← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٩-المنقلة: وهى التى تنقل العظم بعد كسرة أى تحوله عن مكانه. ١٠- الآمَّة: وهى التى تصل إلى أم الدماغ، وهى جلدة تحت العظم وفوق الدماغ أى المخ. ١١- الدامغة: وهى التى تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ. ٢٦٦- ويرى مالك أن الشجاج عشرة فقط: ويسمى الأول دامية، والثانية خارصة، والثالثة سمحاقًا, والسادسة ملطاة, ويحذف مالك الثامنة وهى الهاشمة ويرى أنها تكون فى جراح البدن لا فى الرأس والوجه، ويتفق فيما عدا ذلك مع أبى حنيفة (١) . ٢٦٧- ويرى الشافعى وأحمد أن الشجاج عشرة فقط: وهما يحذفان الثانية عند أبى حنيفة وهى الدامعة ويعترفان بالعشرة الباقية، ويسمى أحمد الدامية بهذا الاسم أو بالبازلة، ويسمى الشافعى وأحمد العاشرة بالمأمومة أو بالآمَّة (٢) . ٢٦٨- القسم الرابع: الجراح: ويقصد بالجراح ما كان فى سائر البدن عدا الرأس والوجه. والجراح نوعان: جائفة، وغير جائفة. فالجائفة: هى التى تصل إلى التجويف الصدرى والبطنى سواء كانت الجراحة فى الصدر أو البطن أو الظهر أو الجبين أو بين الأنثيين أو الدبر أو الحلق. وغير الجائفة: ما لم تكن كذلك؛ أى التى لا تصل إلى الجوف (٣) . ٢٦٩- القسم الخامس: ما لا يدخل تحت الأقسام السابقة: ويدخل تحت هذا القسم كل اعتداء أو إيذاء لا يؤدى إلى إبانة طرف أو ذهاب معناه ولا يؤدى إلى شجة أو جرح، فيدخل تحته كل اعتداء لا يترك أثرًا أو ترك أثرًا لا يعتبر جرحًا ولا شجة.

стр. 982

الجناية على ما دون النفس عمدًا ٢٧٠- الجناية على ما دون النفس عمدًا هى أن يتعمد الجانى ارتكاب فعل يمس جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته وأركان الجريمة اثنان: الأول: فعل يقع على جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته. الثانى: أن يكون الفعل متعمدًا. الركن الأول: فعل يقع على جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته: ٢٧١- يشترط لوقوع الجريمة أن يرتكب الجانى فعلاً يسمى جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامة هذا الجسم بأى حال، ولا يشترط أن يكون الفعل ضربًا أو جرحًا بل يكفى أن يكون أى فعل من أفعال الأذى أو العدوان على اختلاف أنواعها كالضرب والجرح والخنق والجذب والدفع والضغط والعصر. ٢٧٢- وليس من الضرورى أن يستعمل الجانى أداة معينة للإيذاء والعض وحلق الشعر ونتفه ولوى الذراع وغير ذلك، فقد يستعمل يده أو رجله أو أسنانه وقد يستعمل عصًا أو سكينًا أو سيفًا أو بندقية أو مادة مضرة أو سامة، لأن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون أخرى فتستوى فيه كل الآلات. وفى مذهب أحمد رأى يرى أن ما دون النفس فيه عمد وشبه عمد، ويفرق بينهما بأن فى الأول القصاص وفى الثانى الدية (١) , ويفرقون بين العمد وشبه العمد بأن الأول هو قصد الضرب بما يفضى إلى النتيجة غالبًا، والثانى هو قصد الضرب بما لا يفضى إلى النتيجة غالبًا مثل أن يضربه بحصاة لا يُوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القصاص لأنه شبه عمد (٢) . ويظهر أنه هو الرأى الراجح فى المذهب، أما الرأى الآخر فيرى أن الجراح كلها عمد دون تفرقة وأن فيها القصاص لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] .

стр. 983

أما أبو حنيفة فلا يفرق بين العمد وشبه العمد إلا فى النفس، ويكفى عنده تعمد الفعل فيما دون النفس (١) ، وليس ما يمنع عند مالك والشافعى وأحمد أن يكون الجانى مسئولاً عن الجناية ولو لم تكن الجناية مباشرة لفعله، كمن طلب إنسانًا بسيف مجرد فهرب منه فخر به سقف فأصيب بجرح أو كسر؛ لأنه هو الذى ألجأ المجنى عليه للهرب بفعله. ويرى الشافعى أن العمد فيما دون النفس إما أن يكون عمدًا محضًا أو شبه عمد، فالعمد المحض هو ما أدى إلى نتيجة الفعل غالبًا، أما شبه العمد فهو ما لم يؤد إلى نتيجة الفعل غالبًا؛ كمن لطم إنسانًا على رأسه فورمت ثم انشقت حتى وضحت فهذه شبه عمد لأن الغالب أن اللطمة لا تؤدى لإيضاح، ولو رماه بحصاة فورمت ثم أوضحت فهى شبه عمد لأن الغالب أن الرمى بالحصاة لا يؤدى للإيضاح (٢) . ومع أنهم وضعوا هذه القاعدة إلا أنهم يختلفون فى طبيعة تطبيقها، وهذا الخلاف مرجعه التقدير. فمثلاً ابن رشد يضرب مثلاً على شبه العمد للطمة التى تفقأ العين لأن اللطمة لا تفقأ العين غالبًا (٣) بينما يرى الشافعى أن اللطمة التى تفقأ العين عمد محض لأن اللطم يؤدى غالبًا لفقأ العين (٤) . ٢٧٣- ويستوى أن يكون الفعل مباشرًا أو بالتسبب، فالضرب باليد وشد حبل رفيع فى طريق المجنى عليه ليتعثر فيه كلاهما يكون الجريمة. ٢٧٤- ويصح أن يكون الفعل ماديًا كالضرب والجرح، ويصح أن يكون معنويًا كمن أذعر رجلاً فأصيب بشلل أو ذهب عقله أو سقط فجرح. ونص القانون المصرى كما ذكرنا من قبل لا يتسع للأفعال المعنوية، أما فى فرنسا فيعاقبون على الفعل المعنوى فيما دون النفس؛ لأن القانون الفرنسى يجعل فى حكم الضرب أنواع التعدى والإيذاء الأخرى بينما القانون المصرى لم يذكر إلا عبارة الضرب والجرح.

стр. 984

٢٧٥- ويشترط أن يكون المجنى عليه معصومًا: فإن لم يكن كذلك فالفعل مباح ولا يعتبر جريمة، وقد تكلمنا عن العصمة بمناسبة الكلام على القتل وما قلناه هناك يغنى عن الإعادة هنا. ٢٧٦- ويشترط ألا يؤدى الفعل لوفاة: فإذا أدى للوفاة فهو جناية على النفس قد تكون قتلاً عمدًا إذا ثبت أن الجانى تعمد الفعل وقصد القتل، وقد تكون قتلاً شبه عمد إذا ثبت أن الجانى تعمد الفعل ولم يقصد القتل. الركن الثانى: أن يكون الفعل متعمدًا: ٢٧٧- لكى يكون الفعل جريمة عمدية يجب أن يصدر عن إرادة الجانى وأن يرتكب بقصد العدوان، فإن لم يرد الجانى الفعل أو أراده ولم يقصد العدوان فالفعل غير متعمد وإنما خطأ. ٢٧٨- ويؤخذ الجانى بقصده المحتمل: فيسأل عن نتيجة الفعل الذى أتاه لا عما قصده وقت إحداث الفعل، فإن ترتب على الفعل ذهاب عضو أو إبطال منفعته أو إحداث موضحة أو جائفة أو اقل من ذلك، سئل عن نتيجة فعله ولو لم يكن يقصد إحداث هذه النتيجة بالذات وقت إتيان الفعل. ٢٧٩- ويسأل الجانى عن قصده غير المحدود: فمن ألقى حجرًا على جماعة بقصد إصابة أحدهم سئل عن نتيجة عمله سواء كان يعرف أفراد هذه الجماعة أو لا يعرفهم. وقد سبق أن تكلمنا عن الخطأ فى الشخص والخطأ فى الشخصية، كما تكلمنا عن الإذن فى الجرح واستعمال الحق وأداء الواجب، وما قلناه ينطبق هنا. ٢٨٠- ويستوى فى الجريمة على ما دون النفس أن يتعمد الجانى الفعل دون أن يقصد القتل، أو أن يتعمد الفعل بقصد القتل ما دام الفعل لم يؤد للموت؛ لأن الشريعة لا تعاقب على الشروع فى القتل إذا كان الشروع يكوَّن جريمة

стр. 985

تامة على ما دون النفس أيًا كانت نتيجة هذه الجريمة جرحًا أو شجة أو جائفة أو إتلافًا لعضو أو ذهاب معناه، وقد عللنا هذا الحكم بمناسبة الكلام على القتل العمد. * * * الجناية على ما دون النفس خطأ ٢٨١- سبق أن بينا تعريف الخطأ وأنواعه بمناسبة الكلام على القتل الخطأ كما بينا أركان جريمة القتل الخطأ، وما قيل هناك ينطبق بحذافيره هنا، ولا فرق إلا أن الفعل إذا أدى للوفاة فهو جناية على النفس أى قتل خطأ، وإذا لم يؤد للوفاة فهو جناية على ما دون النفس، ومن ثم لا داعى للكلام هنا عن الجريمة وأركانها لأنه تكرار لما قيل هناك. ٢٨٢- فرق هام: ويجب أن نلاحظ أن الشريعة جعلت العقوبة للجناية على ما دون النفس فى حالة الخطأ متمشية مع نتيجة الفعل كما هو الحال فى العمد، فعقوبة من أتلف عضوًا أو أذهب منفعته أشد من عقوبة الجرح الذى شفى دون أن يتخلف عنه عاهة، وعقوبة من أذهب بصر إنسان أشد من عقوبة من أذهب نصف بصره وهكذا. والشريعة تتفوق على القانونين المصرى والفرنسى فى هذا لأنهما يسويان فى العقوبة مهما اختلفت نتائج الفعل، وبعض شراح القانونين ينتقدون على المشرع أنه سوى بين عقوبة الإصابات المختلفة مع اختلاف نتائجها دون مبرر لهذه التسوية. عقوبة الجناية على ما دون النفس عقوبة الجناية على ما دون النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقوبة الجناية على ما دون النفس عمدًا، وعقوبة الجناية على ما دون النفس شبه عمد، وعقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ. العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمدًا هى القصاص، وعند مالك:

стр. 986

الدية مع القصاص (١) , فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب التى سنبينها فيما بعد حلت محله عقوبتان بدليتان الأولى الدية أو الأَرْش والثانية التعزير، ويلاحظ الفرق بين عقوبات الجناية عمدًا على النفس والجناية عمدًا على ما دون النفس، ففى النفس يعاقب بالكفارة عقوبة أصلية وبالصيام عقوبة بدلية وبالحرمان من الميراث والوصية عقوبة تبعية، أما هنا فلا يعاقب بهذه العقوبات لأنها قاصرة على القتل ومتعلقة به. أولاً: القصاص ٢٨٣- القصاص: هو العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمدًا، أما الدية والتعزير فهما عقوبتان بدليتان تحلان محل القصاص، ويترتب على اعتبار القصاص أصلاً والدية والتعزير بدلاً أنه لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبين عقوبة أخرى بدلاً منها لأن الجمع بين البدل والمستبدل ينافيان طبيعة الاستبدال، ويترتب على ذلك أيضًا أنه لا يجوز الحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية. وهناك نظريتان للجمع بين القصاص والدية، الأولى: يرى أصحابها أن القصاص يجمع مع الدية إذا لم يكن القصاص ممكنًا إلا فى بعض الجرح فيقتص مما يمكن القصاص فيه، وما لا يمكن القصاص فيه تحل العقوبة البدلية فيه محل القصاص، وعلى هذا تجمع الدية مع القصاص عقوبة لجرح واحد، وهذه النظرية يقول بها الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد. أما النظرية الثانية: فتقوم على أنه لا يمكن الجمع بين العقوبة الأصلية والعقوبة البدلية فى جرح واحد، فإن اقتص فى بعض الجرح سقط حقه فى الباقى ولا شئ له وهو بالخيار إن شاء اقتص ولا شئ له وإن شاء أخذ الدية، وهذه نظرية مالك وأبى حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد.

