← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أما أبو حنيفة فالقاعدة عنده أن الاستيفاء بحسب طول الشجة وعرضها ما أمكن بشرط أن لا يؤدى القصاص إلى إحداث شين الجانى أكثر من شين المجنى عليه، فإذا أخذت الشجة ما بين قرنى المشجوج وكانت تزيد على ما بين قرنى الشاج لصغر رأسه فليس للمشجوج أن يزيد على ما بين قرنى الشاج وله أن يأخذ الأرش إن شاء، وكذلك لو كانت الشجة لا تستوعب ما بين قرنى المشجوج فله أن يقتصها غير مستوعبة وإن شاء الأرش (١) . كيفية القصاص فى الجراح: لا قصاص فى الجراح عند أبى حنيفة. ويرى أحمد والشافعى القصاص فيما أوضح العظام، أما مالك فيرى القصاص فى كل الجراح ما أمكن القصاص ما لم تكن مخوفة. والقاعدة التى أخذ بها مالك والشافعى وأحمد فى الشجاج هى قاعدتهم فى الجراح. كيفية القصاص فى الأطراف: القاعدة عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد أن لا قصاص إلا من المفصل فى الأطراف، أما مالك فيجيز القصاص من غير مفصل لأنه يجيز القصاص من العظام. فإذا كان القطع من غير مفصل فلا قصاص إلا عند مالك، لكن الشافعى وأحمد لا يريان مانعًا من القصاص من أول مفصل داخل فى الجناية، ولا يرى ذلك أبو حنيفة. ٣١٤- كيفية الاستيفاء: لا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا يستوفى بآلة يخشى منها الزيادة ولو كانت هى الآلة المستعملة فى الجريمة، ولا يقاس الاستيفاء فى الجراح بالاستيفاء فى القتل لأن القتل اشترط فى استيفائه السيف، لأن السيف آلة القتل، وليس ثمة شئ يخشى التعدى إليه، فيجب أن يستوفى ما دون السيف بالآلة الملائمة للقصاص، ويتوقى ما يخشى منه الزيادة إلى محل لا يجوز استيفاؤه، ولقد

стр. 1017

منعنا القصاص كلية فيما تخشى الزيادة فى استيفائه، فلأن يمنع الآلة التى يخشى منها الزيادة أولى، فإن كان الجرح موضحة أو ما أشبهها فيقتص بالموسى أو بحديدة ماضية معدة لذلك، ولا يستوفى إلا من له علم كما قدمنا كالجراّح ومن فى حكمه، وإن كان على موضع الجراحة شعر حلق، ثم تقاس الشجة بخشبة أو بخيط ويعلم طولها، ويقاس مثلها فى رأس الشاج وتعلم بخط بسواد أو بغيره، ثم تؤخذ حديدة عرضها عرض الشجة فيضعها فى أول المكان المعلم بالسواد ثم يجرها إلى آخره، وإن كان الفعل قطعًا من مفصل قطع الجراح مفصل الجانى بأرفق وأسهل ما يقدر عليه. وهكذا يراعى فى الاستيفاء أن يكون بما يؤمن معه الحيف والتعذيب، وأن يكون بآلة ماضية معدة للاستيفاء، وأن يكون الاستيفاء من خبير يأتى به على أرفق وجه وأسهله (١) . وكل ذلك إنما هو تطبيق لشرط التماثل وأخذًا بقول الرسول ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولُيحدَّ أحدكم شفْرتَه وليُرحْ ذبيحتَه". ولا يقتص من الجانى فى حر شديد ولا برد شديد، حتى لا يكون للقصاص أثر على الجسم غير عادى، ولا يقتص من الجانى وهو مريض حتى يشفى من مرضه، ويعتبر النفاس مرضًا حتى تنتهى أيامه، وإذا وجب الحد على ضعيف الجسم يخاف عليه من الموت سقط الحد ووجبت عليه الدية (٢) . ولا قصاص فيما دون النفس على حامل حتى تضع حملها ولو كان الحمل بعد الجناية (٣) .

стр. 1018

٣١٥- الاستيفاء عند تعدد المستحقين: إذا تعدد المستحقون وكان محل حق كل منهم غير محل الآخر فلكل منهم أن يستوفى حقه فى أى وقت يشاء، حيث لا يتوقف استيفاء حقه على استيفاء الآخرين. أما إذا تعدد المستحقون لمحل واحد كأن قطع رجل يمنى رجلين، فإن محل القصاص للمجنى عليهما هو يمين الجانى. وحكم هذه الحالة عند مالك: أنه إذا حضر المجنى عليهما معًا أو حضر أحدهما وتغيب الآخر فإن يد الجانى تقطع وليس لهما شئ غير ذلك، وهذا تطبيق لنظريته، فإن القصاص واجب عينا، وإن حقهما تعلق بقطع يد الجانى، فإذا قطعت فقد انتهى حقهما (١) . وتقول نظرية مالك: إنه إذا استحق أكثر من واحد القصاص من عضو اقتص من العضو ولو طلب أحدهم القصاص فقط ويسقط حق الباقين. وإذا استحق أكثر من واحد القصاص فى عضو واحد واختلفت حقوقهم بأن استحق أحدهم كل العضو واستحق بعضهم بعض العضو، كأن قطع لواحد السبابة اليمنى، وللثانى أصابعه، وللثالث يده من المعصم، وللرابع يده من المرفق، فكل هؤلاء يستحقون فى يد المرفق، فتقطع اليد من المرفق لهم جميعًا، ولا شئ لهم ما لم يكن الجانى قصد المثلة بهم فيقتص للأول فى السبابة، ثم تقطع بقية أصابعه، ثم تقطع اليد من المرفق. ويرى أبو حنيفة أنهما إذا حضرا جميعًا فلهما أن يقطعا يمين الجانى ويأخذا منه دية يديهما نصفين لأنهما استويا فى سبب الاستحقاق، وقد وجب قطع اليد فى حق كل واحد منهما، فيستحق كل منهما قطع يده، ولا يحصل من كل منهما فى يد واحدة إلا قطع بعضها، فلم يستوف كل واحد مهما بالقطع إلا بعض حقه فيستوفى الباقى من الأرش. وهذا الرأى تطبيق لنظرية أبى حنيفة فى وجوب القصاص عينًا، تلك

стр. 1019

النظرية التى قيدها فى حالة زوال محل القصاص بحق فيما دون النفس (١) . وتقول نظرية أبى حنيفة: إنه إذا تجمعت حقوق فى عضو وجب استيفاء حق كل واحد بالقدر الممكن، بغض النظر عن أسبقية الاستحقاق فإذا وجد مع ذلك حق أحد المستحقين ناقصًا خُيِّر بين القصاص والدية ولا شئ له إذا اقتص، وإذا لم يتمكن أحد المستحقين من القصاص فله الدية. أما الشافعى فيرى أنه إذا قطع أكثر من واحد فيقتص منه للأول وللباقين الدية، وإن سقط حق الأول بعفو أو صلح مثلاً اقتص للثانى، وهكذا إذا اقتص الواحد بعينه تعين حق الباقين فى الدية، لأن القود فاتهم بغير رضاهم. وإذا قطعهم دفعة واحدة أو أشكل الحال فلم يعرف من قطع الأول أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة اقتص له وتعين حق الباقين فى الدية (٢) . وحجة الشافعى أن الجانى إذا قطعت يده لأحد المستحقين صارت حقًا له، ولا يمكن أن تكون مع ذلك حقًا لغيره فوجبت الدية للغير، والشافعى يطبق هنا نظريته فى القتل. أما أحمد فيطبق أيضًا نظريته فى القتل ويرى أن المجنى عليهم إذا اتفقوا على قطع الجانى قطع لهم جميعًا، ولا شئ لهم فوق ذلك، لأن حقهم فى القطع وقد رضوا به فإن أراد أحدهم القود وأراد الباقون الدية قطع لمن أراد القود وتعين حق الباقين فى الدية (٣) . وأساس نظرية الشافعى وأحمد أنه: إذا تجمعت حقوق فى طرف واحد استوفى الحقوق كلها بالقدر الممكن بشرط تقديم الأسبق فى الاستحقاق، وإذا وجد حق أحد المستحقين ناقصًا خير بين القصاص والدية، ولا شئ له إذا اقتص عند بعض فقهاء مذهب أحمد، وله أرش الناقص عند الشافعى وبعض الفقهاء،

стр. 1020

وإذا لم يتمكن أحد المستحقين مع ذلك من القصاص فله الدية. وإذا بادر أحدهم فقطعه فقد استوفى حقه ولا شئ للآخرين عند مالك، ولهم الدية عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد. ٣١٦- هل يمكن قطع أطراف الجانى قصاصًا؟: إذا استحقت كل أطراف الجانى قصاصًا اقتص منه فى جميعها بعكس ما عليه فى تنفيذ الحدود، فإذا قطع الجانى يدى رجل ورجليه قُطعت يداه ورجلاه لأنه المثل، ولأن استيفاء المثل ممكن. ولو قطع يمين رجل ويسار آخر قطعت يمينه لصاحب اليمين وقطعت يساره لصاحب اليسار؛ لأن هذا يحقق المماثلة. وهكذا يقطع من الجانى طرف بعد طرف كلما استحق ولم يكن ثمة مانع يمنع القصاص (١) . ٣١٧- إذا قطع إصبع شخص من المفصل من اليد اليمنى مثلاً ثم قطع اليمنى لشخص آخر - فيرى مالك أن تقطع اليد اليمنى فقط ولا يقطع الإصبع إلا إذا كان الجانى قد قصد المثلة فيقطع الإصبع ثم تقطع بعد ذلك اليد، وفى الحالين لا شئ للمجنى عليهما، لأن حقهما معلق بالقصاص دون غيره وقد اقتص من الجانى (٢) . ويرى أبو حنيفة أنهما إذا جاءا يطلبان القصاص مجتمعين يقتص أولاً فى الإصبع لأننا لو بدأنا بالقصاص فى اليد أبطلنا حق صاحب الإصبع فى القصاص، ولو بدئ بالإصبع لم يبطل حق صاحب اليد فى القصاص، لأنه يمكن من استيفائه مع النقصان ويخير صاحب اليد بين القصاص والدية، لأن الكف صارت معيبة بقطع الإصبع فوجد حقه ناقصًا فيثبت له الخيار كالأشل إذا قطع يد الصحيح. وإذا جاءا متفرقين فإن جاء صاحب الإصبع أولاً اقتص له حتى إذا جاء صاحب اليد خير على الوجه السابق، أما إذا جاء صاحب اليد أولاً اقتص له، لأن حقه ثابت فى اليد ولا يجوز منعه من استيفاء حقه لحق غائب يحتمل أن يحضر ويطالب ويحتمل أن لا يحضر ولا يطالب، فإن جاء

