أمرها دون حاجة إلى التحقيق من صحة ادعائها لأن الحمل الحديث وما يدل عليه من الدم وغيره يتعذر إقامة البينة عليه فيقبل قولها فيه (١) .
ويرى بعض الشافعية وأبو حنيفة أن لا يقبل ادعاء المرأة إلا بعد استطلاع من له خبرة من النساء فيقررن أن ادعاءها صحيح وإلا نفذ عليها الحد (٢) .
ويرى مالك أن يؤخر تنفيذ الحد سواء كان جلدًا أو رجمًا على الزانية المتزوجة إذا مكث ماء الزنا ببطنها أربعين يومًا ولو كان الزوج قد استبرأها، وتؤخر أيضًا إذا لم يستبرئها الزوج ولو لم يمض على الزنا أربعون يومًا، وتؤخر المرأة فى الحالين لحيضة؛ أى حتى تحيض مرة واحدة إن أمكن حملها خشية أن يكون بها حمل ويقوم مقام الحيضة. فمن لم تحض بعد مرور ثلاثة أشهر لم تحض فيها بحيث لا يظهر عليها الحمل فإن ظهر عليها الحمل أٌخرت حتى تضع. أما غير المتزوجة فلا يؤخر تنفيذ الحد عليها إن لم تمض على ماء الزنا أربعون يومًا فى بطنها أو مضى عليه هذه المدة ولم يكن فى الإمكان حملها، فإن كان الحمل ممكنًا أُخر تنفيذ الحد عليها لحيضة، على التفصيل السابق (٣) .
الواجب هو الجلد فالحكم يختلف باختلاف ما إذا كان المريض يرجى شفاؤه أو لا يرجى شفاؤه.
المريض الذى يرجى شفاؤه: إذا كان المريض يرجى شفاؤه فيرى مالك وأبو حنيفة والشافعى وبعض الفقهاء فى مذهب أحمد أن لا يجلد حتى يشفى من مرضه؛ لأن إقامة الحد حال المرض قد يؤدى لتلف المريض، وحجتهم ما روى من حديث على حين كٌلف بجلد أمة لرسول الله ﷺ زنت فوجدها حديثة عهد
стр. 1227
بنفاس فخشى إن جلدها أن يقتلها، فعاد إلى النبى ﷺ فقال له: "يا على أفرغت" قال: أتيتها ودمها يسيل، فقال: "دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد" (١) .
ويرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد أن الحد يقام ولا يؤخر لأن الحد واجب فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة، ويحتج هذا الفريق بأن عمر رضى الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون فى مرضه ولم يؤخره، وأنتشر ذلك فى الصحابة فلم ينكروه فكان إجماعًا (٢)(٦) ، ويعتبر الفقهاء النفاس مرضًا.
المريض الذى لا يرجى شفاؤه: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن المريض الذى لا يرجى شفاؤه من مرضه يقام عليه الحد فى الحال ولا يؤخر، ولكنهم يشترطون أن يقام الحد بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة بمائة شمراخ لأنه زنا، ولأن المريض الميؤوس من شفائه إما أن يترك لمرضه فلا ينفذ عليه الحد أو ينفذ عليه كاملا فيفضى ذلك إلى موته فتعين التوسط فى الأمر وجلده جلدة واحدة بمائة شمراخ، وليس ثمة ما يمنع من أن تقوم الضربة الواحدة بمائة شمراخ مقابل المائة ضربة كما قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا َ تَحْنَثْ﴾ [النور:٤٤] ، فهذا أولى من ترك أو قتل المريض بما لا يوجب القتل (٣) .
ولكن مالكًا لا يأخذ بهذا الرأى ويرى ضرب المريض الذى لا يرجى شفاؤه مائة جلدة، ولا يرى فى ضربه بالعِثْكال إلا جلدة واحدة.
* * *
стр. 1228
موانع التنفيذ
٥٥٦ - يمتنع التنفيذ إذا جد ما يسقط الحد بعد الحكم به: ومسقطات الحد هى:
أولا: يسقط الحد برجوع المقر عن إقراره إذا كان الزنا ثابتًا بالإقرار سواء كان الإقرار صريحًا أو ضمنيًا، وقد سبق أن فصلنا الكلام على الرجوع ومتى يسقط الحد.
ثانيًا: عدول الشهود: ويسقط الحد بعدول الشهود عن شهاداتهم قبل التنفيذ كلهم أو بعضهم ما دام عدد الشهود الباقين على شهادتهم أقل من أربعة.
ثالثًا: تكذيب أحد الزانيين للآخر: أو ادعاؤه النكاح إذا كان الزنا ثابتًا بإقرار أحدهما، وهو مذهب أبى حنيفة، أما الأئمة الثلاثة فيرون أن التكذيب لا يسقط الحد وأن ادعاء النكاح لا يسقطه إلا إذا أقام الدليل على وجود النكاح.
رابعًا: بطلان أهلية شهادة الشهود قبل التنفيذ وبعد الحكم، وهو مذهب أبى حنيفة ولا يوافقه عليه الأئمة الثلاثة.
خامسًا: موت الشهود قبل الرجم خاصة، وهو مذهب أبى حنيفة أيضًا ولا يأخذ به الأئمة الثلاثة.
سادسًا: زواج الزانى من المزنى بها، والقائل بهذا هو أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة، وحجته أن النكاح يورث شبهة تدرأ الحد لأنه يعطى الزوج حق الملك والاستمتاع، ولكن فقهاء المذهب لا يوافقونه على هذا الرأى لأن الفعل وقع زنًا وكان سابقًا على الزواج (١) .
* * *
стр. 1229
الكتاب الثانى
القذف
تمهيد:
٥٥٧ - تعريف القذف: القذف فى الشريعة الإسلامية نوعان: قذف يحد عليه القاذف، وقذف يعاقب عليه بالتعزير.
فأما ما يحد فيه القاذف فهو رمى المحصن بالزنا أو نفى نسبه، وأما ما فيه التعزير فهو الرمى بغير الزنا ونفى النسب سواء كان من رمى محصنًا أو غير محصن، ويلحق بهذا النوع السب والشتم ففيهما التعزير أيضًا.
والكلام هنا مقصود به جريمة القذف المعاقب عليها بالحد وأن الكلام على هذا النوع من القذف يشمل القذف والسب الذى يجب فيه التعزير. وقد سكت الفقهاء عن بيان الفروق بين القذف بنوعيه وبين السب والشتم، ولكن الظاهر من تتبع أقوالهم وأمثلتهم فى أبواب الزنا والقذف والتعزير أنهم يعتبرون القول قذفًا كلما ً رمى القاذف المجنى عليه بواقعة تحتمل التصديق والتكذيب ويمكن إثباتها بطبيعتها كالرمى بالزنا والرشوة، ويعتبرون القول سبًا إذا كان مارمى به المجنى عليه ظاهر الكذب ولا يقبل الإثبات بداهة؛ كمن قال لآخر: يا كلب يا حمار، أو قال لبصير: يا أعمى، فرمى الإنسان بأنه كلب أو حمار ورمى البصير بأنه أعمى هو قول ظاهر الكذب ولا يقبل بداهة إثبات صحته.
٥٥٨ - قاعدة الشريعة فى إثبات القذف والسب: القاعدة فى الشريعة أن من رمى إنسانًا بواقعة أو صفة محرمة ما، وجب عليه أن يثبت صحة ما رماه
стр. 1230
به، فإن عجز عن إثباته أو امتنع وجبت عليه العقوبة، أما من سب إنسانًا أو شتمه فعليه العقوبة وليس له الحق فى إثبات صحة ما قال؛ لأن ما قاله ظاهر الكذب ولا يمكن إثباته بطبيعة الحال، أما من رمى شخصًا بما ليس معصية فلا يعفيه صحة القذف من العقاب لأنه بالرغم من صحة قوله قد آذى المقذوف والإيذاء محرم فى الشريعة، ولأن ما قذف به لا تحرمه الشريعة ولا تؤاخذ عليه فلا يصح أن يعزز به.
٥٥٩ - بين الشريعة والقانون: يختلف قانون العقوبات المصرى عن الشريعة من هذه الوجهة كل الاختلاف، فالقاعدة فيه أن ليس لمن قذف إنسانًا بشىء أن يثبت صحة ما قذفه به وعليه العقوبة ولو كان الظاهر أن ما قاله صدق لا شك فيه، والأساس الذى يقوم عليه القانون المصرى هو حماية حياة الأفراد الخاصة وهو نفس الأساس الذى تقوم عليه القوانين الأوروبية؛ لأن مصدرها جميعًا واحد هو القانون الرومانى، فالقانون الوضعى يقوم فى جرائم القول على قاعدة النفاق والرياء ويعاقب الصادق والكاذب على السواء، والمبدأ الأساسى فى هذا القانون أنه لا يجوز أن يقذف امرؤ آخر أو يسبه أو يعيبه فإن فعل عوقب سواء كان صادقًاَ فيما قال أو مختلقًا لما قال.
وإذا كان هذا المبدأ يحمى البرآء من ألسنة الكاذبين الملفقين فإنه يحمى الملوثين والمجرمين والفاسقين من ألسنة الصادقين، وإذا كان هذا المبدأ قد عنى بحماية حياة الأفراد الخاصة فإنه قد أدى إلى إفساد الأفراد والجماعة على السواء؛ لأن القانون حين يعاقب على الصدق لا يمنع الصادق من قول الحق فقط وإنما يدفعه إلى الكذب ويشجعه على النفاق والرياء، كما أن القانون لا يصلح الفرد المعوج السيرة بحمايته وإنما يشجعه بهذه الحماية على الإمعان فى الفساد بل إنه ليغرى كثيرًا من الصالحين بسلوك طريق الفساد ما دام أنهم قد أمنوا من التشنيع والانتقاد، وهكذا تفسد الجماعة وتهدر الأخلاق الفاضلة لأن القانون يحمى من لا يستحق الحماية على الإطلاق.
стр. 1231
بهذا المبدأ الذى قام عليه القانون ينعدم الفرق بين الخبيث والطيب والمسىء والمحسن وينعدم الحد بين الرذيلة والفضيلة، وبهذا المبدأ انحط المستوى الأخلاقى بين الشعوب فالطيب لا يستطيع أن ينتقد الخبيث، والخبيث سادر فى غيه ذاهب إلى نهاية طوره لأنه لا يخشى رقيبًا ولا حسيبًا من الجماهير. ولا يستطيع امرؤ طبقًا لهذا المبدأ القانونى أن يسمى الأسماء بمسمياتها وأن يصف الموصوفات بأوصافها، ولا يستطيع أن يقول للمفترى يا كاذب، فإن قالها فقد باء بالعقوبة وباء الزانى والسارق والكاذب - فوق حماية القانون - بالتعويض المالى على ما نسب إليهم من قول هو عين الحق والصدق.