стр. 987

ويمتنع الحكم بالعقوبة الأصلية إذا امتنع القصاص أو سقط لسبب من الأسباب التى نذكرها بعد، وهذه الأسباب بعضها عام وبعضها خاص بما دون النفس. * * * أسباب امتناع القصاص العامة ٢٨٤- أولاً: إذا كان القتيل جزءًا من القاتل: إذا كان القتيل جزءًا من القاتل امتنع الحكم بالقصاص، ويكون القتيل جزءًا من القاتل إذا كان ولده، فإذا جرح الأب ولده أو قطعه أو شجة فلا قصاص لقوله ﵊: "لا يقاد الوالد بولده" أما الولد فيقتص منه لوالده طبقًا للنصوص العامة، ويدخل تحت لفظى الوالد والولد كل والد وإن علا، وكل ولد وإن سفل، وحكم الأم هو حكم الأب لأنها أحد الوالدين، والجدة كالأم سواء كانت من قبَل الأب أو الأم. ويرى مالك القصاص من الأب فى القتل إذا لم يكن شك فى قصد القتل، ولكنه لا يرى القصاص من الأب فى غير القتل ويرى تغليظ الدية عليه، والتغليظ عند مالك هو تثليث الدية (١) . وعلى هذا فليس ثمة خلاف بين الأئمة الأربعة فى امتناع القصاص من الوالد لولده إذا جنى عليه فيما دون النفس، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع بتوسع عند الكلام على القتل العمد. ٢٨٥- ثانيًا: انعدام التكافؤ: إذا انعدم التكافؤ بين المجنى عليه والجانى فلا قصاص وينظر إلى التكافؤ من ناحية المجنى عليه وحده لا من ناحية الجانى. وفى مذهب مالك هذا شرط التكافؤ فى النفس أما فيما دون النفس فهو يشترط التكافؤ من الوجهين، فعنده لو قطع كافر أو عبد يد مسلم لم يكن له أن يقتص منهما ولو قطعهما فليس لهما أن يقتصا منه (٢) . فإن كان المجنى عليه مكافئًا للجانى أو خيرًا منه وجب القصاص وإن كان لا يكافئه امتنع القصاص، ولا يشترط فى الجانى أن يكافئ المجنى عليه لأن شرط

стр. 988

التكافؤ وضع لمنع قتل الأعلى بالأدنى ولم يوضع لمنع قتل الأدنى بالأعلى. وأساس التكافؤ عند مالك والشافعى وأحمد: الحرية والإسلام، وأساس التكافؤ عند أبى حنيفة: الحرية والجنس، وسنتكلم فيما يلى عن هذه الأسس الثلاثة: ١- الحرية: يرى مالك والشافعى وأحمد أن الحر لا يقتص منه إذا جرح العبد لأن العبد منقوص بالرق وهذا هو نفس رأيهم فى القتل، ويرى مالك أن لا يقتص من العبد للحر (١) . ويرى أبو حنيفة أن لا قصاص من الأحرار والعبيد فيما دون النفس ولا قصاص فيما بين العبيد أنفسهم، وهو يخرج بهذا عن رأيه الذى التزمه فى القتل وهو القصاص من الحر للعبد ومن العبد للعبد، وعلة خروجه على هذا الرأى أنه يرى ما دون النفس خلق لوقاية النفس ولما كانت قيمة العبد تختلف عن دية الحر وقيمة العبد تختلف عن غيره من العبيد فلا يمكن أن تتماثل أطراف الأحرار مع العبيد ولا أطراف عبد مع عبد آخر ومن ثم امتنع القصاص بينهم، وهذا الرأى يتفق مع رأى أحمد (٢) . ٢- الإسلام: سبق أن تكلمنا على هذا الموضوع بما فيه كفاية بمناسبة الكلام على القتل فليراجع، ونلخص ما قلناه بأن مالكًا والشافعى وأحمد يرون أن الكافر لا يكافئ المسلم، والقاعدة عندهم أن لا قصاص من مسلم إذا قتل ذميًا. أما أبو حنيفة فيرى أن الكافر يكافئ المسلم ما دام معصوم الدم وليس فى عصمته شبهة كالمستأمن مثلاً، ومن ثم فهو يوجب القصاص من كليهما للآخر. وهم يسيرون على هذه القاعدة فيما دون النفس إلا أن مالكًا خرج عليها

стр. 989

ورأى ألا قصاص بين المسلم والكافر بصفة مطلقة فيما دون النفس، فإذا جرح أحدهما الآخر فلا قصاص لانعدام التكافؤ، ولو أنه يقرر أن المسلم خير من الكافر لأن القصاص فيما دون النفس يقتضى المساواة بين الطرفين ولا مساواة (١) . ٣- الجنس: القاعدة عند الأئمة الأربعة أن الأنثى يقتص منها للذكر والذكر يقتص منه للأنثى، وهذا فى القتل أى فى النفس، وقد طبق مالك والشافعى وأحمد هذه القاعدة أيضًا فيما دون النفس (٢) ، وحجتهم أن من يجرى بينهم القصاص فى النفس يجرى بينهم فى الأطراف، أما أبو حنيفة فيخالف هذه القاعدة ولا يطبقها فيما دون النفس لأنه يسير على قاعدة أخرى فيما دون النفس هى اعتبار أن ما دون النفس كالأموال، وبتطبيق هذه القاعدة لا يجعل المرأة مماثلة للرجل لأن دية المرأة على النصف من دية الرجل ودية طرفها لا تماثل دية طرف الرجل، وإذا انعدمت المساواة بين أرشيهما امتنع القصاص فى طرفيهما سواء كان الجانى هو الذكر أو الأنثى (٣) . التماثل فى العدد: يشترط أبو حنيفة التماثل فى العدد بين المجنى عليه والجانى، فجب أن يكون الجانى واحدًا ليقتص منه فإن كان الجناة أكثر من واحد فلا قصاص إذا تعاونوا على ارتكاب فعل واحد كأن قطعوا يد رجل أو إصبعه أو أذهبوا سمعه أو بصره أو قلعوا له سنًا أو نحو ذلك من الجوارح التى يجب على الواحد فيها القصاص لو انفرد بالفعل، وعليهم دية الجارحة مقسمة عليهم بالتساوى، أما إذا ارتكب كل منهم منفردًا فعلاً يجب فيه القصاص فعلى كل منهم القصاص فيما فعله. وحجة أبى حنيفة أن المماثلة فيما دون النفس شرط أساسى للقصاص ولا مماثلة بين جارحة وجوارح، كيد واحدة وأيدٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ لا فى الذات ولا فى المنفعة ولا فى الفعل. أما فى الذات فلا شك فيه لأنه لا مماثلة بين العدد والفرد من حيث الذات،

стр. 990

وإذا كانت الصحيحة لا تقطع بالشلاء لفوات المماثلة من حيث الوصف مع التساوى فى الذات فأولى أن يمتنع القصاص لفوات المماثلة فى الذات. وأما فى المنفعة فلأن منفعة اليدين أكثر من منفعة يد واحدة ومن المنافع ما لا يتأتى إلا باليدين كالكتابة والخياطة. وأما فى الفعل فلأن الموجود من كل واحد قطع بعض اليد والجزاء قطع كل اليد من كل منهم وقطع اليد أكثر من قطع بعضها (١) . ويفرق أبو حنيفة بين النفس وما دونها بأن الفعل فيما دون النفس يتجزأ لأنه قطع بعض الجارحة وترك البعض موجودًا، بخلاف النفس فإن إزهاقها لا يتجزأ، ورأى أبى حنيفة وجه فى مذهب أحمد. ويرى مالك والشافعى وأحمد القصاص من الجماعة للواحد، وحجتهم أن شاهدين شهدا عند على رضى الله عنه وعلى رجل بالسرقة فقطع علىٌّ يده، ثم جاءا بآخر فقالا هذا هو السارق وأخطأنا فى الأول فرد شهادتهما على الثانى وغرمهما دية الأول وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد واحد، ولأنه أحد نوعى القصاص فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس. ويرى الشافعى وأحمد أنه يجب للقصاص من الجماعة بالواحد أن يكون اشتراك الجماعة فى الطرف على وجه لا يتميز فيه أحدهما عن الآخر؛ إما بأن يشهدوا عليه بما يوجب قطعه ثم يرجعوا عن شهادتهم، أو يكرهوا إنسانًا على قطع طرف فيجب قطع المكرهين كلهم والمكَره، أو يتعاونوا فى إلقاء حجر على المجنى عليه فتقطع طرفه أو يقطعوا يدًا ويقلعوا عينًا بضربه واحدة أو يضعوا حديدة على مفصل ويتحاملوا عليها جميعًا حتى يقطع الطرف، فإن قطع كل واحد منهم من جانب أو قطع أحدهم بعض المفصل وأتم غيره أو ضرب كل واحد ضربة أو وضعوا منشارًا مثلاً على مفصله ثم مر كل واحد عليه