стр. 1021

صاحب الإصبع بعد ذلك أخذ الأرش لتعذر استيفاء القصاص (١) . ويرى الشافعى وأحمد أنهما إذا حضرا معًا قدم فى القصاص صاحب الأسبقية فى الاستحقاق، فإن كان قطع الإصبع أسبق قطعت إصبعه قصاصًا، وخير صاحب اليد بين العفو إلى الدية وبين القصاص وأخذ دية الإصبع لأنه وجد بعض حقه، فكان له استيفاء الموجود وأخذ بدل المفقود. ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد أن له القصاص فقط وليس له دية الإصبع كما هو مذهب أبى حنيفة؛ لأنه لا يجمع فى عضو واحد بين قصاص ودية، وإن كان قطع اليد سابقًا على قطع الإصبع قطعت يمينه قصاصًا ولصاحب الإصبع أرشها (٢) . ويقاس على ما سبق ما لو قطع إصبع رجل من مفصل ثم قطع إصبع آخر من مفصلين ثم قطع إصبع ثالث كلها. وذلك كله فى إصبع واحدة كالسبابة مثلاً. فعند مالك تقطع السبابة لهم جميعًا ولا شئ لهم إلا إذا كان الجانى قد قصد المثلة بهم فيقطع المفصل الأول للأول، والمفصل الثانى للثانى، والمفصل الثالث للثالث. وعند أبى حنيفة إن جاءوا جميعًا يقطع المفصل الأعلى لصاحب المفصل الأعلى، ثم يخير صاحب المفصلين، إن شاء استوفى حقه قصاصًا من المفصل الأوسط ولا شئ له من الأرش، وإن شاء أخذ ثلثى دية إصبعه كاملة من مال القاطع. ويسلك أبو حنيفة هذه الطريقة لأن حق كل واحد من المجنى عليهم فى مثل ما قطع منه، فيجب إيفاء حقوقهم بقدر الإمكان وذلك فى البداية بما لا يسقط حق بعضهم، فالبداية بقطع المفصل الأعلى لا تسقط حق الآخرين فى القصاص أصلاً لإمكان استيفاء حقيهما من النقصان، ولكن البداية بالقصاص لصاحب الإصبع تسقط حق صاحب المفصل وصاحب المفصلين. أما إذا جاءوا متفرقين فإن جاء صاحب الإصبع أولاً قطعت له الإصبع، فإذا جاء الآخران فلهما أرش ما قطع منهما، وإن جاء صاحب المفصلين أولاً يقطع له المفصلان، ولصاحب المفصل الأعلى

стр. 1022

الأرش، ولصاحب الإصبع الخيار بين أن يقتص من المفصل الباقى ولا شئ له، وإن شاء أخذ دية الإصبع. وإذا جاء صاحب المفصل أولاً فهو كما لو جاءوا معًا (١) . أما الشافعى وأحمد فعندهما يقتص أولاً لمن جنى عليه أولاً، فإن كان صاحب الإصبع هو الذى جنى عليه أولاً اقتص له وللآخرين الأرش فيما قطع منهما، وإن قطع صاحب المفصلين أولاً اقتص له ولصاحب المفصل أرش ما قطع منه، وخُيِّر صاحب الإصبع بين أن يقتص فى المفصل الباقى ويأخذ أرش مفصليه عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد أو يقتص فقط ولا شئ كما يرى بعض فقهاء مذهب أحمد وبين أن يأخذ دية إصبعه كاملة. وإذا قطع صاحب المفصل أولاً اقتص له، فإذا كان صاحب الإصبع هو الثانى خُير على الوجه السابق، فإن اقتص تعين حق صاحب المفصلين فى الدية، وإن أخذ الدية ولم يقتص خير صاحب المفصلين بين أن يقتص من مفصل واحد على الوجه السابق وما فيه من خلاف وبين أخذ الدية، وإن كان صاحب المفصلين هو الثانى فى القطع خير بين القصاص والدية ثم خير بعده صاحب الإصبع (٢) . ويقاس على ما سبق قطع اليد اليمنى لشخص من المعصم وقطع نفس اليد لآخر من المرفق. ٣١٨- تكرر أفعال الجانى: وإذا قطع المفصل الأعلى من سبابة رجل ثم عاد فقطع المفصل الثانى منها، فيرى مالك القصاص من المفصل الثانى إلا إذا كان الجانى يقصد المثلة فيقطع المفصلان واحدًا بعد واحد (٣) . ويرى أبو حنيفة القصاص فى المفصل الأول ولا قصاص عنده فى المفصل الثانى وعليه أرشه، وكذلك الحكم عنده لو قطع إصبع رجل ثم قطع كفه بعد ذلك، أو لو قطع الكف ثم قطع الساعد، فعليه القصاص فيما قطعه أولاً فقط،

стр. 1023

وحجة أبى حنيفة أنه حين القطع الأول كان هناك تماثل بين المجنى عليه والجانى، أما فى القطع الثانى فلم يكن التماثل متحققًا لأن المجنى عليه كان مقطوعًا والجانى سليمًا. ولكن محمدًا وأبا يوسف يفرقان بين ما إذا كان القطع الثانى قبل بُرء الأول أو بعد البرء، فإن كان قبل البرء فالفعلان جناية واحدة والقصاص من القطع الثانى، وإن كانت بعد البرء فهما جنايتان متفرقتان ويجب القصاص فى الأولى دون الثانية (١) . والقياس عند الشافعى وأحمد يؤدى إلى مثل رأى أبى يوسف ومحمد، أما إذا كان القطع الثانى بعد القصاص من قطع المفصل الأول، فالمماثلة متوفرة والقصاص فى الثانى لا خلاف فيه. وإذا قطع غيره المفصل الأعلى، ثم جاء الجانى فقطع المفصل الثانى، فلا قصاص فى المفصل الثانى اتفاقًا لانعدام المساواة بين إصبع القاطع الثانى والمقطوع (٢) . وإذا قطع الجانى نصف المفصل الأعلى ثم عاد فقطع النصف الثانى لهذا المفصل فإن كان القطع الثانى بعد برء الأول، فهما جنايتان مستقلتان، ولا قصاص فيهما عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد حيث لا قصاص عندهم فى غير مفصل، أما عند مالك فعليه القصاص فى الجنايتين لأن القصاص فى العظام عنده واجب إذا كان ممكنًا وغير مخوف، وإذا كان القطع الثانى قبل برء الأول فعند مالك القصاص من القطع الثانى فقط ما لم يكن الجانى قد قصد المثلة فيقتص من القطعين. وعند أبى حنيفة أيضًا يقتص من القطع الثاني؛ لأن الفعلين يعتبران جناية واحدة، والقطع الثانى من مفصل. وليس فى مذهب الشافعى وأحمد ما يخالف رأى أبى حنيفة (٣) . وإذا قطع من رجل يمينه من المفصل فاقتص منه ثم إن أحدهما بعد ذلك

стр. 1024

قطع من الآخر الذراع من المرفق، فلا يرى أبو حنيفة القصاص، لأن القصاص فيما دون النفس عنده يقتضى المساواة فى الأرش، لأنه يسلك بما دون النفس مسلك الأموال، وفى هذه الحالة لا يعرف التساوى، لأن الذراع ليس له أرش مقدر. ويخالفه أبو يوسف وزفر ويقولان بالقصاص؛ للتساوى والمماثلة ولأن القطع من مفصل (١) . وعند مالك والشافعى وأحمد القياس يقتضى القصاص، لأنهم لا يسلكون بالأطراف مسلك الأموال، ولا يشترطون التساوى فى الأرش. ٣١٩- التداخل: معنى التداخل هو أن يدخل قصاص تحت آخر ويعتبر منفذًا بتنفيذ هذا الآخر. فلو قطع الجانى يد رجل ثم قتله، فيرى مالك أن القصاص فى الطرف يدخل فى القصاص فى النفس، فلا يقتص فى الطرف اكتفاء بالقصاص فى النفس، إلا إذا كان الجانى قد قطع بقصد المثلة ففى هذه الحالة فقط يقتص من الطرف قبل القصاص من النفس (٢) . ويرى أبو حنيفة والشافعى أن اليد لا تدخل فى النفس سواء كان القتل بعد البرء القطع أو قبله، ولولى الخيار إن شاء قطع يده ثم قتله وإن شاء اكتفى بالقتل. ويرى أبو يوسف ومحمد أن اليد تدخل فى النفس إذا كان القطع قبل البرء؛ لأن الجناية على ما دون النفس إذا لم يتصل بها البرء لا حكم لها مع الجناية على النفس، بل يدخل ما دون النفس فى النفس، أما إذا برئ القطع قبل القتل فلا تدخل اليد فى النفس لأن حكمها استقر قبل القتل (٣) . وفى مذهب أحمد اتفاق على أن القطع إذا برئ قبل القتل فلا يدخل ما دون النفس فى النفس، أما إذا كان القتل قبل برء القطع فقد اختلفوا، ففريق يرى

стр. 1025

دخول ما دون النفس فى النفس، وفريق يرى أنه لا يدخل. وإن قطع يد رجل وقتل آخر، فعند مالك يندرج الطرف فى النفس، فيقتل فقط ولا تقطع يده. وعند أبى حنيفة والشافعى وأحمد تقطع يده أولاً سواء تقدم القطع أو تأخر لأن تقديم القتل يسقط من المقطوع، وإذا تقدم القطع لم يسقط حق المقتول. والقاعدة أنه إذا أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص لم يجز إسقاط أحدهما (١) . وإذا كان أحد الفعلين عمدًا والثانى خطأ فلا تداخل، واعتبر كلا منهما بحكمه، سواء كان الثانى بعد برء الأول أو قبله، لأنهما جنايتان مختلفتان، فلا يحتملان التداخل، ويعطى لكل جناية حكمها، ففى العمد القصاص، وفى الخطأ الدية (٢) . أما إذا كان الفعلان خطأ أو شبه عمد، فيفرق الفقهاء بين ما إذا كان القتل بعد برء القطع أم قبله، ويدخلون الأطراف فى النفس إذا كان القتل قبل البرء، ولا يدخلون الأطراف فى النفس إذا كان القتل بعد البرء، فمن قطع يد شخص ثم قتله قبل البرء أُلزم بدية واحدة، ومن قطع شخصًا ثم قتله بعد برء القطع ألزم بأرش اليد ودية النفس، ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى أن الطرف لا يدخل فى النفس سواء كان القتل بعد البرء أو قبله، لأن الجناية على الطرف انقطعت سرايتها بالقتل، فلا يسقط ضمانها كما لو اندملت. ولكنه رأى مرجوح فى المذهب (٣) . وإذا تعدد الجناة فقطع أحدهم يده مثلاً والثانى رجله ثم قتله ثالث، فلا يدخل ما دون النفس فى النفس كيفما كان بعد البرء أو قبله، لأن التداخل أساسه أن يكون الفاعل واحدًا.