ذلكم هو مبدأ القانون فى جرائم القول: يحرم على الناس أن يقولوا الحق، وأن يتناهوا عن المنكر، وأن يحطوا من قدر المسئ ليرفعوا من قدر المحسن والإحسان. وقد شعر واضعو القانون المصرى بخطورة هذا المبدأ على الشعب إذا طبق على إطلاقه فاستثنوا منه حالات أربع هى:
١ - حالة الطعن فى أعمال موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية أو مكلف بخدمة عامة: فإن الطاعن لا يعاقب على طعنه إذا حصل بسلامة نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة بشرط أن يثبت الطاعن حقيقة كل فعل أسنده إلى المقذوف (١) .
وقد تقرر هذا الاستثناء بإسقاط الموظف والنائب والمكلف بخدمة عامة إذ أن أعمالهم معرضة للانتقاد فيدعوهم ذلك إلى الإحسان ما استطاعوا.
٢ - حالة دعوة الأمة إلى الانتخاب: فإن نص المادة ٦٨ من قانون الانتخاب يبيح الأقوال الصادقة عن سلوك المرشح وأخلاقه أثناء المعركة الانتخابية بالرغم من تحريم قانون العقوبات لهذه الأقوال فى الأوقات العادية، وقد جعلت هذه الإباحة ليستطيع كل مرشح وكل ناخب أن يقول ما يعرف عن سلوك
стр. 1232
المرشح وأخلاقه دون خوف من العقاب ليسهل على الناخبين أن يميزوا بين المرشحين ويختاروا من يصلح للنيابة عنهم بعد أن يسمعوا عنه كل ما يتعلق بسلوكه وأخلاقه.
٣ - حالة انعقاد البرلمان: فإن أعضاءه لا يؤخذون على ما يبدون من الأفكار والآراء فى المجلسين طبقًا لنص المادة ١٠٩ من الدستور، وقد وضع هذا النص لتمكين نواب الأمة من أن يقولوا ما يشاءون دون تحرج أو خوف من المحاكمة والعقاب. ويلاحظ أن هذه الحالة تختلف عن الحالتين السابقتين فى أن القاذف فى الحالتين السابقتين لا ينجو من العقاب إلا إذا كان صادقًا فيما قال، أما عضو البرلمان فلا يحاكم ولا يعاقب سواء كان صادقًا فيما قال أو مختلقًا لما قال.
٤ - حالة المحاكمة والتقاضى: فالمادة ٣٠٩ من قانون العقوبات تنص على الإعفاء من العقاب على القذف والسب الذى يحدث من الخصوم أو وكلائهم فى دفاعهم الشفوى أو الكتابى أمام المحاكم ولا يترتب عليه إلا المقاضاة المدنية أو المحاكمة التأديبية.
ويلاحظ أن القاذف والساب لا يعاقب جنائيًا على قذفه أو سبه سواء كان صادقًا أو كاذبًا فيما قال. هذا هو مبدأ القانون المصرى فى جرائم القول، وهو نفس المبدأ الذى تأخذ به القوانين الوضعية بصفة عامة، وهى مستثنيات المبدأ فى مصر، وهى لا تكاد تختلف كثيرًا عما فى معظم القوانين الوضعية.
والعيب الفنى فى نصوص القانون المصرى هو التناقض الظاهر وانعدام الانسجام، فبينما المبدأ الأساسى يقوم على حماية الحياة الخاصة للأفراد إذ بالاستثناءات تقوم على إباحة الحياة الخاصة والعامة.
وبينما المبدأ الأساسى هو تحريم القول الصادق والكاذب على السواء إذ ببعض الاستثناءات تبيح القول الصادق فقط، وبعضها يبيح القول الصادق والقول الكاذب معًا، وليس بعد هذا تناقض ولا اضطراب. والعيب الخلقى الاجتماعى أن القانون حين قرر حماية الحياة الخاصة للأفراد قد قضى بإفساد الحياة العامة
стр. 1233
للجماعة؛ لأن الأفراد هم الذين يكونون الجماعة وإذا صلحوا صلحت الجماعة، ولا يمكن أن يتصور وجود جماعة صالحة أفرادها فاسدون، ولا شك أن حماية حياة الأفراد الخاصة تؤدى إلى إفساد أخلاقهم وهدم الوازع الأدبى فى نفوسهم فإنما يحاول إقامة بيت من لبنات تالفة غير متماسكة، فلا يكاد ينتهى من بنائه حتى يخر عليه من السقف أو ينقض من القواعد.
أما المبدأ الأساسى للجرائم القولية فى الشريعة فأساسه تحريم الكذب والافتراء وإباحة الصدق فى كل الأحوال، ولذلك فلا عقاب فى الشريعة على من يقول الحق، ولا مؤاخذة على من يسمى الأشياء بمسمياتها والموصوفات بأوصافها، ولا عقاب على من يقول للزانى يا زانى إذا أثبت أنه زانٍ، ولا عقاب على من يقول للسارق إنك سارق إذا أثبت أنه سارق، ولا عقاب على من يقول للكاذب إنك كاذب إذ لم يَعْدُ قول الحق.
وليس لهذا المبدأ استثناءات، فكل إنسان يستطيع أن يطعن فى أعمال الموظفين العموميين والنواب والمكلفين بخدمات عامة وينسب إليهم عيوبهم ما دام يستطيع إثبات مطاعنه، وله أن يتعدى أعمالهم العامة إلى أعمالهم وحياتهم الخاصة ما دام يستطيع إثبات مطاعنه، وليس لهم أن يتضرروا من عيوبهم ولا من الصفات القائمة فى أعمالهم أو أشخاصهم.
ولم تحم الشريعة الإسلامية الحياة الخاصة للموظفين العموميين ومن فى حكمهم كما تفعل القوانين الوضعية، لأن الشريعة لا تحمى النفاق والرياء والكذب، ولأن الشخص الذى لا يستطيع أن يسير سيرة حسنة فى حياته الخاصة ليس أهلًا فى نظر الشريعة لأن يتولى شيئًا من أمور الناس فى حياتهم العامة.
وكل إنسان فى وقت الانتخابات وفى غير الانتخابات يستطيع طبقًا للشريعة أن يقول للمحسن هذا محسن وللمسىء هذا مسىء ما دام يستطيع أن يثبت إساءة المسىء، وكل إنسان سواء كان عضوًا فى البرلمان أو فى أى هيئة أخرى أو كان
стр. 1234
عاطلًا من عضوية الهيئات على الإطلاق له الحق فى أن ينسب ما يشاء إلى من شاء ما دام يستطيع أن يثبت ما ينسبه إلى هؤلاء، فليس فى الشريعة - كما فى القانون - ما يدعو إلى تحليل الصدق فى وقت الانتخابات وتحريمه فى غير ذلك من الأوقات؛ لأن الشريعة توجب الصدق على الدوام ولا تحرمه فى أى ظرف من الظروف أو زمن من الأزمان.
وليس فى الشريعة - كما فى القانون - ما يدعو إلى تحليل الصدق والكذب معًا لأعضاء البرلمان والمتقاضين؛ لأن ذلك يجعل الصدق والكذب بمنزلة سواء، والشريعة توجب الصدق كل الوجوب وتحرم الكذب كل التحريم فلا تجمع فى حكم واحد بين المتناقضين، ولأن أعضاء البرلمان هم أهل الرأى والشورى فإذا أُحل لهم الكذب وأمنوا العقوبة عليه كانوا أقرب إلى مظنة الوقوع فيه، وما قيمة الرأى والمشورة من قوم يظن فيهم أنهم لا يصدقون فى كل الأحوال ولأن الشريعة الإسلامية تقوم على المساواة، وفى تميز أعضاء البرلمان والمتقاضين خروج على مبدأ المساواة.
هذه هى الشريعة الإسلامية تقوم على حماية الحياة العامة من الغش والرياء وحماية الأفراد من مسايرة الأهواء، وترى الصدق فضيلة تستحق التشجيع لا العقاب، وترى أن الفرد الفاسد أحق بأن يتحمل وزر عمله وأن لا يتضرر من نتائجه، ومن ثَمَّ أباحت إثبات القذف، فإن استطاع القاذف إثبات ما قال فلا عقاب عليه، وليس للمقذوف أن يتضرر من القذف لأنه نتيجة عمله هو لا عمل القاذف، فإن عجز القاذف عن الإثبات فهو ظالم يستحق العقوبة، ويجب أن نلاحظ أن فى إيقاع العقوبة على القاذف بعد إباحة إثبات القذف له وعجزه عن الإثبات دليلًا قاطعًا على عدم صحة القذف، أما إيقاع العقوبة على القاذف مع منعه من إثبات القذف كما هو الحال فى القانون فإنه لا يبرئ مما يقذف به , ولا يقطع بكذب القاذف. ومن هذا يتبين أن نظرية الشريعة أكرم وأفضل للمجنى عليه والجانى من نظرية القانون الوضعى.
стр. 1235
وإذا كان القاذف لا يعاقب على القذف إذا أثبت صحته فليس معنى ذلك إهدار المقذوف طول حياته بحيث يقذف ولا يعاقب قاذفه، وإنما للمقذوف أن يستعيد عصمته بتوبته وصلاحه، فإن تاب وصلح حاله عوقب قاذفه عقوبة تعزيرية إذا كان يعلم بتوبة المقذوف وانصلاح حاله وكان يقصد من القذف إيذاءه (١) .
بل إن قاذف أى شخص بمعصية يعزر على القذف ما دام المقذوف قد عوقب من قبل على معصيته لأن القذف كان لمجرد الإيذاء (٢) .
٥٦٠ - النصوص الواردة فى القذف: الأصل فى تحريم القذف الكتاب والسنة:
فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿واَلَّذِينَ يَرمْوُنَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُنَ الْمُحْصَنَاتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] .
وأما السنة: فقول النبى ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله , والسحر، وقتل النفس التى حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
* * *
المبحث الأول
أركان جريمة القذف
٥٦١ - ذكرنا أن القذف الذى يجب به الحد هو رمى المحصن بالزنا أو نفى النسب عنه. وظاهر من هذا التعريف أن أركان جريمة القذف التى يجب بها الحد ثلاثة:
١ - الرمى بالزنا أو نفى النسب. ... ٢ - أن يكون المقذوف محصنًا.
٣ - القصد الجنائى.