стр. 991

مرة حتى بانت اليد فلا قصاص فيه؛ لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك فى قطع جميعها، وإن كان فعل كل واحد منهم يمكن الاقتصاص فيه بمفرده اقتص منه (١) . أما مالك ففرق بين حالة التمالؤ وعدم التمالؤ، فإن تمالئوا اقتص من كل منهم بقدر ما أحدثوا بالمجنى عليه سواء تميزت أفعال كل منهم أم لم تتميز، فإذا قلعوا عينه وقطعوا رجله ويده قلع لكل عينه وقطعت يده ورجله، أما إذا لم يكن تمالؤ فإن تميزت أفعالهم أخذ كل منهم بفعله، وإن لم تتميز أفعالهم فعليهم القصاص كما لو تمالؤوا، وهناك من يرى ألا قصاص عليهم وعليهم الدية (٢) . ولا يشترط الشافعى وأحمد التمالؤ فيما دون النفس ويكفى التوافق للقصاص من الجميع. ٢٨٦- ثالثًا: أن يكون الفعل شبه عمد: يرى الشافعى وأحمد أن الجناية على ما دون النفس قد تكون عمدًا وقد تكون شبه عمد، فهى عمد إذا كان الفعل متعمدًا أو كان يؤدى غالبًا إلى النتيجة التى انتهى إليها، كمن ضرب غيره بسكين فقطع إصبعه أو بعصًا فكسر ذراعه أو أحدث برأسه تربنة. وهى شبه عمد إذا كان الفعل متعمدًا ولكنه لا يؤدى غالبًا إلى النتيجة التى انتهى إليها، كمن لطم آخر ففقأ عينه أو رماه بحصاة فأحدثت ورمًا انتهى بموضحة. ويرتبان على تقسيم الجناية على ما دون النفس إلى عمد وشبه عمد أن القصاص يجب فى العمد فقط أما شبه العمد فيجب فيه الدية، وهما يسيران فى هذا التقسيم وفى ترتيب العقوبة على ما سارا عليه فى الجناية على النفس (٣) . أما مالك وأبو حنيفة فيريان أن الجناية على ما دون النفس لا تكون إلا عمدًا لأن مالك لا يعترف بشبه العمد والفعل عنده إما عمد أو خطأ، ولأن أبا حنيفة يرى أن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون أخرى فاستوت فيه

стр. 992

الآلات للدلالة على القصد، فكان الفعل عمدًا فى كل حال أى أن ما دون النفس لا يقصد إلا مجرد الاعتداء عليه، والاعتداء ممكن بأى آلة بعكس القتل فلا يكون إلا بآلة مخصوصة، ومن ثم كان توفر قصد الاعتداء كافيًا لاعتبار الفعل عمدًا فيما دون النفس ولم يكن هناك محل لاعتبار شبه العمد (١) , ويترتب على رأى مالك وأبى حنيفة أن الجناية على ما دون النفس يجب فيها القصاص فى كل حال ما دام الجانى قد تعمد الفعل. ٢٨٧- رابعًا: أن يكون الفعل تسببًا: يرى أبو حنيفة دون غيره من الأئمة أن الجناية على ما دون النفس بالتسبب لا توجب القصاص لأن القصاص فعل مباشر فيجب أن يكون الفعل المقتص عنه على طريق المباشرة؛ لأن أساس عقوبة القصاص هو المماثلة بين الفعلين، ويوجب أبو حنيفة الدية بدلاً من القصاص ولكن الأئمة الثلاثة لا يرون فرقًا بين الجناية بالتسبب والجناية المباشرة ويوجبون القصاص على الجانى فى الحالين. ٢٨٨- خامسًا: أن تكون الجناية قد وقعت فى دار الحرب: يرى أبو حنيفة دون غيره من الأئمة أن لا قصاص من الجانى إذا كانت الجناية قد وقعت فى دار الحرب. ويرى بقية الأئمة القصاص سواء كانت الجناية فى دار الحرب أو دار الإسلام، وقد سبق أن تكلمنا على هذه المسألة وفيما ذكرناه غنى عن الإعادة (٢) . ٢٨٩- سادسًا: عدم إمكان الاستيفاء: يمتنع القصاص إذا لم يكن الاستيفاء ممكنًا لأن القصاص قائم على التماثل واستيفاء المثل بدون مكان استيفائه ممتنع، فيمتنع الاستيفاء ضرورة، فمثلاً إذا كان المجنى عليه مقطوع المفصل الأعلى من إبهام اليد اليمنى وجاء الجانى فقطع المفصل الثانى لنفس الإصبع فلا يمكن أن يقتص من الجانى إذا كان إبهام يده اليمنى سليمًا لأن القصاص يؤدى إلى قطع مفصلين والمقطوع مفصل واحد فينعدم التماثل. وكذلك لو أجاف الجانى المجنى عليه أو شجه آمةَّ أو دامغة فالقصاص لا يمكن فى هذه الحالات؛ لأنه لا يمكن إجافة الجانى أو شجه على وجه التماثل التام (٣) , ومن ثم يتعذر القصاص بتعذر استيفائه، وينتقل

стр. 993

حق المجنى عليه إلى بدل القصاص وهو الدية. ٢٩٠- أسباب امتناع القصاص الخاصة بما دون النفس: أسباب امتنع القصاص الخاصة بما دون النفس هى: أولاً: عدم إمكان الاستيفاء بلا حيف. ثانيًا: عدم المماثلة فى المحل. ثالثًا: عدم الاستواء فى الصحة والكمال. وهذه الأسباب ترجع كلها إلى أساس واحد هو التماثل، فالقصاص يقتضى بطبيعته التماثل من كل وجه، التماثل فى الفعل والتماثل فى المحل والتماثل فى المنفعة. ٢٩١- أولاً: عدم إمكان الاستيفاء بلا حيف: يشترط للقصاص أن يكون الاستيفاء ممكنًا بلا حيف، ولا يكون الاستيفاء ممكنًا بلا حيف من الأطراف إلا إذا كان القطع من مفصل، أو كان له حد ينتهى إليه، كمارن الأنف وهو ما لان منه، فإن كان القطع من غير مفصل أو لم يكن له حد ينتهى إليه كالقطع من قصبة الأنف أو من نصف الساعد أو من نصف الساق، فالفقهاء فى ذلك على رأيين، أولهما: يرى أنه لا قصاص ما دام القطع من غير مفصل وليس له حد ينتهى إليه لتعذر الاستيفاء. وعلى هذا الرأى أبو حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد، الرأى الثانى: يرى أصحابه أن يقتص من أول مفصل داخل فى محل الجناية وله حكومة فى الباقى حيث لا يمكن القصاص على وجه المماثلة من غير المفصل، فمن قطع ذراعه من نصف العضد كان له أن يقتص من المرفق ويأخذ حكومة عن نصف العضد، ومن قطع ذراعه من نصف الساعد كان له أن يقتص من الكوع ويأخذ حكومة عن نصف الساعد. وعلى هذا الرأى الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد، ولكن بعض الفقهاء فى مذهب أحمد يرون أن المجنى عليه يستحق حكومة عن الزائد والبعض يرى أنه لا يستحق شيئًا (١) , تطبيقًا للمبدأ القائل بأنه لا يجمع فى فعل واحد بين قصاص ودية، أما مالك فيرى القصاص ولو كان القطع

стр. 994

من غير مفصل إذا كان ذلك ممكنًا ولا خوف منه، فإن لم يكن كذلك فلا قصاص ولو رضى الجانى بالقطع من مفصل داخل فى الجناية، ومن المتفق عليه بين أبى حنيفة والشافعى وأحمد ألا قصاص فى كسر العظام لأن التماثل غير ممكن، والأمن من الحيف غير محقق. ولكن مالكًا يرى القصاص إذا قرر الخبراء أنه ممكن ولا خوف منه على حياة المقتص منه (١) . وإذا اصطحب الكسر بشجة كالهاشمة والمنقلة أو جرح من جراح الجسد فيرى الشافعى القصاص من الموضحة لأنها داخلة فى الجناية ويمكن القصاص فيها وله أرش الباقى حيث تعذر فيه القصاص، فانتقل إلى البدل، وهذا هو مذهب أحمد، إلا أن بعضهم يرى أن له أرش الباقى، والبعض يرى أن ليس له مع القصاص شئ لأنه جرح واحد فلا يجمع فيه بين القصاص والدية، ويرى مالك القصاص من الجرح والعظم معًا فى جراح الجسد لا فى شجاج الرأس إن كان ممكنًا وإلا فلا، ويرى مالك أيضًا أن لا قصاص فى الشجاج فيما فوق الموضحة ولو بقدر الموضحة ولكن فى الجسد إذا كان جرح مصحوب بكسر فلا مانع فى القصاص، إذ كان ذلك ممكنًا فى الجميع وإلا فلا، أما أبو حنيفة فلا يرى القصاص أصلاً. ومن المتفق عليه أن لا قصاص فيما فوق الموضحة من الشجاج لأن الاستيفاء دون حيف غير ممكن، أما ما دون الموضحة فيرى مالك القصاص فيه لأنه يرى الاستيفاء ممكنًا دون حيف، بأن يقاس طول الجرح وعمقه ويقتص بمثله، وهو ظاهر مذهب أبى حنيفة إن كان القصاص من الموضحة والسمحاق والباضعة والدامية، وهو رواية عن محمد، ورواية أخرى ألا قصاص فيما قبل الموضحة وهو رأى الشافعى وأحمد، وحجتهما أن ما دون الموضحة ليس له حد ينتهى إليه؛ لأن الموضحة تنتهى إلى العظم، أما ما دونها فليس كذلك، والقول بإمكان قياس عمق الجرح يؤدى إلى الاقتصاص من الباضعة أو السمحاق موضحة إذا

стр. 995

كان اللحم أى لحم الشاج خفيفًا، أو الاقتصاص من السمحاق متلاحمة أو باضعة إذا كان لحم الشاج أخف من لحم المشجوج (١) . وأساس اختلاف الفقهاء فى جميع ما سبق هو اختلاف التقدير، أما قاعدتهم جميعًا فواحدة فمن رأى أن الاستيفاء ممكن فى حالة دون حيف قال به ومن رآه لا يمكن بغير حيف منع منه. ٢٩٢- ثانيًا: عدم المماثلة فى الموضع: يشترط للقصاص التماثل فى الموضع أى فى حمل الجناية، فلا يؤخذ شئ إلا بمثله ولا يقتص من عضو إلا لما يقابله، فلا تؤخذ اليد إلا باليد لأن غير اليد ليس من جنسها، فهو ليس مثلاً لها إذ التجانس شرط للمماثلة ولا تؤخذ الرجل إلا بالرجل والإصبع إلا بالإصبع والعين إلا بالعين والأنف إلا بالأنف ولا يؤخذ الإبهام إلا بالإبهام ولا السبابة إلا بالسبابة ولا الوسطى إلا بالوسطى ولا البنصر إلا بالبنصر ولا الخنصر إلا بالخنصر لأن منافع الأصابع مختلفة فكانت كالأجناس المختلفة، ولا تؤخذ اليد اليمنى إلا باليد اليمنى ولا اليسرى إلا باليسرى لأن لليمين فضلاً على اليسار ولذلك سميت يمينًا، وكذلك الرجل، وكذلك أصابع اليدين والرجلين لا تؤخذ اليمنى منها إلا باليمنى ولا اليسرى إلا باليسرى، وكذلك الأعين كما قلنا وكذلك الأسنان لا تؤخذ الثنية إلا بالثنية ولا الناب إلا بالناب ولا الضرس إلا بالضرس لاختلاف منافعها فإن بعضها قواطع وبعضها طواحن وبعضها ضواحك، واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين مختلفين ولا مماثلة عند اختلاف الجنس، وكذلك لا يؤخذ الأعلى منها بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لتفاوت المنفعة بين الأعلى والأسفل (٢) . ٢٩٣- ثالثًا: المساواة فى الصحة: يشترط للقصاص أن يتساوى العضوان فى الصحة والكمال فلا تؤخذ مثلاً عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد يد صحيحة