стр. 1026

٣٢٠- السراية: السراية هى أثر الجرح فى النفس أو فى عضو آخر، فإن لم يؤثر الجرح على النفس أو عضو آخر غير محله فلا سراية، وإذا سرى الجرح إلى النفس قيل إن هناك سراية النفس، وهو ما نسميه إفضاء للموت. وإذا سرى إلى عضو آخر قيل إن الجرح سرى إلى عضو آخر، والسراية إما أن تكون من فعل مأذون فيه أو مباح أو من فعل محرم. ٣٢١- السراية إلى النفس من فعل محرم: إذا جنى على ما دون النفس فسرى إلى النفس فهو قاتل متعمد عليه القصاص إن كان متعمدًا القتل، لأنه لما سرى بطل حكم ما دون النفس وتبين أن الفعل وقع قتلاً من حين وجوده، وإذا لم يكن متعمدًا القتل فلا قصاص؛ لأن الفعل قتل شبه عمد، ولا قصاص فى شبه العمد. ٣٢٢- السراية إلى النفس من فعل مباح أو مأذون فيه: هناك أفعال مأذون فيها وأفعال مباحة، فلو أتى الإنسان فعلاً من هذه الأفعال فسرى إلى النفس، فالحكم يختلف بحسب ما إذا كان المأذون فيه أو المباح النفس أو ما دونها، فإن كانت النفس مباحة كالمهدر دمه أو مأذونًا فى إتلافها كالمحكوم عليه بالقتل قصاصًا فلا عقوبة على الجرح إذا سرى إلى النفس ولا عقوبة عليه من باب أولى إذا لم يسر للنفس، وهذا مسلم به من الجميع، إلا أنهم اختلفوا فى حالة ما إذا استحق شخص قتلاً قصاصًا على آخر، فقطع يده ثم عفا عنه بعد ذلك، فرأى مالك وأبى حنيفة أن العافى مسئول عن قطع اليد، ورأى الشافعى وأحمد ومعهما أبو يوسف ومحمد أن لا مسئولية عليه، وقد بينا أدلة الفريقين من قبل فى العفو عن النفس. أما إذا كان المباح أو المأذون فيه هو ما دون النفس، كقطع يد السارق أو قطع عضو من الجانى قصاصًا أو تأديب الزوجة والابن والتلميذ، فقد اختلف نظر الفقهاء فى مسئولية الجانى، وسنبين فيما يأتى تفصيل ذلك.

стр. 1027

تكلمنا فيما سبق على استعمال الحق وأداء الواجب فلا يفيد القول فيه، وبقى بعد ذلك أن نتكلم على سراية القود. ٣٢٣- سراية القود: إذا اقتص شخص من طرف الجانى فسرى القصاص إلى نفس الجانى ومات فلا مسئولية على المقتص عند مالك والشافعى وأحمد، لأن السراية من فعل مأذون فيه ولا عقوبة عليه وما تولد عن المأذون فيه يعتبر مأذونًا فيه ضمنًا فلا عقاب عليه، وبذلك قضى عمر وعلى رضى الله عنهما، فعندهما أن من مات من حد أو قصاص لا دية له. وشأن القصاص شأن الحد فى السرقة، فإنه قطع مستحق مقدر، فإذا لم تضمن سرايته فى السرقة فلا تضمين فى القصاص. ويرى أبو حنيفة أن من قطع طرف آخر قصاصًا فمات من ذلك ضمن ديته لأنه استوفى غير حقه إذ حقه القطع، وهو قد أتى بالقتل، لأن القتل اسم لفعل يؤثر فى فوات الحياة عادة وقد وجد، وكأن القياس أنه يجب القصاص، إلا أنه سقط للشبهة الناشئة عن استحقاق الطرف فدرئ القصاص ووجبت الدية. ويرى أبو حنيفة أن الأمر فى إقامة حد السرقة لا يختلف عن هذه الحالة إلا أن الضرورة إلى عدم إيجاب الضمان على الإمام؛ لأن إقامة الحد واجب عليه، والتحرز عن السراية ليس فى وسعه، فلو أوجب عليه الضمان لامتنع الأئمة عن إقامة الحدود، وفى تعطيل الحدود إخلال بالنظام العام، أما القطع قصاصًا فليس بواجب على مستحق القصاص دائمًا لأنه حقه وهو حر بالخيار فيه، إن شاء قطع وإن شاء عفا، والأولى به العفو لأن الله قد ندب إليه، فليس ثمة ضرورة توجب إسقاط الضمان. ويرى أبو يوسف ومحمد أن لا ضمان على المقتص (١) . ٣٢٤- السراية إلى ما دون النفس: إذا كان الفعل مباحًا أو مأذونًا فيه فسرى إلى ما دون النفس، كأن قطع إصبعًا قصاصًا فشُلَّت اليد، أو ضرب زوجته

стр. 1028

على ذراعها فأتلفه، فالحكم هو ما ذكر فى السراية إلى النفس على الاختلاف والوفاق الذى ذكر من قبل. أما إذا كان الفعل غير مباح ولا مأذون فيه، فيفرق بين ما إذا كانت السراية لمعنًى أو لعضو. ٣٢٥- السراية لمعنى: إذا كان الاعتداء على طرف فسرى إلى طرف آخر فأذهب معناه مع بقاء الطرف الآخر سليمًا، فالحكم يختلف بحسب ما إذا كان فعل الجانى يجوز فيه القصاص أو لا يجوز. فإذا كان يجوز فيه القصاص كما لو شجه مُوضحة فأذهب بصره، فيرى مالك والشافعى وأحمد (١) أن يقتص من الشجة فإن ذهب البصر بالقصاص من الشجة فقد أخذ المجنى عليه حقه، وإن لم يذهب عولج علميًا بما يزيل الإبصار دون جناية على الحدقة، فإن لم يزل الإبصار مع ذلك ففيه الدية. ويرى أبو حنيفة أن لا قصاص فى الشجة ولا فى البصر وفيهما الأرش، ويرى محمد وأبو يوسف القصاص فى الموضحة والدية فى الإبصار. وهناك رواية أخرى عن محمد عن ابن سماعة فى نوادره بأن القصاص يجب فى الفعل والمعنى كلما أمكن القصاص فى المعنى فإن لم يكن القصاص فى المعنى ممكنًا اقتص من الفعل فقط وفى المعنى الدية، وحجته أن السراية تولدت من جناية يقتص فيها إلى عضو يمكن فيه القصاص، فوجب القصاص كما إذا سرى إلى النفس، أما حجة أبى يوسف فى عدم القصاص من المعنى بأن تلف المعنى حدث من طريق التسبب ولى بالسراية، لأن الشجة تبقى بعد ذهاب البصر، وحدوث السراية يوجب تغيير الجناية، كالقطع إذا سرى إلى النفس فإنه لا يبقى قطعًا بل يعتبر قتلاً، وهنا الشجة لم تتغير فدل ذلك على أن ذهاب البر ليس من طريق السراية بل من طريق التسبب، والجناية بالتسبب لا توجب القصاص (٢) .

стр. 1029

أما إذا كان ذهاب المعنى بإصابة لا قصاص فيها فيقتص من المعنى دون الفعل بطريقة علمية لأنه لا قصاص فى الفعل، فإن زال فقد أخذ المجنى عليه حقه، وإلا أخذ أرش الفعل والمعنى. وهذا رأى مالك والشافعى وأحمد. أما أبو حنيفة وأصحابه فلا يرون القصاص اتفاقًا ما دام الفعل لا يقتص منه. ٣٢٦- السراية لعضو: يختلف الحكم فى السراية لعضو بحسب ما إذا كانت الجناية مما يقتص فيه أو مما لا يقتص فيه، فإن كانت الجناية مما لا يقتص فيه فلا قصاص فى الجناية ولا فى سرايتها وفيهما الدية أو الأرش باتفاق. وإن كانت الجناية مما يقتص فيه فقد اختلف الفقهاء فى ذلك، فيرى مالك والشافعى أن القصاص فى الجناية فقط لا فيما سرت إليه، فإن أدى القصاص إلى مثل ما أدت إليه الجناية فقد استوفى المجنى عليه حقه، وإن لم يحصل فى الجانى مثل ما حصل فى المجنى عله فدية ما سرت إليه الجناية فى مال الجانى، فمثلاً إذا قطع إصبع رجل فتآكل منه الكف وجب القصاص فى الإصبع فقط لأنه أتلفه بجناية عمد ولا يجب فى الكف لأنه يباشره بالإتلاف (١) . ويرى أحمد القصاص فيما سرت إليه الجناية كلما كانت السراية إلى ما يمكن مباشرته بالإتلاف على وجه المماثلة مثل أن يقطع إصبعًا فتتآكل أخرى وتسقط أو تتآكل الكف وتسقط فالإصبع الأخرى التى سرت إليها الجناية والكف التى سرت إليها الجناية كلاهما يمكن مباشرته بالإتلاف فيقتص فيهما لذلك. وحجة أحمد فى ذلك أن ما وجب فيه القود بالجناية يجب بالسراية كما هو الحال فى النفس حيث يقتص من النفس فى حالة السراية إليها إذا كان الفعل الأصلى الجرح أو القطع مما يجب فيه القصاص، فإذا سرت الجناية إلى ما لا يمكن مباشرته بالإتلاف على وجه المماثلة فالقصاص فى الجناية دون السراية، كمن قطع إصبعًا فشُلَّت الكف أو شل بجواره إصبع آخر فالشلل لا يمكن مباشرته بالإتلاف على وجه المماثلة

стр. 1030

فامتنع فيه القصاص ووجبت الدية فيما حدث فيه الشلل (١) . أما أبو حنيفة فالقاعدة عنده أن الجناية إذا حصلت فى عضو فسرت إلى عضو آخر والعضو الآخر لا قصاص فيه فلا قصاص فى العضو الأول أيضًا، فإذا قطع إصبعًا من يد رجل فشلت الكف فلا قصاص فيهما وعليه دية اليد؛ لأن الموجود من القاطع قطع مثل للكف ولا يمكن الإتيان بمثله على وجه المماثلة فيمتنع القصاص (٢) . وفضلاً عن هذا فإن الجناية واحدة فلا يجوز أن يجب بها ضمانان مختلفان، هما القصاص والمال، خصوصًا عند اتحاد المحل لأن الكف مع الإصبع بمنزلة عضو واحد. وكذلك الحكم لو قطع مفصلاً من إصبع فشل ما بقى أو شلت الكف، فإن قال المقطوع أنا أقطع المفصل وأترك الباقى فليس له ذلك لأن الجناية وقعت غير موجبة القصاص من الأصل؛ لأن القطع جاء قطعًا مشلاً للكف والاستيفاء على وجه المماثلة غير ممكن فيمتنع القصاص. ومثل ذلك ما لو شجه فقتله فليس له أن يقتص منها موضحة ويترك الباقى [هذا جائز عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد] . ويتفق أبو حنيفة فيما سبق مع أصحابه إلا أنهم اختلفوا فى الحالات التى يمكن القول فيها بأن المحل متعدد لا متحد. فمثلاً إذا قطع إصبعًا فشلت إلى جنبها أخرى، فأبو حنيفة لا يرى القصاص تطبيقًا للقاعدة التى سلفت، ولأنه يرى أن المحل متحد. أما أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن فيرون القصاص فى الأولى والأرش فى الثانية؛ لأن المحل متعدد والفعل يتعدد بتعدد المحل حكمًا وإن كان متحدًا حقيقة لتعدد أثره وهنا تعدد الأثر فيجعل فعلين ويفرد كل واحد منهما بحكمه، ففى الأول القصاص وفى الثانية الدية.