стр. 1236
الركن الأول: الرمى بالزنا أو نفى النسب:
٥٦٢ - يتوفر هذا الركن كلما رمى الجانى المجنى عليه بالزنا أو نفى نسبه مع عجزه عن إثبات ما رماه به. والرمى بالزنا قد يكون نفيًا لنسب المجنى عليه وقد لا يكون، فمن قال لشخص يا ابن الزنا فقد نفى نسبه ورمى أنه بالزنا، ومن قال لشخص يا زانى فقد رماه بالزنا ولم ينف نسبه. فالرمى بالزنا يكون نفيًا لنسب المجنى عليه إذا تعدى القذف لأمه، أما نفى النسب فيقتضى دائمًا رمى أم المقذوف أو أحد أمهاته بالزنا. فمن نسب شخصًا إلى غير أبيه أو إلى غير جده فقد نسب الزنا لأم هذا الشخص أو جدته (١) .
وإذا كان القذف بغير الزنا أو نفى النسب فلا حد فيه، كالقذف بالكفر أو السرقة الزندقية أو شرب الخمر أو أكل الربا أو خيانة الأمانة إلى غير ذلك، ويعاقب على فعل هذا القذف بالتعزير، وكذلك يعزر على القذف بالزنا ونفى النسب إذا لم تستوف شروط الحد.
ويعزر أيضًا على كل قذف لا ينسب فيه للمقذوف معصية ولو كانت وقائع القذف صحيحة، إذا كان القذف مما يؤلم المقذوف ويؤذى شعوره، كأن ينسب للمقذوف أنه عنين أو عقيم أو مجنون أو مريض بالشلل أو السل، أو أنه أسود اللون أو بشع الخلقة، أو أنه من أسرة وضيعة.
والعبرة فى تحديد الإيلام والإيذاء بما جرى عليه العرف أى بما تعارف عليه الناس. ويعاقب القاذف فى هذه الحالة بالذات سواء صح ما نسب للمقذوف أو لم يصح؛ لأنه إذا صح ما نسبه للمقذوف فإنه ليس فيه ما يشين ولا ما تحرمه الشريعة،
стр. 1237
فالقذف ليس إلا إيذاء للمقذوف وإيلام له دون مبرر. وإذا لم يصح ما نسبه للمقذوف فإنه وإن لم يكن فيه ما يشين أو ما تحرمه الشريعة إلا أنه افتراء يؤلم المفترى عليه ويؤذيه والشريعة تعتبر الإيذاء دون مبرر شرعى جريمة يعاقب عليها.
والفرق بين هذه الحالة والحالات السابقة التى يعفى فيها من العقاب أن القاذف يؤذى المقذوف ويؤلمه فى كل الأحوال ولكنه يعفى من العقاب فى الأحوال السابقة لأن للإيذاء مبررًا شرعيًا وهو إتيان المقذوف ما تحرمه الشريعة، أما فى الحالة الأخيرة فليس هناك مبرر شرعى للإيذاء.
والرمى باللواط عند مالك والشافعى وأحمد حكمه حكم الرمى بالزنا؛ لأنهم يعتبرون اللواط زنًا واللائط زانيًا سواء كان فاعلا أو مفعولا به، امرأة أو رجلا، فإذا ثبت أن القاذف أراد من القذف أن المقذوف يعمل عمل قوم لوط فعليه الحد. أما أبو حنيفة فلا يرى حد القاذف باللواط ويرى تعزيره لأنه لا يعتبر اللواط زنًا ومن ثم لا يعتبر الرمى باللواط رميًا بالزنا (١) .
وإذا نسب القاذف للمقذوف أنه لوطى وادعى أنه أراد أن المقذوف من قوم لوط فلا عبرة بادعائه ويجب حد القذف عند مالك ويحده أيضًا الشافعى إلا إذا أراد أنه على دين قوم لوط.
أما أحمد فاختلفت عنه الرواية، فروى عنه أنه يوجب الحد على القاذف إذا قال للمقذوف: يا لوطى وروى عنه أنه فرق بين ما إذا قال القاذف: أردت أن دينه دين لوط، وفى هذه لا حد عليه، وبين ما إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط، وفى هذه عليه الحد. ووجه الإعفاء من الحد أن القاذف فسر كلامه بما لا يوجب الحد فاعتبر التفسير متصلًا بالقذف، والقاعدة أن مثل هذا التفسير لو اتصل بعبارة القذف من وقت القذف لم يجب الحد، أما الرواية الثالثة فيرى أحمد أن القاذف إذا كان فى غضب فهو أهل لأن يقام عليه الحد لأن الغضب قرينة تدل على
стр. 1238
إرادة القذف بخلاف حال الرضا. والراجح فى المذهب هو الرواية الأولى؛ لأن كلمة لوطى لا يفهم منها الآن إلا القذف بعمل قوم لوط فكانت صريحة فى اللواط صراحة لفظ الزانى فى الدلالة على الزنا ولأن قوم لوط لم يبق منهم باقية فلا يحتمل أن ينسب إليهم أحد (١) .
ومن قذف إنسانًا بإتيان بهيمة فعلية الحد عند من يعتبر إتيان البهيمة فى حكم الزنا، وهذا ما يراه بعض الشافعية والحنابلة، ولا حد عليه ولكن يعزر عند من لا يعتبرون إتيان البهائم زنًا وهم مالك وأبو حنيفة وأكثر الشافعية والحنابلة (٢) .
والقاعدة العامة عند الفقهاء أن كل ما يوجب حد الزنا على فاعلة يوجب حد القذف على القاذف به، وكل ما لا يجب حد الزنا بفعله لا يجب الحد على القاذف به، فمن قذف إنسانًا بالمباشرة دون الفرج أو بالوطء بالشبهة فلا حد عليه وإنما عليه التعزير لأنه لم يقذفه بما فيه حد الزنا، ومن قذف امرأة بالمساحقة أو بالوطء مستكرهة فلا حد عليه التعزير لأنه قذفها بما ليس فيه حد الزنا (٣) . هذه هى القاعدة العامة عند الفقهاء ومتفق عليها ولكنهم يختلفون فى تطبيقها لاختلافهم فيما يوجب حد الزنا.
ويرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن الوالد وإن علا إذا قذف ولده وإن نزل لم يجب عليه الحد سواء كان القاذف رجلا أو امرأة؛ لأن عقوبة القذف وإن كانت حدًا إلا أنها متعلقة بحقوق الأفراد، ولأن القذف حق لا تستوفى عقوبته إلا بالمطالبة فهو أشبه بالقصاص، ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجب للابن على أبيه كالقصاص، وإذا كان من المسلم به أن الابن لا يقتص من الأب ولا يقطع فى سرقة
стр. 1239
ماله فأولى أن لا يحد فى قذفه. ويرتب أصحاب هذا الرأى على ما يقولون أن الوالد لو قال لولده من زوجته المتوفاه يا ابن الزانية لم يكن للولد أن يرفع على والده الدعوى، لكن إذا كان لها ابن آخر من غيره استطاع أن يرفع دعوى القذف لأن حد القذف يثبت لكل من المستحقين على الانفراد، ويترتب على هذا الرأى أيضًا أنه لو قذف الزوج زوجته فى حياتها فرفعت دعوى القذف ثم ماتت قبل الحكم فيها ولم يكن لها ورثة غير أولادها م الزوج القاذف فإن الدعوى تسقط حتى عند من لا يسقطون الدعوى بالوفاة؛ لأن ورثة المتوفاة أولاد القاذف وليس لهم أن يطالبوه بحد القذف "الدعوى تسقط دائمًا عند أبى حنيفة بالوفاة وليس للورثة أن يحلوا محل المقذوف لأن حق القذف ليس من الحقوق المالية التى تورث" (١) .
وفى مذهب مالك رأيان: أحدهما يتفق مع الرأى السابق، وثانيهما: للابن أن يطالب أباه بحد القذف لأن نص القذف عام فينطبق على الأب كما ينطبق على غيره، ولأن العقوبة حد والحد حق الله فلا يمنع من إقامتها قرابة الولادة، ولكن القائلين بهذا الرأى يسلمون بأن الابن يفسق بمطالبته بحد أبيه، أى أن عدالة الابن تسقط لمباشرته سبب عقوبة أبيه لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، ويقول: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] (٢) .
ولا يشترط فى القذف أن يكون بلغة معينة فيصح أن يكون باللغة العربية ويصح أن يكون بغيرها من اللغات، ويشترط فى القذف أن يكون صريحًا وصريح القذف ما لا يحتمل غيره فإن احتمل غيره فهو كناية أو تعريض. فمن قال يا زانى أو أنت زان، فقد جاء بقذف صريح. وإن قال: أبوك زان أو أمك زانية أو يا ابن الزانى أو يا ابن الزانية، فهو قذف صريح للأم والأب. وإن قال: يا ابن الزنا أو يا ولد الزنا كان قذفًا صريحًا أيضًا لأن معناه أنك مخلوق من ماء الزنا. أما
стр. 1240
إن قال: ما أنا بزان وليست أمى بزانية، أو قال: يا ابن منزلة الركبان أو ذات الراية، أو قال لامرأة: فضحت زوجك وجعلت له قرونًا أو أفسدت فراشه ونكست رأسه، فذلك هو التعريض أو الكناية.
ولا خلاف فى أن القذف الصريح معاقب عليه بعقوبة الحد، أما القذف القائم على التعريض والكناية فمختلف على عقوبته، فيرى أبو حنيفة - وما يراه رواية فى مذهب أحمد - أن لا حد على القذف بالتعريض أو الكناية وإنما فيه التعزير، وحجة أصحاب هذا الرأى ما روى أن رجلًا قال للنبى ﷺ : إن امرأتى ولدت غلامًا أسود؛ يعرض بنفيه، فلم يعاقبه الرسول على ذلك القول، وأن الله تعالى فرق بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فأباح التعريض بها فى العدة وحرم التصريح فقال جل شأنه: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فىِ أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلا مَّعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] فإذا كان الشرع قد فرق بين التعريض والتصريح فيما يعزر عليه فأولى أن يفرق بينهما من أن يعاقب عليه بعقوبة الحد التى تدرأ بالشبهات، وفضلًا عن ذلك فإن التعريض والكناية يحتمل غيره والاحتمال شبهة والحدود تدرأ بالشبهات (١)(١٩) .
والأصل عند الشافعى أن لا حد إلا فى القذف الصريح ولكنه يوجب الحد من القذف بالتعريض والكناية إذا ثبت أن القاذف نوى بما قال القذف لأن الكناية مع النية بمنزلة الصريح، أما إذا لم ينو بما قاله من تعريض أو كناية القذف لم يجب الحد سواء كان ذلك فى حال الخصومة أو غيرها لأنه يحتمل القذف وغيره فلم يجعل قذفًا من غير نية (٢) .