стр. 996

بيد شلاء ولا رجل صحيحة برجل شلاء لأن المقتص يأخذ فوق حقه؛ أما إذا أراد المجنى عليه أن يأخذ الشلاء بالصحيحة فله أن يقتص لأنه يأخذ دون حقه وليس له مع القصاص أرش مقابل نقص الشلل لأن الشلاء كالصحيحة فى الخلقة، وإنما تنقص عنها فى الصفة والتماثل لا يشترط فى الصفات، ويحتاط الشافعى وأحمد فى أخذ الشلاء بالصحيحة فيشترطان أن يقرر أهل الخبرة أن قطع العضو الأشل لا يؤثر على حياة المقتص منه لأن الشلل علة وللعلل تأثيرها على الأبدان. أما مالك فيرى أن لا تؤخذ الصحيحة بالشلاء، كما يرى أن لا تؤخذ الشلاء بالصحيحة ولو رضى المجنى عليه بها، إلا إذا كان العضو الأشل فيه نفع للجانى فإن لم يكن فيه نفع فلا قصاص. ويرى مالك والشافعى وأحمد القصاص بين الأشلين للمساواة، ويرى بعض فقهاء مذهب الشافعى أن لا قصاص لأن الشلل علة والعلل يختلف تأثيرها على الأجسام. أما أبو حنيفة فلا يرى القصاص بين الأشلين لأنه يشترط التماثل فى الأرش لأنه يسلك بالأطراف مسلك الأموال والشلل يؤثر على كل عضو تاثيرًا مختلفًا فلا تصبح قيمتها واحدة، ومن ثم امتنع القصاص لعدم المساواة (١) , ويرى زفر القصاص عند تساوى الشلل. ولا يؤخذ الكامل بالناقص فمثلاً لا تؤخذ يد ولا رجل كاملة الأصابع بيد أو رجل تنقص إصبعًا أو أكثر لانعدام المساوة، وهذا هو رأى أبى حنيفة والشافعى وأحمد، ولكن يجوز أخذ الناقص بالكامل، فتؤخذ اليد أو الرجل الناقصة إصبعًا أو أكثر باليد أو الرجل الصحيحة، وليس للمقتص عند أبى حنيفة رأى فى مذهب أحمد، وله عند الشافعى ورأى فى مذهب أحمد أرش ما نقص لأنه وجد بعض حقه فاقتص فيه، وعدم بعضه فانتقل القصاص فيه إلى البدل وهو الأرش، أما مالك فيرى قطع اليد أو الرجل الناقصة إصبعًا واحدًا بالكاملة

стр. 997

بلا غرم على الجانى ولا خيار للمجنى عليه فى نقص الإصبع، وله أن يختار بين القصاص وبين الدية إن كان النقص إصبعين فأكثر، أما الإصبع وبعض الآخر فلا خيار فيه للمجنى عليه لأنه نقص يسير لا يمنع المماثلة، ومن ثم فيتعين قطع الناقصة بالكاملة، أما إذا نقصت يد المجنى عليه أو رجله إصبعًا فالقود على الجانى الكامل الأصابع، ولا يغرم المجنى عليه الناقص الأصابع أرش الإصبع الزائد، ولا قصاص إن نقصت يد المجنى عليه أكثر من إصبع إذا كانت يد الجانى كاملة الأصابع (١) . ولا تؤخذ يد ذات أظافر بيد لا أظافر لها، لكن تؤخذ اليد ذات الأظافر الصحيحة باليد ذات الأظافر المسودة أو المخضرة؛ لأن هذا الوصف لا يوجب نقصًا فى المنفعة ولأن الصحيح يؤخذ بالسقيم (٢) . وإذا قطع يد رجل وفيها إصبع زائدة وفى يد الجانى مثلها، فلا قصاص عند أبى حنيفة لأن الإصبع الزائدة نقص وعيب، ويرى أبو يوسف القصاص للتماثل والمساواة، وهو رأى الشافعى وأحمد ويتفق مع رأى مالك. ويرى أبو حنيفة أن مقطوع الإبهام إذا قطع يد مقطوع الإبهام فلا قصاص لأن قطع الإبهام توهين للكف، ويسقط تقدير الأرش، فلا يعرف إلا بالحَزْر والظن، فتنعدم المماثلة وعند بقية الفقهاء القصاص واجب للتماثل (٣) . * * * كيف طبق الفقهاء شروط القصاص الخاصة؟ أولاً: فى إبانة الأطراف وما يجرى مجراها ٢٩٤- الجفن: يؤخذ الجفن بالجفن عند الشافعى وأحمد لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] ولأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل فوجب فيه القصاص، ويؤخذ جفن البصير بجفن الضرير، وجفن الضرير بجفن البصير، لأنهما متساويان فى السلامة من النقص وعدم الإبصار ليس نقصًا فى الجفن ذاته

стр. 998

وإنما هو نقص فى غيره (١) , أما عند مالك وأبى حنيفة فلا قصاص فى جفون العين لأنه لا يمكن استيفاء المثل تمامًا من دون حيف (٢) . ٢٩٥- الأنف: يؤخذ الأنف بالأنف عند مالك والشافعى وأحمد، لقوله تعالى: ﴿وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] ولا يجب القصاص فى الأنف إلا فى المارن، وهو ما لان منه لأنه ينتهى إلى مفصل، ويؤخذ الكبير بالصغير، والأقنى بالأفطس، والأشم بالأخشم الذى لا يشم؛ لأنهما متساويان فى السلامة من النقص وعدم الشم نقص فى غيره ويؤخذ البعض بالبعض، وهو أن يقدر ما قطعه بالجزء كالنصف والثلث ثم يقتص بالنصف والثلث من مارن الجانى ولا يؤخذ قدره بالمساحة لأن أنف الجانى قد يكون صغيرًا وأنف المجنى عليه كبيرًا، فإذا اعتبرت المماثلة بالمساحة أدى ذلك إلى قطع جميع المارن بالبعض. ويؤخذ المنخر بالمنخر، والحاجز بين المنخرين بالحاجز، لأنه لا يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل، ولا يؤخذ مارن صحيح بمارن سقط بعضه بالجذام، ولكن يؤخذ المارن الصحيح بالمارن المريض بالجذام ما دام لم يسقط منه شئ، وإن قطع من سقط بعض مارنه مارنًا صحيحًا للمجنى عليه أن يقتص من الموجود، وينتقل فى الباقى إلى البدل عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد وليس له شئ غير القصاص عند مالك وبعض فقهاء مذهب أحمد، وإن قطع الأنف من أصله اقتص من المارن لأنه داخل فى الجناية ويمكن القصاص فيه كما يرى الشافعى وأحمد، وينتقل فى الباقى إلى الحكومة لأنه لا يمكن القصاص فى الباقى لأنه عظم فانتقل فيه إلى البدل، كما يرى الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد وليس له شئ مع القصاص على ما يرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد، أما مالك فيرى القصاص من العظام كلما كان ذلك ممكنًا فإن لم يكن ممكنًا فلا قصاص (٣) ,

стр. 999

أما أبو حنيفة فيرى القصاص فى الأنف إذا أخذ كل المارن، لأن له حدًا ينتهى إليه وهو ما لان منه، أما إذا قطع بعضه أو كان القطع من قصبة الأنف فلا قصاص لتعذر استيفاء المثل فى البعض، ولأنه لا قصاص من العظم، وإن كان أنف القاطع أصغر خُيِّر المقطوع أنفه الكبير إن شاء قطع وإن شاء أخذ الدية وكذلك إذا كان قاطع الأنف أخشم لا يجد الريح أو أخرم الأنف أو بأنفه نقصان من شئ أصابه فإن المقطوع مخير بين القطع وبين أخذ دية أنفه (١) . العين: تؤخذ العين بالعين عند الفقهاء الأربعة لقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥] ولأنها تنتهى إلى مفصل فجرى القصاص فيها، وتؤخذ العين السليمة بالضعيفة خلقة أو من كبر، فتؤخذ عين الشاب بعين الشيخ المريضة، وعين الكبير بعين الصغير والأعمش، ولا تؤخذ الصحيحة بالغائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه، وتؤخذ الغائمة بالصحيحة لأنها دون حقه ولا أرش، لأن التفاوت فى الصفة. ويستثنى أبو حنيفة من القصاص ما لو كانت عين المجنى عليه فيها بياض ولكن يبصر بها، وكذلك عين الجانى، فإنه لا قصاص فيهما (٢) . وإذا قلع الأعور عين صحيح فلا قود عليه وعليه دية كاملة عند أحمد، وحجته أن عمر وعثمان قضيا بهذا ولم يكن لهما مخالف فى عصرهما فصار إجماعًا. أما مالك فيرى تخيير المجنى عليه فإن شاء اقتص وإن شاء أخذ دية كاملة، ويرى أبو حنيفة والشافعى أن للمجنى عليه القصاص ولا شئ عليه، وإن عفا فله نصف الدية فقط. أما مالك فجعل له الدية كاملة، لأن عين الأعور هى كل بصره أى تساوى عينيين. ولو قلع الأعور عين مثله ففيه القصاص دون خلاف لتساويهما من كل وجه إذا كانت العين مثل العين فى كونها يمينًا أو يسارًا وإن عفا على الدية فله جميعها، لأنه ذهب بجميع بصره فأشبه ما لو قلع عين صحيح.