стр. 1031

وإذا قطع إصبعًا فسقطت إلى جنبها أخرى فلا قصاص عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف ومحمد القصاص فى الأولى أى فيما قطع والدية فيما سقط. بل إن محمدًا يرى - من رواية ابن سماعة - القصاص من الاثنين، لأن القاعدة عند محمد طبقًا لهذه الرواية أن الجراحة التى فيها القصاص إذا تولد عنها ما يمكن فيه القصاص وجب القصاص فيها جميعًا، وهنا يمكن القصاص من محل السراية المتولد من الجناية. وإذا قطع إصبعًا عمدًا فسقطت معه الكف من المفصل فلا قصاص عند أبى حنيفة؛ لأن اسيفاء المثل وهو القطع المسقط للكف متعذر ولأن الكف مع الإصبع عضو واحد فكانت الجناية واحدة حقيقة وحكمًا وقد تعلق بها ضمان المال فلا يتعلق بها القصاص لأنه لا يجتمع ضمانان مختلفان بجناية واحدة. ويرى محمد القصاص للأسباب التى سبق بيانها. ويرى أبو يوسف القصاص فتقطع يده من المفصل، والفرق بين هذه الحالة والحالة السابقة عند أبى يوسف أن الإصبع جزء من الكف والسراية تتحقق من الجزء إلى محله كما تتحقق من اليد للنفس والإصبعان عضوان مفردان ليس أحدهما جزء الآخر فلا تتحقق السراية من أحدهما للآخر، فوجب القصاص من الأولى دون الثانية (١) . * * * سقوط القصاص ٣٢٧- يسقط القصاص فيما دون النفس لثلاثة أسباب هى: فوات محل القصاص - العفو - الصلح. ٣٢٨- فوات محل القصاص: محل القصاص فيما دون النفس هو العضو المماثل لمحل الجناية، فإذا فات محل القصاص لأى سبب كمرض أو آفة أو باعتداء أو نتيجة استيفاء حق أو عقوبة سقط القصاص؛ لأن محله انعدام ولا يتصور وجود الشئ مع انعدام محله. وإذا سقط القصاص لم يجب للمجنى عليه شئ عند مالك أيًا كان سبب السقوط؛ لأن حق المجنى عليه فى القصاص عينًا فإذا سقط القصاص فقد

стр. 1032

سقط حق المجنى عليه. وهذا تطبيق دقيق لنظرية مالك من أن موجب العمد هو القصاص عينًا وللمجنى عليه عند مالك إذا ذهبت الجارحة ظلمًا أن يقتص من قاطعها ظلمًا لأن حقه فى القصاص ينتقل من المقطوع ظلمًا إلى قاطعه (١) . وأما أبو حنيفة - وهو من القائلين بأن موجب العمد هو القصاص عينًا - فيفرق بين ما إذا فات محل القصاص بآفة أو مرض أو ظلمًا، وبين فواته بحق تنفيذ عقوبة أو استيفاء قصاص، وفى الحالة الأولى لا يجب للمجنى عليه شئ، أما فى الحالة الثانية فيجب له الدية بدلاً من القصاص لأن الجانى قضى بالطرف أو الجارحة التى فاتت حقًا مستحقًا عليه فصار كأنه قائم وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ أو غيره (٢) . وعند الشافعى وأحمد للمجنى عليه إذا ذهب محل القصاص أن يأخذ الدية أيًا كان سبب ذهاب محل القصاص؛ لأن موجب العمد أحد شيئين غير عين القصاص فإذا ذهب محل القصاص تعينت الدية موجبًا. ٣٢٩- العفو: العفو عن القصاص عند الشافعى وأحمد هو التنازل عن القصاص مجانًا أو على الدية، وهو فى الحالين إسقاط من جانب المجنى عليه لا يحتاج إلى رضاء الجانى، ويعتبر المتنازل عن القصاص مجانًا عافيًا والمتنازل عن القصاص على الدية عافيًا أيضًا؛ لأن لكليهما يسقط حقًا دون مقابل ممن أسقط له الحق، وهذا تطبيق لنظرية الشافعى وأحمد فى أن موجب العمد هو أحد شيئين: القصاص أو الدية، فمن تنازل عن القصاص مجانًا فقد تنازل عن حق له، ومن تنازل عن القصاص دون الدية فقد تنازل عن حق وتمسك بحق. والعفو عند مالك وأبى حنيفة هو إسقاط القصاص مجانًا، أما التنازل على الدية فليس عفوًا عندهما، وإنما هو صلح لأنه يتوقف بحسب نظريتهما على رضاء الجانى بدفع الدية؛ لأنهما يريان أن الواجب هو القصاص عينًا.

стр. 1033

٣٣٠- من يملك العفو؟: يملك حق العفو المجنى عليه البالغ العاقل، فإذا لم يكن بالغًا أو عاقلاً ملكه وليه عند الشافعى وأحمد، أما عند مالك وأبى حنيفة فلا يملكه الولى ولا الوصى، وإنما يملكان حق الصلح فقط، وسلطة الولى عند الشافعى مقيدة بأن يعفو على الدية بشروط تكلمنا عنها سابقًا. أما المجنى عليه البالغ العاقل فله أن يعفو مجانًا أو يعفو على الدية. ٣٣١- وإذا عفا المجنى عليه عن القصاص، أو عفا وليه على الدية عند الشافعى وأحمد فقد سقط القصاص بالعفو إذا برأ المجنى عليه من جراحة دون أن تسرى إلى عضو آخر، فإن سرت إلى عضو آخر كأن قطع إصبعه فعفا عنه ثم سرى الجرح إلى اليد فأتلفها، فيرى أبو حنيفة أن العفو صحيح سواء عن الجرح أو الجرح وما يحدث منه؛ لأن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها، أما الشافعى وأحمد فيفرقان بين ما إذا كان العفو شاملاً للجناية وما يحدث منها وفى هذه الحالة يصح العفو، وبين ما إذا كان العفو قاصرًا على الجرح فقط، ففى هذه الحالة يكون الجانى مسئولاً عن السراية، ولكن لا يقتص منه لأن القصاص فى الإصبع سقط بالعفو، ولا يجب فى الكف لأنها تلفت بالسراية مما يمتنع القصاص فيه، فإن كان العفو على الدية وجبت الدية فى اليد كلها، وإن كان العفو مجانًا وجبت الدية أو الأرش فيما سرت الجناية إليه فقط. والظاهر أن هذا هو الحكم عند مالك (١) . * * * الصلح ٣٣٢- يجوز للمجنى عليه ولوليه ووصيه - إن كان غير بالغ أو غير عاقل - الصلح على القصاص بمقابل قد يساوى الدية وقد يزيد عليها، وليس للولى أو الوصى أن يصالح على أقل من الدية فإن صالح على أقل منها صح الصلح وسقط

стр. 1034

القصاص، ولكن للمجنى عليه أن يرجع على الجانى بما نقص عن الدية، ويشترط مالك للرجوع أن يكون الجانى معسرًا وقت الصلح. وقد تكلمنا عن الصلح والفرق بينه وبين العفو ومن يملكه وشروطه وفصلنا الكلام فى هذا كله بمناسبة الكلام على الصلح على القصاص فى القتل العمد، وما قلناه هناك ينطبق هنا فليراجع. * * * العقوبات الأصلية الثانية التعزير ٣٣٣ - يرى مالك أن يعزر الجانى على ما دون النفس عمدًا سواء اقتص منه أم لم يقتص لدرء القصاص أو للعفو أو الصلح، على أن يراعى فى التعزير أن يختلف بحسب الأحوال، فمن اقتص منه عُزِّز بعقوبة مناسبة يراعى فى تقديرها أنه عوقب بعقوبة القصاص، ومن لم يقتص منه يعزر تعزيرًا شديدًا يردعه عن ارتكاب جريمته فى المستقبل. ويقرر مالك أنه يجب التعزير مع القصاص للردع والزجر ولتناهى الناس عن ارتكاب الجريمة، وأن الجانى إذا كان اقتص منه بمثل ما فعل فى المجنى عليه إلا أن هذا لا يمنع من تعزيره لأنه ظالم والظالم أحق أن يحمل عليه. ويرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن لا تعزير مع القصاص؛ لأن الله قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] ، فجعل العقوبة القصاص دون غيره فمن فرض غيرها فقد زاد على النص. وهذا ما يراه بعض الفقهاء فى مذهب مالك (١) . ويلوح أن الرأى الأخير أقرب إلى المنطق لأنه إذا كانت عقوبة القصاص تعجز عن ردع الجانى فلا شك أن عقوبة التعزير أعجز عن ردعه وتهذيبه. ٣٣٤- وإذا كان الأئمة الثلاثة لا يوافقون على جعل التعزير عقوبة أصلية فليس عندهم ما يمنع من جعل التعزير عقوبة بدلية فى حالة سقوط القصاص أو