ويرى مالك الحد فى القذف بالتعريض أو الكناية إذا فهم منه القذف أو دلت القرائن على أن القاذف قصد القذف، ولكنه يستثنى من ذلك الأب فإذا
стр. 1241
عرض الأب بولده أو قذفه بالكناية فلا حد عليه لبعده عن التهمة فى قذف ولده أما إذا صرح فعليه الحد. ويعتبر مالك الخصام من القرائن على القذف، فمن قال فى خصام لآخر ما أنا بزان فكأنه قال يا زانى، أو قال: أما أنا فلست بلائط فكأنه قال يا لائط، أو قال: أما أنا فأبى معروف فكأنه قال: أبوك ليس بمعروف (١) .
وهناك رواية أخرى عن أحمد بأن القاذف تعريضًا أو كناية عليه الحد، وحجة أصحاب هذا الرأى أن النص عام فى عقاب القاذف فإذا ثبت القذف فقد وجب الحد سواء كان القذف صريحًا أو تعريضًا أو كناية، وأن هذا هو قضاء عمر فقد شاور عمر الصحابة فيمن قال لصاحبه: ما أبى بزان ولا أمى بزانية، قد مدح أباه وأمه، فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. ومن المشهور عن عمر أنه كان يجلد الحد فى التعريض، وأنه قضاء عثمان. وروى الأثرم أن عثمان جلد رجلًا قال لآخر يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنا أمه والوذر قدر اللحم يعرض به بقذف الرجال، ولأن الأصل أن الكناية مع القرينة الصادقة إلى أحد محتملاتها كالصريح الذى لا يحتمل إلا ذلك المعنى. ويرد هذا الفريق على القائلين بأن النبى ﷺ لم يعاقب على التعريض بأن العقاب فى القذف معلق على الشكوى من المقذوف، وأن النبى ﷺ لم يعاقب من عرض بزوجته لأنها لم تتقدم بالشكوى (٢) .
ولا يشترط لعقوبة الحد أن يتلفظ القاذف بعبارات القذف بل يكفى لعقابه أن يصادق عليها، فمن قال لآخر: أمك زانية، فقال ثالث صدقت، كان كلاهما قاذفًا وإذا قال رجل لآخر: أشهد أنك زان أو أنك تنسب لغير أبيك، فقال ثالث: وأنا أشهد بمثل ما شهدت به، كان الأول والثالث قاذفين وعليهما الحد (٣) .
ولا يبقى القاذف من عقوبة الحد إن كان قذفه جاء ردًا لقذف وجهه إليه
стр. 1242
المقذوف فمن قال لآخر: يا زانى، فقال له الآخر: لا بل أنت، فإنهما يحدان ولا يسقط الحد بتبادل القذف ولا بتكافؤ السيئات (١) .
ولكن القاذف يعفى من الحد إذا صدقه المقذوف، فمن قال لأجنبية عنه: أنت زانية، فقالت: بك زنيت، فلا حد عليه وعليها حدان، حد الزنا لاعترافها به وحد القذف لقذفها الرجل بالزنا. أما إذا صدر هذا القول من الرجل لزوجته فلا حد على أحدهما: لا حد على الرجل لأنها صدقته، ولا حد عليها لأنه يجوز أن تكون زانية حقيقية ولأنه يجوز أن تكون قصدت نفى الزنا، كما يقول الرجل لغيره سرقت، فيقول معك سرقت ويريد أنى لم أسرق كما لم تسرق، ولأنه يجوز أن يكون معناه: ما وطئنى غيرك، فإن كان ذلك زنًا فقد زنيت، فهذه الاحتمالات معناها الشبهة فى مؤدى قولها ولا حد مع شبهة (٢) .
وإذا استعمل القاذف أفعل التفضيل فى القذف فقال مثلا: أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس، فعليه الحد عن مالك وأحمد (٣) .
أما فى مذهب أبى حنيفة فيرى البعض الحد ولا يراه البعض الآخر، وحجتهم أن أفعل يستعمل فىالترجيح للعلم فكأنه قال: أنت أعلم منى بالزنا، وحجة الفريق الأول أن استعمال أفعل التفضيل قذف لأن معناه أن فلانًا زان وأنت أزنى منه وأنه فى الناس زناة وأنت أزنى منهم (٤) .
ويرى الشافعى أنه إذا قال لغيره: أنت أزنى من فلان أو أنت أزنى الناس، لم يكن قذفًا من غير نية؛ لأن لفظة أفعل لا تستعمل إلا فى أمر يشتركان فيه ثم ينفرد أحدهما فيه بمزية، وما ثبت أن فلانًا زان ولا أن الناس زناة فيكون هو أزنى منهم، وإن قال:
стр. 1243
فلان زان وأنت أزنى منه أو أنت أزنى زناة الناس، فهو قذف لأنه أثبت زنا غيره ثم جعله أزنى منه (١) .
وإذا قال القاذف لشخص: أنت أزنى من فلان، فهو قاذف لهذا الشخص، ولكن هل يكون قاذفًا لفلان أيضًا؟ فيه وجهان: أولهما: يكون قاذفًا للمخاطب خاصة لأن لفظة أفعل للتفضيل فيقتضى اشتراك الاثنين فى اصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه، ثانيهما: قاذفًا للمخاطب خاصة لأن لفظة أفعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل كقول الله تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] ، وقال تعالى: ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْن أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] .
وقوله على لسان لوط: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أى من أدبار الرجال ولا طهارة فى أدبار الرجل.
ويلاحظ أن الشافعى يشترط لاعتبار القول قذفًا أن يريد القائل القذف، وأن بعض الفقهاء فى مذهب أبى حنيفة لا يعتبرون ذلك قذفًا كما ذكرنا فى الفقرة السابقة (٢) .
وإذا استعمل القاذف فى القذف ألفاظًا مشتركة تفيد الزنا وتفيد غيره كقوله: زنأت فى الجبل؛ بالهمزة، فيرى بعض أن العبرة بما يفهمه عامة الناس من العبارة وأنه قذف لأن عامة الناس لا يفهمون من العبارة إلا أنها قذف، وقال البعض إنه قذف إذا كان القاذف عاميًا وكان المعنى العامى يستعمل فى القذف لأنه لا يريد به إلا القذف وإن كان من أهل العلم باللغة فهو ليس قذفًا (٣) .
استعمال صيغة المبالغة أو صيغة الترخيم لا ينفى وجوب الحد على القاذف، فمن قال لرجل: يا زانية، أو قال لامرأة: يا زانى، فهو قذف صريح، ذلك هو رأى مالك والشافعى وأحمد (٤) .
стр. 1244
ويرى أبو حنيفة وأصحابه حد القاذف لو قال لامرأة يا زانى؛ لأن الترخيم شائع ولا يمكن أن يفهم من هذا اللفظ إلا الرمى بالزنا، أما إذا استعمل القاذف صيغة المبالغة فقال للرجل يا زانية، فلا حد عليه عند أبى حنيفة وأبى يوسف وإنما عليه التعزير لأنه رماه بما يستحيل منه إذ الزانية هى المرأة وهى محل للوطء والرجل ليس محلًا له، ويرى محمد من أصحاب أبى حنيفة حد القاذف بصيغة المبالغة لأن التاء فى الزانية أضيفت للمبالغة وليست للتأنيث (١) .
وإذا رمى القاذف رجلا بالزنا وعيَّن المزنى بها كأن قال: زنيت بفلانة، فهو قاذف للرجل والمرأة معًا، أو قال له يا زانى ابن الزانى وكان الأب موجودًا فهو قاذف للأب وابنه، أو قال لامرأة يا زانية بنت الزانية فهو قاذف للمرأتين (٢) .
ويشترط فى القذف أن يكون المقذوف معلومًا فإن كان مجهولا فلا حد على القاذف، فمن قال لجماعة: ليس فيكم زان إلا واحد، أو قال لرجلين: أحدكما زان، لم يحد لأن المقذوف مجهول وما جعل الحد إلا لدفع العار عن المقذوف (٣) .
ويجب أن يكون القذف مطلقًا عن الشرط والإضافة إلى وقت معين، فإن كان كذلك فلا حد عليه فيه؛ لأن ذكر الشرط والوقت يمنع وقوعه قذفًا للحال، فمن قال لآخر: إن دخلت هذه الدار فأنت زان فدخلها فلا يعتبر قاذفًا. ومن قال لآخرين: من قال عنى كذا وكذا فهو زان فقال رجل أنا قلت ذلك؛ فلا حد، ومن قال لغيره: أنت زان أو ابن الزانية غدًا أو رأس الشهر، فجاء الغد أو رأس الشهر فلا حد عليه (٤) .
ولا يعتبر نقل القذف قذفا من الناقل إذا نقله للمقذوف كلف بذلك أم لم يكلف به، بشرط أن يثبت أنه ناقل وأن تكون الصيغة دالة على أنه مكلف
стр. 1245
بالنقل أو أنه يروى عن غيره، فمن قال لآخر: اذهب إلى فلان فقل له يا زانى، فذهب الآخر وقال ذلك للمقذوف، فلا حد عليه، أما إذا اقتصر على عبارة القذف فقط فهو قاذف. ويرى كل من أبى حنيفة والشافعى وأحمد أن الناقل لا يعتبر قاذفًا إذا كذبه المنقول عنه حيث لم يثبت أنه ناقل (١) .
وإذا رمى القاذف بالزنا خصيًا أو مجبوبًا أو مريضًا فعليه الحد عند أحمد، وحجته أن نص القذف عام ينطبق على كل قذف وكل مقذوف فيستوى أن يكون المقذوف قادرًا على الوطء أو عاجزًا عنه، لأن إمكان الوطء أمر خفى لا يعلمه الكثير من الناس فلا ينتفى العار عند من لم يعلمه بدون الحد، ويرى مالك وأبو حنيفة والشافعى أن لا حد على قاذف أحد هؤلاء ما دامت الواقعة المقذوف بها تالية للعجز عن الوطء لأن العار منتف عن المقذوف بدون الحد للعلم بكذب القاذف والحد إنما يجب لنفى العار، ولكن امتناع الحد لا يمنع من تعزير القاذف لأنه آذى المقذوف (٢) .
ويشترط أبو حنيفة لحد القاذف أن يكون القذف فى دار الإسلام فإن كان القذف فى دار الحرب أو فى دار البغى فلا حد على القاذف؛ لأنه لا ولاية للإمام على دار الحرب ولا على دار البغى وقت القذف (٣) .
