خديج المتقدم لكن أجاب الشارح بأن حديث رافع في القسمة لا في الأضحية. قلت: عمل الناس على حديث جابر أن البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة والله أعلم، وتجزيء البدنة والبقرة عن أقل من سبعة بطريق الأولى، والاعتبار في إجزاء البدنة أو البقرة عن سبعة فأقل أن يشترك الجميع في البدنة أو البقرة دفعة واحدة؛ فلو اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة أضحية وقالوا من جاء يريد أضحية شاركناه فجاء قوم فشاركوهم لم تجز البدنة أو البقرة إلا عن الثلاثة نقله الزركشي في شرحه على الخرقي عن الشيرازي، قال في الإقناع وشرحه: والمرا إذا أوجبوها: أي الثلاثة على أنفسهم نص عليه لأنهم إذا لم يوجبوها فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح لعدم التعيين، قال في شرح المنتهى وإن اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة وأوجبوها لم يجز أن يشركوا غيرهم فيها انتهى.
إذا تقرر هذا فإن الثلاثة مثلاً إذا اشتروا بدنة أو بقرة ولم يوجبوها كلها على أنفسهم، بل قال واحد أريد فيها أضحية واحدة وقال الثاني أريد أضحيتين وقال الثالث أريد ثلاث ضحايا ثم أتى رابع وأشركو÷ وأخذ الأضحية الباقية فإن هذا سائغ شرعاً وعليه العمل من غير نكير، وسواء كان المشتركون من أهل بيت واحد أو لم يكونوا، وسواء أراد جميع الشركاء في البدنة أو البقرة القربة أو أراد بعضهم القربة وأراد الباقون اللحم لأن الجزء المجزيء لا ينقص إجره بإرادة الشريك غير القربة كما لو اختلفت جهات القربة بأن أراد بعضهم عن دم التمتع والآخر عن دم القران والآخر عن ترك واجب من واجبات الحج كترك الإحرام من الميقات لمن مر عليه، والآخر عن فعل محظور من محظورات الإحرام، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا كانوا كلهم متقربين، ولا يجوز إذا لم يرد بعضهم القربة، ويجزيء الاشتراك في البدن والبقر ولو كان بعض الشركاء
стр. 527
ذمياً في قياس قول الإمام أحمد قاله القاضي وجزم بمعناه في المنتهى، ويعتبر ذبح البدنة أو البقرة عن السبعة فأقل نص عليه، ويجوز أن يقتسموا اللحم لأن القسمة في المثليات ونحوها ليست بيعاً بل إفراز حق، ولو ذبحوا البدنة أو البقرة على أنهم سبعة فبانوا ثمانية ذبحوا شاة وأجزأتهم الشاة مع البدنة أو البقرة، فإن بانوا تسعة ذبحوا شاتين، وهكذا ولو اشترك اثنان في شاتين على الشيوع أجزاء ذلك عنهما كما لو ذبح كل منهما شاة، ولو اشترى سبع بدنة أو بقرة ذبحت للحم فهو لحم اشتراه ولست الحصة التي اشتراها أُضحية لعدم نيتها قبل الذبح، وكذا لو اشترى شاة ذبحت للحم فهي لحم وليست بأضحية، أما إذا اشترى سبعاً أو سبعين من بدنة أو بقرة وهي حية وأوجب ما اشتراه أضحية وأراد اللحم في الباقي جاز وله بيعه، وقول الأصحاب لو اشترى سبع بدنة أو سبع بقرة ذبحت للحم فو لحم المراد منه إذا اشترى سبعها وهي مذبوحة، فإن كانت حية جاز ذلك كما تقدم والله أعلم.
وأما ما ذبح هديا أو أضحية فلا يصح بيعه ولو تطوعا لتعينه بالذبح ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
فائدة: حيث كانت كل واحدة من البدنة والبقرة تجزيء عن سبعة كما تقدم فهل هذا مطلق فلا تجزيء عن أهل بيته إذا كانوا أكثر من سبعة أو هي أولى بالإجزاء من الشاة؟ وبخط عبد الوهاب بن فيروز ما نصه قوله عن سبعة، أقول ظاهره مطلقاً، ولا يقال كما فهم من أبعد النجعة أن المراد عن سبع شياه يريد بذلك أنه يجزئ ذبحها عن أهل بيته ولو زادوا على سبعة، لأنا نقول كونها عن سبع شياه مسلم لكن لا مطلقاً فتأمل انتهى.
قلت: الظاهر أن البدنة أو البقرة تجزيء عنه وعن أهل بيته ولو كانوا أكثر من سبعة لأنها أغلى وأفضل من الشاة خلافاً لما جنح إليه عبد الوهاب بن فيروز، قال في الشرح
стр. 528
الكبير: ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بدنة أو بقرة يضحي بها نص عليه أحمد وبه قال مالك والليث والأوزاعي، وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وتمامه فيه، وتقدمت عبارة الشرح هذه، ومنها يؤخذ إجزاء البدنة أو البقرة عن أهل البيت ولو كانوا أكثر من سبعة لأن صاحب الشرح ذكرهما مع الشاة المنصوص على إجزائها عن أهل البيت ولو كانوا أكثر من سبعة (لأنه ﷺ قد ذبح كبشين وقال: بسم الله هذا عن محمد وأهل بيته وقرّب الآخر، وقال اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي) وبخط عبد الوهاب بن فيروز أيضاً ما نصه قوله: وتجزيء الشاة عن واحد وأهل بيته يظهر أنه لو شرك غيرهم من الأجانب لا يجزيء خلافاً لمن عمم انتهى كلام ابن فيروز.