стр. 1035

امتناعه لسبب من الأسباب إذا رأى أولياء الأمر ذلك، فيقضى بالتعزير سواء حلت الدية محل القصاص أو عفى عن الدية. أما تقدير عقوبة التعزير وبيان نوعها فهذا متروك للسلطة التشريعية المختصة تختار نوع العقوبة وقدرها، أو تترك للقاضى يختار العقوبة من بين العقوبات التعزيرية المحددة، أو التى تحددها له. * * * العقوبات البدلية أولاً: الدية ٣٣٥- الدية: هى العقوبة البدلية الأولى لعقوبة القصاص، فإذا امتنع القصاص لسبب من أسباب الامتناع أو سقط لسبب من أسباب السقوط وجبت الدية ما لم يعف الجانى عنها أيضًا. ٣٣٦- والدية كعقوبة لما دون النفس تكون عقوبة بدلية إذا حلت محل القصاص وهو عقوبة الجناية على ما دون النفس عمدًا. وتكون الدية عقوبة أصلية إذا كانت الجناية شبه عمد لا عمدًا محضًا. وقد بينا من قبل أن الشافعى وأحمد يقولان بشبه العمد فيما دون النفس. ٣٣٧- والدية سواء أكانت عقوبة أصلية أو تبعية يقصد منها - إذا أطلقت - الدية الكاملة وهى مائة من الإبل، أما ما هو أقل من الدية الكاملة فيطلق عليه لفظ الأرْش، على أن الكثيرين يستعملون لفظ الدية فيما يجب أن يستعمل فيه لفظ الأرش. ٣٣٨- والأرش على نوعين: أرش مقدر وأرش غير مقدر، فالأول هو ما حدد الشارع مقداره كأرش اليد والرجل، والثانى هو ما لم يرد فيه نص وترك للقاضى تقديره، ويسمى هذا النوع من الأرش حكومة. ٣٣٩- وتجب الدية بتفويت مصلحة الجنس على الكمال: كإتلاف اليدين، ففى إتلافهما تفويت لمنفعة الجنس على الكمال، أما الأرش فيجب فى تفويت

стр. 1036

بعض منفعة الجنس دون بعضها الآخر كإتلاف يد واحدة أو إصبع واحدة، ففى اليد الأرش وفى الإصبع الأرش. ٣٤٠- ما تجب فيه الدية الكاملة: تجب الدية الكاملة بتفويت منفعة الجنس وتفويت الجمال على الكمال، وهى تفوت بإبانة كل الأعضاء التى من جنس واحد أو بإذهاب معانيها مع بقاء صورتها، والأعضاء التى تجب فيها الدية أربعة أنواع: نوع لا نظير له فى البدن، ونوع فى البدن منه اثنان، ونوع فى البدن منه أربعة، ونوع فى البدن منه عشرة. وقد اختلف الفقهاء فى تحديد الأعضاء التى تدخل تحت هذه الأنواع ولكنه اختلاف محدود، وسنذكر ما تفق عليه وما اختلف فيه، وسنبين فيما بعد وجوه الاختلاف. النوع الأول: ما لا نظير له فى البدن ويدخل تحته الأعضاء الآتية: الأنف، اللسان، الذكر، الصلب، مسلك البول، مسلك الغائط، الجلد، شعر الرأس، شعر اللحية. النوع الثانى: الأعضاء النى فى البدن منها اثنان وهى: اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان، الثديان، الأنثيان، الشفران، الإليتان، اللحيان. النوع الثالث: ما فى البدن منه أربعه وهو: أشفار العينين - أى منابت الأهداب - الأهداب نفسها وهى الأشعار. النوع الرابع: ما فى البدن منه عشرة وهو: أصابع اليدين - أصابع الرجلين. ٣٤١- والمعانى تجب فى ذهابها الدية الكاملة، ومثلها: العقل والبصر والشم والسمع والذوق والجماع والإيلاد والمشى والبطش والكلام، وسنتكلم عن

стр. 1037

المعانى بعد الكلام عن الأعضاء؛ فنستوفى الكلام عن إبانة الأعضاء ثم نتكلم عن إذهاب المعانى. ٣٤٢- الأنف: تجب الدية فى مارن الأنف وهو ما لان من الأنف، لما روى عن الرسول ﷺ أنه قال: "فى الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية" ولأنه عضو فيه جمال ظاهر ومنفعة كاملة، والأخشم كالأشم فى وجوب الدية لأن عدم الشم نقص فى خير الأنف فلا يؤثر فى دية الأنف. وقطع جزء من الأنف فيه من الدية بقدره فإن قطع نصف الأنف أو ثلثه فعليه نصف الدية أو ثلثها. وإن قطع المارن وقصبة الأنف فيرى الشافعى ورأيه وجه فى مذهب أحمد أن على الجانى الدية فى المارن وحكومة فى القبضة، ويرى مالك وأبو حنيفة ورأيهما وجه فى مذهب أحمد أن على الجانى الدية فقط لأن المارن والقصبة عضو واحد إلا إذا قطع المارن فبرئ ثم قطع بعد البرء القصبة ففيها حينئذ حكومة (١) . ٣٤٣- اللسان: تجب الدية فى اللسان لقوله ﵇ فى كتاب عمرو بن حزم: "وفى اللسان الدية"، ولأن فيه جمالاً ومنفعة. والدية تجب فى اللسان الناطق فإن جنى على لسانه فخرس وجبت عليه الدية كاملة ولو بقى اللسان لأنه أتلف المنفعة المقصودة، وإن قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه وجبت من الدية بقدر ما ذهب من الكلام فإن ذهب بنصف الكلام وجب نصفها وإن ذهب أقل من ذلك أو أكثر وجب بقدره، وإن ذهب نطق بعض الحروف وجب له ما يقابلها من الدية. وفى لسان الأخرس حكومة عند مالك وأبى حنيفة، أما الشافعى فيفرق بين ما إذا كانت الجناية أذهبت ذوق الأخرس أم لم تذهبه، فإن كانت أذهبته ففى اللسان الدية، وإن كانت لم تذهبه ففى اللسان حكومة، وفى مذهب أحمد

стр. 1038

من يرى أن الدية لا تجب فى لسان الأخرس إطلاقًا، ومنهم من يفرق بين ما إذا كانت الجناية أذهبت الذوق أم لا، فإن لم يكن الذوق أذهب فرأى يرى حكومة ورأى يرى ثلث الدية (١) . وفى لسان الطفل الذى لم ينطق بعدُ الدية عند مالك والشافعى وأحمد، ولكن أبا حنيفة يرى فيه حكومة. ٣٤٤- الذكر: تجب فى الذكر الدية لقول رسول الله ﷺ فى كتاب عمرو بن حزم: "فى الذكر الدية" ولأنه عضو لا نظير له فى البدن فى الجمال والمنفعة فكملت فيه الدية كالأنف واللسان. وفى شلل الذكر دية لأن الشلل يذهب بنفعه، وتجب الدية فى ذكر الصغير والكبير والشيخ والشاب، وفى قطع الحشفة وحدها الدية، لأن منفعة الذكر تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة الكف بالأصابع، وفى قطع بعض الحشفة بعض الدية بنسبة ما قطع إلى الحشفة على رأى، ونسبة ما قطع إلى كل الذكر على رأى آخر، وفى ذكر الخصى والعنين الدية عند الشافعى، وهو وجه فى مذهب مالك، ومذهب أحمد: العضو سليم فى نفسه والمانع من الجماع راجع لغيره، ويرى أبو حنيفة أن فى ذكر الخصى والعنين حكومة لأن العبرة عنده بالقدرة على الإيلاج، وهذا وجه فى مذهب مالك، أما الوجه الثانى فى مذهب أحمد لا يرى فى ذكر العنين والخصى حكومة وإنما يرى فى كل منهما ثلث الدية (٢) , وفى عسيب الذكر - أى الذكر دون الحشفة - الحكومة بإجماع. ٣٤٥- الصلب: وتجب فى الصلب الدية، لما روى الزهرى عن سعيد بن المسيب أنه قال: "قضت السنة أن فى الصلب الدية، وفى اللسان الدية، وفى الذكر الدية، وفى الأنثيين الدية"، ولأنه أبطل عليه منفعة مقصودة. وإذا

стр. 1039

كسر الصلب فلم ينجز الكسر ففيه الدية على رأى فى مذهب أحمد، وعلى الرأى الآخر الذى يتفق مع آراء باقى الفقهاء فيه حكومة ما دام لا يعطل منفعة المشى أو الجماع فإن ذهبت بالكسر منفعة المشى والجماع ففيه الدية. وإن أحدَوْدَب الظهر ولم تذهب منفعة ما ففيه حكومة، وإن ذهب المشى والجماع معًا ففريق يرى فيهما دية واحدة وفريق يرى فيهما ديتين (١) . ٣٤٦- مسلك البول ومسلك الغائط: إذا أتلف مسلك البول فلم يعد يستمسك البول أو أتلف مسلك الغائط فلم يعد يستمسك الغائط؛ ففى كل واحد منهما الدية لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة وليست فى البدن مثله، فوجب فى تفويت منفعته دية كاملة كسائر الأعضاء التى لا نظير لها فى البدن، فإن نفع المثانة حبس البول وحبس البطن الغائط منفعة مثلها؛ والنفع بهما كثير والضرر بغيرهما عظيم، فكان فى كل واحد منهما الدية كالسمع والبصر، وإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب على الجانى ديتان كما لو ذهب سمعه وبصره بجناية واحدة، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، ولكن فى مذهب مالك رأيًا بأن فى كل من المسلكين حكومة (٢) . ٣٤٧- الجلد: يرى الشافعى أن الدية تجب فى الجلد إن سلخ جميعه، ويندر أن يعيش إنسان يسلخ كل جلده، ويرى مالك أن الدية تجب فى الجلد إذا فعل الجانى فعلاً جزمه أو برصه أو سوده، ولا يشترط أن يعم التجزيم أو التبريص أو التسويد كل الجلد، كذلك يوجب مالك الدية فى جلد الرأس.