ولكن الأئمة الثلاثة يرون حد القاذف على قذفه ولو وقع فى دار الحرب أو دار البغى ما دام أنه يلتزم أحكام الإسلام. ومن نفى شخصًا عن أبيه كأن قال له لست لأبيك فإنه يحد باتفاق، ولكن أبا حنيفة يشترط أن تكون أم المنفى نسبه حرة مسلمة لأن القذف فى الحقيقة قذف للأم، ويفرق بين ما إذا كان النفى فى حالة الغضب فيوجد الحد وبين ما إذا
стр. 1246
كان النفى فى غير حالة الغضب فلا يوجد الحد، لاحتمال أن يكون المراد بالنفى غير حقيقة كأن يكون المقصود المعايبة على عدم التشبه بالأب فى محاسن أخلاقه، وعلى هذا يتوقف الحد وعدمه على القرينة، وهذا يتفق مع رأى بعض الشافعية، أما البعض الآخر فهم يرون مع مالك وأحمد الحد سواء نفى النسب فى غضب أو غيره، ويرى أبو حنيفة أيضًا أن من نفى نسب شخص عن جده فقال لست ابن فلان لجده، فلا حد عليه لأنه صادق فى كلامه، لأن الإنسان ليس ابن جده. وكذلك إذا نسب شخصًا لعمه أو خاله أو زوج أمه لا يحد لأن كلًا منهم يسمى أبًا، فالعم يسمى أبًا لقوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعيِلَ وإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وإسماعيل كان عمًا له، والخال أب، ولأن زوج الأم أب للتربية (١) .
ولكن مالكًا يرى الحد فى كل هذه الحالات (٢) . ولا يشترط الشافعى وأحمد هذا الشرط، ويحد القاذف عندهما ولو لم تكن الأم حرة أو مسلمة، وقد توقف مالك فى حالة ما إذا كانت الأم كافرة أو أمَة، ورأى ابن القاسم أن يحد من ينفى النسب ولو كانت المكافرة أو أمة (٣) ، أما من ينفى شخصًا عن أمه فلا حد عليه بالإجماع لأنه لم يقذف أحدًا بالزنا (٤) ، ومن نفى شخصًا عن قبيلته فعليه الحد عند مالك وأحمد ولا حد عليه عند أبى حنيفة (٥) ، وفى مذهب الشافعى قولان، ومن نفى شخصًا عن جنسه بأن قال له: أنت نبطى أو رومى أو لست عربيًا فعليه الحد عند مالك ولا حد عليه عند أبى حنيفة، وفى مذهب الشافعى وأحمد قولان: أحدهما: عليه الحد لأنه أراد نفى نسبه لأن الله تعالى علق الحد على الرمى بالزنا، والثانى: لا حد عليه لأنه يحتمل غير القذف احتمالاً كثيرًا (٦) ، أما إذا كان المنفى جنسه غير عربى فلا حد عليه.
стр. 1247
وإذا قذف الملاعنة أجنبى فعليه الحد عند مالك والشافعى وأحمد (١) ، ويفرق أبو حنيفة بين من لاعنت بولد ومن لاعنت بغير ولد، فمن قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد، أما من قذف ملاعنة بولد فلا حد عليه سواء كان الولد حيًا أو ميتًا وقت القذف (٢) .
ومن قذف شخصًا بالزنا فحد لقذفه ثم قذفه ثانية بذلك الزنا فلا يحد بالقذف الثانى وإنما عليه التعزير عند الشافعى وأحمد؛ لأن نفى العار عن المقذوف وتكذيب القاذف قد تم بالحد الأول، ولأن أبا بكر شهد على المغيرة بالزنا فجلده عمر رضى الله عنه، ثم أعاد القذف فأراد أن يجلده ثانية فقال له علىٌّ: إن كنت تريد أن تجلده فارجم صاحبك، فترك عمر رضى الله عنه جلده. ومعنى عبارة علىٍّ أنك إن أردت أن تجلده ثانية فقد جعلت شهادته شهادتين وإذا كانت شهادته شهادتين فقد كمل عدد شهود الزنا على المغيرة فوجب عليه الرجم لأن أبا بكر ومن معه حدوا لنقص عدد الشهود واحدًا (٣) ، اما مالك فيرى أن يحد مرة ثانية إذا كرر قذفه بعد تنفيذ الحد الأول (٤) .
الركن الثانى: إحصان المقذوف:
٥٦٣ - يشترط فى المقذوف أن يكون محصنًا رجلًا كان أو امرأة: والأصل فى شرط الإحصان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنَاَتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِناَتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْياَ واَلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] والمقصود
стр. 1248
بالإحصان فى الآية الأولى العفة عن الزنا على رأى (١) ، والحرية على رأى (٢) ومعنى الإحصان فى الآية الثانية: الحرية، فالمحصنات معناها الحرائر والغافلات معناها العفائف والمؤمنات معناه المسلمات، وقد استدل الفقهاء من النصين على أن الإيمان - أى الإسلام - والحرية والعفة عن الزنا شروط فى الإحصان.
وقد ورد لفظ المحصنات فى القرآن بمعانٍ متعددة، فوردت بمعنى العفائف على حسب ما بينا، وجاءت بمعنى المتزوجات فى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْماَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: ﴿مُحْصَنَاتُ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] وجاءت بمعنى الحرائر فى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطْعِ مِنكُمْ طَوْلا أَن يَنِكحَ الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُتُوا الْكِتاَبَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقوله ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة ٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ، وجاءت بمعنى الإسلام فى قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] .
ويعتبر الشخص محصنًا إذا كان بالغًا عاقلا حرًا مسلمًا عفيفًا عن الزنا، والبلوغ والعقل شرطان عامان يجب توفرهما فى الجانى فى كل جريمة ولا يجب توفرهما أصلًا فى المجنى عليه، ولكن الفقهاء يشترطون البلوغ والعقل أيضًا فى المقذوف وهو المجنى عليه لإعتباره محصنًا يعاقب على قذفه بالحد، وعلة اشتراط البلوغ والعقل فى المقذوف أنه يرمى بالزنا وهو جريمة لا تقع إلا من بالغ عاقل ولأن زنا الصبى والمجنون لا يجب فيه الحد ولكن الفقهاء مع هذا يختلفون فى شرط البلوغ، فيرى أحمد فى رواية أن البلوغ شرط فى الإحصان لأنه أحد شرطى التكليف فأشبه العقل ولأن زنا الصبى لا يوجب حدًا فلا يجب الحد بالقذف به، ويرى أحمد فى رواية أخرى أن البلوغ ليس شرطًا فى الإحصان مادام المقذوف الواقعة التى قذف فيها فيستطيع الوطء إن كان ذكرًا ويطيق الوطء إن كان أنثى، فعلى هذه الرواية يجب أن يكون المقذوف كبيرًا يجامع مثله ولو لم يكن
стр. 1249
بالغًا، ويحددون السن الأدنى للغلام بعشر سنوات وللجارية بتسع (١) .
ولا يشترط مالك البلوغ فى الأنثى ولكنه يشترطه فى الغلام، ويعتبر الصبية محصنة إذا كانت تطيق الوطء أو كان مثلها يوطأ ولو لم تبلغ فعلا (٢) ؛ لأن الحد جعل لنفى العار ومثل هذه الصبية يلحقها العار. أما أبو حنيفة والشافعى فيشترطان البلوغ من المقذوف ذكرًا كان أم أنثى (٣) .
ومن المتفق عليه أن يكون المقذوف مسلمًا رجلا كان أو امرأة، ولكنهم اختلفوا فى حالة نفى النسب إذا كانت أم المنفى نسبة رقيقًا أو غير مسلمة؛ لأن نفى النسب عن ولدها المسلم ليس إلا رميًا لها بالزنا، فاشترط أبو حنيفة فى حالة نفى النسب أن تكون الأم مسلمة وأن تكون حرة فإن لم تكن كذلك فلا حد على القاذف (٤) .
وفى مذهب مالك لا يشترط فى أم المنفى نسبة أن تكون مسلمة أو حرة ويجب عندهم الحد على القاذف ولو كانت أم النفى نسبه كافرة أو أمة (٥) وهو رأى ابن القاسم، أما مالك فقد توقف فى هذه المسألة، ورأى الشافعى وأحمد يتفق مع ما قال به ابن القاسم فى مذهب مالك (٦) .
ومعنى العفة عن الزنا عند أبى حنيفة أن لا يكون المقذوف وطئ فى عمره وطئًا حرامًا فى غير ملك ولا نكاح فاسد فسادًا مجمعًا عليه، فإن كان قد فعل شيئًا من هذا سقطت عفته سواء كان الوطء زنًا موجبًا للحد أم لا. وإن كان وطئ وطئًا حرامًا ولكنه فى ملك أوفى نكاح صحيح أو فى نكاح فاسد فسادًا غير مجمع عليه فلا تسقط عفته، فإذا وطئ مثلًا امرأة زفت إليه غير امرأته سقطت عفته للوطء الحرام فى غير ملك ولا نكاح ولكنه لا يحد
стр. 1250
على الزنا لقيام دليل ظاهر استباح به الفعل، أما إذا وطئ زوجته النفساء أو الحائض أو الصائمة أو المحرمة أو التى ظاهر منها لم تسقط عفته لقيام النكاح حقيقة ولو أن الوطء فى ذاته محرم (١) .
والعفة عند مالك هى سلامة المقذوف من فعل الزنا قبل قذفه وبعده ومن ثبوت حده عليه لأن ثبوت الحد يستلزم فعل الزنا (٢) .
وعلى هذا يشترط فى المقذوف لاعتباره عفيفًا أن لا يكون قد وطئ وطئًا يوجب حد الزنا وأن لا يكون قد ثبت عليه حد الزنا، فإن كان قد فعل شيئًا من هذا أو ثبت عليه حد الزنا فهو غير عفيف. وإن كان قد وطئ وطئًا محرمًا لا حد فيه فهو عفيف.
ومعنى العفة عند الشافعى هى سلامة المقذوف قبل القذف وبعده عن فعل ما يوجب حد الزنا عليه فإن أتى ما يوجب حد الزنا فهو غير عفيف. أما إن وطئ فى غير ملك وطئًا محرمًا لا يجب به الحد كمن وطئ امرأة ظنها زوجته أو وطئ فى نكاح مختلف فى صحته ففيه وجهان: أحدهما: أنه وطء محرم لم يصادف ملكًا فيسقط العفة والإحصان كالزنا، وثانيهما: أنه وطء لا يجب به الحد فلا يسقط العفة والإحصان كما لو وطئ زوجته وهى حائض (٣) .
ولا يشترط أحمد العفة المطلقة كما يشترطها أبو حنيفة، ولا العفة الفعلية عن الزنا كما يشترطها مالك والشافعى، وإنما يكتفى بالعفة الظاهرة عن الزنا فمن لم يثبت عليه الزنا ببينة أو إقرار ومن لم يحد للزنا فهو عفيف وإن كان تائبًا من زنًا أو ملاعنة (٤) .