стр. 1000

وإن قلع الأعور عين صحيح فالرأى الراجح فى مذهب أحمد: إن شاء اقتص ولا شئ له سوى ذلك لأنه قد أخذ جميع بصره، فإن اختار الدية فله دية واحدة، والرأى المرجوح يرى أن له ديتين، إحداهما: للعين التى تقابل عينه، والدية الثانية: لأجل العين الثانية. وعند مالك: للمجنى عليه القصاص ونصف الدية. وإن قلع صحيح العينين عين أعور فله القصاص من مثلها ويأخذ نصف الدية لأن الجانى ذهب بجميع بصره وأذهب الضوء الذى بدله دية كاملة، وقد تعذر استيفاء جميع الضوء إذ لا تؤخذ عينان بعين واحدة، ولا أخذ يمنى بيسرى فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء، ويرى البعض أن ليس له إلا القصاص من غير زيادة أو العفو على الدية؛ لأن الزيادة هنا غير مثمرة فلم يكن لها بدل. ويرى مالك أن الصحيح إذا فقأ عين الأعور فللأخير أن يقتص أو يأخذ دية كاملة لا نصف دية (١) . ٢٩٦- الأذن: وتؤخذ الأذن بالأذن عند الأئمة الأربعة لقوله تعالى: ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة:٤٥] ولأنه يمكن القصاص لانتهائه إلى حد فاصل. وتؤخذ أذن السميع بأذن الأصم، وأذن الأصم بأذن السميع، لأنهما متساويان فى السلامة من النقص، وعدم السمع نقص فى غير صوان الأذن، ويؤخذ بعض الأذن ببعضها ويراعى فى تقدير المقطوع نسبته إلى الباقى فيقدر بالجزء ولا يقدر بالمساحة؛ كما ذكر فى حالة الأنف. ويؤخذ الصحيح بالمثقوب والمثقوب بالصحيح، لأن المثقوب ليس بنقص، وإنما تثقب الأذن للزينة، ولا يؤخذ صحيح بمشقوق لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المشقوق بالصحيح وله من الدية ما يقابل النقص عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد، وليس له شئ عند باقى الفقهاء (٢) .

стр. 1001

٢٩٧- الشفتان: وتؤخذ الشفة بالشفة، وهو ما بين جلد الذقن والخدين علوًا وسفلاً لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] ولأنه ينتهى إلى حد معلوم والقصاص فيه ممكن، وهذا هو رأى الأئمة الأربعة، وفى مذهب الشافعى من يرى أن لا قصاص فى الشفتين لأنه قطع لحم لا ينتهى إلى عظم، وهو رأى مرجوح، وفى مذهب أبى حنيفة يرون القصاص فى الكل، ولا يرون القصاص فى الجزء لعدم إمكان القصاص بدون حيف (١) . ٢٩٨- اللسان: ويؤخذ اللسان عن مالك والشافعى وأحمد لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولأن له حدًا ينتهى إليه، فاقتص فيه، ولا يؤخذ لسان الناطق بلسان الأخرس لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ لسان الأخرس بلسان الناطق لأنه يأخذ بعض حقه، ولا يرى مالك القصاص فى هذه إلا إذا كان فى اللسان منفعة للجانى كما هو الحال فى اليد الشلاء، وإن قطع نصف اللسان أو ثلثه أو ربعه اقتص من لسان الجانى فى مثل ذلك القدر، وفى مذهب الشافعى رأى يرى عدم القصاص فى البعض لأنه لا يؤمن أن يتجاوز القدر المستحق ولكنه رأى مرجوح، والمذهب أن ما يمكن القصاص فى كله يمكن القصاص فى بعضه (٢) , أما أبو حنيفة فيرى أن لا قصاص فى اللسان كله أو بعضه إذ القاعدة عنده أن ما يتبعض وينبسط لا يمكن استيفاء القصاص فيه بصفة المماثلة، ولكن أبا يوسف يرى القصاص فى كل اللسان إن استوعب قطعًا، إذ يمكن القصاص على وجه المماثلة بالاستيعاب (٣) .

стр. 1002

٢٩٩- السن بالسن: ويؤخذ السن بالسن لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥] ولأنه محدود فى نفسه يمكن القصاص فيه دون حيف، ولا يؤخذ سن صحيح بسن مكسور لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويأخذ المكسور بالصحيح، ولا شئ له عند مالك وأبى حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد، وله مقابل ما نقص من المكسور عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد؛ ولا قصاص فى قلع السن الزائد لتعذر المثل، وإن كان له سن زائد فى غير موضع المقلوع لم يؤخذ به، ويرى الشافعى القصاص فى السن الزائد إذا كان له مماثل وكذلك أحمد، ولا يرى ذلك أبو حنيفة. ولا يقتص إلا من سن قد سقطت رواضعه ثم نبتت بعد ذلك، وإلا فلا قصاص، حيث إنها تعود بحكم العادة كما كانت قبل السقوط أو الكسر (١) . ٣٠٠- اليد: وتؤخذ اليد باليد والرجل بالرجل والأصابع بالأصابع والأنامل بالأنامل بقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] ، ولأن لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف فوجب القصاص. وإذا كان القطع من مفصل الكوع أو المرفق فله القصاص باتفاق الفقهاء، أما إذا كان القطع من غير مفصل كالقطع من الكف أو الساعد أو العضد، فمالك يرى القصاص إذا أمكن ولم يخفف منه وإلا فلا قصاص وأبو حنيفة وأحمد والشافعى لا يرون القصاص لأن محل القطع عظم، لكن يجوز عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد أن يقتص المجنى عليه من أول مفصل داخل فى الجناية، ولا يجيز هذا أبو حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد ولا يجيزه مالك حتى لو اتفق عليه الطرفان، ومن أجازه من فقهاء أحمد اختلفوا، فبعضهم يرى أن للمجنى

стр. 1003

عليه أرش الباقى، وبعضهم يرى أن لا شئ له مع القصاص ومذهب الشافعى أن له أرش الباقى. وقياسًا على ما سبق يكون الحكم فى الأعضاء ذات المفاصل وهى الأصابع والرجلين ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، فإن قطع من له خمس أصابع كف من له أربع أصابع، أو قطع من له ست أصابع كف من له خمس أصابع، لم يكن للمجنى عليه أن يقتص منه عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد لأنه يأخذ أكثر من حقه، لكن الشافعى يجيز هو وبعض فقهاء مذهب أحمد أن يأخذ من أصابع الجانى ما يقابل الأصابع المقطوعة لأنها داخلة فى الجناية ويمكن استيفاء القصاص فيها، ولا يرى ذلك أبو حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد، أما مالك فيجيز القصاص بين اليد الكاملة واليد الناقصة إذا كان النقص فى الجانى أو المجنى عليه إصبعًا واحدة أيًا كانت، ولا مقابل للإصبع الزائدة فإن زاد النقص عن إصبع واحدة فلا قصاص ولا يجيز مالك ما يجيزه الشافعى من أخذ الأصابع دون الكف. وتؤخذ يد ناقصة الأصابع بيد كاملة الأصابع، فإن قطع من له أربع أصابع كف من له خمس أصابع، أو قطع من له خمس أصابع كف من له ست أصابع، فللمجنى عليه أن يقتص من الكف، وليس له شئ عند أبى حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد؛ وله دية الإصبع الخامس والحكومة فى الإصبع السادس عند الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد لأنه وجد بعض حقه وعدم الباقى، فأخذ الموجود وانتقل فى المعدوم إلى البدل، أما الفريق الآخر فحجته أنه لا يجوز الجمع بين قصاص ودية فى عضو واحد. ورأى مالك تؤخذ الناقصة بالكاملة إذا كان النقص إصبعًا واحدًا ولا مقابل للناقص، فإن كان النقص أكثر من إصبع خُيِّر المجنى عليه بين القصاص والدية، فإن اقتص فلا شئ له. ولا يؤخذ أصلى بزائد، فإن قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة لم يكن للمجنى عليه أن يقتص من الكف لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجيز الشافعى وبعض فقهاء أحمد القصاص من الأصابع الأصلية

стр. 1004

على ما ذكرنا آنفًا، ومذهب مالك يجيز القصاص؛ لأن نقص إصبع واحدة لا يمنع من القصاص. ويجوز أخذ الزائد بالأصلى، فإن قطع من له أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية، فللمجنى عليه - عند الشافعى - أن يقتص من الكف لأنه دون حقه، ولا شئ له لنقصان إصبع أصلية، لأن الإصبع الزائدة تقوم مقامها، إذ أنها مثلها فى الخلقة. وفى مذهب أحمد رأى يرى أن لا قصاص لاختلاف الزائدة عن الأصلية، ورأى يرى القصاص إذا كانت الزائدة فى محل الأصلية، ورأى يرى القصاص مطلقًا لأن الزائدة لا عبرة بها. ويظهر أن أبا حنيفة يجيز أخذ الزائد بالأصلى لأنه يعتبر الزيادة نقصًا، والقاعدة عنده أن الناقص يؤخذ بالكامل (١) . والقاعدة عند مالك: أنه لا يؤخذ الكامل بالناقص ويؤخذ الناقص بالكامل، إلا إذا رضى المجنى عليه أن يأخذه دون مقابل النقص حتى لا يجمع بين قصاص ودية. فمثلاً إذا قطع صاحب اليد السليمة أقطع الكف لم يقتص للأقطع من يد السليم حيث لا يؤخذ كامل بناقص، لكن إذا قطع أقطع الكف يد غيره من المرفق فللمجنى عليه القصاص بأن يقطع اليد الناقصة من المرفق وله أن يختار الدية، فإذا قطع اليد الناقصة فلا شئ له (٢) . ولا يجيز مالك لمن قطع من مفصل أن يقطع الجانى من مفصل أدنى منه داخل فى الجناية ولو رضى الجانى والمجنى عليه، لكن إذا وقع القصاص على هذا الشكل فقد أجزأ ولا يعاد لو طلب المجنى عليه استيفاء الباقي (٣) .

стр. 1005

ويقتص من الإصبع الزائد فى الإصبع الزائد المماثل - كما جاء فى شرح الدردير - إذا تساويا فى المحل، ولا يرى ذلك أبو حنيفة؛ لأن الزائد فى معنى المزلزل، ولا قصاص عنده فى مزلزل، حتى أنه يرى أن لا قصاص بين يدين فى كل منهما إصبع زائدة، ولكن أبا يوسف يرى القصاص فى هذه الحالة للمساواة بين اليدين. ٣٠١- الإليتان: وتؤخذ الإليتان بالإليتين وهما الناتئتان بين الظهر والفخد، وهو رأى مالك، ويأخذ به بعض فقهاء مذهب الشافعى وأحمد، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] ولأن الإليتين ينتهيان إلى حد فاصل، فوجب فيهما القصاص كأى عضو له مفصل، أما البعض الآخر فيرى أن لا قصاص لأن الإليتين لحم متصل بلحم وليس له حد فاصل يؤمن معه الحيف، وهو رأى أبى حنيفة (١) . ٣٠٢- ويؤخذ الذكر بالذكر: لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولأنه ينتهى إلى حد فاصل يمكن الفصل فيه من غير حيف عند مالك والشافعى وأحمد. ويرى أبو حنيفة أن لا قصاص فى الذكر لأنه ينقبض وينبسط فلا يمكن القصاص على وجه المماثلة، ولكن أبا يوسف يرى القصاص إذا استوعبت الذكر كله لأن له حدًا ينتهى إليه. ويؤخذ بعضه ببعضه عند مالك وأحمد، وفى مذهب الشافعى رأيان أرجحهما أخذ البعض بالبعض، وعند أبى حنيفة تؤخذ الحشفة بالحشفة ولا قصاص فى بعضها ولا فى بعض الذكر غيرها. ويؤخذ ذكر الفحل بذكر الخصى لأنه كذكر الفحل فى الجماع وعدم الإنزال لمعنى فى غيره، ويقطع الأغلف بالمختون؛ لأنه يزيد على المختون بجلدة تستحق إزالتها بالختان، ولا يؤخذ صحيح بأشل؛ لأن الأشل ناقص بالشلل فلا يؤخذ به كامل (٢) .