стр. 1040

أما أبو حنيفة وأحمد فلا يوجبان الدية فى الجلد إطلاقًا ويريان الحكومة فى هذه الحالات (١) . ٣٤٨- شعر الرأس وشعر اللحية والحاجبين: يرى أبو حنيفة أن الدية تجب فى إزالة شعر الرأس للرجل والمرأة وفى إزالة اللحية سواء كان ذلك بطريق الضرب فسقط الشعر، أو بطريق الحلق أو النتف، ويشترط ألا ينبت الشعر، وحجته أن الشعر للرجال والنساء جمال وفى إزالته وعدم إنباته تفويت للمنفعة على الكمال، وفى اللحية وحدها الدية، وفى شعر الرأس الدية، وما عدا ذلك من الشعور كشعر الشارب والحاجبين ففيه حكومة. ويرى أحمد ما يراه أبو حنيفة، ولكنه يزيد عليه أنه يجعل الدية أيضًا فى شعر الحاجبين، ويشترط كأبى حنيفة عدم الإنبات (٢) . أما مالك والشافعى فلا يجب عندهما فى إتلاف الشعور إلا الحكومة؛ لأنه إتلاف جمال دون منفعة، والدية لا تجب إلا فى ما كان له منفعة (٣) . ٣٤٩- اليدان: تجب الدية فى اليدين لما روى معاذ عن رسول الله ﷺ قال: "فى اليدين الدية" ويجب فى إحدى اليدين نصف الدية لما روى أن رسول الله ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين أمره على نجران: "فى اليد خمسون من الإبل" واختلفوا فى معنى اليد، فرأى البعض أن لفظ اليد يطلق على كل الذراع إلى المنكب، ورأى البعض أنه يطلق على الكف فقط، وترتب على هذا الخلاف أنهم اختلفوا فى قطع اليد من بعد مفصل الكف كالقطع من نصف الذراع أو من المرفق أو من العضد أو من المنكب، فمن رأى أن اليد هى الكف قال فى اليد نصف الدية وفيما زاد عن الكف حكومة، وقال بهذا أغلب الفقهاء فى مذهب

стр. 1041

الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد، وقال به أبو حنيفة ومحمد. ومن رأى أن اليد اسم للجميع حتى المنكب قال بأن فى الكف وما زاد علها نصف الدية؛ لأن ما زاد على الكف كله معتبر يدًا، وقد أخذ بهذا الرأى مالك ومعظم الفقهاء فى مذهب أحمد وبعض فقهاء مذهب الشافعى وأبو يوسف من فقهاء مذهب أبى حنيفة. ومن المتفق عليه عند الجميع أن الحكومة فى قطع الساعد الذى لا كف فيه، والخلاف منحصر فى حالة قطعهما معًا. ويجب فى كل إصبع عشر الدية، لما روى أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بأن فى كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، ولا يفضل إصبع على إصبع لما روى عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "الأصابع كلها سواء عشر عشر من الإبل" ولأنه جنس ذو عدد تجب الدية فيه فتقسم على أعداده، وفى كل أنملة من غير الإبهام ثلث دية الإصبع، وفى كل أنملة من الإبهام نصف دية الإصبع لأنه لما قسمت دية اليد على عدد الأصابع قسمت دية الإصبع على عدد أنامله. وإن جنى على يد فشلت أو على إصبع فشلت أو على أنملة فشلت وجب بشللها ما يجب فى قطعها؛ لأن المقصود بها هو المنفعة فوجب فى إتلاف منفعتها ما وجب فى إتلافها. وإن قطع يدًا شلاَّء أو إصبعًا شلاء أو أنملة شلاء وجبت فيها الحكومة؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة (١) ، وفى مذهب أحمد رأى بأن فيها ثلث الدية. ٣٥٠- الرجلان: يجب فى الرجلين الدية لما رواه معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "فى الرجلين الدية" وفى أحد الرجلين نصف الدية لما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: "فى الرجل نصف الدية" وفى الرجل نفس الخلاف الذى فى اليد، فالبعض يرى أن لفظ الرجل يشمل القدم حتى نهاية الفخذ،

стр. 1042

والبعض يرى أنه يطلق على القدم فقط، وترتب على هذا الخلاف نفس ما ذكرناه فى اليدين. ويجب فى كل إصبع من أصابع الرجلين عشر الدية، ويجب فى كل أنملة غير الإبهام ثلث دية الإصبع، وفى كل دية من الإبهام نصف دية الإصبع، لما ذكر فى اليد. وتجب الدية فى قدم الأعرج ويد الأعْسَم إن كانتا سليمتين لأن العرج إنما يكون من قصر إحدى الساقين وذلك ليس بنقص فى القدم، والعَسَم لقصر العضد أو الذراع أو اعوجاج الرسغ وذلك ليس ينقص فى الكف، فلا يمنع هذا كمال الدية فى القدم والكف (١) . ٣٥١- العينان: تجب الدية فى العينين؛ لقوله ﵇ من كتاب كتبه لعمرو بن حزم: "فى العين خمسون من الإبل" فأوجب فى كل عين خمسين فدل عل أنه يجب فى العينين مائة. وعين الأعور فيها نصف الدية عند أبى حنيفة والشافعى، وفيها الدية كاملة عند مالك وأحمد. وتجب الدية بقلع العينين وبفقئهما، كما تجب بذهاب الإبصار مع بقاء العينين قائمتين. ٣٥٢- الأذنان: تجب الدية فى الأذنين وفى أحدهما نصف الدية؛ لما روى أن النبى ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "فى الأذن خمسون من الإبل" فأوجب فى الأذن خمسين فدل على أنه يجب فى الأذنين الدية كاملة وهى مائة من الإبل، ولأن فى الأذنين جمالاً ظاهرًا ومنفعة مقصودة وهى أنها تجمع الصوت. وإن قطع بعضها من نصف أو ربع أو ثلث وجب فيه الدية بقسطه؛ لأن ما وجبت الدية فى كله وجبت فى بعضه بقسطه كالأصابع. وفى قطع الأذنين الدية ولو بقى السمع سليمًا، وهذا ما يراه أبو حنيفة والشافعى وأحمد وبعض فقهاء مذهب مالك، وحجتهم أن الأذنين فيهما منفعة

стр. 1043

مقصودة هى أنها تجمع الصوت، ولكن بعض فقهاء مذهب مالك يرى فى قطع الأذنين مع بقاء السمع سليمًا حكومة؛ لأن الأذنين فى رأيهم ليس فيها منفعة وإنما فيها جمال فقط وليس فى الجمال إلا الحكومة (١) . ٣٥٣- الشفتان: تجب الدية فى الشفتين؛ لما روى أن رسول الله ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "فى الشفتين الدية"، ولأن فيهما جمالاً ظاهرًا ومنافع كثيرة، ويجب فى إحداهما نصف الدية لأن كل شفتين وجب فيهما الدية وجب فى إحداهما نصف الدية كالعينين والأذنين، وإن قطع بعض الشفة وجب فيه من الدية بقدره. فإن جنى عليهما فشلتا وجبت فيهما الدية لأنه أبطل منفعتهما، وإن تقلصتا شيئًا مع بقاء منفعتهما ففيهما حكومة (٢) . ٣٥٤- الحاجبان: يرى أبو حنيفة وأحمد أن فى الحاجبين الدية وفى أحدهما نصف الدية إذا أزيل الشعر بحيث لا ينبت. ويرى مالك والشافعى أن فى إزالة شعر الحاجبين الحكومة فقط لأنه إتلاف جمال من غير منفعة فلا تجب فيه الدية. أما أبو حنيفة وأحمد فيريان أنه جمال مقصود لذاته والمنفعة ثابتة له ففيه الدية (٣) . ٣٥٥- الثديان والحلمتان: تجب الدية فى ثديى المرأة لأن فيهما جمالاً ومنفعة وتجب فى إحداهما نصف الدية، وتجب الدية أيضًا كاملة فى الحلمتين إذا قطعتا دون الثديين وفى إحداهما نصف الدية؛ لأن فى الحلمتين منفعة الثديين. ويشترط مالك لوجوب الدية فى الحلمتين أن ينقطع اللبن أو يفسد، فإن لم يتوفر هذا الشرط ففى الحلمتين حكومة، أما باقى الأئمة فلا يشترطون هذا الشرط ويرون الدية فى الحلمتين مطلقًا.

стр. 1044

أما ثديا الرجل فليس فيهما إلا الحكومة عند مالك والشافعى لأن فى ذهابهما ذهاب جمال من غير منفعة. وفى مذهب الشافعى من يرى فى ثديى الرجل وحلمتيه الدية، ولكن هذا الرأى ليس المذهب، ولكنه يتفق مع مذهب أحمد فهو يرى أن فى ثديى الرجل وحلمتيه الدية، وحجته أن ما وجب فيه الدية من المرأة وجب فيه من الرجل، ولأنهما عضوان يحصل بهما الجمال وليس فى البدن غيرهما. ويرى أبو حنيفة أن فى ثديى الرجل وحلمتيه حكومة، وقد بنى رأيه على أن ثديى الرجل وحلمتيه ليس فيهما جمال ولا منفعة (١) . ٣٥٦- الأنثيان: تجب الدية فى الأنثيين لما روى أن فى كتاب الرسول لعمرو بن حزم: " وفى البيضتين الدية " ولأن فيهما جمالاً ومنفعة فإن النسل يكون بهما وهما وكاء المشى، وفى كل واحدة منهما نصف الدية لأن وجوب الدية فى شيئين يوجب نصفها فى أحدهما. وإن أشل الأنثيين فعليه الدية كاملة حيث أذهب منفعتهما، فإن قطعهما لم تجب فيهما إلا دية واحدة، ويرى أبو حنيفة ومن يقول من فقهاء مذهبى مالك وأحمد بأن ذكر الخصى والعنين فيه حكومة، ويرى هؤلاء جميعًا أنه إذا قطع الأنثيان مع الذكر مرة واحدة ففيهما ديتان، دية للأنثيين ودية للذكر، وكذلك الحكم لو قطع الذكر قبل الأنثيين، أما إذا قطع الأنثييان قبل الذكر ففى الأنثيين الدية وفى الذكر حكومة لأنه يصبح بعد قطع الأنثيين ذكر خصى وذكر الخصى فيه حكومة، أما القائلون بأن ذكر الخصى والعنين فيه الدية وهم الشافعية وبعض فقهاء مذهبى مالك وأحمد فيوجبون فى قطع الذكر والأنثيين ديتان سواء قطعت الأنثيين قبل الذكر أم بعده (٢) .