ويرى مالك وأبو حنيفة والشافعى أن يكون الإحصان متوفرًا قبل القذف وبعده حتى تنفذ العقوبة، فمن قذف محصنًا فلا حد عليه إذا ارتكب المحصن قبل تنفيذ الحكم ما يجعله مثلًا غير عفيف وإنما على القاذف التعزير. ولكن أحمد
стр. 1251
يرى عليه الحد لأن الإحصان لا يشترط إلا وقت القذف ولا يشترط بعده (١) .
وحجة الأئمة الثلاثة أن شروط الإحصان تعتبر إلى حالة إقامة الحد بدليل أنه لو أرتد أو جن لم يقم عليه الحد ولأن وجود الزنا منه يقوى قول القاذف ويدل على تقدم هذا الفعل منه.
أما أحمد فيرى أن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شروط الوجوب وأن القول باستدامة الشروط قول غير صحيح لأن هذه الشروط للوجوب فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب فقط. أما إذا جن من وجب له الحد فإن الحد لا يسقط وإنما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة فأشبه ما لو غاب من له الحد، وإن ارتد من له الحد لم يملك المطالبة لأن حقوقه وأمواله تزول أو تكون موقوفة (٢) .
وإذا تخلف شرط من شروط الإحصان فى المقذوف فلا حد على القاذف وإنما عليه التعزير إذا عجز عن إثبات القذف، فمن قذف مجنونًا أو كافرًا أو رفيقًا فعليه التعزير.
* * *
الركن الثالث
القصد الجنائى
٥٦٤ - يعتبر القصد الجنائى متوفرًا كلما رمى القاذف المجنى عليه بالزنا أو نفى نسبه وهو يعلم أن ما رماه به غير صحيح. ويعتبر عالمًا بعدم صحة ما رماه به ما دام قد عجز عن إثبات صحته، ويعتبر العجز عن صحة القذف قرينة لا تقبل الدليل على علمه بعدم صحة القذف، فليس له أن يدعى أنه بنى اعتقاده على صحة القذف على أسباب مقبولة لأنه كان يجب عليه قبل أن يقذف المجنى عليه أن يكون الدليل المثبت للقذف حاضرًا فى يده، وهذا هو ما قاله الرسول ﷺ لهلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء: "ايت
стр. 1252
بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد فى ظهرك" مع أن هلال شهد واقعة الزنا بنفسه ولم يخلصه من الحد إلا نزول حكم اللعان، وهذا هو ما يدل عليه نص القرآن الصريح فى قوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعةِ شُهدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُلْئِكَ عِندَ الله هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] .
ولعل هذا هو الذى جعل جمهور الفقهاء يقولون بحد شهود الزنا باعتبارهم قذفة إذا كانوا أقل من أربعة، وإذا كان البعض لا يرى حدهم فإنه لا يرى حدهم إذا جاءوا مجئ الشهود أى إذا تقدموا للشهادة حسبة لله دون دافع شخصى، فأما إن جاءوا مجئ القذفة فلا خلاف فى حدهم.
ولا يشترط بعدما تقدم أن يقصد القاذف الإضرار بالمجنى عليه، ولا عبرة بالبواعث التى حملته على القذف.
هل تشترط العلانية فى القذف؟
٥٦٥ - لا تشترط الشريعة الإسلامية العلانية فى القذف كما تشترطها القوانين الوضعية، ومن ثم تعاقب الشريعة القاذف سواء قذف المجنى عليه فى محل عام أو محل خاص على مشهد من الناس أو فيما بينهما فقط.
وأساس عدم اهتمام الشريعة بالعلانية أنها تزن كرامة الإنسان بميزان واحد وترى أن قيمة الإنسان لا تتغير بتغير الظروف، فقيمته أمام نفسه تساوى قيمته أمام الناس، وحرصه على كرامته فى السر يجب أن لا يقل عن حرصه على كرامته فى العلانية، والشريعة توجب على المرء أن يكون سره كعلنه وتعيب أناسًا بأنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم، وقاعدتها الأساسية تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق، وتدعو الناس أن يذروا ظاهر الإثم وباطنه ولهذا فهى لا تميز بين جريمة ارتكبت فى السر وأخرى فى العلانية لأن الجريمة فى الشريعة محرمة لذاتها لا لظروفها، فمن ارتكب جريمة فى السر لم يشهدها أحد عوقب عليها كما لو ارتكبها علانية على ملأ من الناس.
стр. 1253
أما القوانين الوضعية فلها شأن آخر إذ تميز بين أفعال القذف التى ارتكبت علنًا وأفعال القذف التى ارتكبت فى غير علانية، وتعاقب على الأولى دون الثانية، فهى تعاقب إذا عاقبت لأن القذف فى الغالب سمعه فريق من الناس، ولا تعاقب فى غير العلانية لأن القذف لم يصل إلى أسماع الكثيرين من الناس.
وهكذا تزن القوانين كرامة الإنسان بميزانين وتجعل له قيمتين، فتحافظ على كرامته وقيمته إذا مست وانتقصت قيمته أمام الناس، وتهدر كرامته وقيمته إذا مست وانتقصت دون أن يشتهر ذلك بين الناس.
وهكذا تفرض القوانين الوضعية على الناس حياة الرياء والنفاق وتصرفهم عن الجوهر وتغريهم وتجعل منهم أشخاصًا لا كرامة لهم ولا عزة فيهم، وتعلمهم أن يستحلوا لأنفسهم ما يشاءون فى الخفاء وأن يتظاهروا بالبراءة والطهارة، وأن لا يغضبوا لكرامتهم ولا يثوروا إذا مست فى الخفاء وأن يتظاهروا بالغضب إذا مست فى علانية.
والمبدأ الذى أخذت به القوانين الوضعية فى العلانية متمم لمبدأ عدم جواز إثبات القذف، وكلاهما أساسه فرض حياة الرياء والنفاق على الناس لأن معنى عدم جواز الإثبات هو أن يعاقب الصادق والكاذب على السواء وأن لا يستطيع إنسان أن يقول الحق ويصف الناس والأشياء وصف حق إلا إذا عرض نفسه للعقاب، فإذا لم يرد أن يكون عرضة للعقاب وجب عليه أن يعيش كاذبًا لا يقول الحق ولا يعرف الصراحة.
ومبدأ الشريعة فى عدم اشتراط العلانية متمم لمبدأ جواز إثبات القذف، كلاهما أساسه فرض الحياة الفاضلة على الجمهور وأخذه بالاستقامة والاعتزاز بالكرامة، وشتان بين توجيه الشريعة وتوجيه القانون، فالشريعة تعاقب على الجريمة لذاتها لا لظروفها، بينما القانون يعاقب على ظروف الجريمة ولا يهتم بذات الجريمة. والشريعة لا تحمى الفاسقين المفسدين من ألسنة الصادقين المصلحين بينما تحمى البرآء الغافلين من ألسنة الكاذبين المدعين. أما القانون فيتكفل بحماية
стр. 1254
الفاسقين المفسدين ولو تبين فسقهم، ويعاقب الصادقين المصلحين ولو ثبت صدقهم وصلاحهم، ثم هو بعد ذلك لا يسمح للبرآء الغافلين أن يبرئوا أنفسهم مما ادعاه عليهم الكاذبون، لأن عقاب القاذف دون أن يسمح له بإثبات قذفه يؤدى إلى منع المقذوف من إثبات براءته فيعاقب القاذف لمجرد القذف سواء كان صحيحًا أم كاذبًا، ويبقى المقذوف البرئ وقد لصقت به الفرية لا يستطيع منها فكاكًا ولا خلاصًا.
* * *
المبحث الثانى
دعوى القذف
٥٦٦ - يشترط فى إقامة دعوى القذف مخاصمة المقذوف، أى أن يتقدم المقذوف بشكواه، فإذا قدمت الشكوى من غيره لم يجزأن تقام الدعوى على أساس شكوى الغير؛ كذلك لو تقدم الشهود بشهادتهم حسبة لله لم تقبل منهم الشهادة لأن الشهادة لا تقبل قبل قيام الدعوى، والدعوى لا تقوم إلا بشكوى المقذوف.
ومن المسلم به بين الفقهاء أن القذف حد من حدود الله، والقاعدة العامة فى الشريعة أن خصومة المجنى عليه ليست شرطًا فى إقامة دعوى متعلقة بحد من الحدود، ولكنهم يستثنون من هذه القاعدة العامة حد القذف ويوجبون فى إقامة دعوى القذف خصومة المجنى عليه ناظرين إلى أن الجريمة وإن كانت حدًا إلا أنها تمس المقذوف مساسًا شديدًا وتتصل بسمعته وعرضه اتصالًا وثيقًا، ولأن للقاذف حق إثبات قذفه فلو أثبته أصبح المقذوف مسئولًا عن جريمة الزنا كلما رمى بهذه الجريمة ووجبت عليه عقوبتها، ولهذه النتائج الخطيرة كان من الحكمة أن يعلق رفع دعوى القذف على شكوى المقذوف.
٥٦٧ - من يملك الخصومة؟ يملك المقذوف وحده حق الخصومة فى دعوى القذف إن كان حيًا، فلا تقبل الخصومة من غيره مهما كانت صلته بالمقذوف ولو كان فى القذف مساس به، اللهم إلا إذا كان القذف يعتبر قذفًا
стр. 1255
مباشرًا له، فإذا قذف شخص بأنه زنا بامرأة معينة اعتبر الرجل والمرأة مقذوفين وكان لكل منهما حق الخصومة فى دعوى القذف، ولكن ليس لغيرهما أن يحرك الدعوى فليس لزوج المرأة أو ولدها أو أحد أبويها أن يحرك دعوى القذف ولو أن القذف يمسه لأن القذف لم يمسه إلا عن طريق الرأة المقذوفة وهى صاحبة الحق فى الخصومة، وليس لأبناء الرجل أو أبويه أو زوجته حق الخصومة فى دعوى القذف لنفس السبب.
وإذا حرك المقذوف دعوى القذف ثم مات قبل الفصل فى الدعوى سقطت الدعوى بموته فى رأى أبى حنيفة؛ لأن حق الخصومة فى دعوى القذف حق مجرد ليس مالا ولا بمنزلته فلا يورث (١) .
ولكن مالكًا والشافعى وأحمد يرون أن حق الخصومة يورث فيحل الورثة فى الدعوى محل المقذوف، فإذا لم يكن للمقذوف وارث سقطت الدعوى.
وفى مذهب مالك يرون فى حالة موت المقذوف دون وارث أن للمقذوف أن يوصى بشخص بأن يقوم مقامه فى الدعوى، فإذا أوصى على هذا الوجه حل الوصى محله فى الدعوى ولم تسقط الدعوى بموت المقذوف (٢) .