стр. 1006

٣٠٣- وتؤخذ الأنثيان بالأنثيين: لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولأنه ينتهى إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه؛ فإن قطع أحد الأنثيين وقال أهل الخبرة يمكن أخذها من غير إتلاف الأخرى اقتص منه حتى لا تؤخذ أنثيان بواحدة، وهذا هو رأى الشافعى وأحمد والظاهر من مذهب مالك، أما أبو حنيفة فلا يرى القصاص فى الأنثيين حيث لا حد لهما ينتهيان إليه فيهما (١) . ٣٠٤- الشفران: قياس مذهب مالك أن فى الشفُّرْين القصاص، وقياس مذهب أبى حنيفة أن لا قصاص فيهما، وفى مذهب الشافعى وأحمد رأيان: أحدهما: يقول بالقصاص، والثانى: يرى أن لا قصاص، وحجة الأول أن لهما حدًا ينتهيان إليه، وحجة الثانى أن الشفرين لحم وليس لهما حد ينتهيان إليه (٢) . ثانيًا: فى إذهاب معانى الأطراف ٣٠٥- المفروض فى تفويت منفعة الأطراف بقاء أعيانها: فإن ذهب المعنى مع الطرف دخل الفعل تحت إبانة الأطراف، لأن معنى الطرف يكون تابعًا للطرف فى هذه الحالة. والأصل أنه لا قصاص فى تفويت منفعة معانى الأطراف لعدم إمكان الاستيفاء، ولكن معظم الفقهاء لا يرون مانعًا من محاولة القصاص فإن أمكن الاستيفاء فقد أخذ المجنى عليه حقه، وإن لم يتمكن ألزم الجانى بالدية. وهم يفرقون بين ما إذا كان الفعل يجب فيه القصاص أو لا يجب فيه القصاص، فإن كان فيه القصاص استوفى القصاص فى الفعل المادى، فإن ذهبت المعانى المماثلة فقد انتهى الإشكال، وإن لم تذهب عمل على إذهابها بطريقة إن أمكن،

стр. 1007

فإن لم يكن ذلك فى الإمكان فقد امتنع القصاص لعدم إمكانه ووجبت الدية محله. وإذا كان الفعل لا يجب فيه القصاص عمل على إذهاب المعانى بطريقة علمية إن أمكن ذلك، فإن ذهبت المعانى فقد أخذ المجنى عليه حقه، وإلا وجب عليه الدية بدلاً من القصاص، وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد (١) , أما أبو حنيفة فلا يرى القصاص فى الفعل ولا فى ذهاب المعنى، ولو كان الفعل أصلاً يمكن القصاص فيه كالموضحة التى تذهب البصر، لأن القصاص على وجه المماثلة غير ممكن، إذ الفعل الذى يراد القصاص فيه جرح مذهب لمعنى طرف، وإحداث مثل هذا الجرح على وجه التماثل غير ممكن، ويرى أبو يوسف ومحمد القصاص فى الفعل إذا كان مما يجب فيه القصاص وفى المعنى الدية، وهناك رواية عن محمد عن ابن سماعة أن فى الفعل والمعنى القصاص معًا إذا كان القصاص من المعنى ممكنًا كالإبصار، أما إذا كان القصاص من المعنى غير ممكن فلا قصاص إلا فى الفعل، ويرى بعض أصحاب الشافعى أن لا قصاص فى السراية أصلاً، وهو رأى مرجوح وليس هو المذهب (٢) . ويضربون مثلاً لتطبيق القواعد السابقة فى حالة وجوب القصاص فى الفعل: رجل ضرب آخر فشجه مُوضحة ذهب معها سمعه أو بصره أو شمه، فللمجنى عليه عند مالك والشافعى وأحمد أن يقتص من الموضحة، فإن ذهب معها السمع أو البصر أو الشم فقد أخذ حقه، وإن لم يذهب عولج بما يذهب بصره أو سمعه أو شمه دون جناية على العين أو الأذن أو الأنف، فإن كان إذهاب المعانى يقتضى الجناية على هذه الأعضاء لم يجز إذهاب المعانى. ويرى أبو حنيفة أن لا قصاص فى الموضحة ولا فى غيرها، ويرى محمد وأبو يوسف القصاص فى الموضحة

стр. 1008

فقط، وهو رأى محمد عن ابن سماعة، ويرى بعض فقهاء مذهب الشافعى القصاص المباشر من الموضحة ومن العين، ولا يرى القصاص المباشر من السمع والشم لأنه غير ممكن. ويضربون مثلاً فى حالة عدم القصاص: شجة وفوق الموضحة، لا قصاص فيها من الجرح، وإنما تبقى فقط محاولة إذهاب المعنى، على أن الشافعى وبعض الفقهاء فى مذهب أحمد يرون أن يقتص موضحة فقط فى هذه الحالة. * * * ثالثًا: القصاص فى الشجاج ٣٠٦- لا خلاف بين الفقهاء الأربعة على أن الموضحة من الشجاج فيها القصاص لإمكان الاستيفاء على وجه المماثلة إذ لها حد تنتهى إليه السكين وهو العظم، ولا خلاف بينهم أيضًا فى أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة لتعذر الاستيفاء على وجه المماثلة؛ لأن الهامشة تهشم العظم، والمنقلة تنقله من مكانه بعد هشمه، والآمَّة لا يؤمن معها أن تصل السكين إلى المخ، وكذلك الدامغة. أما ما قبل الموضحة من الشجاج فمختلف فيه. فمالك يرى القصاص فيها جميعًا لإمكان القصاص (١) , وأبو حنيفة يرى طبقًا لرواية الحسن أنه لا قصاص فى الشجاج إلا فى الموضحة والسمحاق إن أمكن القصاص فى السمحاق، بينما ذكر محمد فى الأصل أن القصاص واجب فى الموضحة والسمحاق والباضعة والدامية، لأن استيفاء المثل ممكن بقياس الجراحة طولاً وعمقًا (٢) . ومذهب الشافعى وأحمد على أنه لا قصاص فى غير الموضحة من الشجاج، لأن ما فوق الموضحة يتعذر فيه الاستيفاء على وجه المماثلة، لكنهما يريان أن للمجنى عليه الحق فى أن يقتص، وهى بعض حقه، لأن ما فوق الموضحة يزيد عليها فإذا اقتص موضحة فقط فقد أخذ بعض حقه، ويرى الشافعى أن للمجنى عليه مع ذلك أن يأخذ الفرق بين دية الموضحة ودية تلك الشجة، لأن تعذر

стр. 1009

القصاص على سبيل المماثلة ينقل حقة إلى البدل فيما لم يقتص منه، ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد هذا الرأى، ويرى البعض الآخر أن لا شئ له مع القصاص حتى لا يجتمع القصاص والدية فى عضو واحد. أما ما قبل الموضحة من الشجاج فيرى الشافعى وأحمد أن لا قصاص فيها لأنها جراحات لا تنتهى إلى عظم فليس لها حد معلوم تؤمن معه الزيادة، ولا عبرة عندهما بقياس عمق الجرح، لأن الأخذ بهذه الفكرة يؤدى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة ومن الباضعة سمحاقًا، لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج أو سمحاقه، ولأننا لم نعتبر فى الموضحة عمقها فكذلك يجب أن يكون الحال فى غيرها (١) . * * * رابعًا: القصاص فى الجراح ٣٠٧- اختلف الفقهاء اختلافًا بينًا فى الجراح، فمالك يرى القصاص فى كل جراح الجسد ولو كانت منقلة أو هاشمة، أى ولو كانت مصحوبة بكسر فى العظام، لأنه يرى القصاص ممكنًا على وجه المماثلة، ولا يمنع القصاص إلا إذا عظم الخطر منه كما فى عظام الصدر والعنق والصلب والفخذ فإذا لم يكن هناك خطر أصلاً أو كان خطر لم يعظم فالقصاص واجب (٢) , ولا قصاص فى الجائفة. ويرى أبو حنيفة أن لا قصاص فى الجراح أصلاً، سواء كانت جائفة أو غير جائفة حيث لا يمكن الاستيفاء فيها على وجه المماثلة، لكن إذا أدى الجرح للموت وجب فيه القصاص إن كان الجانى متعمدًا القتل لأن الجراحة تصبح بالسراية نفسًا (٣) . ويرى الشافعى وأحمد القصاص فى جراح الجسد إذا كان الجرح فى معنى

стр. 1010

الموضحة أى إذا كان الجرح ينتهى إلى عظم كجروح الساعد والعضد والساق والفخد، فهذه يمكن المماثلة فيها فيجب فيها القصاص. ولكن بعض أصحاب الشافعى لا يرون القصاص فى جراح الجسد أيا كانت، وهو رأى مرجوح، وحجتهم أن موضحة الرأس لها أرش مقدر، أما جراح الجسد فلا، ورد عليهم بأن الأساس فى القصاص ليس الأرش وإنما قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] (١) . وأساس اختلاف الفقهاء هو اختلاف التقدير، فمن رأى القصاص ممكنًا على وجه المماثلة فى معظم الجراح كمالك قال به، ومن رآه غير ممكن أصلاً كأبى حنيفة قال لا قصاص، ومن رآه ممكنًا فى الإيضاح فقط كالشافعى ومالك قال بالقصاص فيما أوضح العظم من الجراح فقط. القصاص فى القسم الخامس ٣٠٨- إذا لم يذهب الاعتداء بطرف أو بمعناه ولم يحدث شجة ولا جرحًا فلا قصاص طبقًا لرأى أغلب الفقهاء. فاللطمة والوكزة والوجأة وضربة السوط والعصا لا قصاص فيها إذا لم تترك أثرًا (٢) . ويستثنى مالك السوط، ويرى القصاص فى ضربة السوط ولو لم يحدث جرحًا أو شجة، ولكنه لا يرى القصاص فى اللطمة وضربة العصا إلا إذا تركت جرحًا أو شجة (٣) ، ويرى شمس الدين بن قيم الجوزية - من فقهاء الحنابلة - القصاص فى اللطمة والضربة، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] فأمر بالمماثلة فى العقوبة والقصاص، فالواجب أن يفعل بالمعتدى كما فعل فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل، وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كل وجه، ولا ريب أن اللطمة باللطمة والضربة بالضربة أقرب إلى المماثلة المأمور بها