стр. 1045

٣٥٧- الشفران: الشُّفْران أو الإسْكَتان هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم، وفى الشفرين دية كاملة إذا قطعا حتى ظهر العظم، وفى أحدهما نصفها؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعة فى المباشرة وليس فى البدن غيرهما من نوعهما (١) ، فإن جنى عليهما حتى أشلهما ففيهما الدية لأنه أزال المنفعة كما لو أنه قطعهما. ٣٥٨- الإليتان: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن الدية تجب فى الإليتين، وأن نصف الدية يجب فى الإلية الواحدة؛ لأنهما عضوان من جنس واحد ليس فى البدن نظيرهما، ولأن فيهما جمالاً ظاهرًا ومنفعة كاملة. والإليتان هما ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين، وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذى تحتهما، وفى ذهاب بعضهما بقدره؛ لأن ما وجبت الدية فيه كله وجب فى بعضه بقدره، فإن جهل مقدار البعض وجبت فيه حكومة لأنه نقص تعذر تقديره. ويرى بعض فقهاء مذهب مالك أن فى الإليتين حكومة فقط سواء أخذتا إلى العظم الذى تحتهما أو ذهب بعضهما (٢) ، ويرى البعض الآخر أن فيهما الدية. ٣٥٩- اللحيان: يرى الشافعى وأحمد أن فى اللحين الدية، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلي؛ لأن فيهما نفعًا وجمالاً وليس فى البدن مثلهما فكانت فيهما الدية كسائر ما فى البدن منه شيئان فى أحدهما نصف الدية، وإن قلنا بما عليهما من الأسنان وجبت ديتهما ودية الأسنان ولم تدخل دية الأسنان فى ديتهما (٣) . ٣٦٠- أشفار العينين: تجب الدية فى أشفار العينين أى جفونهما عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد لأن فيهما جمالاً ظاهرًا ونفعًا كاملاً وهى أربعة ليس

стр. 1046

مثلها فى البدن فتجب ربع الدية فى كل واحد منها، ويرى مالك أن فى الأشفار الاجتهاد أى الحكومة لأنه لم يرد نص (١) بأن فيها شيئًا مقدرًا والتقدير لابد من نص ولا يثبت بالقياس كما يرى بقية الأئمة. ٣٦١- أهداب العينين: يرى أبو حنيفة وأحمد أن فى أهداب العينين الأربعة الدية كاملة لأن فيها جمالاً ظاهرًا ونفعًا كاملاً، وفى ربع كل واحد منها الدية، لكن إذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففيها كلها دية واحدة؛ لأن الأهداب تابعة للأجفان كحلمة الثدى مع الثدى والأصابع مع الكف. ويرى مالك والشافعى أن فى الأهداب حكومة لأنها جمال لا منفعة فيه، وإذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففى مذهب الشافعى رأيان: رأى يرى أن لا شئ فى الأهداب لأنها شعر نابت فى العضو المتلف وهو الجفنين، ورأى يرى أن فى الجفنين الدية وفى الهدب الحكومة لأن فيه جمالاً (٢) . ٣٦٢- أصابع اليدين وأصابع الرجلين: تكلمنا عن أصابع اليدين والرجلين مع اليدين والرجلين فلا داعى لتكرار الكلام عنهما وفيما ذكر هناك الكفاية. ٣٦٣- الأسنان: يجب فى كل سن خمس من الإبل؛ لما روى أن رسول الله ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "فى السن خمس من الإبل"، ولما رواه عمرو بن شعيب عن الرسول ﷺ : "فى الأسنان خمس خمس" ويستوى السن بالناب والناب بالضرس فأرشها سواء؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: "فى الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء". ويجب الضمان فى سن من ثغر وهو الذى أبدل أسنانه وبلغ حدًا إذا قلعت

стр. 1047

سنه لم يعد بدلها، فأما سن الصبى الذى لم يثغر فلا يجب بقلعها فى الحال شئ لأن العادة عود سنه، فإن مضت مدة ييأس من عودها وجب أرشها وإذا عادت لم يجب فيها أرش، ولكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة، وإن عادت خارجة عن صف الأسنان بحيث لا ينتفع بها ففيها الدية، وإن كان ينتفع بها ففيها حكومة. وإن قلع سن من أثغر وجبت ديتها فى الحال فإن عادت لم تجب الدية وعليه ردها وإن كان قد أخذها، وهذا رأى أبى حنيفة وأحمد، ويرى مالك أنه لا يرد شيئًا لأن العادة أنها لا تعود فإن عادت فهى هبة مجردة وفى مذهب الشافعى يأخذ البعض برأى مالك والبعض بالرأى المضاد. وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنًا وما فى اللثة يسمى سنْخًا، فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السِّنْخ ففى السن أرشها وفى السنخ ححومة كما لو قطع إنسان أصابع رجل ثم قطع آخر كفه، وإن قلعت السن بسنخها لم يجب فيها أكثر من الأرش، وإن كسر بعض السن ففيه من أرشه بقدر ما كسر. وإن قلع سنًا مضطربة لكسر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وضغط العام وجب أرشها، وكذلك إذا ذهب بعض منافعها وبقى بعضها فى رأى أحمد، أما مذهب الشافعى ففيه رأيان: رأى يرى الأرش، ورأى يرى أن مقدار النقص يجهل قدره فيكون فيها الحكومة، أما إذا ذهبت منافعها كلها ففيها حكومة أو ثلث ديتها على رأى فى مذهب أحمد. وإن قلع سنًا فيها داء أو أَكلَة فإن لم يذهب شئ من أجزائها ففيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة، وإن سقط من أجزائها شئ سقط من أرشها بقدر الذاهب ووجب الباقى. وإن جنى عليه فتغير لون السن إلى السواد أو الخضرة أو الحمرة أو الصفرة ففى مذهب مالك فيها الأرش إن كان التغير إلى الخضرة والحمرة والصفرة يساوى

стр. 1048

التغير إلى السواد وإلا فحكومة، ومذهب أبى حنيفة فيها الأرش إذا كانت الصفرة بمنزلة السواد، وعند الشافعى يجب فيها حكومة فى جميع الحالات فى رأى، وفى رأى تجب الدية فى السواد إذا زالت المنفعة وإلا فحكومة، وهذا أحد الرأيين فى مذهب أحمد، والرأى الثانى: فى التسويد الدية (١) . وإذا جنى على أسنانه كلها دفعة واحدة ففيها مائة وستون من الإبل بحساب كل سن خمس من الإبل، وهذا رأى مالك وأبى حنيفة وأحمد، ولو أن هذا المقدار يزيد عن دية كاملة؛ لأن النص جعل أرش كل سن خمسًا من الإبل. وفى مذهب الشافعى رأيان: أحدهما: يأخذ بما يراه الأئمة الثلاثة وهو الرأى الراجح، وحجته أن ما ضمن على انفراد لا ينقص ضمانه بانضمام غيره إليه، وثانيهما: أنه لا يجب فى الأسنان كلها إذا قلعت دفعة واحدة إلا دية واحدة لأنه جنس ذو عدد فلا يضمن بأكثر من دية كأصابع اليدين. إذهاب المعاني ٣٦٤- القاعدة أن العضو إذا ذهب بمنفعته لم تجب فيه إلا دية واحدة: كالعينين إذا قلعتا فذهب ضوءهما لم تجب فيهما إلا دية واحدة هى دية العينين لأن الضوء فيهما وهما محله. ومثل ذلك سائر الأعضاء إذا ذهبت بنفعها لم يجب فيها إلا دية واحدة وهى دية العضو لا المنفعة؛ لأن نفعها فيها فدخلت ديته وديتها، ولأن منافعها تابعة لها تذهب بذهابها فوجبت دية العضو دون المنفعة. أما إذا بقى العضو وذهبت منفعته فتجب الدية فى المنفعة الذاهبة، فمن ضرب إنسانًا على رأسه فأذهب بصره أو سمعه وجبت عليه دية البصر أو السمع. والمنافع كثيرة منها ما هو حاسة كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس، ومنها ما هو معنى كالمشى والبطش والعقل والنطق. وقد اختلف الفقهاء فى تحديد المعانى التى تجب فيها الدية كما سنبين لنا فيما بعد.

стр. 1049

٣٦٥- (١) السمع: فى السمع الدية لما روى أن النبى ﷺ قال: "فى السمع الدية" ولما روى عن أبى قلابة أن رجلاً رمى آخر بحجر فى رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه، فقضى عمر رضى الله عنه بأربع ديات والرجل حى. وإن أذهب السمع فى إحدى الأذنين وجبت نصف الدية، وإن قطع الأذنين فذهب السمع وجب عليه ديتان لأن السمع فى غير الأذن فلا تدخل دية أحدهما فى الآخر، إلا أن بعض فقهاء مذهب مالك يرون فى السمع دية وفى الأذنين حكومة لأنهم يرون من الأصل أن الأذنين ليس فيهما إلا الحكومة (١) . ٣٦٦- (٢) البصر: وفى البصر الدية لأنه منفعة العينين، وكل عضوين وجبت الدية بذهابهما وجبت بإذهاب نفعهما، وفى ذهاب إبصار العين الواحدة نصف الدية، وليس فى إذهاب العينين بنفعهما أكثر من دية واحدة كاليدين لأن العينين هما محل البصر (٢) . ٣٦٧- (٣) الشم: وفى الشم الدية لقوله ﵇ فى كتاب عمرو بن حزم: "فى المشام الدية" وإن قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم فى غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما فى الآخر كالسمع مع الأذن والبصر مع أجفان العين والنطق مع الشفتين (٣) ، وإن جنى عليه فذهب الشم من أحد المنخرين وجب فيه نصف الدية كما تجب فى إذهاب البصر من أحد العينين والسمع من أحد الأذنيين. ٣٦٨- (٤) الذوق: يرى مالك وأبو حنيفة أن فى الذوق الدية، وفى مذهب أحمد رأيان أحدهما: يرى فى الذوق الدية، والثانى لا يرى فيه الدية، وتجب الدية إذا ذهبت

стр. 1050

حاسة الذوق تمامًا فإن ذهب بعضها دون بعض وجب من الدية بقدر ما ذهب فقط (١) . ٣٦٩- (٥) الكلام: تجب الدية فى الكلام، فإذا جنى عليه فخرس وجبت الدية كاملة وإن فقد بعض الكلام دون بعض وجب من الدية بقدر ما نقص (٢) ، وإذا قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه ففيها جميعًا دية واحدة؛ لأن دية الكلام والذوق تدخل فى دية اللسان، أما إذا جنى عليه فأذهب كلامه وذوقه مع بقاء اللسان ففيهما ديتان، مع مراعاة ما ذكرنا من الخلاف عند الكلام على الذوق. ٣٧٠- (٦) العقل: تجب الدية فى ذهاب العقل لما روى أن النبى ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "فى العقل الدية" ولما كان العقل من أكبر المعانى قدرًا وأعظم أثرًا من جميع الحواس، وبه يتميز الإنسان من البهيمة ويعرف به حقائق المعلومات ويهتدى به إلى مصالحه ويتقى ما يضره ويدخل فى التكليف، فقد رأى بعض الفقهاء أن يعطى العقل حكم النفس كأبى حنيفة وأصحابه والشافعى فى رأيه القديم. وإن ذهب العقل بجناية لا توجب أرشًا كاللطمة أو التخويف ونحوها ففيه الدية لا غير، وإن أذهبه بجناية لها أرش مقدر كالموضحة أو قطع عضو وجبت الدية وأرش الجرح أو الطرف عند مالك والشافعى طبقًا لرأيه الجديد وهو المذهب وكذلك عند أحمد، أما أبو حنيفة فيرى كما يرى الشافعى قديمًا والرأى الأخير فى مذهب مالك أن يدخل أرش الجرح أو الطرف فى دية العقل، لأن الواجب فى العقل دية النفس، والعقل يقوم مقام النفس من حيث المعنى، لأن جميع منافع النفس تتعلق به فكان تفويته تفويت النفس معنى، ولا شك أنه إذا أدت الشجة أو قطع الطرف إلى الموت دخلت الشجة والطرف فى دية النفس، فهكذا تدخل فى دية العقل، على أن زفر والحسن بن زياد لا يريان التداخل. وإن جنى