وإذا مات المقذوف بعد القذف وقبل الشكوى سقط حق المخاصمة ولم يكن لورثة المقذوف أو عصابته أن يخاصموا القاذف إلا إذا كان المقذوف قد مات وهو لا يعلم بالقذف (٣) ؛ لأن سكوته عن الشكوى يعنى أنه لا يريدها أو أنه عفا عن القاذف.
وإذا كان المقذوف ميتًا فجمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة يبيحون رفع الدعوى على القاذف بناء على شكوى ممن يملك حق المخاصمة فإذا لم يكن هناك من يملك هذا الحق امتنع رفع الدعوى إلا عند الشافعى كما قدمنا. ولكنهم اختلفوا فيمن يملك حق المخاصمة فى هذه الحالة، فرأى مالك أن أصول المقذوف وفروعه
стр. 1256
الذكور يملكون حق المخاصمة وأن أجداد المقذوف لأمه يملكون هذا الحق، فإن لم يكن أحد من هؤلاء كان حق المخاصمة للعصبة وللبنات والأخوات والجدات (١) .
ويرى أبو حنيفة أن الخصومة يملكها ولد المقذوف الميت ذكرًا كان أم أنثى وابن ابنه وبنت ابنه وإن سفلوا، ووالده وإن علا. ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أن أولاد البنات يملكون الخصومة أيضًا ولا يرى محمد ذلك (٢) .
ويرى الشافعى أن حق الخصومة يملكه كل وارث، وفى مذهب الشافعى رأى أن الخصومة لجميع الورثة إلا من يرث بالزوجية، ورأى آخر أن الخصومة للعصبات دون غيرهم (٣) .
ويعلل الفقهاء إعطاء الورثة حق المخاصمة فى قذف الميت بأن معنى القذف هو إلحاق العار بالمقذوف والميت ليس محلا لإلحاق العار به فلم يكن معنى القذف راجعًا إليه بل إلى أهله الأحياء الذين يلحقهم العار بقذف الميت، ولما كان أهل الميت يتصلون به بصلة الجزئية وكان قذف الإنسان قذفًا لأجزائه فكأن القذف واقعٌ على أهل الميت من حيث المعنى، ولذلك تثبت لهم حق الخصومة لدفع العار عن أنفسهم. أما إذا كان المقذوف حيًا وقت القذف فقد أضيف إليه القذف وقت أن كان محلًا قابلًا للقذف صورة ومعنى فلحق العار به وانعقد القذف موجبًا حق الخصومة له خاصة (٤) .
ويرجع اختلاف الفقهاء على من يملك حق المخاصمة إلى الاختلاف فى تقدير من يلحقهم عار القذف، فالبعض رأى أنه يلحق كل الورثة، والبعض رأى أنه يلحق الورثة إلا من يرث بالزوجية، والبعض رأى أنه لا يلحق إلا العصبات، والبعض رأى أنه لا يلحق إلا من يعتبر القذف نفيًا لنسبه.
стр. 1257
ولكن الفقهاء مع هذا متفقون على أن من له حق المخاصمة يستطيع أن يخاصم دون توقف على غيره ممن له نفس الحق ولو كان هذا الغير أقرب درجة للميت؛ أى أن الأبعد درجة من الميت يستطيع أن يخاصم ولو لم يخاصم الأقرب (١) .
وإذا كان الفقهاء يعللون المخاصمة بأنها لدفع العار عن المخاصم من أصول الميت أو فروعه أو ورثته أو عصباته وكان للأبعد أن يخاصم مع وجود الأقرب فمعنى ذلك أن الدعوى قصد منها حماية الأحياء لا حماية الميت ودفع العار عنهم لا عنه خصوصًا وأن القذف يتعدى دائمًا المقذوف إلى غيره؛ إذ القذف فى الشريعة معناه رمى المقذوف بالزنا أو نفى النسب عنه فالمقذوف إذا رمى بالزنا تعداه القذف إلى غيره. ومن رمى امرأة بالزنا تعداها القذف على أقل تقدير إلى أولادها، والمقذوف إذا قذف بما ينفى نسبه تعداه القذف إلى أصوله وفروعه وورثته.
٥٦٨ - بين الشريعة والقانون: الرأى السائد فى القوانين الوضعية اليوم أن القوانين توضع لحماية الأحياء دون الأموات، ومن ثم فقذف الميت لا عقاب عليه إلا إذا تعدى أثر القذف إلى الأحياء من ورثة المقذوف أو ذوى قرباه فلا مانع إذن من المحاكمة والعقاب. وبعض القوانين لا يعلق رفع الدعوى على شكوى المقذوف أو ورثته كما هو الحال فى القانون المصرى، ولكن بعض القوانين يشترط لرفع الدعوى شكوى المقذوف كما هو الحال فى القانون الفرنسى، فإذا مات المجنى عليه سقط بموته حق الشكوى، إلا إذا قصد من القذف المساس بكرامة أسرة المقذوف وذويه الأحياء فيحق لهم حينئذ أن يرفعوا الشكوى باسمهم. واتجاه القوانين الوضعية فى قذف الأموات لا يكاد يختلف عن اتجاه الشريعة. فدعوى القذف فى الشريعة تمس دائمًا أسرة المقذوف وأهله، فإذا
стр. 1258
أجازت الشريعة للورثة رفع الدعوى دون قيد فإن هذا يساوى تمامًا ما أجازته القوانين الوضعية للورثه من رفع الدعوى فى حالة مساس القذف بهم؛ لأن القوانين لا تقصر القذف على نسبة الزنا ونفى النسب كما هو الحال فى الشريعة، وإنما تعتبر القوانين قاذفًا كل من أسند لغيره واقعة توجب احتقاره، ومن المسلم به أن كثيرًا مما يعتبر قذفًا فى القوانين لا يمس ورثة المقذوف أو أهله الأحياء، أما نسبة الزنا للمقذوف ونفى النسب عنه فلا شك أنه يمسهم، ومن ثم يمكن القول أن القوانين تجيز دائمًا دون قيد لورثة المقذوف وأهله الأحياء أن يرفعوا الدعوى فى هاتين الحالتين على القاذف.
أما تعليق الدعوى على شكوى المقذوف فقد رأينا بعض القوانين كالقانون الفرنسى يتفق مع الشريعة فى هذا المبدأ، وأن قوانين أخرى منها القانون المصرى لا تعلق رفع الدعوى على شكوى القاذف.
٥٦٩ - هل حد القذف حق لله أم حق للعبيد؟: يقسم الفقهاء الحقوق التى تنشأ عن الجرائم إلى نوعين: حقوق لله تعالى وحقوق للآدميين، ويعتبرون الحق لله كلما كان خالصًا لله أو كان حق الله فيه غالبًا، ويعتبرون الحق للعبد كلما كان خالصًا للعبد أو كان حق العبد غالبًا فيه. وتنشأ حقوق الله عن الجرائم التى تمس مصالح الجماعة ونظامها، وأما حقوق الآدميين فتنشأ عن الجرائم التى تمس الأفراد وحقوقهم.
وحين ينسب الفقهاء الحق لله يعنون بذلك أن الحق لا يقبل الإسقاط من الأفراد ولا من الجماعة، وتعتبر العقوبة فى الشريعة حقًا لله تعالى كلما استوجبتها المصلحة العامة وهى دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم، فكل جريمة يرجع فسادها للعامة وتعود منفعة عقوبتها عليهم تعتبر العقوبة عليها حقًا لله تأكيدًا لتحصيل المنفعة ودفع المضرة والفساد، لأن اعتبار العقوبة حقًا لله يؤدى إلى عدم إسقاطها بإسقاط الجماعة والأفراد لها. ومع أن الفقهاء يقسمون الحقوق إلى حقوق لله وحقوق للأفراد إلا أن
стр. 1259
الكثيرين منهم يرون بحق أن كل ما يمس حق الجماعة الخالص أو حق الأفراد الخالص يعتبر حقًا لله تعالى لأن كل حكم شرعى إنما شرع ليمتثل ويتبع، ومن حق الله على عباده
أن يمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه ويعملوا بشريعته، فكل حكم إذن فيه حق لله من هذه الوجهة، وإذا قيل إن حكمًا ما يرتب حقًا مجردًا للفرد فإن هذا القول لا يعتبر صحيحًا على إطلاقه وإنما يصح إذا غلبنا حق العبيد فى الأمور الدنيوية، كذلك فإن ما يعتبر حقًا خالصًا لله يمس دون شك مصالح الأفراد لأن الشريعة إنما وضعت لتحقيق مصالح الأفراد. وقد ينشأ الحقان معًا عن الجريمة الواحدة كما هو الحال فى جريمة السرقة، فإنه ينشأ عنها حق لله تعالى؛ أى حق للجماعة فى عقاب الجانى، وحق للمجنى عليه فى استرداد ماله المسروق أو أخذ مقابله.
وقد ينشأ عن الجريمة حق واحد فقط كما هو الحال فى جريمة الردة فإنه لا ينشأ عنها إلا حق واحد هو حق الجماعة فى عقاب الجانى. والأصل فى الشريعة أن فرض العقوبة واستيفاءها حق لله تعالى ولكن استيفاء بعض العقوبات جعلت استثناءً حقًا للأفراد وهى عقوبات جرائم الاعتداء على حياتهم
وأجسامهم أى القتل والجرح والضرب، فقد جعلت الشريعة استيفاء عقوبة القصاص وعقوبة الدية حقًا للأفراد ولهم أن يتمسكوا بها أو يتنازلوا عنها، فإذا تنازلوا عنها كان للجماعة أن تعاقب الجانى بالعقوبة الملائمة لظروف الجريمة والمجرم، وعلى هذا فإن جعل استيفاء بعض العقوبات من حق الأفراد لا يسلب الجماعة حقها فى فرض عقوبات أخرى على هذه الجرائم ولا يمنع من تنفيذ هذه العقوبات الأخرى.
ومن المتفق عليه أن جريمة القذف فيها حقان: حق لله تعالى وحق للمقذوف ولكن الفقهاء يختلفون على أى الحقين هو الأقوى، فأبو حنيفة يغلب حق الله على حق العبد ويجعل الجريمة متعلقة بحق الله تعالى، وبعض الحنفية يرى أن
стр. 1260
حق القذف متعلق بحقوق الأدميين وحقوق الله وأن الحق الغالب فيه هو حق الآدميين (١) .