стр. 1011

حسًا وشرعًا من التعزير بغير جنس اعتدائه وقدره وحقيقته. وقد استدل على صحة رأيه بأن أحمد بن حنبل قال بالقصاص من اللطمة والضربة، وأن أبا بكر وعثمان وعليًا وخالد ابن الوليد أقادوا من لطمة، وأن عمر بن عبد العزيز أقاد رجلاً صفعه آخر حتى سلح (١) . ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى وأحمد القصاص من اللطمة إذا ذهبت بضوء العين (٢) , ولكنهم لا يرون القصاص فى اللطمة وحدها. استيفاء القصاص ٣٠٩- مستحق القصاص: مستحق القصاص فيما دون النفس هو المجنى عليه دون غيره وله أن يستوفى القصاص إذا كان بالغًا عاقلاً، فإن لم يكن كذلك فيرى مالك وأبو حنيفة أن يقوم مقامه فى الاستيفاء الولى أو الوصي (٣) , وهذا الرأى يأخذ به بعض الفقهاء فى مذهب أحمد. ويرى الشافعى وأغلب الفقهاء فى مذهب أحمد أن الولى والوصى ليس لهما أن يستوفيا قصاصًا استحق للصغير أو المجنون، لأن القصاص للتشفى ولا يتوفر هذا المعنى فى قصاص الولى والوصى فينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون (٤) . ويعطى مالك للولى والوصى والقيم حق الاستيفاء فى النفس وفيما دونها، ويعطى أبو حنيفة للولى حق الاستيفاء فى النفس، وللولى والوصى والقَّيم حق الاستيفاء فيما دون النفس، ويعلل ذلك بأن تصرف الوصى لا يصدر عن كمال النظر والمصلحة فى حق الصغير لقصور فى الشفقة الباعثة عليه بخلاف الأب والجد ولذا لا يلى استيفاء القصاص فى النفس، أما ما دون النفس فيسلك بهما مسلك

стр. 1012

الأموال، وللوصى ولاية استيفاء المال، فأخيرُ له أن يستوفى القصاص فيما دون النفس، لأنه فى حكم استيفاء المال (١) . ٣١٠- هل يحبس الجانى إذا أخر القصاص؟: ومن يرى تأخير القصاص حتى البلوغ أو إفاقة المجنون لا يرى حبس الجانى حتى البلوغ أو الإفاقة ما دامت الجناية على ما دون النفس، بل يطلق سراح الجانى، أما إذا كانت الجناية على النفس فيحبس الجانى، ويترتب على هذا أنه لو أطلق سراح الجانى ثم مات المجنى عليه بالسراية تعين حبس الجانى؛ لأن الجناية أصبحت نفسًا (٢) . ٣١١- مدى سلطة الولى والوصى: تتأثر سلطة الولى والوصى طبقًا لاختلاف وجهة نظر الفقهاء فى عينية القصاص، فمن رأى أن القصاص واجب عينًا وأن الدية لا تجب بتنازل المجنى عليه عن القصاص على الدية وإنما تجب برضاء المجنى عليه - من رأى هذا كمالك وأبى حنيفة منعا الولى والوصى من العفو؛ لأن العفو لا يكون إلا من صاحب الحق، والحق للصغير والمعتوه وليس لهما، وإنما لهما ولاية استيفاء حق وجب للصغير وولايتهما مقيدة بالنظر للصغير، والعفو ضرر محض، لأنه إسقاط دون مقابل، وإنما يجوز للولى والوصى الصلح على القصاص مقابل مال بشرط أن لا يقل عن الدية أو الأرش، فإن صالحا على أقل من ذلك كان للصغير والمجنون الرجوع على الجانى بما نقص من الدية أو الأرش، ويقيد مالك الرجوع على الجانى بأن لا يكون معسرًا وقت الاتفاق، وإذا رجع المجنى عليه على الجانى لم يكن للجانى أن يرجع على الولى أو الوصى بما رجع عليه به المجنى عليه (٣) .

стр. 1013

والشافعى وأحمد لا يريان أن للولى حق الاستيفاء ولا يجعلان للوصى أو القيم دخلاً فى هذا الحق، ولكنهما يعطيان الولى حق العفو عن القصاص إلى الدية، ولا يعطيانه حق العفو مجانًا، ولولى المجنون أن يعفو على المال عند البعض بالشرط السابق، وليس له العفو عند البعض لأن نفقته فى بيت المال (١) ٣١٢- هل يصح قصاص الصغير والمجنون؟: العلة فى منع الصغير والمجنون من الاستيفاء قبل البلوغ والإفاقة أن القصاص حق، وأن استعماله يقتضى الأهلية فيمن يستعمله، فإذا وثب الصغير أو المجنون بالجانى ففعلا به مثل ما فعل بهما، كأن كان الجانى قطع يد الصغير فقطع الصغير يده، فيرى البعض أنه يصير مستوفيًا لحقه لأن عين حقه أتلفه، فأشبه ما لو كانت له وديعة عند رجل فأتلفها، فإن المودع لديه لا يسأل عن الوديعة. ويرى البعض أن لا يعتبر مستوفيًا لحقه لأنه ليس من أهل الاستيفاء، ويعتبر جانيًا على الجانى، وعلى الأخير أن يؤدى للصغير أرش يده ويرجع على عاقلة الصغير بأرش يده هو لأن عمد الصغير خطأ (٢) . ٣١٣- من يلى الاستيفاء؟: لا يستوفى القصاص فيما دون النفس إلا بحضرة السلطان وتحت إشرافه، لأن القصاص فيما دون النفس يحتاج إلى الاجتهاد ويسهل فيه الحيف ولا يؤمن أن يحيف المقتص، فوجب أن يكون تحت إشراف السلطان. ومذهب أبى حنيفة، وهو وجه فى مذهب أحمد، جواز الاستيفاء من المجنى عليه فيستوفى المجنى عليه لنفسه إن كان خبيرًا يحسن الاستيفاء، فإن لم يكن يحسنه وكل عنه من يحسنه، لأن القصاص حق له فكان له استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه كسائر الحقوق، والمقصود من القصاص التشفى، وتمكين المجنى عليه من القصاص أبلغ فى التشفى، ولكن لما كان استعمال الحق يحتاج إلى خبرة خاصة

стр. 1014

فإن المجنى عليه لا يمكَّن منه إلا إذا توفرت فيه هذه الخبرة، فإن لم تتوفر وكَّل عنه خبيرًا بالقصاص، والقائلون بهذا الرأى فى مذهب أحمد لا يرون مانعًا من تعيين رجل بأجر من بيت المال يكون خبيرًا بالقصاص، مهمته أن يستوفى نيابة عن المجنى عليه من الدين لا يحسنون الاستيفاء (١) . ويرى مالك والشافعى - ورأيهما وجه فى مذهب أحمد - أن المجنى عليه ليس له أن يستوفى فيما دون النفس بأى حال، سواء كان يحسن القصاص أو لا يحسنه؛ لأنه لا يؤمن مع قصد التشفى أن يحيف على الجانى أو يجنى عليه بما لا يمكن تلافيه، وإنما يتولى القصاص فى النفس من يُحْسنُهُ من الخبراء، ويقول مالك فى ذلك: "أحب إلى أن يولّى الإمام على الجراح رجلين عدلين، فإن لم يجد إلا واحدًا فأرى ذلك مجزئًا إن كان عدلاً" وعلى هذا يصح أن يكون المستوفى موظفًا مخصصًا بمهمة القصاص فيما دون النفس (٢) . كيفية الاستيفاء فى الشجاج والجراح: ذكرنا أن الاستيفاء فى الشجاج والجراح يكون بالمساحة، فيراعى طول الجراح وعرضها عند الشافعى وأحمد ولا يراعى العمق، أما مالك وأبو حنيفة فيراعون العمق فوق مراعاة الطول والعرض. والفرق بينهما وبين الشافعى وأحمد: أن الأولين يقولان بالقصاص من الشجاج قبل الموضحة كلها أو بعضها، أما الأخيران فيقولان بالقصاص من الموضحة فقط، ولما كانت الموضحة هى التى توضح العظم أى تظهره، فليس هناك ما يدعو لقياس العمق، لأن حد الجراحة هو إيضاح العظم أى إظهاره، أما ما قبل الموضحة فليس له حد معين فى عمقه، فاشترط قياس عمق الجرح لتحقق التماثل بين فعل الجانى والمقتص. والقاعدة عند الشافعى وأحمد اعتبار كل العضو.

стр. 1015

ولا يتقيد الشافعى وأحمد عند الاستيفاء بمكان الشجة والجراحة من العضو المصاب ما دام هذا المكان فى عضو الجانى لا يتسع للقصاص، ويعتبران عضو الجانى كله أعلاه وأسفله ووجهه وظهره محلاً للقصاص حتى تستوفى الجراحة المماثلة طولاً وعرضًا، ولكنهما يشترطان أن يبدأ من حيث بدأ الجانى إذا كانت الجراحة لا تأخذ كل العضو، وأن لا ينتقل القصاص من عضو إلى عضو آخر، فإذا لم يتسع عضو الجانى كله لمثل الجراحة التى بعضو المجنى عليه اكتفى بما اتسع له عضو الجانى فقط. وهذا لا يظهر إلا إذا كان عضو الجانى أصغر من عضو المجنى عليه أما إذا كانت مثله فالاستيفاء فى نفس المحل. فمثلاً إذا كانت رأس الشاج أصغر من رأس المشجوج، وكانت الموضحة فى مقدم الرأس أو فى مؤخره أو قزعته وأمكن أن يستوفى قدرها فى موضعها من رأس الشاج لم يستوف فى غيرها. وإن كان قدرها يزيد على مثل موضعها من رأس الشاج استوفى بقدرها وإن جاوز الموضع الذى شجه فى مثله لأن الجميع رأس، فإن كانت فى مقدم الرأس فلم يتسع لها مقدم الرأس استوفى بقية الشجة فى جانب الرأس. وإن كان قدرها يزيد على كل رأس الجانى لم يجز أن ينزل إلى الوجه والقفا لأنه قصاص فى غير العضو الذى جنى عله وهو الرأس. وإن أوضح الجانى كل رأس المجنى عليه، ورأس الجانى أكبر من رأس المجنى عليه، بدأ المجنى عليه بالقصاص من أى جانب شاء؛ لأن الرأس جميعها محل للجناية، وإن أراد أن يستوفى بعض حقه من مقدم الرأس وبعضه من مؤخره، فهناك رأيان: رأى يقول بعدم جوازه لأنه يأخذ موضحين بموضحة، ورأى يقول بالجواز ما دام لا يجاوز قدر الجناية وموضعها وهو الرأس، إلا أن يقول أهل الخبرة إن فى ذلك زيادة ضرر أو شين. أما إذا كان رأس الجانى هو الأكبر فللمجنى عليه أن يستوفى مثل شجته فى مكانها. وهذا هو رأى الشافعى وأحمد (١) .