стр. 1051

عليه فأذهب عقله وشمه وبصره وكلامه وجب أربع ديات مع أرش الجرح، مع مراعاة الخلاف السابق فى مذهب أبى حنيفة، ومع مراعاة أن أبا حنيفة ومحمد يقولان بالتداخل مع العقل فقط دون غيره من المعانى، أما أبو يوسف فيقول بالتداخل مع كل المعانى الباطنة كالعقل والشم والكلام والجماع والذوق، أما البصر فلا لأنه معنى ظاهر، ومن القضايا المشهورة فى عهد عمر أن رجلاً رمى آخر بحجر فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه، فقضى عليه عمر بأربع ديات وهو حى، لكن إذا مات المجنى عليه من الجناية لم تجب إلا دية واحدة، لأن ديات المنافع كلها تدخل فى دية النفس كديات الأعضاء (١) . ٣٧١- المشى والجماع: إذا ذهب المشى أو القدرة على الجماع ففى كل منهما الدية كاملة، والمعروف أن الصلب يؤثر على هذين المعنيين، فإذا كسر صلبه وأبطل جماعه فعليه ديتان لا دية واحدة كما هو رأى مالك حيث لا يرى اندراج دية الصلب فيه، وقياسًا على هذا إذا أبطل صلبه فأبطل جماعه ومشيه وجبت عليه ثلاث ديات، فإذا لم يبطل صلبه فعليه ديتان، وعلة عدم الاندراج أن الصلب ليس هو محل المنفعة فعضو المشى الأقدام وعضو الجماع الذكر. وفى مذهب الشافعى وأحمد رأيان: رأى يرى أن فى ذهاب المشى والجماع ديتان لأنهما منفعتان مختلفتان، ورأى يرى أن فيهما دية واحدة لأنهما منفعة عضو واحد كما لو قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، وقياس مذهب أبى حنيفة أن يكون فيهما دية واحدة (٢) . ٣٧٢- الصعر: وتجب الدية فى الصًّعَر، وهو أن يضربه مثلاً فيصير

стр. 1052

الوجه إلى جانب، وأصل الصعر داء يأخذ البعير فيلتوى منه عنقه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨] أى: لا تعرض عنهم بوجهك تكبرًا كإمالة وجه البعير الذى به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية تعوج عنقه حتى صار وجهه فى جانب، فيرى أبو حنيفة وأحمد أن فيه الدية، ويرى الشافعى فى الصعر الحكومة لأنه إذهاب جمال من غير منفعة، وهو قياس مذهب مالك (١) . ٣٧٣- معان أخرى: يرى أبو حنيفة الدية فى البطش والإيلاد، وظاهر مذهبه أن كل معنى يفوت تجب فيه الدية (٢) . أما عند مالك فيحدد بعض الشراح المعانى بعشر وهى: العقل - والسمع - والبصر - والشم - والنطق - والصوت - والذوق - وقوة الجماع والنسل - وتغيير لون الجلد ببرص أو تسويد أو تجذيم - والقيام والجلوس (٣) . ولكن بعض الشراح لا يرى مانعًا من القياس على هذه العشر ويضيف إليها اللمس، ويرى أحمد أن فى تسويد الوجه الدية (٤) ، وفى ذهاب القدرة على الأكل الدية (٥) ، بينما يرى الشافعى فى تسويد الوجه حكومة جريًا على قاعدته التى لا توجب الدية إلا فى زوال منفعة. ويرى الشافعى وجوب الدية فى إبطال الكلام وفى إبطال الصوت وفى إبطال قوة المضغ وفى إبطال قوة الإمناء وقوة الحبل والإحبال وإذهاب لذة الجماع ولذة الطعام (٦) . والظاهر من مذهب الشافعى وأحمد أن المعانى التى تجب فيها الدية ليست

стр. 1053

محددة على وجه التعيين، فما ذكر فى الكتب أمثلة على المعانى التى تذهب وفيها الدية. ٣٧٤- ويجب أن نلاحظ فى هذا المقام الفرق الظاهر بين اتجاه مالك والشافعى من ناحية فى تعيين المعانى التى تجب فيها الدية وبين اتجاه أبى حنيفة وأحمد، فالأولان لا يجعلان فى المعنى دية إلا إذا كان فى فوات المعنى فوات منفعة، أما الأخيران فيجعلان فى المعنى دية إذا كان فى فوات المعنى فوات الجمال ولو لم يكن قد فاتت به منفعة. ٣٧٥- ما يجب فى فوات بعض المعنى: القاعدة عند الفقهاء أنه إذا فات المعنى كله وجبت فيه الدية، فإن فات بعضه وجب فيه بعض الدية بنسبة ما فات، هذا إذا كان التبعض معروفًا كذهاب الإبصار من عين دون أخرى، أو كذهاب السمع من أذن دون أخرى، أو كان الذاهب ممكن التقدير، أما إذا كان الغائب لا يمكن معرفة قدره فيرى الشافعى وأحمد أن فيه حكومة، وهذا هو قياس مذهب أبى حنيفة، أما مالك فيرى أن يقابل النقص بما يناسبه من الدية فى كل حال، وفى حالة تعذر التقدير الدقيق يقدر الناقص بأدنى ما يمكن وأكثر ما يمكن، وفى العمد يلزم المتعمد بالأكثر لأنه ظالم، والظالم أحق بأن يحمل عليه، وفى الخطأ يلزم المخطئ بأقل ما يمكن (١) . ما يجب فيه أرش مقدر ٣٧٦- يجب الأرش المقدر فى الأطراف وفى الشجاج والجراح: الأطراف التى لها أرش مقدر: شمل كلامنا عما تجب فيه الدية من الأطراف الكلام عن الأطراف التى يجب فيها أرش مقدر، ففى كل اثنين من البدن فيهما كمال الدية وفى أحدهما نصف الدية، وهذا هو الأرش المقدر، كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والأنثيين والثديين، فأرش اليد المقدر نصف دية

стр. 1054

العينين معًا، وأرش الرجل نصف دية الرجلين معًا، وأرش العين الواحدة هو نصف دية العينين، وهكذا. ولكن مالكًا وأحمد يخالفان باقى الفقهاء فى عين الأعور. وفى أصابع اليدين والرجلين فى كل إصبع عشر الدية، وما كان من الأصابع فيه ثلاث مفاصل ففى كل مفصل ثلث أرش الإصبع، وما كان فيه مفصلان ففى كل واحد منهما نصف الأرش، وما وجبت الدية فى أربعة منه ففى الواحد منه ربع دية وهذا هو أرشه المقدر، ففى أشفار العينين الدية، وفى ثلاثة منها ثلاثة أرباع الدية، وفى الاثنين نصفها، وفى الواحد ربع الدية، وهذا هو أرشه المقدر. وفى كل سن - كما عرفنا - خمس من الإبل، وهذا هو الأرش المقدر للسن. وهكذا نستطيع أن نعرف الأطراف التى فيها أرش مقدر إذا رجعنا للأطراف التى فيها الدية الكاملة والتى لها نظائر فى البدن، أما الأطراف التى لا نظائر لها فى البدن ففيها الدية الكاملة وحدها، والأرش المقدر يجب أن يكون أقل من الدية. * * * أرش الشجاج ٣٧٧- عرفنا مما سبق عدد الشجاج وأسماءها وأن مكانها الرأس والوجه، وبقى أن نعرف إن كان لهذه الشجاج أرش مقدر أم لا. ومن المتفق عليه أن ما قبل الموضحة من الشجاج ليس له أرش مقدر سواء على رأى القائلين بأنها خمسة أو القائلين بأنها ستة، وهناك رواية عن أحمد بأن فى الدامية بعيرًا وفى الباضعة بعيرين وفى المتلاحمة ثلاثة وفى السمحاق أربعة، وحجته أن زيد بن ثابت قضى بهذا، ولكن هذا الرأى ليس المذهب (١) . أما ما يجب فيه أرش مقدر من الشجاج فهو الموضحة وما بعدها؛ أى الهاشمة والمنقلة والآمةَّ والدامغة.

стр. 1055

٣٧٨- الموضحة: يجب فى الموضحة خمس من الإبل لما روى من أن رسول الله ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "وفى الموضحة خمس من الإبل" ولما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﵇ أنه قال: "فى المواضح خمس خمس". ويجب الأرش فى كل موضحة، فى الصغيرة والكبيرة، وفى البارزة والمستورة بالشعر لأن اسم الموضحة يقع على الجميع. وأرش موضحة الوجه والرأس سواء عند الأئمة الأربعة. ولكن لأحمد رأى مخالف يرى فيه أن يكون أرش موضحة الوجه مضاعفًا لأن شينها أكثر ولأنها ظاهرة ولا يسترها الشعر كما هو الحال فى موضحة الرأس (١) . ولا يجب مع الأرش شىء آخر عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد ولو برئت الموضحة على شين، والمشهور عند مالك أنه إذا برئت على شين موضحة الوجه أو الرأس أُخذ من الجانى حكومة مقابل الشين، وهذه الحكومة علاوة على الأرش (٢) . ولا يجب الأرش إلا فى موضحة الرأس والوجه، أما موضحة الجسد فليس فيها شئ مقدر وإنما فيها الحكومة، وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز وجب عليه أرش موضحتين. وإن أزال الحاجز بينهما قبل البرء فهما موضحة واحدة عليه أرشها، فإن اندملتا ثم أزال الحاجز فعليه أرش ثلاث مواضح؛ لأنه استقر عليه أرش الأولين بالاندمال، ثم لزمته الثالثة. وإن اندملت إحداهما وزال الحاجز بفعله أو بسراية لأخرى، فعليه أرش موضحتين، أما إذا زال الحاجز بفعل المجنى عليه أو بفعل أجنبى فعلى الأول أرش موضحتين، وعلى الأجنبى أرش موضحة؛ لأن فعل كل لا ينبنى على فعل الآخر، فانفرد كل بحكم جنايته، وهذا هو مذهب الشافعى وأحمد. وإذا شجه فى رأسه شجه بعضها موضحة وبعضها دون الموضحة، لم يلزمه
следующие страницы →