والشافعى وأحمد يغلبان حق العبد على حق الله ويجعلان الجريمة متعلقة بحقوق الآدميين. ومالك يغلب حق العبد قبل الشكوى ويغلب حق الله تعالى بعد الشكوى، فالجريمة عنده متعلقة بحقوق الآدميين قبل الشكوى ومتعلقة بحقوق الله تعالى بعد الشكوى. ويغلب الشافعى وأحمد حق العبد لأن العبد فى حاجة إلى حقه أكثر من حاجة الجماعة إلى حقها، ويغلب أبو حنيفة حق الجماعة على حق العبد لأن ذلك يؤدى إلىحفظ حق الجماعة وحق العبد معًا بينما تغليب حق العبد يؤدى إلى إهدار حق الجماعة (٢) .
ولأن ولى الأمر يعتبر نائبًا عن الأفراد ونائبًا عن الجماعة فيستطيع أن يقوم على حق الجماعة وحق الفرد إذا غلب حقه لا يمثل إلا نفسه فلا يستطيع أن يرعى حق الجماعة، أما مالك فيغلب حق العبد قبل الشكوى باعتبار أن حق الجماعة لا يبدأ فى الظهور إلا بعد الشكوى فإذا لم تكن شكوى فلا حق إلا حق الآدمى، أما بعد الشكوى فيوجد حق الجماعة، وإذا وجد حق الجماعة تغلب على حقوق الآدميين (٣) .
٥٧٠ - ويترتب على الاختلاف فى تغليب أحد الحقين على الأخر نتائج كثيرة أهمها:
١ - أن تغليب حق الآدميين على حقوق الله يؤدى إلى القول بأن الحقوق الناشئة للمقذوف عن جريمة القذف تورث لأن الإرث يجرى فى حقوق العباد، بينما القائلون بتغليب حق الله على حق الآدمى لا يرون الإرث فى حق المخاصمة،
стр. 1261
إذ الحد وإن كان والآدمى يرث الآدمى فيما كان مالا أو متصلا بالمال وحق المخاصمة ليس شيئًا من هذا.
٢ - العفو: فمن غلب حق الله على حق الآدميين كأبى حنيفة رأى أن المقذوف ليس له أن يعفو عن القاذف بعد ثبوت الجريمة عليه، فإن عفا كان عفوه باطلا، لأن الحد حق من حقوق الله فليس للفرد أو الجماعة إسقاطه ولا يسقط بالعفو كسائر الحدود. ومن غلب حق العبد على حق الله كالشافعى وأحمد رأى المقذوف له أن يعفو عن القاذف إلى وقت إقامة الحد، فإن عفا عنه سقط الحد، على إنه إذا تعدد المقذوفين وكانت الجريمة محكومًا فيها بحد واحد فيشترط لسقوط الحد أن يكون العفو من جميع المقذوفين، فإذا عفا البعض دون البعض وجب الحد لمن لم يعف ولم يسقط بعفو من عفا (١) .
ولمالك آراء متعددة فى العفو أولها: أن العفو يصح إلى ما قبل التبليغ فإذا لم يعف المقذوف وبلغ عن الحادث فلا عفو بعدها. وثانيها: أن العفو يصح إلى ما قبل سماع الشهود، فإن أدى الشهود شهادتهم فلا عفو بعدها.
وثالثها: أن العفو جائز قبل التبليغ وبعده كلما قصد المقذوف من العفو أن يستر على نفسه (٢) . والقائلون بالعفو يجيزون أن يكون العفو صريحًا أو ضمنيًا، ويرتبون على العفو قبل التبليغ عدم جواز رفع الدعوى لسقوط حق المقذوف فى الشكوى بالعفو.
* * *
стр. 1262
المبحث الثالث
الأدلة على القذف
يثبت القذف بالطرق الآتية:
٥٧١ - أولا شهادة الشهود: ويشترط فى شهود القذف ما يشترط فى شهود الزنا من البلوغ والعقل والحفظ والقدرة على الكلام والعدالة والإسلام وانعدام القرابة وانعدام العداوة وانعدام التهمة. كذلك يشترط فى شهود القذف الذكورة والأصالة، وقد تكلمنا عن هذه الشروط جميعًا بمناسبة الكلام على الشهادة فى الزنا.
عدد الشهود: فيما يختص بإثبات التهمة يكفى لإثبات واقعة القذف على القاذف شهادة شاهدين فقط. أما فيما يختص بنفى التهمة فللمتهم بالقذف أن يتبع إحدى الطرق الآتية:
الأولى: أن ينكر واقعة القذف ثم يستشهد على عدم حصول القذف بمن شاء من الرجال والنساء دون التقيد بعدد معين.
الثانية: أن يدعى أن المقذوف اعترف بصحة القذف، ويكفى لتأييد هذا الدفاع شهادة رجلين أو رجل وامرأتين (١) .
الثالثة: أن يعترف بالقذف ويبدى استعداده لإثبات صحة القذف، وفى هذه الحالة يجب عليه أن يستشهد على صحة الواقعة المقذوف بها أربعة شهود يشترط فيهم ما يشترط فى شهود إثبات جريمة الزنا على أن لا يكون القاذف أحدهم لأنه لا يعتبر شاهدًا.
الرابعة: إذا كان زوجًا فاعترف بالقذف فله أن يلاعن الزوجة، ويرى أبو حنيفة أن للقاذف أن يثبت صحة القذف بأربعة شهود غيره، فإن شهدوا بصحة القذف فلا يحد المقذوف حد الزنا إذا كانت الشهادة على زنًا متقادم (٢) .
стр. 1263
لأن الأصل عنده أن الشهادة لا تقبل عند التقادم ولكنها قبلت هنا لإسقاط الحد عن القاذف وليس لإيجاب الحد على المقذوف. ويخالف أبا حنيفة فى هذا الأئمة الثلاثة ويرون حد المقذوف حد الزنا إذا ثبت الزنا عليه ولو كان متقادمًا لأنهم لا يعترفون بالتقادم "إلا على رأى لأحمد كما ذكرناه".
ويرى أبو حنيفة أن لا أثر للتقادم على القذف لأن الدعوى فى القذف شرط فلا يمكن التقدم بالشهادة حسبة ولا تقبل مثل هذه الشهادة قبل الدعوى، وما دامت الدعوى تأخرت لأسباب خاصة بالمقذوف فليس من هذا ما يدعو إلى اتهام الشهود وليس فيه ما يفيد معنى الضغينة والتهمة كما هو الحال فى الزنا والشرب مثلًا، إذ الدعوى فى هاتين الجريمتين ليست شرطًا (١) .
٥٧٢ - ثانيًا: الإقرار: يثبت القذف بإقرار القاذف أنه قذف المجنى عليه، ولا يشترط العدد فى الإقرار فيكتفى أن يقر مرة واحدة فى مجلس القضاء (٢) .
ويرى أبو حنيفة جواز الشهادة على الإقرار فى القذف إذا حدث فى غير مجلس القضاء؛ لأن إنكار الإقرار بالقذف لا قيمة له ولا يعتبر رجوعًا عن الإقرار (٣) ، ولأن الرجوع عن الإقرار فى القذف لا أثر له على الحد لأن حد القذف حق العبد من وجه، وحق العبد لا يحتمل السقوط بالرجوع بعد ثبوته كما هوالحال فى القصاص (٤) . ولا يقبل الرجوع عند أحمد (٥) .
стр. 1264
ويصح الإقرار فى القذف ولو مع السكر كما هو الحال فى الخصومة المالية؛ لأن للعبد حقًا فى القذف (١) .
ومن المتفق عليه فى مذهب أبى حنيفة أن للقاضى أن يقضى بعلمه فى القذف على أن يكون العلم فى زمان القضاء ومكانه، ولكنهم اختلفوا على جواز القضاء بعلمه إذا كان العلم فى غير زمان القضاء أو مكانه (٢) .
٥٧٣ - ثالثًا: اليمين: يثبت القذف عند الشافعى باليمين إذا لم يكن لدى المقذوف دليل آخر فله أن يستحلف القاذف فإن نكل القاذف ثبت القذف فى حقه بالنكول.
ويرى الشافعى أيضًا أن يستحلف القاذف المقذوف إذا لم يكن لدى القاذف بينة على صحة القذف، فإن نكل المقذوف عن اليمين اعتبر القذف صحيحًا ودرئ الحد عن القاذف، ولا يرى الشافعى الاستحلاف فى شئ من الحدود إلا فى القذف فقط لأنه حق العبد ولأن الرجوع عن الإقرار فى القذف باطل ولأن النكول عن اليمين بمثابة الإقرار. أما فى الحدود الأخرى فلا يرى الاستحلاف فيها لأنها حق الله من ناحية ولأن الرجوع عن الإقرار فيها صحيح (٣) .
وفى مذهب أبى حنيفة يرى بعضهم الاستحلاف ولا يراه البعض الآخر، فمن قال بالاستحلاف اعتبر ما فى القذف من حق العبد، على أن القائلين بالاستحلاف اختلفوا فمنهم من رأى القضاء بالحد بالنكول، ومنهم من رأى القضاء بالتعزير عند النكول بدلًا من الحد، ومن قال بعدم الحلف اعتبر حق الله وأنه هو الحق الغالب فألحقه بسائر حقوق الله تعالى الخالصة وهى لا تقضى بها باليمين ولا بالنكول (٤) .
ولا يرى مالك وأحمد جواز الإثبات باليمين فى القذف فليس للقاذف أو
стр. 1265
المقذوف أن يستحلف الآخر (١) .
ولأحمد رأى قديم بجواز القضاء بالنكول فى القذف، ولكن المذهب أنه لا يقضى بالنكول فى غير المال وما يقصد به المال (٢) .
* * *
المبحث الرابع
عقوبة القذف
٥٧٤ - للقذف عقوبتان: الأولى أصلية وهى الجلد والثانية تبعية وهى عدم قبول الشهادة والأصل فى العقوبتين قوله تعالى: ﴿وَالَّذيِنَ يَرْمُنَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةُ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] .
عقوبة الجلد: عقوبة الجلد مقدارها ثمانون جلدة، وهى لا تقبل استبدالا ولا إنقاصًا، ليس لولى الأمر حق العفو عن العقوبة، أما المقذوف فله الحق فى العفو عنها على رأى البعض وليس له العفو على رأى البعض الآخر، كما بينا من قبل.
عدم قبول الشهادة: من المتفق عليه أن القاذف يجب عليه مع الحد سقوط شهادته لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ .
وقد اختلفوا فى سقوط الشهادة مع التوبة، فرأى أبو حنيفة أن شهادة القاذف تسقط وإن تاب، ورأى مالك والشافعى وأحمد أن القاذف تقبل شهادته إن تاب، وأساس اختلافهم فى هذه المسألة هو اختلافهم فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ، فمن رأى أن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور فى قوله تعالى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: التوبة ترفع الفسق ولا تؤثر على عدم قبول