قلت: الظاهر أنه لا خصوص لأهل البيت لما في الحديث (اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي) ثم رأيت كلاماً للشيخ عبد الله أبي بطين قد استظهر فيه أنه لا خصوص لأهل البيت، والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: (وأمر رسول الله ﷺ سبعة من أصحابه كانوا معه فأخرج كل واحد منهم درهما فاشتروا أضحية فقالوا يا رسول الله لقد أغلينا بها؟ فقال النبي ﷺ : إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها، فأمر رسول الله ﷺ فأخذ رجل برجل ورجل برجل ورجل بيد ورجل بيد ورجل بقرن ورجل بقرن وذبحها السابع وكبروا عليها جميعاً ذكره أحمد نزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم لأنهم كانوا رفقة واحدة انتهى كلام ابن القيم.
فائدة: إذا أراد الإخوة أن يضحوا عن والدهم مثلاً بأضحية واحدة صح ذلك سواء كانوا شركاء في المال أو لم يكونوا وكذلك لو لم يكونوا إخوة
стр. 529
واشتركوا في شراء أضحية وذبحوها عن إنسان، وإذا ضحى إنسان بشاة واحدة وجعل ثوابها لوالديه وإخوانه مثلا جاز ذلك وإن كثروا كما تقدم، بخلاف الحجة فإنها لا تصح إلا عن واحدة، فلو حج عن والديه بحجة واحدة لم يصح ذلك لأن الحجة الواحدة لا تقع عن عدد، ولا يجوز التشريك فيها بخلاف الأضحية، وإذا أراد إنسان أن يضحي عن جماعة بأضحية واحدة فإنه لا يشترط تسميتهم بل تكفي النية لكن يستحب له أن يسميهم فيقول عن فلان وفلان وفلان، أما لو حج حجة واحدة نفلاً لنفسه ثم بعد إتمامها جعل ثوابها لوالديه ونحوهما فإنه غير ممنوع فيما يظهر وصرح به في رد المحتار لابن عابدين الحنفي، والله أعلم.
-- فصل:
ولا تجزيء في الهدي والأضحية العوراء البينة العور: وهي التي انخسفت عينها، فإن كان على العين بياض وهي قائمة لم تذهب أجزأت لأن ذلك لا ينقص لحمها، ولا تجزيء فيهما عمياء وإن لم يكن عماها بيِّناً كقائمة العينين مع ذهاب إبصارهما لأن العمى ينع مشيها مع رفيقتها ويمنع مشاركتها في العلف، وفي النهي عن العوراء تنبيه على النهي عن العمياء.
قال النووي: وتجزيء العشواء على الأصح؛ وهي التي تبصر بالنهار دون الليل لأنها تبصر وقت الرعي، وأما العمش وضعف بصر العينين جميعاً فقطع الجمهور بأنه لا يمنع وقال الروياني إن غطى الناظر بياضٌ أذهب أكثره منع وإن أذهب أقله لم يمنع على الصحيح انتهى. ولا تجزئء عجفاء لا تفقي بضم التاء وإسكان النون وكسر القاف، من أنقت الإبل: إذا سمنت وصار فيها نقي، بكسر النون
стр. 530
وإسكان القاف: وهو مخ العظم وشحم العين من السمن قاله ابن أبي الفتح الحنبلي في المطلع، والعجفاء هي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا تجزيء عرجاء بيِّنٌ ظلعها بفتح اللام وسكونها: أي غمزها وهي التي لا تقدر على المشي مع جنسها الصحيح إلى المرعى، ولا تجزيء كسيرة ولا مريضة بين مرضها: وهو المفسد للحمها بجرب أو غيره لحديث البراء بن عازب قال: (قام فينا رسول الله ﷺ فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي) . رواه الخمسة وصححه الترمذي وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه النووي، وفي رواية الترمذي والنسائي والعجفاء بدل الكسيرة، قال النووي وحكى وجه في الهيام خاصة أنه يمنع الأجزاء وهو من أمراض الماشية وهو أن يشتد عطشها فلا تروى من الماء، والهيام بضم الهاء قال أهل اللغة هو داء يأخذها فتهيم في الأرض لا ترعى، وناقة هيماء بفتح الهاء والمد انتهى.
ولا تجزيء عضباء بالعين المهملة والضاد المعجمة: وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها لحديث علي قال: (نهى النبي ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن) قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: العضب: النصف فأكثر من ذلك رواه الخمسة، وصححه الترمذي، لكن ابن ماجة لم يذكر قول قتادة إلى آخره، وسكت عن الحديث أبو داود والمنذري، وقال الإمام أحمد العضباء ما ذهب أكثر أذنها أو قرنها، نقله حنبل لأن الأكثر كالكل، وتكره معيبة أذن بخرق أو شق أو قطع لنصف أو أقل من النصف، وكذا معيبة قرن بواحد من هذه، وهذه الكراهة كراهة تنزيه فيحصل الإجزاء بها لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق ولأنه ليس داخلاً في العضب المنهي
следующие страницы →