стр. 1016

أما أبو حنيفة فالقاعدة عنده أن الاستيفاء بحسب طول الشجة وعرضها ما أمكن بشرط أن لا يؤدى القصاص إلى إحداث شين الجانى أكثر من شين المجنى عليه، فإذا أخذت الشجة ما بين قرنى المشجوج وكانت تزيد على ما بين قرنى الشاج لصغر رأسه فليس للمشجوج أن يزيد على ما بين قرنى الشاج وله أن يأخذ الأرش إن شاء، وكذلك لو كانت الشجة لا تستوعب ما بين قرنى المشجوج فله أن يقتصها غير مستوعبة وإن شاء الأرش (١) . كيفية القصاص فى الجراح: لا قصاص فى الجراح عند أبى حنيفة. ويرى أحمد والشافعى القصاص فيما أوضح العظام، أما مالك فيرى القصاص فى كل الجراح ما أمكن القصاص ما لم تكن مخوفة. والقاعدة التى أخذ بها مالك والشافعى وأحمد فى الشجاج هى قاعدتهم فى الجراح. كيفية القصاص فى الأطراف: القاعدة عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد أن لا قصاص إلا من المفصل فى الأطراف، أما مالك فيجيز القصاص من غير مفصل لأنه يجيز القصاص من العظام. فإذا كان القطع من غير مفصل فلا قصاص إلا عند مالك، لكن الشافعى وأحمد لا يريان مانعًا من القصاص من أول مفصل داخل فى الجناية، ولا يرى ذلك أبو حنيفة. ٣١٤- كيفية الاستيفاء: لا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا يستوفى بآلة يخشى منها الزيادة ولو كانت هى الآلة المستعملة فى الجريمة، ولا يقاس الاستيفاء فى الجراح بالاستيفاء فى القتل لأن القتل اشترط فى استيفائه السيف، لأن السيف آلة القتل، وليس ثمة شئ يخشى التعدى إليه، فيجب أن يستوفى ما دون السيف بالآلة الملائمة للقصاص، ويتوقى ما يخشى منه الزيادة إلى محل لا يجوز استيفاؤه، ولقد

стр. 1017

منعنا القصاص كلية فيما تخشى الزيادة فى استيفائه، فلأن يمنع الآلة التى يخشى منها الزيادة أولى، فإن كان الجرح موضحة أو ما أشبهها فيقتص بالموسى أو بحديدة ماضية معدة لذلك، ولا يستوفى إلا من له علم كما قدمنا كالجراّح ومن فى حكمه، وإن كان على موضع الجراحة شعر حلق، ثم تقاس الشجة بخشبة أو بخيط ويعلم طولها، ويقاس مثلها فى رأس الشاج وتعلم بخط بسواد أو بغيره، ثم تؤخذ حديدة عرضها عرض الشجة فيضعها فى أول المكان المعلم بالسواد ثم يجرها إلى آخره، وإن كان الفعل قطعًا من مفصل قطع الجراح مفصل الجانى بأرفق وأسهل ما يقدر عليه. وهكذا يراعى فى الاستيفاء أن يكون بما يؤمن معه الحيف والتعذيب، وأن يكون بآلة ماضية معدة للاستيفاء، وأن يكون الاستيفاء من خبير يأتى به على أرفق وجه وأسهله (١) . وكل ذلك إنما هو تطبيق لشرط التماثل وأخذًا بقول الرسول ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولُيحدَّ أحدكم شفْرتَه وليُرحْ ذبيحتَه". ولا يقتص من الجانى فى حر شديد ولا برد شديد، حتى لا يكون للقصاص أثر على الجسم غير عادى، ولا يقتص من الجانى وهو مريض حتى يشفى من مرضه، ويعتبر النفاس مرضًا حتى تنتهى أيامه، وإذا وجب الحد على ضعيف الجسم يخاف عليه من الموت سقط الحد ووجبت عليه الدية (٢) . ولا قصاص فيما دون النفس على حامل حتى تضع حملها ولو كان الحمل بعد الجناية (٣) .

стр. 1018

٣١٥- الاستيفاء عند تعدد المستحقين: إذا تعدد المستحقون وكان محل حق كل منهم غير محل الآخر فلكل منهم أن يستوفى حقه فى أى وقت يشاء، حيث لا يتوقف استيفاء حقه على استيفاء الآخرين. أما إذا تعدد المستحقون لمحل واحد كأن قطع رجل يمنى رجلين، فإن محل القصاص للمجنى عليهما هو يمين الجانى. وحكم هذه الحالة عند مالك: أنه إذا حضر المجنى عليهما معًا أو حضر أحدهما وتغيب الآخر فإن يد الجانى تقطع وليس لهما شئ غير ذلك، وهذا تطبيق لنظريته، فإن القصاص واجب عينا، وإن حقهما تعلق بقطع يد الجانى، فإذا قطعت فقد انتهى حقهما (١) . وتقول نظرية مالك: إنه إذا استحق أكثر من واحد القصاص من عضو اقتص من العضو ولو طلب أحدهم القصاص فقط ويسقط حق الباقين. وإذا استحق أكثر من واحد القصاص فى عضو واحد واختلفت حقوقهم بأن استحق أحدهم كل العضو واستحق بعضهم بعض العضو، كأن قطع لواحد السبابة اليمنى، وللثانى أصابعه، وللثالث يده من المعصم، وللرابع يده من المرفق، فكل هؤلاء يستحقون فى يد المرفق، فتقطع اليد من المرفق لهم جميعًا، ولا شئ لهم ما لم يكن الجانى قصد المثلة بهم فيقتص للأول فى السبابة، ثم تقطع بقية أصابعه، ثم تقطع اليد من المرفق. ويرى أبو حنيفة أنهما إذا حضرا جميعًا فلهما أن يقطعا يمين الجانى ويأخذا منه دية يديهما نصفين لأنهما استويا فى سبب الاستحقاق، وقد وجب قطع اليد فى حق كل واحد منهما، فيستحق كل منهما قطع يده، ولا يحصل من كل منهما فى يد واحدة إلا قطع بعضها، فلم يستوف كل واحد مهما بالقطع إلا بعض حقه فيستوفى الباقى من الأرش. وهذا الرأى تطبيق لنظرية أبى حنيفة فى وجوب القصاص عينًا، تلك

стр. 1019

النظرية التى قيدها فى حالة زوال محل القصاص بحق فيما دون النفس (١) . وتقول نظرية أبى حنيفة: إنه إذا تجمعت حقوق فى عضو وجب استيفاء حق كل واحد بالقدر الممكن، بغض النظر عن أسبقية الاستحقاق فإذا وجد مع ذلك حق أحد المستحقين ناقصًا خُيِّر بين القصاص والدية ولا شئ له إذا اقتص، وإذا لم يتمكن أحد المستحقين من القصاص فله الدية. أما الشافعى فيرى أنه إذا قطع أكثر من واحد فيقتص منه للأول وللباقين الدية، وإن سقط حق الأول بعفو أو صلح مثلاً اقتص للثانى، وهكذا إذا اقتص الواحد بعينه تعين حق الباقين فى الدية، لأن القود فاتهم بغير رضاهم. وإذا قطعهم دفعة واحدة أو أشكل الحال فلم يعرف من قطع الأول أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة اقتص له وتعين حق الباقين فى الدية (٢) . وحجة الشافعى أن الجانى إذا قطعت يده لأحد المستحقين صارت حقًا له، ولا يمكن أن تكون مع ذلك حقًا لغيره فوجبت الدية للغير، والشافعى يطبق هنا نظريته فى القتل. أما أحمد فيطبق أيضًا نظريته فى القتل ويرى أن المجنى عليهم إذا اتفقوا على قطع الجانى قطع لهم جميعًا، ولا شئ لهم فوق ذلك، لأن حقهم فى القطع وقد رضوا به فإن أراد أحدهم القود وأراد الباقون الدية قطع لمن أراد القود وتعين حق الباقين فى الدية (٣) . وأساس نظرية الشافعى وأحمد أنه: إذا تجمعت حقوق فى طرف واحد استوفى الحقوق كلها بالقدر الممكن بشرط تقديم الأسبق فى الاستحقاق، وإذا وجد حق أحد المستحقين ناقصًا خير بين القصاص والدية، ولا شئ له إذا اقتص عند بعض فقهاء مذهب أحمد، وله أرش الناقص عند الشافعى وبعض الفقهاء،

стр. 1020

وإذا لم يتمكن أحد المستحقين مع ذلك من القصاص فله الدية. وإذا بادر أحدهم فقطعه فقد استوفى حقه ولا شئ للآخرين عند مالك، ولهم الدية عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد. ٣١٦- هل يمكن قطع أطراف الجانى قصاصًا؟: إذا استحقت كل أطراف الجانى قصاصًا اقتص منه فى جميعها بعكس ما عليه فى تنفيذ الحدود، فإذا قطع الجانى يدى رجل ورجليه قُطعت يداه ورجلاه لأنه المثل، ولأن استيفاء المثل ممكن. ولو قطع يمين رجل ويسار آخر قطعت يمينه لصاحب اليمين وقطعت يساره لصاحب اليسار؛ لأن هذا يحقق المماثلة. وهكذا يقطع من الجانى طرف بعد طرف كلما استحق ولم يكن ثمة مانع يمنع القصاص (١) . ٣١٧- إذا قطع إصبع شخص من المفصل من اليد اليمنى مثلاً ثم قطع اليمنى لشخص آخر - فيرى مالك أن تقطع اليد اليمنى فقط ولا يقطع الإصبع إلا إذا كان الجانى قد قصد المثلة فيقطع الإصبع ثم تقطع بعد ذلك اليد، وفى الحالين لا شئ للمجنى عليهما، لأن حقهما معلق بالقصاص دون غيره وقد اقتص من الجانى (٢) . ويرى أبو حنيفة أنهما إذا جاءا يطلبان القصاص مجتمعين يقتص أولاً فى الإصبع لأننا لو بدأنا بالقصاص فى اليد أبطلنا حق صاحب الإصبع فى القصاص، ولو بدئ بالإصبع لم يبطل حق صاحب اليد فى القصاص، لأنه يمكن من استيفائه مع النقصان ويخير صاحب اليد بين القصاص والدية، لأن الكف صارت معيبة بقطع الإصبع فوجد حقه ناقصًا فيثبت له الخيار كالأشل إذا قطع يد الصحيح. وإذا جاءا متفرقين فإن جاء صاحب الإصبع أولاً اقتص له حتى إذا جاء صاحب اليد خير على الوجه السابق، أما إذا جاء صاحب اليد أولاً اقتص له، لأن حقه ثابت فى اليد ولا يجوز منعه من استيفاء حقه لحق غائب يحتمل أن يحضر ويطالب ويحتمل أن لا يحضر ولا يطالب، فإن جاء
следующие страницы →